الخميس، 29 أغسطس 2019

شيخ في التسعين.. يستنهض همم الشبان

بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ

الـسَّـلَامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبـَرَكَـاتُـهُ
الحَمْدُ للهِ الحَمِيدِ المَجِيدِ؛ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَمُعَافَاتِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى حُكْمِهِ وَمُجَازَاتِهِ،

يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ سَيِّئَةً مِثْلَهَا، وَيُضَاعِفُ الحَسَنَةَ إِلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛

هَدَى قُلُوبَ أُنَاسٍ فَشَرَوُا الآخِرَةِ بِالدُّنْيَا، وَضَلَّ عَنِ هِدَايَتِهِ أَقْوَامٌ فَخَلَدُوا إِلَى الفَانِيَةِ وَضَيَّعُوا البَاقِيَةَ؛

[مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا] {الكهف:17}،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ دَعَا إِلَى الهُدَى فَاتَّبَعَهُ ثُلَّةٌ مِنَ السَّابِقِينَ فَدَوْهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،

وَانْخَلَعُوا مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَعَادَوا عَشَائِرَهُمْ وَقَبَائِلَهُمْ؛ فَسَخَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ، وَاخْتَارَهُمْ حَمَلَةً لِدِينِهِ،

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا دِينَكُمْ، وَتَعَاهَدُوا إِيمَانَكُمْ،

وَتَفَقَّدُوا قُلُوبَكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ،

[يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] {الشعراء:88-89}.





شيخ في التسعين.. يستنهض همم الشبان

كان مجلسًا حافلاً بدا لي أن الرحمةَ تغشاه والملائكةَ تحفُّه.. ذاك الذي دعاني إليه أخي الحبيب وصاحبي القريب

 الأستاذ أيمن بن أحمد ذوالغنى في بيته بمدينة الرياض العامرة. وقد سعدت بكلِّ من ضمَّه ذلك المجلس

من أهل العلم، وما اشتمل عليه من الأطايب واللذائذ، إلا أن سروري الذي لم يعادله

سرور إنما كان بلقاء عَلَمَين من أعلام هذا الزمان طالما تطلَّعت إلى لقائهما.

أما الأول فهو الشيخ الجليل د. محمد بن لطفي الصبَّاغ صاحب الفصاحة والنصاعة

والداعية الإسلامي المعروف أمتع الله به وزاده من فضله.

وأما الآخَر فهو شيخ أشياخنا العلامة الجليل عبد الرحمن الباني الذي ما إن حلَّ بالمجلس حتى بدأ يُعد العدَّة للسماع!

 وأي سماع هذا ؟! إنه سماع أهل العلم، يريد أن يُصغيَ لأهل المجلس فلا بد إذن من وضع سمَّاعات

 الأذن بعد أن كَلَّ السمع. ثم ماذا ؟ سيل من الأسئلة .. ومحاولة للإحاطة بموضوع يتحاماه الناس

من المتخصصين، بَلهَ  المثقفين وذوي المعارف العامَّة من أهل العلم.

أما الموضوع فهو علمُ التعمية واستخراج المعمَّى (الشِّفرة وكسرها)، وريادةُ العرب المسلمين فيه!

وما صنَّفوا من مخطوطات سبقوا بها علماء أوربة، بل سبقوا العالم كلَّه إليه، ولم يكتفوا بذلك

بل كشفوا اللِّثام عن رموز الأقلام القديمة التي كانت الحكماء تُخفي بها كتاباتها،

 ومن بين هذه الأقلام الكتابة الهيروغليفية القديمة!

وهنا بدأ الشيخ الجليل يسألُ عن صاحب أول مخطوط عَرَض لهذه اللغة وهو ابن وحشيَّة النَّبطي،

 وعن تتبُّعنا لآثاره، ومعرفتنا بمواطن نُسَخ هذا المخطوط النادر..

لم يَدُر بخَلَدي أن الشيخ يسألُ هذه الأسئلة ليكونَ له أجر المشاركة بهذا العمل العلميِّ،

بل ليقدِّم لنا في صباح اليوم التالي صفحات تتبَّع فيها تراجمَ ابن وحشيَّة في مظانِّها من كتب التراجم والتاريخ

والموسوعات، وتتبَّع أيضًا مؤلفات الرجل، ثم ختمها بصفحتين كانتا كالتاج لما كتب جعلهما تحت عنوان: "حقائق لاستنهاض الهمم".



جاء فيهما:

1- الخُوارِزْمي محمد بن موسى (ت نحو 232هـ / 847م): مؤسِّس علم الجبر.

2- عبَّاس بن فرناس (ت 274هـ / 887م)، والجوهري إسماعيل بن حمَّاد

 (ت 393هـ / 1003م) صاحب ((الصَّحاح)): أول من حاول الطيران.

3- الرازي أبو بكر محمد بن زكريا (ت نحو 313هـ / 925م): مؤسِّس علم الكيمياء،

وأبو الكيمياء الحديثة [راجع: لمحات في تاريخ العلوم الكونية عند المسلمين، للدكتور عبدالله حجازي،

 الرياض 1417هـ]، ومؤسِّس علم طبِّ الأطفال [راجع: تاريخ طب الأطفال عند العرب،

 للدكتور محمود الحاج قاسم محمد، ط2، مكتبة تهامة- جُدَّة، 1403هـ].

4- الكَرَجي [وفي بعض المصادر: الكَرْخي] محمد بن الحسن (ت نحو 410هـ / 1020م):

 أول من اكتشف طرقًا علمية لاستخراج المياه الجوفية من باطن الأرض في كتابه ((إنباط المياه الخفيَّة))،

وهو مبدع مثلَّث المعادلات ذات الحدَّين المعروف بمثلَّث باسكال نسبة إلى الفرنسي بْلِيز باسكال (ت 1073هـ / 1662م)

، والأَولى أن يسمَّى مثلث الكَرَجي [انظر: كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟، للدكتور خالد عزب،

 الصادر عن المنظَّمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو)، فصل: علم استنباط المياه عند المسلمين].

5- ابن الهيثم محمد بن الحسن (ت نحو 430هـ / 1038م) لا الألماني يوهانز كبلر

(ت 1040هـ / 1630م): مكتشف قوانين الضوء [راجع: ابن الهيثم بحوثه وكشوفه البصرية، لمصطفى نظيف، 1361هـ / 1942م].

6- الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (ت 505هـ / 1111م) لا الروسي إيفان بافلوف

 (ت 1355هـ / 1936م): مكتشف الفعل المنعكس الشرطي [د. فايز الحاج].

7- ابن النفيس علي بن أبي الحزم (ت 687هـ / 1288م) لا الإسباني مايكل سرفيتوس (ت 960هـ / 1553م)،

 ولا البريطاني وليم هارفي (ت 1068هـ / 1657م): مكتشف الدورة الدموية [راجع: ابن النفيس، لبول غلبونجي].

8- ابن الشاطر علي بن إبراهيم (ت 777هـ / 1375م) لا البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (ت 950هـ / 1543م): في بيان القوانين الفلكية.

9- ابن خلدون عبدالرحمن بن محمد (ت 808هـ / 1406م) لا الفرنسي أوغست كونت (ت 1273هـ / 1857م)،

 ولا الفرنسي إميل دوركهايم (ت 1335هـ / 1917م): مؤسِّس علم الاجتماع [راجع: ابن خلدون،

 للدكتور علي عبدالواحد وافي، وله كتب أخرى عن ابن خلدون]. وابن خلدون لا الفرنسي شارل مونتسكيو

 (ت 1168هـ / 1755م): في ربط علم الاقتصاد بعلم التاريخ [علماء العرب وما أعطَوه للحضارة، لقدري حافظ طوقان].

10- علماء المسلمين وبخاصة علماء الأصول لا البريطاني جون استِوارت مِل (ت 1290هـ / 1873م):

 مؤسِّسو المنهج التجريبي [راجع: مناهج البحث عند المسلمين، للدكتور علي سامي النشَّار].

11- العرب لا الإيطالي كريستوفر كولومبس (ت 911هـ / 1506م): في اكتشاف أمريكا [سعيد العُريان].



ثم ترك لنا فراغات لنملأها بما كنَّا اكتشفناه من مخطوطات التعمية، ومخطوطات الأقلام القديمة، فملأناها بما يأتي:

12- فيلسوف العرب الكندي يعقوب بن إسحاق (ت نحو 260هـ / 873م) لا الإيطالي ألبرتي

 (ت 877هـ / 1472م): في اكتشاف علم التعمية واستخراج المعمَّى (الشِّفرة وكسر الشِّفرة).

13- ابن وَحشيَّة النَّبَطي أحمد بن علي (ت نحو 291هـ / 914م) لا جان فرانسوا شامبليون

 (ت 1247هـ / 1832م): أول من كشف اللثام عن رموز اللغة الهيروغليفية القديمة.

14- علي بن عدلان النحوي (ت 666هـ / 1268م) لا جيوفاني بورتا

(ت 970هـ / 1563م): أول من استخرج النصوص بلا فاصل في علم استخراج المعمَّى.

15- ابن الدرَيهم الموصلي عليُّ بن محمد (ت 762هـ / 1361م): صاحب جدول

التعمية المعروف بجدول فيجنير (من أعلام القرن العاشر الهجري، والسادس عشر الميلادي).

وقد دسَّ لي هذه الأوراقَ أخي الحبيب أيمن قبل محاضرتي التي شاركتُ فيها في حفل إصدار سلسلة ترجمة

 كتب علم التعمية عند العرب المسلمين باللغة الإنكليزية في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ومركز

الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فرأيت فيها مسكَ الختام لبحثي إذ ختمت بها

الكلام بعد أن قلت: إننا أمة نامت حتى عن مفاخرها، ولكن الله جلَّت حكمته يقيِّض لهذه الأمة كلَّ

حين من ينفض عنها غبار النوم، ولعل هذا الشيخَ الجليل واحد ممن قيَّضهم الله لاستنهاض همم الشبان

من أبناء هذه الأمة، بما آتاه من دأب على العلم، وهمَّة لطلبه،

وصبر على لأوائه، وتتبُّع لمسائله، واحتفاء بقضاياه، وحمل لرايته، وتحمُّل لمتاعبه ..

إنه والله يذكِّرني بقول الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم:

((إن قامَتِ السَّاعةُ، وفي يَدِ أحَدِكُم فَسِيلَةٌ، فإن استطاعَ ألاَّ تقومَ حتَّى يَغرِسَها، فَلْيَغْرِسها)) [رواه الإمام أحمد في مسنده].

فهو ليس حريصاً على غرس الفسيلة فحسب، ولكن حرصه على أن يزرعَ في هذه الأمة طولَ الأمل بعد

 أن عانت طولَ اليأس والقنوط، وأن يغرسَ فيها همَّة العمل بعد أن عانت فتورَ الهمَّة والكسل،

وأن ينمِّي فيها عشقَ المعرفة بعد أن عشَّش فيها الجهل وأحاط بها من كلِّ جانب،

وأن يحيي فيها روحَ البحث والوعي بعد أن غدت ضحكةً على أشداق الأمم.

أسأل الله له طولَ العمر، وعظمَ الأجر، ودوامَ النفع، ممتعًا بالصحة والعافية، آمين آمين والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد