السبت، 24 أغسطس 2019

أويس بن عامر القرني مواقف إيمانية من حياة الصالحين


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مواقف إيمانية من حياة الصالحين

ملاحظه حقا الموضوع طويل لكن والله مفيد للغاية اسأل الله أن ينفع به اقرأ منه مقدار ما تكتفى حتى لو سطرين وجدد النية وأحسن الظن بالله جل وعلا فلن يخيب ظنك ابدا

أويس بن عامر القرني

رجل من أولياء الله الصالحين، جعل نصب عينه مراقبة الله، ورعاية حرماته...
زهد في الدنيا بعد أن جاءت إليه راغمة، وتعالت نفسه على الرئاسة والإمارة بعد أن دُعي إليها من الخليفة عمر بن الخطاب، وعزفت نفسه عن الشهرة بعد أن كانت منه قاب قوسين أو أدنى...
وترفعت نفسه عن المجد المبتذل المزيف؛ فأبى المجد الصادق الحقيقي إلا أن يسير في ركابه ...
أرأيت إنساناً يختار أن يعيش أجيراً فقيراً و في مقدوره أن يكون سيداً مطاعاً، وثرياً واسع الثراء، وزعيماً يصدر القوم عن رأيه !!!
نعم إنه أويس القرني، عاش حياته خامل الذكر، فقير الحال، يحتقره أكثر الناس؛ لما يظهر عليه من رثاثة الثياب، وضآلة البدن، والعمل في خدمة الناس كأجير يرعى الإبل، بل أنه كان يتوسل إلى أحدهم أن يكف عن أذيته والسخرية منه، ومن رثاثة ثيابه...
هذا الرجل قد ذكره رسول الله ج ووصفه بالصلاح والتقوى، وأنه لو أقسم على الله لأبره ...
قال عمر بن الخطاب ط سمعت رسول الله ج يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر في أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبريء منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسم على الله لأبر قسمه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)(1).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال :قال رسول الله ج: ((إن الله تعالى يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء، الأبرياء، الشعثة روؤسهم، المغبرة وجوههم،الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم يُنكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح لطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا...


قالوا يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟
قال ؛: ذاك أويس القرني...
قالوا : ومن أويس القرني...
قال: أشهل ذو صهوبة()، بعيد ما بين المنكبين، معتدل، آدم() شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله يتلوا القرآن، ويبكي على نفسه، ذو طمرين()، لايؤبه له()، مئتزر بإزار صوف...
مجهول في أهل الأرض، معروف في أهل السماء، لو أقسم على الله تعالى لأبر قسمه، ألا وأن تحت منكبه الأسير لمعة بياض، ألا وأنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد أدخلوا الجنة، وقيل لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله ﻷ في مثل عدد ربيعة ومضر
يا عمر ويا علي إذا أنتما لقيتماه، فأطلبا إليه أن يستغفر لكما...
فمكث عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب يطلبانه عشر سنين، لا يقدران عليه، فلما كان آخر السنة التي توفي فيها عمر ط قام على جبل أبي قبيس فنادى بأعلى صوته:
يا أهل الحجيج من اليمن
أفيكم أويس من مراد؟
فقام شيخ كبير اللحية فقال:
- إنا لا ندري من أويس، ولكن هناك ابن أخ لي يقال له أويس، وهو أخمل ذكراً، واقل مالاً، وأهون أمراً، من أن نرفعه إليك، وإنه ليرعى أبلنا، **** بين أظهرنا...
فعمى عليه عمر كأنه لا يريده، وقال: أين ابن أخيك هذا؟ أبحرمنا هو؟
قال: نعم...
قال عمر: وأين يصاب...
قال الرجل بأراك عرفات...
ثم ركب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب من ساعتهما سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة ، فأوقفا راحلتيهما؛ ثم اقبلا عليه فقالا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فخفف أويس الصلاة وقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قالا: من الرجل؟
قال: راعي إبل وأجير قوم...
قالا: لسنا نسأل عن الرعاية ولا عن الإجارة...
ما اسمك؟
قال: عبدالله...
قالا: قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد الله...
فما اسمك الذي سمتك به أمك؟
قالا: يا هذان ما تريدان مني؟
قالا: وصف لنا محمد ج أويس القرني فقد عرفنا الصهوبة والشهولة؛ فأخبرنا؛ أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء، فأوضحها لنا فإن كانت بك، فأنت هو فأوضح منكبه؛ فإذا اللمعة تلوح...
فابتدراها يقبلانها وقالا: نشهد إنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر الله لك...
قال: ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحد من بني آدم، ولكنه في البر والبحر، في المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات...
ثم قال: يا هذان إنه قد شهر الله لكما حالي، وعرفكما أمري، فمن أنتما؟
قال علي: أما هذا فهو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وأما أنا فعلي بن أبي طالب، فاستوى أويس قائماً...
وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته...
السلام عليك يا ابن أبي طالب ورحمة الله وبركاته...
جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً...
قالا: وأنت جزاك الله خيراً عن نفسك...


وقال له عمر: أنت أخي، لا أريدك تفارقني أبداً، وعندما رأى عمر رثاثة ثيابه، وضآلة بدنه...
قال له: مكانك يرحمك الله؛ حتى أتيك بنفقة من عطائي، وكسوة من فضل ثيابي، وهذا المكان ميعاد بيني وبينك...
قال أويس: لا أراك بعد اليوم تعرفني...
ما أصنع بالنفقة؟...
وما أصنع بالكسوة؟...
أما ترى علي إزاراً من صوف، ورداء من صوف، متى تراني أخرقهما، أما ترى نعلاي مخصوفتين.. متى تراني أبليهما؟
أما تراني قد أخذت من أجرتي أربعة دراهم متى تراني أكلهما...
ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كوؤدا، لا يكاد يجاوزهما إلا ضامر مخف مهزول فأخف رحمك الله...
فلما سمع عمر ط ذلك ضرب بدرته الأرض! ثم نادى بأعلى صوته....
ألا يا ليت أم عمر لم تلده...
ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها...
يا ويلتاه من يوم تشخص فيه الأبصار...
يا ويلتاه من يوم صبيحته القيامة...
يا وليتاه من جواز السراط...
يا وليتاه من الوقوف بين يدي رب العالمين...
ثم التفت أويس إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وقال:
وداعاً لا لقاء بعده...
يا أمير المؤمنين خذا من هذا الطريق؛ حتى أخذ أنا من الطريق الآخر، فولى عمر وصاحبه ناحية مكة، وساق أويس أبله حتى وافى القوم بإبلهم وخلا عن الرعي، وأقبل على العبادة...
هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه حلية الأولياء 2/80 عن أبيه عن حامد بن محمد عن مسلمة بن شبيب عن الوليد بن إسماعيل الحراني عن مجالد بن يزيد عن نوفل بن عبدالله عن الضحاك بن مزاحم عن أبي هريرة وأورده الحسن الواسطي في كتابه مجمع الأحباب بدون إسناد، وأورده أيضاً ابن الجوزي في صفة الصفوة بدون إسناد، وتعقبه الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال: هذا سياق منكر...
يذكر أن أويساً سافر إلى الكوفة بعد أن رفض دعوة عمر بن الخطاب للبقاء معه في المدينة؛ ليعينه على أمور المسلمين، كل ذلك خوفاً على نفسه من الفتنة، ورعاية لحقوق الله ـ وزهداً في الدنيا واستصغاراً لشأنها...
ثم انظر إلى أخباره في الكوفة تجد عجباً!!
لقد تحمل العري والجوع وأذية الأشرار صابرا محتسبا!!
علماً أنه لو أراد أن يكون أميراً على ذلك البلد لحصل على ذلك، ولو أراد أن يكون بيته مزاراً للناس لتقاطروا عليه من كل حدب وصوب؛ يقبلون يديه ورجليه؛ ليفوزوا بأعظم منحة، وهي أن يستغفر لهم ...
عن يسير بن جابر قال: كان هناك محدث بالكوفة يحدثنا؛ فإذا فرغ من حديثه انصرف ، ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحد يقول مثله يدخل القلب، ويؤثر في النفس، قال : فأحببت ذلك الرجل، ثم أني فقدته بعد مدة، فقلت لأصحابي هل تعرفون رجلاً كان يجالسنا صفته كذا وكذا...
قال رجل منهم: نعم أعرفه.. ذلك أويس القرني...
قلت: أفتعرف منزله؟
قال: نعم...
فانطلقت معه حتى جئت حجرته؛ فخرج إلينا فقت يا أخي: ما حبسك عنا؟
قال: العري!
قال: وكان أصحابه يسخرون منه، ويؤذونه، قال: قلت خذ هذا الثوب فألبسه حتى تتمكن من الحضور إلينا...
قال: لا تفعل؛ فإنهم إذاً يؤذونني إذا رأوه...
قال: فلم أزل به حتى لبسه، ثم خرج عليهم فعندما رأوه، قالوا: من ترون خدع هذا عن برده.
قال: فعاد إلى موضعه وقال: أرأيت...
قال : فأتيت القوم في مجلسهم فقلت: ما تريدون من هذا الرجل...
قد آذيتموه، فهو يعرى مرة ويكتسي مرة...
قال: فأخذتهم بلساني أخذاً شديداً...
قال: ثم أن وفداً من أهل الكوفة ذهب إلى المدينة المنورة، وعندما علم بهم عمر بن الخطاب سألهم عن أويس القرني، وكانوا لا يعلمون عن حاله شيئاً، وكان معهم ابن عم له يولع به؛ فإن رآه مع قوم أغنياء قال: ما هو إلا يستأكلهم...
وإن رآه مع قوم فقراء قال: ما هو إلا يخدعهم...
وأويس لا يقول: في ابن عمه ذلك إلا خيراً غير أنه إذ مر به استتر منه ، مخافة أن يأثم في سبه ، فعندما سأل عمر عنه تقدم ابن عمه ذاك وقال: يا أمير المؤمنين هو ابن عمي، وهو رجل **** خامل الذكر، لم يبلغ ما أن تعرفه أنت. قال عمر: ويلك هلكت.. ويلك هلكت، ذلك من أولياء الله الصالحين، ثم عرف القوم خبره...
ثم أن ذلك الرجل ندم على ما كان يفعل بأويس وعندما عاد على الكوفة ذهب إلى ابن عمه أويس قبل أن يدخل بيته وقال: استغفر لي يا ابن عمي...
قال أويس: ما هذه بعادتك؛ فما بدا لك...
قال: سمعت عمر يقول كذا وكذا، فاستغفر لي يرحمك الله...
قال أويس لا أفعل حتى تجعل لي عليك:
- أن لا تسخر مني فيما بعد...
- وأن لا تخبر أحداً بالذي سمعت من عمر...
قال يسير: فما لبث أن فشا أمره في الكوفة وتكاثر عليه الناس، يطلبون منه أن يستغفر لهم...
فاختفى من الكوفة فجأة ولم يعثر له على أثر.. وكان ذلك آخر العهد به ..
هذا الخبر قد ورد أكثره في صحيح مسلم...
وقال هرم بن حيان: قدمت الكوفة، فلم يكن لي هم إلا طلبه؛ حتى وجدته على شط الفرات يتوضأ ؛ فعرفته بالنعت الذي نعت لي.. وكان مهيب المنظر؛ فسلمت عليه، ورد علي السلام...
ونظر إلي.. فمددت يدي لأصافحه، وقلت له: رحمك الله وغفر لك...
كيف أنت؟
وخنقتني العبرة من حبي إياه، ورقتي عليه لما رأيت من رقة حاله.. فبكيت.. وبكى ثم قال: وأنت حياك الله يا هرم بن حيان كيف أنت يا أخي؟
من دلك عليّ؟
قلت: الله...
قال: لا إله إلا الله...
(وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً)[الإسراء:108]
فقلت من أين عرفت أسمي واسم أبي...
قال: عرفت روحي روحك، حين كلمت نفسي نفسك...
إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضاً، ويتحابون بروح الله، وإن نأت بهم الدار، وتفرقت بهم المنازل قلت: حدثني – رحمك الله – عن رسول الله ج قال: إني لم أدرك رسول الله ج ولم يكن لي معه صحبه - بأبي هو وأمي - ولكن قد رأيت رجالاً قد رأوه...
ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب ؛ فأني لا أحب أن أكون محدثاُ ولا قاصاً ولا مفتياً ؛ إن في نفسي لشغل عن ذلك...
فقلت له: اقرأ علي آيات من كتاب الله ﻷ؛ فإني أحب أن أسمعها منك، وأوصني بوصية أحفظها عنك، فأني أحبك في الله تعالى...
فأخذ بيدي وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
قال ربي، وأحق القول قول ربي، وأصدق الكلام ربي.. ثم قرأ
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 42 ) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ(45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48)﴾

[الدخان 38-42]
قال: فشهق شهقة، فنظرت إليه، كاد أن يغشى عليه!.. ثم قال:
يا ابن حيان.. مات أبوك، ويوشك أن تموت، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ومات آدم، وماتت أمك حوى، ومات نبي الله نوح، ومات إبراهيم خليل الله، ومات موسى نبي الله، ومات داوود خليفة الرحمن، ومات محمد حبيب الرحمنج عليهم أجمعين، ومات أبوبكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب ط...
قلت له: يرحمك الله، إن عمر لم يمت...
قال: بلى قد نعاه إليّ ربي ﻷ، ونعى إليّ نفسي، وأنا وأنت غداً في الموتى ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم...
ودعا بدعوات خفاف ثم قال:
وصيتي إليك كتاب الله، ونعي المرسلين، ونعي صالح المؤمنين، وعليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين، وأنذر قومك إذا رجعت إليهم، وأنصح لأمة محمدصلى الله عليه وسلم جميعاً وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك؛ وأنت لا تعلم؛ فتدخل النار، ادع لي ولنفسك.. ثم قال: اللهم إن هذا زعم أنه يحبني فيك وزارني من أجلك...
فعرفني وجهه في الجنة... وادخله دار السلام وأحفظه ما دام في الدنيا حيا ورضه من الدنيا باليسير، واجعله لما أعطيته من نعمك من الشاكرين...
ثم قال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته لا أراك بعد اليوم رحمك الله؛
فإني أكره الشهرة، والوحدة أحب إلي لأني كثير الغم، مادمت مع الناس حياً...
وقال: لا تسأل عني، ولا تطلبني، وأعلم أنك مني على بال، وإن لم أرك وتراني واذكرني، وادع لي، فأني سأدعو لك وأذكرك إن شاء الله...
والآن انطلق أنت من هاهنا حتى آخذ أنا من هاهنا...
قال يسير فحرصت على أن أمشي معه ساعة فأبي علي ذلك، ففارقته يبكي وأنا أبكي! فجعلت أنظر إليه حتى دخل بعض السكك، ثم سألت عنه بعد ذلك، وطلبته، فلم أجد من يخبرني عنه بشيء.. وما أتت على جمعة إلا وأنا أراه في منامي مرة أو مرتين.. انتهى
وكان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة ركوع فيركع حتى يصبح...
ومرة يقول: هذه ليلة سجود فيسجد حتى يصبح...
وكان إذا أمسى يتصدق بما في بيته من طعام وغيره ويقول: اللهم من بات جائعاً فلا تؤاخذني به؛ فإنني لا أملك إلا ما بطني، ومن بات عرياناً؛ فلا تؤاخذني فإنني لا أملك إلا ما على ظهري...
قالوا: وبلغ من عري أويس: أنه جلس في قوصرة() لا يبرحها؛ لأنه لا يجد ما يلبس!...
وكان يلتقط كسر الخبر الجاف من المزابل، فيغسلها ويأكل بعضها، ويتصدق ببعضها ويقول:
اللهم أني أبرأ إليك من كل ذي كبد جائع...
لا إله إلا الله... ومن يطيق ذلك!!!
اللهم أزل حب الدنيا من قلوبنا، وأجرنا من فتنة المحيا والممات
وهنا سؤال يطرح نفسه.
لماذا يعمد هذا الرجل الصالح إلى إخراج كل ما بيته من قليل أو كثير، ثم يضطر إذا عضه الجوع بنا به؛ أن يبحث في المزابل عن كسر الخبز اليابس التي لا يستطيع الناس أن يأكلوها ليبسها ...
والجواب أن أويسا قد جعل الموت نصب عينيه؛ يظن أنه إذا أصبح لن يعيش إلي المساء، وإذا أمسى لن يعيش إلى الصباح؛ ولذلك يسارع إلى التصدق بما عنده حتى لايفجأه الموت ولديه شيء من حطام الدنيا..
أسمع إليه يتحدث عن الموت عندما طلب منه أحدهم الوصية
قال: توسد الموت إذا نمت وأجعله نصب عينيك إذا قمت...
وادع الله أن يصلح قلبك، ويثبتك، فلم تعالج شيئاً أشد عليك منه...
بينما هو مقبل إذا هو مدبر...
وبينما هو مدبر إذا مقبل...
ولا تنظر في صغير الخطيئة...
ولكن انظر إلي عظمة من عصيت...
هذه نظرة أويس للموت والحياة وقد تحدث عن الموت أيضاً في وصيته لهرم بن حيان التي سبق ذكرها.

شجاع بن وَهْب - صاحب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، من السابقين الى الإسلام

شجاع بن وَهْب بن ربيعة بن أسد
رضي الله عنه
صاحب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، من السابقين الى الإسلام


الهجرة


هاجر الى الحبشة ، الهجرة الثانية ثم عاد الى مكة لمّا بلغهم أن أهل مكة أسلموا ، ثم هاجر الى المدينة ، وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين أوس بن خَوْليّ


جهاده


شهد شجاع بن وهب بدراً هو و أخوه عقبة بن وهب ، وشهد المشاهد كلّها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأرسله الرسول الكريم الى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسّاني ، وإلى جبلة بن الأيهم الغسّاني
وقد بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم-شجاع بن وهب في سريّة في أربعة وعشرين رجلاً الى جمع هوازن بالسِّيّ من أرض بني عامر ناحية ركيّة ، وأمره أن يُغيرَ عليهم ، فصبّحهُم وهم غارّون ، فأصابوا نَعَماً وشاءً كثيراً 


الشهادة


استشهد شجاعُ -رضي الله عنه- يوم اليمامة ، وهو ابن بضع وأربعين سنة

للشيخ سعيد الكملي

الأستاذ سعيد بن محمد الكملي ، ولد بالرباط سنة 1392 هجرية الموافق سنة 1972م تلقى تعليمه الثانوي والإعدادي بكل من ثانويتي دار السلام ومولاي يوسف بالرباط ، ثم حصل على شهادة الماستر في تسيير وإدارة المقاولات السياحية من المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة ثم التحق بجامعة محمد الخامس بالرباط ، فحصل على شهادة العالمية ثم شهادة الماجستير ، رسالته فيها مطبوعة بعنوان « الأحكام الشرعية في الأسفار الجوية » ، ويحضر الآن شهادة الدكتوراه.

وفق الله الشيخ لحفظ كتابه ، وحرص خلال ست سنوات على الذهاب كل أسبوع لمدينة مراكش عند الشيخ المقرىء الفذ الوحيد عبد الرحيم نبولسي حتى أجازه في القراء ات العشر، ويحفظ الشيخ كذلك العديد من المتون في النحو والصرف والبلاغة والفقه والحديث والقراء ات والمنطق والأدب.

وقام الشيخ أيضا بالتدريس في جامعة محمد الخامس بالرباط ، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة الدراسات الإسلامية ، وكانت دروسه في الفقه والحديث والمواريث والنحو والأصول والأدب. تتلمذ الشيخ على ثلة من العلماء في المغرب كما في المشرق، منهم الأستاذ العلامة الدكتور فاروق حمادة والأستاذ الدكتور الأديب الفقيه محمد الرو?ي، والشيخ الأديب الشاعر مصطفى النجار شفاه الله وعافاه ، وأجازه الشيخ محمد الأمين بوخبزة الحسني في الكتب الستة وفي سائر مرويات شيخه أحمد بن الصديق الغماري رحمة الله عليه.

وكانت للشيخ عدة رحلات عند علماء شنقيط بموريتانيا ، والتقى هناك بالشيخ محمد سالم ولد عبد الودود رحمه الله والشيخ أحمد ولد المرابط ، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الحسن الددو الذي أجازه في الموطأ بروايتي يحيى بن يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، وأجازه أيضا في الكتب الستة وألفية العراقي ونظم الفصيح لابن المرحل وغيرها من المرويات، كما أجازه إجازة عامة في كل ما يصح له أن يرويه.

وسافر أيضا إلى مصر فالتقى بعدد من علماء الأزهر الشريف وحضر بعض دروسهم ، ثم سافر إلى بلاد الحرمين والتقى هناك بطائفة من العلماء منهم الشيخ عطية سالم والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وغيرهم، حفظ الله الأحياء منهم ورحم الأموات.

ـ الشيخ يشرف على كرسي الإمام مالك بمسجد السنة بالرباط يشرح فيه موطأ الإمام مالك يوم الجمعة من كل أسبوع بين العشاءين، ويلقي أيضا خطبة الجمعة بمسجد المسيرة الخضراء بحي يعقوب المنصور بالرباط.

شجاع بن وَهْب - صاحب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، من السابقين الى الإسلام

شجاع بن وَهْب بن ربيعة بن أسد
رضي الله عنه
صاحب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، من السابقين الى الإسلام


الهجرة


هاجر الى الحبشة ، الهجرة الثانية ثم عاد الى مكة لمّا بلغهم أن أهل مكة أسلموا ، ثم هاجر الى المدينة ، وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين أوس بن خَوْليّ


جهاده


شهد شجاع بن وهب بدراً هو و أخوه عقبة بن وهب ، وشهد المشاهد كلّها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأرسله الرسول الكريم الى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسّاني ، وإلى جبلة بن الأيهم الغسّاني
وقد بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم-شجاع بن وهب في سريّة في أربعة وعشرين رجلاً الى جمع هوازن بالسِّيّ من أرض بني عامر ناحية ركيّة ، وأمره أن يُغيرَ عليهم ، فصبّحهُم وهم غارّون ، فأصابوا نَعَماً وشاءً كثيراً 


الشهادة


استشهد شجاعُ -رضي الله عنه- يوم اليمامة ، وهو ابن بضع وأربعين سنة 

سعيد الكملي

الأستاذ سعيد بن محمد الكملي ، ولد بالرباط سنة 1392 هجرية الموافق سنة 1972م تلقى تعليمه الثانوي والإعدادي بكل من ثانويتي دار السلام ومولاي يوسف بالرباط ، ثم حصل على شهادة الماستر في تسيير وإدارة المقاولات السياحية من المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة ثم التحق بجامعة محمد الخامس بالرباط ، فحصل على شهادة العالمية ثم شهادة الماجستير ، رسالته فيها مطبوعة بعنوان « الأحكام الشرعية في الأسفار الجوية » ، ويحضر الآن شهادة الدكتوراه.

وفق الله الشيخ لحفظ كتابه ، وحرص خلال ست سنوات على الذهاب كل أسبوع لمدينة مراكش عند الشيخ المقرىء الفذ الوحيد عبد الرحيم نبولسي حتى أجازه في القراء ات العشر، ويحفظ الشيخ كذلك العديد من المتون في النحو والصرف والبلاغة والفقه والحديث والقراء ات والمنطق والأدب.

وقام الشيخ أيضا بالتدريس في جامعة محمد الخامس بالرباط ، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة الدراسات الإسلامية ، وكانت دروسه في الفقه والحديث والمواريث والنحو والأصول والأدب. تتلمذ الشيخ على ثلة من العلماء في المغرب كما في المشرق، منهم الأستاذ العلامة الدكتور فاروق حمادة والأستاذ الدكتور الأديب الفقيه محمد الرو?ي، والشيخ الأديب الشاعر مصطفى النجار شفاه الله وعافاه ، وأجازه الشيخ محمد الأمين بوخبزة الحسني في الكتب الستة وفي سائر مرويات شيخه أحمد بن الصديق الغماري رحمة الله عليه.

وكانت للشيخ عدة رحلات عند علماء شنقيط بموريتانيا ، والتقى هناك بالشيخ محمد سالم ولد عبد الودود رحمه الله والشيخ أحمد ولد المرابط ، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الحسن الددو الذي أجازه في الموطأ بروايتي يحيى بن يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، وأجازه أيضا في الكتب الستة وألفية العراقي ونظم الفصيح لابن المرحل وغيرها من المرويات، كما أجازه إجازة عامة في كل ما يصح له أن يرويه.

وسافر أيضا إلى مصر فالتقى بعدد من علماء الأزهر الشريف وحضر بعض دروسهم ، ثم سافر إلى بلاد الحرمين والتقى هناك بطائفة من العلماء منهم الشيخ عطية سالم والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وغيرهم، حفظ الله الأحياء منهم ورحم الأموات.

ـ الشيخ يشرف على كرسي الإمام مالك بمسجد السنة بالرباط يشرح فيه موطأ الإمام مالك يوم 

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

فاطمة بنت رسول الله
رضي الله عنها


فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشية سيدة نساء الأمة، وأحب الناس إلى رسول الله . أمها خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية سيدة سيدات بيت النبوة. لقِّبت بالزهراء، وكانت تُكنى أم الحسن وأم الحسين، وكان يطلق عليها أم أبيها. زوجها هو علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، وابناها هما الحسن والحسين سيدا فتيان الجنة.

ولدت فاطمة -رضي الله عنها- سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ، وأنكح رسول الله  فاطمة -رضي الله عنها- علي بن أبي طالب  بعد وقعة أُحد، وكان سنُّها يوم تزويجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وكان سنُّ عليٍّ  إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر.

وكانت فاطمة -رضي الله عنها- أصغر بنات رسول الله ؛ إذ كانت زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء، وانقطع نسل رسول الله  إلا منها؛ فإن الذكور من أولاده ماتوا صغارًا، وأما البنات فإن رقية -رضي الله عنها- ولدت عبد الله بن عثمان فتوفي صغيرًا، وأما أم كلثوم -رضي الله عنها- فلم تلد، وأما زينب -رضي الله عنها- فولدت عليًّا ومات صبيًّا، وولدت أمامة بنت أبي العاص فتزوجها عليّ ، ثم بعده المغيرة بن نوفل. قال الزبير : انقرض عقب زينب.

زواج فاطمة الزهراء من علي
وفي قصة زواجها يقول علي بن أبي طالب : خطبت فاطمة إلى رسول الله ، فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة خطبت إلى رسول الله ؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله  فيزوِّجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟! فقالت: إنك إن جئت رسول الله  زوَّجك. فوالله ما زالت ترجِّيني حتى دخلت على رسول الله ، وكانت لرسول الله  جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما أستطيع أن أتكلم، فقال: "ما جاء بك، ألك حاجة؟" فسكتُ، فقال: "لعلك جئت تخطب فاطمة؟" قلت: نعم. قال: "وهل عندك من شيء تستحلها به؟" فقلت: لا -والله- يا رسول الله. فقال: "ما فعلت بالدرع التي سلحتكها". فقلت: عندي والذي نفس عليٍّ بيده، إنها لحطمية ما ثمنها أربعمائة درهم. قال: "قد زوجتك، فابعث بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله".

وقد ولدت -رضي الله عنها- له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، ولم يتزوج عليٌّ  عليها غيرها حتى ماتت.

مواقف من حياة فاطمة الزهراء مع الرسول
كانت فاطمة -رضي الله عنها- من قلب رسول الله  بمكان؛ إذ كانت من أحب الناس إليه، كيف لا وهي بنت مَن رزقه الله حبها، وهي خديجة رضي الله عنها، وكانت أشبه الناس بها، فلما ماتت كانت تقوم مقام أمها في تخفيف الآلام والأحزان عنه ، وتساعده في شئون حياته ومعيشته، حتى بعد زواجه وزواجها رضي الله عنها.

وكانت -رضي الله عنها- تستعين به وتستشيره  في قضاء حوائجها، لعلمها بأنه سيخفف عنها ويدلها على الخير؛ وفي ذلك يروي زوجها علي  فيقول: شكت فاطمة -رضي الله عنها- ما تلقى في يدها من الرَّحَى[1]، فأتت النبي  تسأله خادمًا فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته.

قال علي : فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم فقال: "مكانك". فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، ثم قال: "ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فكبرا ثلاثًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم".

وفي مشهده الأخير  وهو على فراش الموت، كان لها هذا الموقف المؤثر، يقول أنس : لما تغشى رسول الله الكرب، كان رأسه في حجر فاطمة، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرباه يا أبتاه! فرفع رأسه  وقال: "لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة".

من مواقف فاطمة الزهراء مع الصديق أبي بكر
وذلك حين توفي رسول الله  وجاءته تطلب إرثها؛ فعن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة -رضي الله عنها- إلى أبي بكر ، فقالت: يا خليفة رسول الله، أنت ورثت رسول الله  أم أهله؟! قال: بل أهله. قالت: فما بال سهم رسول الله؟ قال: إني سمعت رسول الله  يقول: "إذا أطعم الله نبيًّا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم بعده"، فرأيتُ أن أردَّه على المسلمين. فقالت: أنت ورسول الله  أعلم.

أثر الرسول في تربية فاطمة الزهراء
لقد كان لرسول الله  المعلم والمربي تأثيرٌ كبيرٌ في شخص ابنته فاطمة رضي الله عنها، فمن يوم أن جاء جبريل بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، قام  وقال: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا".

يروي ثوبان  فيقول: دخل رسول الله  على فاطمة -رضي الله تعالى عنها- وأنا معه، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب، فقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن. فقال رسول الله : "يا فاطمة، أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد وفي يدك سلسلة من نار؟" ثم خرج ولم يقعد، فعمدت فاطمة إلى السلسلة فاشترت غلامًا فأعتقته. فبلغ ذلك النبي فقال: "الحمد لله الذي نجَّى فاطمة من النار".

من ملامح شخصية فاطمة الزهراء
الأصدق لهجة
يُروى في ذلك عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت إذا ذُكرت فاطمة بنت النبي ، قالت: "ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها".

والأشد حياء
إذا كان مربيها  أشد حياءً من العذراء في خدرها، فكيف نتوقع أن تكون هي رضي الله عنها؟! فلقد بلغ من شدة حيائها -رضي الله عنها- أنها كانت تخشى أن يصفها الثوب بعد وفاتها، وأنها استقبحت ذلك كثيرًا حتى جعلت لها أسماء بنت عُمَيْس -رضي الله عنها- نعشًا، وهو أول ما كان النعش آنذاك. ثم الأكثر من ذلك أنها -رضي الله عنها- أمرت أسماء أن تغسّلها هي وزوجها فقط، وأن لا تُدخِل عليها أحدًا، فكانت -رضي الله عنها- أول من غُطِّي نعشها من النساء في الإسلام.

وترضى بأقل القليل
فهي رضي الله عنها -وإن كانت تعلم أنها بنت سيد المرسلين وخاتم النبيين وسيد ولد آدم- لم تطمع في الحياة، ولم تطمح نفسها إلى الخيال بالعيش الراغد والحياة الهنيئة، بل إنها قد ضُرب بها المثل في زواجها اليسير المهر، القليل المؤنة، فقد كان مهرها درعًا، وأساس متاعها ما هو إلا سرير مشروط، ووسادة من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، وقِرْبة.

وبعد زواجها -رضي الله عنها- عاشت حياة بسيطة متواضعة، فهي تطحن وتعجن خبزها بيديها مع إدارة كافة شئون بيتها الأخرى، إضافةً إلى واجبات زوجها عليها كما تعلمتها في بيت أبيها .

فضائل فاطمة الزهراء رضي الله عنها
لا يستغرب إذن على مثل هذه الشخصية العظيمة أن يورد في فضلها الكثير من الأحاديث والروايات التي تبرز مكانتها -رضي الله عنها- في هذه الأمة، وكان من هذا ما يلي:

(1) أحب أهل رسول الله إليه
فعن أسامة بن زيد  قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعليّ فقالا لي: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله . فدخلت على النبي  فاستأذنته فقلت له: إن العباس وعليًّا يستأذنان. قال: "هل تدري ما حاجتهما؟" قلت: لا والله ما أدري. قال: "لكني أدري، ائذن لهما". فدخلا عليه فقالا: يا رسول الله، جئناك نسألك، أي أهلك أحب إليك؟ قال: "أحب أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد". فقالا: يا رسول الله، ليس نسألك عن فاطمة، قال: "فأسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه".

(2) شجنة من رسول الله
عن المسور بن مخرمة  قال: قال رسول الله : "إنما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها".

(3) من خير نساء العالمين
عن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله : "خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".

من الأحاديث التي روتها فاطمة الزهراء
وكان مما روته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- عن أبيها  أنها قالت: "كان رسول الله  إذا دخل المسجد قال:باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".

وفاة فاطمة الزهراء
ماتت فاطمة -رضي الله عنها- بنت رسول الله  لثلاث ليالٍ خلون من شهر رمضان، وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها، وكانت أول أهله لحوقًا به، وصلى عليها زوجها علي بن أبي طالب  بعد أن غسّلها هو وأسماء بنت عميسرضي الله عنها، وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلاً.

موقع قصة الإسلام

الشيخ الرئيس الامام عبد الحميد بن باديس

مولده ونشأته:
نشأ عبد الحميد ابن باديس في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه ، و في بيتها
الكريم ترعرع معززا مكرما ، لاينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة ؛فلم يدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة فحفظ القرءان و تجويده على يد الشيخ المقرئ محمد ابن المداسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة ، ونشأ منذ صباه في رحاب القرءان فشب على حبه والتخلق بأخلاقه . ولشدة إعجابه بجودة حفظه وحسن سلوكه قدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسؤولية ،وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام .
تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشايخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ احمد أبو حمدان الونيسي ابتداء من 1903 الذي حبب إليه العلم ووجهه الوجهة المثلى فيه وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني وفي سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ الونيسي على الهجرة إلى المشرق حين ذاق ذرعا بالحياة تحت ا لحكم الفرنسي الطاغي ، ولشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر أن يسافر معه ويلحق به مهاجرا في طلب العلم ، غير أن أباه لم يوافقه على ذلك ووجه إلى طلب العلم في تونس.

ابن باديس في جامع الزيتونة:
نظرا لما كان يبدوا على "عبد الحميد"من فطنة ونباهة وميل إلى الجد في فترة التعليم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرص أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه ،فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه " الونيسي "1908م إلى المشرق تاركا الزوجة والوالد في كفاله والديه ،وسنه في ذلك تسعة عشرة سنة .وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع عام 1911موقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة ،وكان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناءا على وجوده في راس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير "التونسية’ وأقام أثناء دراسته بمدرسة النخلة الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة ،وكان يسكن بجانبه احد شيوخه وهو المرحوم " سعد السطايفي "وبقي بعد التخرج سنة أخرى يدرس ويدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد .
وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء ،واخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية ،من أمثال الشيوخ :محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري ،والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقي عليه المنطق وقرا عليه كتاب التهذيب فيه ،ومحمد بالحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي اخذ على يده الفقه ، والبشير صفر، ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين ،وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس،وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط ،وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع ،كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا انه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين"دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
عودته من تونس :
عاد الشاب "عبد الحميد "إلى بلاده يحمل شهادة التطويع فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان ،كان مغتبطا اشد الاغتباط بنجاحه وعودته ،ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته ،ويزيدها مجدا وشرفا ،فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصدائها في إرجاء البيت الفسيح ،وقد اثر هذا الاستقبال في عبد الحميد أيما استقبال ...
بعد ذلك بدا عبد الحميد نشاطه بالتفرغ لتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة ،فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء الدروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء "للقاضي عياض ، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد ،غير أن مدة تعليمه في الجامع الكبير لم تطل، لأن مفتي المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب "الإمام الخطيب بهذا الجامع ،منعه من مواصلة التدريس ، بحجة انه لا يملك إذنا بذلك ، والحقيقة إن الشاب عبد الحميد رخص له في ذلك ، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة ، وسعي له في الحصول على إذن بتدريس في الجامع الكبير فأذن له ولكن بإذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن موهوب هذا العمل اعتداء على سلطته ،لأنه لم يستشره في ذلك ، واعتبره تدخلا سافرا فيما هم من اختصاصه ، لان والد الشاب وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوي البلدية والعمالة والوطن ، وله مكانة إلا انه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين ، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب ، ومن هنا بدأت المواجهة بينة وبين المعلم الشاب ، الذي لم يكن هدفه إلا نشر المعرفة وخدمة بلاده ، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل ،
ولم تمضي سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضوع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج ، فقبل والده ووافقه ، وهيأ له الأسباب ا لتي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة .





رحلته إلى الحجاز
من الله على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام 1331ه الموافق ل سبتمبر 1913م.وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها ، وأثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة "الشيخ الونيسي "الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها ، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه :الشيخ حسين احمد الفيض أبادي الهندي ، الشيخ الوزير التونسي ، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف ، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه .وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء في المدينة إلى جوار أستاذه فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها ، لما يعرف من أوضاع بلده .لكن الشيخ حسين احمد الهندي لم يوافقه على ذلك ،بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ ، وقبل بنصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن ، عند ذاك حذره أستاذه الونيسي من أن يكون عبدا للوظيفة ، لأنه تأكد إن الحكومة ستعرض عليه الوظائف ، قال له "احذر أن تقبل الوظيفة الحكومية ، فهي قيد لك ، يحد من نشاطك ...واخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة ،وان لا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية ، فعاهده تلميذه على ذلك ، ووفى بهذا العهد.
وقد حرص "عبد الحميد "في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده ،ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا ، متأثرين بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز ن وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب ن هو الشيخ " محمد البشير الإبراهيمي " المقيم مع والديه في المدينة ، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شان الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر ، واتفقا على الخدمة بلادهما متى عاد إليها . وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة ، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر ، ويحددان شروط وسائل نهضتها . ولم يكن أي منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الديار ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح والنضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينيات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرج على الشام وزار المسجد الأقصى وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر ، فتعارفا وتذاكرا وأجازه ، وفي القاهرة لقي مفتي الديار الشيخ " محمد بخيث المطيعي "رفيق محمد عبده ، والمدافع عن فكرته بعد وفاته ، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه الونيسي فأحسن استقباله ، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة ،وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا .هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي ،ليعرف ما فيه ، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
العودة إلى الوطن والشروع في الإصلاح:
آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم ، وهي الدعوة التي حمل لوائها الشيخ محمد عبده ، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة 1321_1903م ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم ، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ، ومقاومة الزيف والخرافات ، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار .
وبمجرد أن عاد إلى وطنه شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال ، واستصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بان يدرس بالمجان في الجامع الأخضر احد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة .
وهكذا بدا التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني ، يخول له ذلك ،فنضم دروسا لعامة الناس ، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقي بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش ، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها آجرا .وكان من دروسه العامة تفسير القرءان ، ضل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عاما ، فاحتلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هالموافق ل 12 جوان 1938.والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358ه الموافق لجوان 1939م..أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة ،ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
و يعد الجانب التعليمي و التربوي من أبرز المساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذين بلغوا سن التعلم، و لم يجدوا لهم مكانا في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس و لكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم و معرفة دينهم و تاريخهم، فأسس سنة 1926م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر " مكتب " أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء: السيد العربي و السيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، و البناء المتصل به، و كان فوق بيت الصلاة محل السكن و الكراء، فأزالاه عن ذلك، و أبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب" و أطلق عليه "المكتب العربي" و أسندت إدارته إلى أحد طلاب ابن باديس الأوائل و هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية، التي تأسست سنة 1336 هـ الموافق لـ 1917 م لاتساعها... و في سنة 1930 م تم تطوير المكتب إلى مدرسة جمعية باديس. و قد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، و المعارف الدينية و العربية، و الصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين و بناتهم، و يجدر بالذكر أن قانون الجمعية نص على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين تتعلم البنات كلهن مجانا.
كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة في تونس، و بعث بمقترحاته إلى لجنة وضعت مناهج الإصلاح التي شكلها حاكم تونس سنة 1350 هـ الموافق لـ 1931 م و تضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية و التعليم، و التفسير و الحديث و الأخلاق و التاريخ و الجغرافيا و مبادئ الطبيعة و الفلك و الهندسة، و جعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة و تستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، و قسم التخصص و مدته سنتان، و يضم ثلاثة فروع: فرع للقضاء و الفتوى، و فرع للخطاب و الوعظ، و فرع لتخريج الأساتذة.
محاولة اغتيال ابن باديس
في 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926 م عندما كان عائدا إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، تعرض الى محاولة اغتيال دبرها له الاستعمار الفرنسي واعوانه و لما دنا منه الجاني هوى عليه بهراوة و أصابه بضربتين على رأسه و صدعه، فشج رأسه و أدماه، لكن الشيخ أمسك به و نادى النجدة و حاول المجرم أن يسل خنجرا ليجهز به على الشيخ، و لكن الله نجاه بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه و أرادت الفتك به فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته ، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، و صدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجن. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، فأطلقوا سراحة
و في هذه الحادثة أنشد محمد العيد آل خليفة قصيدة منها:
حمتك يد المولى و كنت بها أولى
فيا لك من شيخ حمته يد المــــولى
فيا لوضيع النفس كيف تطاولـــت
به نفسه حتى أسر لك القتــــــــــلا

شخصية ابن باديس و عوامل تكوينها
إذا تتبعنا حياته و درسنا جوانب شخصيته نلمس بوضوح جوانب مختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة و الخطابة المؤثرة و قول الشعر الوطني، الإمامة في العلم و الدين، و الزعامة والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع و عمق التفكير، و متانة في الخلق و استقامة في السلوك، و ذكاء حاد و وعي كامل بمشكلات العصر، و إدراك شامل لوضعية شعبه، و ما ينبغي أن يكون عليه، إذ أخذ بأسباب الحياة ـ كان رحمه الله ـ قائد ركب و محرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية في وقت ساد فيه الجهل، و عم فيه الجمود، و انتشرت فيه الخرافة و انحطت كرامة الإنسان العربي و أهدرت قيمة المسلم، و زاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا و وضوحا بسلوكه المثالي و تفكيره المتزن و المتوازن و بحكمته و حنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يساند حركته، فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.


وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس
مساء يوم الثلاثاء 68 ربيع الأول سنة 1359ه، الموافق ل16 افريل 1940م ،على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها ، بمسقط رأسه مدينة قسنطينة
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي من وفاته ، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير، طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مئة ألف نسمة ،جاؤوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير ،وقد تولى أداء صلاة الجنازة الشيخ العربي التبسي ،ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته الأخيرة التي أوصى بدفنه في مقبرة شعبية .
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس فرغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية ،وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها ،وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص ، والوطني الغيور على دينه ، ولغته ، وشعبه ،ووطنه ، وعلى الإسلام و العروبة ،بصفة خاصة وقد قال الشيخ العربي بن بلقا سم التبسي في تأبينه في المقبرة مايلي :"لقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس في جهاده وأعماله ، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد ابن باديس ".

زياد علي

زياد علي محمد