السبت، 24 أغسطس 2019

عروة بن الزبير رضي الله عنه؛ مؤسس علم التاريخ عند المسلمين

عروة بن الزبير رضي الله عنه؛ مؤسس علم التاريخ عند المسلمين


"كان عروة بحراً لا ينزف ولا تُكدِّره الدلاء" (الزهري).

ميلاده ونشأته:

وُلِدَ عروة بن الزبير على أرجح الأقوال [سنة 23هـ]، ونشأ وتربى في المدينة كما ربي سائر أترابه من أبناء الصحابة، ولا يُعلَم شيء عن الفترة المبكرة من حياته سوى إشارات عابرة أتت في ثنايا مروياته، لكن يبدو أن نسبه من جانب، وحبه للعلم منذ صغره من جانب آخر قد ميَّزاه على غيره من أقرانه، فكان دائماً يتمنى أن يؤخذ عنه العلم[1].



فبذل لذلك جهده ووقته حتى قال: "لقد كان يبلغني الحديث عن الصحابي فآتيه فأجده قد قال من القيلولة فأجلس على بابه أسأله عنه" (الذهبي: سير أعلام النبلاء؛ ج4، ص: [424]).

سعة معارفه:

وقد تعدَّدت معارف عروة وكثرت حتى قال عنه الزهري: "كان بحراً لا ينزف، ولا تُكدِّره الدِّلاء" (ابن كثير: البداية والنهاية؛ ج9، ص: [137]).
وشملت هذه المعارف الحديث والتفسير والشعر والفقه، إضافة إلى السيرة والمغازي التي لا ينازعه فيها منازع من شيوخ عصره.

عبادته وأخلاقه:

كان عروة مثالاً للعالِم العابد الذي لا يُخالِف قوله فعله، وبلغ من درجة اجتهاده في العبادة أن ابنه هشاماً قال: "كان يقرأ كل يوم ربع القرآن، ويقوم به الليل، وكان كثير الصوم، قُطِعَت رجله وهو صائم، ومات أيضاً وهو صائم، وكان يقول على نفسه: إني لأسأل الله ما أريده في صلاتي حتى أسأله الملح" (ابن الجوزي: صفة الصفوة؛ ج2، ص: [87])، كما كان حليماً صبوراً محتسباً عفيفاً كريماً صالحاً زاهداً بعيداً عن الفتنة[2]، وكان يقول: "رُب كلمة ذُلٍّ احتملتها أورثتني عِزَّاً طويلاً".

كما كان ينأى بنفسه عن الفتن ويُحذِّر منها، ويرى أن فيها هلاك الأمة ويقول: "أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل للإسلام منتهى؟ قال: «نعم، فمن أراد الله به خيراً من عرب أو عجم أدخله عليه، ثم تقع فتن كالظلل يضرب بعضكم رقاب بعض، فأفضل الناس يومئذ معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس»" (الذهبي: سير أعلام النبلاء؛ ج4، ص: [423]).

مكانته التاريخية:

يعد عروة بن الزبير بحق أول من صنف في المغازي كما ذكر الواقدي (البداية: ج9، ص: [136])، ولكن مصنفاته لم تكن كتباً بالمفهوم المتعارف عليه الآن بين الدارسين؛ وإنما كانت عبارة عن رسائل تجمع كل رسالة الروايات التي تتناول موضوعاً أو حديثاً معيناً يشبه ما يُسمَّى الآن الفصل من الكتاب يصوغه بأسلوبه الخاص، يقول الأستاذ محمد شفيق غبريال: "وعندما دوَّنت هذه الأخبار، دونت منفصلة، فنجد كتاباً عن وقعة الجمل أو صِفِّين، أو ما إلى ذلك" (أ. محمد شفيق غبريال؛ بحث بعنوان: أساليب كتابة التاريخ عند العرب - مجلة مجمع اللغة العربية، ج14، ص: [20]، ط سنة 1962م).

وربما كان ذلك هو الشائع في عصره؛ لا في التاريخ فحسب بل في سائر الفنون، فعن تدوين الحديث مثلاً يقول الأستاذ محمد محمد أبو زهو: "وكانت طريقتهم تتبع وحدة الموضوع، فهم يجمعون في المؤلف الواحد الأحاديث التي تدور حول موضوع واحد؛ كالصلاة مثلاً، يجمعون الأحاديث الواردة فيها في مؤلف واحد" (أ. محمد محمد أبو زهو: الحديث والمحدِّثون، ص: [129]).

مروياته التاريخية:

وصل إلينا كثير من مرويات عروة التاريخية متناثرة عند ابن هشام في (السيرة)، والواقدي في (المغازي)، وابن سعد في (الطبقات)، وابن شبة النميري في (تاريخ المدينة)، والطبري في (تاريخ الرسل والملوك)، وفي بعض المصادر المتأخرة مثل: ابن عبد البر في (الاستيعاب)، وابن الأثير في (أسد الغابة)، والذهبي في كتابيه (السيرة، والمغازي)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، والسيوطي في (الخصائص).

وبالنظر في هذه المرويات نجد أنها تناولت:

- الفترة المكية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها الإرهاصات التي سبقت نزول الوحي مثل حادث شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وتعبده في غار حِراء، ونزول الوحي عليه في سن الأربعين، وأول ما نزل من القرآن، وإسلام خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وتعليم جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة، وإعلان الدعوة وموقف المشركين منها، وفتنة المسلمين تحت العذاب.

وهجرة المسلمين إلى الحبشة، وسبب اختيارها للهجرة، حيث ذكر أنها كانت متجراً لقريش، أي مألوفة لأهل مكة، وكان بها ملك عادل لا يظلم عنده أحد، وبعض أسماء من هاجر إليها، ومحاولة قريش إرجاع المسلمين المهاجرين إلى الحبشة.

وتحدَّث عن بعض مظاهر إيذاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل: رمي القاذورات عليه، والسخرية منه، وعن خروج أبي بكر الصديق مهاجراً، ثم عودته إلى مكة بعد أن أدخله ابن الدغنة في جواره، ومقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم لوفد يثرب إلى مكة وعرضه الإسلام عليهم، وبيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، وفي كل ذلك يذكر الآيات القرآنية المرتبطة بكل حادث إن وجدت ويُفسِّرها عند الحاجة.

ثم تكلم عن هجرة المسلمين إلى المدينة، وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مع تفاصيل قليلة عن أحداثها، وكيف تمَّت، مثل: خبر اختفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في غار ثور، واستئجاره رجلاً من بني الديل؛ ليدله وأبا بكر رضي الله عنه على الطريق إلى المدينة، ونزوله قباء، وانتظار المسلمين وتشوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وكيفية استقباله.

- الفترة المدنية: وتحدَّث فيها عن إصابة بعض المسلمين بالحمى بعد وصولهم إلى المدينة، ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحببها إليهم، وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، وسرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، ومسألة القتال في الأشهر الحرم، وما نزل في ذلك من القرآن، وغزوة بدر، وقد تحدَّث فيها عن دعاء الرسول على المشركين، واختلاف كلمة المشركين، ورغبة بعضهم في العودة، وترك القتال، وبعض أسماء من قتل من المشركين واستشهد من المسلمين فيها، وقصة إسلام عمير بن وهب رضي الله عنه.

وغزوة بني قينقاع وما نزل فيها من القرآن، وغزوة أحد وتحدث فيها عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغزوة، وإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه لأبي دجانة رضي الله عنه يوم أحد، وقصة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُبيّ بن خلف، وغزوة حمراء الأسد، وغزوة بئر معونة، وغزوة الرجيع، وغزوة بني النضير، وكيفية تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفاءه الله عليه في هذه الغزوة وما نزل في ذلك من القرآن.

وغزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وحكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فيهم، وغزوة بني المصطلق، وحادثة الإفك، وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بجويرية بنت الحارث رضي الله عنها، وسرية زيد رضي الله عنه إلى أم قرفة وصلح الحديبية وشروطه، وقصة فرار أبي بصير رضي الله عنه وأتباعه إلى ساحل البحر الأحمر وتعرُّضِه لتجارة قريش، وغزوة خيبر، وغزوة مؤتة.

وفتح مكة، وغزوة حنين، وحصار الطائف، وإعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم، وإرسال عروة بن مسعود رضي الله عنه بعد إسلامه إلى ثقيف، وقصة مقتله على أيديهم، وغزوة تبوك ودور المنافقين فيها، وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، وحجة الوداع، وتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة رضي الله عنه، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته في بيت عائشة رضي الله عنها، وعمره حين توفى، وإشارته إلى فضل أبي بكر رضي الله عنه ووصيته بالأنصار قبل موته، وهذه الروايات إذا نظرنا إليها مجموعة وجدناها تكون شكلاً أو هيكلاً عاماً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

عصر الخلفاء الراشدين: وبدأه بالحديث عن فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذكر الأحاديث التي تؤيد ذلك، واجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتشاور في أمر الخلافة.

وحروب الردة، وموقعة أجنادين، وتفرغ أبي بكر رضي الله عنه لإدارة شئون المسلمين، وتركه التجارة، ومرض أبي بكر الصديق، ومكان وتاريخ وفاته، ومن خلال مروياته المتفرقة عن أبي بكر رضي الله عنه نستطيع أن نقول أنه قدَّم صورة عن أهم الأحداث في عصره.

ثم تحدَّث عن واقعة اليرموك، والقادسية، وعن ذهاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى فلسطين، وعن قصة إصابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في طاعون عمواس، واشتداد عمر رضي الله عنه في محاسبة أهله، وبعض الأخبار المتناثرة عن الحياة الاجتماعية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وتكلَّم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه عن مدى الغنى الذي وصل إليه الناس في عصره، وعن مجيء الثوار إلى المدينة وحصارهم له، وعن مجادلة أهل مصر له، ثم تحدَّث عن واقعة الجمل، وعن النزاع الذي وقع بين أهل بيته وبين بني أمية، وقد حكى قصته بنزاهة تامة دون تحيز لأهل بيته.

زيد بن الخطاب ( صقر يوم اليمامة )

زيد بن الخطاب ( صقر يوم اليمامة )
  جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما, وحوله جماعة من المسلمين وبينما الحديث يجري, أطرق الرسول لحظات, ثم وجّه الحديث لمن حوله قائلا:

" إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد"..

وظل الخوف بل لرعب من الفتنة في الدين, يراود ويلحّ على جميع الذين شهدوا هذا المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... كل منهم يحاذر ويخشى أن يكون هو الذي يتربّص به سوء المنقلب وسوء الختام..

ولكن جميع الذين وجّه إليهم الحديث يومئذ ختم لهم بخير, وقضوا نحبهم شهداء في سبيل الله. وما بقي منهم حيّا سوى أبي هريرة والرّجّال بن عنفوة.



  ولقد ظلّ أبو هريرة ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة. ولم يرقأ له جفن, وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب الحظ التعس. فارتدّ الرّجّال عن الإسلام ولحق بمسيلمة الكذاب, وشهد له بالنبوّة.

هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء المنقلب وسوء المصير..

والرّجّال بن عنفوة هذا, ذهب ذات يوم إلى الرسول مبايعا ومسلما, ولما تلقّى منه الإسلام عاد إلى قومه.. ولم يرجع إلى المدينة إلا اثر وفاة الرسول واختيار الصدّيق خليفة على المسلمين.. ونقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة, واقترح على الصدّيق أن يكون مبعوثه إليهم يثبّتهم على الإسلام, فأذن له الخليفة..

وتوجّه الرّجّال إلى أهل اليمامة.. ولما رأى كثرتهم الهائلة ظنّ أنهم الغالبون, فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية, فترك الإسلام, وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود.



  وكان خطر الرّجّال على الإسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته.

ذلك, لأنه استغلّ إسلامه السابق, والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول, وحفظه لآيات كثيرة من القرآن, وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين.. استغلّ ذلك كله استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوّته الكاذبة.

لقد سار بين الناس يقول لهم: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنهأشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر".. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات, فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده, هو مسيلمة..!!

ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وبسبب استغلاله الماكر لعلاقاته السابقة بالإسلام وبالرسول.

وكانت أنباء الرّجّال تبلغ المدينة, فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الخطر الذي يضلّ الناس ضلالا بعيدا, والذي يوسّع بضلاله دائرة الحرب التي سيضطر المسلمون أن يخوضوها.

وكان أكثر المسلمين تغيّظا, وتحرّقا للقاء الرّجّال صحابي جليل تتألق ذكراه في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطّاب..!!

زيد بن الخطّاب..؟

لا بد أنكم عرفتموه..

إنهأخو عمر بن الخطّاب..

أجل أخوه الأكبر, والأسبق..

جاء الحياة قبل عمر, فكان أكبر منه سنا..

وسبقه إلى الإسلام.. كما سبقه إلى الشهادة في سبيل الله..

وكان زيد بطلا باهر البطولة.. وكان العمل الصامت. الممعن في الصمت جوهر بطولته.

وكان إيمانه بالله وبرسوله وبدينه ايمانا وثيقا, ولم يتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزاة.

وفي كل مشهد لم يكن يبحث عن النصر, بقدر ما يبحث عن الشهادة..!

يوم أحد, حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين والمؤمنين. راح زيد بن الخطاب يضرب ويضرب..

وأبصره أخوه عمر بن الخطّاب, وقد سقط درعه عنه, وأصبح أدنى منالا للأعداء, فصاح به عمر.

" خذ درعي يا زيد فقاتل بها"..

فأجابه زيد:

" إني أريد من الشهادة ما تريد يا عمر"..!!!

وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة, واستبسال عظيم.

 

  قلناإنهرضي الله عنه, كان يتحرّق شوقا للقاء الرّجّال متمنيّا أن يكون الإجهاز على حياته الخبيثة من حظه وحده.. فالرّجّال في رأي زيد, لم يكن مرتدّا فحسب.. بل كان كذّابا منافقا, وصوليا.

لم يرتدّ عن اقتناع.. بل عن وصولية حقيرة, ونفاق بغيض هزيل.

وزيد في بغضه النفاق والكذب, كأخيه عمر تماما..!

كلاهما لا يثير اشمئزازه, مثل النفاق الذي تزجيه النفعيّة الهابطة, والأغراض الدنيئة.

ومن أجل تلك الأغراض المنحطّة, لعب الرّجّال دوره الآثم, فأربى عدد الملتفين حول مسيلمة إرباء فاحشا, وهو بهذا يقدّم بيديه إلى الموت والهلاك أعدادا كثيرة ستلاقي حتفها في معارك الردّة..

أضلّها أولا, وأهلكها أخيرا.. وفي سبيل ماذا..؟ في سبيل أطماع لئيمة زيّنتها له نفسه, وزخرفها له هواه, ولقد أعدّ زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة بمحق هذه الفتنة, لا في شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر منه خطرا, وأشدّ جرما الرّجّال بن عنفوة.

 

  وبدأ يوم اليمامة مكفهرّا شاحبا.

وجمع خالد بن الوليد جيش الإسلام, ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش إلى من..؟؟

إلى زيد بن الخطّاب.

وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا..

ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين, وسقط منهم شهداء كثيرون.

ورأى زيد مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة المسلمين, فعلا ربوة هناك, وصاح في إخوانه:

" أيها الناس.. عضوا على أضراسكم, واضربوا في عدوّكم, وامضوا قدما.. والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله, أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي"..!!

ونزل من فوق الربوة, عاضّا على أضراسه, زامّا شفتيه لا يحرّك لسانه بهمس.

وتركّز مصير المعركة لديه في مصير الرّجّال, فراح يخترق الخضمّ المقتتل كالسهم, باحثا عن الرّجّال حتى أبصره..



  وهناك راح يأتيه من يمين, ومن شمال, وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه, غاص زيد وراءه حتى يدفع الموج إلى السطح من جديد, فيقترب منه زيد ويبسط إليه سيفه, ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرّجّال مرّة أخرى, فيتبعه زيد ويغوص وراءه كي لا يفلت..

وأخيرا يمسك بخناقه, ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا, وكذبا, وخسّة..

وبسقوط الأكذوبة, أخذ عالمها كله يتساقط, فدبّ الرعب في نفس مسيلمة في روع المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار مقتل الرّجّال فيه كالنار في يوم عاصف..

لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم, وبأنه هو والرّجّال بن عنفوة, والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم..!!

وها هو ذا الرّجّال قد سقط صريعا.. إذن فنبوّة مسيلمة كلها كاذبة..

وغدا سيسقط المحكم, وبعد غد مسيلمة..!!

هكذا أحدثت ضربة زيد بن الخطاب كل هذا المدار في صفوف مسيلمة..

أما المسلمون, فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم كالجبال, ونهض جريحهم من جديد, حاملا سيفه, وغير عابئ بجراحه..

حتى الذين كانوا على شفا الموت, لا يصلهم بالحياة سوى بقية وهنانة من رمق غارب, مسّ النبأ أسماعهم كالحلم الجميل, فودّوا لو أنّ بهم قوّة يعودون بها إلى الحياة ليقاتلوا, وليشهدوا النصر في روعة ختامه..

ولكن أنّى لهم هذا, وقد تفتح أبواب الجنّة لاستقبالهم وإنهم الآن ليسمعون أسماءهم وهم ينادون للمثول..؟؟!!

 

  رفع زيد بن الخطاب ذراعيه إلى السماء مبتهلا لربّه, شاكرا نعمته..

ثم عاد إلى سيفه وإلى صمته, فلقد أقسم بالله من لحظات ألا يتكلم حتى يتم النصر أو ينال الشهادة..

ولقد أخذت المعركة تمضي لصالح المسلمين.. وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع..



  هنالك وقد رأى زيد رياح النصر مقبلة, لم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا الختام, فتمنّى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا..

وهبّت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا, ومآقيه دموعا,وعزمه إصرارا..

وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم..

وسقط البطل شهيدا..

بل قولوا: صعد شهيدا..

صعد عظيما, ممجّدا, سعيدا..

وعاد جيش الإسلام إلى المدينة ظافرا..

وبينما كان عمر, يستقبل مع الخليفة أبي بكر أولئك العائدين الظافرين, راح يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد..

وكان زيد طويل بائن الطول, ومن ثمّ كان تعرّف العين عليه أمرا ميسورا..

ولكن قبل أن يجهد بصره, اقترب إليه من المسلمين العائدين من عزّاه في زيد..

وقال عمر:

" رحم الله زيدا..

سبقني إلى الحسنيين..

أسلم قبلي..

واستشهد قبلي".

 

  وعلى كثرة الانتصارات التي راح الإسلام يظفر بها وينعم, فان زيدا لم يغب عن خاطر أخيه الفاروق لحظة..

ودائما كان يقول:

" ما هبّت الصبا, إلا وجدت منها ريح زيد".

أجل..

إن الصبا لتحمل ريح زيد, وعبير شمائله المتفوقة..

ولكن, إذا إذن أمير المؤمنين, أضفت لعبارته الجليلة هذه, كلمات تكتمل معها جوانب الإطار.

تلك هي:

" .. وما هبّت رياح النصر على الإسلام منذ يوم اليمامة إلا وجد الإسلام فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!!"

 

  بورك آل الخطّاب تحت راية رسول الله صلى الله عليهوسلم..

بوركوا يوم أسلموا.. وبوركوا أيام جاهدوا, واستشهدوا.. وبوركوا يوم يبعثون..!!

الصحابية ( سُفّانة بنت حاتم الطائي ) رضي الله عنها و آرضاها

سُفّانة بنت حاتم الطائي
رضي الله عنها

أصابت خيل رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ابنة حاتم الطائي في سبايا
طيّ فقدمتْ بها على رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فجُعِلَتْ في حظيرة بباب
المسجد فمرّ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقامت إليه وكانت امرأة جزلة

فقالت :( يا رسول الله هَلَكَ الوالِد وغابَ الوافد ) فقال :( ومَنْ وَافِدُك ؟) قالت :( عدي بن حاتم ) قال :( الفارُّ من الله ورسوله ؟) ومضى حتى مرّ ثلاثاً فقامت وقالت :( يا رسول الله هَلَكَ الوالِد وغابَ الوافد فامْنُن عليّ مَنّ الله عليك ) قال :( قَدْ فعلت ، فلا تعجلي حتى تجدي ثقةً يبلّغك بلادك ، ثم آذِنِيني )

وفي رواية أخرى أن سُفانة قد قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا مُحَمّد ! إن رأيتَ أن تخلّي عنّي فلا تشمِّت بي أحياء العرب ؟! فإنّي ابنة سيّد قومي ، وإنّ أبي كان يفُكّ العاني ، ويحمي الذّمار ، ويُقْري الضيف ، ويُشبع الجائع ، ويُفرّج عن المكروب ، ويفشي السلام ويُطعم الطعام ، ولم يردّ طالب حاجة قط ، أنا ابنة حاتم الطائي ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( يا جارية ، هذه صفة المؤمن حقاً ، لو كان أبوك إسلامياً لترحّمنا عليه خلّوا عنها فإن أباها كان يُحِبّ مكارم الأخلاق ، والله يحب مكارم الأخلاق )

وقدم ركب من بليّ ، فأتت الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقالت :( قدِمَ رهط من قومي ) فكساها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحملها وأعطاها نفقة ، فخرجت حتى قدمت على أخيها فقال :( ما ترين في هذا الرجل ) 0فقالت :( أرى أن نلحق به ) وأسلمت وحسن إسلامها


أبو عبد الله ابن الأعرابي رحمه الله

إمام اللغة النسّابة محمد بن زياد بن الأعرابي مولى بني هاشم


كنيته: أبو عبد الله


معروف بـ: ابن الأعرابي


ولادته: وُلد بالكوفة سنة خمسين ومئة (150 هـ).


الأَعْرَابي: هذه النسبة إلى الأعراب، قال أبو بكر بن عزيز السجستاني المعروف بالعزيزي في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن الكريم: يقال رجل أعجم وأعجمي أيضا إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب. ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا. (1)


من شيوخه:


- أبو معاوية محمد بن خازم الضرير
- المفضل بن محمد الضبي صاحب المفضليات زوج أمه، قرأ عليه العين وسمع منه دواوين الشعراء وصححها عليه.
- القاسم بن معن
- أبو الحسن الكسائي، أخذَ عنه النوادرَ والنحو . (2)


من تلاميذه:


- أبو العباس ثعلب
- أبو إسحاق إبراهيم الحربي
- أبو يوسف يعقوب بن السكيت
- أبو عَمرو شِمْر بن حَمْدُوَيه، جالس ابن الأعرابي دهراً وسمع منه دواوين الشعر وتفسير غريبها.
- عثمان بن سعيد الدارمي
وآخرون (3)


سيرته وأقوال النقاد فيه


قال محمد بن الفضل: (لم يزل ابن الأعرابي عندنا مُرْمِدا (4) في علمه، غير مفارق للناس، حتى قدِم علينا أعراب من اليمامة، ففاتحهم الغريب ففتقوا له، وكان علمه الذي حصل في نحو من شهر.) (5)


قال سلمة بن عاصم: (جرى ذكر ابن الأعرابي عند الفراء فعرفه وقال: هُنَيٌّ كان يزاحمنا عند المفضّل! ) (6)


قال أبو العباس ثعلب: (انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي) (7)


وقال: (شاهدت مجلس ابن الأعرابي وكان يحضره زهاء مائة إنسان. وكان يُسئل ويُقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب. ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط. ومات بسر من رأى وقد جاوز الثمانين)


وقال: (قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، لم يُر أحد في الشعر أغزر منه.) (8)



قال أبو جعفر أحمد بن يعقوب الأصبهاني: (فأما أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، فكانت طرائقه طرائق الفقهاء والعلماء ومذاهب جلة شيوخ المُحدثين، وأحفظ الناس للغات والأيام والأنساب.)


قال أبو جعفر القُحْطُبي: (لما مات ابن الأعرابي ذهبنا نشتري كتبه، فوجدنا كتبه رقاقا، وأوراقا، ورقاعا، ولم أر في كتبه شكلة إلا الفتحات. وما رُؤي في يد ابن الأعرابي كتاب قط، وكان من أوثق الناس)


قال الفضل بن محمد الشَّعْراني: (كان للناس رؤوسا، كان سفيان الثوري رأسا في الحديث، وأبو حنيفة رأسا في القياس، والكسائي رأسا في القرآن، فلم يبق اليوم رأسا في الفنون أكبر من ابن الأعرابي، فإنه رأس في كلام العرب) (9)

قال أبو منصور الأزهري (370هـ) : (كوفي الأصل، وكان رجلا صالحا ورعًا زاهدًا صدوقا... وحفظ من الغريب والنوادر ما لم يحفظه غيره. وكانت له معرفة بأنساب العرب وأيّامها، وسمع من الأعراب الذين كانوا ينزلون بظاهر الكوفة من بني أسد وبني عُقيل فاستكثر... وكان الغالب عليه الشعر ومعانيه والنوادر والغريب.) (10)

قال الخطيب البغدادي عنه: (صاحب اللغة. كان أحد العالمين بها، والمُشار إليهم في معرفتها، كثير الحفظ لها، ويُقال: لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه. وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرا ... وكان ثقة) (11)
قال الذهبي: (كان صاحب سنة واتباع) (12)

قال أحمد بن أبي عمران: كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، وقد تخلّف في منزله، فبعث غلاما إلى أبي عبد الله بن الأعرابي صاحب الغريب، يسأله المجيء إليه، فعادَ إليه الغلامُ، فقال : "قد سألته ذلك فقال لي : «عندي قومٌ من الأعْراب ، فإذا قضيت أرَبِي (13) معهُم أتيتُ»"

؛ قال الغلام: "وما رأيتُ عنده أحدًا؛ إلا أنَّ بين يديه كتباً ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة."
ثم ما شَعَرْنا حتى جاء فقال له أبو أيوب: "يا أبا عبد الله، سبحان الله العظيم ! تخلّفتَ عنا، وحرمتنا الأنس بك، ولقد قال لي الغلام: إنه ما رأى عندك أحدا، وقد قلتَ له: أنا مع قوم من الأعراب، فإذا قضيتُ أربي معهم أتيت؛ فقال (ابن الأعرابي) :

لنا جلساءُ ما نمَلُّ حديثَهُم *** ألبَّاءُ (14) مأْمونُون غَيْباً ومشهدا
يُفيدوننا من علمهم مثلَ ما مَضَى ** وعَقْلاً وتأْدِيباً ورأْيًا مسدّدا
بلا فِتنَةٍ تُخْشَى ولا سوء عِشْرةٍ ** ولا نَتَّقِي منهم لسانًا ولا يدا
فَإنْ قُلْتَ أمواتٌ فما أنت كَاذِبٌ ** وإن قُلتَ أحياءٌ فَلَست مُفَنَّدا(15) (16)

واغتاب رجل عنده بعض العلماء، فقال له ابن الأعرابي: (لو لم تقل فينا ما قلت عندنا، لا تجلس إلينا). (17)


مؤلفاته:


- النوادر، وهو كبير
- صفة الزرع
- أسماء الخيل وفرسانها
- تاريخ القبائل
- معاني الشعر
- تفسير الأمثال
- الأنواء
وغير ذلك (18)


وفاته: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين في سامراء (سر من رأى).



بعض أقواله في مسائل العقيدة:


قال أبو سليمان داود بن علي: كنا عند ابن الاعرابي فأتاه رجل فقال له: "ما معنى قول الله عز و جل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ؟
فقال: (هو على عرشه كما أخبر عز و جل.)
فقال: "يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى."
قال: (اسكت! ما أنت وهذا لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة:

ألا لمثلك أو من أنت سابقه *** سبق الجواد إذا استولى على الأمد (19)



======================

(1) وفيات الأعيان لابن خلكان (ج4 ص308)
(2) وفيات الأعيان (ج4 ص306)؛ تهذيب اللغة (ج1 ص20-21)؛ البلغة فى تراجم أئمة النحو واللغة للفيروزآبادي.
(3) تهذيب اللغة للأزهري (ج1 ص21)؛ تاريخ (بغداد) مدينة السلام للخطيب البغدادي (ج3 ص202)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي (ج10 ص687)
(4) مُرمدا: فقيرا؛ من أرمد الرجل إذا افتقر. (من هامش كتاب طبقات النحويين للزبيدي ص196)
(5) طبقات النحويين واللغويين للزبيدي (ص196)
(6) تهذيب اللغة للأزهري (ج1 ص21)
(7) تاريخ مدينة السلام (ج3 ص202)
(8) الفهرست للنديم (ص76)
(9) تاريخ (بغداد) مدينة السلام (ج3 ص202-203)
(10) تهذيب اللغة للأزهري (ج1 ص20-21)
(11) تاريخ مدينة السلام (ج3 ص201-202)
(12) سير أعلام النبلاء (ج10 ص688)
(13) الإرب: الحاجة المهمة. يقال: ما إرْبُك إلى هذا الأمر أي: [ ما ] حاجتك إليه. والإربَة والأرب والمأربةُ أيضا.ً (العين للخليل بن أحمد)
(14) واللبيب: العاقل، والجمع أَلِبَّاءُ. (الصحاح في اللغة للجوهري)
(15) الفَنَدُ : الخَرَفُ ، وإِنْكارُ العَقْلٍ من الهَرَمِ أو المَرَضِ ، وقد يُسْتَعْمَلُ في غيرِ الكِبَرِ ، وأَصْلُه في الكَبَرِ ، وقد أَفْنَدَ ... وشَيْخٌ مُفَنَّدٌ ... (المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده)
(16) طبقات النحويين واللغويين (ص196-197)
(17) بغية الوعاة للسيوطي (ج1 ص105)
(18) وفيات الأعيان (ج4 ص308)؛ الأعلام للزركلي (ج6 ص131)
(19) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج3 ص399)، قال: "أخبرنا محمد بن جعفر النحوي – إجازة- ثنا أو عبد الله نفطويه قال حدثني أبو سليمان داود بن علي" وذكره. والأثر صحيح.

الصَّحابةُ الكِرَام في تُراث المغاربة والأندلسيِّين

فهذه سُطُورٌ من كتاب «الصَّحابةُ الكِرَام في تُراث المغاربة والأندلسيِّين»، وهي: (بحوث النَّدوة العِلمية الدَّوليَّة الَّتي نظَّمها مركز الدِّراسات والأبحاث وإِحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء بمدينة طنجة يومي الأربعاء والخميس (25-26 صفر 1431هـ)(10-11 فبراير 2010م) ).
وهذه السُّطُورُ مِن بَحثٍ مَوسُومٍ بِـ: «منزلة الصحابة الكرام والرد على مناوئيهم في أشهر المنظومات العلميَّة...» للدكتور عبد اللطيف الجيلانيّ، من المجلد الأول، (ص425-449).

ـ «مَدخلٌ تمهيدي: في بيانِ مَنزلةِ الصَّحابةِ عِندَ عُلماء المغرب والأَندلس:
مِن البديهيِّ أَن يَهتمَّ عُلماءُ الإسلام بسِيرةِ الصَّحابةِ وأَن يُصَنِّفُوا التَّصانِيف في التَّعريفِ بهِم وبيان فضائلهم؛ اعتبارًا لمكانتهم في الإسلام وأَثرهِم في نَشرِ تعاليمِهِ، يَقولُ الحافظ أبو عمر ابنُ عبد البَرِّ القُرطبيُّ (ت 463هـ): «وَمَا أَظُنُّ أَهلَ دِينٍ مِنَ الأَديانِ إِلَّا وعُلماؤُهُ مُعتَنُونَ بمَعرفةِ أَصحابِ أَنبيائهِم؛ لأَنَّهُم الواسطةُ بَينَ النَّبيِّ وبَينَ أُمَّتِهِ»[«الاِستيعاب» (1/8-9) بحاشية «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر].
وبالبَحث في التُّراث المغربي الأندلسي نَجدُهُ يَحفلُ بالتَّصَانيف والأَوضاع العِلمية النَّاطقة بتَمجيدِ الصَّحابةِ الكرام وتَبجيلهم وتعظيمهم والاعتراف بفضلهم وسبقهم في الإسلام والإمساك عَمَّا شَجَرَ بينهُم، بل يُمكنُ الجَزْمُ بأَنَّ عقيدتهُم في الصحابة الكرام وإجماعهم على القول بعَدالتهِم وعظيم منزلتهم وفضلهم يُعَدُّ خصيصةً مِن أَبرزِ خصائصِ البلاد المغربية الأندلسية وفَضيلةً مِن أَعظمِ فضائلها، ورَافِدًا مُهِمًّا مِن رَوَافِدِ وَحدتها العقدية والمذهبية مُنذُ سَالِفِ العُصور، وإلى ذلك أشار الإمام أبو عبد الله محمد ابن فتوح الحميدي (ت 488هـ) في كتابه «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» حينما ذكر فضائل الأندلس الَّتي تَمَيَّزت بها عَن سائر البُلدان، فقال: «ومِنْ فَضْلِهَا أَنَّهُ لم يُذْكَر قَطُّ على مَنَابِرِها أَحَدٌ مِن السَّلَفِ إِلَّا بخَيرٍ وإِلى الآنَ»[«جذوة المقتبس» (ص7)]؛ أي: إلى عَصرِهِ رحمهُ اللهُ تعالى.

............وبالجُملةِ فإِنَّ عُلماء المغرب والأندلس عَبرَ مُختلفِ العُصُور تَشَبَّتُوا بالعقيدة السُّنِّيَّة الَّتِي تُؤَكِّدُ مكانة الصَّحابة الكرام وتعترف بعظيم منزلتهم في الإسلام، بل قَرَّرُوا ذلك في كتُبهم، وهذهِ بعضُ نُصوصهِم في ذلك:
قال مسلمة بن القَاسِم القُرطبي (ت353هـ) في كتابِهِ «الرَّدّ على أهل البدع وتَبيِين أُصُول السُّنَّة»:
«ومِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ الصَّلاةُ عَلَى مَن مَاتَ مِن أَهلِ القِبلَةِ وإِنْ عَمِلَ الكَبَائِر، وذِكر فَضَائِلِ أَصحابِ النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم)، والسُّكُوتُ عَمَّا شَجَرَ بَينَهُم، وَالاِقتِدَاءُ بهِم. وخَيْرُ النَّاسِ بَعدَ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَبُو بكرٍ الصِّدِّيق [.....][غير واضح في الأصل المخطوط]، ثُمَّ عمرُ الفَارُوق، ثُمَّ عثمان ذُو النُّورَين بعدهُما، ثُمَّ عليٌّ الرِّضَى رابعهُم، ثُمَّ أَصحابُهُ البَاقُون خَيرُ الأَصحابِ، وأَنصارُهُ خَيرُ الأَنصَارِ، وأُمَّتُهُ خَيْرُ الأُمَمِ»[الرَّدّ على أهل البدع (الورقة 305)، وقد حَقَّقتُ هذا الكتاب وسيَصدُرُ قريبًا إِن شاءَ اللهُ].

وقال الإمام أبو بكر ابن العربي المعافري (رحمه الله) (ت543هـ) في «العواصِم من القواصِم»:
«مَا رَضِيَت النَّصَارَى واليَهُودُ في أَصحَابِ مُوسَى وعِيسَى مَا رَضِيَت الرَّوَافِضُ في أَصحَابِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم) حِينَ حَكَمُوا عَلَيهِم بأَنَّهُم قَد اتَّفَقُوا عَلَى الكُفْرِ والبَاطِلِ»[العواصِم من القواصِم (ص192)].
وقال مالكٌ الصَّغير الإمام أبو محمّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني النَّفْزِي الأندلسي (ت386هـ)، قال (رحمهُ الله): «وأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ: أَبُو بكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ ثُمَّ عليٌّ (رضي الله عنهُم أجمعين)، وأَن لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِن صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) إِلَّا بأَحْسَنِ ذِكْرٍ، والإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَينَهُم، وأَنَّهُم أَحَقُّ النَّاسِ أَن يُلْتَمَسَ لهُم أَحْسَنُ المَخَارِجِ ويُظَنَّ بِهِم أَحْسَنُ الظَّنِّ»[«متن الرِّسالة» بشرح عبد المجيد الأزهري (ص20)].
ومنهم أبو عبد الله محمَّد بن أبي زَمَنَيْن (ت399هـ) قال: «ومِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَن يَعتَقِدَ المَرْءُ المَحَبَّةَ لأَصحَابِ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) وأَن يَنْشُرَ مَحَاسِنَهُم وفَضَائِلَهُم، ويُمْسِكَ عَنِ الخَوْضِ فِيمَا دَارَ بَينَهُم»[«أُصُولُ السُّنَّةِ» لابن أبي زَمَنَين (ص263)].
وقال الإمام أبو عمرو الداني (ت444هـ) في «الرِّسَالة الوَافِية»: «مِن قَولهِم- يَعنِي: أَهل السُّنَّة- أَن يُحسَنَ القَولُ في السَّادَاتِ الكِرام، أَصحَابِ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم)، وأَن تُذْكَرَفَضَائِلُهُم، وتُنْشَرَ مَحَاسِنُهُم، ويُمْسَكَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا شَجَرَ بَينَهُم، لقَولِهِ (صلى الله عليه وسلم): «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا»؛ يَعنِي: إِذَا ذُكِرُوا بغَيرِ الجَمِيلِ، ولقَولِهِ (صلى الله عليه وسلم): «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي»، ويَجِبُ أَن يُلْتَمَسَ لهُم أَحْسَن المَخَارِج، وأَجْمَلَ المَذَاهِبِ، لمَكَانِهِم مِن الإِسلامِ، ومَوضِعِهِم مِنَ الدِّينِ والإِيمَانِ، وأَنَّهُم أَهْلُ الرَّأيِ والاِجتِهَادِ، وأَنْصَحُ النَّاسِ لِلعِبَادِ، وهُم مَن قَالَ اللهُ تعالى فِيهِم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلِّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، وقَد شَهِدَ لهُم بِالجَنَّةِ في غَيرِِ مَوضِعٍ مِن كِتَابِهِ، فقالَ تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَموَالهِم وأَنفُسِهِم﴾ إلى قوله: ﴿العَظِيم﴾ رَحمةُ اللهِ عليهِم أجمعين»[«الرِّسالة الوَافِية لمذهبِ أهل السُّنَّةِ في الاعتقادات وأصول الدِّيَانَات» (ص132-133)].
وقال: «ومِن قَولهِم: إِنَّ أَفضَلَ الصَّحابَةِ (رضوانُ الله عليهِم): المُهَاجِرُونَ مَعَهُ والذَّابُّونَ عَنهُ، كما قَالَ سُبحانه: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية. ثُمَّ الأَنصَارُ، ثُمَّ التَّابِعُون لهُم بإِحْسَانٍ، وقَالَ عزَّ وجَلَّ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية.
وأَفْضَلُ المُهاجِرِين: العَشَرَةُ المُوعَدُونَ بالجَنَّةِ، وهُم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وطَلحةُ والزُّبَيرُ، وسَعدٌ وسعيدٌ، وعبدُ الرَّحمن بن عَوفٍ، وأبو عُبيدةَ ابنِ الجَرَّاح.
وأَفضلُ هؤلاءِ العَشَرة الأَئِمَّةُ الأَربعة: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ وعليٌّ رضوانُ الله عليهِم أجمعين.
وأَفضلُ الأربعةِ: أبو بكرٍ، ثُمَّ عمرُ، ثُمَّ عثمانُ، ثُمَّ عليٌّ رحمةُ اللهِ عليهِم أجمعين»[نفسه (ص133-134)].

وقال الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حَزْمٍ الأندلسيّ (رحمهُ الله): «فإِنَّ الكلمةَ في أَوَّلِ الإِسلامِ والتَّمرةَ والصَّبرَ حِينئِذٍ، ورَكعةً في ذلِكَ الوَقت، تَعدِلُ اجتهادَ الأَزمانِ الطِّوَالِ وجِهَادَهَا وبَذْلَ الأَموالِ الجِسَامِ بَعدَ ذَلِكَ، ولذَلِكَ قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم): «دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَلَوْ كَانَ لأَحَدِكُم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»، فكَانَ نِصْفُ مُدِّ شَعِيرٍ أو تَمْرٍ في ذَلِكَ الوَقتِ أَفْضَلُ مِن جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا نُنفِقُهُ نَحنُ في سَبِيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ بَعدَ ذَلِكَ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى﴾.
ثمَّ قال أبو محمّدٍ: هَذَا في الصَّحَابَةِ فِيمَا بَينَهُم، فَكَيْفَ بِمَن بَعدَهُم مَعَهُم (رضي اللهُ عنهُم أجمعين)»[«الفِصَل في المِلَل والأَهواءِ والنِّحَل» (5/185)].

وقال الإمام أبوبكر ابن العربي المَعَافِرِيّ (ت543هـ) في شَأنِ الأَخبارِ الَّتِي يَتَدَاوَلُها النَّاسُ عَن الصَّحابَةِ الكِرَامِ: «وخُذُوا لأَنفُسِكُم بِالأَرْجَحِ في طَلَبِ السَّلاَمَةِ، والخَلاَصِ مِن بَينِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِين. فَلاَ تَكُونُوا -ولم تُشَاهِدُوهُم، وقَد عَصَمَكُمُ اللهُ مِن فِتْنَتِهِم- مِمَّن دَخَلَ بلِسَانِهِ في دِمَائِهِم، فوَلَغَ فِيهَا وُلُوغَ الكَلْبِ في بَقِيَّةِ الدَّمِ على الأَرضِ بَعدَ رَفعِ الفَرِيسَةِ بلَحْمِها، لَم يَلحَقِ الكَلْبُ مِنهَا إِلاَّ بَقِيَّةُ دَمٍ سَقَطَ عَلَى الأَرضِ»[«العواصم» (ص227)].
وقال أيضًا: «ومَن نَظَرَ إلى أَفعَالِ الصَّحَابَةِ تَبَيَّنَ مِنهَا بُطْلاَنُ هذهِ الهُتُوك الَّتِي يَخْتَلِقُهَا أَهْلُ التَّوَارِيخِ، فيَدُسُّونَهَا في قُلُوبِ الضُّعفاءِ»[نفسه(ص248)].
وقال العلاَّمة أحمد بن محمد البُرْنُسِيّ التَّازِيّ الفَاسِيّ المعروف بِـ(زَرُّوق) (ت899هـ) – شارح متن «الرِّسالة لابن أبي زيد القَيرواني»-: «فقد نُقِلَ عن أبي القاسم الحكيم أنَّهُ قال: «اليَهُودُ والنَّصارَى أَحسنُ حَالاً مِن الرَّوافِضِ وإن كانُوا مُسلمِين؛ لأَنَّهُ لو قِيلَ ليَهوديٍّ: مَن أَفضلُ النَّاسِ؟ قال: مُوسَى، فإذا قِيلَ: مَن أَفضلُ النَّاسِ بَعدَهُ؟ قالَ: نُقَبَاؤُهُ. ولو قِيلَ للنَّصرانيِّ: مَن أَفضلُ النَّاسِ؟ قالَ: عِيسَى. فإذا قِيلَ لَهُ: مَن بَعدَهُ في الفَضلِ؟ قالَ: حَوَارِيُّوهُ. ولو قِيلَ لرَافِضِيٍّ: مَن أَفضلُ النَّاسِ؟ قالَ: محمّدٌ ، فإِذَا قِيلَ لهُ: مَن شَرُّ النَّاسِ بَعدَ مَوتِهِ؟ قالَ: أَصحَابُهُ. فقَبَّحَ اللهُ رَأيَهُم فِيمَا أَتَوا مِن ذَلِكَ». فالوَاجِبُ ذِكرُهُم بكُلِّ جَمِيلٍ، والإِمساكُ عَن كُلِّ مَا يُؤَدِّي لخِلاَفِهِ، ومَا وَقَعَ بَينَ عليٍّ ومُعاويةَ فعَن اجتِهَادٍ، ولِكُلٍّ أَجرٌ بِمَا وَقَعَ مِنهُ، ومَذهبُ أَهلِ السُّنَّةِ أَنَّ الصَّحابَةَ كُلُّهُم عُدُولٌ»[«شَرح زَرُّوق على الرِّسالة» (1/85-86)].

ـ وغنيٌّ عَن البيان أَنَّ اهتمام عُلماء المغرب والأندلس بالصَّحابةِ الكِرام قَد تَجَلَّى في مُختلف أنماطِ كتاباتهِم النَّثريَّة والشِّعريَّة، فقد جَرَى ذِكرُ الصَّحابةِ والثَّناءِ عليهِم في كُتُبِ الرَّحلاَت ودَوَاوِين الشِّعرِ والأَمدَاحِ النَّبويَّة، فعلى سَبِيلِ الِمثَالِ:................
حكى ابنُ رُشَيدٍ فائدةً في هذا المقام يَحسُنُ إِيرَادُها عَنْوَنَهَا بقَولِهِ: «فَائِدَةٌ في الاِقتداءِ بشُيُوخِ الاِهتِدَاءِ»، ثُمَّ قال: «وَقَفتُ أَنظُرُ إلى سَلاَمِ شَيخَينَا ابنَي الزَّجَّاجِ على النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم) فجاءَا حتَّى استقبلاَ مقابلةَ وجهِهِ الكريم شَرَّفَهُ اللهُ، والقِنديل المُعَلَّقِ هُناك يَكُونُ حَذْوَ رُؤُوسِهِما، فأَدَّيَا وَاجِبَ السَّلاَمِ، ... فسَلَّمَا على أبي بكرٍ (رضي الله عنه)، ثُمَّ انحَدَرَا يَسِيرًا إلى مُقابلةِ عُمرَ (رضي الله عنهما)، فسَلَّمَا عَلَيهِ (رضي الله عنه) ووَقَفَا عِندهُمَا. فقَالاَ مَا تَيَسَّرَ لهُما ثُمَّ انصَرَفَا على أَيمانهِما، فرَأيتُ أبا القاسم عبد الحميد منهُما يَبكِي وسَمعتُهُ يَقُولُ وقَد وَلَّى: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنَ الشَّرَفِ مَا أُعْطِيَ أَبُو بكرٍ وعُمرَ، مَتىَ سُلِّمَ عَلَيهِ سُلِّمَ عَلَيهِمَا. هذا أَو مَعناهُ مِن الكلام»[«مَلْءُ العَيْبَةِ» (5/36)]..............
أمَّا شِعرُ المدائحِ النَّبويَّةِ فهُو سبيلٌ مُمَهَّدَةٌ عندَ أُدباءِ المغرب والأندلس لإِظهارِ مَدَى اعتِزازهِم بالصَّحبِ الكِرام، ويَكثُرُ وُرُودُ ذِكرُهُم في خِتَامِ قصائدهم كما نَقِفُ عليهِ مثلاً في مُعظمِ قصائدِ العلاَّمةِ الأديب الشَّهير محمد بن أحمد بن علي المعروف بابن جَابِرٍ الأندلسي (ت80هـ) كقَولِهِ:
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ المُجْتَبَى ... مَا رَجَّعَتْ في بَانَةٍ وَرْقَاءُ
وعَلَى صَحَابَتِهِ الأُلَى بِهِم عَلَتْ...... فِي النَّاسِ هَذِي المِلَّةُ البَيْضَاءُ
[«نظم العقدين في مدح سيد الكونين أو الغين في مدح سيد الكونين» (ص28)].
وقولِهِ أيضًا في خِتامِ قصيدةٍ أُخرى مِن قصائده في المَدِيحِ النَّبويِّ:
صَلُّوا عَلَى المُصْطَفَى وآَلٍ..... كَانُوا عَلَى الحَقِّ أَوْلِياَء
وارْضَوْا عَنِ الصَّحْبِ ولْتَكُونُوا........ مِن مُبْغِضِي صَحْبِهِ بَرَاء
[نفسه (ص33)].
ومِن أَشعارِ الأندلسيِّين الَّتِي تُفصِحُ عَن عقيدتهم في الصَّحبِ الكِرام أبياتٌ للعالِم الأديب الرَّحَّالة أبي الحسين محمد بن أحمد بن جُبَيرٍ الكِنَانيّ الأندلسي (ت: 614هـ) يَقُولُ فِيهَا:
أُحِبُّ النَّبِيَّ المُصْطَفَى وابْنَ عَمِّهِ ** عَلِيًّا وسِبْطَيْهِ وفَاطِمَةَ الزَّهْرَا
هُمْ أَهْلُ بَيْتٍ أُذْهِبَ الرِّجْسُ عَنْهُم ** وأَطْلُعُهُمْ أُفْقُ الهُدَى أَنْجُمًا زُهْرَا
مُوَالاَتُهُم فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ** وحُبُّهُم أَسْنَى الذَّخَائِرِ لِلأُخْرَى
ومَا أَنَا لِلصَّحْبِ الكِرَامِ بِمُبْغِضٍ ** فَإِنِّي أَرَى البَغْضَاءَ فِي حَقِّهِمْ كُفْرَا
هُمْ جَاهَدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ ** وهُمْ نَصَرُوا دِينَ الهُدَى بِالظُّبَى نَصْرَا
عَلَيهِم سَلاَمُ اللهِ مَا دَامَ ذِكْرُهُم ** لَدَى المَلإِ الأَعْلَى وَأَكْرِمْ بِهِ ذِكْرَا
[«نَفحُ الطِّيب» (2/493)].
..................
وإذا كان ذِكرُ الصَّحابةِ الكِرامِ والثَّناءُ عليهِم والدِّفاعُ عنهُم جَارِيًا في أَشعارِ المغاربة والأندلسيِّين، فهُو ظاهرٌ أيضًا في مَنظوماتهم؛ إِذ عُرِفُوا بالنَّظمِ وتَفَنَّنُوا فِيهِ، واستعملوهُ قَالَبًا لصِياغةِ مختلف العُلُومِ والفُنُون.... وبالرُّجُوعِ إلى بَعضِ هذه المنظومات نَجدُها تَتَضَمَّنُ أبياتًا بديعةً في تَقريرِ عقيدةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة في الصَّحابةِ الكِرام، وتُؤَكِّدُ على عَظِيمِ مَنزلتهِم في الإسلام، ووُجُوب تَوقِيرِهِم وتَفضِيلِهِم، والإِمساك عَمَّا شَجَرَ بينهُم، كما نَجدُهُم في كثيرٍ مِن مَنظُوماتهم يَتَصَدَّونَ للرَّدِّ على مُتَنَقِّصِي الصَّحابَةِ ومُبغِضِيهِم، وإِفحَامِهِم بالحُجَجِ المُبِينَة والبَرَاهِين القَوِيَّة......
المبحث الثَّاني: مَنزلةُ الصَّحابةِ والرَّدُّ على مُنَاوِئِيهِم فِي أَشهرِ المَنظُوماتِ العِلميَّة لعُلماءِ المغرب والأندلس:
....ومِن أَشهرِ هذه المَنظُومات «نُونِيَّةُ أبي محمد عبد الله بن محمد القَحْطَانيّ الأندلسي»، وهي مَنظومةٌ عَجيبةٌ تَناوَلَ فيها مواضيع كثيرةً تَتعَلَّقُ بأُصُولِ الدِّينِ والأَحكام الشَّرعيَّة والأَخلاق والمواعظ، وتَحَدَّثَ في عددٍ مِنها عَن مَكانةِ الصَّحابةِ وعَقيدةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ القَاضِيَةِ بوُجُوبِ مَحَبَّتِهِم، وشَدَّدَ القَحطانيُّ النَّكِيرَ على الشِّيعَةِ الَّذِين يُكَفِّرُونَ الصَّحابةَ ويَحُطُّونَ مِن أَقدارِهِم، وفِيمَا يَلِي الأَبيات الَّتِي رَدَّ فِيهَا على الرَّافِضَةِ مُنتَصِرًا للصَّحابَةِ:
لاَ تَعْتَقِدْ دِينَ الرَّوَافِضِ ... أَهْلِ الِمحَالِ وحِزْبَةُ الشَّيْطَانِ
جَعَلُوا الشُّهُورَ عَلَى قِيَاسِ حِسَابِهِم ... ولَرُبَّمَا كَمَّلاَ لَنَا شَهْرَانِ
ولَرُبَّمَا نَقَصَ الَّذِي هُوَ عِندَهُم ... وَافٍ وأَوْفَى صَاحِبَ النُّقْصَانِ
إِنَّ الرَّوَافِضَ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الحَصَى ... مِنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَو جَانِ
مَدَحُوا النَّبِيَّ وخَوَّنُوا أَصْحَابَهُ ... ورَمَوْهُم بالظُّلْمِ والعُدْوَانِ
حَبُّوا قَرَابَتَهُ وسَبُّوا صَحْبَهُ ... جَدَلاَنِ عِندَ اللهِ مُنْتَقِضَانِ
[«نُونيَّةُ القَحطاني» (ص20-21)].

وواضحٌ أَنَّ الإِمامَ القَحطاني قَد شَدَّدَ لَهجَتَهُ في هِجاءِ الرَّافضةِ بِنَاءً على أُسُسٍ مَنطقيَّةٍ؛ مِنها استحالةُ الجَمعِ بَينَ مَحَبَّةِ القَرَابَةِ وسَبِّ الصَّحَابَةِ، فهُو تَنَاقُضٌ لا يَقبلُهُ العَقل؛ فكما أَنَّ الطَّعنَ في القَرابَةِ وآلِ البَيتِ النَّبويِّ الطَّاهر يَلزمُ مِنهُ الطَّعنُ في النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم)؛ كذلك الطَّعنُ في الصَّحابةِ يَلزَمُ مِنهُ الطَّعنُ في النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم)، وهُو ما يُؤَكِّدُهُ الإمامُ مالكٌ بقَولِهِ عَن الرَّوافِضِ: «إِنَّمَا هؤلاءِ أَقوامٌ أَرَادُوا القَدْحَ فِي النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم) فلَم يُمكِنهُم ذَلِكَ فقَدَحُوا في أَصحابِهِ حتَّى يُقَالَ: رَجُلُ سُوءٍ، لَو كَانَ رَجُلاً صَالحًا لكَانَ أَصحابُهُ صَالِحِين»[«الصَّارِم المَسلُول» (ص580)].
ثُمَّ أَنشدَ القَحطانيُّ في مَدحِ النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وسَلَّم) المَدحَ والثَّناءَ علَيهِ وعلى آلِهِ وخُلفائِهِ وصَحَابَتِهِ:
فَكَأَنَّمَا آلُ النَّبيِّ وصَحْبُهُ ... رُوحٌ يَضُمُّ جَمِيعَهَا جَسَدَانِ
فِئَتَانِ عَقْدُهُمَا شَرِيعَةُ أَحْمَدٍ ... بأَبِي وأُمِّي ذَانِكَ الفِئَتَانِ
فِئَتَانِ سَالِكَتَانِ فِي سُبُلِ الهُدَى ... وهُمَا بدِينِ اللهِ قَائِمَتَانِ
قُلْ إِنَّ خَيْرَ الأَنبِيَاءِ مُحَمَّدٌ ... وأَجَلُّ مَن يَمْشِي عَلَى الكُثْبَانِ
وأَجَلُّ صَحْبِ الرُّسْلِ صَحْبُ مُحَمَّدٍ ... وَكَذَاكَ أَفضَلُ صَحْبِهِ العُمَرَانِ
رَجُلاَنِ قَدْ خُلِقَا لنَصْرِ مُحَمَّدٍ ... بِدَمِي ونَفْسِي ذَانِكَ الرَّجُلاَنِ
فهُمَا اللَّذَانِ تَظَاهَرَا لنَبِيِّنَا ... فِي نَصْرِهِ وهُمَا لَهُ صِهْرَانِ
بِنْتَاهُمَا أَسْنَى نِسَاءِ نَبِيِّنَا ... وهُمَا لَهُ بالوَحْيِ صَاحِبَتَانِ
أَبَوَاهُمَا أَسْنَى صَحَابَةِ أَحْمَدٍ ... يَا حَبَّذَا الأَبَوَانِ والبِنْتَانِ
وهُمَا وَزِيرَاهُ اللَّذَانِ هُمَا هُمَا ... لِفَضَائِلِ الأَعْمَالِ مُسْتَبِقَانِ
وهُمَا لأَحْمَدَ نَاظِرَاهُ وسَمْعُهُ ... وبِقُرْبِهِ فِي القَبْرِ مُضْطَجِعَانِ
كَانَا عَلَى الإِسلاَمِ أَشْفَقَ أَهْلِهِ ... وهُمَا لِدِينِ مُحَمَّدٍ جَبَلاَنِ
أَصْفَاهُمَا أَقْوَاهُمَا أَخْشَاهُمَا ... أَتْقَاهُمَا فِي السِّرِّ والإِعْلاَنِ
أَسْنَاهُمَا أَزْكَاهُمَا أَعْلاَهُمَا ... أَوْفَاهُمَا فِي الوَزْنِ والرُّجْحَانِ
صِدِّيقُ أَحْمَدَ صَاحِبُ الغَارِ الَّذِي ... هُوَ في المَغَارَةِ والنِّبِيّ اثْنَانِ
أَعْنِي أَبَا بَكرٍ الَّذِي لم يَخْتَلِفْ ... مِن شَرْعِنَا فِي فَضْلِهِ رَجُلاَنِ
هُوَ شَيخُ أَصْحَابِ النَّبيِّ وخَيرُهُم ... وإِمَامُهُم حَقًّا بِلاَ بُطْلاَنِ
وأَبُو المُطَهَّرَةِ الَّتِي تَنزِيهُهَا ... قَد جَاءَنَا في النُّورِ والفُرْقَانِ
أَكْرِمْ بعَائِشَةَ الرِّضَى مِن حُرَّةٍ ... بِكْرٍ مُطَهَّرَةِ الإِزَارِ حَصَانِ
هِيَ زَوجُ خَيرِ الأَنبياءِ وبِكْرُهُ ... وعَرُوسُهُ مِن جُمْلَةِ النِّسْوَانِ
هِيَ عِرْسُهُ هِيَ أُنْسُهُ هِيَ إِلْفُهُ ... هِيَ حُبُّهُ صِدْقًا بِلاَ أَدْهَانِ
أَوَلَيْسَ وَالِدُهَا يُصَافِي بَعْلَهَا ... وهُمَا برُوحِ اللهِ مُؤتَلِفَانِ
لَمَّا قَضَى صِدِّيقُ أَحمَدَ نَحْبَهُ ... دَفَعَ الخِلاَفَةَ للإِمَامِ الثَّانِي
أَعْنِي بِهِ الفَارُوقُ فَرَّقَ عُنْوَةً ... بِالسَّيْفِ بَينَ الكُفْرِ والإِيمَانِ
هُوَ أَظْهَرَ الإِسلاَمَ بَعدَ خَفَائِهِ ... ومَحَا الظَّلاَمَ وبَاحَ بالكِتْمَانِ
ومَضَى وخَلَّى الأَمرَ شُورَى بَينَهُم ... فِي الأَمرِ فَاجْتَمَعُوا عَلَى عُثْمَانِ
مَنْ كَانَ يَسْهَرُ لَيْلَةً في رَكعَةٍ ... وِتْرًا فيُكْمِلُ خَتْمَةَ القُرْآنِ
وَلِيَ الخِلاَفَةَ صِهْرُ أَحمَدَ بَعدَهُ ... أَعنِي عَلِيٌّ العَالمُ الرَّبَّانِي
زَوجُ البَتُولِ أَخَا الرَّسُولِ ورُكْنَهُ ... لَيْثُ الحُرُوبِ مُنَازِلُ الأَقْرَانِ
سُبْحَانَ مَن جَعَلَ الخِلاَفَةَ رُتْبَةً ... وبَنَى الإِمَامَةَ أَيَّمَا بُنْيَانِ
واسْتَخْلَفَ الأَصْحَابَ كَيْ لاَ يَدَّعِي ... مِن بَعْدِ أَحمدَ فِي النُّبُوَّةِ ثَانِي
أَكْرِمْ بفَاطِمَةَ البَتُولِ وبَعْلِهَا ... وبِمَن هُمَا لمُحَمَّدٍ سِبْطَانِ
غُصْنَانِ أَصْلُهُمَا برَوْضَةِ أَحْمَدٍ ... للهِ دَرُّ الأَصْلِ والغُصْنَانِ
أَكْرِمْ بطَلحَةَ والزُّبَيرِ وسَعْدِهِمْ ... وسَعِيدِهِمْ وبِعَابِدِ الرَّحمنِ
وأَبِي عُبَيْدَةَ ذِي الدِّيَانَةِ والتُّقَى ... وامْدَحْ جَمَاعَةَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ
قُل خَيْرَ قَوْلٍ فِي صَحَابَةِ أَحْمَدٍ ... وامْدَحْ جَمِيعَ الآلِ والنِّسْوَانِ
دَعْ مَا جَرَى بَينَ الصَّحَابَةِ فِي الوَغَى ... بسُيُوفِهِم يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ
فقَتِيلُهُم مِنهُمْ وقَاتِلُهُم لَهُم ... وكِلاَهُمَا فِي الحَشْرِ مَرْحُومَانِ
واللهُ يَومَ الحَشْرِ يَنزِعُ كُلَّ مَا ... تَحْوِي صُدُورُهُم مِنَ الأَضْغَانِ
وَالوَيْلُ للرَّكْبِ الَّذِينَ سَعَوا إِلَى ... عُثمَانَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى العِصْيَانِ
وَيْلٌ لمَن قَتَلَ الحُسَيْنَ فإِنَّهُ ... قَدْ بَاءَ مِن مَولاَهُ بالخُسْرَانِ
لَسْنَا نُكَفِّرُ مُسلِمًا بكَبِيرَةٍ ... فَاللهُ ذُو عَفْوٍ وذُو غُفْرَانِ
[«نُونِيَّةُ القَحطاني» (ص21-24)]

وقال مُقَرِّرًا اعتقادَهُ في آلِ البَيتِ والصَّحابَةِ:
وَاحْفَظْ لأَهْلِ البَيْتِ وَاجِبَ حَقِّهِمْ ... وَاعْرِف عَلِيًّا أَيَّمَا عِرْفَانِ
لاَ تَنتَقِصْهُ وَلاَ تَزِدْ فِي قَدْرِهِ ... فعَلَيهِ تَصْلَى النَّارَ طَائِفَتَانِ
إِحدَاهُمَا لاَ تَرتَضِيهِ خَلِيفَةً ... وتَنُصُّهُ الأُخرَى إلهًا ثَانِي
والعَن زَنَادِقَةَ الجَهَالَةِ إِنَّهُم ... أَعنَاقُهُم غَلَتِ إِلَى الأَذْقَانِ
جَحَدُوا الشَّرَائِعَ والنُّبُوَّةَ واقْتَدُوا ... بفَسَادِ مِلَّةِ صَاحِبِ الإِيوَانِ
لاَ تَرْكَنَنَّ إلى الرَّوَافِضِ إِنَّهُم ... شَتَمُوا الصَّحابَةَ دُونَ مَا بُرْهَانِ
لُعِنُوا كَمَا بَغَضُوا صَحَابَةَ أَحمَدٍ ... ووِدَادُهُم فَرضٌ عَلَى الإِنسَانِ
حُبُّ الصَّحَابَةِ والقَرَابَةِ سُنَّةٌ ... أَلْقَى بِهَا رِبِّي إِذَا أَحْيَانِي
احْذَر عِقَابَ اللهِ وارْجُ ثَوَابَهُ ... حَتَّى تَكُونَ كمَن لَهُ قَلْبَانِ
[«نُونيَّة القَحطاني» (ص24-25)].

وأَنشدَ الإمامُ المُقرئ أبو عمرو عثمان بن سعيد الدَّانِي الأندلسي (ت444هـ) في أُرجُوزتِهِ المُسَمَّاة بِـ«المُنَبِّهَة»:
إِذَا رَأَيتَ المَرْءَ قَد أَحَبَّا ... أَئِمَّةَ الدِّينِ وعَنْهُم ذَبَّا
وفَضَّلَ الصَّحَابَةَ الأَبْرَارَا ... وقَدَّمَ الأَصْهَارَ والأنْصَارَا
وأَبْغَضَ البِدْعِيَّ والمُخَالِفَا ... ومَنْ تَرَاهُ لَهُمَا مُخَالِفَا
فَاعْلَم بِأَنَّهُ مِن أَهْلِ السُّنَّه ... فَالْزَمْهُ واسْتَمْسِكْ بِمَا قَدْ سَنَّهْ
[«مُنَبِّهةُ الإِمام المقرئ أبي عمرو الدَّانِي» (ص540-543)].

وقال:
وحُبُّ أَصحَابِ النَّبيِّ فَرْضُ ...ومَدْحُهُم تَزَلُّفٌ وقَرْضُ
وأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ الصِّدِّيقُ ... وبَعْدَهُ المُهَذَّبُ الفَارُوقُ
وبَعْدَهُ عُثمَانُ ذُو النُّورَينِ ... وبَعدَهُ عَلِيٌّ أَبُو السِّبْطَينِ
وبَعدَ هَؤُلاَءِ بَاقِي العَشَرَة ... الأَتْقِيَاءُ المُرَتضِينَ البَرَرَه
أَهْلُ الخُشُوعِ والتُّقَى والخَوْفِ ... طَلحَةُ والزُّبَيرِ وابْنُ عَوْفِ
ثُمَّتَ سَعْدٌ بَعدَهُمْ وعَامِرُ ... ثُمَّ سَعِيد بنُ نُفَيلٍ العَاشِرُ
وسَائِرُ الصَّحْبِ فَهُم أَبْرَارُ ... مُنْتَخَبُونَ سَادَةٌ أَخْيَارُ
ورَبُّنَا جَلَّ لهُم إِنْعَامَه ... وخَصَّهُم بِالفَضْلِ والكَرَامَهْ
[«الأُرجُوزة المُنَبِّهَة» (ص556-558)].

وأََنشد أبو عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي المالكي المعروف بابن المُنَاصِف (ت620هـ) في المَعلم الرابع الخَاصّ بالسِّيرة النَّبويَّة مِن أُرجُوزتِهِ الطويلة المُسمَّاة «الدّرّة السّنّيّة في المعالم السّنيَّة»:
وفِرْقَةٌ مَعرُوفَةٌ بالرَّافِضَة ... صِنْفٌ مِنَ الشِّيعَةِ حَيْرَى خَائِضَة
قَومٌ تَبَرَّؤُوا مِنَ الصَّحَابَة ... وأَوْسَعُوا فِي السَّبِّ والمَعَابَة
وكَفَّرُوا هُنَاكَ بَعْضَ السَّلَفِ ... وطَعَنُوا فِي فَضْلِهِمْ والشَّرَفِ
ورُبَّمَا مَالُوا لِلاِعتِزَالِ ... فِي بَعْضِ مَا لَهُمْ مِنَ الأَقْوَالِ
قَالُوا لِزَيدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَين ... نَجْلِ عَلِيِّ المُعتَلِي عَن كُلِّ شَيْن
اشْتُم أَبَا بَكرٍ وأَيضًا عُمَرَا ... فَلَم يُطِعْهُم حِينَ جَاؤُوا نُكُرَا
فرَفَضُوهُ فَلِذَلِكَ نُسِبُوا ... رَافِضَةً ثُمَّ استَمَرَّ اللَّقَبُ
[«الدّرّة السّنّيّة» (ق14) مخطوط].

وأَنشد أبو عبد الله محمد بن موسى بن عمار الكلاعي، مِن أهل ميورقة (مِن علماء... القرن الخامس الهجري) في «وَصِيَّتِِه»:
وَأَبْغِض كُلَّ مُبتَدِعٍ كَفُورٍ ... كَمِثلِ الرَّافِضِينَ الكَافِرِينَا
أَلاَ إِنَّ الرَّوَافِضَ شَرُّ خَلْقٍ ... وأَكْذَبُ مِن يَهُودٍ الكَاذِبِينَا
ضَلاَلتُهُم وكُفرُهُم شَنِيعٌ ... وبَعدَهُم الكِلاَبُ الخَارِجِينَا
هُمَا طَرَفَانِ فِي كُفْرٍ وسَبٍّ ... وهُم سَبُّوا الصَّحَابَةَ مُعْلِنِينَا
وقَد قَالَ الرَّسُولُ كَلاَمَ صِدْقٍ ... صِحَابِي كالنُّجُومِ لِمُقتَدِينَا
ومَا ضَرَّ النُّجُومَ نِبَاحُ كَلْبٍ ... فَسُحْقًا لِلكِلاَبِ النَّابِحِينَا
تُسَمِّي السَّيْفَ للإِسلاَمِ جِبْتًا ... فَأَنْضَى اللهُ سَيْفَ المُسلِمِينَا
فقَنّعهُ بِهِ عَمَّا قَرِيبٍ ... فيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤمِنِينَا
إِلَهِي طَهِّرِ الحَرَمَينِ مِنهُم ... ومِصْرَ الأَرضِ مِن مُتَمَجِّسِينَا
وأَوْرِثْنَا دِيَارَ القَومِ حَتَّى ... نَكُونَ بِهَا بجُودِكَ قَاطِنِينَا
وغَيرَهُم مِن الهَوَاءِ جَنِّبْ ... فبِدعَتُهُم تَصُمُّ السَّامِعِينَا
فبُغضُهُم ولَعنَتُهُم أَكِيدٌ ... أَجَلُّ وَسِيلَةِ المُتَوَسِّلِينَا
[«وصيَّة محمد بن موسى الشَّهِير بابن عمار الكلاعي الميورقي لابنِهِ» (ص87)].

وقد جاءَ في خِتامِ نَظمِهِ:
كَتَبتُ وَصِيَّتِي نَظْمًا ووَعْظًا ... وذِكرَى تَنفَعُ المُتَذَكِّرِينَا
ولَم أَكُ شَاعِرًا لَكِنَّ نَفسِي ... تَنظِمُ مَا رَأَت لِلنَّاثِرِينَا
[نفسه (ص88)].

إلى أن قال:
وأَخْتِمُ بالصَّلاةِ على نَبِيٍّ ... سَمَاهُ اللهُ فَوقَ المُرْسَلِينَا
عَلَيهِ صَلاةُ رِبِّي ذِي الجَلاَلِ ... كمِثلِ الرَّملِ تَتْرَا كُلَّ حِينَا
[نفسه(ص89)].

وأبو العبَّاس أحمد بن محمّد المَقَّرِيّ التِّلمساني (ت:1041هـ) في منظومته «إِضَاءَةُ الدُّجْنَة»:
وأَفْضَلُ الأُمَّةِ ذَاتِ القَدْرِ ... أَصْحَابُ مَن أُعْطِيَ شَرْحَ الصَّدْرِ
إِذْ جَاءَ في القُرآنِ مَا يَقضِي لهُم ... بِالسَّبْقِ في آيٍ حَوَتْ تَفضِيلَهُم
وكَم أَحَادِيَث عَلَيهِم تُثْنِي ... كقَولِهِ خَيرُ القُرُونِ قَرْنِي
وقَولُ طَهَ المُصطَفَى لَو أَنْفَقَا ... فجَلَّ مَن زَكَّاهُم وَوَفَّقَا
ثُمَّ يَلِيهِم تَابِعُ بَادي السَّنَا ... فتَابِعٌ لتَابِعٍ قَدْ أَحْسَنَا
والخُلفَاءُ الرَّاشِدُونَ الأَربَعَة ... خَيرُ الصَّحَابَةِ الأُلَى كَانُوا مَعَهْ
ورَتِّبَن الفَضْلَ فِيمَا بَينَهُم ... عَلَى خِلاَفَةٍ وقَدِّم عَينَهُم
وهْوَ أَبُو بكرٍ وفَارُوقٌ يَلِي ... وبَعدُ عُثمانُ واختِمْ بعَلِي
زَوجِ البَتُولِ بِضْعَةِ الرَّسُولِ ... مَن نَالَ بِالسِّبْطَينِ أَقْصَى السُّول
وبَعدَ هؤلاءِ بَاقِي العَشَرَة ... طلَحةُ والزُّبيرُ زَاكِي النّشرة
وعَامِرٌ وسَعدٌ السَّامِي الحُلَى ... مَع ابنِ عَوْفٍ وسَعِيدٍ ذِي العُلاَ
فأَهلُ بَدرٍ ثُمَّ أَهلُ أُحُدِ ... فبَيعَة الرِّضوَانِ بَعدَه اعْدُدِ
والسَّابِقُون الأَوَّلُون صَرِّحَا ... بفَضلِهِم والخُلْفَ فِيهِم سَرِّحَا
وبَعض مَن بِالعِلمِ قَد تَحَلَّى ... يَقُولُ مَن لِلقِبلَتَينِ صَلَّى
والصَّحْبُ كُلُّهُم عُدُولٌ خِيَرَة ... فمَن يُرِد وَجْهَ اهتِدًا بِهِم يَرَهْ
لأَنَّ مَن أَحَاطَ بِالخَبِيِّ ... عِلمَا حَبَاهُم صُحبَةَ النَّبيِّ
فهُم نُجُومٌ فِي السُّرَى مَن اقتَدَى ... بهِم إِلى مَعَالِمِ الحَقِّ اهْتَدَى
فَلاَ تَخُضْ فِيمَا مِنَ الأَمْرِ اخْتَلَطْ ... بَينَهُم واحْذَر إِذَا خُضْتَ الغَلَطْ
والْتَمِسَنْ أَحْسَنَ المَخَارِجِ ... لَهُم فَالاِجتِهَادُ ذُو مَعَارِجِ

[«إِضَاءَةُ الدُّجْنَة» (ص95-98)]

أبو ذر آلغفــآري

اسم أبي ذر ولقبه :
أبو ذر الغفاريهو أبو ذَرّ، ويقال أبو الذَرّ جندب بن جنادة الغفاري. وقد اختلف في اسمه, فقيل: جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور جندب بن جنادة. وأم أبي ذَرّ هي رملة بنت الوقيعة الغفارية، وقد أسلمت رضي الله عنها.

كان آدم طويلاً أبيض الرأس واللحية، أسمر اللون نحيفًا، قال أبو قلابة عن رجل من بني عامر: "دخلت مسجد مِنى فإذا شيخ معروق آدم (أي أسمر اللون)، عليه حُلَّة قِطْريٌّ، فعرفت أنه أبو ذَرّ بالنعت".

حال أبي ذر الغفاري في الجاهلية :
ولد أبو ذر في قبيلة غفار بين مكة والمدينة، وقد اشتهرت هذه القبيلة بالسطو، وقطع الطريق على المسافرين والتجار وأخذ أموالهم بالقوة، وكان أبو ذَرّ رجلاً يصيب الطريق، وكان شجاعًا يقطع الطريق وحده، ويُغير على الناس في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما يأخذ.

ومع هذا كان أبو ذَرّ ممن تألّه[1]: "أخذ أبو بكر بيدي فقال: يا أبا ذر. فقلت: لبيك يا أبا بكر. فقال: هل كنت تأله في جاهليتك؟ قلت: نعم، لقد رأيتني أقوم عند الشمس (أي عند شروقها)، فلا أزال مصليًا حتى يؤذيني حرّها، فأخرّ كأني خفاء. فقال لي: فأين كنت توجَّه؟ قلت: لا أدري إلا حيث وجهني الله، حتى أدخل الله عليَّ الإسلام". في الجاهلية، وكان يقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام.

النور يسري إلى قلب أبي ذَر وقبيلته :
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال أبو ذر: كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلِّمه وَأْتني بخبره. فانطلق فلقيه، ثم رجع فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير، وينهى عن الشر. فقلت له: لم تشفني من الخبر. فأخذت جرابًا وعصًا، ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. قال: فمر بي عليٌّ، فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء.

قال: فمر بي عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال: انطلق معي. قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له: إن كتمت عليَّ أخبرتك. قال: فإني أفعل. قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال له: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي، فقلت له: اعرض عليَّ الإسلام. فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: "يا أبا ذَرّ، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل".

فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخَنَّ بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا فضُربت لأموت، فأدركني العباس فأكب عليَّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم! تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار. فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فصُنع بي مثل ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكبّ عليَّ، وقال مثل مقالته بالأمس.

وكان أبو ذرّ من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة فكان خامسًا، وبعد أن أسلم آخى النبي بينه وبين المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المُعْنِق ليموت.

أثر الرسول في تربية أبي ذر الغفاري :
كان للنبي أثرٌ كبير وواضحٌ في حياة أبي ذر؛ وذلك لقدم إسلامه، وطول المدة التي قضاها مع النبي؛ فعن حاطب قال: قال أبو ذر: "ما ترك رسول الله شيئًا مما صبّه جبريل وميكائيل -عليهما السلام- في صدره إلا قد صبه في صدري".

وعن أبي هريرة قال: قال أبو ذَرّ: يا رسول الله، ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها. فقال رسول الله: "يا أبا ذَرّ، ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك؟" قال: بلى يا رسول الله. قال: "تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".

أهم ملامح شخصية أبي ذر الغفاري :
الزهد الشديد والتواضع :
قيل لأبي ذرٍّ: ألا تتخذ أرضًا كما اتخذ طلحة والزبير؟ فقال: "وما أصنع بأن أكون أميرًا، وإنما يكفيني كل يوم شربة من ماء أو نبيذ أو لبن، وفي الجمعة قَفِيزٌ من قمح".

وعن أبي ذر قال: "كان قوتي على عهد رسول الله صاعًا من التمر، فلست بزائدٍ عليه حتى ألقى الله تعالى".

صدق اللهجة :
قال أبو ذَرّ: قال لي رسول الله: "ما تقلّ الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذَرّ، شبيه عيسى ابن مريم". قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا نبي الله، أفنعرف ذلك له؟ قال: "نعم، فاعرفوا له".

حرص أبي ذر الغفاري على الجهاد رغم الصعوبات :
عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره. فقال رسول الله: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". فتلوَّم أبو ذَرّ على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره فخرج يتبع رسول الله ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله: "كن أبا ذَرّ". فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو -والله- أبو ذَرّ. فقال رسول الله: "رحم الله أبا ذَرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده".

بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع الرسول :
وفي صحيح مسلم عن أبي ذَرّ قال: سألت رسول الله: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه". قال النووي: أي حجابه نور، فكيف أراه؟!

وعن أبي ذَرّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذَرّ، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها".

بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع الصحابة :
مع معاوية :
عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذَرّ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه}[التوبة: 34]، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أنِ اقْدِم المدينة. فقدمتها فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّرُوا عليَّ حبشيًّا لسمعت وأطعت.

مع أبي بن كعب :
عن أبي ذَرّ أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي يخطب، فجلست قريبًا من أبي بن كعب، فقرأ النبي سورة براءة، فقلت لأبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني. ثم مكثت ساعة، ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي قلت لأبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني. قال أبيّ: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت.

فذهبت إلى النبي فقلت: يا نبي الله، كنت بجنب أبيٍّ وأنت تقرأ براءة، فسألته متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت. قال النبي: "صدق أُبَيّ".

بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع التابعين :
مع عبد الله بن الصامت :
عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرّ قال: قال رسول الله: "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود". قلت: يا أبا ذَرّ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".

مع صدقة بن أبي عمران :
عن صدقة بن أبي عمران بن حطان قال: أتيت أبا ذَرّ فوجدته في المسجد مختبئًا بكساء أسود وحده، فقلت: يا أبا ذَرّ، ما هذه الوحدة؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: "الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر".

بعض الأحاديث التي رواها أبو ذر الغفاري عن الرسول :
روى البخاري بسنده عن أبي ذر قال: سألت النبي، أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله". قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال:"أعلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها". قلت: فإن لم أفعل. قال: "تعين ضَايِعًا أو تصنع لأخرق". قلت: فإن لم أفعل. قال: "تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك".

وعن أبي ذر، عن النبي قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرارًا، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: "المُسْبِل، والمنَّان، والمُنْفِق سلعته بالحلف الكاذب".

أثر أبي ذر الغفاري في الآخرين :
منذ أسلم أصبح من الدعاة إلى اللهI، فدعا أباه وأمه وأهله وقبيلته، ولما أسلم أبو ذر قال: انطلق النبي وأبو بكر وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت، فقال رسول الله: "إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل -ولا أحسبها إلا يثرب- فهل أنت مبلغ عني قومك؛ لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم".

قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسًا، قال: فقال لي: ما صنعت؟ قال: قلت: إني أسلمت وصدقت. قال: فما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. ثم أتينا أُمَّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت. فتحملنا حتى أتينا قومنا غفارًا. قال: فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله المدينة، وكان يؤمِّهم خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، وكان سيِّدهم يومئذ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله أسلمنا. قال: فقدم رسول الله فأسلم بقيتهم. قال: وجاءت "أسلم" فقالوا: يا رسول الله، إخواننا، نُسلم على الذي أسلموا عليه. فقال رسول الله: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله".

مواقف خالدة في حياة أبي ذر :
ينتقل الزاهد الورع خليفة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى جوار ربه ورسوله، تاركًا خلفه فراغًا هائلاً، ويبايع المسلمون عثمان بن عفان وتستمر الفتوحات وتتدفق الأموال من البلاد المفتوحة، فارس والروم ومصر، وظهرت بين العرب طبقات غنية كنزت الأموال، وبنت القصور، وعاشت عيشة الأمراء، كما ظهرت بجانبهم طبقات فقيرة لا تجد ما تقتات به.

خرج أبو ذر إلى معاقل السلطة والثروة يغزوها بمعارضته معقلاً معقلاً، وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفَّتْ حولها الجماهير والكادحون، وكان إذا نزل بأرض ردد قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}[التوبة: 34، 35]. ولقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة هناك بالشام حيث معاوية بن أبي سفيان يحكم أرضًا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة وخيرًا وفيئًا، ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف قدره، فلا يقربه بسوء، ويكتب من فوره للخليفة عثمان بن عفان، ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه إلى المدينة، ويجري بينهما حوار طويل ينتهي بأن يقول له أبو ذر: "لا حاجة لي في دنياكم". وطلب أبو ذر من عثمان أن يسمح له بالخروج إلى "الرَّبَذَة"، فأذن له.



موقف أبي ذر الغفاري من الثورات :
أتى أبا ذر وفدٌ من الكوفة وهو في الرَّبَذَة، يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد عثمان بن عفان، فزجرهم بكلمات حاسمة قائلاً: "والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أو جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي، ولو سيَّرني ما بين الأفق إلى الأفق، لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي".

وهكذا أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر؛ فتحاشاها.

بعض كلمات أبي ذر الغفاري :
من أقواله: "حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديد الحر لطول يوم النشور، وصلوا ركعتين في سوداء الليل لوحشة القبور".

وفاة أبي ذر الغفاري :

خبيب بن عديّ ( بطل.. فوق الصليب..!! )

 خبيب بن عديّ ( بطل.. فوق الصليب..!! )
  والآن..



أفسحوا الطريق لهذا البطل يا رجال..

وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان..

تعالوا, خفاقا وثقالا..

تعالوا مسرعين, وخاشعين..

وأقبلوا, لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..!!

تقولون: أوكل هذا الذي قصصت علينا من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟



  أجل كانت دروسا..

وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير..

ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية..

أستاذ لوفاتكم مشهده, فقد فاتكم خير كثير, جدّ كثير..

إلينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد..

إلينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد..

وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور, وظننتم بالأديان والإيمان ظنّ السّوء..

تعالوا بغروركم..!

تعالوا وانظروا أية عزة, وأية منعة, وأي ثبات, وأيّ مضاء.. وأي فداء, وأي ولاء..

وبكلمة واحدة, أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الإيمان بالحق على ذويه المخلصين..!!

أترون هذا الجثمان  المصلوب..؟؟

انه موضوع درسنا اليوم, يا كلّ بني الإنسان...!

هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع, وهو الدرس, وهو الأستاذ..

اسمه خبيب بن عديّ.

احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا.

واحفظوه وانشدوه, فانه شرف لكل إنسان.. من كل دين, ومن كل مذهب, ومن كل جنس, وفي كل زمان..!!



  انه من أوس المدينة وأنصارها.

تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر إليهم, وآمن بالله رب العالمين.

كان عذب الروح, شفاف النفس, وثيق الإيمان, ريّان الضمير.

كان كما وصفه حسّان بن ثابت:

صقرا توسّط في الأنصار منصبه                   سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب

ولما رفعت غزوة بدر أعلامها, كان هناك جنديا باسلا, ومقاتلا مقداما.

وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقهإبّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.

وبعد انتهاء المعركة, وعودة البقايا المهزومة من قريش إلى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم, وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..!!



  وعاد المسلمون من بدر إلى المدينة, يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد..

وكان خبيب عابدا, وناسكا, يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين, وشوق العابدين..

هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل, ويصوم الناهر, ويقدّس لله رب العالمين..



  وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش, ويتبيّن ما ترامى إليه من تحرّكاتها, واستعدادها لغزو جديد.. فاختار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت.

وانطلق الركب إلى غايته حتى إذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة, نمي خبرهم إلى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا إليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم, وراحوا يتعقبونهم, ويقتفون آثارهم..

وكادوا يزيغون عنهم, لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة, ثم صاح في الذين معه:

" انه نوى يثرب, فلنتبعه حتى يدلنا عليهم"..

وساروا مع النوى المبثوث على الأرض, حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون..

وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون, فدعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل..

واقترب الرماة المائة, وأحاطوا بهم عند سفح الجبل وأحكموا حولهم الحصار..

ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء.

والتفت العشرة إلى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.

وانتظروا بما يأمر..

فإذا هو يقول:" أما أنا, فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك..

اللهم أخبر عنا نبيك"..

 

  وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد, وأصيب معه سبعة واستشهدوا..

ونادوا الباقين, أنّ لهم العهد والميثاق إذا هم نزلوا.

فنزل الثلاثة: خبيب بن عديّ وصاحباه..

واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم, وربطوهما بها..

ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر, فقرر أن يموت حيث مات عاصم وإخوانه..

واستشهد حيث أراد..

وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين إيمانا, وأبرّهم عهدا, وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..!!

وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما, ولكنه كان شديد الإحكام.

وقادهما الرماة البغاة إلى مكة, حيث باعوهما لمشركيها..

ودوّى في الآذان اسم خبيب..

وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر, تذكّروا ذلك الاسم جيّدا, وحرّك في صدورهم الأحقاد.

وسارعوا إلى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.

وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم, ليس منه وحده, بل ومن جميع المسلمين..!!

وضع قوم آخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا..

 

  أسلم خبيب قلبه, وأمره,ومصيره لله رب العالمين.

وأقبل على نسكه ثابت النفس, رابط الجأش, معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر, ويلاشي الهول.

كان الله معه.. وكان هو مع الله..

كانت يد الله عليه, يكاد يجد برد أناملها في صدره..!

دخلت عليه يوما إحدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره, فغادرت مكانه مسرعة إلى الناس تناديهم ليبصروا عجبا..

" والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه..

وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة..

ما أظنه إلا رزقا رزقه الله خبيبا"..!!



  أجل آتاه الله عبده الصالح, كما آتى من قبل مريم بنت عمران, يوم كانت:

(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ{37}آلعمران)..

 

  وحمل المشركون إلى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه.

ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه, ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه, وأنزل عليه سكينته ورحمته.

وراحوا يساومونه على إيمانه, ويلوحون له بالنجاة إذا ما هو كفر لمحمد, ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..!!

أجل, كان ايمان خبيب كالشمس قوة, وبعدا, ونارا ونورا..

كان يضيء كل من التمس منه الضوء, ويدفئ كل من التمس منه الدفء, أم الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه..

وإذا يئسوا مما يرجون, قادوا البطل إلى مصيره, وخرجوا به إلى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..

وما إن بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين, وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه وإعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه..

وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام وإخبات...



  وتدفقت في روحه حلاوة الإيمان, فودّ لو يظل يصلي, ويصلي ويصلي..

ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم:

" والله لا تحسبوا أن بي جزعا من الموت, لازددت صلاة"..!!

ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال:

" اللهم أحصهم عددا.. واقتلهم بددا"..

ثم تصفح وجوههم في عزم  وراح ينشد:

ولست أبالي حين أقتل مسلما                     على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وان يشــأ                      يبـــــــارك على أوصال شلو ممزّع



  ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..

ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم.

وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود أمام البطل المصلوب..!!

لم يغمض عينيه, ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.

وبدأت الرماح تنوشه, والسيوف تنهش لحمه.

وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له:

" أتحب أن محمدا مكانك, وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟

وهنا لا غير انتفض خبيب كالإعصار وصاح, في قاتليه:

" والله ما أحبّ أني في أهلي وولدي, معي عافية الدنيا ونعيمها, ويصاب رسول الله بشوكة"..



  نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله..! نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان, وكان لم يسلم بعد, يضرب كفا بكف ويقول مشدوها:" والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..!!

 

  كانت كلمات خبيب هذه إيذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها, فتناوشه في جنون ووحشية..

وقريبا من المشهد كانت تحومطيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة..

ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت, وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى.

وفجأة طارت تشق الفضاء, وتمضي بعيدا.. بعيدا..



  لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب, فخذلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..!!

مضت جماعة الطير إلى رحاب الفضاء متعففة منصفة.



  وعادت جماعة المشركين إلى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية..

وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف..!!



  كان خبيب عندما رفعوه إلى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا, قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا:

" اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا"..

واستجاب الله دعاءه..

فبينما الرسول في المدينة إذ غمره إحساس وثيق بأن أصحابه في محنة..

وتراءى له جثمان أحدهم معلقا..

ومن فوره دعا المقداد بن عمرو, والزبير بن العوّام..

فركبا فرسيهما, ومضيا يقطعان الأرض وثبا.

وجمعهما الله بالمكان المنشود, وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب, حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الرطيب.



 ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.

ولعل ذلك أحرى به وأجدر, حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ, وفي ضمير الحياة, بطلا.. فوق الصليب..!!!



رجال حولالرسول(صلّىالله عليه وسلّم)



زياد علي

زياد علي محمد