السبت، 24 أغسطس 2019

العلامة المعلمي

 للحبر الرباني والناقد المحدث شيخ نقاد العصر الحديث الزاهد البحاثة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وهي من مقدمة كتاب بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني (فوائد وقواعد في الجرح والتعديل من كلام العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي) طبع دار أضواء السلف



فإن الله عز وجل أنزل القرآن ومثله معه وتعهد بحفظهما، فقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وتوفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأقام الشرعة وأكمل الملة قال عز وجل: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[المائدة: 3].
وورثه صحابته من بعده وحملوا أمانة هذا الدين وبلغوا من بعدهم وهكذا حمل المسلمون الأمانة جيلا بعد جيل حتى وصلنا ميراثه في زماننا هذا صافيا نقيا من التحريف والتبديل. وذلك بفضل الله عز وجل ومصداقا لوعده ثم بما سخره الله لهذه الأمة من وجود علماء ربانيين يذبون عن حياض الدين وينشرون علوم الكتاب والسنة.
((فالحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذي ، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال بائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي الكتاب، يفولون على الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين))(1).
وقد جاء ((المعلمي)) رحمه الله في فترة كانت الأمة فيها في سبات عميق وبعد عن النبعين الصافيين، الكتاب والسنة، سوى طائفة قليلة غريبة بين الناس قائمة بأمر الله مصداعا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك))(2).
وسوى أفراد قد عرفوا الحق وتعلموا العلم وأحسوا بفصله وأهميته للأمة فنذروا حياتهم لنشره وبيانه وبقريبه إلى الخلق حرصا على هدايتهم وطلبا لما فيه صلاحهم.
وقد كان ((المعلمي)) رحمه الله أحد أولئك الأشاوس الأكابر الذين عملوا على هداية الامة ونشر العلم الصحيح ووقفوا لجيوش الباطل وكسروا هجماته وصولاته على جموع أهل السنة والحديث.
وكان من أولئك الذين يعملون في صمت لإحياء منهج أهل السنة والجماعة أصحاب الحديث السلف الصالحين. يكتم آلامه وآلام أمته، ويبث أماله ليحي روح السنة والتوحيد والإتباع في أمته، حتى مضى في صمت صابرا مرابطا محتسبا فرحمه الله.
وكلما طاف ذكر ((المعلمي)) بخاطري تذكرت حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي))(3).
وأما الجانب الآخر الذي برز من خلاله ((المعلمي)): فهو جهاده وتصديه لأهل البدع، فقد كان من المجاهدين المنافحين عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف الله به عوار أهل البدع المخالفين للسن، ورد به حقد الزنادقة المعادين لشرعه(4).

الأسباب التي دعت إلى كتابة هذا البحث:
o فمن باب الوفاء لعلم من أعلام أهل الحديث وإظهارا لجهوده في نشر السنة ونصرتها والذب عنها وحرب البدعة وأهلها.
o كذلك إظهار لمنهج أهل الحديث الذي كان المعلمي أحد رجاله ودعاته الذين حرصوا على نشره والذب عنه.
أولئك القوم يحي القلب إن ذكروا ويذكر الله ‘م ذكروا هموا ترد
أئمة النقل والتفسير ليس لهم سوى الكتاب ونص المصطفى سنم
أحبار ملته أنصار سنته لا يعدلون بها ما قاله أحد
أعلامها نشروا أحكامها نصروا أعداؤها كسروا نقالها نقدوا (5)
o وقد توسعت في ترجمته وحرصت على إبراز شخصيته وخلقه حتى يتأثر بها المشتغلون بالحديث في هذه الأزمنة؛ فإن عدم التأثر بالحديث شكوى قديمة وعلة عليلة قد جد في علاجها أسلافنا المتقدمون، وما زال يشكوا منها خلهم الصالحون.
ومن آثار هذه العلة ومن ظواهر هذا المرض: ضعف الإيمان، وسوء الخلق وضعف التعبد، وجفاء الطبع، وعدم الإنكسار لذي الجلال والإكرام، والتكبر مما هو عدة أهل الفخر والتباهي لا من خلق أهل التقوى والزهج ممن يؤثرون الآخرة الباقية على الفانية الزائلة.
* فذاك قدوة الزهاد وعلم أهل الحديث العاملين أبو عبد الله بن سفيان بن سعيد الثوري يقول: ((ليس طلب الحديث من عدة الموت، لكنه علة يتشاغل بها الرجل)).
* يقول علم من أعلام الحديث والسنة في زمانه وهو عبد الله بن الذهبي معلقا على كلامه وشاكيا حال أهل زمانه: ((صدق والله، إن طلب الكحديث شيئ غير الحديث إسم عرفي لأمرو زائدة على ما يحصل ماهية الحديث وكثير منها مراق إلى العلم وأكثرها أمور يشغف بها المحديث، من تحصيل النسخ المليحة، وتطلب المعالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء، وتمني العمر الطويل؛ ليروي، وحب التفرد، إلى أمور لازمة للأغراض النفسانية لا الأعمال الربانية، فإذا كان طلبك لعلم الحجيث النبوي محفوفا بهذه الآفات فمتى خلاصك إلى الأخلاص......))(6).
وما زال علمائنا يشتكون من حال كثير من منتحلي الحديث والمشتغلين به، يشتكون من أفعالهم وأخلاقهم وصفاتهم التي تدل على أن صاحبها قد أشغله التكاثر عن ذكر يوم التغابن.
* يقول العلامة الألباني ((متع الله بحياته)) : ((علم الحديث بركته في تقويم خلق المحدث أولا ثم فكره ومذهبه ثانيا، فإذا رأيت حديثيا لم يتحسن خلقه ولم يستقم فكره فافهم أن دراسته للحديث لأمر دنيوي؛ قد يكون للمال، قد يكون للظهور؛ فمشكلة من يشتغلون بالحديث أنهم لا يتأثرون به !!))(7).
فقراءة تراجم العلماء والصالحين تؤثر في تكوين الشخصية وتحسين الطوية وتطهير النية وإنكسار الفلب لرب البرية وتربي الفرد على الخصال الحميدة السوية، وتغرس في النفس الكثير من الفضائل، كحب العلم والسنة والغيرة والحمية والإجتهاد في العبادة وغيرها من المناقب العلية.
لا سيما قراءة تراجم أهل العلم المعاصرين، فإنه مع كثرة الفتن في هذه الأزمان وشيوع الجهل وقلة العلم وقلة الناصح والمعين (8)وكثرة الضغوط والمحن، نجدهم يصبرون ويصابرون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته.
فقراءة تراجمهم تذهب من النفس وحشة الغربة، وتنزع من القلب مهابة أهل الضلال والفتنة، وتبعث الأمل في النفس وتعلي الهمة.
وإليك نصيحة خبير خريت، وشهادة من هو بهذا الأمر عليم.
* قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله: ((فسبيل طالب الكمال في طلب العلم: الإطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم، وعلو هممهم، ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة، فالله الله؛ وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالإستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قيل:
فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بمسمعي
وأني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز.......
ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب.
فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعبادتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت استزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطالب، ولله الحمد)).
* ويقول في موضوع آخر: ((رأيت الإشتغال بالفقه وسماع الحديث، لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين لأنهم تناولوا مقصرد النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق لأهي وجدت جمهور المحدثين وطالب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي، وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل، وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء.
وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه، هديه وسمته، فافهم هذا؛ وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سببا لرقة قلبك))(9).
* وأخيرا: أرجو أن يكون هذا البحث حجريلقم في فم كل متطاول على أهل الحديث.
فها في جهودهم في هداية الأمة، وها هي جهودهم في نشر السنة، وها هي جهودهم في حرب البدعة، وها هي حهودهم في الرد على أهل الزندقة والفتنة، وها هي أعمالهم تهتف بفضلهم وتشهد بمكانتهم ورفعة قدرهم.

أما طريقتي في جمع هذه الفوائد:
فقد قرأت كتب الشيخ التي ألفها ولله الحمد، واستفدت منها كثيرا، وكنت أقيد الفوائد المنثورة، وقد ينص الشيخ على أن هذه قاعدة أو ما أشبه ذلك، وقد تكون الفائدة في ثنايا الكلمات وبين الأسطر والصفحات، فحرصت على تقيد الشوارد وجمع الفوائد فيما يتعلق بالجةح والتعديل، وعلوم الحديث، وكذلك بعض الفوائد مما قرأته في مقدمات الكتب التي حققها الشيخ وحواشي تحقيقاته أو الكتب التي كتب مقدمات لها.
وقد أنقل الفائدة كما هي وقد أقتطع منها أو أحذف وأشير إلى ذلك بنقاط هكذا (......).
وفي الختام أسأل الله العظيم أن يكون هذا العمل ذخيرة وقربة يوم لا ينفع مال ولا خلة، وأن يسد الخلة، ويغفر الهفوة والزلة، وأن يجعلنا من زمرة أهل الحديث والسنة، وأن يحشرنا تحت لواء من بعث بخير ملة وأن يعلي درجاتنا ومشايخنا في غرفات الجنة، اللهم آمين.
***

*****
اسمه ونسبه:
هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العتمي اليماني، ينسب إلى بني المعلم من بلاد عتمة باليمن.
مولده ونشأته:
ولد في أول سنة (1313هـ) بقرية (المحاقرة) من بلاد عزلة (الطفن) من مخلاف ((رازح)) من ناحية (عُتمة)، نشأ في بيئة متدينة صالحة، وقد كفله والداه وكانا من خيار تلك البيئة.
طلبه للعلم:
• قرأ القرآن على رجل من عشيرته وعلى والده قراءة متقنة مجودة وكان يذهب مع والده إلى بيت ((الريمي)) حيث كان أبوه يعلم أولادهم ويصلي بهم.
• ثم سافر إلى الحجرية- وكان أخوه الأكبر محمد كاتبا في محكمتها الشرعية- وأدخل في مدرسة حكومية يدرس فيها القرآن والتجويد والحساب فمكث فيها مدة ثم قدم والده فأوصاه بقراءة النحو فقرأ شيئا من ((شرح الكفراوي)) على الآجرومية.
• ورجع مع والده وقد أتجهت رغبته إلى قراءة النحو، فاشترى كتبا في النحو، فلما وصل إلى بيت ((الريمي)) وجد رجلا يدعى ((أحمد بن مصلح الريمي)) فصارا يتذاكران النحو في عامة أوقاتهما، مستفيدين من تفسيري ((الخازن)) و((النسفي)) فأخذت معرفته تتقوى حتى طالع [المغني] لابن هشام نحو سنة، وحاول تلخيص فوائده المهمة في دفتر وحصلت له ملكة لا بأس بها.
• ثم ذهب إلى بلده (الطفن) وأشار عليه والده بأن يبقى مدة ليقرأ على الفقيه العلامة ((أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي)) فلازمه وقرأ عليه الفقه والفرائض والنحو ثم رجع إلى ((بيت الريمي)) فقرأ كتاب [الفوائد الشنشورية في علم الفرائض].
• وقرأ [المقامات] للحريري وبعض كتب الأدب، وأولع بالشعر فقرضه ثم سافر إلى ((الحجرية))، وبقى فيها مدة يحضر بعض المجالس يذاكر فيها الفقه، ثم رجع إلى ((عتمة)) وكان القضاء قد صار إلى الزيديه فاستنابه الشيخ ((علي بن مصلح الريمي)) وكان كاتبا للقاضي ((علي بن يحيى المتوكل)) ثم عين بعده القاضي ((محمد بن علي الرازي))، فكتب عنده مدة.

أعماله ورحلاته:
ثم ارتحل إلى جيزان سنة((1336هـ)) فولاه محمد الإدريسي- أمير عسير حينذاك- رئاسة القضاء، فلما ظهر له ورعه وعلمه وزهده وعدله لقبه بـ ((شيخ الإسلام)) وكان إلى جانب القضاء يشتغل بالتدريس، فلما توفي محمد الإدريسي سنة ((1341هـ)) ارتحل إلى الهند وعين في دائرة المعرف قرابة الثلاثين عاما، ثم سافر إلى مكة عام ((1371هـ))، فعين أمينا لمكتبة الحرم المكي في شهر ((ربيع الأول)) من نفس العام.
شيوخه:
قد مر أنه أخذ العلم عن بعض العلماء في اليمن وذاكرهم في الفقه والنحو والفرائض وغيرها، وقبل ذلك درس القرآن على والده.
* ومن هؤلاء العلماء:
1- والده ((يحيى))حيث قرأ عليه القرآن.
2- الشيخ ((أحمد بن مصلح الريمي)) حيث تذاكر معه بعض كتب النحر.
3- والشيخ ((أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي)) حيث قرأ عليه الفقه والفرائض والنحو.
4- والشيخ ((سالم بن عبد الرحمن باصهي. ذكره الشيخ في رسالة له في الرد على القائلين بوحدة الوجود، ألفها الشيخ عام ((1341هـ)).
تلاميذه:
ذكر في ترجمة الشيخ رحمه الله أنه اشتغل بالتدريس والوعظ في الفترة التي قضاها قاضيا في ((جيزان))، وكذلك في الفترة التي قضاها في ((عدن)) ولكن لم يذكر في ترجمته تلاميذ لم، ولعل السبب في ذلك كثرة تنقله وعدم استقراره في مكان واحد مدة طويلة حتى الأماكن التي استقر فيها فقد كان مشتغلا بتصحيح الكتب والتصنيف، ولعل هذا من الأسباب التي لم تجعل الشيخ يتفرغ للتدريس.
أخلاقه وشمائله:
لم أقف على وصف لأخلاق الشيخ وشمائله رحمه الله ولم ألق من عاشره، ولكن من خلال قراءتي لمؤلفاته تكونت في مخيلتي صورة لأخلاق الشيخ وشمائله حيث انطبعت في نفسي انطباعات تستشف من خلال الكلمات ومن ذلك:
(أ) أدبه مع المخالف وأنصافه وأمانته العلمية:
* في ترجمة عمر بن قيس المكي، ذكر الكوثري قصة في إسنادها عمر بن قيس المكي فذكر الشيخ كلام الكوثري ثم قال: ((صدق الأستاذ ولم يحسن الخطيب بذكر هذه الحكاية))(10).
* ذكر الشيخ شيئا من بذائة الكوثري ورميه أهل السنة بالحشوية ثم قال معقبا : ((ولا أجازي الإستاذ على هذا ولكني أقول: الموفق حقا من وفق لمعرفة الحق واتباعه ومحبته والمحروم من حرم ذلك كله فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله))(11).
(ب) من ورع الشيخ وخشيته:
* بعد أن ذكر شيئا من فعال أهل الرأي قال: ((وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(12)[الحشر:10].
(ج) غيرته وشدته على أعداء السنة من الزنادقو والمبتدعة المتعصبة:
* قال رحمه الله في ترجمة الإمام عبد الأعلى بن مسهر: ((هذا إمام جليل من الشهداء في سبيل السنة ومن فرائس الحنفية الجهمية لمخالفته لهم في الفقه والعقيدة))(13).
* وقال عن أبي رية: ((وذكر حديث الحوض، وكأنه استهزأبه ومن استهزأ به فليس من أهله))(14).
* ومن ذلك قال تعد أن ذكر شيئا من فعال أهل البدع: ((وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره))(15).
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
أثنى على الشيخ رحمه الله عدد كبير من معاصريه من أهل العلم والفضل وشهدوا له برسوخ القدم في علوم الحديث وضربه بقصب السبق في خدمة السنة النبوية وإحياء كتب الرجال والتواريخ وغيرها.
وقد وصفه غير واحد من أهل العلم : بـ ((العلامة المحقق))، و((العالم العامل))، و((خادم الأحاديث النبوية، وبأنه ((ثقة عدل)).
ومن هؤلاء العلماء الذين أثنوا عليه الشيخ عبد القدية محمد الصديقي القادري ((شيخ كلية الحديث)) في ((الجامعة العثمانية)) بـ ((حيدر آباد الدكن بالهند)) حيث حصل ((المعلمي)) منه على إجازة قال فيها بعد الحمد والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الأخ الفاضل والعالم العامل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني، قرأ على من ابتداء ((صحيح البخارى))، و((صحيح مسلم))، واستجازني ما رويته عن أساتذتي، ووجدته طاهر الأخلاق، طيب الأعراق، حسن الرواية، جيد الملكة في العلوم الدينية، ثقة عدلا، أهلا للرواية بالشروط المعتبرة عند أهل الحديث، فأجزته برواية ((صحيح البخاري)) و((صحيح مسلم )) و((جامع الترمذي)) و((سنن أبي داود)) و((ابن ماجه)) و((النسائي)) و((الموطأ)) لمالك رضي الله عنهم.))
• وممن أثنوا عليه الشيخ العلامة ((محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) رحمه الله مفتي الديار السعودية، حيث وصفه بـ ((العالم خادم الأحاديث النبوية))(16).
• وكذلك أثنى عليه الشيخ ((محمد عبد الرازق حمزة)) والشيخ ((محمد حامد الفقي)) رحمهما الله.
• وأثنى عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني- متع الله بحياته- حيث قال معلقًا على كلام للـ (معلمي)) في درجات التوثيق عند ابن حبان: ((هذا تفصيل دقيق، يدل
على معرفة المؤلف رحمه الله تعالى، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره، فجزاه الله خيرا))(17).
• وقال عنه الشيخ ((بكر أبو زيد)): ((ذهبي عصره العلامة المحقق))(18).
وقال أيضا: ((تحقيقات هذا الحبر نقش في حجر، ينافس الكبار كالحافظ ابن حجر، فرحم الله الجميع ويكفيه فخرا كتابه [التنكيل]))(19).
وغيرهم من العلماء الأعلام والمحققين الأثبات، آمين.
أثر الشيخ في إحياء كتب السنة والرجال:
قضى المعلمي رحمه الله شطرا كبيرا من حياته بين الورق والمداد وكتب السنة والرجال صابرا مثابرا مرابطا محتسبا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، في سبيل إحياء كتب السلف أملا في إحياء الأمة التي كانت تغط في سبات عميق غارقة في ظلمات التعصب والتقليد والخرافة.
فكان الشيخ رحمه الله يسعى سعيا حثيثا لإحياء كتب السلف الصالح في كافة فروع العلم لاسيما كتب السنة والرجال والتراجم وذلك سعيا منه لإحياء مدرسة أهل الحديث التي يفوم عمادها على الكتاب والسنو الصحيحة بفهم سلف الأمة.
وقد قام الشيخ بتحقيق عدد من كتب السنة والرجال والتواريخ إما استقلالا أو مشاركت لغيره، وما من منصف مشتغل بعلوم الحديث أو له إطلاع على كتبه إلا ويعترف للمعلمي بالفضل والمكانة ورسوخ القدم في مجال تحقيق كتب السلف لاسيما كتب السنة والرجال، مع دقته ومهارته في إثبات النص على صوابه وتوضيح الفروق بين النسخ الخطية، مع ما قد يعرض من رداءة المخطوط أو عدم وضوحه أو سقط أو تصحيف وغير ذلك مما يعلمه ويخبره من يمارس تحقيق المخطوطات.
ونظرة سريعة على قائمة الكتب التي قام الشيخ تبحقيقها تجعل الباحث أو طالب العلم يقف مبهورا أمام هذا الإنتاج الوفير مع الدقة والجودة والإتقان.
عقيدته السلفية ومنافحته عنها وجهوده في نشرها:
الناظر في كتابات الشيخ وتحقيقاته يتضح له جليا ما كان عليه الشيخ من عقيدة سلفية واتباع لخير البرية وأنه على عقيجة الفرقة المرضية أهل السنة والجماعة.
بل كان الشيخ رحمه الله من المنافحين عن عقيدة السلف حيث كان من العلماء القلائل الذين بلغوا في إتقان مناحث العقيدة والمعرفة بالفرق المخالفة وأصولهم ما لم يبلغه
غيرهم.
فتجده في كتاب [القائد إلى تصحيح العقائد] يقرر عقيدة السلف، ويبطل ما خالفها من كلام الفرق المخالفة ويجادلهم بالحجة والبرهان، بل إن الإنسانليقف معجبا بسعة علم المعلمي وإلمامه بأساليب المتكلمين، وهو يجادلهم ويبطل حججهم، وسرعان ما يتذكر أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مناقشاته وردوده على أهل الكلام.
* يقول الشيخ محمد عبد الرازق حمزة عن كتاب [القائد]: ((فرغت من قراءة كتاب[القائد إلى تصحيح العقائد] للعلامة المحقق: الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي، فإذا هو من أجود ما كتب في بابه في مناقشة المتكلمين والمتفلسفة الذين انحرفوا بتطرفهم وتعمقهم في النظر والأقيسة والمباحث، حتى خرجوا عن صراط الله المستقيم الذي سلر عليه الذين أنعم الله عليم من النبيين والصجيقين والشهداء والصالحين من إثبات صفات الكمال للخ تعالى، من علوه سبحانه وتعالى على خلقه علوا حقيقيا يشار إليه في السماء عند الدعاء إشارة حقيقية وأن القرآن كلامه حقا حروفه ومعانيه كيفما قرئ أو كتب، وأن الإيمان يزيد وينقص حقيقة، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأن الأعمال جزء من الإيمان، لا يتحقق الإيمان إلا بالتصديق والقول والعمل.
حقق العلامة المؤلف هذه المطالب بالأدلة الفطرية والنقلية من الكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح من الصحابة وأكابر التابعين، وناقش من خالف ذلك من الفلاسفة كابن سينا ورؤساء علم الكلام كالرازي والفزالي والعضد والسعد، فأثبت بذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه المحققة الشافية الكافية لأوضح حجة وأقوى برهان: أن طريقة السلف في الإيمان بصفات الله تعالى أعلم وأحكم وأسلم، وأن طريقة الخلف من فلاسفة ومتكلمين أجهل وأظلم وأودى وأهلك.
قرأت الكتاب فأعجبت به أيما إعجاب، لصبر العلامة على معاناة مطالعة نظريات المتكلمين خصوصا من جاء منهم بعد من ناقسه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كالعضد والسعد، ثم رده عليهم بالأسلوب الفطري والنقول الشرعية التي يؤمن بها كل من لم تفسد عقليته بخيالات الفلاسفة والمتكلمين، فسد بذلك فراغا كان على كل سني سلفي سده بعد شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وأدى عنا دينا كنا مطالبين بقضائه، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وحشرنا وإياه في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، آمين))(20).
* وكذلك تظهر جهود الشيخ رحمه الله في نشر عقيدة السلف من خلال كتب العقيدة التي حققها أو شارك في تحقيقها ومن ذلك:
1- [الجواب الباهر في زوار المقابر]: لشيخ الإسلم ابن تيمية.
2- [لوامع الأنوار البهية في عقيدة الفرقة المرضية]: للسفاريني.
3- [الرد على الأخنائي]: لابن تيمية.
* وكذلك من خلال الردود التي كتبها في الرد على المبتدعة والزنادقة، وفيها يتضح نفسه السلفي جليا وغيرته على عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن ذلك:
1- [القائد إلى إصلاح العقائد](21).
2- [إغاثة العلماء من طعن صاحب الوراثة في الإسلام].
3- [الرد على المتصوفة القائلين بوحدة الوجود].
وفاته:
ظل الشيخ رحمه الله أمينا لمكتبة الحرم المكي، يعمل بكل جد وإخلاص في خدمة رواد المكتبة من المدرسين وطلاب العلم حتى أصبح موضع الثناء العاطر من جمنع رواد المكتبة على جميع طبقاتهم بالإضافة إلى إستمراره في تصحيح الكتب وتحقيقها لتطبع في دائرة المعارف العثمانية بالهند.
وبعد حياة حافلة بخدمة العلم ونشر السنة والذب عن حياضها والرد على أهل البدع والأهواء، توفي الشيخ صبيحة يوم الخميس السادس من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وستة وثمانين من الهجرة النبوية، عن عمر يناهز ثلاث وسبعون سنة حيث أدى صلاة الفجر في المسجد الحرام وعاد إلى مكتبة الحرم حيث كان يقيم رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء(22).

أثاره ومؤلفاته
تتنوع أثار الشيخ- رحمه الله- إلى ثلاثة أنواع: ما قام بتأليفه، وما قام بعحقيقه وتصحيحه، وما شلرك في تحقيقه وتصحيحه.
أولا: ما قام بتأليفه(23):
1- [طليعة التنكيل](24):
وهو مقدمة لكتابه [التنكيل] حيث ذكر في [الطليعة] شيئًا من مغالطات الكوثري ومجازفاته وفصل القول فيها في [التنكيل].
2- [التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل](25)
وهو من أنفس ما كتب الشيخ رحمه الله ويظهر فيه تبحره وسعة إطلاعه ودقته وتحقيقاته في علوم الحديث والإعتقاد والفقه وغيرها من العلوم وغيرته على السنة وذبه عن أهلها ومعتقدهم.
قال المعلمي رحمه الله : ((فإني وقفت على كتاب[تأنيب الخطيب] للإستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، الذي تعقب فيه ما ذكره الحافظ المحدث الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من [تاريخ بغداد] من الروايات عن الماضين في الغض من أبي حنيفة، فرأيت الأستاذ تعدى ما يوافقه عليه أهل العلم من توقير أبي حنيفة وحسن الذب عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبت من المغالطات المضادة للأمانة العلمية ومن تخليط في القواعد والطعن في أئمة السنة ونقلتها, حتى تناول بعض أفاضل الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة، مالكا والشافعي وأحمد, وأضرابهم وكبار أئمة الحديث وثقات نقلته والرج لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية فأسلء في ذلك جدا، حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإن من يزعم أنه لا يتأتى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع، عساء ما يثنى عليه، فدعاني ذلك إلى تعقيب الأستاذ فيما تعدى فيه، فجنعت في ذلك كتابا أسميته [التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل].
ورتبته على أربعة أقسام:
القسم الأول: في تحرير القواعد التي خلط فيها.
القسم الثاني: في تراحم الأئمة والرواة الذين طعن فيهم.
وهم نحو ثلاثمائة، فيهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، والأئمة الثلاثة، وفيهم الخطيب. وأدرجت في ذلك تراجم أفراد مطعون فيهم حاول توثيقهم ورتبت التراجم على الحروف المعجمة.
القسم الثالث: في الفقهيات: وهي مسائل انتقدت على أبي حنيفة وأصحابه حاول الأستاذ الإنتصار لمذهبه.
القسم الرابع: في الإعتقاديات: ذكرت فيه الحجة الواضحة لصحة عقيدة ائمة الحديث إجمالا وعدة مسائل تعرض لهل الاستاذ ولم أقتصر على مقصود التعقب بل حرصت على أن يكون الكتاب جامعا لفوائد عزيزة في علوم السنة مما يعين على التبحر والتحقيق فيها.
وحرصت على توخي الحق والعدل واجتناب ما كرهنه للأستاذ، خلال إفراطه في إساءة القول في الأئمة جرأني على أن أصرح ببعض ما يفتضيه صنيعه وأسأل الله تعالى التوفيق لي وله))(26)
3- [الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة](27)
* قال الشيخ في مقدمته: ((فإنه وقع إلى كتاب جمعه الأستاذ محمود أبو رية وسماه [أضواء على السنة النبوية] فطالعته وتدبرته فوجدت تهجما وترتيا وتكميلا للمطاعن في السنة النبوية مع اسياء اخرى تتعلق بالمصطلح وغيره، ورأيت من الحق عليَّ أن أضع رسالة أسوق فيها القضايا التي ذكرها أبو رية وأعقب كل قضية ببيان الحق فيها متحريا- إن شاء الله- الحق، وأسأل الله تعالى التوفيق والتسديد، إنه لا حول ولا قوة إلا به وهو حسبي ونعم الوكيل))(28)
وكما ذكر الشيخ: أن كتاب أبي رية يعتبر جمعًا وترتيبًا ونكميلًا للمطاعن في السنة النبوية، فكتاب [الأنوار الكاشفة] يعتبر حلقة في سلسلة ما كتب دفاعًا عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحشدًا وجمعًا لجيوش وعساكر أهل السنة في الرد على المبتدعة وأهل الأهواء والزندقة، وكشفًا لزيفهم وتبيانًا لزللهم وضلالهم، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} [التوبة: 32].
4- [علم الرجال وأهميته]:
وهي محاضرة ألقاها في المؤتمر السنوي الذي أقامته دائرة المعارف العثمانية 1357هـ.(29)
5- [مقام إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- هل يجوز تأخيرة عن موصفه عند الحاجة لتوسيع المطاف]30)
وموضوع الرسالة ظاهر من عنوانها، ولقد كاول الشيخ رحمه الله تنقيع الأدلة ودلالتها على وجه التحقيق.
6- [العبادة]:
ذكره الشيخ في عدة مواضع من كتبه، وقال عنه: ((هو كتاب من تأليفي استفرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عتادة الله مما هو عتادة لغيره))(31).
7- [أحكام الكذب]:
ذكرها الشيخ في عدة مواضع من كتبه(32).
وقال في [التنكيل]: ((شرحت فيها ما حقيقى الكذب ؟ وما الفرق بينه وبين المجاز ؟ وما هي المعاريض ؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه ؟ وغير ذلك)).
8- [حقيقة التأويل]:
قال الشيخ في أولها: ((أما بعد، فهذه رسالة في حقيقة التأويل وتمييز حقه من باطله وتحقيق أن الحق منه لا يلزم من القول به نسبة الشريعة إلى ما نزهها الله عز وجل عنه من الإيهام والتورية والألغاز والتعمية))، ولم يكملها الشيخ(33).
9- [تحقيق البدعة]:
وقد ألفه لتقريب معنى البدعة للناس وتبسيط ما ذكره العلماء من قبل في بيان حكمها، ولم يكملها.
10- [الرد على المتصوفة القائلين بوحدة الوجود]:
وهي رسالة رد فيها على رجل يدعى السيد حسن الضالعي، كان في (صبيا) يتظاهر بالحلول والإتحاد.
11- [الحنيفية والعرب]:
وهو موجودة في 10 صفحات ولكن بعص أوراقها متآكلة.
12- رسالة في قوله تعالى: {إنَّ الْظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحقِ شِيئًا}:
ذكرها الشيخ في كتابه [الأنوار الكاشفة].
13- [إغاثة العلماء من طعن صاحب الوراثة في الإسلام]:
ذكره عبد الله المعلمي في ترجمة والده.
14- [فلسفة الأعياد وحكمها في الإسلام]:
من عناوينها ((منشأ الأعياد)) ((الأعياد الدينية)) ((نظرية الأعياد في الإسلام))، وتقع في 7 صفحات.
15- [الإحتجاج بخبر الواحد]:
ذكرها في رسالة [الاستبصار في نقد الرجال].
16- [عمارة المقبور]:
قال في مقدمتها بعد الحمد والصلاة: ((أما بعد، فإني اطلعت على بعض الرسائل التي ألفت في هذه الأيام في شان البناء على القبور، وسمعت بما جرى في هذه المسألة نظر طالب متحرٍ للصواب.......الخ كلامه رحمه الله)).
17- [أحكام الحديث الضعيف]:
ذكرها في مقدمته لكتاب [الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة]، وفي [الأنوار الكاشفة](34).
18- [الاستبصار في نقد الأخبار]:
قال في أولها بقد الحمد والصلاة: ((إما بعد فهذه إن شاء الله تعالى رسالة في معرفة الحديث، أتوخى فيها تحرير المطالب وتقرير الأدلة وأتتبع مذاهب أئمة الجرح والتعديل فيها ليتحرر بذلك ما تعطيه كلماتهم في الرواة......)).
وعدد صفحاتها 62 صفحة في كراس من الحجم المتوسط ولم تكتمل.
19- [النقد البرئ]:
ذكرها في رسالة [الاستبصار في نقد الأخبار] ص 59.
20- [الأحاديث التي ذكرها مسلم في معدمة صحيحه مستشهدًا بها في بحث الخلاف في إشتراط العلم باللقاء]:
أخرجها وعلق عليها، وبين ثبوت السماع في بعضها(35).
21- [تصحيح الكتب القديمة]:
رسالة قال في أولها بعد الحمد والصلاة: ((فهذه رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة مما إذا أوفوا به فقد أدوا ما عليهم من خدمة العلم والأمانة فيه، وإحياء آثار السلف على الوجه اللائق وتكون مطبوعاتهم صالحة لأن يثق بها أهل العلم، وهي مرتبة على مقمد وأبواب وخاتمة.....)).
22- [ديوان شعر]:
ذكره عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي(36) في ترجمته للشيخ رحمه الله.

* وللشيخ رحمه الله بحوث في مسائل فقهية متفرقة: منها:-
23- بحث في قيام رمضان.
24- بحث في توسعة المسعى بين الصفا والمروة.
25- بحث في توكيل الولي في النكاح.
26- بحث في الربا وأنواعه.
27- بحث في: هل للجمعة سنة قبلية ؟ وسبب تسميتها جمعة ؟

ثانيًا: ما قام بتصحيحه والتعليق عليه:
1- [الرد على الإخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيرة الشرعية](37).
لشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية.
2- [الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة](38): للشوكاني.
3- [التاريخ الكبير](39):للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
4- [بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه](40):
للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم.
5- [الجرح والتعديل وتقدمته](41): للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم.
6- [تاريخ جرجان](42): للحافظ حمزة بن يوسف السهمي.
7- [الموضح لأوهام الجمع والتفريق](43): للحافظ أبي بكر أحمد بن على الخطيب البغدادي.
8- [الإكمال في رفع الإرتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب](44): للحافظ ابن ماكولا.
9- [الأنساب](45): للإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني.
10- [تذكرة الحفاظ](46): للحافظ أبي عبد الله شمس الدين الذهبي.
11- [المعني الكبير في أبيات المعاني](47): لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري.
12- [المنار المنيف في الصحيح والضعيف](48): للإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية.
13- [كشف المخدرات والرياض المزهرات شرح ((أخصر المختصرات))(49): للإمام زين الدين عبد الحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي.
ثالثًا: ما شارك في تحقيقه وتصحيحه:
1- [الجواب الباهر في زوار المقابر](50): لشيخ الإسلام ابن تيمية.
2- [مسند أبي عوانة](51): للإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني.
3- [السنن الكبرى](52): للإمام البيهقي، وبذيله [الجوهر النقي] لابن التركماني.
4- [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان](53): للحافظ نور الدين الهيثمي.
5- [الكفاية في علم الرواية](54): للإمام أبي بكر الخطيب البغدادي.
6- [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم](55): للإمام أبي الفرج ابن الجوزي.
7- [الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة](56): للحافظ ابن حجر.
8- [عمدة الفقه](57): للإمام موفق الدين بن قدامة.

-------------------------------------------------------- الهوامش
(1) من كلام الإمام أحمد- رحمه الله- في كتابه [الرد على الزنادقة والجهمية] ص(6).
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/101)، والبخاري (13/306)، مع الفتح رقم (7312) كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة، ومسلم (13/66) مع شرح النووي كتاب الإمارة وأخرجه ابن ماجه من طرق أخري، ولفظه عن شعيت بن محمد قال: قام معاوية خطبا فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تقوم الساعة، إلا وطائفة من أمتي ظاهرين على النناس، لا يبالون من خذلهم ، ولا من نصرهم)).
(3) أخرجه الإمام أحمد (1/168) ومسلم (8/214) عن عامر بن سعيد قال كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه إبنه عمر فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل فقال لم: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضربه شعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)).
(4)
(5) من نظم الشيخ حافظ الحكمي- رحمه الله- في منظومته [الجوهرة الفريدة].
(6) مقدمة [تحفة الأحوذي] (2/351) وقد كانت وفاة سفيان سنة 161هـ وتوفي الذهبي سنة 748 هـ.
(7) سؤالت الحويني- للألباني- شريط رقم (5).
(8) يقول الإمام ابن قتيبة الدينوري- رحمه الله- ((قد كنا زمانا نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآن نحتاج إلى الإعتذار من العلم!!؛ وكنا نؤمل شكر الناس بالتنبيه والدلالة، فصرنا نرضى بالسلامة، وليس هذا بعجيب مع انقلاب الاحوال ولا ينكر مع تغير الزمان وفي الله خلف وهو المستعان.....)) هذا في زمانه- رحمه الله- فكيف بهذه الأزمان؟!!
(9) صيد الخاطر (216).
(10) التنكيل (1/372).
(11) التنكيل (1/325)، وانظر: الأنوار الكاشفة ص (175)، والتنكيل (1/484).
(12) التنكيل (1/262).
(13) التنكيل (1/316).
(14) الأنوار (255).
(15) التنكيل (1/262).
(16) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (5/121).
(17) التنكيل (1/438) – الحاشية.
(18) التأصيل لأصول التخريج (1/27).
(19) نفس المصدر السابق (1/27).
20) القائد إلى إصلاح العقائد، المطبوع ضمن التنكيل (2/386).
(21) وهو القسم الرابع من التنكيل، وقد طبع ضمن التنكيل وطيع منفردا بعد ذلك.
(22) استفدت في ترجمة الشيخ من الترجمة التي كتبها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي ونشرت في مجلة [الحج] الصادرة في مكة، الجزء العاشر سنة 1386 هـ، وكذلك من رسالة شيخنا منصور السماري عن [المعلمي وجهوده في خدمة السنة] مرقومة على الآلة الكاتبة.
(23) ما كان مطبوعا من كتب الشيخ أشرت إليه ومع إغفال الإشارة فذلك إشارة إلى عدم طبعه.
(24) طبع مع التنكيل عام 1386 هـ بعناية الشيخ الألباني، طبع مكتبة المعارف بالرياض.
(25) وقد طبع عام 1386 هـ بعناية الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، طبعته مكتبة المعارف بالرياض.
(26) طليعة [التنكيل] ص (17)، ويظهر في التنكيل وطليعته سعة علم الشيخ في علوم الحديث وتمرسه في التعامل مع كتب الرجال والتراجم، ثم انظر كيف دعا الشيخ للكوثري، ونعته بالعلامة، مع مخالفاته، وهذا من إنصاف الشيخ- رحمه الله- وأدبه مع المخالف.
(27) وقد طبع عدة طبعات، إحداها طبع ((عالم الكتب)) عام 1403 هـ.
(28) مقدمة [الأنوارالكاشفة] ص (4).
(29) وقد طبعت قديمًا وأعاد نشرها الأخ أبو معاذ طارق بن عوض الله، وعلق عليها واعتنى بها، طبعتها دار الساري عام 1414هـ.
(30) طبعت بمطبعة ((السنة المحمدية)) في القاهرة.
(31) التنكيل (2/260).
(32) انظر التنكيل (2/261) و(2/328).
(33)
(34) الفوائد المجموعة ص (13)، الأنوار الكاشفة ص (88).
(35) انظر التنكيل (1/79).
(37) طبعته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية- الرياض.
(38) طبع في مطبعة السنة المحمدية ثم في المكتب الإسلامي.
(39) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1361 هـ ، حققه الشيخ عدا الجزء الثالث.
(40) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1380هـ.
(41) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1371هـ.
(42) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1369هـ.
(43) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1378هـ.
(44) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1962م. حقق منه خمسة أجزاء.
(45) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية، وقد حقق منه خمسة أجزاء.
(46) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية عام 1377هـ.
(47) طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية.
(48) طبع دار المنار من قبل عدة طبعات سقيمة، أما تحقيق الشيخ فقد طبع حديثًا عام 1416هـ طبع دار العاصمة بعناية الشيخ: منصور بن عبد العزيز السماري.
(49) وهو كتاب في الفقه الحنبلي، وقد طبع في المطبعة السلفية سنة1370هـ.
(50) طبع في المطبعة السلفية، وقد شارك في تحقيقه الشيخ سليمان الصنيع.
(51) طبع في دائرة المعارف العثمانية، وقد شارك الشيخ في تحقيق الجزء الأول والثاني.
(52) طبع في دائرة المعارف العثمانية عام 1352هـ, وقد شارك في التحقيق من بداية الجزء الرابع إلى نهاية الجزء العاشر.
(53) طبع في دائرة المعارف العثمانية.
(54) طبع في دائرة المعارف العثمانية.
(55) طبع في دائرة المعارف العثمانية.
(56) طبع في دائرة المعارف العثمانية عام 1945م.
(57) طبع في المطبعة السلفية- القاهرة.

الإمام نافع


الإمام نافع

إمام المدينة ومقرئها أبي رويم ويقال أبو الحسن .
اسمه : نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي .
كنيته : أبو رويم – وقيل أبو الحسن وقيل أبو عبد الرحمن .
مولده : في حدود سنة سبعين.
توفي : سنة تسع وستين ومائة على الصحيح .
أصله : من أصبهان ، وكان أسود اللون حالكا .
كان إمام الناس في القراءة بالمدينة .
انتهت إليه رياسة الإقراء بها وأجمع الناس عليه بعد التابعين ، أقرأ بها أكثر من سبعين سنة .
قال سعيد بن منصور : سمعت مالك بن أنس يقول : قراءة أهل المدينة سنة .
قيل له : قراءة نافع .
قال : نعم .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي : أيُّ القراءة أحب إليك ؟ قال : قراءة أهل المدينة .
قلت : فإن لم تكن .
قال : قراءة عاصم .
أحد القرّاء السبعة : كان إذا تكلم يُشم من فِيه رائحة المسك .
قيل له : أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس ؟ فقال : إني لا أقرب الطيب ولا أمسه .
ولكن رأيت فيما يرى النائم أن النبي صلّى الله عليه وسلم يقرأ فِي فِيَّ فمن ذلك الوقت يُشم من فمي هذه الرائحة .
وقيل له : ما أصبح وجهك وأحسن خلقك .
فقال : كيف لا أكون كما ذكرتم وقد صافحني رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعليه قرأت القرآن الكريم في النوم .

قال الشاطبي :

فأما الكريم السر في الطيب نافعٌ              فذاك الذي اختار المدينة منزلا

وقالون عيسى ثم عثمان ورشهم                      بصحبته المجد الرفيع تأثَّلا

والكريم السر الشريف الباطن والمجد والشرف .
والتأثل الارتقاء إلى أعلى الشيء .

فأما الكريم السر في الطيب نافع : قرأ على سبعين من التابعين منهم : أبو جعفر يزيد بن القعقاع .وشيبة بن نصاح ، ومسلم بن جندب ، ويزيد بن رومان ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج .
وقرأ أبو جعفر على عبد الله بن عياش ، وعلى عبد الله بن عباس ، وعلى أبي هريرة ، وقرأ هؤلاء الثلاثة على أُبيّ بن كعب ، وقرأ أبو هريرة وابن عباس على زيد بن ثابت وقرأ زيد وأُبي على رسول الله صلّى الله عليه وسلم .
وقرأ شيبة ومسلم وابن رومان على عبد الله بن عياش .
وسمع شيبة القراءة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وقرأ عمر وزيد وأُبيّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم .
وروى القراءة عنه طوائف لا يحصى عددهم ، وممن تلقوا عنه الإمام مالك بن أنس والليث بن سعد .

العودة للفهرس

أشهر الرواة عن الإمام نافع

وأشهر الرواة عنه اثنان : قالون وورش

العودة للفهرس

1- قالون

اسمه : عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد الله الزرقي مولى بني زهرة .
كنيته : أبا موسى .
لقبه : قالون .
يقال إنه ربيب نافع « ابن زوجته » وقد لازم نافعاً كثيراً ، وهو الذي لقبه بقالون ، لجودة قراءته ، فإن قالون بلغة الرومية : جيد .
مولده : ولد سنة مائة وعشرين في أيام هشام بن عبد الملك .
وفاته : توفي سنة عشرين ومائتين في عهد الخليفة المأمون .
أخذ عن نافع القراءة التي تلقاها نافع من أبي جعفر ، والقراءة التي اختارها نافع وعرض القراءة أيضاً على عيسى بن وردان .
قال : قرأت على نافع قراءته غير مرة .
قيل له : كم قرأت على نافع ؟ قال : ما لا أُحصيه كثرة إلا إني جالسته بعد الفراغ عشرين سنة .
وقال : قال لي نافع : كم تقرأ عليّ ؟ أجلس إلى اصطوانه حتى أُرسل لك من يقرأ عليك .
وروى القراءة عنه أُناس كثيرون سردهم واحداً واحداً الإمام ابن الجزري في طبقات القرّاء .
قال أبو محمد البغدادي : كان قالون أصم شديد الصمم ، لا يسمع البوق ، فإذا قرئ عليه القرآن سمعه .
وكان يقرئ القراء ، ويفهم خطأهم ، ولحنهم بالشفة ، ويردهم إلى الصواب .

العودة للفهرس

2- ورش

اسمه : عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان بن إبراهيم .
كنيته : أبو سعيد ، عثمان بن سعيد المصري .
لقبه : ورش ، لقبه شيخه نافع بورش لشدة بياضه ، وقيل إن نافعاً لقبه بالورشان « طائر يشبه الحمامة » لخفة حركته ، وكان على قصره يلبس ثياباً قصاراً ، فإذا مشى بدت رجلاه .
وكان نافع يقول : هات يا ورشان ، اقرأ يا ورشان ، أين الورشان ؟ ، ثم خفف فقيل « ورش » ، وقيل إن ورش : شيء يصنع من اللبن ، لقبه به لبياضه .
وهذا اللقب لزمه حتى صار لا يعرف إلا به ، ولم يكن شيء أحب منه فيقول : أستاذي سماني به .
مولده : ولد سنة عشر ومائة بقفط بلد من بلاد صعيد مصر .
وأصله من القيروان .
وفاته : توفي بمصر في أيام المأمون سنة سبع وتسعين ومائة عن سبع وثمانين سنة .
انتهت إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه ، لا ينازعه فيها منازع ، كان حسن الصوت ، جيد القراءة لا يمله سامع ، مع براعته في العربية ومعرفته بالتجويد ، رحل إلى نافع بالمدينة فقرأ عليه عدة ختمات ثم رجع إلى مصر وأقرأ الناس مدة طويلة .

وقالونُ عيسى ثم عثمان ورشهم                        بصحبته المجد الرفيع تأثلا

وقالون وورش من القسم الأول : من أخذ عن الإمام مباشرة .

العودة للفهرس

منهج نافع في القراءة

لنافع في القراءة اختياران ، أو منهجان ، أقرأ قالون بأحدهما وورشاً بالآخر .

منهج قالون

1- إثبات البسملة بين كل سورتين ، إلا بين الأنفال وبراءة فله ثلاثة أوجه ، القطع ، السكت ، الوصل ، والثلاثة من غير البسملة .
2- قصر المد المنفصل وتوسطه أربع حركات .
3- إدغام الذال في التاء في اتخذتم وشبيهاتها .
4- ضم ميم الجمع مع صلتها بواو إن كان بعدها حرف متحرك سواء كان همزة أم غيرها نحو ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) وله القراءة بصلة الميم وعدمها .
5- تسهيل الهمزة الثانية من الهمزتين المجتمعتين في كلمة ، مع إدخال ألف بينهم بمقدار حركتين نحو : ءَأَنتم ، أئنكم ، أُؤنبئكم .
6- إسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين المجتمعتين في كلمتين ، الهمزة الأولى آخر الكلمة الأولى ، والهمزة الثانية أول الكلمة الثانية ، إذا كانت الهمزتان متفقتي الحركة مفتوحتين مثل ( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) .
أما إذا كانتا متفقتي الحركة مكسورتين أو مضمومتين فإنه يسهل الهمزة الأولى نحو ( هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ ) ، ( أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ ).
فقالون يسهل الهمزة الأولى وليس له في الهمزة الثانية في الأحوال الثلاثة إلا التحقيق ، إما إذا كانت الهمزتان مختلفتي الحركة ، فإنه يسهل الثانية منهما بين بين ، نحو ( وَجَاءَ إِخْوَةُ )، ( جَاءَ أُمَّةً ) في حالة الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ، أو الثانية مضمومة ، ويبدلها ياء خالصة إذا كانت الأولى مكسورة والثانية مفتوحة نحو ( مِنْ السَّمَاءِ آيَةً ) ويبدلها واو خالصة إذا كانت الأولى مضمومة والثانية مفتوحة نحو ( لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ ) ويبدلها واواً ، أو , يسهلها بين بين إذا كانت الأولى مضمومة والثانية مكسورة نحو ( يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى ) وليس له في الأولى من المختلفين إلا التحقيق في الأنواع جميعها .
7- تقليل لفظ ألف التوراة بخلف عنه في جميع القرآن ، ولا إمالة له إلا في هذه الكلمة (هار ) في ( شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) في سورة التوبة .
8- فتح ياء الإضافة إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو ( إِنِّي أَعْلَمُ ) و ( فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ ) و ( إِنِّي أُرِيدُ ) أو كان بعدها أداة التعريف نحو ( عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) على تفصيل في ذلك .
9- إثبات بعض الياءات الزائدة في الوصل نحو ( يَوْمَ يَأْتِ ) في هود ( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ) الكهف على تفصيل محصورة في كتب القراءات .

منهج ورش

1- له بين كل سورتين ثلاثة أوجه : البسملة ، السكت ، الوصل ، والوجهان بلا بسملة وله بين الأنفال وبراءة ثلاثة أوجه : القطع ، السكت ، الوصل ، والثلاثة من غير البسملة ، مثل قالون .
2- له في المدين المتصل والمنفصل ، الإشباع المد بقدر ست حركات .
وليس في القراء من يقرأ بالتوسط والمد في البدل واللين غيره .
له في البدل ، القصر والتوسط والإشباع ، وله في اللين التوسط والمد المشبع .
3- يرقق الراء المفتوحة ، نحو خيراً ، والمضمومة خيرٌ بشروط .
4- يغلظ اللامات المفتوحة إذا وقعت بعد حرف الظاء والطاء والصاد المفتوحتان أو الساكنان نحو الصلاة ، بطل ، مطلع ، ظلم ، وليس من القراء من يرقق الراءات ويغلظ اللامات غيره .
5- يقرأ الهمزتين المجتمعتين في كلمة بتسهيل الثانية بين بين ، من غير إدخال ، وبإبدال حرف مد ألفاً إذا كانت مفتوحة ، أما إذا كانت مكسورة أو مضمومة فليس له فيها إلا التسهيل .
6- الهمزتان المجتمعتان في كلمتين المتفقتين في الحركة ، يسهل الهمزة الثانية ، وله إبدالها حرف مد ، أما الهمزتان المجتمعتان في كلمتين المختلفتان في الحركة فيقرأ الثانية منهما كقالون .
7- يبدل الهمزة المفتوحة بعد ضم واواً إذا كانت فاء للكلمة نحو ( مُؤَجَّلاً ) .
أما إذا كانت الهمزة ساكنة يبدلها حرف مد إذا كانت فاء للكلمة إلا ما استثنى .
8- يضم ميم الجمع ويصلها بواو إذا كان بعدها همزة قطع نحو ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) .
9- يدغم دال قد في الضاد نحو ( قَدْ ضَلَّ ) ، وفي الظاء نحو ( قَدْ ظَلَمَ ) ، ويدغم تاء التأنيث في الظاء نحو ( كَانَتْ ظَالِمَةً ) ، ويدغم الذال في التاء نحو ( أَخَذْتُمْ ) .
10- يشترك مع قالون في ياءات الإضافة فيفتح ما يفتحه قالون ويسكن ما يسكنه منها ، وهناك ياءات يفترقان فيها .
11- يشترك مع قالون في الياءات الزائدة إلا مواضع افترقا فيها بينت في محلها .

قصة صالح نبي ثمود عليه السلام

قصة صالح نبي ثمود عليه السلام

نسبه عليه السلام
قوم صالح عليه السلام : هم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا عرباً من العارية يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وقد مرَّ به رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين ، كما سيأتي ذكره فى القصة

وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث الله فيهم رجلاً منهم، وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح
فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد، ولا يشركوا به شيئاً، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

ذكر قصته مع قومه
والآن لنذكر قصتهم، وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحاً عليه السلام، ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم، وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام.
قد ذكرنا أنهم كانوا عرباً وكانوا بعد عاد، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم، ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}

أي: إنما جعلكم خلفاء من بعدهم، لتعتبروا بما كان أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين، أي: حاذقين في صنعتها واتقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة.

وقال لهم أيضاً: {... قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...}.
أي: هو الذي خلقكم، فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها: أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه.
{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم.
{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا}
أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد.

ولهذا قالوا: {... أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فما تزيدونني غير تخسير فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}

وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم إليه، ماذا عذركم عند الله، وماذا يخلصكم بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته.
وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم.

وقالوا له أيضاً: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}
أي: من المسحورين، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين.

وقولهم: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم.

قصة الناقة

قال: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
وقال: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

وقال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا}.
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذرهم، ووعظهم، وأمرهم،
فقالوا له:
إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا.

فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا.
فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا
أو على الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك، رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم، وعنادهم.
ولهذا قال:{فَظَلَمُوا بِهَا}أي: جحدوا بها، ولم يتبعوا الحق بسببها أي: أكثرهم.

وكان رئيس الذين آمنوا: جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس. وكان من رؤساهم، وهم بقية الأشراف بالإسلام، قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد، والخباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلمس ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة، وكان من أشرافهم، فهمَّ بالإسلام، فنهاه أولئك فمال إليهم.

ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً}
أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله: بيت الله، وعبد الله.
{لَكُمْ آيَةً} أي: دليلاً على صدق ما جئتكم به.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}
فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم.
ولهذا قال: {لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم}

ولهذا قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ}
أي: اختبار لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون.
{فَارْتَقِبْهُمْ} أي: انتظر ما يكون من أمرهم، واصطبر على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية.

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ}
فلما طال عليهم الحال هذا، اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها، ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}

وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين:
أن امرأتين من ثمود، اسم إحداهما: صدوق ابنة المحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له: مصرع بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة.

واسم الأخرى: عنيزة بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم عثمان، وكانت عجوزاً كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو، أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة، فله أي بناتها شاء.

فانتدب هذان الشابان لعقرها، وسعوا في قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون، فصاروا تسعة، وهم المذكورون في قوله تعالى:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}
وسعوا في بقية القبيلة، وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك، وطاوعوهم في ذلك، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم، فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيباً لهم.

فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف، فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقيها وهو فصيلها، فصعد جبلاً منيعاً ودعا ثلاثاً.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها.
ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضاً

قال الله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
وقال تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}
عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: (({إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انبعث لها رجل من عارم، عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة)).
أي شهم عزيز، أي رئيس منيع أي مطاع في قومه.
عن عمار بن ياسر قال:
قال رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم لعلي: ((ألا أحدثك بأشقى الناس؟)).
قال: بلى.
قال: ((رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته)).

وقال تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:
منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين:
أحدهما: الشرط عليهم في قوله: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} والثاني:استعجالهم على ذلك.
ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً، ولكن حملهم الكفر والضلال، والعناد على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله، فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها، فلما عاين ذلك سقيها - وهو ولدها - شرد عنهم، فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات.
فلهذا قال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}

أي: غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد، بل لمـّا أمسوا همّوا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة.
{قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ}
أي: لنكبسنه في داره مع أهله، فلنقتلنه ثم نجحدن قتله، وننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.

هلاك ثمود
وقال الله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم، سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم .
وأصبحت ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة ووجوههم! محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع، وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل.
فلما كان صبيحة يوم الأحد، تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينظرون ماذا يحل بهم من العذاب، والنكال، والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.
فلما أشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثاً لا أرواح فيها، ولا حراك بها.

قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة، واسمها كلبة - بنت السلق - ويقال لها: الذريعة، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حياً من العرب فأخبرتهم بما رأت، وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى:{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء.
{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِثَمُودَ} أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا.

عن جابر قال: لما مر رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم بالحجر قال:
((لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها.
وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله)).
فقالوا: من هو يا رسول الله؟
قال: ((هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)).

عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال:
((إن هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف؛ وكان من ثمود؛ وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن)).
وهكذا رواه أبو داود، من طريق محمد بن إسحاق به.

وقوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}
إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلاً لهم:

{يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} أي: جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي، وفعلي، ونيتي.
{وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق، ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب عليّ من أداء الرسالة، والنصح لكم، قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.

عن ابن عباس قال: لما مر النبي اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال:
((يا أبا بكر أي واد هذا؟))
قال: وادي عسفان.
قال: ((لقد مر به هود وصالح عليهما السلام، على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق))إسناد حسن.

مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك

عن ابن عمر قال:
لما نزل رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور
فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل
ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال:
((إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم)).

عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم وهو بالحجر:
((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم)).
أخرجاه في (الصحيحين) من غير وجه.

وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم، قنع رأسه، وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم، إلا أن تكونوا باكين.

وفي رواية: ((فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) صلوات الله وسلامه عليه.
عامر بن سعد رضي الله عنه قال:
لما كان في غزوة تبوك، فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم، فنادى في الناس الصلاة جامعة، قال: فأتيت النبي اضغط هنا لتكبير الصوره عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول:
((ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم)).
فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله؟
قال: ((أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً)).
إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون البيوت من المدر، فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال. وذكروا أن صالحاً عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها، ويكون سبب هلاكهم ذلك.


0 {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ }
0 إعصار فيه نار فاحترقت ـ معجزة علمية
0 الصحيح من معجزات النبي الفصيح / تعرف على قدره العظيم / متجدد [ 18 ].!!!
0 - هل تعلم كيف نشعر بالألم ؟ الشعور بالالم !!??
0 اكتشاف ذكره القرآن حول الوحوش المفترسة
0 ولادة طفل برأسين وقلبين !!!!!!!
0 غذاء عجيب للفراشة سبحان الخالق العظيم
0 لطائف رقمية : أبواب الجنة وأبواب النار
0 زواج النبى عليه الصلاة والسلام
0 الإعجاز البياني في السنة النبوية !!!
0 الصعود إلى السماء عبر "سلّم فضائي": إعجاز قرآني قادم
0 مجموعة كبيرة من الصور للقطب الشمالي !!!
0 هل تتمنى زيادة حبك لنبيك عليه الصلاة والسلام ؟ أدخل وادرك قدره العظيم / متجدد / - 1
0 {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ }
0 أين عجلك الحنيذ في رمضان ؟!!!!!

عمير بن وهب ( شيطان الجاهلية, وحواريّ الإسلام )

عمير بن وهب ( شيطان الجاهلية, وحواريّ الإسلام )
 

  في يوم بدر, كان واحدا من قادة قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام.

وكان  حديد البصر, محكم التقدير, ومن ثم ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للقائهم, ولينظر إن كان لهم من وزرائهم كمين أو مدد..

وانطلق  عمير بن وهب الجمحيّ وصال بفرسه حول معسكر المسلمين, ثم رجع يقول لقومه:" إنهم ثلاثمائة رجل, يزيدون قليلا أ, ينقصون" وكان حدسه صحيحا.

وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟؟ فأجابهم قائلا:

" لم أجد وراءهم شيئا.. ولكن يا معشر قريش, رأيت المطايا تحمل الموت الناقع.. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم..

" والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم, فإذا أصابوا منكم مثل عددهم, فما خير العيش بعد ذلك..؟؟

" فانظروا رأيكم"..

وتأثر بقوله ورأيه نفر من زعماء قريش, وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون إلى مكة بغير قتال, لولا أبي جهل الذي أفسد عليهم رأيهم, وأضرم في النفوس نار الحقد, ونار الحرب التي كان هو أول قتلاها..



  كان أهل مكة يلقبونه بـشيطان قريش..

ولقد أبلى شيطان قريش يوم بدر بلاء لم يغن قومه شيئا, فعادت قوات قريش إلى مكة مهزومة مدحورة, وخلّف عمير بن وهب في المدينة بضعة منه.. إذ وقع ابنه في أيدي المسلمين أسيرا..

وذات يوم ضمّه مجلس ابن عمّه صفوان بن أميّة.. وكان صفوان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة, فان أباه أميّة بن خلف قد لقي مصرعه في بدر وسكنت عظامه القليب.

جلس صفوان وعمير يجترّان أحقادهما..

ولندع عروة بن الزبير ينقل إلينا حديثهما الطويل:

" قال صفوان, وهو يذكر قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم من خير..!

وقال له عمير: صدقت, ووالله لولا دين محمد عليّ لا أملك قضاءه, وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله, فان لي عنده علة أعتلّ بها عليه: أٌقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير.

فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك.. أنا أقضيه عنك.. وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا..

فقال له عمير:إذن فاكتم شأني وشأنك..."



  ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ, ثم انطلق حتى قدم المدينة.

وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر, ويذكرون ما أكرمهم الله به, إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب, قد أناخ راحلته على باب المسجد, متوشحا سيفه, فقال:

هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب, والله ما جاء إلا لشرّ..

فهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر..

ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فال:

يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه..

قال صلى الله عليه وسلم:

أدخله عليّ.." فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها, وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار, ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث, فانه غير مأمون."

ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم, وهو آخذ بحمّالة سيفه في عنقه فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر..

إذن يا عمير..

فدنا عمير وقال: انعموا صباحا, وهي تحيّة الجاهلية,

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير, بالسلام.. تحية أهل الجنة.

فقال عمير: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد.

قال لرسول: فما جاء بك يا عمير..؟؟

قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.

قال النبي: فما بال السيف في عنقك..؟؟

قال عمير: قبّحها الله من سيوف, وهل أغنت عنا شيئا..؟!

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أصدقني يا عمير, ما الذي جئت له..؟

قال: ما جئت إلا لذلك.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش, ثم قلت, لولا دين عليّ, وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا, فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له, والله حائل بينك وبين ذلك..!!!

وعندئذ صاح عمير: أشهد أن لا اله إلا الله, وأشهد أنك رسول الله.. هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان, فوالله ما أنبأك به إلا الله, فالحمد لله الذي هداني للإسلام..

فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئه القرآن, وأطلقوا أسيره....!!



  خكذا أسلم عمير بن وهب..

هكذا أسلم شيطان قريش, وغشيه من نور الرسول والإسلام ما غشيه فإذا هو في لحظة يتقلب إلى حواريّ الإسلام..!!

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

" والذي نفسي بيده, لخنزير كان أحبّ إليّ من عمير حين طلع علينا..

ولهو اليوم أحبّإليّمن بعض ولدي"..!!



  جلس عمير يفكّر بعمق في سماحة هذا الدين, وفي عظمة هذا الرسول:

ثم تذكر بلاءه يوم بدر وقتاله.

وتذكر أيامه الخوالي في مكة وهو يكيد للإسلام ويحاربه قبل هجرة الرسول وصحبه إلى المدينة.

ثم هاهو ذا يجيء اليوم متوشحا سيفه ليقتل به الرسول.

كل ذلك يمحوه في لحظة من الزمان قوله:" لا اله إلا الله, محمد رسول الله"..!!

أيّة سماحة, وأي صفاء, وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم..!!

أهكذا في لحظة يمحو الإسلام كل خطاياه السالفة, وينسى المسلمون كل جرائره وعداواته السابقة, ويفتحون له قلوبهم, ويأخذونه بالأحضان..؟!

أهكذا والسيف الذي جاء معقودا على شرّ طوية وشرّ جريمة, لا يزال يلمع أمام أبصارهم, ينسي ذلك كله, ولا يذكر الآن إلا أن عميرا بإسلامه, قد أصبح أحدا من المسلمين ومن أصحاب الرسول, له ما لهم.. وعليه ما عليهم..؟!!!

أهكذا وهو الذي ودّ عمر بن الخطاب منذ لحظتين أن يقتله, يصبح أحب إلى عمر من ولده وبنيه..؟؟؟!!!

إذا كانت لحظة واحدة من الصدق, تلك التي أعلن فيها عمر إسلامه, تحظى من الإسلام بكل هذا التقدير والتكريم والمثوبة والإجلال, فان الإسلام إذن لهو دين عظيم..!!

 

  وفي لحظات عرف عمير واجبه تجاه هذا الدين.. أن يخدمه بقدر ما حاربه, وإن يدعو إليه, بقدر ما دعا ضدّه.. وأن يري الله ورسوله ما يحب الله ورسوله من صدق, وجهاد وطاعة.. وهكذا أقبل على رسول الله ذات يوم, قائلا:

" يا رسول الله: انب كنت جاهدا على إطفاء نور الله, شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل, واني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة, فأدعوهم إلى الله تعالى, وإلى رسوله, وإلى الإسلام, لعلّ الله يهديهم, وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم"..



  في تلك الأيام, ومنذ فارق عمير مكة متوجها إلى المدينة كان صفوان بن أمية الذي أغرى عميرا بالخروج لقتل الرسول, يمشي في شوارع مكة مختالا, ويغشي مجالسها وندواتها فرحا محبورا..!

وكلما سأله قومه وإخوته عن سر فرحته ونشوته, وعظام أبيه لا تزال ساخنة في حظائر بدر, يفرك كفّيه في غرور يقول للناس:" أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر"..!

وكان يخرج إلى مشارف مكة كل صباح يسأل القوافل والركبان:" ألم يحدث بالمدينة أمر".

وكانوا يجيبونه بما لا يحب ويرضى, فما منهم من أحد سمع أو رأى في المدينة حدثا ذا بال.

ولم ييأس صفوان.. بل ظلّ مثابرا على مساءلة الركبان, حتى لقي بعضهم يوما فسأله:" ألم يحدث بالمدينة أمر"..؟؟

فأجابه المسافر: بلى حدث أمر عظيم..!!

وتهللت أسارير صفوان وفاضت نفسه بكل ما في الدنيا من بهجة وفرح..

وعاد يسأل الرجل في عجلة المشتاق:" ماذا حدث اقصص عليّ".. وأجابه الرجل: لقد أسلم عمير بن وهب, وهو هناك يتفقه في الدين, ويتعلم القرآن"..!!

ودارت الأرض بصفوان.. والوقعة التي كان يبشر بها قومه, والتي كان ينتظرها لتنسيه وقعة بدر جاءته اليوم في هذا النبأ الصاعق لتجعله حطاما..!!



   وذات يوم بلغ المسافر داره.. وعاد عمير إلى مكة شاهرا سيفه, متحفزا للقتال, ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية..

وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته, ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردّه إلى صوابه, فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ثم مضى لسبيله..

دخل عمير بن وهب مكة مسلما, وهو الذي فارقها من أيام مشركا, دخلها وفي روعة صورة عمر بن الخطاب يوم أسلم, ثم صاح فور إسلامه قائلا:

" والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر, إلا جلست فيه بالإيمان".



  ولكأنما اتخذ عمير من هذه الكلمات شعارا, ومن ذلك الموقف قدوة, فقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه.. ولقد كان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد لهالأذى..

وهكذا راح يعوّض ما فاته.. ويسابق الزمن إلى غايته, فيبشر بالإسلام ليلا ونهارا.. علانية وإجهارا..

في قلبه إيمانه يفيض عليه أمنا, وهدى ونورا..

وعلى لسانه كلمات حق, يدعو بها إلى العدل والإحسان والمعروف والخير..

وفي يمينه سيف يرهب به قطاع الطوق الذين يصدّون عن سبيل الله من آمن به, ويبغونها عوجا.

وفي بضعة أسابيع كان الذين هدوا إلى الإسلام على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال.

وخرج عمير بهم إلى المدينة في موكب طويل مشرق.

وكانت الصحراء التي يجتازونها في سفرهم لا تكتم دهشتها وعجبها من هذا الرجل الذي مرّ من قريب حاملا سيفه, حاثّا خطاه إلى المدينة ليقتل الرسول, ثم عبرها مرّة أخرى راجعا من المدينة بغير الوجه الذي ذهب به يرتل القرآن من فوق ظهر ناقته المحبورة.. ثم ها هو ذا يجتازها مرة ثالثة على رأس موكب كبير من المؤمنين يملؤون رحابها تهليلا وتكبيرا..



  أجل لإنه لنبأ عظيم.. نبأ شيطان قريش الذي أحالته هداية الله إلى حواريّ باسل من حوارييّ الإسلام, والذي ظلّ واقفا إلى جوار رسول الله في الغزوات والمشاهد, وظلّ ولاؤه لدين الله راسخا بعد رحيل الرسول عن الدنيا.

وفي يوم فتح مكة لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان بن أمية فراح إليه يناشده الإسلام ويدعوه إليه بعد أن لم يبق شك في صدق الرسول, وصدق الرسالة..

بيد أن صفوان كان قد شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها إلى اليمن..

واشتدّ إشفاق عمير على صفوان, وصمم على أن يستردّه من يد الشيطان بكل وسيلة.

وذهب مسرعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

" يا نبيّ الله إن صفوان بن أميّة سيّد قومه, وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمّنه صلى الله عليك,

فقال النبي: هو آمن.

قال رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك, فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة"..



  ولندع عروة بن الزبير يكمل لنا الحديث:

" فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان, فداك أبي وأمي.. الله الله في نفسك أن تهلكها.. هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به..

قال له صفوان: ويحك, اغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان..فداك أبي وأمي, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس, وأبرّ الناس , وأحلم الناس, وخير الإنس.. عزّه عزّك, وشرفه شرفك..

قال: إني أخاف على نفسي..

قال: هو أحلم من ذاك وأكرم..

فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فقال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا يزعم أنك أمّنتني..

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: صدق..

قال صفوان: فاجعلني فيه بالخيار شهرين..

قال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر".

وفيما بعد أسلم صفوان.

وسعد عمير بإسلامه أيّما سعادة..

وواصل ابن وهب مسيرته المباركة إلى الله, متبعا أثر الرسول العظيم الذي هدى الله به الناس من الضلالة وأخرجهم من الظلمات إلى النور.

أبو جابر عبدالله بن عمرو بن حرام ( ظليل الملائكة )و عمرو بن الجموح ( أريد أن أخطر بعرجتي في ال

أبو جابر عبدالله بن عمرو بن حرام ( ظليل الملائكة )


  عندما كان الأنصار السبعون يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية, كان عبدالله بن عمرو بن حرام, أبو جابر بن عبدالله أحد هؤلاء الأنصار..

ولما اختار الرسول صلى الله عليه وسلم منهم نقباء, كان عبدالله بن عمرو أحد هؤلاء النقباء.. جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا على قومه من بني سلمة..

ولما عاد إلى المدينة وضع نفسه, وماله, وأهله في خدمة الإسلام..

وبعد هجرة الرسول إلى المدينة, كان أبو جابر قد وجد كل حظوظه السعيدة في مصاحبة النبي عليه السلام ليله ونهاره..



  وفي غزوة بدر خرج مجاهدا, وقاتل قتال الأبطال..

وفي غزوة أحد تراءى له مصرعه قبل أن يخرج المسلمون للغزو..

وغمره إحساس صادق بأنه لن يعود, فكاد قلبه يطير من الفرح!!

ودعا إليه ولد جابر بن عبدالله الصحابي الجليل, وقال له:

" إني لا أرى إلا مقتولا في هذه الغزوة..

بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين..

واني والله, لا أدع أحدا بعدي أحبّ إليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وان عليّ دبنا, فاقض عني ديني, واستوص بإخوتك خيرا"..

 

  وفي صبيحة اليوم التالي, خرج المسلمون للقاء قريش..

قريش التي جاءت في جيش لجب تغزو مدينتهم الآمنة..

ودارت معركة رهيبة, أدرك المسلمون في بدايتها نصرا سريعا, كان يمكن أن يكون نصرا حاسما, لولا أن الرماة الذين أمرهم الرسول عليه السلام بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرتها أبدا أغراهم هذا النصر الخاطف على القرشيين, فتركوا مواقعهم فوق الجبل, وشغلوا بجمع غنائم الجيش المنهزم..

هذا الجيش الذي جمع فلوله سريعا حين رأى ظهر المسلمين قد انكشف تماما, ثم فاجأهم بهجوم خاطف من وراء, فتحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة..



  في هذا القتال المرير, قاتل عبدالله بن عمرو قتال مودّع شهيد..

ولما ذهب المسلمون بعد نهاية القتال ينظرون شهدائهم.. ذهب جابر ابن عبدالله يبحث عن أبيه, حتى ألفاه بين الشهداء, وقد مثّل به المشركون, كما مثلوا يغيره من الأبطال..

ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيد الإسلام عبدالله بن عمرو بم جرام, ومرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكونه, فقال:

" ابكوه..

أ,لا تبكوه..

فان الملائكة لتظلله بأجنحتها"..!!



  كان إيمان أبو جابر متألقا ووثيقا..

وكان حبّه بالموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه..

ولقد أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيما بعد نبأ عظيم, يصوّر شغفه بالشهادة..

قال عليه السلام لولده جابر يوما:

" يا جابر..

ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب..

ولقد كلّم كفاحا _أي مواجهة_

فقال له: يا عبدي, سلني أعطك..

فقال: يا رب, أسألك أن تردّني إلى الدنيا, لأقتل في سبيلك ثانية..

قال له الله:

انه قد سبق القول مني: إنهم إليها لا يرجعون.

قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة..

فأنزل الله تعالى:

(ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا, بل أحياء عند ربهم يرزقون, فرحين بما أتاهم الله من فضله, ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)".



  وعندما كان المسلمون يتعرفون على شهدائهم الأبرار, بعد فراغ القتال في أحد..

وعندما تعرف أهل عبدالله بن عمرو على جثمانه, حملته زوجته على ناقتها وحملت معه أخاها الذي استشهد أيضا, وهمّت بهما راجعة إلى المدينة لتدفنهما هناك, وكذلك فعل بعض المسلمين بشهدائهم..

بيد أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لحق بهم وناداهم بأمر رسول الله أن:

" أن ادفنوا القتلى في مصارعهم"..

فعاد كل منهم بشهيده..

ووقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يشرف على دفن أصحابه الشهداء, الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه, وبذلوا أرواحهم الغالية قربانا متواضعا لله ولرسوله.

ولما جاء دور عبدالله بن حرام ليدفن, نادى رسول الله صلى اله عليه وسلم:

" ادفنوا عبدالله بن عمرو, وعمرو بن الجموح في قبر واحد, فإنهما كانا في الدنيا متحابين, متصافين"..

 والآن..

في خلال اللحظات التي يعدّ فيها القبر السعيد لاستقبال الشهيدين الكريمين, تعالوا نلقي نظرة محبّة على الشهيد الثاني عمرو بن الجموح...



  عمرو بن الجموح ( أريد أن أخطر بعرجتي في الجنة )


    إنه صهر عبدالله بن حرام, إذ كان زوجا لأخته هند بن عمرو..

وكان ابن الجموح واحدا من زعماء المدينة, وسيدا من سادات بني سلمة..

سبقه إلى الإسلام  ابنه معاذ  بن عمرو الذي كان أحد الأنصار السبعين, أصحاب البيعة الثانية..

وكان معاذ  بن عمرو وصديقه معاذ  بن جبل يدعوان للإسلام  بين أهل المدينة في حماسة الشباب المؤمن الجريء..

وكان من عادة الناس هناك أن أيتخذ الأشراف من بيوتهم أصناما رمزية غير تلك الأصنام الكبيرة المنصوبة في محافلها, والتي تؤمّها جموع الناس..

واتفق عمرو بن الجموح مع صديقه معاذ  بن جبل على أن يجعلا من صنم عمرو بن جموح سخرية ولعبا..

فكانا يدلجان عليه ليلا, ثم يحملانه ويطرحانه في حفرة يطرح الناس فيه فضلاتهم..

ويصيح عمرو فلا يجد منافاً في مكانه, ويبحث عنه حتى يجده طريح تلك الحفرة.. فيثور ويقول:

ويلكم من عدا على آلهتنا الليلة..!؟

ثم يغسله ويطهره ويطيّبه..

فإذا جاء ليل جديد, صنع المعاذان معاذ  بن عمرو ومعاذ  بن جبل بالصنم مثل ما يفعلان به كل ليلة.

حتى إذا سئم عمرو جاء بسيفه ووضعه في عنق مناف وقال له:إن كان فيك خير فدافع عن نفسك..!!

فلما أصبح فلم يجده مكانه.. بل وجده في الحفرة ذاتها طريحا, بيد أن هذه المرة لم يكن في حفرته وحيدا, بل كان مشدودا مع كلب ميت في حبل وثيق.

وإذا هو في غضبه, وأسفه ودهشه, اقترب منه بعض أشراف المدينة الذين كانوا قد سبقوا إلى الإسلام .. وراحوا, وهم يشيرون بأصابعهم إلى الصنم المنكّس المقرون بكلب ميت, يخاطبون في عمرو بن الجموح عقله وقلبه ورشده, محدثينه عن الإله الحق, العلي الأعلى, الذي ليس كمثله شيء.

وعن محمد الصادق الأمين, الذي جاء الحياة ليعطي لا ليأخذ.. ليهدي, لا ليضل..

وعن الإسلام , الذي جاء يحرر البشر من الأغلال, جميع الأغلال, وجاء يحيى فيهم روح الله وينشر في قلوبهم نوره.

وفي لحظات وجد عمرو نفسه ومصيره..

وفي لحظات ذهب فطهر ثوبه, وبدنه.. ثم تطيّب وتأنق, وتألق, وذهب عالي الجبهة مشرق النفس, ليبايع خاتم المرسلين, وليأخذ مكانه مع المؤمنين.

 

  قد يسأل سائل نفسه, كيف كان رجال من أمثال عمرو بن الجموح.. وهم زعماء قومهم وأشراف.. كيف كانوا يؤمنون بأصنام هازلة كل هذا الإيمان..؟

وكيف لم تعصمهم عقولهم عن مثل هذا الهراء.. وكيف نعدّهم اليوم, حتى مع إسلامهم وتضحياتهم, من عظماء الرجال..؟

ومثل هذا السؤال يبدو إيراده سهلا في أيامنا هذه حيث لا نجد طفلا يسيغ عقله أن ينصب في بيته خشبة ثم يعبدها..

لكن في أيام خلت, كانت عواطف البشر تتسع لمثل هذا الصنيع دون أن يكون لذكائهم ونبوغهم حيلة تجاه تلك التقاليد..!!

وحسبنا لهذا مثلا أثينا..

أثينا في عصر باركليز وفيتاغورس وسقراط..

أثينا التي كانت قد بلغت رقيّا فكريا يبهر الألباب, كان أهلها جميعا: فلاسفة, وحكاما, وجماهير يؤمنون بأصنام منحوتة تناهي في البلاهة والسخرية!!

ذلك أن الوجدان الديني في تلك العصور البعيدة, لم يكن يسير في خط مواز للتفوق العقلي...

 

  أسلم عمرو بن الجموح قلبه, وحياته لله رب العالمين, وعلى الرغم من أنه كان مفطورا على الجود والسخاء, فان الإسلام  زاد جوده مضاء, فوضع كل ماله في خدمة دينه وإخوانه..

سأل الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة من بني سلمة قبيلة عمرو بن الجموح فقال:

من سيّدكم يا بني سلمة..؟

قالوا: الجدّ بن قيس, على بخل فيه..

فقال عليه الصلاة والسلام:

وأي داء أدوى من البخل!!

بل سيّدكم الجعد الأبيض, عمرو بن الجموح..

فكانت هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكريما لابن الجموح, أي تكريم..!

وفي هذا قال شاعر الأنصار:

فسوّد عمرو بن الجموح لجوده                وحق لعمرو بالنّدى أن يسوّدا

إذا جاءه الســـــؤال أذهب ماله               وقال: خذوه, انه عائــــــد غدا

وبمثل ما كان عمرو بن الجموح يجود بماله في سبيل الله, أراد أن يجود بروحه وبحياته..

ولكن كيف السبيل؟؟

إن في ساقه عرجا يجعله غير صالح للاشتراك في قتال.

وانه له أربعة أولاد, كلهم مسلمون, وكلهم رجال كالأسود, كانوا يخرجون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزو, ويثابرون على فريضة الجهاد..

ولقد حاول عمرو أن يخرج في غزوة بدر فتوسّل أبناؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يقنعه بعدم الخروج,  يأمره به إذا هو لم يقتنع..

وفعلا, أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام  يعفيه من الجهاد كفريضة, وذلك لعجزه الماثل في عرجه الشديد..

بيد أنه راح يلحّ ويرجو.. فأمره الرسول بالبقاء في المدينة.

 

  وجاءت غزوة أحد فذهب عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتوسل إليه أن يأذن له وقال له:

" يا رسول الله إنّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك إلى الجهاد..

ووالله إني لأرجو أن, أخطر, بعرجتي هذه في الجنة"..

وأمام إصراره العظيم إذن له النبي عليه السلام بالخروج, فأخذ سلاحه, وانطلق يخطر في حبور وغبطة, ودعا ربه بصوت ضارع:

" اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني إلى أهلي".

والتقى الجمعان يوم أحد..

وانطلق عمرو بن الجموح وأبناؤه الأربعة يضربون بسيوفهم جيوش الشرك والظلام..

كان عمرو بن الجموح يخطر وسط المعمعة الصاحبة, ومع كل خطرة يقطف سيفه رأسا من رؤوس الوثنية..

كان يضرب الضربة بيمينه, ثم يلتفت حواليه في الأفق الأعلى, كأنه يتعجل قدوم الملاك الذي سيقبض روحه, ثم يصحبها إلى الجنة..

أجل.. فلقد سأل ربه الشهادة, وهو واثق أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب له..

وهو مغرم بأن يخطر بساقه العرجاء في الجنة ليعلم أهلها أن محمدا رسول اله صلى الله عليه وسلم, يعرف كيف يختار الأصحاب, وكيف يربّي الرجال..!!

 

  وجاء ما كان ينتظر.

ضربة سيف أومضت, معلنة ساعة الزفاف..

زفاف شهيد مجيد إلى جنات الخلد, وفردوس الرحمن..!!

 

  وإذ كان المسلمون يدفنون شهداءهم قال الرسول عليه الصلاة والسلام أمره الذي سمعناه من قبل:

" انظروا, فاجعلوا عبدالله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد, فإنهما كانا في الدنيا متحابين متصافيين"..!!

 

  ودفن الحبيبان الشهيدان الصديقان في قبر واحد, تحت ثرى الأرض التي تلقت جثمانيهما الطاهرين, بعد أن شهدت بطولتهما الخارقة.

وبعد مضي ست وأربعين سنة على دفنهما, نزل سيل شديد غطّى أرض القبور, بسبب عين من الماء أجراها هناك معاوية, فسارع المسلمون إلى نقل رفات الشهداء, فإذا هم كما وصفهم الذين اشتركوا في نقل رفاتهم:

" ليّنة أجسادهم..

تتثنى أطرافهم"..!



  وكان جابر بن عبدالله لا يزال حيا, فذهب مع أهله لينقل رفات أبيه عبدالله بن عمرو بن حرام, ورفات زوج عمته عمرو بن الجموح..

فوجدهما في قبرهما, كأنهما نائمان.. لم تأكل الأرض منهما شيئا, ولم تفارق شفاههما بسمة الرضا والغبطة التي كانت يوم دعيا للقاء الله..

أتعجبون..؟

كلا, لا تعجبوا..

فان الأرواح الكبيرة, التقية, النقية, التي سيطرت على مصيرها.. تترك في الأجساد التي كانت موئلا لها, قدرا من المناعة يدرأ عنها عوامل التحلل, وسطوة التراب..

أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب

 أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب

 
 

قال محمد بن علي: الغني والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان التوكل أو طناه.
قال محمد بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قل أو كثر.
وعن جابر، يعني الجعفي، قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر إني لمحزون وإني لمشتغل القلب. قلت وما حزنك وما شغل قلبك? قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه يا جابر ما الدنيا ما عسى أن تكون? هل هو إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها? يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأو بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت ولبس معك منه شيء، واحفظ الله تعالى ما استرعاك من دينه وحكمته.
قال محمد: سلاح اللئام قبيح الكلام - وعنه قال: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابدا.
وقال محمد بن علي لابنه. يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر إنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على حق.
عن عروة بن عبد الله قال سألت جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف فقال لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه قال قلت: وتقول: الصديق? قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق. فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال محمد بن علي: يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبونا وينالون أبا بكر وعمرو، ويزعمون أني أمرتهم بذلك فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله عز وجل بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما إن أعداء الله لغافلون عنهما.
وعن أفلح، مولى محمد بن علي، قال: خرجت مع محمد بن علي حاجا فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلا قال: ويحك يا أفلح،ولم لا أبكي? لعل الله ينظر إلي منه برحمة فأفوز بها عنده غدا قال: ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه.
وعن خالد بن دينار عن أبي جعفر أنه كان إذا ضحك قال: اللهم لا تمقتني.
وعن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علما عند أبي جعفر (محمد بن علي) لقد رأيت الحكم عنده كأنه متعلم.
قال محمد بن علي: كان لي أخ في عيني عظيم، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه.
وعن أبي حمزة عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء. وإن أسرع الخير ثوابا البر وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بمالا يعنيه.
وعن عبد الله بن الوليد قال: قال لنا أبو جعفر محمد بن علي: يدخل أحدكم يده كيس صاحبه فيأخذ ما يريد? قال قلنا: لا. قال: فلستم إخوانا كما تزعمون.
وعن سلمى مولاة أبي جعفر قالت: كان يدخل إليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة ويهب لهم الدراهم. قالت: فأقول له بعض ما تصنع. فيقول: يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والاخوان? وعن سليمان بن قرم قال: كان محمد بن علي يجيز بالخمسمائة والتسعمائة إلى الألف، وكان لا( يمل من مجالسة إخوانه )غنيا.
وعن الأسود بن كثير قال: شكوت إلى محمد بن علي الحاجة وجفاء الإخوان فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبع مائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني.
وعن أبي جعفر قال: اعرف المودة لك في قلب أخيك بما له في قلبك

من تراجم الأئمة الأعلام في القراءات

من تراجم الأئمة الأعلام
في القراءات



1- ترجمة الإمام عاصم - رحمه الله -:

قال الإمام الداني في الأرجوزة المنبهة:

وعاصمٌ إمام أهلِ الكوفة
أخباره رفيعة شريفة
مسطورةٌ في الكُتب عند الناسِ
مشهورةٌ من غير ما التباس
وعلمه بالنحو والقرآنِ
قد انتهى وسار في البلدانِ
هو الإمام ابن أبي النَّجودِ
يُعزَى إلى الشُّمِّ الكرامِ الصِّيدِ
قد بذَّ أهل المِصر في الفصاحة
والعلم بالحظر وبالإباحة


وقال الشاطبي في الحرز:

فأما أبو بكرٍ وعاصمٌ اسمه
فشعبةُ راويه المبرز أفضَلا


وقال ابن الجزري - رحمه الله - في الطيِّبة:

ثلاثةٌ من كوفةٍ فعاصمُ 
فعنه شعبةُ وحفصٌ قائمُ


• عاصم: هو أبو بكر، عاصم بن أبي النَّجود بن بهدلة الأسدي مولاهم الكوفي الحناط، شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القرَّاء السبعة.



• والنَّجود بفتح النون وضم الجيم، وقد غلط من ضم النون، ويقال: أبو النجود اسم أبيه، لا يُعرف له اسم غير ذلك، ويقال: بهدلة اسم أمه، وهذا لا يصح، بل هو اسم أبيه؛ فقد قال الذهبي في السير عن كون بهدلة اسم أمه: "وليس بشيء، بل هو أبوه"، وقيل: اسم أبي النجود: عبدالله.



مولده:

وُلِد الإمام عاصم - رحمه الله - في إمرة الصحابي الجليل/ معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه وأرضاه - وأخذ القراءة عرضًا على زِرِّ بن حُبَيش، وأبي عبدالرحمن السُّلَمي، وأبي عمرو الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبدالله بن مسعود، وقرأ السُّلَمي وزِرٌّ على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وقرأ السلمي أيضًا على أُبَي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم جميعًا - وقرأ ابن مسعود، وعثمان وأُبَي، وزيد - رضي الله عنهم - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



وانتهت إلى الإمام عاصم - رحمه الله - رئاسةُ الإقراء بالكوفة بعد أبي عبدالرحمن السُّلَمِي، وجلس موضعه، ورحل الناس إليه للقراءة، وجمع - رحمه الله - بين الفصاحة والإتقان والتحرير، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وكان يراعي الابتداء، ويقف حيث تم الكلام.



شهادات الأئمة فيه:

قال أبو بكر بن عياش: لما هَلَك أبو عبدالرحمن جلس عاصم يُقرِئ الناس، وكان عاصم أحسنَ الناس صوتًا بالقراءة.



وقال سَلَمة بن عاصم: كان عاصم بن أبي النَّجُود ذا نُسُك، وأدب، وفصاحة، وحسن صوت.



وقال أبو بكر بن عياش: لا أُحصِي ما سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي يقول: ما رأيتُ أحدًا أقرأ من عاصم بن أبي النجود.



وقال يحيى بن آدم: حدثنا حسن بن صالح قال: ما رأيتُ أحدًا قط كان أفصح من عاصم، إذا تكلَّم كاد يدخله خيلاء.



وقال شريك: كان عاصم صاحب همز ومد، وقراءة سديدة، وكان صاحب سنة، ورأسًا في القرآن، وكان - رحمه الله - ذا نسك وأدب، وكان نَحْويًّا، فصيحًا إذا تكلم.



وقال عنه الإمام الذهبي: كان عاصمٌ ثبتًا في القراءة، صدوقًا في الحديث، وكان إذا كان في حاجة له ومر بمسجد يقول لصاحبه: مِلْ بنا؛ فإن الحاجة لا تفوت، ويصلِّي، وقال عاصم عن نفسه: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبَّل كفِّي.



صفته وخُلقه:

كان الإمام عاصم - رحمه الله - ذا خلق رفيع، دَمِثًا، لا يثور إذا استُثِير، أو تسبب أحد في إصابته.



قال أبو بكر بن عياش: كان عاصم نَحْويًّا، فصيحًا إذا تكلم، مشهور الكلام، وكان الأعمش وعاصم وأبو حصين كلهم لا يبصرون، جاء رجل يومًا يقود عاصمًا، فوقع وقعة شديدة، فما كَهَره - نَهَره - ولا قال له شيئًا! فرحمه الله ورضي عنه.



فصاحته:

مرَّ معنا أنه - رحمه الله - كان فصيحًا حتى إنه إذا تكلَّم كاد يدخله خيلاء، وكان نَحْويًّا، بحرًا في أوجه النحو، وداعية إلى التبحُّر فيه.



قال أبو بكر بن عيَّاش: قال لي عاصم: "مَن لم يُحسن العربية إلا وجهًا واحدًا لم يُحسن شيئًا"، وقال أيضًا: قال لي عاصم: ما أقرأني أحدٌ حرفًا إلا أبو عبدالرحمن، فكنت أرجع من عنده، فأعرض على زِر، وكان زِرٌّ قد قرأ على عبدالله - رضي الله عنه - فقلتُ لعاصم: لقد استوثقتَ.



عقيدته:

كان - رحمه الله - صاحب سنة، متبعًا، متمسكًا بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد قال أحمد بن عبدالله العجلي: عاصم بن بهدلة صاحب سنة وقراءة، كان رأسًا في القرآن، قَدِم البصرة فأقرأهم، قرأ عليه سلام أبو المنذر وكان عثمانيًّا.



وقال الإمام عبدالله بن الإمام أحمد: سألتُ أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خيِّر ثقة، فسألته: أي القراءة أحبُّ إليك؟ فقال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن، فقراءة عاصم.



شدة إتقانه وقوة انفعاله بالقرآن:

بلغ من شدة إتقانه - رحمه الله - لحفظ القرآن، ما رواه أبو بكر بن عياش قال: قال لي عاصم: مرضتُ سنتين، فلما قمت قرأت القرآن، فما أخطأت حرفًا!



وبلغ من قوة انفعاله بالقرآن أنه كان يعد آي القرآن بأصابع يده؛ فقد قال عماد الدين بن سلمة: رأيت حبيب بن الشهيد يعقد الآي في الصلاة، ورأيت عاصم بن بهدلة يعقد ويصنع مثل صنيع عبدالله بن حبيب.



وقال حفص: كان عاصم إذا قُرِئ عليه أخرج يده فعدَّ.



ورعه وتقواه:

قال أبو بكر بن عياش: كان عاصمٌ إذا صلَّى ينتصب كأنه عود، وكان عاصم يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدًا خَيِّرًا، أبدًا يُصلي، ربما أتى حاجة فإذا رأى مسجدًا قال: مِلْ بنا؛ فإن حاجتنا لا تفوت، فرحمه الله ورضي عنه.



وكان - رحمه الله - من التابعين: فقد روى عن أبي رِمْثَةَ رفاعة بن يثربي التميمي، والحارث بن حسان البكري، وكانت لهما صحبة.



قال ابن الجزري في غاية النهاية (1/347): "أما حديثه عن أبي رِمْثَةَ فهو في مسند أحمد بن حنبل، وأما حديثه عن أبي الحارث، فهو في كتاب أبي القاسم بن سلام".



توثيق أهل الحديث له:

قال ابن حجر في التقريب (2/165): "صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون".



قال المعلقون على كلام ابن حجر: "بل ثقة يهم؛ فهو حسن الحديث، وقوله: (صدوق له أوهام) ليس بجيد؛ فقد وثَّقه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان، وجعله ابن مَعِين من نظراء الأعمش - وإن فضَّل هو وأحمد الأعمش عليه - وكل هؤلاء وثَّقوه مع معرفتهم ببعض أوهامه اليسيرة؛ وانظر لذلك: تحرير تقريب التهذيب (2/165).



وقال أبو حاتم: محله الصدق، وحديثه مخرَّج في الكتب الستة، وممن وثقه أيضًا: شعبة، والحمدان، والسفيانان، وأبو زرعة، وجماعة.



وأذكر من أحاديثه - رحمه الله - ما رواه الطبراني في المعجم الكبير بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لقريش: ((يا معشر قريش، لا خير في أحدٍ يُعبَد من دون الله))، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيًّا وكان عبدًا صالحًا، إن كنت صادقًا إنه لكآلهتِهم، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ يضجون ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ [الزخرف: 57 - 61]، خروج عيسى قبل يوم القيامة - والحديث صحيح، وهو جزء من حديث رواه أحمد في المسند بلفظ: "فإن آلهتهم لكما تقولون"، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية.



وروى عبدالرزاق في مصنَّفه عن مَعْمَر قال: سمعتُ أيوب يسأل عاصم بن أبي النَّجُود: ما سمعتَ في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: أخبرني أبو وائل أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يفتتح: "الحمد لله رب العالمين".



ومن أحاديثه أيضًا حديث في صحيح ابن خزيمة بسنده عن صفوان بن عسال قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من خارج يخرجُ من بيته ليطلبَ العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاءً بما يصنع))، وهو جزء من حديث رواه أحمد في المسند، والبيهقي في السنن الكبرى، والدارقطني في سننه، وصحَّحه الشيخ الألباني.



مَن أخذ القراءة عنه:

تلقَّى القراءة عن الإمام عاصم - رحمه الله - خلقٌ كثير، وقد أشار ابن الجزري والشاطبي إلى أشهر رواته، وهما شعبة وحفص، وستأتي ترجمتهما بعد قليل - إن شاء الله - كما روى القراءة غير هذين الشهيرين عددٌ كثي، منهم:

1- أبان بن تغلب الربعي، أبو سعيد - ويقال: أبو أميمة - الكوفي النحوي، مقرئ جليل، قرأ على عاصم، وأبي عمرو الشيباني، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وهو أحد الذين ختموا عليه، أخذ القراءة عنه عرضًا: محمد بن صالح بن زيد الكوفي.. وأخذ الحروف عن محمد: القاسم بن بشار الأنباري، وتوفِّي أبان سنة إحدى وأربعين ومائة (141هـ).



2- هارون بن موسى الأعور، أبو عبدالله العتكي البصري الأزدي، مولاهم، علاَّمة صدوق نبيل، له قراءة معروفة، روى القراءة عن عاصم الجحدري، وعاصم بن أبي النجود، وعبدالله بن كثير وغيرهم، وروى القراءة عنه علي بن نصر، ويونس بن محمد المؤدب، وشهاب بن شرنقة، ووهيب بن عمرو، وحجاج بن محمد، وغيرهم، وقال أبو حاتم: كان أول مَن سمع بالبصرة وجوهَ القراءات، وألفها، وتتبع الشاذَّ منها، توفِّي سنة (146هـ).



3- سليمان بن مهران الأعمش، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، الإمام الجليل، ولد سنة (60 هـ)، أخذ القراءة عرضًا عن إبراهيم النخعي، وزر بن حبيش، وزيد بن وهب، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم، وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا: حمزة الزيَّات، ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وجرير بن عبدالحميد، وزائدة بن قدامة، وغيرهم، وقال هشام: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله - عز وجل - من الأعمش، وقال - رحمه الله -: إن الله زيَّن بالقرآن أقوامًا، وإني ممَّن زيَّنه الله بالقرآن، ولولا ذلك لكان على عنقي دَين أطوف به في سكك الكوفة، توفِّي - رحمه الله - سنة ثمان وأربعين ومائة (148 هـ).



وغير هؤلاء كثير، منهم: أبان بن يزيد العطار - إسماعيل بن مجالد - الحسن بن صالح - حماد بن زيد - حماد بن أبي زياد - نعيم بن ميسرة - سهل بن شعيب - حماد بن عمرو - الضحاك بن ميمون.



وروى عنه حروفًا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء - الخليل بن أحمد - الحارث بن نبهان - حمزة الزيات - المغيرة الضَبِّي - محمد بن عبدالله العزرمي - وغيرهم خلق كثير، فرَضِي الله عنه، ورحمه رحمة واسعة.



وفاته: قال أبو بكر بن عياش: دخلتُ على عاصم وقد احتُضِر، فجعلتُ أَسمعُه يردِّد هذه الآية يحقِّقها حتى كأنه يصلِّي: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾ [الأنعام: 62].



وتُوُفِّي الإمام عاصم - رحمه الله - آخر سنة سبع وعشرين ومائة (127هـ)، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة (128هـ)، ولا اعتبار بقول مَن قال غير ذلك.



وتُوُفِّي - رحمه الله - بالكوفة على الصحيح، وانظر: غاية النهاية (1/147)، والنشر (1/155)، فرحمه الله ورضي عنه، وأسكنه فسيح جناته.

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم
إن التشبُّه بالكرامِ فلاحُ


2- ترجمة الإمام شعبة - رحمه الله -:

• شعبة: هو أبو بكر شُعبَة بن عيَّاش بن سالم الأسدي النهشلي الكوفي، الإمام الكبير، أحد الأعلام، مولى واصل الأحدب، اختُلف في اسمه على عشرة أقوال؛ أصحها قولان: أبو بكر، وهو كُنيَته، وما رواه أبو هشام الرفاعي وحسين بن عبدالأول أنهما سألاه عن اسمه، فقال: شعبة، وكان - رحمه الله - حناطًا.



مولده وطلبه للعلم:

وُلِدَ - رحمه الله - سنة خمس وتسعين، وقرأ القرآن على عاصم ثلاث مرات، قال يحيى بن آدم: قال لي أبو بكر: تعلَّمتُ من عاصم القرآن كما يتعلَّم الصبي من المعلِّم، فلقي مني شدة، فما أُحسِن غير قراءته، وهذا الذي أخبرتُك به إنما تعلَّمته من عاصم تعلمًا.



وروى يحيى أيضًا عنه قال: تعلمتُ من عاصم خمسًا خمسًا، ولم أتعلم من غيره، ولا قرأت على غيره، واختلفتُ إليه نحوًا من ثلاث سنين في الحر والشتاء والأمطار، وأخذ - رحمه الله - القراءة عرضًا على عاصم ثلاث مرات، وعن عطاء بن السائب، وأسلم المنقري، وعمِّر - رحمه الله - دهرًا طويلاً، إلا أنه قطع الإقراء قبل موته بسبع سنين، وقيل بأكثر.



زهده وعبادته وثناء العلماء عليه:

قال عنه الذهبي: وكان سيدًا إمامًا، حجَّة، كثير العلم والعمل، منقطع القرين، وعن عبدالله النخعي ويحيى بن مَعِين قالا: لم يُفرَش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة، وذلك كناية عن قيامه الليل كله صلاة وقراءة واستغفارًا، فرحمه الله ورضي عنه.



ورُوِي من غير وجه عن أبي بكر بن عيَّاش أنه مكث أربعين سنة أو نحوها يختم القرآن في كل يوم وليلة، وقال يزيد بن هارون: كان أبو بكر خَيِّرًا، لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة.



ورعه:

جاء في معرفة القراء الكبار (1/137) عن يحيى بن سعيد قال: "زاملتُ أبا بكر بن عياش إلى مكة، فما رأيتُ أورعَ منه، ولقد أهدى له رجلٌ من أهل الكوفة رُطبًا، فبلغه أنه من بستان أخذ من خالد بن سلمة المخزومي، فأتى آل خالد فاستحلَّهم، وتصدَّق بثمنه".



كراماته:

قال يحيى الحماني: حدثني أبو بكر بن عيَّاش قال: جئت ليلة إلى زمزم، فاستقيتُ منه دلوًا عسلاً ولبنًا، فهذه كرامة لهذا الإمام العظيم.



عقيدته:

كان - رحمه الله - إمامًا كبيرًا، عالمًا عاملاً، حجَّة، وكان يقول عن نفسه: أنا نصف الإسلام، الله أكبر! وكان من كبار أئمة أهل السنة، على منهج وعقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله - فقد قال أبو داود: حدثنا حمزة بن سعيد المروزي - وكان ثقة - قال: سألت أبا بكر بن عياش: وقد بلغك ما كان من أمر ابن عُلَية في القرآن؟! قال: ويلك! من زعم أن القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر زنديق، عدو الله، لا نجالسه ولا نكلِّمه!



ومن خلال اعتقادِه - رحمه الله - في الصحابة، استنبط من كتابِ الله مشروعية خلافة الصدِّيق - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قيادة الأمة؛ فقد جاء في غاية النهاية (1/327) عن أبي هشام الرفاعي قال: سمعت أبا بكر - ابن عياش - يقول: أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن؛ لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]، فمَن سماه صادقًا فليس يكذب، هم قالوا: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



قال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا أسرع إلى السنَّة من أبي بكر بن عيَّاش.



من كلامه:

جاء في معرفة القراء الكبار (1/137): قال أبو بكر بن عياش: "أدنى نفع السكوت: السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى ضرر المنطق: الشهرة، وكفى بها بليَّة، وقال: الدخول في العلم سهل، والخروج منه إلى الله شديد".



مَن أخذ القراءة عنه:

أخذ القراءة عنه عرضًا: أبو يوسف يعقوب بن خليفة الأعشى - عبدالرحمن بن أبي حماد - عروة بن محمد الأسدي - يحيى بن محمد العليمي - سهل بن شعيب، قال الداني: "ولا يُعلم أحد عرض عليه القرآن غير هؤلاء الخمسة".



وروى عنه الحروف سماعًا من غير عرض: إسحاق بن عيسى - إسحاق بن يوسف الأزرق - أحمد بن جبير - علي بن حمزة الكسائي، وروى عنه أبو داود الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وخلق كثير.



وفاته: عن يحيى الحماني قال: لما حضرتْ أبا بكر بن عياش الوفاةُ بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟! انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختمت فيها ثمانية عشر ألف ختمة، وتُوُفِّي - رحمه الله - في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة (193هـ) عن عمر بلغ 98 سنة، فرحمه الله ورضي عنه.

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم
إن التشبُّه بالكرامِ فلاحُ


3- ترجمة الإمام حفص - رحمه الله -:

• حفص: هو حفصُ بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي الغاضري - قبيلة من بني أسد - البزاز، نسبة إلى بيع البزِّ؛ أي: الثياب - المعروف بحُفَيْص، وكنيته: أبو عمر، مولاهم الكوفي.



وُلِدَ - رحمه الله - سنة تسعين (90هـ)، وتُوُفِّي سنة ثمانين ومائة (180هـ)، وكان صاحب عاصم وربيبَه - ابن زوجته - وهو أعلم أصحابه بقراءته.



ضبطه وإتقانه:

أخذ حفصٌ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم، فأتقنها حتى شَهِد له العلماء بذلك، ولقد كان - رحمه الله - كثير الحفظ والإتقان، وقد أثنى عليه الإمام الشاطبي - رحمه الله - بقوله:

"وحفص وبالإتقان كان مفضلا"



وقد اشتهرت رواية حفص، وتلقاها الأئمة بالقبول، وليس ذلك بغريب عليه؛ فقد تربَّى في بيت عاصم ولازمه، وأتقن قراءته حتى كان أعلم أصحابه بها، وقام بإقراء الناس بعد وفاة عاصم فترة طويلة من الزمان، وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان.



منزلته:

نزل بغداد فأقرأ بها، وجاور في مكة فأقرأ بها، قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءته، فكان مرجَّحًا على شعبة بضبط الحروف، وقال الذهبي: هو في القراءة ثقة ثبت ضابط، بخلاف حاله في الحديث، وكان الأوَّلون يعدُّونه في الحفظ فوق شعبة، وقدَّم الآخِرون شعبة عليه، وقال ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأوَّلون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر شعبة بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم، وأقرأ الناس بها دهرًا طويلاً.



رواته:

أخذ القراءةَ عنه عرضًا وسماعًا أناسٌ كثيرون، منهم: حسين بن محمد المروزي - حمزة بن قاسم الأحول - سليمان بن داود الزهراني - حمدان بن أبي عثمان الدقاق - العباس بن فضل الصفاد - عبدالرحمن بن محمد بن واقد - عمرو بن الصباح - عبيد بن الصباح - أبو شعيب القواس - الفضل بن يحيى الأنباري - وغيرهم، فرحمه الله ورضي عنه.

••••



4- ترجمة موجزة للعلَم الكبير، شيخنا/ عبدالفتاح مدكور - حفظه الله وأطال عمره في الخير - أعلى قرَّاء مصر سندًا في رواية حفص من طريق الشاطبية.



أود قبل أن أبدأ في شروحي لبعض متون التجويد أن أقدِّم بترجمة موجزة لشيخنا فضيلة الشيخ/ عبدالفتاح مدكور - حفظه الله - حتى أُعَرِّف إخواني الكرام أصحاب القرآن بهذا النجم الساطع في سماء علم التجويد، في إطار التعريف بعلماء هذا الفن العظيم، والله المستعان.



اسمه:

عبدالفتاح بن مدكور بن محمد بن بيومي.



مولده ونشأته:

وُلِد شيخنا في قرية "أبو النمرس" من قرى محافظة الجيزة يوم: 28/8/1932م، وكان والدُه من حَفَظة القرآن، ومن أعضاء الجمعية الشرعية، وكان لا يُولَد له مولود إلا ومات صغيرًا، فدعا الله أن يُرزَق بمولود ينذرُه للقرآن، وقد رزقه الله - تعالى - بشيخنا - حفظه الله - فالحمد لله رب العالمين.



شيوخه:

نظرًا لأن والدَ شيخِنا وهبه للقرآن، وهو قد أوقف حياته لخدمة القرآن تعلمًا وتعليمًا وقراءةً، فقد كثر شيوخه ومن استفاد منهم، ومن هؤلاء: عمه الشيخ/ حسن بيومي، أتم حفظ القرآن على يديه، ومنهم: الشيخ عبدالحميد غالي، قرأ عليه القرآن برواية وَرْش عن نافع، ومنهم: شيخنا العلاَّمة/ عثمان سليمان مراد، قرأ عليه رواية حفص من طريق الشاطبية، وتلقَّى عليه دقائق فن التجويد، ومتن السلسبيل الشافي، ونظم قصر المنفصل لحفص من الطيِّبة، وكذا متن الشاطبية وشرحها، وشيخنا من حفَّاظ السلسبيل القلائل، ويهتم به اهتمامًا بالغًا، ويستشهد به كثيرًا، ومن شيوخه أيضًا العلامة/ علي محمد الضبَّاع، شيخ عموم المقارئ، قرأ عليه ختمة كاملة لحفص.



تلاميذه:

قرأ عليه كثيرون رواية حفص عن عاصم، ومنهم: د/ توفيق أحمد العبقري - د/ حامد خير الله - الشيخ/ عبدالحميد إسماعيل لاشين - الشيخ/ حمد الله الصفتي - الشيخ/ عبدالله مجدي - الشيخ/ مصطفى شعبان المصري - الشيخة/ ابتسام المطيعي، واستفاد من شيخنا كثيرون في علوم التجويد، منهم: الشيخ/ زكي محفوظ - د/ سعاد عبدالحميد - وغير هؤلاء كثير كثير.



وكنت أنا وأخي صاحب البدر من الذين تشرَّفوا بالقراءة على الشيخ - حفظه الله - والاستفادة من علومه في التجويد، وكذلك في تلقِّي بعض المتون عن فضيلته، وقد حصلنا أنا وأخي صاحب البدر على إجازة القراءة والإقراء برواية حفص عن عاصم بقصر وتوسط المنفصل من الشاطبية والطيبة، يوم الأربعاء، الثاني من جمادى الأولى عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين، الموافق: 7/5/2008، ولقد رأيت من فضيلته تواضعًا ما رأيتُ مثله من غيره، على علو سنده وكبر سنه وجلالة قدره، كما استللت من طيات كلماته ما ملأ قلبي بحبه، فوالله ما هو إلا أن تجلس معه، وتسمع منه، حتى يتبين لك من الأخلاق الرفيعة، والخصال الحميدة، والخلال المحمودة ما يملأ جوَّ قلبك بحبِّ هذا الإمام، ويذكِّرك بالسلف الكرام، أسأل الله - تعالى - أن يُلحِق شيخنا بهم، ولقد قصَّ شيخنا - حفظه الله - علينا شيئًا من أيامه وأخباره وأعماله وإنجازاته، وعن شيء من قصص بعض الذين أسلموا بسببه في أمريكا أيام كان يدرس القرآن واللغة العربية هناك في ولاية كاليفورنيا، فكانت سببًا آخر في إجلالنا للشيخ - حفظه الله - وزيادة فرحتنا بتشرُّفنا بالقراءة على مثله - حفظه الله - ولولا والله أني أخاف أن يغضب الشيخ من ذكر ما أعرفُ عنه لقصصتُ عجبًا من أيامه، ولكن حسبه أن الله يعلم ما أُخفِيه عن القرَّاء الكرام، وهو الذي سيجازيه، وإن كنتُ على يقين أن أخبار الشيخ - حفظه الله - لا بد أن تخرج للناس يومًا من الأيام لنقول لهم:

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم
إن التشبُّه بالكرامِ فلاح


فأسأل الله أن يبارك فيما تبقى من عمر شيخنا، وأن يجعلنا عند حسن ظنه بنا، إن ربي على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.



التعريف بإسناد الشيخ - حفظه الله - وأنه أعلى الأسانيد بالديار المصرية الآن في رواية حفص من طريق الشاطبية:

لقد منَّ الله - تعالى - على شيخنا بالتلقي عن كبار العلماء والأئمة الأفذاذ، وكذلك بالتلقي عن أصحاب الأسانيد العالية، فإنه يروي رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية عن الشيخ الضبَّاع - شيخ القرَّاء في وقته - وهو على: عبدالرحمن الخطيب الشهير بالشعار، وحسن بن يحيى الكتبي صهر المتولي، وهما على شيخ القراء في وقته الإمام/ محمد بن أحمد المتولي.



ح: كما تلقَّاها أيضًا على الشيخ عثمان سليمان مراد، وهو على حسن بدير الجريسي الكبير، وقرأ الجريسي الكبير والمتولي على السيد أحمد الدري التهامي، وبقية رجال السند معروفة، وقد سبق ذكرهم، فنلاحظ في هذا السند أولاً أنه سند قوي جدًّا، فكله أئمة كبار وشيوخ قراء عصرهم، ونلاحظ ثانيًا أنه سند عالٍ جدًّا؛ إذ بين شيخنا وبين الجَزَري اثنا عشر رجلاً، وعليه فيكون بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانية وعشرون رجلاً، وهذا أعلى إسناد موجود الآن بالديار المصرية لرواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، والله أعلم.



علمًا بأن المُنفَرِدين بالعلوِّ بالديار المصرية الآن من طريق طيِّبة النشر شيخان؛ فالأول شيخنا العلاَّمة عبدالباسط هاشم - حفظه الله - والثاني: الشيخ/ محمد عبدالحميد عبدالله، شيخ قرَّاء الإسكندرية - حفظه الله.



اتصاله بكبار العلماء:

من خلال حضور المقارئ والدراسة في معهد القراءات اتصل شيخنا بعدد من كبار علماء عصره، ومنهم: الشيخ/ عامر السيد عثمان، شيخ المقارئ الأسبق - الشيخ/ الضباع، شيخ المقارئ الأسبق - الشيخ/ إبراهيم السمنودي؛ صاحب لآلئ البيان، والتحفة السمنودية، وغيرها - الشيخ/ عبدالفتاح القاضي؛ صاحب البدور الزاهرة، والوافي في شرح الشاطبية، وغيرها - الدكتور/ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ القراء وعموم المقارئ الحالي - الشيخ/ محمود أمين طنطاوي، وكيل مشيخة المقارئ المصرية، ورئيس لجنة تصحيح المصاحف سابقًا - الشيخ/ محمد متولي الشعراوي، فهو الذي اختار شيخنا لينشئ معهدًا للقرآن في بلدته "دقادوس"، وكان وراء سفر شيخِنا إلى أمريكا لتعليم القرآن - الدكتور/ إبراهيم مدكور، وهو عم شيخنا، وكان رئيسًا لمجمع اللغة العربية، وهو من كبار علماء اللغة والأدب، وله تآليف نافعة فيهما، ومن القراء المشاهير: الشيخ/ الحصري - الشيخ/ عبدالباسط عبدالصمد – الشيخ/ محمود علي البنَّا - الشيخ/ كامل يوسف البهتيمي - الشيخ/ عبدالفتاح الشعشاعي.



شهادات الشيخ ومناصبه وجهوده:

حصل الشيخ على شهادة التجويد عام 1978، وعالية القراءات عام 1981 من معهد القراءات الأزهري، ونظرًا لجهود الشيخ في تدريب الأئمة بالأوقاف، وتعليمهم القراءة الصحيحة للقرآن، وما كان لذلك من آثار طيبة، فإنه قد تم تعيينه مستشارًا لشؤون القرآن بالجيزة، يشرف على معاهد معلمي القرآن بالعمرانية، وأبي النمرس، وبركة السبع، وغيرها من فروع المعهد.



يشرف على برنامج تعليم القرآن بمدرسة الحسينية بالعمرانية.



عُيِّن شيخًا لمقرأة مسجد شريف بمنيل الروضة - ولا يزال بها حتى الآن - ومسجد عبداللطيف بأبي النمرس.



ظل شيخنا لفترة طويلة يقرأ القرآن في المحافل والمناسبات، وذاع صيته؛ لأنه يتمتَّع بصوت نَدِي وقراءة أصيلة، ثم أراد الله له ما هو أفضل؛ فرأى رؤيا في منامه جعلته ينصرفُ عن هذا المجال، ويتَّجِه إلى تعليم القرآن وأحكام تجويده، فأجاد كثيرًا وأفاد، تم اختياره لتدريس القرآن واللغة بولاية كاليفورنيا بأمريكا، وأسهم في نشر القرآن بها، وكان سببًا في إخراج الكثير من حفَّاظ القرآن ومجوِّدِيه، وفي إنشاء معاهد كثيرة، بل وجامعة هناك، ومنح بسبب جهوده كأسًا من البلاتين، أهداه للشيخ/ الشعراوي، وقد حدثني شيخنا - حفظه الله - عن عددٍ ممَّن جعله الله - تعالى - سببًا في إسلامِهم هناك، وقصته معهم في إسلامهم، كما استخرجت من ثنايا كلامه بعضًا من الكرامات التي أكرمه الله بها، ولولا أني أخشى أن يغضب من ذكرها لذكرتها، فالله حسيبه، ولا نزكِّي على الله أحدًا.



نبذة عن معاهد معلمي القرآن الكريم التي يشرف عليها الشيخ:

بعد تعيين الشيخ مستشارًا لشؤون القرآن بالجيزة، سمع به الشيخ الشعراوي - وكان عضوًا بالمجمع - وأخبر عمَّه الدكتور/ إبراهيم مدكور أنه يريد إنشاء معهد للقرآن في بلدته دقادوس، ويريد أن يُشرِف عليه شيخنا، ويقوم على تأسيسه، وبعد إلحاحٍ وافق شيخنا، وبالفعل تم إنشاء المعهد، وأطلق عليه "معهد معلمي القرآن الكريم"، وأنتج المعهد إنتاجًا طيبًا، وخرَّج رجالاً ونساءً يحفظون القرآن ويحسنون قراءته، وانتشر الأمر، وأعجب الناس بتلك الثمار الطيبة، وكان من هؤلاء المهندس/ محمد لاشين من بركة السبع منوفية، فأراد أن ينتشر الخير ببلدته، وبالفعل تم إنشاء معهد ثانٍ بهذه البلدة - بفضل الله - ثم أضيف إليها معهد ثالث بالعمرانية، والآن تعدَّدت فروع المعهد - بفضل الله - في كل من: الحوامدية - الهرم - البدرشين - المحلة الكبرى - ميت شماس - أبو النمرس، وإني هذه الأيام أسعى لإنشاء فرع في مركز زفتى بمحافظة الغربية، فأسأل الله - تعالى - العون والتوفيق.



ولا يزال الشيخ/ عبدالفتاح مدكور يعلِّم ويفيد طلابه في معاهده، وفي المقارئ التي يقرأ بها، ألا حَفِظ الله شيخنا، وبارك لنا في عمره وأهله وعلمه وتلاميذه، وأسأل الله أن يُدِيم توفيقه له لخدمة كتابه الكريم، وأن يرزقَه حسن النيَّة وقَبُول العمل؛ إن ربي على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل.



5- نبذة عن شيخنا الفاضل/ الخطيب بن كمال عبدالواحد الذي أجازني بقراءة عاصم:

اسمه ومولده:

الخطيب بن كمال بن محمود عبدالواحد، ولد الشيخ - حفظه الله - في الثاني عشر من شهر أكتوبر عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين من الميلاد.



شيوخه:

قرأ شيخنا - حفظه الله - على الشيخ الفاضل والعلم الكبير، فضيلة الشيخ/ عبدالله الجوهري، وكيل معهد القراءات، وعضو لجنة مراجعة المصاحف منذ عام 1996 إلى عام 2000، فلما لمس الشيخ الجوهري - رحمه الله - في شيخنا الإتقان أجازه بالقراءة والإقراء شفهيًّا، ولم يُمهِله الموت لأن يجيزَه كتابيًّا - فقدَّر الله وما شاء فعل - ورحم الله شيخنا الجوهري رحمة واسعة.



وبعد موت الشيخ الجوهري - رحمه الله - بدأ شيخُنا الخطيب - حفظه الله - يبحث عن عَلَم آخر من أعلام التجويد والقراءات، فقرأ فترة على الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف - حفظه الله - في مقرأته، إلا أن الله - تعالى - لم يقدِّر له أن يقرأ ختمة إجازة على الشيخ - حفظه الله - ثم هداه الله - تعالى - إلى شيخنا المقرئ الكبير، فضيلة الشيخ/ عبدالباسط هاشم - حفظه الله - أعلى قرَّاء مصر سندًا، الذي أحبه لخلقه الرفيع، وقدَّمه على كثير من طلابه، بل وصارت بينهما علاقات شخصية حميمة، فقرأ شيخنا على فضيلته ختمة كاملة لروايتي شعبة وحفص عن عاصم - رحمهم الله جميعًا - وأجازه الشيخ - حفظه الله - بعد ذلك بالقراءة والإقراء إجازة صحيحة بشروطها المعتبرة عند أهل العلم، وكان ذلك عام 2005.



وبعد حصول شيخنا على إجازة القراءة والإقراء بقراءة عاصم - رحمه الله - بدأ يتجهَّز لبقية القراءات، غير أن ظروف شيخنا الصحية حالت دون سرعة إتمام ذلك، فأسأل الله - تعالى - أن يتمَّ شفاء شيخنا الخطيب على خير، وأن يمتِّعَه بالعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يفتح له باب القراءات على مصراعيه؛ إنه على كل شيء قدير.



ظلَّ شيخنا - حفظه الله - فترة لا يُقرِئ أحدًا، حتى ألحَّ عليه بعض الأفاضل ليبدأَ في الإقراء بقراءة عاصم أو بأحد رَاوِيَيه، وبالفعل استجاب شيخنا - حفظه الله - وبدأ يقرئ ويعلم ويدرس التجويد وعلوم القرآن؛ لينال بذلك حظه الوافر من الخيرية التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عثمان - رضي الله عنه - في الصحيح: ((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه))، وكنتُ واحدًا ممَّن تشرَّف بالقراءة على فضيلته؛ حيث ختمتُ عليه - حفظه الله - ختمةً كاملة بقراءة عاصم - رحمه الله - براوييه شعبة وحفص، وأُشهِد الله - تعالى - أني رأيتُ من شيخنا من التواضع وسمو الأخلاق، والحب لله ولرسوله، والرغبة الصادقة في نشر الحق والسنة، ما جعلني أشرفُ بالقراءة عليه، بل وأتمنَّى أن يمنَّ الله - تعالى - على إخواني من طلاب علوم القرآن بالتشرُّف بالقراءة على فضيلته - حفظه الله - فقد وضع الله - تعالى - له القَبُول في الأرض، وتلك علامة شرعية على محبة الله - تعالى - له، أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله؛ ففي الصحيح: ((إن الله - تعالى - إذا أحبَّ فلانًا نادى: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادِي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض))، فأسأل الله - تعالى - أن يجعل القبول الذي وضعه لشيخنا الخطيب في الأرض حبًّا وكرامة، وأن يزيده رفعة وعزَّة في الدنيا والآخرة؛ جزاء ما يفعل مع الذين يقرؤون عليه.



هذا، وقد ظل شيخُنا فترة طويلة يدرِّس التجويد وعلوم القرآن في معهدِ الصوالحة بشبرا الخيمة، إلا أنه اضطرَّ للتوقف أيضًا بسبب بعضِ المشاغل والظروف الصحية، فأسأل الله - تعالى - أن يقدِّر لشيخنا الخير حيثما كان، وأن يرضيه به.

زياد علي

زياد علي محمد