السبت، 24 أغسطس 2019

سيرة ومسيرة: خادم القرآن الكريم..الشيخ محمد الخالدي

لحمدُ لله الذي انْعم علينا بالإسلام، وَ رزقـنَـا هذه الهداية بعد الجهْل والضَـلال،

وصلّى الله على سيّدنا محمّد الهادي البشير، وَ السّراج المنـير،

وعلى آله وصحْبه، ومَنْ تَبعه إلى يوْمِ الدين ..

وبـعْـد ..





أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال


سيرة ومسيرة: خادم القرآن الكريم..الشيخ محمد الخالدي
الكـاتب : محمد ديرا
بداية أستأذن روح الفقيد العزيز لأكتب هذه السطور هدية مني إليه، وعربون تقدير وإجلال وحب ووفاءٍ لرجل كبير، أُدرك تماماً أن القلم وبضع كلمات لن توفيه حقه، لكن حسب هذه المقالة أن تميط عنه بعض اللثام، ليكون ذلك حافزا ودافعا لآخرين ليكتبوا حتى يعرف الجميع بأننا أمام رجل وأي رجل.

مَن ذاك الرجل الوقور، الأبيض اللون، الساطع النور، ذا اللحية البيضاء والذي إذا جالسته تشم منه رائحة القرآن الكريم؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يعرفه أحد باسمه وكان مشهورا بلقبه حتى إنك إذا سألت شخصا من منطقة تافيلالت أو نواحيها عن شخص يسمى "محمد الخالدي" لم يكد يعرفه، وما أن تقول له "الشِّيخْ" حتى يقول لك: "نعم ومن لا يعرف الشِّيخْ"؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يناديه أحد من طلبته أو تلاميذه أو عامة الناس إلا باسم "سِيدِي" وقد كان بالفعل من سادة الناس وخيرهم.فَمَن الرجل؟.

مولده وحياته

ولد الشيخ محمد الخالدي - رحمه الله- سنة 1936م بإحدى مناطق تافيلالت بالجنوب الشرقي للمغرب، حفظ القرآن الكريم على يد والده والشيوخ إهلال الهلالي وابنه حسن الهلالي والحاج محمد الغرفي - رحمهم الله-، درس الفقه، والحديث، والنحو، والشيخ خليل، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، وابن عاشر متناً وشرحاً، والألفية، والأجرومية، ولامية الأفعال، والزواوي، ومتن العاصمية، والبيقونية في علم الحديث وغير ذلك من المتون، كما درس علم الفرائض والعقائد والتجويد وغيرها من العلوم، وذلك على يد الشيخين الفاضلين السيد المدني وعبد الرحمن جعفري الهواري - رحمهم الله-، عُين سنة 1956 إماماً وخطيباً بمسجد قصر تاغنجاوت " يطلق على دواوير منطقة تافيلالت قصور، والقصر يضم "دوارا" بكامله وله باب أو بابين ومحاط بأسوار".

مشروعه الكبير:

حمل الرجل - رحمه الله- وهو في سن مبكرة مشروعاً أُخْرَوِيّاً كبيراً ندر إليه حياته كلها، حيث بدأ سنة 1958 في استقبال وفود الطلبة من مختلف مناطق المغرب ليُحَفِّظَهم القرآن الكريم ويعلمهم إياه، وقد استمر في ذلك إلى 2010 سنة وفاته - رحمه الله-؛ ليكون من ثمار هذا المشروع الذي استغرق 52 سنة من تحفيظ القرآن الكريم في مسجد يضم أزيد من مائة طالب تتجدد باستمرار آلالافَ الطلبة الذين حفظوا القرآن الكريم على يديه، حتى إن البعض يقدر العدد بأزيد من 4600 حافظ، والأكيد أن هؤلاء حفظ على أيديهم آخرون؛ ليكون عمله هذا صدقة جارية إلى يوم القيامة، ولِيكون مشروعه مربحاً وبشكل كبير، بشرى لك سيدي إذ تركت سجل صحيفتك مفتوحاً (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)) وقد تركت الصدقة الجارية حيث تصدقت بمالك وجهدك ووقتك وشبابك بل وحياتك كلها على خدمة القرآن الكريم وأهله، وجمعت في صدور الناس وحي الله العزيز، وتركت آلالاف الأولاد الصالحين الذين علمتهم كتاب ربهم يدعون لك، وقبل هذا وبعده وأثنائه نلت شهادة "الخيرية" التي منحها النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعلم القرآن الكريم ومُتعلمه: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).

ولم يكتف الشيخ بتحفيظ الطلبة أو "المُرَتِّبِين" (كما يسميهم أبناء منطقة تافيلالت) القرآن الكريم فحسب، بل كان يعمل على إيوائهم وتوفير المأكل والمشرب والمسكن لهم دون أي مقابل مادي، وقد كان يبذل في ذلك - رحمه الله - جهداً كبيراً بحثاً واتصالاً بالمحسنين.

من المسجد إلى المدرسة

كان الشيخ يُدَرِّس الطلبة في مسجد قصر تاغنجاوت، وبعد ذلك اتصل ببعض المحسنين لبناء مدرسة قرآنية بالمنطقة، وقد أثمرت هذه الجهود بناء الجزء الأول من المدرسة سنة 1996، والجزء الثاني سنة 2002 على نفقة رجل اسمه الحاج حيدة - رحمه الله - أحد محسني مدينة الدار البيضاء، وقد بنيت المدرسة بجانب قصر تاغنجاوت.

مصاحبتي للشيخ

في صيف 1995 قضيتُ عند هذا الشيخ الفاضل الوقور - رحمه الله - مدة شهرين كاملين شاهدت فيها عن قرب جهاد الرجل، وبذله، وحبه لطلبته، وتفانيه لخدمتهم، وكذا عبادته وزهده وغير ذلك كثير.

وفيما يلي بعض مشاهداتي فقط إذ يعجز القلم عن التعبير عن أعمال الرجل الجليلة:

- لم تكن للشيخ - رحمه الله - أوقات عمل يبدأ فيها وينتهي، بل كان يقضي الليل والنهار في عمل وسط طلبته بما في ذلك المبيت والمأكل والمشرب، وذلك على الرغم من أن بيته كان لا يبعد عن المسجد إلا خطوات، وعلى الرغم من أن زوجه كانت وحيدة فيه " للشيخ ثلاث بنات متزوجات ولم يكن له ولد ذكر" أما حاجات البيت اليومية فقد كان يرسل أحد طلبته لينظر فيها.

- كان رغم سِنِّه ومرضه لا ينام حتى يصل موعد نوم طلبته وهو الثانية عشرة ليلاً صيفاً وشتاءً، ويستيقظ على الساعة الثانية والنصف صيفاً وشتاءً أيضاً، ثم يوقظ طلبته بكلمة واحدة منه، ومن لم يستيقظ كان له معه شأن آخر.

- كان يُشرف على وضوء طلبته بعد الاستيقاظ المبكر حتى يصعد الجميع لسطح المسجد للمراجعة.

- كان - رحمه الله- بين الفينة والأخرى خلال اليوم ورغم سنه يقوم بجولة على جميع المرافق التابعة للمسجد والمكَوَّنة بالإضافة إليه من طابق علوي وسطح، ليبحث عن نائم هنا أو متكاسل هناك.. بل كان يصعد حتى الصومعة.

- كان يجلس بعد تناول وجبة الإفطار وسط المسجد متكأ على سارية من سواريه ليراقب الجميع.. يحفظ أحدهم فيذهب عنده للاستظهار، فيأذن لهذا بمسح لوحه ويأمر الآخر بالمزيد من الحفظ.

- عند الساعة العاشرة والنصف تقريباً يكون الكثير من الطلبة قد مسحوا ألواحهم، فتجد أمام الشيخ أزيد من ثلاثين طالباً في حلقة حوله ليُملي عليهم، إذ كان يمنع الكتابة من المصاحف.. فتجد هذا يقول: يرحمك الله سِيدِي ( سيقول السفهاء..)) فيتمم له الشيخ والطالب يكتب، ومباشرة يقول آخر: يرحمك الله سِيدِي ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا..)، فيتمم الشيخ والطالب يكتب، وهكذا تجد الشيخ يملي على الطلبة آيات مختلفة من القرآن الكريم دون خطأ ولا كلل ولا تعب.. وفي نفس الوقت تجد الشيخ وهو يملي مشتغلاً بتصحيح لوح أحد الطلاب الذي أكمل الكتابة، وفي ذات الوقت يستمع لطالب آخر يستظهر عليه أو يقرأ عليه بعد أن صحح له الشيخ لوحه، كل ذلك في مشهد يصعب تصديقه لمن لم يره، مما يجعل الأجواء أكثر روعة في رحاب الله - تعالى- وفي ظلال كتابه العزيز، وفي حضن أب وشيخ مجد مجتهد عطوف، لكن في نفس الوقت شديد وصارم على الطالب الذي ينام في غير وقت النوم، أو يتكاسل في وقت الاجتهاد، وقد كان - رحمه الله - يضرب طلبته من أجل ذلك، وكم يكون المشهد رائعا حينما يجد الشيخ طالبا متكاسلا فيضربه مهما كان سنه، فينزل الطالب "المضروب" على يد الشيخ يُقبلها، فتجد الشيخ يعانقه في لحظة أبوية حانية، ثم يأمره بأن يذهب للحفظ والاجتهاد، وبعد ذلك تجد الشيخ في وقت الاستراحة يتفقد الطلبة الذين نالهم حظهم من الضرب ليمازحهم ويضاحكهم، مما كان يجعل مكانة الشيخ تكبر وتزداد رفعة عند طلابه؛ لأنه كان بالفعل أباً بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

قد يرفض البعض أسلوب الضرب من الشيخ، لكن الطالب حين يختار الذهاب لحفظ القرآن الكريم عند الشيخ فإنه يكون على علم بأسلوبه وطريقته وبرنامجه المكثف؛ لأن ذلك معروف في كل منطقة تافيلالت تقريباً، وعلم الطالب بذلك وقبوله به يعد بمثابة تعاقد بين الشيخ والطالب، وكم من طالب ذهب إلى مدارس أخرى للحفظ فلم يجد بُغيته فشد الرحال إلى الشيخ الجليل.

- كم شاهدت الشيخ - رحمه الله- في حزن وبكاء حين يأتي أحد الطلبة ليودعه، وخاصة إذا كانت مغادرته لعدم قدرته على تحمل البرنامج اليومي للشيخ، كان بالفعل رحيماً حنوناً عطوفاً رحمة الله عليه.

- كم شاهدته - رحمه الله - يصعد بغذائه القليل جداً، وحين يرى في وجه بعض الطلبة رغبة في المزيد يعطيهم نصيبه كاملاً وينزل إلى المسجد ويبقى دون أكل إلى الليل، وقد كان يجمع التمور التي يجنيها من أملاكه ويقدمها لطلبته في وقت الضحى.

- كان يذهب للسوق يوم الخميس الذي هو يوم عطلة فيلتقي أحد المحسنين فيعطيه بعض المال، فيأتي به الشيخ للطلبة ويوزعه عليهم، لم يكن في حاجة إلى الدنيا بل كان كل همه وشغله طَلَبَتُه.

- ذات خميس كنت جالساً بجانبه بعد أن أتيت معه من السوق ننتظر أذان صلاة المغرب، فبارك له أحدهم حصوله على وسام (حصل - رحمه الله - على وسامين وجوائز وتكريمات) فقلت له مازحاً: "هنيئاً" فأشار بيده غير مبال وقال لي: "... نحن نريد الوسام من الله تعالى"، وما قاله بالإشارة كان أكبر من العبارة، وما ذكره بالتلميح كان أكبر من التصريح، زهد تام في الدنيا وإقبال كلي على الآخرة.

- كان يداوم - رحمه الله - على صيام الاثنين والخميس صيفا وشتاء.

- كان دائم قيام الليل ومكثراً من النوافل رغم أنه كان يغضب حينما يجد طالباً يصلي النوافل في وقت الحفظ أو المراجعة، وقد كان العديد من الطلاب يهربون من الحفظ بدعوى صلاة النوافل وكانت النفس تجد راحة في ذلك، لذلك كان الشيخ يصر على أن يحافظ الطلبة على صلاة الجماعة وكان يتابعهم في ذلك، لكن بعد الصلاة المفروضة يجب الإقبال على الحفظ أو المراجعة حسب توقيت كل منهما.

- لم يترك الشيخ عمرة رمضان منذ خمس عشرة سنة، حتى أن سارية بالمسجد الحرام كانت تُعرف باسمه، وكل من ذهب للعمرة وأراد أن يراه كان يجده فيها.

أكتفي بهذا القدر؛ لأن أعمال الرجل أكبر من العد والحصر.

وفاته - رحمه الله -

أصيب الشيخ بمرض ظنه المحيطون به والمقربون منه نزلة برد فقط، لكن حينما اشتد عليه المرض وأصبح يصاب بنوبات أشبه بالصرع ذهبوا به إلى مدينة الدار البيضاء للكشف والعلاج، وهناك وجدوا أن الدم تخثر في رأسه، فأجريت له عملية جراحية كُللت بالنجاح، لكن الله - عز وجل - أراد خادم كتابه إلى جواره، وهكذا وفي صبيحة يوم الاثنين 25 محرم الحرام 1431/ 11 يناير 2010 وفي طريق عودته إلى مدينة الريصاني من رحلة العلاج وبالضبط بمنطقة زاوية الشيخ لبى الشيخ الجليل محمد الخالدي نداء ربه، لينتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن خدم القرآن الكريم وأهله لأزيد من 52 سنة.

وقد شُيِّع جثمان الفقيد والراحل الكبير يوم الثلاثاء 26 محرم الحرام 1431/ 12 يناير 2010 في موكب مهيب حضره العديد من الفقهاء والعلماء الذين جاؤوا من مناطق شتى ومدن بعيدة بالإضافة إلى سكان المدينة ودواويرها.

رحمك الله سيدي محمد الخالدي رحمة واسعة وجعل مقامك في عليين، وأستميحك إن قصرت في التعريف بك، لكن محبتي لك ومحبتك أيضا لي وسؤالك الدائم عني دفعاني لأتشرف بالكتابة عنك، وكم كان ألمي شديدا وحزني كبيرا حين وصلني نبأ الوفاة فتذكرت تأخري عن زيارتك بعد أن التقيتَ والدي بالبيضاء منذ سنة تقريبا وسألتَ عني، وطلبت منه أن أزورك بمكان معين وتأخرت قليلا، وبعد أن هممت بالزيارة وجدتك سافرت فكانت حسرتي كبيرة.

ختاماً: أسأل الله - تعالى -أن يجعل القرآن العظيم مؤنسا لك في قبرك وشفيعا لك في حسابك.





سير الأنبياء وأعلام الأمة

أخوكم - يــوســـفي

اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

أحمد ياسين الياسيني يترجم لشيخه عوض الزبير

شيخي الجليل بقية السلف الشيخ عوض الزبير - رحمه الله - .

اسمه : عوض الزبير محمد زبير . أمه : ستَّنا علي نقد الله. مولده: دنقلا - سوري 1350هـ 1930م بدأ حفظ القرآن في دنقلا على يد الشيخ حاج فرح والشيخ محمد خير، ثم رحل إلى مدينة بورسودان ولازم الشيخ محمد الأمير ساتي عشرين سنة ، أكمل عنده حفظ القرآن ودرس عنده الفقه المالكي . وكان الشيخ محمد ساتي إماماً لمسجد بورسودان الكبير وله خلوة كبيرة لتحفيظ ال...قرآن وتدريس الفقه.
وكان في بور سودان العلامة محمد طاهر السواكني الذي كان يدرِّس التوحيد والحديث والفقه على الكتاب والسنة ، وكان سلفياً فتأثر به الشيخ عوض الزبير والتزم بمنهج السلف علماً وعملاً.
التحق الشيخ عوض الزبير بمعهد بورسودان العلمي وتخرج فيه ، وكان أشهر مشايخ المعهد الشيخ عبد الله الغبشاوي. ثم التحق الشيخ عوض بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بكلية الشريعة وأصول الفقه وتخرج فيها . وكان من أكبر أساتذة الجامعة الإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب أضواء البيان درس عليه الشيخ التفسير والفقه وأصوله . والمحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني درس عليه الشيخ مصطلح الحديث ودراسة الأسانيد.
رحل الشيخ عوض الزبير منتدباً من المملكة السعودية إلى النيجر وقضى فيها خمس سنين يدعو إلى التوحيد ونبذ الشرك بكل صوره ، وترك البدع، ويدرس فقه الكتاب والسنة. ثم عاد إلى السودان وأقام بالخرطوم وتولى إمامة الجمعة بمسجد الخرطوم الكبير زمناً.

سكن في الحلة الجديدة بالخرطوم جنوب ثم استقر به المقام باللاماب ناصر بالخرطوم جنوب ، وظل يدرس التوحيد و التفسير والحديث والفقه ، ملتزما بالسنة مجانباً للبدع وأهلها مع الصيام والقيام والإنفاق ولو جهد المقل ، وكان عفيفاً ورعاً وقوراً كثير الصمت لا يحب الشهرة والبهرج لم يسع إلى جاه ولا سلطة ولم يتزلف إلى الحكام واصلاً لأرحامه في دنقلاً وغيرها، توفي في صبيحة الأربعاء 8 صفر 1432هـ 12/1/2011م عن ثمانين سنة . رحمه الله رحمة واسعة.
التقيت بالشيخ عوض الزبير سنة 1992م ولم أنقطع عنه إلى وفاته . قرأت عليه مجموعة: كتاب التوحيد وكتاب الأصول الثلاثة وكتاب كشف الشبهات وكتاب القواعد الأربع وكتاب أصول الإيمان وكتاب شروط الصلاة وأركانها وجميع هذه الكتب للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله . وقرأت عليه كتاب علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح رحمه الله، ودرست عليه أبواباً من كتاب منهاج المسلم للشيخ الجزائري، وأجازني في تدريس الحديث والفقه وحثني على ذلك.

وأشهد الله أني ما رأيته مخالفاً للسُّنة قط لا في مظهره ولا في حركته ولا سكونه ، ولا سمعته يغتاب أحداً قط طيلة هذه السنين التي قضيتها متردداً عليه ، وكان على غاية الوقار والهيبة ، إذا رأيته من بعيد هبته وإذا جلست إليه أحببته ، إذا جلست إليه فكأنك تجلس إلى الإمام مالك أو الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله ، فقد كان الشيخ على هدي السلف وسمتهم وقاراً وسكينة ، فقد كان يمثل السلف الصالح ، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً . رحم الله الشيخ عوض الزبير ونسأل الله أن يجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى . آمين

محمد بن القاسم الثقفي .. فاتح بلاد السند والبنجاب

هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي فاتح بلاد السند والبنجاب، وهي دولة باكستان الآن، التي هي من أكبر البلاد الإسلامية، وتاريخها جزء عزيز من التاريخ الإسلامي الكبير، ويُعتبر محمد بن القاسم الثقفي مؤسِّسًا لأول دولة إسلامية في الهند؛ ولذلك يبقى اسمه شامخًا في سجلِّ الفاتحين الأبطال.

نشأة محمد بن القاسم الثقفي
وُلِدَ محمد بن القاسم الثقفي سنة (72هـ= 691م) بمدينة الطائف في أسرة معروفة؛ فقد كان جدُّه محمد بن الحكم من كبار الثقفيين. وفي سنة (75هـ= 694م) صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيَّن الحجاج عمَّه القاسم واليًّا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة؛ حيث يحكمها والده، فنشأ محمد منذ نعومة أظفاره بين الأمراء والقادة، ثم بنى الحجاج مدينة واسط، التي صارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد وقوم الحجاج، وفي هذه المدينة وغيرها من مدن العراق نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرَّب على الجندية؛ حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعدُ 17 عامًا من العمر.

وكان محمد بن القاسم الثقفي يسمع كثيرًا عن بلاد السند، ولم تكن تلك البلاد في ذلك الحين غريبة على المسلمين؛ فقد كان لهم فيها سابقة من غزوات في عهد الخليفة عمر والخليفة عثمان بن عفان، ثم زاد اهتمام العرب ببلاد السند حين قامت الدولة الأموية على يد الخليفة معاوية بن أبي سفيان في سنة (40هـ= 661م)، حتى نجح في فتح إقليم مهمٍّ بتلك البلاد؛ وهو إقليم مكران، الذي كان يحكمه الولاة الأمويون بعد ذلك بصفة مستمرَّة.

عدوان قراصنة السند
حدث في سنة (88هـ= 707م) أن سفينة عربية كانت قادمة من جزيرة الياقوت (بلاد سيلان) وعليها نساء مسلمات، وقد مات آباؤهنَّ، ولم يبقَ لهنَّ راعٍ هناك، فقرَّرْنَ السفر للإقامة في العراق، ورأى ملك سيلان في ذلك فرصة للتقرُّب إلى العرب فوافق على سفرهنَّ، بل حمَّل السفينة بهدايا إلى الحجاج والخليفة الوليد بن عبد الملك، وبينما كانت السفينة في طريقها إلى البصرة مارَّة بميناء الديبل ببلاد السند، خرج قراصنة من السند واستولَوْا عليها. وعندئذٍ كتب الحجاج إلى ملك السند يطلب منه الإفراج عن النساء المسلمات والسفينة، ولكنه اعتذر عن ذلك بحجَّة أن الذين خطفوا السفينة لصوص لا يقدر عليهم، فبعث الحجاج حملتين على الدَّيْبُل؛ الأولى بقيادة عبيد الله بن نبهان السلمي، والثانية بقيادة بُدَيْل البجلي، ولكنَّ الحملتين فشلتا، بل قُتل القائدان على يد جنود السند. ووصلت الأخبار إلى الحجاج أن النساء المسلمات والجنود العرب مسجونين في سجن الديبل، ولا يُريد ملك السند الإفراج عنهم عنادًا للعرب، وهنا كانت الأسباب تُلِحُّ على الحجاج في إرسال جيش كبير لفتح تلك البلاد، التي كان قراصنتها يُضايقون السفن العربية التجارية المارَّة بين مواني البلاد العربية ومواني بلاد الهند.

قيادة محمد بن القاسم وفتوحاته
فتح الديبل وبلاد السند

قرَّر الحجاج فتح بلاد السند كلها، وقد وقع اختياره على محمد بن القاسم الثقفي ليقود الجيش، وجهَّزه بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال، وتحرَّك البطل محمد بن القاسم بجيشه المكوَّن من ستة آلاف مقاتل من العراق إلى الشِّيراز في سنة (90هـ= 709م)، وهناك انضمَّ إليه ستة آلاف أخرى من الجند، وبعد استكمال الاستعدادات في شِيراز انطلق محمد بن القاسم ومعه اثنا عشر ألف مقاتل إلى الشرق، حتى وصل مُكْرَان، ثم توجَّـه منها إلى فنزبور، ثم إلى أَرْمَائِيل، ثم هجم المسلمون على مدينة الدَّيْبُل فاقتحموا أسوارها فدخلها ابن القاسم، وبعد فتح مدينة الديبل -أحصن مدن السند- واصل محمد بن القاسم سيره، فكان لا يمرُّ على مدينة إلَّا فتحها وهدم معابد الوثنية والبوذية بها، وأقام شعائر الإسلام، وأسكنها المسلمين، وبنى المساجد حتى غَيَّر خريطة البلاد تمامًا، وصبغها بصبغة إسلامية تامَّة.

استطاع محمد بن القاسم أن يبهر الهندوس بشخصيته القوية الحازمة، وقد تعجبوا من شجاعته وحُسن قيادته لجيش كبير وهو دون الثامنة عشر، وبالفعل أسلم عدد كبير من الزُّطِّ وهم من بدو الهنود, وانضمَّ منهم أربعة آلاف رجل يُقاتلون مع محمد بن القاسم, وكان لهم أثر كبير في القتال لخبرتهم بالبلاد ومعرفتهم بلغة الهنود.

ثم إن محمد بن القاسم سار إلى البيرون (وهي حيدر آباد حاليًا) فتلقَّاه أهلها وصالحوه كذلك، وكان لا يمرُّ بمدينة إلَّا فتحها صلحًا أو عَنوة، وتوَّج ذلك كله بالانتصار على داهر ملك السند، ومضى يستكمل فتحه، فاستولى على حصن راوَدْ، ثم برهماناباذ، والرور وبهرور، ثم اجتاز نهر بَيَاس وعبر إلى إقليم المُلْتَان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب.

واستمرَّ ابن القاسم في مسيره حتى وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير؛ وبذلك استطاع محمد بن القاسم أن يُخضع السند لحكم الخلافة الإسلامية في مدَّة لم تتجاوز ثلاث سنوات فقط، واستمرَّ محمد في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند حتى انتهى منها سنة (96هـ= 715م)، وبذلك قامت أول دولة عربية في بلاد السند والبنجاب، ولقد جاءته قبائل الميد والجات والزُّطِّ تقرع الأجراس فرحة هاتفة، مُرَحِّبَة به لأنه محرِّرهم من ظلم الهندوس واستعبادهم.

وقد كان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قُورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء.

نهاية محزنة لمحمد بن القاسم
لما كان محمد بن القاسم الثقفي يُفَكِّر في أن يتوجَّه بجيش الفتح إلى حدود بلاد الهند، وصله أمر الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك بالتوجُّه إلى العراق، فرضخ الشاب المؤمن لقضاء الله، وهو يعلم أن مصيره الهلاك، لا لذنب اقترفه؛ ولكن لسوء حظٍّ وقع فيه، بسبب بعض تصرُّفات سياسية من قريبه الحجاج، واستعدَّ الفتى الحزين للسفر، فخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه باكية حزينة، لم يكن العرب وحدهم يبكون على مصيره؛ بل أهل السند من المسلمين، حتى البرهميون والبوذيون كانوا يذرفون الدموع الغزيرة، ويرجونه أن يبقى في بلاد السند، وسوف يقفون خلفه إذا دقَّ الخطر بابه، ولكنَّ نفسه الأبية رفضت مخالفة أمر الخليفة.

ووصل محمد بن القاسم إلى العراق، فأرسله والي العراق صالح بن عبد الرحمن مقيدًا بالسلاسل إلى سجن مدينة واسط بسبب عداوته للحجاج، وهناك عذَّبه شهورًا بشتَّى أنواع التعذيب؛ حتى مات البطل الفاتح في سنة (96هـ= 715م).

إن البطل محمد بن القاسم الثقفي فاتح بلاد السند، يُعتبر من أعظم الأبطال في التاريخ الإسلامي، إنه بطل بما تحمله كلمة البطولة من معانٍ، وقد أودع الله –عز وجل- بين جنبيه نفسًا بعيدة المطامح لخدمة الإسلام. 

عثمان بن مظعون ( راهب صومعته الحياة )

 عثمان بن مظعون ( راهب صومعته الحياة )


 إذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق سبقهم الزمني إلى الإسلام فاعلم إذا بلغت الرقم الرابع عشر أن صاحبه هو عثمان بن مظعون..

واعلم كذلك أن ابن مظعون هذا, كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة.. كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع..

واعلم أخيرا أن هذا الصحابي الجليل الذي تطالع إلان سيرته كان راهبا عظيما.. لا من رهبان الصوامع, بل من رهبان الحياة...!!

أجل.. كانت الحياة بكل جيشانها, ومسؤولياتها, وفضائلها هي صومعته..

وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق, وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح...

 

  عندما كان الإسلام يتسرّب ضوؤه الباكر االنديّ من قلب الرسول صلى الله عليه عليه وسلم.. ومن كلماته , عليه الصلاة والسلام, التي يلقيها في بعض الأسماع سرا وخفية..

كان عثمان بن معظون هناك, وحدا من القلة التي سارعت إلى الله والتفت حول رسوله..

ولقد نزل به من الأذى والضر, ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين..

وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية. آمرا إيّاها بالهجرة إلى الحبشة. مؤثرا أن يبقى في مواجهة الأذى وحده, كان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين, مصطحبا معه ابنه السائب موليّا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل. وضراوة قريش, وهو عذابها....

 

   وكشأن المهاجرين إلى الحبشة في كلتا الهجرتين... الأولى والثانية, لم يزدد عثمان بن مظعون رضي الله عنه إلا استمساكا بالإسلام. واعتصاما به..

والحق أن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة, ومجيدة في قضية الإسلام..

فالذين آمنوا بالرسول صلى الله  وصدّقوه, واتبعوا النور الذي أنزل معه, كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاتها, وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تسيغ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال..!!

وحين هاجروا إلى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا, ومنظما.. له مناسكه وأحباره ورهبانه..

وهو, مهما تكن نظرتهم إليه, بعيد عن الوثنية التي ألفوها في بلادهم, وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطقوسها التي خلفوها وراء ظهورهم..

ولا بدّ أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم, وإقناعهم بالمسيحية دينا...

ومع هذا كله نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للإسلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم.. مترقبين في شوق وقلق, ذلك أن اليوم القريب الذي يعودون فيه إلى بلادهم الحبيبة, ليعبدوا الله وحده, وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم.. في المسجد أيام السلام.. وفي ميدان القتال, إذا اضطرتهم قوى الشرك للقتال..



  في الحبشة إذن عاش المهاجرون آمنين مطمئنين.. وعاش معهم عثمان بن مظعون الذي لم ينس في غربته مكايد ابن عمّه أمية بن خلف, وما ألحقه به وبغيره من أذى وضرّ, فراح يتسلى بهجائه ويتوعده:

تريش نبالا لا يواتيك ريشها                        وتبري نبالا, ريشها لك أجمع

وحاربت أقواما مراما أعزة                          وأهلكت أقواما بهم كنت تزغ

ستعلم إن نابتك يوما ملمّة                           وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع



   وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله, ويتدارسون ما معهم من القرآن, ويحملون برغم الغربة توهج روح منقطع النظير.. إذ الأنباء تواتيهم أن قريش أسلمت, وسجدت عم الرسول لله الواحد القهار..

هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا إلى مكة تسبقهم أشواقهم, ويحدوهم حنينهم..

بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبيّنوا كذب الخبر الذي بلغهم عن إسلام قريش..

وساعتئذ سقط في أيديهم, ورأوا أنهم قد عجلوا.. ولكن أنّى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر..!!

وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما ردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم ها هو ذا الآن, تحيّن فرصته, وتأتي به مقاديره..!!



  كان الجوّار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والإجلال, فإذا دخل رجل مستضعف جوار سيّد قرشي, أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم, ولا يضطرب منه مأمن...

ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار..

من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة, كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بم المغيرة.

وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا, ومضى يعبر دربها, ويشهد ندواتها, لا يسام خسفا ولا ضيما.



  ولكن ابن مظعون.. الرجل  الذي يصقله القرآن, ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم, يتلفت حوإليه, فيرى إخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين, الين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا.. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه, بعيد من أذى قومه, فيثور روحه الحر, ويجيش وجدانه النبيل, ويتفوق بنفسه على نفسه, ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد, وأن ينضو عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله, وشرف الشبه بإخوانه المسلمين, طلائع الدنيا المؤمنة, وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا إيمانا, وتوحيدا, ونورا..



  ولندع شاهد عيان يصف لنا ما حدث:

" لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة, قال: والله إن غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك, وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني, لنقص كبير في نفسي..

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له:

يا أبا عبد شمس وفت ذمتك. وقد ردت إليك جوارك..

فقال له:

لم يا ابن أخي.. لعله إذاك أحد من قومي..؟

قال.. لا. ولكني أرضى بجوار الله, ولا أريد أن أستجير بغيره...

فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية ..

فانطلقا حتى أتيا المسجد, فقال الوليد: هذا عثمان..

قد جاء يردد عليّ جواري..

قال عثمان: صدق.. ولقد وجدته وفيّا كريما الجوار, ولكنني أحببت إلا أستجير بغير الله..

ثم انصرف عثمان, ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم, فجلس معهم عثمان فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

فقال عثمان: صدقت..

قال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

قال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول..

فقال لبيد: يا معشر قريش, والله ما كان يؤذي جليسكم, فمتى حدث هذا فيكم..؟

فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله..

فرد عليه عثمان بن مظعون حتى سري أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابا, والوليد بن المغيرة قريب, يرى ما يحدث لعثمان, فقال: أما والله يا بن أخي إن كانت عينك  عمّا أصابها لغنيّة, لقد كانت في ذمة منيعة..

فال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس..!!

فقال له الوليد: هلم يا بن أخي, إن شئت فعد إلى جواري..

قال ابن مظعون: لا...

وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضجّ بالألم, ولكن روحه تتفجر عافية, وصلابة, وبشرا..

ولقد مضى في الطريق إلى داره يتغنى بشعره هذا:

فإن تك عيني في رضا الله نالها                    يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي

فقد عوّض الرحمن منها ثوابـه                    ومن يرضـه الرحمن يا قوم يسعد

فاني وإن قلتـــــــم غويّ مضلل                    لأحيـــــــا على دين الرسول محمد

أريد بذاك الله, والحق ديننــــــا                    على رغـم من يبغي علينا ويعتدي



  هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلا, هو له أهل, وبه جدير..

 وهكذا شهدت الحياة إنسانا شامخا يعطّر الوجود بموقفه الفذ هذا..

وبكلماته الرائعة الخالدة:

" والله إن عيني الصحيحة, لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر"..!!

ولقد ذهب عثمان بن مظعون بعد ردّ جوار الوليد يتلقى من قريش إذاها, وكان بهذا سعيدا جدّ سعيد.. فقد كان ذلك الأذى بمثابة النار التي تنضج الإيمان وتصهره وتزكّيه..

وهكذا سار مع إخوانه المؤمنين, لا يروعهم زجر.. وبل يصدّهم إثخان..!!



  ويهاجر عثمان إلى المدينة, حيث لا يؤرّقه أبو جهل هناك, ولا أبو لهب.... ولا أميّة.. ولا عتبة, ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرّقت ليلهم, وأدمت نهارهم..

يذهب إلى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عسرته ومشقته ورهبته, والذين لم يهاجروا إلى المدينة ليستريحوا ويكسروا.. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب إلى كل أقطار الأرض حاملين راية الله, مبشرين بكلماته وآياته وهداه..

وفي دار الهجرة المنوّرة, يتكشفّ جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة, فإذا هو العابد, الزاهد, المتبتل, الأواب...

وإذا هو الراهب الجليل, الذكي الذي لا يأوي إلى صومعة يعتزل فيها الحياة..

بل يملأ الحياة بعمله, وبجهاده في سبيل الله..

أجل..

راهب الليل فارس النهار, بل راهب الليل والنهار, وفارسهما معا..

ولئن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا سيّما في تلك الفترة من حياتهم, كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل, فان ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. اذ أمعن في زهده وتفانيه إمعانا رائعا, أحال حياته كلها في ليله ونهاره إلى صلاة دائمة مضيئة, وتسبيحة طويلة عذبة..!!

وما إن ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم  الحياة..

فمضى لا يلبس إلا الملبس الخشن, ولا يأكل إلا الطعام الجشب..

دخل يوما المسجد, ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس, وكان يرتدي لباسا تمزق, فرقّعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم, ودمعت عيون أصحابه, فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:

" كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة, ويروح في أخرى.. وتوضع في قصعة. وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟!"..

قال الأصحاب:

" وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله, فنصيب الرخاء والعيش"..

فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:

" إن ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ"..

وكان بديهيا, وابن مظعون يسمع هذا, أن يزداد إقبالا على الشظف وهربا من النعيم..!!

بل حتى الرفث إلى زوجته نأى  عنه وانتهى, لولا أن علم أن رسول الله عليه السلام علم عن ذلك فناداه وقال له:

" إن لأهلك عليك حقا"..



  وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبّا عظيما..

وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة, وأولهم ارتياد لطريق الجنة, كان الرسول عليه الصلاة والسلام, هناك إلى جواره..

ولقد أكبّ على جبينه يقبله, ويعطّره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمّخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات إشراقه وجلاله..

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودّع صاحبه الحبيب:

" رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الدنيا وما أصبت منها, ولا أصابت منك"..



  ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته, بل كان دائم الذكر له, والثناء عليه..

حتى لقد كانت كلمات وداعه عليه السلام لابنته رقيّة, حين فاضت روحها:

" الحقي بسلفنا الخيّر, عثمان  بن مظعون"..!!!



رجال حولالرسول(صلّىالله عليه وسلّم)

عمران بن حصين ( شبيه الملائكة )

  عمران بن حصين ( شبيه الملائكة )
  عام خيبر, أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..

ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير, فآلى على نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيّب, وكريم..

هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.

 

  وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق, والزهد, والورع, والتفاني وحب الله وطاعته...

وإن معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا, ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي, ويبكي, ويقول:

" يا ليتني كنت رمادا, تذروه الرياح"..!!

ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب, فقلما كانت لهم بعد إسلامهم ذنوب..

إنما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر إدراكهم لعظمته وجلاله,وبقدر إدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته, فمهما يضرعوا, ويركعوا, ومهما يسجدوا, ويعبدوا..

ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:

" يا رسول الله, مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا, وزهدنا دنيانا, وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى إذا خرجنا من عندك, ولقينا أهلنا, وأولادنا, ودنيانا, أنكرنا أنفسنا..؟؟"

فأجابهم عليه السلام:

" والذي نفسي بيده, لو تدومون على حالكم عندي, لصافحتكم الملائكة عيانا, ولكن ساعة.. وساعة.

وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته, وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!



  وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة إلى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله, وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به, ويستضيئون بتقواه.

قال الحسن البصري, وابن سيرين:

" ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"

كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل, استغرق في العبادة, واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي إلى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..

أجل..

صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة, يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم..

 

  ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين, بين فريق علي وفريق معاوية, لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب, بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب, حاضنا قضية الإسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:

" لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت, أحبّ إلي من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم, أخطأ أم أصاب"..

وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:

" الزم مسجدك..

فإن دخل عليك, فالزم بيتك..

فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..



  وحقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح, حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما, ما ضجر منه ولا قال: أفّ..

بل كان مثابرا على عبادته قائما, وقاعدا وراقدا..

وكان إذا هوّن عليه إخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة, ابتسم لها وقال:

" إن أحبّ الأشياء إلى نفسي, أحبها إلى الله"..!!

وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت:

" إذا رجعتم من دفني, فانحروا وأطعموا"..


  أجل لينحروا ويطعموا, فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا, إنما هو حفل زفاف عظيم, ومجيد, تزف فيه روح عالية راضية إلى جنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين...

محمد حامد الفقي رحمه الله

**مولده ونشأته:***
ولد الشيخ محمد حامد الفقي بقرية "نكلا العنب" في سنة 1310هـ الموافق 1892م بمركز شبراخيت مديرية البحيرة. نشأ في كنف والدين كريمين وحفظ القرن وسنّه وقتذاك اثني عشر عامًا، وكان والده قد قسم أولاده الكبار على المذاهب الأربعة المشهورة ليدرس كل واحد منهم مذهبًا، فجعل الابن الأكبر مالكيًا، وجعل الثاني حنفيًا، وجعل الثالث شافعيًا، وجعل الرابع وهو الشيخ محمد حامد الفقي حنبليًا، ودرس كل من الأبناء الثلاثة ما قد حُدد من قبل الوالد ما عدا الابن الرابع فلم يوفق لدراسة ما حدده أبوه فقُبل بالأزهر حنفيًا.
بدأ محمد حامد الفقي دراسته بالأزهر في عام 1322هـ ـ 1904م وكان الطلبة الصغار وقتذاك يبدؤون دراستهم في الأزهر بعلمين هما: علم الفقه، وعلم النحو.
بدأ الشيخ محمد حامد الفقي دراسته في النحو بكتاب الكفراوي وفي الفقه بكتاب مراقي الفلاح وفي سنته الثانية درس كتابي الشيخ خالد في النحو وكتاب منلا مسكين في الفقه ثم بدأ في العلوم الإضافية بالسنة الثالثة، فدرس علم المنطق وفي الرابعة درس علم التوحيد ثم درس في الخامسة مع النحو والفقه علم الصرف وفي السادسة درس علوم البلاغة وفي هذه السنة وهي سنة 1910م بدأ دراسة الحديث والتفسير وكانت سنه وقتذاك ثمانية عشر عاما فتفتح بصره وبصيرته بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسك بسنته لفظًا وروحًا.

**بدايات دعوة الشيخ لنشر السنة: ***
لما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح ومطالعة كتب السلف الصالح والأئمة الكبار أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن حجر والإمام أحمد بن حنبل والشاطبي وغيرهم، دعا إلى التمسك بسنة الرسول الصحيحة والبعد عن البدع ومحدثات الأمور وأن ما حدث لأمة الإسلام بسبب بعدها عن السنة الصحيحة وانتشار البدع والخرافات والمخالفات.
فالتف حوله نفر من إخوانه وزملائه وأحبابه واتخذوه شيخًا له وكان سنه عندها ثمانية عشر عامًا سنة 1910م بعد أن أمضى ست سنوات من دراسته بالأزهر، وهذا دلالة على نبوغ الشيخ المبكر.
وظل يدعو بحماسة من عام 1910م حتى إنه قبل أن يتخرج في الأزهر الشريف عام 1917م دعا زملاءه أن يشاركوه ويساعدوه في نشر الدعوة للسنة الصحيحة والتحذير من البدع.
ولكنهم أجابوه: بأن الأمر صعب وأن الناس سوف يرفضون ذلك فأجابهم: أنها دعوة السنة والحق والله ناصرها لا محالة.
ثم انقطع منذ تخرجه عام 1917 م إلى خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وحدثت ثورة 1919م وكان له موقف فيها بأن خروج الاحتلال لا يكون بالمظاهرات التي تخرج فيها النساء متبرجات والرجال ولا تحرر فيها عقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله. ولكن بالرجوع لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك ونبذ البدع وأنكر شعار الثورة (الدين لله والوطن للجميع).

** إنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية***
أنشأ الشيخ جماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1345هـ/ 1926م تقريبًا واتخذ لها دارًا بعابدين، ثم أنشأ مجلة الهدي النبوي وصدر العدد الأول في 1937هـ، لتكون لسان حال الجماعة والمعبرة عن عقيدتها والناطقة بمبادئها.
وقد تولى رياسة تحريرها فكان من كتاب المجلة على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أحمد محمد شاكر، والأستاذ محب الدين الخطيب، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، (إمام الحرم المكي فيما بعد)، والشيخ أبو الوفاء محمد درويش، والشيخ صادق عرنوس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، والشيخ خليل هراس، كما كان من كتابها الشيخ محمود شلتوت.

**صلابته في الدعوة: ***
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "لقد ظل إمام التوحيد والدنا الشيخ محمد حامد الفقي ـ رحمه الله ـ أكثر من أربعين عامًا مجاهدًا في سبيل الله، ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب واعتاد النصر على الأحداث، بإرادة تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ به، إذ كان الخوف من الله آخذًا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يُداهن في القول ولا يداجي ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدًا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقًا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا".
عاش رحمه الله للدعوة وحدها قبل أن يعيش لشيء آخر، عاش للجماعة قبل أن يعيش لبيته، كان في دعوته يمثل التطابق التام بين الداعي ودعوته، كان صبورًا جلدًا على الأحداث، نكب في اثنين من أبنائه الثلاثة فما رأى الناس منه إلا ما يرون من مؤمن قوي أسلم لله قلبه كله.
ويقول الشيخ أبو الوفاء درويش: "كان يفسر آيات الكتاب العزيز فيتغلغل في أعماقها ويستخرج منها درر المعاني، ويشبعها بحثًا وفهمًا واستنباطًا، ويوضح ما فيها من الأسرار العميقة والإشارات الدقيقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة، ولا يترك كلمة لقائل بعده، بعد أن يحيط القارئ أو السامع علما بالفقه اللغوي للكلمات وأصولها وتاريخ استعمالها فيكون الفهم أتم والعلم أكمل وأشمل".
كانت اخر آية فسرها في مجلة الهدي النبوي قوله تبارك وتعالى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء:11]، في حوالي 22 صفحة.

**إنتاجه العلمي:***
كان الشيخ محبًا لابن تيمية وابن القيم، وقد جمعت تلك المحبة لهذين الإمامين الجليلين بينه وبين الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، وكذلك جمعت بينه وبينه الشيخ شلتوت الذي جاهر بمثل ما جاهر به الشيخ حامد. ومن جهوده قيامه بتحقيق العديد من الكتب القيمة نذكر منها ما يأتي:ـ
1 ـ اقتضاء الصراط المستقيم.
2 ـ مجموعة رسائل.
3 ـ القواعد النورانية الفقهية.
4 ـ المسائل الماردينية.
5 ـ المنتقى من أخبار المصطفي.
6 ـ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول حققه بالاشتراك مع محمد محيي الدين عبد الحميد.
7 ـ نفائس تشمل أربع رسائل منها الرسالة التدمرية.
8 ـ والحموية الكبرى.
وهذه الكتب جميعها لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن كتب الإمام ابن القيم التي قام بتحقيقها نذكر:
9 ـ إغاثة اللهفان.
10 ـ المنار المنيف.
11 ـ مدارج السالكين.
12 ـ رسالة في أحكام الغناء.
13 ـ التفسير القيم.
14 ـ رسالة في أمراض القلوب.
15 ـ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
كما حقق كتباً أخرى لمؤلفين آخرين من هذه الكتب:
16 ـ فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل شيخ.
17 ـ بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني.
18 ـ جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير.
19 ـ الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية لعلي بن محمد بن عباس الدمشقي.
20 ـ الأموال لابن سلام الهروي.
21 ـ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل لعلاء الدين بن الحسن المرداوي.
22 ـ رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
23 ـ شرح الكوكب المنير.
24 ـ اختصار ابن النجار.
25 ـ الشريعة للآجري.
26 ـ العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لمحمد ابن أحمد بن عبد الهادي.
27 ـ القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية لابن اللحام.
28 ـ مختصر سنن أبي داود للمنذري حققه بالاشتراك مع أحمد شاكر.
29 ـ معارج الألباب في مناهج الحق والصواب لحسن بن مهدي.
30 ـ تيسير الوصول إلى جامع الأصول لابن الديبع الشيباني.

**وفاته:***
توفي رحمه الله فجر الجمعة 7 رجب 1378هـ الموافق 16 يناير 1959م على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفي العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزيف حاد وعندما اقترب أجله طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفي بها، وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشيعها الشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين، وجميع مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها، وقضاة المحاكم. فرحمه الله رحمة واسعة.
المصدر:

خُشَيْش بن أصرم رحمه الله ـ تعالى ـ

كنيته:

 أبو عاصم

خُشَيش: بضم الخاء المعجمة وبشين معجمة مكررة مصغر. (2)
ولادته:

لم أجد أي معلومات تدل على تاريخ مولده.
له رحلة واسعة إلى الحرمين ومصر والشام واليمن والعراق. (3)


مشايخه:

- سعيد بن عامر الضبعي
- أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي
- أبو داود الطيالسي
- عبد الرزاق الصنعاني
- محمد بن يوسف الفريابي
وغيرهم كثير (4)


تلاميذه:

- أبو داود صاحب السنن
- النَّسائي صاحب السنن
- أبو بكر أحمد العسال
- إسماعيل الإسكاف المصري
وغيرهم (5)



سيرته وقول النقاد فيه:

قال النَّسائي صاحب السنن: ثقة. (6)
وقال ابن يونس في الغرباء: كان ثقة. (7)
قال الذهبي: كان صاحب سنة واتباع. (8)


مؤلفاته:

- الإستقامة في الرد على أهل البدع. (9)


وفاته:

 توفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين (253 هـ) بمصر. (10)



مقتطفات من كلامه في كتابه «الإستقامة» :

قال أبو عاصم خشيش بن أصرم:

«وقد أنكر جهم أن يكون الله على العرش، وقال الله تبارك وتعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : 29]
وقال: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد : 2]
وقال: {االلَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة : 4]
وقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود : 7]
وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه : 5] ) وغيرها من الآيات.
وقال أبو عاصم: (من كفر بآية من كتاب الله فقد كفر به أجمع فمن أنكر العرش فقد كفر به أجمع ومن أنكر العرش فقد كفر بالله وجاءت الآثار بأن لله عرشا وأنه على عرشه» (11)

وقال: «وأنكر جهم أن يكون لله كرسي، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة : 255]
وعن ابن عباس في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال: الكرسي موضع القدمين ولا يقدر أحد قدره.» (12)

وقال في رؤية الله في الجنة: «إذا كان المؤمن يحجب عن ربه ولا يراه والكافر محجوب عن ربه فما فضل المؤمن على الكافر، وقول الله عز و جل ورسوله وأصحاب رسوله أحق أن يتبع من قول جهم في النظر إلى الله عز و جل» (13)

وقال: «وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه، ووصف نفسه في كتابه، قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، ثم أخبر عن خلقه، فقال عز وجل {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان : 2]. فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنَّا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم ...» ثم ذكر أدلة على أن الله يسمع ويرى، إضافة إلى صفات أخرى، ثم قال: «فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله.»

,قال: «وأنكر جهم أن يكون لله تعالى يد، وكذب على الله عز و جل، والله يقول:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة : 64]
وقال: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص : 75]
وقال: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]» وذكر مجموعة من الأدلة. (14)


======================

(1) ليس النسائي المشهور (أحمد بن شعيب) صاحب السنن.
(2) الإكمال لابن ماكولا (ج3 ص150)
(3) سير أعلام النبلاء - الذهبي (ج12 ص251)
(4) تهذيب الكمال – المزي (8 ص251-253)
(5) تهذيب الكمال (ج8 ص253)؛ سير أعلام النبلاء - (ج12 ص251)
(6) تسمية مشايخ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي - النسائي (ص74)
(7) تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني (ج1 ص543)
(8) سير أعلام النبلاء (ج12 ص251)
(9) تهذيب الكمال (ج8 ص251)؛ سير أعلام النبلاء (ج12 ص250)؛ الأعلام للزركلي - (ج2 ص306)
(10) تهذيب الكمال (ج8 ص253)؛ سير أعلام النبلاء (ج12 ص251)
(11) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع - محمد الملطي (ص113)
(12) التنبيه والرد للملطي (ص117)
(13) التنبيه والرد (ص129)
(14) التنبيه والرد (ص144)

زياد علي

زياد علي محمد