السبت، 24 أغسطس 2019

ابن تيمية

 - اسمه ونسبه:
هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني .
وذكر مترجموه أقوالاً في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله : (أن جده محمداً كانت أمه تسمى (تيمية)، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.
وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقب بذلك) .

2 - مولده ونشأته:
ولد رحمه الله يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة 661هـ. في حرّان .
وفي سنة 667هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق ، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره .
ومما ذكره ابن عبد الهادي رحمه الله عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.
وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي ، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) .
(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.
فإنه لم يكن مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) .
وكان رحمه الله حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار  رحمه الله (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثاً، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) .
وكان رحمه الله ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صيناً، تقياً، براً بأمه، ورعاً عفيفاً، عابداً، ذاكراً لله في كل أمر على كل حال، رجاعاً إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
قال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله عنه: (ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) .

3 - عصره:
أولاً: الناحية السياسية:
يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية رحمه الله أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:
أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.
ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.
جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.
وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله:
فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.
ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) .
فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (656هـ) وما قبل سقوط بغداد بسنوات ، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) .
وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية): فقد كانت ولادة ابن تيمية رحمه الله في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية رحمه الله مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية رحمه الله يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم .

ثانياً: الناحية الاجتماعية:
كانت مجتمعات المسلمين خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.
إذ اختلط التتار - القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة - بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتر.
ونوعية ثالثة: ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.
إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.
كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة كان لابن تيمية رحمه الله أكبر الأثر في بيان الخطأ والنصح للأمة، ومقاومة المبتدعة .

ثالثاً: الناحية العلمية:
في عصر ابن تيمية رحمه الله قل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.
ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى: سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير .
ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة. وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.

4 - محن الشيخ:
امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة ، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد .
واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.
وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام رحمه الله فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.
وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.
وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.
وفي سنة 709هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلاً لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.
وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة 720هـ إلى سنة 721هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.
وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة 726هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة 728هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف .

5 - وفاته رحمه الله:
في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (728هـ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام .

6 - مؤلفاته:
مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار (ت - 749هـ) رحمه الله:
(وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها. بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت - 795هـ) رحمه الله:
(وأما تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) .
وذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويسئل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.
ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها .

ومن أبرز كتبه ما يلي:
1 - الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.
2 - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.
3 - بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
4 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه .
5 - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس .
6 - الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.
7 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس .
8 - النبوات: مطبوع .
وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود .

7 - بعض ثناء الناس عليه:
قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - 727هـ) : (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم  والتبيين ) .

وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) .

وكتب فيه قوله:
ماذا يقول الواصفون له *** وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة *** هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة *** أنوارها أربت على الفجر

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله : (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) .

وقال أبو البقاء السبكي : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) ، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - 748هـ) الإمام السبكي  كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخاره بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) .

وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي، ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:
(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) .

وقوله: (... ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف...) .
وقال: (... هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) .

ومما قاله في رثائه:
يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانقصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع
غيبت بحراً مفسراً جبلاً *** حبراً تقياً مجانب الشيع
اسكنه الله في الجنان ولا *** زال علياً في أجمل الخلع
مضى ابن تيمية وموعده *** مع خصمه يوم نفخة الفزع
وقال فيه: (... كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه...) .

وقال عنه: (... لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي.... فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى....) .

وقال الشوكاني رحمه الله  (إمام الأئمة المجتهد المطلق) .

رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته 

داود الأنطاكي.. العبقري الضرير

هو داود بن عمر الأنطاكي، وبرغم كونه أعمى إلاَّ أنه لقب (بالبصير)، وُلِدَ بفرعة سنة (942هـ)، ثم انتقل مع والده إلى مدينة أنطاكية وهو طفل، فنشأ وترعرع وعوفي من كساحه فيها، يلقبونه بالحكيم الماهر الفريد، والطبيب الحاذق الوحيد، أبقراط زمانه.

وكعادة العلماء في زمانه كان موسوعيًّا "عالمًا بالطب والأدب، انتهت إليه رئاسة الأطباء في زمانه، حفظ القرآن وقرأ المنطق، والرياضيات، وشيئًا من الطبيعيات، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها".

يروي ابن العماد صاحب (شذرات الذهب) عنه قصة شفائه من مرض الكساح، الذي كان قد ابتلى به، قوله: "إنه وُلِدَ بأنطاكية بهذا العارض. قال: وقد بلغت سيَّارة النجوم، وأنا لا أستطيع أن أقوم لعارض ريح تحكم في الأعصاب، وكان والدي رئيس قرية حبيب النجار، واتخذ قرب مزار سيدي حبيب رباطًا للواردين، وبنى فيه حجرات للمجاورين، ورتَّب لها في كل يوم من الطعام ما يحمله إليه بعض الخدام، وكنت أُحْمَلُ إلى الرباط فأقيم فيه سحابة يومي، وإذا برجل من أفاضل العجم يُدعى محمد شريف نزل بالرباط، فلمَّا رآني سأل عني فأُخبر، فاصطنع لي دهنًا، ومددني في حرِّ الشمس ولفَّني في لفافة من فَرقي إلى قدمي، حتى كدتُ أموت، وتكرَّر منه ذلك الفعل مرارًا من غير فاصل، فقمت على قدمي، ثم أقرأني في المنطق، والرياضي، والطبيعي، ثم أفادني اللغة اليونانية".

وكعادة طلبة العلم في ذلك الوقت لم يبقَ داود في أنطاكية طويلاً، بل غادرها إلى دمشق لكي يتتلمذ على يد كبار الأطباء هناك، ثم اتجه إلى القاهرة وهناك ذاع صيته في نقده الأمينِ والبنَّاءِ لبعض الكتب الطبية القديمة، فأُسندت إليه رئاسة الأطباء في القاهرة، ثم ذهب إلى مكة لأداء مناسك الحجِّ، فاستقرَّ فيها يمارس مهنة الطب بالتلمس والاستجواب، وظلَّ هكذا إلى أن انتقل إلى رحمة الله عام (1008هـ/1600م).

إنجازات داود الأنطاكي:

لقد أُثِر عن داود الأنطاكي الجد والنشاط وعلو الهمة في طلب العلم؛ لذلك -وعلى الرغم من كونه ضريرًا - فإن عاهته تلك لم تمنعه من دراسة الطب، بل ولا من التفوق فيه على أقرانه، فقَدَّم الكثير من الإنجازات الطبية، ولكن أهم ما يُذْكَر له هو أنه قام بعرض مؤلفات مَن سبقوه، ونقدها نقدًا أمينًا، ثم اختطَّ لنفسه (احتفظ لنفسه) خطَّة في البحث، قال: إنها تتكوَّن من عشرة قوانين:

فكان يذكر الأسماء بالألسن المختلفة، ثم الماهية، ثم الحسن والرديء، ثم ذكر المنافع في سائر أعضاء البدن ثم كيفية التصرف فيه مفردًا أو مع غيره، ثم المضار، ثم ما يصلحه، ثم المقدار، ثم ما يقوم مقامه إذا فقد.

وكان أهم ما قدمه داود الأنطاكي هو الزمان الذي يقطع فيه الدواء ويدخر حتى لا يفسد (أو ما نسميه الآن تاريخ الصلاحية)، ثم موطن الدواء، ثم أثر البيئة على فعل الجوهر وآثاره، وقد عرض داود لمئات من الأنواع النباتية وعشرات من أنواع الحيوانات والمعادن مما تتخذ منه عقاقير وأدوية.

بالإضافة إلى ذلك قام داود الأنطاكي بوضع عدة قواعد لصناعة الأدوية وطرق العلاج، كما ذكر العديد من الوصفات من الأكحال والأدهان والتراكيب المختلفة، وعلى الرغم من أنه استخدم بعض الوصفات التي كان يستخدمها العامة، والتي لا يُقِرّها الطب، إلاَّ أنه ظلَّ له فضل كبير في هذا المجال، وكتبه ظلَّت مصدرًا لا يمكن الاستغناء عنها في دراسة هذا المجال.

وعن هذه الموسوعية يتحدث أحمد بن عيسى فيقول: "الرئيس داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزية الشيخ الإمام المميز على مَن له بها المزية، المتوحّد بأنواع الفضائل، والمتفرِّد بعلوم الأوائل، شيخ العلوم الرياضية سيما الفلسفة، والعلوم الحكيمة، وعلم الأبدان القسيم لعلم الأديان، فإنه بلغ فيها الغاية التي لا تُدْرَك، وانتهى منها إلى الرتبة التي لا تكاد تُمْلَك، مع فضل في جميع العلوم ليس لأحد وراءه فضله، وعلم لم يَحْوِ أحدٌ في عصره مثله، وأدب يغضّ منه الناظر، ويحارُ في وصفه الفكر والخاطر... وكانت له خلوة بالمدرسة الظاهرية تجاه البيمارستان يجلس بها نهارًا".

قال تلميذه الفاضل الخفاجي في ريحانيته في ترجمته: "ضرير بالفضل بصير، كأنما ينظر إلى خلف ستارة الغيب بعين فكر خبير، لم تر العين مثله بل لم تسمع الآذان، ولم يتحدث بأعجب منه، إذ جس النبض نبضًا لتشخيص مرض أظهر من أعراض الجواهر لكل غرض، فيفتن الأسماع والأبصار، ويطرب بجس النبض ما لا يطربه جسّ الأوتار، يكاد من رقَّة أفكاره يجول بين الدم واللحم، لو غضبت رُوح على جسمها ألف بين الروح والجسم، فسبحان من أطفأ نور بصره وجعل صدره مشكاة نور، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

ولداود بن عمر الأنطاكي عجائب في معرفته للنبض؛ فإنه كان يمارس الطب بالتلمُّس، وعن هذا يقول أحمد بن عيسى: "أما معرفته لأقسام النبض فإن له مَنْقَبة باهرة، وكرامة على صدق مدعاه ظاهرة، يكاد لقوة حدسه يستشفّ الداء من وراء حجابه، ويناجيه بظاهر علاماته وأسبابه، حُكِيَ أن الشريف حسن لما اجتمع به أمر بعض إخوانه أن يعطيه يده ليجسَّ نبضه، وقال له: جسَّ نبضي. فقال له: هذه اليد ليست يد الملك. فأعطاه الأخ الثاني يده. فقال كذلك، فأعطاها الشريف حسن يده، فقَبَّلَها، وأخبر كلاًّ بما هو ملتبس به، فتعجَّبُوا من حذقه، وحُكِيَ أنه استدعاه لبعض نسائه، فلما دخل قادته جارية، ولما خرجت به قال للشريف حسن: إن الجارية لما دخلت بي كانت بكرًا، ولما خرجت بي صارت ثيبًا. فسألها الشريف حسن وأعطاها الأمان من المعاقبة، فأخبرته أن فلانًا استفضَّها قسرًا، فسأله فاعترف بذلك".

وعن أخلاقه وخشيته وعلمه يقول ابن العماد: "وكانت فيه دعابة، وحسن سجايا، وكرم، وخوف من المعاد، وخشية من الله، كان يقوم الليل إلاَّ قليلاً، ويتبتَّل إلى ربه تبتيلاً، وكان إذا سُئل عن شيء من العلوم الحكمية والطبيعية والرياضية أملى ما يُدهش العقل، بحيث يُجيب على السؤال الواحد بنحو الكراسة، ومن مصنفاته (التذكرة) جمع فيها الطب والحكمة، ثم اختصرها في مجلدة، وشرح قصيدة النفس لابن سينا شرحًا حافلاً نفيسًا".

مؤلفات داود الأنطاكي:

لقد كان لداود الأنطاكي العديد من المؤلفات الطبية التي أصبحت بمثابة مرجع مهمّ يعتمد عليه طلاب العلم في دراسة علم الطب؛ ومنها على سبيل المثال:

كتاب (كفاية المحتاج في علم العلاج) الذي يعتبر من أبرز الكتب الطبية التي خرجت في ذلك الوقت؛ حيث وضح فيه رأيه حول المؤلفات الطبية القديمة المعروفة بين الناس في تلك الفترة، فكان ناقدًا لتلك الكتب، مع تحاشي التجريح بقدر الإمكان، لأنه يؤمن بالنقد البنَّاء.

أمَّا أهم ما يميز ذلك الكتاب أنه جمع فيه الأفكار المنقحة لمن سبقه من الأطباء الأوائل؛ لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعًا مهمًّا لكل طلاب العلوم الطبية، كما أن داود الأنطاكي جمع في هذا الكتاب بين معرفته الفلسفية والطبية، ويتَّضح ذلك من خلال طريقة عرضه لبعض النظريات الطبية ولدقَّة ولحسن تنسيقه وتبويبه لهذا الكتاب.

ولم تقتصر جهود داود الأنطاكي في التأليف على هذا الكتاب فقط بل ألَّف الكثير من الكتب الأخرى منها:

- الكامل في الطب.

- تذكرة النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة.

- كتاب حجر الفلاسفة.

- كتاب استعمال التنجيم في الطب.

- كتاب البهجة والدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة.

- كتاب نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان.

- كتاب ألفية في الطب.

- كتاب شرح عينية ابن الملكي في طب الملوك.

- كتاب مجمع المنافع البدنية.

- كتاب زينة الطروس في أحكام العقول والنفوس، وغيرها من المؤلفات.

أقوال داود الأنطاكي:

كانت لداود الأنطاكي بعض الأقوال التي كانت نتاجًا لخبرته العلمية بهذا المجال؛ منها على سبيل المثال:

قوله في طلب العلم: عار على مَن وُهب النطق والتميز أن يطلب رتبة دون الرتبة القصوى. ويقول: كفى بالعلم شرفًا أن كلاًّ يدعيه، وبالجهل ضعة أن الكل يتبرأ منه، والإنسان إنسان بالقوة إذا لم يعلم، فإذا علم كان إنسانًا بالفعل.

وهو هنا يُكَرِّر قولة المتنبي من قبل:

وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا *** كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

ثم يؤكد على أن الإنسان لا يُحَقِّق إنسانيته إلاَّ بالعلم وباستعمال هذا العقل؛ ولأننا أمام موسوعي فيلسوف، فسنقرأ له إفادة جاء فيها بخبرة التاريخ ثم خبرة التجربة الحاضرة، فيحكي قائلاً: "إنه كان من علوم الملوك، يتوارث منهم، ولم يخرج عنهم خوفًا على مرتبته، وقد عوتب أبقراط في بذله للأغراب، فقال: رأيت حاجة الناس إليه عامة والنظام متوقف عليه، وخشيت انقراض آل أسفيموس، ففعلت ما فعلت".

ثم يضيف داود قائلاً: لقد وقع لنا مثل هذا؛ فإني حين دخلت مصر، ورأيت الفقيه الذي هو مرجع الأمور الدينية، يمشي إلى أوضع يهودي للتطبب، فعزمت على أن أجعله كسائر العلوم، يُدرس ليستفيد به المسلمون، فكان ذلك وبالي ونكد نفسي وعدم راحتي من سفهاء لازموني قليلاً، ثم تعاطوا الطب؛ فضرُّوا الناس في أموالهم وأبدانهم وأنكروا الانتفاع بي.

ثم يعطي خلاصة تجربته فيما يبدو بخصوص الطب والطبيب، وهي نصيحة خالدة كأنها تشريح يصف متى وكيف يفسد الطبيب: ينبغي لهذه الصناعة الإجلال والتعظيم والخضوع لمتعاطيها لينصح في بذلها، وينبغي تنزيهه عن الأرذال، والضنِّ به على ساقطي الهمة؛ لئلاَّ تدركهم الرذالة عند واقع في التلف فيمتنعون، أو فقير عاجز فيكلفونه ما ليس في قدرته.

وإذا تجاوزنا الطب سنراه يقسم العلوم والمعارف إلى أقسام، عرفها وسمَّاها، وحدَّد مدلولاتها، فلم يترك الكيمياء، أو الفلك، أو الرياضة، أو الفقه، أو المنطق إلاَّ وقد رسم حدوده، وبَيَّنَ أغراضه ومراميه.

ثم إذا تجاوزنا طب الأبدان سنجده في مقام طب النفوس يقول:

- عليك بحسن الخلق؛ بحيث تسع الناس، ولا تُعَظِّم مرضًا عند صاحبه.

- ولا تُسِرَّ لأحد عن مريض، ولا تحبس نبضًا وأنت معبس، ولا تخبر بمكروه.

- ولا تطلب بأجر، وقَدِّم نفع الناس على نفعك، واستفرغ لمن ألقى إليك زمامه ما في وسعه، فإن ضيعته فأنت ضائع.

ونتيجة لتلك الإنجازات التي قام بها داود الأنطاكي حصل على شهرة واسعة بين معاصريه، وأصبحت كتبه وأبحاثه مصدرًا للباحثين في مجال العلوم الطبية.

المصدر: كتاب (قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية) للدكتور راغب السرجاني.

أبيّ بن كعب ( ليهنك العلم, أبا المنذر )

  أبيّ بن كعب ( ليهنك العلم, أبا المنذر )




  سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم:

" يا أبا المنذر..؟

أي آية من كتاب الله أعظم..؟؟

فأجاب قائلا:

الله ورسوله أعلم..

وأعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤاله:

أبا المنذر..؟؟

أيّ أية من كتاب الله أعظم..؟؟

وأجاب أبيّ:

الله لا اله إلا هو الحيّ القيّوم..

فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره بيده, وقال له والغبطة تتألق على محيّاه:

ليهنك العلم أبا المنذر"...



  إن أبا المنذر الذي هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم هو أبيّ بن كعب الصحابي الجليل..

هو أنصاري من الخزرج, شهد العقبة, وبدرا, وبقية المشاهد..

وبلغ من المسلمين الأوائل منزلة رفيعة, ومكانا عاليا, حتى لقد قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما:

" أبيّ سيّد المسلمين"..

وكان أبيّ بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي, ويكتبون الرسائل..

وكان في حفظه القرآن الكريم, وترتيله إياه, وفهمه آياته,من المتفوقين..

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما:

" يا أبيّ بن كعب..

إني أمرت أن أعرض عليك القرآن"..

وأبيّ يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يتلقى أوامره من الوحي..

هنالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشوة غامرة:

" يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. وهل ذكرت لك باسمي"..؟؟

فأجاب الرسول:

" نعم..

باسمك, ونسبك, في الملأ الأعلى"..!!

وان مسلما يبلغ من قلب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة لهو مسلم عظيم جد عظيم..

وطوال سنوات الصحبة, وأبيّ بن كعب قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل من معينه العذب المعطاء..

وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, ظلّ أبيّ على عهده الوثيق.. في عبادته, وفي قوة دينه, وخلقه..

وكان دائما نذيرا في قومه..

يذكرهم بأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وماكانوا عليه من عهد, وسلوك وزهد..

ومن كلماته الباهرة التي كان يهتف بها في أصحابه:

" لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوهنا واحدة..

فلما فارقنا, اختلفتوجوهنا يمينا وشمالا"..



  ولقد ظل مستمسكا بالتقوى, معتصما بالزهد, فلم تستطع الدنيا أن تفتنه أو تخدعه..

ذلك أنه كان يرى حقيقتها في نهايتها..

فمهما يعيش المرء, ومهما يتقلب في المناعم والطيبات, فانه ملاق يوما يتحول فيه كل ذلك إلى هباء, ولا يجد بين يديه إلا ما عمل من خير, أو ما عمل من سوء..

وعن عمل الدنيا يتحدّث أبيّ فيقول:

" إن طعام ني آدم, قد ضرب للدنيا مثلا..

فان ملّحه, وقذحه, فانظر إلى ماذا يصير"..؟؟

 

  وكان أبيّ إذا تحدّث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في شوق وإصغاء..

ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدا.. ولم يطلبوا من الدنيا غرضا..

وحين اتسعت بلاد الإسلام, ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم في غير حق, وقف يرسل كلماته المنذرة:

" هلكوا ورب الكعبة..

هلكوا وأهلكوا..

أما إني لا آسى عليهم, ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين".

 

  وكان على كثرة ورعه وتقاه, يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر.

وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها, أو يسمعها, تهزه وتهز كل كيانه..

وعلى ئأن آية من تلك الآيات الكريمة, كان إذا سمعها أو تلاها تغشاه من الأسى ما لا يوصف..

تلك هي:

( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم, أو من تحت أرجلكم, أو يلبسكم شيعا.. ويذيق بعضكم بأس بعض)..

كان أكثر ما يخشاه أبيّ على الأمة المسلمة أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا..

وكان يسأل الله العافية دوما.. ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة..

ولقي ربه مؤمنا, وآمنا ومثابا..





رجال حولالرسول(صلّىالله عليه وسلّم)

إدريس عليه السلام

إدريس عليه السلام

قال الله تعالى:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً. وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}



فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية .

وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب.



نسبه عليه السلام :



روى أنه لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه

فلما حانت وفاته أوصى إلى أبنهأنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولدهقينن ثم من بعده ابنهمهلاييل

فلما مات قام بالأمر بعده ولدهيرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولدهخنوخ، وهو إدريس عليه السلام على المشهور.

وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام.



وذكر ابن اسحاق أنه أول من خط بالقلم .وقد قال طائفة من الناس أنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك".



ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك، ويسمونه هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء.



وقوله تعالى:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به وهو في السماء الرابعة.



وقد روى ابن جرير قال:

 سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر فقال له:

ما قول الله تعالى لإدريس{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}؟

فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب ادريس أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة

فقال له ادريس: إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس

فقال: وأين إدريس؟

قال : هو ذا على ظهري

فقال ملك الموت:يا للعجب! بُعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة،فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟! فقبض روحه هناك. فذلك قول الله عز وجل{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}.



وعن ابن عباس في قوله:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} :



رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح، وهو قول مجاهد وغير واحد.

من هو الإمام مالك ؟

هو 'أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن حارث' وهو ذو إصبح بن عوف بن مالك بن شداد بن زرعة وهو حمير الأصغر و 'عمرو بن الحارث ذي أصبح الحميري' من ملوك اليمن, الحميري ثم الأصبحي, المدني, حليف بني تيم من قريش, فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين. التاريخ الكبير 7/310والمعارف لابن قتيبة ص 499/497

وأمه هي العالية وقيل الغالية بنت الشريك الازدية وجده اللأول 'أباعامر بن عمرو ' " صحابي شهد المغازي كلها مع النبي خلا بدر " القشيري.

ومالك جد الإمام من كبار التابعين وروى عن عمر وطلحة وعائشة وأبي هريرة وحسان بن ثابت وكان من أفاضل الناس وأحد الأربعة الذين حملوا عثمان بن عفان ومات سنة اثنتي وعشر ومائة. ولد للإمام أربعة أبناء وبنت هي ام البهاء وكانت ممن يحفظون علمه.

مولده ونشأته

ولد الإمام مالك في ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين من الهجرة/712م بذي المروة وكان اخوه النضر يبيع البز فكان مالك معه بزازا ثم طلب العلم وكان ينزل اولا بالعقيق ثم نزل المدينة المنورة.

لقد نشأ مالك في بيت اشتغل بعلم والحديث.وكان أكثر هم عناية عمه نافع المكنى بأبي سهيل, ولذا عد من شيوخ ابن شهاب وفي أعمام مالم وجده أسرة من الأسر المشهورة بالعلم وكان اخوه النضر مشتغلا بالعلم ملازما للعلماء حتى ان مالك كان يكنى باخي النضر لشهرة أخيه دونه بدأ الإمام مالك يطلب العلم صغيرا تحت تأثير البيئة التي نشأ فيها وتبعا لتوجيه أمه له ، فقد حكي أنه كان يريد أن يتعلم الغناء فوجهته أمه إلى طلب العلم.

حفظ القرآن ثم اتجه لحفظ الحديث وكان لابد من كل طالب علم من ملازمة عالم من بين العلماءوقد جالس مالك ناشئا صغيرا ثم انقطع لابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره ثم اتجه مالك إلى نافع مولى ابن عمر فجالسه وأخذ عنه علما كثيرا وقد اشتهر أن أصح الاحاديث: " مالك عن نافع عن ابن عمر".كما اخذ مالك عن ابن شهاب الزهري ولولعه بالعلم نقض سقف بيته ليبيعه ويطلب به العلم وملازمة كبار العلماء. يقول الإمام مالك: حينما بلغت سن التعليم جاءت عمتي وقالت :إذهب فاكتب (تريد الحديث ).

انطلق يلتمس العلم وحرص على جمعه وتفرغ له ولازم العديد من كبار العلماء، لعل أشدهم أثراً في تكوين عقليته العلمية التي عرف بها هو أبو بكر بن عبد الله بن يزيد المعروف بابن هرمز المتوفى سنة 148 هـ، فقد روي عن مالك أنه قال:{{ كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل . }}

كذلك يعد مالك أكثر وأشهر الفقهاء والمحدثين الذين لازموا نافع مولى ابن عمر وراويتٌه يقضي معه اليوم كله من الصباح إلى المساء سبع سنوات أو ثماني، وكان ابن هرمز يجله ويخصه بما لا يخص به غيره لكثرة ملازمته له ولما ربط بينهما من حب وتآلف ووداد.

أخذ الإمام مالك عن الإمام ابن شهاب الزهري وهو أول من دون الحديث ومن أشهر شيوخ المدينة المنورة وقد روى عنه الإمام مالك في موطئه 132 حديثا بعضها مرسل. كما أخذ عن الإمام جعفر الصادق من آل البيت وأخرج له في موطئه 9 أحاديث منها 5 متصلة مسندة أصلها حديث واحد طويل هو حديث جاير في الحج والأربعة منقطعة. كذلك روى عن هشام بن عروة بن الزبير، محمد بن المنكدر ، يحي بن سعيد القطان الأنصاري، سعيد بن أبي سعيد المقبري، وربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي وعبد الله بن المبارك والامام الشافعي وغيرهم، من أقرانه الأوزاعي والثوري والليث وخلق. وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي والقعني. وقد بلغ عدد شيوخه على ما قيل 300 من التابعين و600 من أتباع التابعين.

جلوسه للفتيا

لما أصبح له باع جلس للفتيا بعد استشار كبار العلماء في المسجد النبوي الذي كان يعج بالتابعين وتابعي التابعين من امثال الزهري وابن شهاب وربيعة الراي قيل وهو ابن سبع عشر سنة....

تحريه في العلم والفتيا

يروى عن النبي - صلى الله عليه و سلم - من حديث أبي هريرة انه قال: "ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم, فلا يجدون عالما اعلم من عالم المدينة" وقال غير واحد بانه مالك بن أنس. ذكر لمالك لما انه ذكرت أمامه الموطآت, وان غير واحد من العلماء قد صنع موطا كموطئه, قال دعوهم , فلن يبقى غلا ما أريد به وجه الله"

ولهذا كان يتحرى تحريا عظيما في الفتوى عند التحمل وعند الاداء فكان يسأل في العدد الكثير من المسائل ولا يجيب إلا في القليل وكان يفكر في المستالة سنين فما يتفق فيها رأي.وكثيرا ما كان يتبع فتواه بالآية الكريمة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (الجاثية 31). وكان لا يحدث إلا عن ثقة وكان إذا شك في الحديث طرحه.

توقيره للعلم ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم -

كان من توقيره للعلم لا يحدث إلا على طهارة ولا يحدث أو يكتب حديثا واقفا وكان لا يفضل على المدينة بقعة سواها.
[] شهادة اهل العلم له بالإمامة وثناؤهم عليه

* ابن هرمز: "ادعيه, فإنه عالم النّاس".
* ابن شهاب:"انت من اوعية العلم".
* قيل لأبي الاسود من للرأي بعد ربيعة بالمدينة؟ قال: الغلام الأصبحي (مالك).
* سفيان بن عيينة: "ما نحن عند مالك؟ إنما نحن نتبع آثار مالك". وقال" ما أرى المدينة إلا ستخرب بعد مالك". وقال "مالك سيد أهل المدينة". وقال "مالك سيد المسلمين".
* الشافعي: "إذا جاء الخبر فمالك النجم".وقال :" مالك بن انس معلمي(أستاذي) وما أحد امنُّ علي من مالك, وعنه اخذنا العلم وإنما انا غلام من غلمان مالك".

وقال: مالك وسفيان قرينان ومالك النجم الثاقب الذي لا يلحق.

* الأوزاعي: رأيت رجلا عالما(يقصد مالك).
* أبو يوسف: "ما رايت أعلم من ثلاث مالك وابي ليلى وابي حنيفة".
* الليث: علم مالك تقي, علم مالك نقي, مالك امان لمن اخذ عنه من الانام".
* ابن المبارك: "لو قيل لي اختر للامة إماما, لأخترت مالكا".
* ابن المهدي : "مالك افقه من الحكم وحماد" وقال: أئمة الحديث الذين يقتدى بهم أربعة سفيان بالكوفة, ومالك بالحجاز, والاوزاعي بالشام, وحماد بن يزيد بالبصرة". وقال : مابقي على وجه الأرض اامن على حديث رسول الله من مالك".
* يحي بن سعيد: " مالك أمير المؤمنين في الحديث".وقال: " مالك هو اعلى أصحاب الزهري, واوثقهم واثبت الناس في كل شيء".وقال "مالك نجم الحديث المتوقف عن الضعفاء, الناقل عن أولاد المهاجرين والانصار".

النسائي: امناء الله على وحيه, شعبة, ومالك, ويحي بن سعيد القطان, ما أحد عندي أفضل بعد التابعين من مالك ولا اجل منه ولا أحد امن على الحديث منه".

* أحمد بن حنبل:" مالك احسن حديثا عن الزهري من ابن عيينة, ومالك اثبت الناس في الزهري".

مواهبه وصفاته

حبا الله مالكا بمواهب شتى حتى أصبح الإمام الذي لا يفتى معه احدا منها:

* الحفظ: عرف عن الإمام مالك بأنه قوي الحافظة كان يحفظ أكثر من 40 حديثا في مجلس واحد.
* الصبر والجلد.
* الإخلاص في طلب العلم قربة خالصة لله عزوجل.وجيد التحري في رواية الحديث مدققا في ذلك كل التدقيق، لا ينقل الا عن الإثبات ولا يغتر بمظهر الراوي أو هيئته .قال الإمام مالك :{{ لقد أدركت في هذا المسجد (مسجد المدينة المنورة) سبعين ممن يقول : قال فلان قال رسول الله فما أخذت عنهم شيئا، وأن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه إلا ظانهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن )
* قوة الفراسة والنفاذ إلى بواطن الامور وإلى نفوس الأشخاص.
* إن لم يرحل الإمام مالك في طلب الحديث مع أن الرحلة في ذلك الوقت كانت ضرورية. إلا انه استعاد عن هذا لكون المدينة كانت مركزا للعلم ومنارة له بحيث لا يكتمل علم احدهم دون القدوم إليها والاخذ من منبعها الصافي من أحفاد الصحابة ومسكنهم فكانت المدينة كلها منابيع علم منحيها وميتها ويابعا واخضرها سمائها وارضها تكاد تنطق بالعلم الوفير وهذا ما جعل الإمام مالك يرى بان عمل اهل المدينة حجة و لنو

شيوخه

اخذ عن خلق كثير وهم في الموطأ وكان اهمهم:

* ابن هرمز
* أبو زناد
* نافع
* ربيعة محسن
* ابن شهاب
* الأنصاري
* يحي بن سعيد
* سعيد المقبري
* عامر بن عبد الله بن زبير.
* ابن المنكدر
* عبد الله بن دينار

تلاميذه

كان أكثر الأئمة الذين ظهروا في عصر الإمام مالك تلامذة له ، وقد كان تلاميذه من شتى بقاع الأرض لا يعدون ولا يحصون والذي ساعده على ذلك أنه كان مقيماً بالمدينة المنورة وكان الحجاج يذهبون لزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيجلسون نحوه يتعلمون منه العلم ، فمنهم من كان يطول به المقام عند الإمام مالك ومنهم من كان يقصر به المقام. والذي جعل أيضاً تلاميذ الإمام مالك كثيري أن الإمام مالكاً كان معمراً فلقد أطال الله في عمره حيث عاش تسعين عاماً. واحصى الذهبي ما يزيد عن ألف وأربعمائة"تلميذ

* عبد الرحمن بن القاسم
* عبد الله بن وهب
* أشهب بن عبد العزيز القيسي
* أسد بن الفرات
* عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون

ومن تلاميذه مالك أيضا:

* ابن ابي اياس أبو الحسن الخرساني.
* ابن الوليد أبو يحمد الحميري
* ابن خداش أبو الهيثم المهلبي.
* أبو عبد الله اللخمي.
* سعيد ابن شعبة أبو عثمان الخرساني.
* سليمان بن جارود أبو داوود الطياليسي.
* ابن ذكوان أبو عبد الله الترميذي.
* بن حماد أبو يحي النرسي.
* بن جبلة عبدان المروزي.
* عبد الله بن نافع الزبيري.
* بن عمرو القيسي أبو عامر العقدي.
* وكيع بن جراح أبو سفيان الرؤاسي.

وفاته

بعد حياة عريضة حافلة توفي (رحمه الله) في ربيع الأول سنة [[179 هـ / 795م عن عمر يناهز ثلاثة وثمانين سنة، حيث صلى عليه أمير المدينة عبد الله بن محمد بن إبراهيم العباسي و شيع جنازته واشترك في حمل نعشه ودفن في البقيع .

آثاره

أهم مؤلفاته وأجل آثاره كتابه الشهير الموطأ حمل نسخة من

المكتبة الوقفية الذي كتبه بيده حيث اشتغل في تاليفه ما يقرب من 40سنة. وهو الكتاب الذي طبقت شهرته الآفاق واعترف الأئمة له بالسبق على كل كتب الحديث في عهده وبعد عهده إلى عهد الامام البخاري.

قال الإمام الشافعي: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وفي رواية أكثر صوابا وفي رواية أنفع. وهذا القول قبل ظهور صحيح البخاري.

قال البخاري "أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر"، وكثيرا ما ورد هذا الإسناد في الموطأ.

قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: الموطأ هو الأصل واللباب وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، و عليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي.يعتبر شرح الزرقاني أهم شرح له.

من مؤلفاته أيضا:

* الرد على القدرية
* رسالة في القدر
* كتاب النجوم والحساب مدار الزمن
* رسالة في الاقضية في 10اجزاء
* تفسير غريب القران.

المشكاة

قصة آدم عليه السلام

 قصة آدم عليه السلام

شاءت إرادة الله تعالى ان يخلق آدم .. فكيف خلقه و مما خلقه ؟؟
سنحاول أن نعرف القصة من خلال آيات القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة
عن أبي هريرة مرفوعاً: "وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة "عن ابى موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك".



عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فبعث الله عز وجل جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها،

فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني

فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها.

فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل.

فبعث الله ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلطه، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.

فصعد به فبل التراب حتى عاد طيناً لازباً.  واللازب: هو الذي يلزق بعضه ببعض

ثم قال للملائكة:

{إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.

فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، فخلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعاً إبليس، فكان يمر به فيضربه، فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة، فذلك حين يقول:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}

وكان إبليس يقول: لأمر ما خُـلقت، ودخل من فِـيه وخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سُـلطت عليه لأهلكنه.

}فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.

فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال الله تعالى للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس،فقالت الملائكة قل:الحمد لله

فقال: الحمد لله، فقال له الله: رحمك ربك، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، وذلك حين يقول الله تعالى:{خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}

{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}

وهذه بعض الأحاديث الدالة على ذلك :

عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه، فجعل إبليس يطيف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك".

عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله".

وعن أبي هريرة رفعه قال:"لما خلق الله آدم عطس، فقال الحمد لله، فقال له ربه رحمك ربك يا آدم".

وقال عمر بن عبد العزيز: لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم إسرافيل، فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته.

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طيناً ثم تركه، حتى إذا كان حمأ مسنون خلقه الله وصوره ثم تركه، حتى إذا كان صلصالاً كالفخار قال: فكان إبليس يمر به فيقول: لقد خُـلقت لأمر عظيم.

ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فلقاه الله رحمة به، فقال الله يرحمك ربك

ثم قال الله: يا آدم اذهب إلى هؤلاء النفر فقل لهم فانظر ماذا يقولون؟

فجاء فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

فقال: يا آدم هذا تحيتك وتحية ذريتك.

قال يا رب: وما ذريتي؟

قال: اختر "احدى" يدي يا آدم،

قال: أختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين، فبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن، فإذا رجال منهم أفواههم النور، وإذا رجل يعجب آدم نوره،

قال يا رب من هذا؟

قال ابنك داود

قال: يا رب فكم جعلت له من العمر؟

قال جعلت له ستين

قال: يا رب فأتم له من عمري حتى يكون له من العمر مائة سنة، ففعل الله ذلك، وأشهد على ذلك.

فلما نفذ عمر آدم بعث الله ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟

قال له الملك: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد ذلك، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته".

وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي".

وعن الحسن قال: خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى، فألقوا على وجه الأرض؛ منهم الأعمى والأصم والمبتلى.

فقال آدم: يا رب ألا سويت بين ولدي؟

قال: يا آدم إني أردت أن أُشكر.

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم قال اذهب فسلم على أولئك "النفر" من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن".

 وعن ابن عباس، قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أن أول من جحد آدم، أن أول من جحد آدم، أن أول من جحد آدم. أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلاً يزهر، قال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك داود،

قال أي رب كم عمره،

قال: ستون عاماً،

قال: أي رب زد في عمره.

قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاماً. فكتب الله عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة. فلما احتضر آدم أتته الملائكة لقبضه، قال: أنه قد بقي من عمري أربعون عاماً.

فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود

قال: ما فعلت، وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة.



{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا }

ُسئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئل عنها فقال: "إن الله خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون".

فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق الله العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار".

وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر، وقسمتهم قسمين: أهل اليمين وأهل الشمال، وقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي.



فأما الإشهاد عليهم واستنطاقهم بالإقرار بالوحدانية؛ فجاء فى الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلاً قال:

{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}.



وعن أبي بن كعب، في قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية والتي بعدها.

قال: فجمعهم له يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فخلقهم ثم صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهد عليهم أنفسهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}الآية.

قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن لا تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، وإني سأرسل إليكم رسلاً ينذرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتابي.

قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقروا له يومئذ بالطاعة.

ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك،

فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟

فقال: إني أحببت أن أشكر.

ورأى فيهم الأنبياء عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً}

وعن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول نعم. فيقول قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي".



ولما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، امتثلوا كلهم الأمر الإلهي، وامتنع إبليس من السجود له حسداً وعداوة له، فطرده الله وأبعده، وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها، وأهبطه إلى الأرض طريداً ملعوناً شيطاناً رجيماً.



عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".

ثم لما اسكن آدم الجنة التي أسكنها ، أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام، يأكلان منها رغداً حيث شاءا، فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها، سلبا ما كانا فيه من اللباس وأهبطا إلى الأرض. وقد اختلف العلماء في مواضع هبوطه منها.

واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة

عن ابن عباس: أن الله قال: يا آدم إن لي حرماً بحيال عرشي، فانطلق فابن لي فيه بيتاً، فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي، وأرسل الله له ملكاً فعرفه مكانه وعلمه المناسك، وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قربة بعد ذلك.

وعنه:أن أول طعام أكله آدم في الأرض، أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة، فقال: ما هذا؟

قال:هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها

فقال: وما أصنع بهذا؟

قال: ابذره في الأرض، فبذره. وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف، فنبتت فحصده، ثم درسه ثم ذراه، ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه، فأكله بعد جهد عظيم. وتعب ونكد، وذلك قوله تعالى:{فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}.

وكان أول كسوتهما من شعر الضأن: جزاه ثم غزلاه، فنسج آدم له جبة، ولحواء درعاً وخماراً.

وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت معه، والآخر بالأخرى وهلم جرا، ولم يكن تحل أخت لأخيها الذي ولدت معه.

ذكر قصة ابنى آدم قابيل و هابيل


قال الله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ{

ونذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك.

أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى "البطن" الآخر وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وكان أكبر من هابيل، وأخت قابيل أحسن، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قرباناً، وذهب آدم ليحج إلى مكة، واستحفظ السماوات على بنيه فأبين، والأرضين والجبال فأبين، فتقبل قابيل بحفظ ذلك.



فلما ذهب قربا قربانهما؛ فقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي،

فقال: إنما يتقبل الله من المتقين.

وروي عن ابن عباس: وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده!

وذكر أبو جعفر : أن آدم كان مباشراً لتقريبهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم: إنما تقبل منه لأنك دعوت له ولم تدع لي. وتوعد أخاه فيما بينه وبينه.

فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي، فبعث آدم قابيل لينظر ما أبطأ به، فلما ذهب إذا هو به، فقال له: تقبل منك ولم يتقبل مني.

فقال: إنما يتقبل الله من المتقين.

فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله.

وقيل: إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته.

وقيل: بل خنقه خنقاً شديداً وعضه كما تفعل السباع فمات. والله أعلم.

وقوله له لما توعده بالقتل:{لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} دل على خلق حسن، وخوف من الله تعالى وخشية منه، وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله.

ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه".



وقوله:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} أي إني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى، إذ قد عزمت على ما عزمت عليه، أن تبوء بإثمي وإثمك، أي تتحمل إثم مقاتلتي مع ما لك من الأثام المتقدمة قبل ذلك

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل".



{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ}.



ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة، وقال آخرون حمله مائة سنة، ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين أخوين، فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر، فلما قتله عمد إلى الأرض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه، فلما رآه يصنع ذلك{قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} ؟ ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.

وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزناً شديداً
وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه؛ فعلقت ساقه إلى فخذه، وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت، تنكيلاً به وتعجيلاً لذنبه وبغيه وحسده لأخيه.

و قد رزق الله آدم بعد وفاة ابنه هابيل  بإبن سماه آدم و حواء  " شيث "
ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل.

 قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة".


ذكر وفاة آدم و وصيته لابنه شيث


ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادات تلك الساعات، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.

قال: ويقال أن أنساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا. والله أعلم.

ولما توفي آدم عليه السلام - وكان ذلك يوم الجمعة - جاءته الملائكة بحنوط، وكفن من عند الله عز وجل من الجنة، وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثاً عليه السلام.



عن أبي بن كعب، قال:

إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ أو ما تريدون وأين تطلبون؟

قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة،

فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضي أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك، فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل.



فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه، وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره،ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم.

واختلفوا في موضع دفنه: فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط عليه في الهند، وقيل بجبل أبي قبيس بمكة

وقد ماتت بعد حواء بسنة واحدة.

واختلف في مقدار عمره عليه السلام: وقد ذكرنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعاً: أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة.



وقال عطاء الخراساني: لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبع أيام. رواه ابن عساكر.

فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي ذر مرفوعاً أنزل عليه خمسون صحيفة.

سيرة ومسيرة: خادم القرآن الكريم..الشيخ محمد الخالدي

لحمدُ لله الذي انْعم علينا بالإسلام، وَ رزقـنَـا هذه الهداية بعد الجهْل والضَـلال،

وصلّى الله على سيّدنا محمّد الهادي البشير، وَ السّراج المنـير،

وعلى آله وصحْبه، ومَنْ تَبعه إلى يوْمِ الدين ..

وبـعْـد ..





أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال


سيرة ومسيرة: خادم القرآن الكريم..الشيخ محمد الخالدي
الكـاتب : محمد ديرا
بداية أستأذن روح الفقيد العزيز لأكتب هذه السطور هدية مني إليه، وعربون تقدير وإجلال وحب ووفاءٍ لرجل كبير، أُدرك تماماً أن القلم وبضع كلمات لن توفيه حقه، لكن حسب هذه المقالة أن تميط عنه بعض اللثام، ليكون ذلك حافزا ودافعا لآخرين ليكتبوا حتى يعرف الجميع بأننا أمام رجل وأي رجل.

مَن ذاك الرجل الوقور، الأبيض اللون، الساطع النور، ذا اللحية البيضاء والذي إذا جالسته تشم منه رائحة القرآن الكريم؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يعرفه أحد باسمه وكان مشهورا بلقبه حتى إنك إذا سألت شخصا من منطقة تافيلالت أو نواحيها عن شخص يسمى "محمد الخالدي" لم يكد يعرفه، وما أن تقول له "الشِّيخْ" حتى يقول لك: "نعم ومن لا يعرف الشِّيخْ"؟ مَن ذاك الرجل الذي لم يكن يناديه أحد من طلبته أو تلاميذه أو عامة الناس إلا باسم "سِيدِي" وقد كان بالفعل من سادة الناس وخيرهم.فَمَن الرجل؟.

مولده وحياته

ولد الشيخ محمد الخالدي - رحمه الله- سنة 1936م بإحدى مناطق تافيلالت بالجنوب الشرقي للمغرب، حفظ القرآن الكريم على يد والده والشيوخ إهلال الهلالي وابنه حسن الهلالي والحاج محمد الغرفي - رحمهم الله-، درس الفقه، والحديث، والنحو، والشيخ خليل، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، وابن عاشر متناً وشرحاً، والألفية، والأجرومية، ولامية الأفعال، والزواوي، ومتن العاصمية، والبيقونية في علم الحديث وغير ذلك من المتون، كما درس علم الفرائض والعقائد والتجويد وغيرها من العلوم، وذلك على يد الشيخين الفاضلين السيد المدني وعبد الرحمن جعفري الهواري - رحمهم الله-، عُين سنة 1956 إماماً وخطيباً بمسجد قصر تاغنجاوت " يطلق على دواوير منطقة تافيلالت قصور، والقصر يضم "دوارا" بكامله وله باب أو بابين ومحاط بأسوار".

مشروعه الكبير:

حمل الرجل - رحمه الله- وهو في سن مبكرة مشروعاً أُخْرَوِيّاً كبيراً ندر إليه حياته كلها، حيث بدأ سنة 1958 في استقبال وفود الطلبة من مختلف مناطق المغرب ليُحَفِّظَهم القرآن الكريم ويعلمهم إياه، وقد استمر في ذلك إلى 2010 سنة وفاته - رحمه الله-؛ ليكون من ثمار هذا المشروع الذي استغرق 52 سنة من تحفيظ القرآن الكريم في مسجد يضم أزيد من مائة طالب تتجدد باستمرار آلالافَ الطلبة الذين حفظوا القرآن الكريم على يديه، حتى إن البعض يقدر العدد بأزيد من 4600 حافظ، والأكيد أن هؤلاء حفظ على أيديهم آخرون؛ ليكون عمله هذا صدقة جارية إلى يوم القيامة، ولِيكون مشروعه مربحاً وبشكل كبير، بشرى لك سيدي إذ تركت سجل صحيفتك مفتوحاً (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)) وقد تركت الصدقة الجارية حيث تصدقت بمالك وجهدك ووقتك وشبابك بل وحياتك كلها على خدمة القرآن الكريم وأهله، وجمعت في صدور الناس وحي الله العزيز، وتركت آلالاف الأولاد الصالحين الذين علمتهم كتاب ربهم يدعون لك، وقبل هذا وبعده وأثنائه نلت شهادة "الخيرية" التي منحها النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعلم القرآن الكريم ومُتعلمه: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).

ولم يكتف الشيخ بتحفيظ الطلبة أو "المُرَتِّبِين" (كما يسميهم أبناء منطقة تافيلالت) القرآن الكريم فحسب، بل كان يعمل على إيوائهم وتوفير المأكل والمشرب والمسكن لهم دون أي مقابل مادي، وقد كان يبذل في ذلك - رحمه الله - جهداً كبيراً بحثاً واتصالاً بالمحسنين.

من المسجد إلى المدرسة

كان الشيخ يُدَرِّس الطلبة في مسجد قصر تاغنجاوت، وبعد ذلك اتصل ببعض المحسنين لبناء مدرسة قرآنية بالمنطقة، وقد أثمرت هذه الجهود بناء الجزء الأول من المدرسة سنة 1996، والجزء الثاني سنة 2002 على نفقة رجل اسمه الحاج حيدة - رحمه الله - أحد محسني مدينة الدار البيضاء، وقد بنيت المدرسة بجانب قصر تاغنجاوت.

مصاحبتي للشيخ

في صيف 1995 قضيتُ عند هذا الشيخ الفاضل الوقور - رحمه الله - مدة شهرين كاملين شاهدت فيها عن قرب جهاد الرجل، وبذله، وحبه لطلبته، وتفانيه لخدمتهم، وكذا عبادته وزهده وغير ذلك كثير.

وفيما يلي بعض مشاهداتي فقط إذ يعجز القلم عن التعبير عن أعمال الرجل الجليلة:

- لم تكن للشيخ - رحمه الله - أوقات عمل يبدأ فيها وينتهي، بل كان يقضي الليل والنهار في عمل وسط طلبته بما في ذلك المبيت والمأكل والمشرب، وذلك على الرغم من أن بيته كان لا يبعد عن المسجد إلا خطوات، وعلى الرغم من أن زوجه كانت وحيدة فيه " للشيخ ثلاث بنات متزوجات ولم يكن له ولد ذكر" أما حاجات البيت اليومية فقد كان يرسل أحد طلبته لينظر فيها.

- كان رغم سِنِّه ومرضه لا ينام حتى يصل موعد نوم طلبته وهو الثانية عشرة ليلاً صيفاً وشتاءً، ويستيقظ على الساعة الثانية والنصف صيفاً وشتاءً أيضاً، ثم يوقظ طلبته بكلمة واحدة منه، ومن لم يستيقظ كان له معه شأن آخر.

- كان يُشرف على وضوء طلبته بعد الاستيقاظ المبكر حتى يصعد الجميع لسطح المسجد للمراجعة.

- كان - رحمه الله- بين الفينة والأخرى خلال اليوم ورغم سنه يقوم بجولة على جميع المرافق التابعة للمسجد والمكَوَّنة بالإضافة إليه من طابق علوي وسطح، ليبحث عن نائم هنا أو متكاسل هناك.. بل كان يصعد حتى الصومعة.

- كان يجلس بعد تناول وجبة الإفطار وسط المسجد متكأ على سارية من سواريه ليراقب الجميع.. يحفظ أحدهم فيذهب عنده للاستظهار، فيأذن لهذا بمسح لوحه ويأمر الآخر بالمزيد من الحفظ.

- عند الساعة العاشرة والنصف تقريباً يكون الكثير من الطلبة قد مسحوا ألواحهم، فتجد أمام الشيخ أزيد من ثلاثين طالباً في حلقة حوله ليُملي عليهم، إذ كان يمنع الكتابة من المصاحف.. فتجد هذا يقول: يرحمك الله سِيدِي ( سيقول السفهاء..)) فيتمم له الشيخ والطالب يكتب، ومباشرة يقول آخر: يرحمك الله سِيدِي ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا..)، فيتمم الشيخ والطالب يكتب، وهكذا تجد الشيخ يملي على الطلبة آيات مختلفة من القرآن الكريم دون خطأ ولا كلل ولا تعب.. وفي نفس الوقت تجد الشيخ وهو يملي مشتغلاً بتصحيح لوح أحد الطلاب الذي أكمل الكتابة، وفي ذات الوقت يستمع لطالب آخر يستظهر عليه أو يقرأ عليه بعد أن صحح له الشيخ لوحه، كل ذلك في مشهد يصعب تصديقه لمن لم يره، مما يجعل الأجواء أكثر روعة في رحاب الله - تعالى- وفي ظلال كتابه العزيز، وفي حضن أب وشيخ مجد مجتهد عطوف، لكن في نفس الوقت شديد وصارم على الطالب الذي ينام في غير وقت النوم، أو يتكاسل في وقت الاجتهاد، وقد كان - رحمه الله - يضرب طلبته من أجل ذلك، وكم يكون المشهد رائعا حينما يجد الشيخ طالبا متكاسلا فيضربه مهما كان سنه، فينزل الطالب "المضروب" على يد الشيخ يُقبلها، فتجد الشيخ يعانقه في لحظة أبوية حانية، ثم يأمره بأن يذهب للحفظ والاجتهاد، وبعد ذلك تجد الشيخ في وقت الاستراحة يتفقد الطلبة الذين نالهم حظهم من الضرب ليمازحهم ويضاحكهم، مما كان يجعل مكانة الشيخ تكبر وتزداد رفعة عند طلابه؛ لأنه كان بالفعل أباً بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

قد يرفض البعض أسلوب الضرب من الشيخ، لكن الطالب حين يختار الذهاب لحفظ القرآن الكريم عند الشيخ فإنه يكون على علم بأسلوبه وطريقته وبرنامجه المكثف؛ لأن ذلك معروف في كل منطقة تافيلالت تقريباً، وعلم الطالب بذلك وقبوله به يعد بمثابة تعاقد بين الشيخ والطالب، وكم من طالب ذهب إلى مدارس أخرى للحفظ فلم يجد بُغيته فشد الرحال إلى الشيخ الجليل.

- كم شاهدت الشيخ - رحمه الله- في حزن وبكاء حين يأتي أحد الطلبة ليودعه، وخاصة إذا كانت مغادرته لعدم قدرته على تحمل البرنامج اليومي للشيخ، كان بالفعل رحيماً حنوناً عطوفاً رحمة الله عليه.

- كم شاهدته - رحمه الله - يصعد بغذائه القليل جداً، وحين يرى في وجه بعض الطلبة رغبة في المزيد يعطيهم نصيبه كاملاً وينزل إلى المسجد ويبقى دون أكل إلى الليل، وقد كان يجمع التمور التي يجنيها من أملاكه ويقدمها لطلبته في وقت الضحى.

- كان يذهب للسوق يوم الخميس الذي هو يوم عطلة فيلتقي أحد المحسنين فيعطيه بعض المال، فيأتي به الشيخ للطلبة ويوزعه عليهم، لم يكن في حاجة إلى الدنيا بل كان كل همه وشغله طَلَبَتُه.

- ذات خميس كنت جالساً بجانبه بعد أن أتيت معه من السوق ننتظر أذان صلاة المغرب، فبارك له أحدهم حصوله على وسام (حصل - رحمه الله - على وسامين وجوائز وتكريمات) فقلت له مازحاً: "هنيئاً" فأشار بيده غير مبال وقال لي: "... نحن نريد الوسام من الله تعالى"، وما قاله بالإشارة كان أكبر من العبارة، وما ذكره بالتلميح كان أكبر من التصريح، زهد تام في الدنيا وإقبال كلي على الآخرة.

- كان يداوم - رحمه الله - على صيام الاثنين والخميس صيفا وشتاء.

- كان دائم قيام الليل ومكثراً من النوافل رغم أنه كان يغضب حينما يجد طالباً يصلي النوافل في وقت الحفظ أو المراجعة، وقد كان العديد من الطلاب يهربون من الحفظ بدعوى صلاة النوافل وكانت النفس تجد راحة في ذلك، لذلك كان الشيخ يصر على أن يحافظ الطلبة على صلاة الجماعة وكان يتابعهم في ذلك، لكن بعد الصلاة المفروضة يجب الإقبال على الحفظ أو المراجعة حسب توقيت كل منهما.

- لم يترك الشيخ عمرة رمضان منذ خمس عشرة سنة، حتى أن سارية بالمسجد الحرام كانت تُعرف باسمه، وكل من ذهب للعمرة وأراد أن يراه كان يجده فيها.

أكتفي بهذا القدر؛ لأن أعمال الرجل أكبر من العد والحصر.

وفاته - رحمه الله -

أصيب الشيخ بمرض ظنه المحيطون به والمقربون منه نزلة برد فقط، لكن حينما اشتد عليه المرض وأصبح يصاب بنوبات أشبه بالصرع ذهبوا به إلى مدينة الدار البيضاء للكشف والعلاج، وهناك وجدوا أن الدم تخثر في رأسه، فأجريت له عملية جراحية كُللت بالنجاح، لكن الله - عز وجل - أراد خادم كتابه إلى جواره، وهكذا وفي صبيحة يوم الاثنين 25 محرم الحرام 1431/ 11 يناير 2010 وفي طريق عودته إلى مدينة الريصاني من رحلة العلاج وبالضبط بمنطقة زاوية الشيخ لبى الشيخ الجليل محمد الخالدي نداء ربه، لينتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن خدم القرآن الكريم وأهله لأزيد من 52 سنة.

وقد شُيِّع جثمان الفقيد والراحل الكبير يوم الثلاثاء 26 محرم الحرام 1431/ 12 يناير 2010 في موكب مهيب حضره العديد من الفقهاء والعلماء الذين جاؤوا من مناطق شتى ومدن بعيدة بالإضافة إلى سكان المدينة ودواويرها.

رحمك الله سيدي محمد الخالدي رحمة واسعة وجعل مقامك في عليين، وأستميحك إن قصرت في التعريف بك، لكن محبتي لك ومحبتك أيضا لي وسؤالك الدائم عني دفعاني لأتشرف بالكتابة عنك، وكم كان ألمي شديدا وحزني كبيرا حين وصلني نبأ الوفاة فتذكرت تأخري عن زيارتك بعد أن التقيتَ والدي بالبيضاء منذ سنة تقريبا وسألتَ عني، وطلبت منه أن أزورك بمكان معين وتأخرت قليلا، وبعد أن هممت بالزيارة وجدتك سافرت فكانت حسرتي كبيرة.

ختاماً: أسأل الله - تعالى -أن يجعل القرآن العظيم مؤنسا لك في قبرك وشفيعا لك في حسابك.





سير الأنبياء وأعلام الأمة

أخوكم - يــوســـفي

اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

زياد علي

زياد علي محمد