السبت، 24 أغسطس 2019

محطات من حياة الدكتور مانع الجهني .. بقلمه

اسمي مانع بن حماد بن محمد الجهني، من قبيلة جُهَينة، وفخِذ مسكة، والفرع نما، وموقع قبيلة جهينة بين المدينة النورة وينبُع على الساحل الغربي، وحاضرة بلاد جهينة الآن هي مدينة (العيص)، ويبلغ مجموع سُكَّانها وما حولها من قرى هَجَرَ مائةَ ألف نسمة، وُلدْتُ في أرض (بلى) بين العيص والعلا، وميلادي مؤرَّخ كما في البادية، يقال: إنني ولدْتُ في سنة الثلج، وعندما سألت عنها قيل: إنها تتَّفِق مع سنة 1363 هـ تقريبًا، وبعد ولادتي أصيب والدي بألم في عينيه، وعانى معاناة شديدة في ذلك الوقت، ولم يتوافر له سوى العلاج المعروف (الكي)، ولم يكن في ذلك الوقت في المملكة مستشفيات أو أطباء، وبعد معاناة سنتين أو ثلاث أشير عليه أن يتوجه إلى الأردن بحثًا عن العلاج، توجه فعلاً إلى الأردن، وكان عمري ثلاث أو أربع سنوات، بقينا في الأردن إلى عام 1377هـ، وفي أثناء ذلك توفِّيَتْ والدتي وثلاثة من إخواني، وقد عولج والدي نصف علاج، وكل سنة يقول: نعود السنة القادمة إلى بلدنا.



دخلتُ كتَّابًا عند قبائل بني عطية مدة سنة في منطقة اسمها "الموجب" في جنوب الأردن، ثم دخلتُ مدرسة نظامية مدة سنة، بعد فترة عُدْنا المملكة، وكنت مؤهلاً لدخول الصف السادس، ولكن المدارس لم تقبل إلا شهادة الصف الرابع، فأدخلوني الصف الخامس.



كان مستوى الدراسة في الأردن آنذاك يبدو أفضل من مستواها في المملكة؛ لتركيزها على القراءة والرياضيات.



درست فترة وعملت بعدها في وزارة الصحة في إدارة مكافحة الملاريا لمدة ستة أشهر، ثم انتقلتُ إلى وظيفة في وزارة البرق والبريد والهاتف في قسم الهاتف، وكان عليَّ أن أكمل دراسة نظرية في القسم الهندسي، وكان راتبي 200 ريالٍ.



وكان هذا تدريبًا على رأس العمل (مدة ستة أشهر)، وتجاوزت المرحلة وعُيِّنْتُ.



في الطائف حصلت على الثانوي، وكنت الأول في القسم الليلي، والسابع مكررًا بالنسبة للثانوية، وكان لدي الرغبة في دراسة الهندسة، واضْطُررت إلى دخول الثانوية الأدبية؛ لأنه لم تكن هناك ثانوية علمية ليلية، ولأني في ذلك الوقت كنت أعمل مع بعض المهندسين دخلت قسم اللغة الإنجليزية.



تزوجت في عام 1385 هـ، وأنا في الطائف، وانتقلت أسرتي معي إلى الرياض، وكان لدي ثلاثة أطفال، كنت أعمل في القسم الهندسي، وهو يقوم على ورديات، ورتبت مع زملائي أن أدرس في الصباح وأعمل بعد الظهر والمساء، ولما انتهيتُ نُقِلَت خِدْماتي من وزارة المواصلات التي كانت تشمل البريد والبرق والهاتف، ووزيرها في ذلك الوقت كان الراحل حسين المنصوري، وكان صَدَرَ قرار بعدم نقل الفنيين من الوزارة، ولكن عندما تقدمت إليه وقلت له: إنني حصلت على تقدير يؤهلني للابتعاث في جامعة الملك سعود، وإنني لم آت من الطائف إلا بهدف الدراسة، فكان الرجل متفهمًا، وقال: إنني لا أحب أن أقف في طريق أحد، وإنك شاب عصامي، واستطعت أن تنهي الجامعة وأنت تعمل، وأنا أوافق على نقلك، ولكن بشرط أن تكون بالفعل كما قلت، فعرضت عليه خطابًا يبيِّنُ أن هناك وعدًا بذلك، بعدها ابتُعِثْت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.



حجازي في الأردن:

كنت أرعى الغنم في الأردن، فعندما انتقلنا من المملكة في السنوات الأولى سكنَّا مع قبائل بني عطية في منطقة البادية.



بقيت ثلاث سنوات في الأردن، وكنت صغيرًا في السن، وقد كتبت سيرتي الذاتية باللغة الإنجليزية، وما دعاني إلى كتابتها بالإنجليزية أن المعلومات التي فيها عن البادية وأحوالها تَهُم القراء الغربيين كثيرًا، وأسميتها "بدوي يصبح إنجليزيًّا " وذكرتُ فيها السنوات الثلاث التي قضيتها في رعي الغنم، ثم دراستي في الكتَّاب في منطقة البادية مدة سنة.



تشكيل الوعي:

كان كثير من الناس في ذلك الوقت يدركون أهمية التعليم، وكان والدي أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولكن كان حريصًا على تعليمي وعلى أن أدخل المدرسة النظامية عندما كان مع بدو بني عطية اعتبرني الكتَّاب من المتفوقين؛ لأنني حفظت الألِف باء، وكتبتُها في عصر يوم واحد، واستغربوا كيف أحفظ الألِف باء في عصر يوم واحد، وأشار الشيخ على الوالد أن يأخذني إلى مدرسة نظامية، وكنت حفظْتُ شيئًا من القرآن، مع التركيز على القراءة والكتابة وبعض الحساب، وكان لدي الرغبة في التعليم، وكذلك والدي، مع أنه لم يكن يقرأ أو يكتب، ولما جئت جدة وتوظفْتُ مؤقتًا، كان الواضح أن الشهادة هي الطريق إلى الوظيفة، وكان لدي رغبة وميلاً إلى التعلُّم، ولاحظت ذلك من أيام كنت في الأردن، ففي الأردن حصلت على الترتيب الثالث مع أنني كنت بدويًّا لا أعرف شيئًا.



ومما أذكره أنه في البداية قال لي المدرس: افتح على التمرين ثلاثة، فما كنت أعرف التمرين ثلاثة، وكنت لا أعرف غير صفحة ثلاثة، فضربني، وكانت درجاتي في نصف السنة ضعيفة، ولكن في نهاية السنة كان ترتيبي الثالث.



لما جئت إلى المملكة كنت الأول دائمًا في مدرستي، فكنت الأول على المملكة في الثانوية الليلية، والسابع مكررًا في الثانوية العامة كلها، كان لدي الرغبة في القراءة، فكنت أتعامل مع أحد الإخوة اليمنين في الطائف من الذين يبيعون كتبًا مستعملة، فكان يرفع سعر الكتاب الذي أختاره؛ لأنه كان يعتبر الكتاب الذي اختاره كتابًا ممتازًا.



الزواج:

بعد أن جئتُ إلى الطائف، ومكثتُ سنة أو سنتين، وبعد أن حصلتُ على الكفاءة المتوسطة ذهبت وتزوجت هناك.



وبالنسبة لي كانت رحلة تثقيفية؛ لأنني انقطعتُ عن المنطقة وعاداتها، فرأيت في هذه الرحلة تقاليدهم وعاداتهم في الزواج وأشعارهم وغيرها من الأمور التي لا يراها الإنسان إلا في مواقعها الأصلية، ومن الملاحظ أن في ليلة العرس تُنصَب راية، وتغني مجموعة، ويلقى شِعْرٌ مدحًا للعروسين يسمونه "بشانة"، ويقال بشكل محسوب، وإن كان أصبح "كليشة" يقال لأي عريس.



وهذا يشبه (الدحة) في الأردن، ولكن الدحة أعم، ولكن لكل عريس وعروسة بشانة خاصة، ويذكرونهما بالاسم، ويذكرون مآثر أسرته، وأحيانًا يصفون العروس وصفًا جسديًّا من دون أن يروها، وكان حفل الزواج يستمر أسبوعًا.



الدراسة:

بعد أن حصلت على البكالوريوس كان تقديري في اللغة الإنجليزية (ممتاز)، والتقدير العام كان جيدًا جدًّا فاختار القسم مجموعة من المعيدين للابتعاث، فَاخْتِرْتُ للابتعاث في قسم اللغة الإنجليزية.



دراستي للماجستير كانت في مجال اللغة الإنجليزية تاريخًا ونحوًا وصرفًا وتراكيبَ وغيرَها في أواخر 1972م: 1393هـ واصلت الدكتوراه في المجال نفسه، وتخصصي المساعد كان في علم اللغة، وهو علم تطبيقي في أي لغة من اللغات، وكانت تطبيقاتي التي ركزت عليها هي (اللغة الإنجليزية) على الرغم من أنني كتبت رسالة دكتوراه عن المعرفة والنكرة في اللغتين العربية والإنجليزية (دراسة تقابلية مقارنة).



أحببت أن أدخل اللغة العربية فقط خدمةً للغة في هذا المجال؛ لأنه بحكم التخصص يُشعِر الإنسان أنه انقطع عن الثقافة العربية.



السفر إلى أمريكا:

ذهبت في البداية وحدي بعد أن كاتبت عددًا من الجامعات وجاءني قبول من مجموعة منها، واخترت جامعة أنديانا في وسط الولايات المتحدة الأمريكية لتوسطها، كنت في (بلومنجتون) وكان فيها الموقع الرئيسي للجامعة، وفي الجامعة كان يوجد 40 ألفَ طالبٍ، وهي تبعد عن شيكاغو حوالي 5 ساعات بالسيارة، ذهبت إلى هناك بعد أن عملت بعض الاتصالات، ولما صلت كان معظم الطلاب يلتحقون بدورات في اللغة، ولكنني لم أفعل ذلك؛ لأنني متخصص أصلاً في اللغة الإنجليزية، وبدأت في البرنامج (الماجستير ثم الدكتوراه).



في أمريكا دخلت عالمًا جديدًا، وأذكر بعض الخبرات الطريفة:

في نيويورك سكنت في أحد الفنادق، وأنا في طريقي إلى أنديانا، وكان فندقًا من الفنادق السيئة، ولكوني طالبًا فقد اخترته، ربما لرخص أسعاره، ولكنني وجدت دورات المياه جماعية، ولم يكن الفندق مكيفًا، وعندما توضأت للصلاة كان لا بد أن أغسل قدمي، ورآني أحدهم، فتساءل غاضبًا: كيف أغسل قدميَّ في مكان يغسل فيه الناس وجوههم؟



لأنهم يملؤون الحوض بالماء ويغسلون فيه وجوههم، وكان الرد الذي خطر ببالي أنَّ قدمي أنظف من وجوهِ كثيرين، ولكنْ كان الرجل طويلاً، فخشيت العواقب! فحاولت أن أُفْهِمَه أنني لم أقصد شيئًا، وإنما أتوضأ لأُصَلِّيَ.



المدن الكبيرة مزعجة، والحياة فيها خطرة، ولكن وجدت "بلومنجتون" - مدينة جامعية - الأوضاع فيها أفضل بكثير، فهي مستقرة وهادئة، ولا توجد مقارنة بينها وبين مدن أخرى مثل: نيويورك وشيكاغو وغيرهما.



ذهبت إلى هناك في السنة التي كان فيها حظر تصدير البترول للدول الغربية في أيام الملك فيصل - رحمه الله - وكان هناك عداءٌ كبير جدًّا للعرب في وسائل الإعلام بسبب هذه الخطوة، فتوقعت أن يكون هناك عنت، ومن ثم لم آخذ أولادي معي، خفت أن يعصرونا ليطلعوا منا (بترولاً)! وقلت لأولادي: اجلسوا هنا حتى نقيم الأمور، وهناك وجدت الأمور أفضل بكثير مما تصورت، وبقيت ستة أشهر، ثم عدت فأتيت بهم.



لما وصلت إلى "بلومنجتون" وجدنا الناس هناك - الطلاب - لا يصلون الجمعة؛ لأنه لم يكن هناك مركز إسلامي أو مسجد، وكان لي قبل أن أسافر إلى المملكة نشاط متواضع في مجال الدعوة، وكنت أحضر دروس بعض المشايخ، فكنت أدرس عند الشيخ عبدالرؤوف الحناوي رحمه الله، والشيخ عبدالله بن جبرين في الدراسات الشرعية، فوجدت الطلاب المسلمين هناك لا يصلون الجمعة، فقلت لهم: إنَّ أعدادنا كبيرة، والمفروض أن نصلي الجمعة، ونسَّقْنا مع بعض الإخوان، وحجزنا مكانًا يسمى "بيت الطلاب" لنصلي فيه الجمعة ويخطب أحدنا، وبعد الصلاة يُستخدَم للمناشط الأخرى، كإقامة الحفلات وغيرها.



وسعيت بعد فترة مع بعض الإخوان وبعض المحسنين في المملكة وبنَيْنَا مركزًا إسلاميًّا في مدينة "بلومنجتون" وأصبح منطلقًا للنشاط الدعوي في هذه المدينة، واصلتُ الدراسة في أمريكا نحو تسع سنوات، نلت خلالها الماجستير والدكتوراه.



كنا نقوم بنشاطات ملموسة، وبخاصة بعد أن اشترينا مكانًا وحوَّلناه إلى مسجد، وكونَّا لجنة لاستقبال الزملاء الذين يأتون للدراسة في المطار، ونعرفهم على الجامعة، ونساعدهم في إيجار البيوت، وهذا لم يكن موجودًا، أذكر أنني عندما أتيت إلى الجامعة سكنَّا في فندق عدة أيام، وكنت أسأل المسؤولين في الفندق: هل يوجد عرب أو مسلمون هنا؟ فقيل لي: إن هناك مصريًّا اسمه سليمان، فذهبت إلى سليمان فَرِحًا فوجدته قبطِيًّا، وقال لي: المدينة ملأى بالمسلمين، وفيها عرب، بل فيها سعوديون - وقد تَعرَّفت عليهم لاحقا - ومن المزايا في الدراسة في أنديانا أن وزارة المعارف كانت توفد مُدَرِّسين إلى هناك للتدريب والحصول على الدراسات العليا، فكانت "بلومنجتون" إحدى مدينتين في أمريكا اخْتِيرَتَا لهذا الغرض، فكان ذلك فرصة لِلِّقاء بعدد كبير من الشباب، ومن جملة الذين تعرفْتُ عليهم وسعدت بمعرفتهم: الدكتور: محمد بن أحمد الرشيد وزير المعارف، والدكتور: إبراهيم الدريس، الدكتور: محمد الصايغ، الدكتور: عبدالله العمران، وكلهم في وزارة المعارف، وانتقلوا إلى أماكن أخرى.



مفتي الديار:

بين ليلة وضحاها اكتشفْتُ أنني أصبحت مفتِيَ الديار التي كنت فيها؛ لأنني كنت أكبر الموجودين سنًّا، وكنت - على الرغم من اطلاعي المحدود وثقافتي الإسلامية المحدودة - أفضلَ الموجودين، في البداية نصَّبَتْني الظروف، وعندما أصبح هناك فرع لاتحاد الطلاب المسلمين انتُخِبْت رئيسًا لدورتين، وكنت عضوًا في اللجنة الفقهية لاتحاد الطلاب المسلمين في كندا وأمريكا، وقمنا ببعض النشاطات، وإلى جانب كوني رئيسًا لاتحاد الطلاب في "بلومنجتون" أسهمت في إنشاء رابطة الشباب المسلم العربي؛ لأن الطلاب العرب الذين يأتون من الدول العربية كانوا يواجهون مشكلات في الاتصال والتخاطب حتى بعد إجادتهم اللغة الإنجليزية، وقدَّمْنَا المسلم على العربي؛ لأن الرابطة تَوَجُّهُها إسلامي، وكنت أولَ أمين عام لها، وأصبح لها فروع في عدد من الجامعات الأمريكية، وخلال وجودي هناك، وفي إحدى الزيارات للمملكة كان هناك اتصال بإحدى مخيمات الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وكانت في ذلك الوقت ناشئة؛ إذ مر على إنشائها أربع أو خمس سنوات، وكان المخيم في "أبها" فحضرته، ومن ذلك الوقت بدأت علاقتي بالندوة.



فكرة الندوة:

وجدت فكرة الندوة قبل أن يكون لي بها صلة، ففكرتها - حقيقة - أنه كانت هناك أطروحات كثيرة تحاول استقطاب الشباب المسلم في أنحاء العالم، ومن بينها أطروحات القذافي (النظرية الثالثة) فلما دعا إلى مؤتمر عُقِدَ في طرابلس، وحضره مشاركون من أمريكا ومن دول أخرى كثيرة، ومن بينها المملكة، وطرح قضية (النظرية الثالثة) وهي فكرة جريئة وجيدة، لو كانت نُفِّذَت التنفيذ المخلص.



والنظرية الثالثة: ملخصها أن هناك الشيوعية ومنهجها الاشتراكي، والرأسمالية ومنهجها أيضًا، وهما منهجان فاشلان، والمنهج الإسلامي هو الطريق السليم، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان من المسلمين، ولكنه ربطها بكتابه الأخضر، وببعض التصرفات التي أفقدتها قيمتها بالإضافة إلى قيامه بحملات اعتقال ضد الشباب الإسلامي في ليبيا، وكان المؤتمر جريئًا جدًّا، وقيل له وقتها: أنت تريد أن تدعو إلى الإسلام، وإلى نظرية ثالثة، وأنت غير سائر على الإسلام، فإذا كنت تريد أن تُقْنِعَنا بأنك جادٌّ فأخرج الإسلاميين المسجونين في السجون الليبية، وانقضى المؤتمر ولم يتحقق شيء، فَقَابَلَ من حضروا المؤتمرَ من السعودية الشيخَ: حسن آل الشيخ رحمه الله، وقالوا: الرجل يتخبَّطُ ويريد تكوين منظمة تُعنَى بالشباب، وتضم شباب الأمة، وهذه البلاد أحق بأن تقوم بهذا الدور، وقال: نناقش الأمر مع الملك فيصل - رحمه الله - وفعلاً كتبوا له التصوُّر، وعُرِضت القضية على الملك الذي كان يتبنَّى في ذلك الوقت قضية التضامن الإسلامي بقوة، من خلال رحلاته في إفريقيا وآسيا وغيرهما، وكانت عنده قناعة (رحمه الله) بأهمية هذا المنهج، وقبلها كان قد أنشأ بعض المؤسسات، مثل رابطة العالم الإسلامي التي لها أكثر من 35 عامًا الآن، لتدعم مفهوم التضامن بين الجمعيات والمراكز الإسلامية والجاليات في الغرب، وعلى المستوى الرسمي أُنشِئَت منظمة المؤتمر الإسلامي لتنسق وتَدعم التضامن الإسلامي بين الدول الإسلامية، ومن خلال التساؤل: لماذا لا تكتمل هذه المنظمة، فيتم إنشاء ندوة للشباب الإسلامي؛ ليتم التضامن بينهم وينشط هذا الجانب حتى تكتمل منظومة التضامن الإسلامي؟.



فقدمت إليه الفكرة، ورآها حسنة، وعقد مؤتمر في 1392 هـ، وبعده رفعت توصيات هذا المؤتمر، ومن جملتها: إنشاء منظمة باسم الندوة العالمية للشباب الإسلامي، فأنشئت منذ ذلك الوقت، ولا شك أنها قامت منذ ذلك الوقت بعدد من المناشط لتحقيق التضامن الإسلامي بين شباب الأمة والتنسيق بين المنظمات الشبابية والطلابية القائمة في ذلك الوقت، وكانت هناك مجموعة منظمات شبابية وطلابية نشطة؛ مثل: اتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا، وجمعية الطلبة المسلمين في بريطانيا، واتحاد الطلاب المسلمين في إندونيسيا، وكانت هذه الاتحادات نشطة حتى في المجال السياسي، وبعضهم أسهم بفعالية في تحقيق الاستقلال في بلدانهم، ومنذ ذلك الوقت، والندوة تقدم خِدْمات للطلاب، وتنشر الكتاب الإسلامي، وتقيم المخيمات واللقاءات التربوية والدورات التدريبية وغيرها، والاهتمام بقضايا المسلمين بصفة عامة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن - بحمد الله - بدرجة كبيرة من النجاح.



تعرفت إلى الإخوة في الندوة من خلال نشاطي في أمريكا، ولكن بعد أن حصلت على الدكتوراه، وعُيِّنْتُ أستاذًا مساعدًا في جامعة الملك سعود تطوعتُ معهم، وعُيِّنْتُ أمينًا مساعدًا في ذلك الوقت، والندوة مقرها الرئيسي في المملكة، وكان لها فرع في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يُشْرِف عليه أحد الإخوة في أثناء دراستي هناك.



أول من عمل أمينًا عامًّا لها هو الدكتور: عبدالحميد أبو سليمان، وكان أستاذًا للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الملك سعود، وكان الأمين العام المساعد فترة طويلة الدكتور: أحمد توتونجي، ثم جاء بعدَ الدكتور عبدالحميد الدكتورُ: أحمد باحفظ الله، ثم الدكتور: توفيق القصير، ثم جئت أنا في عام 1406 هـ.



الندوة منظمة شعبية وإن كانت قد أنشئت في المملكة وبتوجيه من الملك فيصل رحمه الله فهي شعبيَّة، وتحصل على معونة سنوية مقطوعة من حكومة المملكة العربية السعودية، ويديرها مجلس أمناء مُنتخب من الجمعية العمومية التي يتم اجتماعها كل ثلاث أو أربع سنوات، ولقاء الجمعية يتم كل مرة في بلد، ومعظمُ اجتماعاتها في المملكة، كان آخر لقاء في المملكة صدر كتابه في ستة مجلدات (ثلاثة باللغة الإنجليزية)، (وثلاثة باللغة العربية)، وكان عن الأقليات الإسلامية، وبعده عُقِدَ لقاءان أحدهما في ماليزيا، وآخر لقاءتها كان في الأردن.



ومجلس الأمناء يتكون من 23 عضوًا، وهو الذي يرعى سياسة الندوة، وينتخبون من بينهم الأمين العام، والأمين العام مع الأمانة العامة يُنفِّذون السياسة التي يضعها مجلس الأمناء.



مساهماتي من خلال الندوة:

أهم المساهمات من وجهة نظري الموسوعة الميسَّرة، فهي من الموسوعات المتميزة في السنوات العشر الأخيرة، وأصبح عليها إقبال شديد، وأصبحت مرجعًا سهلاً، تتوجه إلى الشباب، ومادتها مبسطة ومعروضة بتجرد وموضوعية، وفي آخرها حُكْم على المذهب، وتعطي بعض المراجع لزيادة الاطلاع لمن يريد التوسع.



هناك سلسلة تعتبر سيرة ذاتية كتبتُها باللغة الإنجليزية، لم تصدر بعدُ عناوينها (بدوي يصبح إنجليزيًّا)، (بدوي يذهب إلى أمريكا) (بدوي يصبح أمريكانيًّا)، (وبدوي يتأمرك)، ولم أنته من هذا الجزء، وفي المستقبل قد تعاد صياغته ليناسب ذوق القارئ العربي، وإن كنت لا أرى فيه شيئًا يستحق، لكنْ جزء من أسباب كتابتي لها باللغة الإنجليزية أنني كنت أريد أن أعرض بعض المفاهيم عن الإسلام والمفاهيم الدعوية بأسلوب سهل يفهمه القارئ الغربي العادي، وذلك عبر قصته.



والموضوعات التي تتعلق بحياة البادية تجد قبولاً في الغرب، كان هناك فلسطيني قام بمساعدة بريطاني بكتابة سيرة ذاتية، وطُبِعَت باللغة الإنجليزية، وترجمها الأستاذ: عزيز ضياء إلى اللغة العربية بعنوان (عهد الصبا في البادية)، وعلى الرغم من أنه كان يتحدث عن حياة طفل يرعى البقر أو الغنم، ولكنها لقيَتْ قبولاً كبيرًا؛ لأنها كتبت بأسلوب ولغة جيدين.



كتبي وعلاقتي بالأدب:

دراستي الجامعية كانت في الأدب، وأنا أحب الأدب، وكتبْتُ كتابا عن القصة القصيرة، وكتبت مقدمة طويلة عنها، والكتابة عندما تتم بالسليقة من دون معرفة تقنيات السرد، وأردت أن أذكرها لكُتَّاب القصة القصيرة لعلهم يطلعون عليه.



ولي كتاب عن كتابة المقالة صدَرَ عن نادي القصيم الأدبي، ومعالم القصة كتاب يضم مجموعة مقالات أيضًا عن القصة القصيرة، وسيصدر عن نادي الرياض الأدبي.



ولي بعض الكتب الإسلامية: قبل عشر سنوات صدر كتاب (الصحوة الإسلامية نظرة مستقبلية) وطبعَتْه الندوة، وكتبْتُ حديثًا (التضامن الإسلامي، الفكرة والتاريخ، ودور المملكة العربية السعودية) وحاولْتُ تعريف التضامن الإسلامي، واستعرضْتُ أهم الشخصيات التي دعت إليه مثل: محمود زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والشيخ: محمد عبدالوهاب، وحسن البنا، وجمال الدين الأفغاني، والكواكبي، ومحمد عبده، وغيرهم، ومساعي السلطان عبدالحميد، ثم دعوة الملك فيصل والمؤسسات التي أنشأها لتحقيق هذا التضامن: منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والصندوق الإسلامي للتنمية، وذكرت مقترحات عن كيفية تحقيق التضامن الإسلامي ودعمه، واقترحت إعادة هيكلة منظمةِ المؤتمر الإسلامي، بل وتسميتها (منظمة الوحدة الإسلامية) واقترحت أمورًا أخرى؛ مثل: سوق إسلامي، ومحكمة عدل إسلامية، وجيش إسلامي لحل الأزمات، وبرلمان إسلامي موحَّد. وقلت: إن ذلك كله يحتاج إلى من يتبناه، وإن المملكة هي المؤهلة لهذا الدور، وهذا ما يجعل الكتلة الإسلامية أقوى الكتل على الإطلاق في العالم؛ لما لديها من قدرة اقتصادية وبشرية، وتحتاج فقط إلى إرادة سياسية وتنظيم.



القصة القصيرة دخلَتْ عليها تيارات كثيرة جدًّا، وأصبحَتْ أنواعًا متعددة، والقصة التي تنتشر عند الناس هي التي تركِّز على الحبكة والسرد؛ أي: على الأحداث أكثر من تصوير الأشخاص.



وكما أن القصة قد أصبحت أنواعًا، فإن لها - بالإضافة إلى ذلك - تطويعات كثيرة، بعضها يركز في التحليل الداخلي والنفسي، وبعضها يركز في تحليل الشخصيات، وهناك قصص بلا منهج، وهذه اسمها (قصة التداعي).



كان الناس يقرؤون سيرة عنترة بن شداد وغيرها، وهي متواضعة من الناحية الفنية، ولكنها مليئة بالأحداث، والتركيز في الغرب الآن ليس على الحدث، وإنما على التحليل والرمزية المفرطة أحيانًا مثل شعر الحداثة الذي لا يكاد يُفهَم.



نحن نفتقد القراءة في العالم العربي، بينما تعتبر القراءة في العالم الغربي ناحية إيجابية؛ لأن الكتاب هو المصدر الرئيسي للمعلومات الجادة والموثقة، وعلى الرغم من المنافسة من التقنيات الحديثة إلا أنه سيظل له اليد الطولى في هذا الجانب، ولكن سيقل الاعتماد عليه؛ لأن هناك وسائل تشويق في الفضائيات وغيرها؛ حيث إنها ملأت وقت فراغ الناس على الرغم من أن الكتاب هو الأصل.



أهم المحطات:

الأبناء، مجموعهم: ثمانية عشر (أولاد وبنات)، والأحفاد: بنتان فقط.



إن من أهم محطات حياتي وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية، والعمل وسط الشباب الإسلامي، من خلال اتحاد الطلاب المسلمين، ورابطة الشباب المسلم العربي، والمساهمة في مناشط الاتحاد، فمنذ كنت رئيسًا للجنة التربية والتعليم، وعضوًا في اللجنة الفقهية (اتحاد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكي وكندا) كانت منظمة الطلاب العرب لها نشاط أيام عبدالناصر والمد البعثي، ولكن انحسر هذا النشاط في الفترة التي كنت فيها هناك، وكان نشاطها مقصورًا؛ مثل: (رقصة هز البطن في ليلة عربية)، وقد كتبت مقالة هاجمْتُهم فيها، وظل المد الإسلامي من السبعينات إلى اليوم.



وفي الندوة سعيت جاهدًا إلى دعم منظمات العمل الإسلامي، وأنشأنا منظمة لدعوة غير المسلمين، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، والمجلس العالمي للتعريف بالإسلام، ومقره في بريطانيا، والهدف منه تقديم رسالة الإسلام لغير المسلمين، وأنا رئيس مجلس أمنائه، وله نشاط في مجال تدريب الدعاة، وله بعض المطبوعات، وله نشاط طيب، كما أنه استطاع أن يغطي عددًا من الدول الإفريقية، وبحكم عضويتي في عدد من المنظمات الإسلامية؛ مثل: مجلس إدارة اللجنة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت، والهيئة العالمية للتعريف بالإسلام من خلال الإنترنت، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، الذي أُسِّس في مصر منذ 12 عامًا للتنسيق بين الجمعيات الخيرية الإسلامية في مجال الدعوة والإغاثة، ومن خلال الاطلاع على مشكلات العالم الإسلامي حاولنا تقديم بعض الخبرات والأشياء التي يمكن أن تخدم المسلمين في مجالات متعددة.



ولي أيضًا إسهامات متواضعة داخل المملكة، فأنا عضو في عدد من الجمعيات التي تُعنَى بالدعوة الإسلامية والعالم الإسلامي، فأنا عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو الهيئة العليا لمساعدة مسلمي البوسنة والهرسك برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وعضو في عدد من لجان وزارة الشؤون الإسلامية.



وقد كانت المحطة الأحدث اختياري عضوًا في مجلس الشورى، وكنت عضوًا في اللجنة الإسلامية مدة سنتين، وعضوًا في اللجنة التعليمية مدة سنة، والآن أنا عضو في لجنة الشؤون الثقافية والإعلامية، وعندي واحدة من أكبر المكتبات الشخصية، وهي موزعة في ثلاثة بيوت، وعندي كتب باللغة الإنجليزية بالذات ما لا يتوافر في المكتبات العامة، ولعلها تنسَّق في يوم من الأيام وتوضع في مكان يتيح الاستفادة منها.

نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية لفضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله

هذا العلامة المحدث الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد أطال الله في عمره على خير

هو الشيخ المحدث الفقيه العلامة السلفي الزاهد الورع ولا نزكي على الله أحدا.

عبدالمحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله ، ولد بالزلفي ،ولد الشيخ في رمضان من عام 1353هـ.
ودرس ونال الشهادة الإبتدائية فيها عام واحدٍ وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية،ثم انتقل الشيخ إلى الرياض ودخل معهد الرياض العلمي،وكانت السنة التي قدِم العلامة الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله من الخرج إلى الرياض وأول سنة يُدرسُ في هذا المعهد،ثم إلتحق شيخنا عبدالمحسن بكلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض،ودرس الشيخ في الجامعة وفي المساجد على يد العلماء الكبار أمثال الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبدالرحمن الأفريقي والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمهم الله أجمعين.
عُين مُدرساً بالمعهد العلمي ببريدة عام 1379هـ.
عُين مدرساً بالمعهد العلمي بالرياض عام 1380هـ.
ثم عُين مدرساً بالجامعة الإسلامية في عام إنشائها 1381هـ،وكان أول من ألقى فيها درساً-حفظه الله-.
وقد سمعتُ الشيخ يذكر بأنه درس على يد الشيخ عبدالرحمن الأفريقي في الرياض عام اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف والعام الذي تلاه درسَ عليه في الحديث والمصطلح،ويقول عنه:كان مدرساً ناصحاً وعالماً كبيراً،وموجّهاً ومرشداً وقدوة في الخير رحمه الله تعالى.

له علاقة خاصة مع الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وكان أول لقاء له مع الشيخ عام اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة،ودرسه نظامياً في السنة الرابعة من كلية الشريعة،وكان الشيخ عبدالمحسن يذكر أنه كان كثيراً ما يكون اتصالي به في الفسح بين الدّروس وفي المسجد وأزورهُ في المنزل.

لما جاء عام واحد وثمانين وثلاثمائة وألف رُشِحَ الشيخ للتدريس في الجامعة الإسلامية،وقد كان الشيخ في آخر عام تسعةٍ وسبعين وألف قد طلبَ من الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله أن يجعله في سلك التدريس فوافق على شرط أن يُدرسَ في الجامعة الإسلامية عند افتتاحها،فأجاب شيخنا:أنهُ على أتم الاستعداد.

ثم بدأ بالتدريس في هذه الجامعة الغراء منذُ أول عام واحدٍ وثمانين وثلاثمائة وألف،وقد كانت له صحبة مع شيخه عبدالعزيز بن باز رحمه الله خمسة عشر عاماً،وكان الشيخ مع تدريسه في الجامعة وكذلك الحرم-ولا يزال- عضو في مجلس الجامعة منذُ إنشائها وحتى عام ثلاثةٍ وتسعين عُيّنتُ نائباً للرئيس-وهو الشيخ عبدالعزيز رحمه الله-بترشيخ من الشيخ وموافقة من الملك فيصل رحمهما الله.

يقول الشيخ: كنت أتي إليه-يعني الشيخ بن باز رحمه الله-قبل الذهاب إلى الجامعة وأجلس معه قليلاً،وكان معه الشيخ إبراهيم الحصين رحمه الله،وكان يقرأ عليه المعاملات من بعد صلاة الفجر إلى بعد ارتفاع الشمس.
وفي يوم من الأيام قال لي:رأيتُ البارحةَ رؤيا وهو أنني رأيتُ كأنّ هناك بَكْرَةٌ جميلة وأنا أقودها وأنت تسوقها،وقال:أوّلتُها بالجامعة الإسلامية،وقد تحقق ذلك بحمد الله فكنتُ معه في النيابة مدّة سنتين ثم قمتُ بالعملِ بعدهُ رئيساً بالنيابة أربعةَ أعوام.

وكنت له صلات كثيرة مع أهل العلم وخاصة المدرسون في الجامعة أو من يسمع عنهم من أهل الفضل ومنهم الشيخ عمر فلاته رحمه الله.-ولنا وقفة من فيّ الشيخ عن صلته به-

للشيخ مؤلفات عديدة منها:
1- عشرون حديثاً من حديث البخاري.
2- عشرون حديثا من صحيح الأمام مسلم.
3- من أخلاق الرسول الكريم.
4- عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام.
5- فضلُ أهل البيت وعلوُّ مكانتِهم عند أهل السُّنَّة والجماعة.
6- عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر.
7- الرد على الرفاعي والبوطي.
8- الانتصار للصحابةِ الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي.
9- الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله نموذج من الرعيل الأول.
10-الشيخ عمر بن عبدالرحمن فلاته وكيف عرفته.
11-الإخلاص والإحسان والإلتزام بالشريعة.
12- فَضلُ المدينة وآدابُ سُكنَاها وزيارتِها.
13- من أقوال المنصفين في معاوية.
14- فضل آل البيت.
15- اجتناء الثمر في مصطلح أهل الأثر.
16- عالمٌ جهبذ وملكٌ فذ.
17- قبسٌ من هدي الإسلام.
18- دراسة حديث "نضّر الله إمراً سمع مقالتي" روايةً ودراية.

وكما ذكرنا أنهُ مدرس بالحرم المدني فالعام الماضي كانت دروسه يومياً عدا الخميس بعد كل صلاة مغرب بالحرم النبوي في شرح سنن أبي داود،وله دروس أخرى في مسجده.
أتم شرح عدة كتب من كتب السنة النبوية،وشرح مقدمة ابي زيد القيرواني في العقيدة،وشرح في المصطلح ألفية السيوطي،وشرح كتاب الصيام من اللؤلؤ والمرجان،وكتاب آداب المشي إلى الصلاة وكلها في الحرم.
من دروسه بالحرم النبوي والتي تجدها في تسجيلات الحرم النبوي:
1- شرح مُختصر ألفية السيوطي .............(57 شريط).
2- القيروانية....................................(14 شريط).
3- صحيح البخاري[لم يكتمل]................(623 شريط).
4- سنن النسائي ..............................(414 شريط).
5- سنن أبي داود[ومازال]....................(272 شريط).
6-اللؤلؤ والمرجان[كتاب الصيام].............(7 شريط).
7-آداب المشي إلى الصلاة....................(14 شريط).


أما طريقة الاستفادة من تسجلات الحرم فهي نفس الطريقة التي شرحنها من قبل في ترجمتنا للشيخنا عبدالله الغنيمان حفظه الله ، وهي(أن تأتي بأشرطة جيدة كسوني مثلاً وجديدة وتسلمها لهم على عدد الأشرطة المشروحة وتقيد طلبك لديهم،ومن الغد تأتي لتأخذها بالمجان مسجلة،والتسجيلات داخل الحرم).

ورقم هاتف الشيخ بالمدينة النبوية 8475207/04

وسمعت أنه حصل على الماجستير من مصر.

وللشيخ ولدٌ صالح وأحد طلبة العلم الجيدين وهو الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر حفظه الله وهو دكتور في الجامعة الإسلامية.

للشيخ محاضرات عديدة ؛ ولكن وللأسف لا توجد إلا في تسجيلات محددة نظراً لأن الطالبين لها قلة، والجوهر غالي ويحتاج إلى تنقيبٍ وبحث.
منها:
1- معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بين أهل الإنصاف وأهل الإجحاف.
2- الإيمان بالغيب.
3- أربع وصايا للشباب.
4- أثر علم الحديث.
5- تقييد النعم بالشكر.
6- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم (2 شريط).
7- توقير العلماء والاستفادة من كتبهم.
8- أثر العبادات في حياة المسلمين.
9- الشيخ بن عثيمين رحمه الله وشيءٌ من سيرته ودعوته.
10-الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله نموذج من الرعيل الأول.
11- الشيخ عمر بن عبدالرحمن فلاته وكيف عرفته.
12- خطر البدع.
13-النصيحة .
14-أثر دراسة الحديث 2 شريط .

وغيرها...وتجدها في تسجيلات الإبانة بجدة،وما وجدته أنا في تسجيلات المجتمع ببريدة وسبيل المؤمنين بالدمام ومنهاج السنة بالرياض.

ولقد قرأت من جمع أحد الإخوة في أحد المنتديات هذه الصور من ورعه فيقول:
حدثني أحد خريجي الجامعة الإسلامية قصتين عن ورع الشيخ تذكرك بورع السلف الأولين !!
الأولى: قال الخريج: سمعت سائق الشيخ الذي يذهب به إلى الجامعة ويعود به أن الشيخ ما كان يرضى أن يوقف سيارة الجامعة على الطريق من أجل شراء حاجة للبيت . سبحان الله !!
وقال : سمعته أيضا يقول: لما انتهت رئاسة الشيخ للجامعة الإسلامية(والتي تولى رئاستها بعد سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله) رأيت الشيخ واقفا أسفل ينتظر فمررت عليه بالسيارة كالعادة لأوصله للمنزل فأبى الركوب وقال: ما دريت أنا قد انتهت مدة رئاستي وقد أرسلت لإبني يأتي ليأخذني !!! الله أكبر , ورع السلف وربي !!

والشيخ دائماً ما يذكر أخوته من أهل العلم ويدعوا لهم،وله صلة بهم،منها صلته بالشيخ عمر فلاته رحمه الله من العلماء المعروفين والذي كان ناظراً على دار الحديث بالمدينة ومن ثم مدرس بالجامعة الإسلامية وبالحرم المدني وبحلقة مجاورة للشيخ عبدالمحسن،يقول الشيخ عن صلته بالشيخ عمر وهو من أخص أصحابه:
((فأول ما عرفته عندما قدمت إلى المدينة عند افتتاح الجامعة الإسلامية في عام 1381هـ،كنتُ أسمع ويتردّد على سمعي الشيخ عمر مدير دار الحديث،فذهبتُ إليه ودخلتُ مع باب الدار الذي هو من إلى جهة الجنوب،وبعدما يدخل الإنسان مع هذه الباب يجد أمامه ساحة واسعة وعلى يساره غرفة هي مكان مدير الدّار وإذا الشيخ عمر رحمه الله تعالى،في زاوية من زوايا هذه الغرفة على مكتبه،فسلّمتُ عليه ورأيتُ من أوّل وهلةٍ منه السماحة والّلطف والبُشر والدّعاء ومحبّة الخير للناس.

فكان هذا أول لقاء حصل لي معه وأوّل تعرّف عليه في تلك الجلسة التي دخل حبُّه في قلبي،وبعد ذلك توطدت العلاقة بيني وبينه ولا سيّما بعدما انتقل إلى الجامعة الإسلامية،فكنتُ لا يمرّ يومٌ غالباً إلا وألتقي به وأجلس معه وأستأنس به كثيراً رحمه الله تعالى،ثمّ في عام 1389هـ وكذلك في العام الذي يليه ذهبتُ أنا وإياه للتعاقد مع مدرّسين للجامعة ا\"لإسلامية إلى الأردن وسوريا ولبنان ومصر،وبلغت تلك المدّة التي اصطحبنا فيها ما يقرب من شهرين في كلّ من هاذين العامين،وقد رأيتُ أخلاقه الكريمة وتواضعه الجمّ.

وأذكر أنه كنّا في فندق من الفنادق،وكنّا نسكن في غرفة وفي داخلها حمّام،وكان في الحمام يقضي حاجته رحمه الله،فدخل شخص فقال:أين رئيس اللّجنة؟فقلتُ له:اجلس يأتي الآن،وكان يسمع وهو في داخل الحمّام،ولّما خرج قال:هذا رئيس اللجنة يشير إليّ:لستُ أنا رئيس اللجنة،فقلتُ:لا أبداً لستُ رئيس اللجنة أنت رئيسُها،فصار الأمر يدور بيني وبينه كلٌّ يقول للآخر أنا لست الرئيس وإنما الرئيس أنت،فتعجّب هذا الشّخصُ الذي دخل وكان يسأل عن رئيس اللجنة،وهذا من لطافته وتواضعه وسماحته رحمه الله تعالى.

ثم كانت العلاقة بيني وبينه وطيدةً جداً بحيث لا ينقطع أحدُنا عن الآخر،وكان يزورني وأزوره،ويّتصل بي وأتّصل به،إذا تأخر أحدُنا عن الآخر فترة وجيزة اتصل بالهاتف يسألُ عنّي واتّصلتُ به أيضاً أسألُ عنه،وكانت المودة بيننا قائمة،وكان ذلك كله في الله عز وجل،وأرجوا أن أكون وإياه في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه الذين ورد ذكرهم في الحديث الصحيح وفيهم: \"ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه\".)) .

صور من مداعبات الشيخ:
يقول الشيخ في محاضرته عمر فلاته كما عرفته:
(ومن الطرائف العجيبة أنّني أداعب الشيخ عمر حول سنّه وأنّه كبير، ولا يظهر عليه الكِبَر، وفي سنة من السنوات كنّا في الحج ، ودخلنا مخيم التوعية في عرفات، وإذا فيه رجل قد ابيضّ منه كلُّ شيء حتّى حاجباه، فقلتُ للشيخ عمر:هذا من أمثالك أي: كبار السنّ، وبعد أن جلسنا قال ذلك الرجل يخاطبني: أنا تلميذ لك درّستني في مدرسة ليلية ابتدائية في الرياض- وكان ذلك في سنة 1374هـ تقريباً-،وكنت في زمن دراستي في الرياض أدرس مساءً متبرعاً في تلك المدرسة التي غالبُ طلابها موظفون، فوجد ذلك الشيخ عمر رحمه الله مناسبة ليقلب الموضوع عليّ، فكان يكرّر مخاطباً ذلك الرّجل: أنت تلميذ الشيخ عبدالمحسن ؟).

ومن صور مداعبته يقول:
(كنتُ معه-الشيخ عمر فلاته رحمه الله-في مجلس وفيه أحدُ المشايخ وقد حج فرضه بعد ولادتي بسنة، وكنتُ أعرف ذلك فسألته قائلاً : متى حججتَ فرضَك؟ فقال له الشيخ عمر: انتبه لا يجرّ لك لسانك، يعني بذلك التوصل إلى مقدار عمر ذلك الشيخ).

وصور مداعبت الشيخ كثيرة اكتفيت بما سمعتها منه حفظه الله..

يقول الشيخ حامد العلي من الكويت:
((ومن الدروس التي واظبنا عليه في المسجد شرح صحيح مسلم للشيخ العلامة عبد المحسن العباد ، ومن الطريف أن الذي كان يقرأ عليه صحيح مسلم اسمه أيضا حامد العلي ، وقد التقيت بالشيخ العباد ذات مرة في المسجد الحرام في مكة ، وعرفته بنفسي وذكرت له اسمي ، وهو ضعيف النظر ، فتعجب وسألني عن العلاقة بيني وبين من كان يقرأ عليه في المسجد النبوي صحيح مسلم ، فقلت إنما هو تشابه في الأسماء فقط ، وكان الشيخ العباد قد قرأ لي رسالة صغيرة بعنوان ( ضوابط ينبغي تقديمها قبل الحكم على الطوائف والجماعات ) قبل أن أجعل هذا عنوانها ، وانما نشرت في مجلة الفرقان الكويتية بعنوان آخر ، ثم زدت عليها زيادات مهمة وأعدت طبعها ، والمقصود أنه كان قد اطلع عليها في المجلة المذكورة ، وأثنى عليها فشجعني ذلك على إعادة تحريرها وطبعها طبعة ثانية بزيادات مهمة . )).

هذا وفي الخاطر الشيء الكثير عن هذا العلم،وحسبنا أن نلمح عن جانب من سيرة شيخنا الفاضل.

السرخسي

ما آسف له أنني لم أجد فيما بين يدي من كتب التراجم والسير كتابة موسّعة عن هذا العالم الجليل رغم الاعتراف بعلمه وفضله في الكتب التي أوردت شيئا يسيراً عنه، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه ، فنورد نبذة يسيرة عن هذا العَلَم فهو:
اسمه ونسبه.
أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِي - رحمه الله - نسبة إلى سَرَخْس بفتح السين والراء بلد عظيم بخرسان(2) .
بلده : سَرَخْس - بفتح السين والراء - وهي مدينة قديمة بين مَرْو ونيسابور،وسَرَخْس اسم رجل من الذعار في زمن كيكاوس سكن هذا الموضع وعمّره وأتمّ بناءه ذو القرنين، فتحها عبد الله بن حازم السلمي الأمير من جهة عبد الله بن عامر بن كربز زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه (3).
مولده ونشأته : ولد في سرخس ، وانتقل إلى أوزكند وهي بلدة في ما وراء النهر من نواحي فرغانة
وانتقل إلى بلاط خاقانها لكنه ما لبث أن ألقي به في السجن سنة 466هـ لأنه أفتى بأن زواج الخاقان بعتيقته قبل أن تمضي عدّتها حرام فقضى في السجن 15 عاماً وفي السجن أملى المبسوط في خمسة عشر مجلدا وأملى شرح السير الكبير للشيباني في مجلّدين فلما بلغ كتاب الشروط أطلق سراحه فذهب إلى مرغينان في ربيع الأوّل سنة 480هـ وأتم شرح السير الكبير في جمادى الأولى من السنة نفسها .
شيوخـه : تفقه علي شمس الأئمة أبي محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني ولقب يلقبه وكان إماما فاضلا فقيها أصوليا مناظرا يتوقّد ذكاء لزم شمس الأئمة وتخرج به حتى صار في النظر فرد زمانه وواحد أقرانه و أخذ في التصنيف والتعليق وناظر وشاع ذكره، . تلاميذه : لم أجد من أسماء تلامذته إلاّ أبو بكر محمد بن إبراهيم الحصيري المتوفى سنة 500هـ ، وأبو عمرو عثمان بن على بن محمد بن علي البيكندي ، ولد ببخارا في شوال سنة 465هـ ، وتوفي في شوال سنة 552هـ ، وأبو حفص عمر بن حبيب.
مكانته العلمية :
حكي عنه أنه كان جالساً في حلقة الاشتغال فقيل له حكي عن الشافعي – رحمه الله – أنه كان يحفظ ثلاثمائة كرّاس فقال حفظ الشافعي ذكّاة ما أحفظ فحسب ما حفظه فكان اثني عشر ألف كرّاس وله عدة مصنفات كلها معتمد عليها وحكي عنه أنه لما خرج من السجن كان أمير البلد قد زوج أمهات أولاده من خدّامه فسأل العلماء الحاضرين عن ذلك فكلّهم قال نعم ما فعلت فقال شمس الأئمة أخطأت لأن تحت كل خادم حرّة فكان هذا تزويج الأمَة على الحرّة فقال الأمير أعتقتهن فجدّدوا

العقد فسأل العلماء فكلهم قال نعم ما فعلت فقال شمس الأئمة أخطأت لأن العدة تجب علي أمهات الأولاد بعد الإعتاق فكان تزويج المعتدّة في العدة فلا يجوز فألبس الله الجواب في هذه المسألة علي العلماء في موضعين عن مسألة واحدة ليظهر فضل شمس الأئمة على غيره .
محنته :
بسبب كلمة كان فيها من الناصحين سالكا فيها طريق الراسخين لتكون له ذخراً إلى يوم الدين ألقي به في السجن سنة 466هـ ، لأنه أفتى بأن زواج الخاقان بعتيقته قبل أن تمضي عدّتها حرام فقضى في السجن 15 عاماً وفي السجن أملى المبسوط في خمسة عشر مجلدا وأملى شرح السير الكبير للشيباني في مجلّدين فلما بلغ كتاب الشروط أطلق سراحه فذهب إلى مرغينان في ربيع الأوّل سنة 480هـ وأتم شرح السير الكبير في جمادى الأولى من السنة نفسها .
قال في المبسوط عند فراغه من شرح العبادات هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني،وأوجز العبارات،إملاء المحبوس عن الجمعة والجماعات، وقال في آخر كتاب الطلاق،هذا آخر كتاب الطلاق المؤثر من المعاني الدقاق، أملاه المحبوس عن الانطلاق المبتلى بوحشة الفراق،مصليا على صاحب البراق،صلى الله عليه وآله وصحبه أهل الخير، والساق،صلاة تتضاعف وتدوم إلى يوم التلاق، كتبه العبد الربي علي السقاق، وقال في آخر كتاب العتاق انتهى شرح العتاق من مسائل الخلاف والوفاق،أملأه المستقبل للمحن بالاعتناق المحصور في طرق من الآفاق حامدا للمهيمن الرزاق،ومصليا على حبيب الخلاق،ومرتجى إلى لقائه بالأشواق وعلى آله وصحبه خير الصحب والرفاق،وقال في آخر شرح الإقرار، انتهى شرح كتاب الإقرار المشتمل من المعاني ما هو سر الأسرار، و إملأ المحبوس في موضع الأشرار مصليا على النبي المختار.

مصنفاته(4):
1 - المبسوط في الفقه في نحو خمسة عشر مجلدا ،إملاء من خاطرته من غير مطالعة كتاب ولا مراجعة تعليق
2 - كتاب في أصول الفقه جزآن ضخمان ، ( مطبوع ).
3 - شرح السير الكبير في جزأين ضخمين ، أملاهما وهو مسجون في الجب فلما وصل إلى باب الشروط حصل الفرج، فأطلق فخرج في آخر عمره فأكمل إملاءه بعد خروجه،( وهو مطبوع ) .
4 - شرح مختصر الطحاوية .
5 - شرح الجامع الصغير للأمام محمد .
6 - شرح الجامع الكبير للأمام محمد .
7 - شرح الزيادات له .
8 - شرح زيادات الزيادات له أيضاً .
9 - شرح كتاب النفقات للخصَّاف .
10 - شرح أدب القاضي للخصَّاف .
11 - أشراط الساعة .
12 - الفوائد الفقهية .
13 - كتاب الحيض .
وفـاتـه:
توفي رحمه الله سنة 490هـ (5)، كم وقيل سنة 483هـ(6)، و الله أعلم .
1- انظر ترجمته في الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لأبي محمد عبد القادر القرشي / دار مير محمد كتب خانه – كراتشي / ج2/ ص 28، وتاج التراجم لابن قطاوبغا ج1/ ص 18، و معجم المؤلفين، لعمر رضا كحّالة / دار الرسالة – بيروت / ط الأولى / 1993م/ ج8/ ص 239 .
2- ضبطها الفيروز آبادي في القاموس المحيط / مؤسسة الرسالة – بيروت / ج1/ ص 709، ومحمد مرتضى الزبيدي في تاج العروس من جواهر القاموس/ تحقيق مجموعة من المحققين / دار الهداية؛ مادة ( باب السين فصل السين ) ج16/ ص146.
3- انظر الأنساب للسمعاني / تحقيق، عبد الله عمر بارودي / دار الفكر بيروت / ط ، الأولى / 1998م / ج3/ ص244.

4- انظر أسماء الكتب لعبد اللطيف بن محمد زادة/ تحقيق محمد التونجي / دار الفكر – دمشق /1403هـ / ص 41، وانظر كشف الظنون لحاجي خليفة / دار الكتب العلمية – بيروت/ 1413هـ - 1992م / ج2/ ص 1013، 1014، 1620،1627.
5- انظر الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لأبي محمد عبد القادر القرشي ج2/ ص28 .
6- انظر معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ج8/ ص 239

أبو مسلم الخولاني

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِهِ الله فلا مضِل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، أكملَ الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين، بلّغ رسالة ربه ونصح أمته وجاهَدَ في سبيل الله حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

أبو مسلم الخولاني
الداراني ، سيد التابعين وزاهد العصر .

اسمه على الأصح : عبد الله بن ثوب ، وقيل : اسمه عبد الله بن عبد الله ، وقيل : عبد الله بن ثواب . وقيل : ابن عبيد . ويقال : اسمه يعقوب بن عوف .

قدم من اليمن ، وقد أسلم في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدخل المدينة في خلافة الصديق .

وحدث عن عمر ، ومعاذِ بن جبل ، وأبي عبيدة ، وأبي ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت .

روى عنه أبو إدريس الخولاني ، وأبو العالية الرياحي ، وجُبَير بن نفير ، وعطاء بن أبي رباح ، وشُرَحْبيل بن مسلم -وما أدركاه- وعطية بن قيس ، وأبو قِلابة الجَرْمي ، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمير بن هانئ ويونس بن ميسرة ، ولم يلحقوه ، لكن أرسلوا عنه .

قال إسماعيل بن عياش : حدثنا شرحبيل بن مسلم ، قال : أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر .

فحدثنا شرحبيل : أن الأسود تنبأ باليمن ، فبعث إلى أبي مسلم ، فأتاه بنارٍ عظيمة ، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها ، فلم تضره ، فقيل للأسود : إن لم تنْفِ هذا عنك أفسد عليك من اتبعك. فأمره بالرحيل فقدم المدينة ، فأناخ راحلته ، ودخل المسجد يصلي ، فبصر به عمر -رضي الله عنه- ، فقام إليه ، فقال : ممن الرجل ؟ قال : من اليمن . قال : ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار ؟ قال : ذاك عبد الله بن ثوب . قال : نشدتك بالله ، أنت هو ؟ قال : اللهم نعم . فاعتنقه عمر وبكى ، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق .

فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صُنِع به كما صُنع بإبراهيم الخليل . رواه عبد الوهاب بن نجدة ، وهو ثقة ، عن إسماعيل، لكن شرحبيل أرسل الحكاية .

ويُروَى عن مالك بن دينار ، أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني ، فقال : من هذا ؟ قالوا : أبو مسلم ، فقال : هذا حكيم هذه الأمة .

وروى معمر عن الزهري ، قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك ، فكان يتناول عائشة -رضي الله عنها- ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ألا أحدثك عن رجل من أهل الشام ، كان قد أوتي حكمة ؟ قال : من هو ؟ قلت : أبو مسلم الخولاني ، سمع أهل الشام ينالون من عائشة فقال : ألا أخبركم بمثلي ومثل أمكم هذه ؟ كمثل عينين في رأس ، تؤذيان صاحبهما ، ولا يستطيع أن يعاقبهما إلا بالذي هو خير لهما فسكت . فقال الزهري : أخبرنيه أبو إدريس الخولاني عن أبي مسلم .

قال عثمان بن أبي العاتكة : علق أبو مسلم سوطا في المسجد ، فكان يقول : أنا أولى بالسوط من البهائم ، فإذا فتر ، مشق ساقيه سوطا أو سوطين . قال : وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا أو النار عيانا ما كان عندي مُسْتزادٌ .

إسماعيل بن عياش : عن شرحبيل ، أن رجلين أتيا أبا مسلم ، فلم يجداه في منزله ، فأتيا المسجد ، فوجداه يركع ، فانتظراه ، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاث مائة ركعة .

الوليد بن مسلم : أنبأنا عثمان بن أبي العاتكة ، أن أبا مسلم الخولاني سمع رجلا يقول : سبق اليوم [ فلان] فقال : أنا السابق ، قالوا : وكيف يا أبا مسلم ؟ قال : أدلجتُ من داريّا ، فكنت أول من دخل مسجدكم .

قال أبو بكر بن أبي مريم : عن عطية بن قيس ، قال : دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غازٍ في أرض الروم ، وقد احتفر جُورة في فسطاطه وجعل فيها نِطْعا وأفرغ فيه الماء وهو يتصلَّقُ فيه فقالوا : ما حملك على الصيام وأنت مسافر ؟ قال : لو حضر قتال لأفطرت ، ولتهيأت له وتقويت ; إن الخيل لا تجري الغايات وهن بُدَّن ؛ إنما تجري وهن ضُمَّر ؛ ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل .

وقيل : كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع البيان ويقول : اذكر الله حتى يرى الجاهل أنه مجنون .

وروى محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي مسلم الخولاني ، أنه كان إذا غزا أرض الروم ، فمروا بنهر فقال : أجيزوا بسم الله ، ويمر بين أيديهم ، فيمرون بالنهر الغمر ، فربما لم يبلغ من الدواب إلا الرُّكَب ، فإذا جازوا قال : هل ذهب لكم شيء ؟ فمن ذهب له شيء فأنا ضامن له فألقى بعضهم مِخْلاته عمدا فلما جاوزوا قال الرجل : مِخْلاتي وقعت ، قال : اتبعني فاتبعه ، فإذا بها معلقة بعودٍ في النهر ، قال : خذها .

سليمان بن المغيرة : عن حميد الطويل ، أن أبا مسلم أتى على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدِّها فذهب عليها ، ثم حمد الله وأثنى عليه ، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ، ثم لهَزَ دابته ، فخاضت الماء ، وتبعه الناس حتى قطعوها ، قال : هل فقدتم شيئا من متاعكم فأدعو الله أن يرده عليَّ ؟

عنبسة بن عبد الواحد : عن عبد الملك بن عمير ، قال : كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سُقي .

وروى بقية عن محمد بن زياد : عن أبي مسلم ، أن امرأة خَبَّبَت عليه امرأته ، فدعا عليها ، فعميت ، فأتته فاعترفت وتابت ، فقال : اللهم إن كانت صادقة ، فاردُدْ بصرها ، فأبصرت .

ضمرة بن ربيعة عن بلال بن كعب ، أن الصبيان قالوا لأبي مسلم الخولاني : ادعُ الله أن يحبس علينا هذا الظبي فنأخذه . فدعا الله ، فحبسه ، فأخذوه .

وعن عطاء الخراساني ، أن امرأة أبي مسلم قالت : ليس لنا دقيق . فقال : هل عندك شيء ؟ قالت : درهم بعنا به غزلا . قال : ابغينيه وهاتي الجراب ، فدخل السوق ، فأتاه سائل ، وألح ، فأعطاه الدرهم ، وملأ الجراب نشارة مع تراب ، وأتى وقلبه مرعوب منها ، وذهب ، ففتحته ، فإذا به دقيق حُوَّارى . فعجنت وخبزت ، فلما جاء ليلا ، وضعته ، فقال : من أين هذا ؟ قالت : من الدقيق ، فأكل وبكى .

أبو مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أن أبا مسلم استبطأ خبر جيش كان بأرض الروم ، فدخل طائر فوقع ، فقال : أنا رتبابيل مُسْلي الحُزْنَ من صدور المؤمنين ، فأخبره خبر الجيش فقال : ما جئت حتى استبطأتُك ؟.

قال سعيد بن عبد العزيز ، كان أبو مسلم يرتجز يوم صفين ويقول : مــا عِلَّتــي مـا عِلَّتـــي وقـــد لبـِسْتُ دِرْعَتــــي أمـــوتُ عِنْــدَ طاعِتـــي

وقيل : إن أبا مسلم قام إلى معاوية فوعظه وقال : إياك أن تميل على قبيلة فيذهب حَيْفُك بعدلك .

وروى أبو بكر بن أبي مريم : عن عطيه بن قيس ، قال : دخل أبو مسلم على معاوية ، فقام بين السماطين ، فقال : السلام عليك أيها الأجير ، فقالوا : مه . . قال : دعوه ، فهو أعرف بما يقول ، وعليك السلام يا أبا مسلم . ثم وعظه ، وحثه على العدل .

وقال شرحبيل بن مسلم : كان الولاة يَتَيَمَّنُون بأبي مسلم ، ويُؤَمِّرُونه على المقدمات .

قال سعيد بن عبد العزيز : مات أبو مسلم بأرض الروم ، وكان شتا مع بسر بن أبي أرطاة ، فأدركه أجلُه ، فعاده بسر ، فقال له أبو مسلم: يا بسر ، اعقد لي على من مات في هذه الغزاة؛ فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم .

قال أحمد بن حنبل : حُدِّثنا عن محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال : أقبلنا من أرض الروم مررنا بالعمير على أربعة أميال من حمص في آخر الليل ، فاطلع راهب من صومعة ، فقال : هل تعرفون أبا مسلم الخولاني ؟ قلنا : نعم . قال : إذا أتيتموه ، فأقرِئُوه السلام ؛ فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم . أما إنكم لا تجدونه حيا . قال : فلما أشرفنا على الغُوطة ، بلغنا موته .

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر يعني سمعوا ذلك ، وكانت وفاته بأرض الروم .

وروى إسماعيل بن عيَّاش ، عن شُرَحْبيل بن مسلم ، عن سعيد بن هانئ قال ، قال معاوية : إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني ، وكُرَيب بن سيف الأنصاري .

إسناده صالح . فعلى هذا يكون أبو مسلم مات قبل معاوية ، إلا أن يكون هذا هو معاوية بن يزيد .

وقد قال المفضل بن غسان الغلابي : إن علقمة وأبا مسلم ماتا في سنة اثنتين وستين .فالله أعلم . وبداريَّا قبرٌ يُزَار ، يقال : إنه قبر أبي مسلم الخولاني ، وذلك محتمل

قصة عيسى عليه السلام

قصة عيسى عليه السلام

نشأة مريم

 لا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه

وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم "أشياع" في قول الجمهور وقيل زوج خالتها "أشياع" فالله أعلم.

و قد كانت أن أم مريم لا تحبل فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً أي حبيساً في بيت المقدس.

قالوا: فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}

{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم

{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}

وقد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها

عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شتئم{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.


{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}

ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها - أو خالتها على القولين. فطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.



قال الله تعالى:{ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}

وذلك أن كلاًّ منهم ألقى قلمه معروفاً به، ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يبلغ الحنث فأخرج واحداً منها وظهر قلم زكريا عليه السلام.

فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن ألقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء

ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً .



قال الله تعالى:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم مما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه. فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها{أَنَّى لَكِ هَذَا} فتقول{هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي رزق رزقنيه الله{يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد له من صلبه وإن كان قد أسن وكبر{قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه. فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته.‏



بشارة الملائكة لمريم

{ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ{

يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبُشرت بأن يكون نبياً شريفاً{يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأُمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها.

عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حسبك من نساء العالمين بأربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".

 قصة حمل مريم بعيسى عليه السلام

لما خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج فاخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.

وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورة لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها و{انتَبَذَتْ} أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}

فلما رأته{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً}

و التقي هو ذو نهية.



{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً}  أي خاطبها الملك قائلاً لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك لأهب لك ولداً زكيا.

{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد

{وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً} أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة

{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها قائلاً أنه وعد الله أنه سيخلق منك غلاماً ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين

{هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي وهذا أسهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.

وقوله{وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.



قال تعالى:{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}.

ذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها.

ولما نفخ فيها الروح لم يواجه الملك الفرجَ بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه، كما قال تعالى:{فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}



قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً}

وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها، فذكر غير واحد من السلف أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عُباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج، فعرَّض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟

قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول.

ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.

قال لها: فأخبريني خبرك.

فقالت: إن الله بشرني{اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ}.

ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا. والله أعلم.

وروى عن مجاهد قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني.

قال محمد بن إسحاق:شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.

قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكاناً قصياً.‏



ولادة عيسى

{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً}

أي فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، ببيت لحم فتمنت الموت وذلك لأنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو لم تخلق بالكلية.

 {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا}

و فى تفسير ذلك قولان: أحدهما أنه جبريل وفي رواية: هو إبنها عيسى

{ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}.قيل النهر

{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} فذكر الطعام والشراب ولهذا قال {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً}.

قيل: كان جذع النخلة يابساً وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم. ويحتمل أنها كانت نخلة، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الأمتنان{تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}

ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب

{فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً}.

فإن رأيت أحداً من الناس فقولى له بلسان الحال والإشارة إنى نذرت للرحمن صوماً أي صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام

 {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}

والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالوا{يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة

ثم قالوا لها{يَا أُخْتَ هَارُونَ}

وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها. والله أعلم.

عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون:{يَا أُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرحت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم".



عيسى يتكلم فى المهد

فلما ضاق الحال بمريم{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه

 فعند ذلك قالوا :{كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً}

أي كيف تحيلين في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو رضيع في مهده ولا يميز ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء .

فعندها{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}.

هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم، فكان أول ما تكلم به أن{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته .

ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله:{آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله ، كما قال تعالى{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولي العزم الخمسة الكبار

ثم قال:{وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي وجعلني براً بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبراها وأعطى كل نفس هداها





حقيقة عيسى عليه السلام

قال تعالى :{ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}

كما قال تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.

فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السماوات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه

وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى:"شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد".





ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام

قد ذكرنا أنه ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس.

وذكر وهب بن منبه أنه لما خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره

فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض. فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلى عيسى

فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك. فاحتملته فذهبت به إلى مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره

عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر،

قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره.





من نعم الله على عيسى

وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.

فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مرّ ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فقال لها: مالك، أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها. فقال لها عيسى: أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم. قالوا فصلى ركعتين، ثم جاء فجلس عند القبر فنادى: يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي. قال: فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع

القبر بإذن الله؛ ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى: ما أبطأ بك عني؟ فقالت: لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليَّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين، يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته، سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت. فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض.

فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً.

وقدمنا في عقب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى الله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد تراباً.

وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل، فرأى الناس أمراً هائلاً ومنظراً عجيباً.‏



بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم

وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يَا بَنِي إسرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ،

فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيباً فبشره بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه. إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.

عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا:

يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال:"دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".



ذكر خبر المائدة

قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ}.

ومضمون ذلك: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم. فوعظهم عيسى عليه السلام في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل.

فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر

وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا.

فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنوا قليلاً قليلاً، وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول "بسم الله خير الرازقين" فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة ويقال: وخل. ويقال: ورمان وثمار، ولها رائحة عظيمة جداً، قال الله لها كوني فكانت.

ثم أمرهم بالأكل منها، فقالوا:لا نأكل حتى تأكل فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها. فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريباً من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفه أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل أنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف.

ثم كانت تنزل يوماً بعد يوم، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوماً بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.

عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير.

فإن العلماء اختلفوا في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الأثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله:{إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} كما قرره ابن جرير والله أعلم.



رفع عيسى الى السماء



{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

وقال تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}.

فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.

قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داوود بن نورا فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً.

و أخبر تعالى بقوله:{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام،

، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت

اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.

قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامساً حتى بُعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى:{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}.

وكيعُ بن الجرَّاح .. عابدُ العراق ومحدِّثُها


اسمه ومولده وصفته





اسمه: وكيعُ بن الجرَّاح بن مليح الرؤاسيُّ، أبو سفيان الكوفيُّ, من قيس عيلان.





مولده: وُلد سنةَ تسع وعشرين ومائة, قال أحمد بن حنبل: "وقال خليفة, وهارون بن حاتم: وُلد سنة ثمان وعشرين. ورُوي عنه أنه قال: وُلدت بـ "أبة", قرية من قرى أصبهان.





صفته: قال الشَّاذكونيُّ: "قال لنا أبو نُعيم يوماً: ما دام هذا التِّنِّين حيَّاً؛ ما يُفلح أحدٌ معه".



قال الذَّهبيُّ: "كان وكيع أسمرَ, ضخماً سميناً".





وقال أبو داود: "كان أعور، وقال سعيد بن منصور: قدم وكيعٌ مكة, وكان سميناً فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السِّمَن, وأنت راهبُ العراق؟ قال: هذا من فرحي بالإسلام".





وعن أبي جعفر الجمَّال, قال: "أتينا وكيعاً فخرج بعد ساعة, وعليه ثيابٌ مغسولة, فلما بصرنا به؛ فزعنا من النُّور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه, فقال رجلٌ بجنبي: أهذا ملك؟ فتعجَّبنا من ذلك النور".





وكان والده ناظراً على بيت المال بالكوفة, وله هيبة وجلالة.





ورُوي عن يحيى بن أيوب المقابُريِّ, قال: "ورثَ وكيع من أمِّه مائة ألف درهم".



ابن تيمية

 - اسمه ونسبه:
هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني .
وذكر مترجموه أقوالاً في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله : (أن جده محمداً كانت أمه تسمى (تيمية)، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.
وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقب بذلك) .

2 - مولده ونشأته:
ولد رحمه الله يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة 661هـ. في حرّان .
وفي سنة 667هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق ، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره .
ومما ذكره ابن عبد الهادي رحمه الله عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.
وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي ، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) .
(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.
فإنه لم يكن مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) .
وكان رحمه الله حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار  رحمه الله (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثاً، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) .
وكان رحمه الله ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صيناً، تقياً، براً بأمه، ورعاً عفيفاً، عابداً، ذاكراً لله في كل أمر على كل حال، رجاعاً إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
قال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله عنه: (ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) .

3 - عصره:
أولاً: الناحية السياسية:
يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية رحمه الله أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:
أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.
ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.
جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.
وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله:
فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.
ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) .
فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (656هـ) وما قبل سقوط بغداد بسنوات ، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) .
وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية): فقد كانت ولادة ابن تيمية رحمه الله في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية رحمه الله مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية رحمه الله يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم .

ثانياً: الناحية الاجتماعية:
كانت مجتمعات المسلمين خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.
إذ اختلط التتار - القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة - بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتر.
ونوعية ثالثة: ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.
إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.
كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة كان لابن تيمية رحمه الله أكبر الأثر في بيان الخطأ والنصح للأمة، ومقاومة المبتدعة .

ثالثاً: الناحية العلمية:
في عصر ابن تيمية رحمه الله قل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.
ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى: سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير .
ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة. وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.

4 - محن الشيخ:
امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة ، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد .
واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.
وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام رحمه الله فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.
وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.
وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.
وفي سنة 709هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلاً لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.
وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة 720هـ إلى سنة 721هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.
وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة 726هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة 728هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف .

5 - وفاته رحمه الله:
في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (728هـ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام .

6 - مؤلفاته:
مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار (ت - 749هـ) رحمه الله:
(وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها. بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت - 795هـ) رحمه الله:
(وأما تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) .
وذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويسئل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.
ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها .

ومن أبرز كتبه ما يلي:
1 - الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.
2 - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.
3 - بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
4 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه .
5 - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس .
6 - الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.
7 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس .
8 - النبوات: مطبوع .
وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود .

7 - بعض ثناء الناس عليه:
قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - 727هـ) : (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم  والتبيين ) .

وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) .

وكتب فيه قوله:
ماذا يقول الواصفون له *** وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة *** هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة *** أنوارها أربت على الفجر

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله : (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) .

وقال أبو البقاء السبكي : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) ، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - 748هـ) الإمام السبكي  كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخاره بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) .

وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي، ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:
(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) .

وقوله: (... ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف...) .
وقال: (... هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) .

ومما قاله في رثائه:
يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانقصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع
غيبت بحراً مفسراً جبلاً *** حبراً تقياً مجانب الشيع
اسكنه الله في الجنان ولا *** زال علياً في أجمل الخلع
مضى ابن تيمية وموعده *** مع خصمه يوم نفخة الفزع
وقال فيه: (... كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه...) .

وقال عنه: (... لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي.... فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى....) .

وقال الشوكاني رحمه الله  (إمام الأئمة المجتهد المطلق) .

رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته 

زياد علي

زياد علي محمد