الأحد، 25 أغسطس 2019

زوجة النبي ام المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب

موضوع تعريف زوجة النبي ام المؤمنين حفصة بنتعمر بن الخطاب





هي حفصة[1] بنتعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عدي بن كعب بن لؤي (18 ق. هـ- 45 هـ/ 604- 665م)، وأُمُّها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب.

وُلِدَتْ حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي بخمس سنين، وحفصة -رضي الله عنها- أكبر أولاد عمر بن الخطاب؛ فقد ورد أن حفصة أسنُّ منعبد الله بن عمر، وكان مولدها قبل الهجرة بثمانية عشر عامًا[2].

حياتها قبل النبي:

تزوَّجت حفصة -رضي الله عنها- من خُنَيْس بن حذافة السهمي، وقد دخلا الإسلام معًا، ثم هاجر خُنَيْس إلى الحبشة في الهجرة الأولى، التي كانت مكوَّنة من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة، يرأسهمعثمان بن عفان ومعه السيدة رقيَّة ابنة رسول الله، ثم هاجر خُنَيْس بن حُذافة مع السيدة حفصة –رضي الله عنها- إلى المدينة، وقد شهد مع رسول الله بدرًا، ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره، وقد تُوُفِّيَ متأثِّرًا بجروح أُصيب بها في بدر[3].

زواجها من النبي:

وبعد وفاة زوجها يرأف أبوها عمر بن الخطاب بحالها، ثم يبحث لها عن زوج مناسب لها، فيقول: لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصة، وقلتُ: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر. قال: سأنظر في أمري. فلبثتُ لياليَ ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر، فقلتُ: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر. فصمت أبو بكر، فلم يُرْجِع إليَّ شيئًا، فكنت أَوْجَد عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ ليالي، ثم خطبها رسول الله، فأنكحتها إيَّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلَّك وَجَدْتَ علَيَّ حين عرضتَ علَيَّ حفصة، فلم أُرجع إليك شيئًا؟ فقلتُ: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ علَيَّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أن رسول الله قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله، ولو تركها رسول الله لقبلتُها[4].

وقد تزوَّج رسول الله حفصة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا، قبل أُحُد، وقيل: تزوَّجها رسول الله في سنة ثلاث من الهجرة[5].

حفصة في بيت النبي:

اشتهرت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بالغَيرة على رسول الله بين زوجاته الأخريات، والغَيرة في المرأة أمر من الأمور الملازمة لطبيعتها وشخصيَّتها، خاصَّة إذا كانت لها في زوجها ضرائر، فكل واحدة منهن تريد أن تستحوذ عليه بحبِّها وعطفها وقربها، وأن يكون لها دون سواها؛ لذا فقد ورد عنعائشة رضي الله عنها: أن نساء النبي كنَّ حزبين؛ حزب فيه: عائشة، وحفصة، وصفيَّة، وسودة، وحزب فيه: أُمُّ سلمة، وسائر أزواج النبي[6]، وقد جاء في سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التحريم: 1]، أن ماريةالقبطيَّة المصريَّة أُمَّ ولد النبي إبراهيم، قد أصابها النبي في بيت السيدة حفصة وفي يومها، فوجَدت حفصة في نفسها، فقالت: يا رسول الله لقد جئتَ إليَّ بشيء ما جئتَه إلى أحد من أزواجك، في يومي وفي دوري وعلى فراشي. فقال: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلا أَقْرَبُهَا أَبَدًا؟" قالت حفصة رضي الله عنها: بلى. فحرَّمها رسول الله، وقال: "لاَ تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ". فذكرته لعائشة -رضي الله عنها– فأظهره الله عليه، فأنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}[التحريم: 1- 4]، ثم كفَّر النبي عن يمينه، وأصاب مارية[7].

وقد كانت حفصة -رضي الله عنها- كسائر نساء النبي تتقرَّب إليه بما يحبُّه، وتسأله النفقة والمال، فعن ابن عباس أنه كان يريد أن يسأل عمر بن الخطاب عن قول الله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}[التحريم: 4]، فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- لعمر بن الخطاب: فكنتُ أهابك. فقال: سلني عمَّ شئتَ، فإنَّا لم نكن نعلم شيئًا حتى تعلَّمْنَا. فقلتُ: أخبرني عن قول الله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}[التحريم: 4]، مَنْ هما؟ فقال: لا تسأل أحدًا أعلم بذلك منِّي، كنَّا بمكة لا يكلم أحدُنا امرأَتَه إنما هُنَّ خادم البيت، فإذا كان له حاجة سَفَع[8] برجليها فقضى منها حاجته، فلمَّا قدمنا المدينة تعلَّمْنَ من نساء الأنصار، فجعلْنَ يكلِّمننا ويراجعننا، وإنِّي أَمَرْتُ غلمانًا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا. فقمتُ إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبًا لك يابن الخطاب تريد ألاَّ تكلّم! فإن رسول الله يكلِّمنه نساؤه. فخرجتُ فدخلتُ على حفصة، فقلتُ: يا بنيَّة، انظري، لا تكلِّمي رسول الله في شيء، ولا تسأليه؛ فإن رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني...[9].



الغَيْرة في حياة السيدة حفصة رضي الله عنها:

أوَّلاً: غيرتها من مارية القبطيَّة رضي الله عنها:

في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التحريم: 1]، قالالطبري: اختَلَف أهل العلم في الحلال الذي كان الله جلَّ ثناؤه أحلَّه لرسوله، فحرَّمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية[10] مملوكته القبطيَّة، حَرَّمَهَا على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلب بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته؛ لأنها كانت غارت بأن خلا بها رسول الله في يومها وفي حجرتها[11].

ثانيًا: غيرتها من السيدة صفيَّة رضي الله عنها:

عن أنس قال: بلغ صفيَّة أن حفصة قالت: صفيَّة بنت يهودي. فبكت، فدخل عليها النبي وهي تبكي فقال: "مَا يُبْكِيَكِ؟" قالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي. فقال النبي: "إِنَّكِ لابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟" ثم قال: "اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ"[12].

ثالثًا: غيرتها من السيدة سودة رضي الله عنها:

عن رزينة مولاة رسول الله أن سودة اليمانيَّة جاءتْ عائشةَ تزورها وعندها حفصة بنت عمر، فجاءت سودة في هيئة وفي حالة حسنة، عليها بُرد من دروع اليمن وخمار كذلك، وعليها نقطتان مثل العدستين من صبر وزعفران إلى موقها -قالت عليلة[13]: وأدركتُ النساءَ يتزيَّنَّ به- فقالت حفصة لعائشة: يا أم المؤمنين اتقي! يجيء رسول الله وهذه بيننا تبرق. فقالت أُمُّ المؤمنين: اتَّقي الله يا حفصة. فقالت: لأفسدَنَّ عليها زينتها. قالت: ما تَقُلْنَ؟ وكان في أذنها ثِقَلٌ، قالت لها حفصة: يا سودة، خرج الأعور. قالت: نعم. ففزعت فزعًا شديدًا، فجعلت تنتفض، قالت: أين أختبئ؟ قالت: عليكِ بالخيمة -خيمة لهم من سعف يختبئون فيها- فذهبت فاختبأت فيها، وفيها القذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله وهما تضحكان لا تستطيعان أن تتكلَّما من الضحك، فقال: "مَاذَا الضَّحِكُ؟" ثلاث مرَّات، فأومأتا بأيديهما إلى الخيمة، فذهب فإذا سودة ترعد، فقال لها: "يَا سَوْدَةُ، مَا لَكِ؟" قالت: يا رسول الله، خرج الأعور. قال: "مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن، مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن". فأخرجها، فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوت[14].

رابعًا: غيرتها منالسيدة عائشة رضي الله عنها:

عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدَّث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك؛ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى. فركبتْ، فجاء النبي إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلتْ رجليها بين الإِذْخر[15] وتقول: يا ربِّ سلِّط علَيَّ عقربًا أو حيَّة تلدغني، ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا[16].

خامسًا: غيرةأمهات المؤمنين منها:

عن عائشة قالت: كان رسول الله يحِبُّ الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي منه شربة. فقلتُ: أما والله لنحتالَنَّ له. فقلتُ لسودة بنت زَمْعَةَ: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغَافير[17]؟ فإنه سيقول لك: "لاَ". فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ". فقولي: جَرَسَتْ[18] نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك. قالت: تقول سودة: والله ما هو إلاَّ أن قام على الباب، فأردتُ أن أباديه بما أمرتِنِي فرقًا منكِ. فلمَّا دنا منها، قالت له سودة: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: "لاَ". قالت: فما هذه الريح التي أجد منكَ؟ قال: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ". قالت: جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلمَّا دار إليَّ قلتُ نحو ذلك، فلمَّا دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلمَّا دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ". قالت: تقول سودة: والله لقد حَرَمْنَاه. قلتُ لها: اسكتي[19].

وعن أنس قال: كان النبيُّ عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمَّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربَتِ التي هو في بيتها يد الخادم فسقطَت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: "غَارَتْ أُمُّكُمْ". ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصَحْفَة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا[20]، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرَتْ[21].

طلاقها من النبي ورجوعها إليه:

طَلَّقَ النبي السيدة حفصة -رضي الله عنها- فلمَّا علم عمر بن الخطاب بطلاقها، حثى على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد اليوم؛ فعن قيس بن زيد: أن النبي طلَّق حفصة بنت عمر تطليقة، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلَّقني عن سبع[22]. وجاء النبي فقال: "قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ؛ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَإِنَّهَا زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ"[23].

قصة الإنفاق:

عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله والناس ببابه جلوس، والنبي جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أُذِنَ لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمَنَّ النبي لعله يضحك. فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأتُ عنقها. فضحك النبي حتى بدا ناجذه، وقال: "هُنَّ حَوْلِي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ". فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قالت: وما هو؟ فتلا عليها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ...}[الأحزاب: 28] الآية، قالت عائشة رضي الله عنها: أفيكَ أستأمر أبويَّ؟! بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألاَّ تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ. فقال: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لاَ تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا"[24].

اهتمام النبي بتعليمها:

عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علَيَّ رسول الله وأنا عند حفصة، فقال لي: "ألا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ[25]كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟"[26].

وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن السيدة حفصة -رضي الله عنها- كانت متعلمة للكتابة، وهو أمر نادر بين النساء في تلك الفترة الزمنيَّة الممتدة في عمق الزمن، ومما أعان على توفُّر العلم لدى السيدة حفصة -رضي الله عنها- وجودها في هذا المحضن التربوي بين أزواج النبي، حيث اتصال السماء بالأرض، وتتابع نزول الوحي بالرسالة الخاتمة على الرسول الكريم.

وقد نتج عن هذا كله أن لُقِّبت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بحارسة القرآن، وكانت إحدى أهمِّ الفقيهات في العصر الأوَّل في صدر الإسلام، وكثيرًا ما كانت تُسأل فتجيب رضي الله عنها وأرضاها.

حياتها ومواقفها بعد النبي:

بعد وفاة النبي لزمت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بيتها، ولم تخرج منه إلاَّ لحاجة، وكانت هي وعائشة -رضي الله عنهما- يدًا واحدة، فلمَّا أرادت عائشة الخروج إلى البصرة، همَّت حفصة -رضي الله عنها- أن تخرج معها، وذلك بعدمقتل عثمان، إلاَّ أن عبد الله بن عمر حال بينها وبين الخروج، وقد كانت -رضي الله عنها- بليغة فصيحة، قالت في مرض أبيها عمر بن الخطاب: "يا أبتاه ما يحزنك؟! وفادتك على ربٍّ رحيم، ولا تبعة لأحد عندك، ومعي لك من البشارة لا أذيع السرَّ مرَّتين، ونعم الشفيع لك العدل، لم تَخْفَ على الله خشنة عيشتك، وعفاف نهمتك، وأخذك بأكظام المشركين والمفسدين في الأرض"[27].

مشاركتها في الأحداث:

ذكر ابن الجوزي في أحداث سنة ستٍّ وثلاثين أن طلحة والزبير انطلقوا إلى حفصة، فقالت: رأيِي تبعٌ لرأي عائشة[28]. حتى إذا لم يبقَ إلاَّ الخروج، قالوا: كيف نستقلُّ وليس معنا مال نجهز به الناس؟ فقال يعلى بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها. فقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهَّزوا بها.

فنادى المنادي: إن أمَّ المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ولم يكن عنده مركب، ولم يكن له جهاز؛ فهذا جهاز وهذه نفقة. فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى مَنْ كان له مركب -وكانوا جميعًا ألفًا- وتجهَّزوا بالمال، ونادوا بالرحيل، واستقلُّوا ذاهبين.

وأرادت حفصة الخروج، فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت، وبعثت إلى عائشة تقول: إن عبد الله حال بيني وبين الخروج. فقالت: يغفر الله لعبد الله[29].

حديثها:

روت -رضي الله عنها- عن رسول الله وأبيها عمر بن الخطاب ستِّين حديثًا، اتَّفقالبخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد مسلم بستَّة، وقد روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين؛ كأخيها عبد الله، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وحارثة بن وهب، والمطلب بن أبي وداعة، وأمُّ مبشر الأنصارية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بنصفوان بن أمية، والمسيِّب بن رافع... وغيرهم، ومسندها في كتاب بقيّ بن مخلد ستُّون حديثًا[30].

ومن أهمِّ ما تُرِكَ عندها صحائف القرآن الكريم، التي كُتبت في عهد أبي بكر الصديق بإشارة من عمر بن الخطاب، وقد اعتمد عثمان بن عفان على صحائف القرآن الكريم التي كانت موجودة عندها -رضي الله عنها- في كتابة مصحف واحد للأمصار الإسلاميَّة.

وفاتها:

تُوُفِّيَتْ -رضي الله عنها- في شعبان سنة 45هـ، على أرجح الروايات، فقد قيل: سنة سبع وعشرين للهجرة في خلافة عثمان. وإنما جاء اللَّبس؛ لأنه قيل: إنها تُوُفِّيَتْ في العام الذي فُتحت فيه إفريقيَّة، وقد بدأ فتحها في عهد عثمان، ثم تَمَّ الفتح عام 45هـ، والراجح أنها تُوُفِّيت عام 45هـ؛ لأنها أرادت أن تخرج مع عائشة -رضي الله عنها- إلى البصرة بعد مقتل عثمان، وكان ذلك في حدود عام 36هـ، كما ذُكر من قبلُ، فرضي الله عنها وأرضاها.



المراجــــــع:

[1]حفصة: هي الرخمة، وهو طائر شبيه بالنسر، وقد تكون أنثى الولد من الأسد. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة حفص 7/16.
[2]المباركفوري: الرحيق المختوم ص70-71، ومسانيد أمهات المؤمنين ص103.
[3]برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 3/314، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/384.
[4]الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 11/184.
[5]ابن سعد: الطبقات الكبرى 7/81.
[6]رواه الطبراني في المعجم الكبير (18661).
[7]الشوكاني: فتح القدير 5/251.
[8]سفع بناصيته ورجله: جذب وأخذ وقبض. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة سفع 8/156.
[9]رواه الطبراني في الأوسط (8764).
[10] مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم، ومن سراري النبي، مصرية الأصل، أهداها المقوقس القبطي (سنة 7هـ) للنبي، فولدت له إبراهيم، وماتت في خلافة عمربالمدينة ودُفِنَتْ بالبقيع.
[11]ابن جرير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 23/475.
[12]ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 6/407، والحديث رواه الترمذي (3894)، وصححه الألباني.
[13]هي عليلة بنت الكميت الأزدية، راوية الحديث.
[14]مسند أبي يعلى (7003)، والطبراني: المعجم الكبير 18/16، والهيثمي: مجمع الزوائد 4/578، 579.
[15]الإذخر: نبات طيب الرائحة، تعيش فيه الهوام. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 9/311.
[16]البخاري: كتاب النكاح، باب القرعة بين نسائه إذا أراد سفرًا (4913)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة رضي الله عنها (6451).
[17]المَغافِير: صمغ طعمه حلو يسيل من شجر العرفط، غير أن رائحته ليست بطيِّبة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة غفر 5/25.
[18]جَرَسَتْ نَحْلُه العُرْفُطَ: أَي أَكلتْ ورَعَتْ، والعُرْفُطُ شجر. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة جرس 6/35.
[19]ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 8/161، والبخاري: كتاب الطلاق، باب "لم تحرم ما أحل الله لك" (4967)، ومسلم: كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرَّم امرأته ولم ينو الطلاق (4967).
[20]في بعض الروايات أنها السيدة حفصة رضي الله عنها، وأن التي غارت منها هي السيدة عائشة رضي الله عنها.
[21]البخاري: كتاب النكاح، باب الغيرة (4927)، وأبو داود (3567)، وأحمد (12046).
[22]ذُكرت هكذا في السمط السمين للطبري، ولعلها شبع أو شنع والمقصود بها (البغض أو العيب أو النقص).
[23]البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 7/251،
[24]ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 6/403، ومسلم: كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاق إلا بالنية (1478).
[25]النملة: قروح تخرج في الجنبين وهو داء معروف، وسُمِّي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدبُّ عليه وتعضه. انظر: ابن منظور: لسان العرب 11/678.
[26]أبو داود: كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى (3887)، وأحمد (27140)، وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (178).
[27]عمر رضا كحالة: أعلام النساء 1/275.
[28]وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- ترى الخروج إلى البصرة.
[29]ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/80، 81، وابن كثير: البداية والنهاية 7/237.
[30] الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/227، 228، والزركلي: الأعلام 2/265.

الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي

هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الرازياني العراقي الأصل المهراني المصري المولد الشافعي المذهب. كنيته: أبو الفضل، ويلقّب بـ (زين الدين). وُلِدَ في اليوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 725 هـ.

وحفظ الزينُ القرآنَ الكريمَ والتنبيه وأكثر الحاوي مَعَ بلوغه الثامنة من عمره، واشتغل في بدء طلبه بدرس وتحصيل علم القراءات.

ثمَّ ابتدأ الطلب بنفسه، وكان قد سمع على عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا، وصرف همَّته إلى التخريج وكان كثير اللهج بتخريج أحاديث "الإحياء" وله من العمر -آنذاك- عشرون سنة, رحل إلى غالب مدن بلاد الشام.

شيوخه:

علي بن عثمان بن إبراهيم المارديني، المشهور بـ ((ابن التركماني)) الحنفي.

صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي المصري.

علاء الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي.

علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي.

جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي.

تلامذته:

برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي.

نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي.

ولده: ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي.

برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي المشهور بسبط ابن العجمي.

أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني المعروف بابن حجر.

مؤلفاته:

تنوعت طبيعة هذه المؤلفات ما بين الفقه وأصوله وعلوم القرآن، غير أنَّ أغلبها كان ذا طابع فقهي، يمتاز الحافظ فيه بالتحقيق، وبروز شخصيته مدافعاً مرجّحاً موازناً بين الآراء.

على أنَّ الأمر الذي نأسف عليه هو أنَّ أكثر مصنفاته فُقدت

ومن بين تلك الكتب:

1 - أجوبة ابن العربي.

2 - إحياء القلب الميت بدخول البيت.

3 - الاستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد.

4 - أسماء الله الحسنى.

5 - ألفية في غريب القرآن.

6- نظم السيرة النبوية.

7- النكت على منهاج البيضاوي.

8- هل يوزن في الميزان أعمال الأولياء والأنبياء أم لا ؟.

9- الأربعون البلدانية.

10- أطراف صحيح ابن حبان.

11- الأمالي.

12- بيان ما ليس بموضوع من الأحاديث.

13- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد.

14- طرح التثريب في شرح التقريب.

مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه:

قال شيخه العزُّ بن جماعة: ((كلّ مَن يدّعي الحديث في الديار المصرية سواه فهو مدَّعٍ)).

قال ابن ناصر الدين: ((الشيخ الإمام العلاّمة الأوحد، شيخ العصر حافظ الوقت... شيخ الْمُحَدِّثِيْن عَلَم الناقدين عُمْدَة المخرِّجِين)).

وقال ابن حجر: حافظ العصر، وقال: (( الحافظ الكبير شيخنا الشهير )).

تدريسه في العديد من مدارس مصر والقاهرة مثل: دار الحديث

الكاملية، والظاهرية القديمة، والقراسنقرية، وجامع ابن طولون والفاضلية، وجاور مدةً بالحرمين. كما أنّه تولّى قضاء المدينة المنورة، والخطابة والإمامة فيها.

وفاته:

تتفق المصادر التي بين أيدينا على أنَّه في يوم الأربعاء الثامن من شعبان سنة 806ه‍ فاظت روح الحافظ العراقي عقيب خروجه من الحمام عن عمر ناهز الإحدى وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، صلّى عليه الشيخ شهاب الدين الذهبي ودفن خارج القاهرة رحمه الله.

مراجع الفقرة: مقدمة تحقيق كتاب "شرح التبصرة والتذكرة" للعراقي. تحقيق: ماهر الفحل

الصَحَابٍية الجَلِيلَة ' أرْوَى بنت عَبْدِ المُطلِب ' عَمَة رَسُول الله صَلى الله عَليهِ وَ سَل

أروى بنت عبد المطلب
عمّة رسول الله

هي أروى بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية ، عمّة رسول الله
وهي شقيقة أبيه عبد الله ، أسلمت هي وأختها صفية جميعاً ، وهاجرت الى
المدينة ، أسلم ولدها طُليب قبلها في دار الأرقم ، وكانت ممن بايع الرسول
كما كانت تعضّدُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بلسانها ، وتحُضّ ابنها على
نُصرته والقيام بأمره


إسلامها



لمّا أسلم ابنها طُليب بن عمير بن وهب في دار الأرقم ، توجّه إليها ليدعوها الى الإسلام ، ويبشرّها بما منّ الله تعالى عليه من التوفيق الى الهداية الى دينه الحق ، فقال لها :( تبعْتُ محمداً -صلى الله عليه وسلم- وأسلمت لله ) فقالت له :( إنَّ أحق مَنْ وَزَرْتَ وعضدت ابن خالك ! والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجـال لتبعناه وذبَبْنـا عنه ) فقال طُليـب :( فما يمنعك يا أمـي من أن تسلمـي و تتبعينـه ؟ فقد أسلم أخوك حمـزة ) فقالت أروى :( أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهنّ ) فقال لها :( فإني أسألك بالله تعالى إلا أتيته فسلمت عليه وصدْقتِهِ وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمـداً رسول اللـه ) ثم كانت بعد ذلك تعضّدُ النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- بلسانها ، وتحُضّ ابنها علـى نُصرته والقيام بأمره -صلى اللـه عليه وسلم-


نُصرة الدين


عرض أبو جهل وعِدّة من كفار قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم- ، فآذوه فعمد طُليب بن عُمير إلى أبي جهل فضربه شجّه ، فأخذوه وأوثقوه ، فقام دونه أبو لهب -أخو أروى- حتى خلاّه ، فقيل لأروى :( ألا ترين ابنك طُليباً وقد صيّر نفسه غرضاً دون محمد ؟) فقالت :( خير أيامه يوم يَذُبُّ عن ابن خاله ، وقد جاء بالحق من عند الله ) فقالوا :( ولقد تبعْتِ محمداً ؟) قالت :( نعم ) 
فخرج بعضهم الى أبي لهب وأخبره ، فأقبل حتى دخل عليها فقال :( عجباً لك ولاتباعك محمداً ، وتركك دين عبد المطلب ؟!) فقالت :( قد كان ذلك ، فقـم دون ابن أخيك واعضـده وامنَعْهُ ، فإن يظهر أمـره فأنت بالخيار أن تدخل معه أو تكون على دينـك ؟ وإن يُصَبْ كنت قد أعذرتَ في ابن أخيك ) فقال أبو لهب :( ولنا طاقة بالعرب قاطبة ؟ جاء بدين مُحْدَث ) فأبى أن يُسلم
فكانت أروى -رضي الله عنها- أعقل من أخيها أبي لهب ، فقد شهدت شهادة الحق ، وقامت تدافع عنه ، وتذُبّ عنه بلسانها ، وتشيع بين نساء قريش صدْقه وأمانته ، وأنه نبي الله ، وتدعوهنّ للإسلام رضي الله عنها وأرضاها 

أسماء بنت أبي بكر .. ذات النطاقين

أسماء بنت أبي بكر هي أسماء بنت عبد الله بن عثمان التيمية، فهي ابنة أبي بكر الصديق وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى قرشية من بني عامر بن لؤي. وأسماء بنت أبي بكر هي زوجة الزبير بن العوام، ووالدة عبد الله بن الزبير بن العوام.وكانت تلقب بذات النطاقين قال أبو عمر: سماها رسول الله - لأنها هيأت له لما أراد الهجرة سفرة فاحتاجت إلى ما تشدها به فشقت خمارها نصفين فشدت بنصفه السفرة، واتخذت النصف الآخر منطقا، قال: كذا ذكر ابن إسحاق وغيره.قصة إسلام أسماء بنت أبي بكر:

عاشت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها حياة كلها إيمان منذ بدء الدعوة الإسلامية، فهي من السابقات إلى الإسلام، ولقد أسلمت بمكة وبايعت النبي صلى الله علية وسلم على الأيمان والتقوى، ولقد تربت على مبادئ الحق والتوحيد والصبر متجسدة في تصرفات والده، ولقد أسلمت عن عمر لا يتجاوز الرابعة عشرة، وكان إسلامها بعد سبعة عشر إنسانًا.مواقف في حياة أسماء بنت أبي بكر مع رسول الله
وفي أثناء الهجرة التي هاجر فيها المسلمين من مكة إلى المدينة، وظل أبو بكر الصديق  ينتظر الهجرة مع النبي من مكة، فأذن الرسول  بالهجرة معه، وعندما كان أبو بكر الصديق  يربط الأمتعة ويعدها للسفر لم يجد حبلاً ليربط به الزاد الطعام والسقا فأخذت أسماء رضي الله عنها نطاقها الذي كانت تربطه في وسطها فشقته نصفين وربطت به الزاد، وكان النبي  يرى ذلك كله، فسماها أسمـاء ذات النطــاقين.ومن هذا الموقف جاءت تسمية أسماء بنت أبي بكر بـ ذات النطاقين. وقال لها الرسول : "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة"، وتمنت أسماء الرحيل مع النبي  ومع أبيها وذرفت الدموع، إلا إنها كانت مع أخوتها في البيت تراقب الأحداث وتنتظر الأخبار، وقد كانت تأخذ الزاد والماء للنبي  ووالدها أبي بكر الصديق غير آبهة بالليل والجبال والأماكن الموحشة؛ وذلك لأنها كانت تعلم أنها في رعاية الله وحفظه ولم تخش في الله لومة لائم.وفي أحد الأيام وبينما كانت نائمة أيقظها طرق قوي على الباب، وكان أبو جهل يقف والشر والغيظ يتطايران من عينيه، سألها عن والده، فأجابت: إنها لا تعرف عنه شيئًا فلطمها لطمة على وجهها طرحت منه قرطها.كانت الأم أسماء بنت أبي بكر حاملاً بعبـد الله بن الزبيـر، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة إلى المدينة على طريق الهجرة العظيم، وما كادت تبلغ قباء عند مشارف المدينة حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من الصحابة، وحُمِل المولود الأول إلى الرسول  فقبّله وحنّكه، فكان أول ما دخل جوف عبـد اللـه ريق الرسول الكريم، وحمله المسلمون في المدينة وطافوا به المدينة مهلليـن مكبرين.بعض المواقف من حياة ذات النطاقين مع الصحابة:
لما خرج الصديق مهاجراً بصحبة رسول الله  حمل معه ماله كله، ومقداره ستة آلاف درهم، ولم يترك لعياله شيئًا...فلما علم والده أبو قحافة برحيله -وكان ما يزال مشركًا- جاء إلى بيته وقال لأسماء (ذات النطاقين): والله إني لأراه قد فجعكم بماله بعد أن فجعكم بنفسه.فقالت له: كلا يا أبتِ إنه قد ترك لنا مالاً كثيرًا، ثم أخذت حصى ووضعته في الكوة التي كانوا يضعون فيها المال وألقت عليه بثوب، ثم أخذت بيد جدها -وكان مكفوف البصر- وقالت: يا أبت، انظر كم ترك لنا من المال. فوضع يده عليه وقال: لا بأس... إذا كان ترك لكم هذا كله فقد أحسن.وقد أرادت بذلك أن تسكن نفس الشيخ، وألا تجعله يبذل لها شيئاً من ماله ذلك لأنها كانت تكره أن تجعل لمشرك عليها معروفًا حتى لو كان جدها.وروى عروة عنها، قالت: تزوجني الزبير وما له شيء غير فرسه; فكنت أسوسه وأعلفه، وأدق لناضحه النوى، وأستقي، وأعجن، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله  على رأسي وهي على ثلثي فرسخ فجئت يوما، والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله  ومعه نفر، فدعاني، فقال: "إخ، إخ"، ليحملني خلفه; فاستحييت، وذكرت الزبير وغيرته.قالت: فمضى.فلما أتيت الزبير أخبرته فقال: والله، لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه! قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني.وعن ابن عيينة، عن منصور بن صفية، عن أمه، قالت: قيل لابن عمر: إن أسماء في ناحية المسجد -وذلك حين صلب ابن الزبير- فمال إليها، فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله; فاتقي الله واصبري.فقالت: وما يمنعني، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.وفي خلافة ابنها عبد الله أميرًا للمؤمنين جاءت فحدثته بما سمعت من رسول الله بشأن الكعبة فقال: إن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق حدثتني أن رسول الله  قال لعائشة أم المؤمنين: "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لرددت الكعبة على أساس إبراهيم، فأزيد في الكعبة من الحجر". فذهب عبد الله بن الزبير بعدها وأمر بحفر الأساس القديم، وجعل لها بابين، وضم حجر إسماعيل إليها، هكذا كانت تنصح ابنها ليعمل بأمر الله ورسوله .وقبيل مصرع عبد الله بن الزبير بساعاتٍ دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر-وكانت عجوزًا قد كفَّ بصرها- فقال: السلام عليك يا أُمَّه ورحمة الله وبركاته.فقالت: وعليك السلام يا عبد الله.ما الذي أقدمك في هذه الساعة، والصخور التي تقذفها منجنيقات الحَجَّاج على جنودك في الحرم تهز دور مكة هزًا؟!قال: جئت لأستشيرك.قالت: تستشيرني... في ماذا؟!قال: لقد خذلني الناس وانحازوا عني رهبة من الحجاج أو رغبة بما عنده حتى أولادي وأهلي انفضوا عني، ولم يبق معي إلا نفر قليل من رجالي، وهم مهما عظم جلدهم فلن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين، وأرسل بني أمية يفاوضونني على أن يعطونني ما شئت من الدنيا إذا ألقيت السلاح وبايعت عبد الملك بن مروان، فما ترين؟فعلا صوتها وقالت: الشأن شأنك يا عبد الله، و أنت أعلم بنفسك؛ فإن كنت تعتقد أنك على حق، و تدعو إلى حق،فاصبر كما صبر أصحابك الذين قتلوا تحت رايتك، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت... أهلكت نفسك، وأهلكت رجالك.قال: ولكني مقتول اليوم لا محالة.قالت: ذلك خير لك من أن تسلم نفسك للحجاج مختارًا، فيلعب برأسك غلمان بني أمية.قال: لست أخشى القتل، وإنما أخاف أن يمثِّلوا بي.قالت: ليس بعد القتل ما يخافه المرء فالشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ فأشرقت أسارير وجهه وقال: بوركتِ من أم، وبوركت مناقبك الجليلة؛ فأنا ما جئت إليك في هذه الساعة إلا لأسمع منك ما سمعت، والله يعلم أنني ما وهنت ولا ضعفت، وهو الشهيد علي أنني ما قمت بما قمت به حبا بالدنيا وزينتها، وإنما غضبًا لله أن تستباح محارمه، وها أنا ذا ماض إلى ما تحبين، فإذا أنا قتلت فلا تحزني علي وسلمي أمرك لله قالت: إنما أحزن عليك لو قتلت في باطل.قال: كوني على ثقة بأن ابنك لم يتعمد إتيان منكر قط، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يكن شيء عنده آثر من رضى الله عز وجل، لا أقول ذلك تزكية لنفسي؛ فالله أعلم مني بي، وإنما قلته لأدخل العزاء على قلبك.فقالت: الحمد لله الذي جعلك على ما يحب و أُحب.ثم أردفت أسماء بنت أبي بكر قائلة لولدها عبد الله بن الزبير: اقترب مني يا بني لأتشمم رائحتك وألمس جسدك فقد يكون هذا آخر العهد بك.بعض المواقف من حياتها مع التابعين:
يقول ابن عيينة: حدثنا أبو المحياة، عن أمه، قال: لما قَتَلَ الحجاجُ ابنَ الزبير دَخَلَ على أسماء وقال لها: يا أمه، إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لك من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة; ولكن أحدثك: سمعت رسول الله  يقول: يخرج في ثقيف كذاب، ومبير، فأما الكذاب، فقد رأيناه -تعني المختار- وأما المبير، فأنت.فقال لها: مبير المنافقين!!أثر أسماء بنت أبي بكر في الآخرين
كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصبه في جيبها وتقول: إن رسول الله  قال: أبردوها بالماء، فإنها من فيح جهنم.وفي وقت رمي جمرة العقبة للضعفاء الذين يرخص لهم في ترك الوقوف بالمزدلفة: عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: أي بني، هل غاب القمر ليلة جمع؟ وهي تصلي، ونزلت عند المزدلفة. قال: قلت لا فصلت ساعة، ثم قالت: أي بني، هل غاب القمر؟ أو قد غاب، فقلت نعم قالت: فارتحلوا إذًا، فارتحلنا بها حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزله. فقلت له: أي هنتاه لقد غلستنا قالت: كلا يا بني، إن رسول الله  أذن للظعن.ويروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات وهي محرمة، ليس فيهن زعفران.وعن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: ما رأيت أسماء لبست إلا المعصفر، حتى لقيت الله ، وإن كانت لتلبس الثوب يقوم قياما من العصفر.وعن ابن زرير أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: إن نبي الله  أخذ حريرًا في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في يساره، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي"بعض الأحاديث التي نقلتها أسماء بنت أبي بكر عن النبي
عن أسماء قالت: أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء فإذا الناس قيام فقالت: سبحان الله قلت: آية. فأشارت برأسها أي نعم فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب على رأسي الماء فحمد النبيُّ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم.قالت أسماء من فتنة المسيح الدجال يقال ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري بأيهما قالت أسماء فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا هو محمد ثلاثا فيقال نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا به وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.ويحدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله  فاستفتيت رسول الله  قلت: وهي راغبة أفأصل أمي قال نعم صلي أمك.قالوا عن أسماء بنت أبي بكر:
عن القاسم بن محمد قال: سمعت ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء ; وجودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء، فكانت لا تدخر شيئا لغد.وفاة أسماء بنت أبي بكر:
قال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال. وكان قتله لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.بعض المراجع المستخدمة في البحث:
-       الإصابة في تمييز الصحابة.
-       موقع الصحابة.
-       سير أعلام النبلاء.
-       فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
-       صحيح مسلم بشرح النووي.

سلسلة الأئمة الأعلام عبر مر الدهور والأيام _ محمد الفاتح

محمد الفاتح ... صاحب البشارة النبوية



ظل حلم فتح مدينة "القسطنطينية" (مدينة إستانبول الآن بتركيا) يداعب خيال الفاتحين المسلمين ثمانية قرون كاملة ، وجرت محاولات عديدة لفتحها لكنها لم تتم وذلك منذ عهد الصحابي الجليل "معاوية بن أبى سفيان" ، كلهم كان يود أن يكون هو صاحب البشارة النبوية التي بشر بها النبي – صلى الله عليه وسلم- بقوله :
"لتفتحن القسطنطينية ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش" ، فمن هو صاحب تلك البشارة ؟...إنه "محمد الفاتح" ابن السلطان العثماني "مراد الثاني".


· طفولة "محمد الفاتح" .. والإعداد الجيد :

ولد "محمد" ابن السلطان "مراد الثاني" في (27من رجب 835 ﻫ = 30 من مارس 1432م)


ونشأ تحت رعاية أبيه السلطان "مراد الثاني" سابع سلاطين الدولة العثمانيةالذي عمل على تعليمه وإعداده ليكون جديرًا بمنصب السلطان ، والقيام بمسئوليته ، فأتم "محمد الفاتح" حفظ القرآن ، وقرأ الحديث النبوي ، وتعلم الفقه الإسلامي .

ودرس "محمد الفاتح" الرياضيات والفلك وفنون الحرب والقتال ، وإلى جانب ذلك تعلم اللغات العربية والفارسية واللاتينية واليونانية ، وخرج مع أبيه في معاركه وفتوحاته .

ثم ولاه أبوه إمارة صغيرة ؛ ليتدرب على إدارة شئون الدولة تحت إشراف عدد من كبار علماء عصره ، وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير ، وبناء تفكيره بناءً إسلاميًّا صحيحًا .


وقد نجح الشيخ "آق شمس الدين "- وكان واحدًا ممن قام على تربية "محمد الفاتح" وتعليمه – في بث روح الجهاد والتطلع إلى معالي الأمور في نفس الأمير الصغير، وأن يلمح له بأنه المقصود ببشارة النبي – صلى الله عليه وسلم- .. وكان لهذا الإيحاء دور كبير في حياة "محمد الفاتح" فنشأ محبًّا للجهاد ، عالي الهمة والطموح ، واسع الثقافة ، وعلى معرفة هائلة بفنون الحرب والقتال .

· توليه الحكم .. والعمل على تحقيق البشارة :


وبعد وفاة أبيه السلطان "مراد الثاني" في (5 من المحرم 852 ﻫ = 7 من فبراير 145 م) تولى "محمد الفاتح" عرش الدولة العثمانية ، وكان شابًّا فتيًّا في العشرين من عمره ، ممتلأ حماسًا وطموحًا ، يفكر في فتح مدينة "القسطنطينية" عاصمة الدولة البيزنطية .. وسيطر هذا الحلم على مشاعر "محمد الفاتح" ، فأصبح لا يتحدث إلا في أمر الفتح ، ولا يأذن لأحد ممن يجلس معه أن يتحدث في موضوع غير هذا الموضوع .

وكانت الخطوة الأولى في تحقيق هذا الحلم هو السيطرة على مضيق "البسفور" حتى يمنع "القسطنطينية" من وصول أية مساعدات لها من أوروبا ، فبنى قلعة كبيرة على الشاطئ الأوروبي من مضيق "البسفور" ، واشترك هو بنفسه مع كبار رجال الدولة في أعمال البناء ، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى تم بناء القلعة التي عرفت بقلعة "الروم" ، وفى مواجهتها على الضفة الأخرى من "البسفور" كانت تقف قلعة "الأناضول" ، ولم يعد ممكنًا لأي سفينة أن تمر دون إذن من القوات العثمانية .

وفى أثناء ذلك نجح مهندس نابغة أن يصنع للسلطان "محمد الفاتح" عددًا من المدافع ، من بينها مدفع ضخم عملاق لم يُرَ مثله من قبل ، كان يزن (700) طن، وتزن القذيفة الواحدة (1500) كيلو جرام، وتسمع طلقاته من مسافات بعيدة ، ويجره مائة ثور يساعدها مائة من الرجال الأشداء وأطلق على هذا المدفع العملاق اسم المدفع السلطاني .




· فتح "القسطنطينية" .. وتحقق البشارة :


وبعد أن أتم السلطان "محمد" استعداداته زحف بجيشه البالغ (265) ألف مقاتل من المشاة الفرسان ومعهم المدافع الضخمة حتى فرض حصاره حول "القسطنطينية" ، وبدأت المدافع العثمانية تطلق قذائفها على أسوار المدينة الحصينة دون انقطاع ليلاً أو نهارًا ، وكان السلطان يفاجئ عدوه من وقت لآخر بخطة جديدة في فنون القتال حتى تحطمت أعصاب المدافعين عن المدينة وانهارت قواهم .

وفى فجر يوم الثلاثاء الموافق (20من جمادى الأولى 827 ﻫ = 29 من مايو 1453 م) نجحت القوات العثمانية في اقتحام الأسوار ، وزحزحة المدافعين عنها بعد أن عجزوا عن الثبات ، واضطروا للهرب والفرار ، وفوجئ أهالي "القسطنطينية" بأعلام العثمانيين ترفرف على الأسوار ، وبالجنود تتدفق إلى داخل المدينة كالسيل المتدفق .

وبعد أن أتمت القوت العثمانية فتح المدينة دخل السلطان "محمد"- الذي أطلق عليه من هذه اللحظة "محمد الفاتح" – على ظهر جواده في موكب عظيم وخلفه وزراؤه وقادة جيشه وسط هتافات الجنود التي تملأ المكان :

"ما شاء الله ، ما شاء الله ، يحيا سلطاننا ، يحيا سلطاننا "

ومضى موكب السلطان حتى بلغ كنيسة "آيا صوفيا" حيث تجمع أهالي المدينة ، وما إن علموا بوصول السلطان "محمد الفاتح" حتى خرُّوا ساجدين وراكعين ، ترتفع أصواتهم بالبكاء والصراخ لا يعرفون مصيرهم وماذا سيفعل معهم السلطان "محمد الفاتح" .

ولما وصل السلطان نزل عن فرسه ، وصلى ركعتين شكراً لله على توفيقه له بالفتح ، ثم توجه إلى أهالي المدينة ، وكانوا لا يزالون على هيئتهم وقال لهم :

قفوا ... استقيموا .. فأنا السلطان "محمد" أقول لكم ولجميع إخوانكم ولكل الموجودين إنكم منذ اليوم في أمان على حياتكم وحرياتكم .. .

ثم أمر السلطان "محمد الفاتح" بتحويل الكنيسة إلى مسجد ، وأذن فيه بالصلاة لأول مرة ، ولا يزال يعرف حتى الآن بجامع "آيا صوفيا" ، وقرر اتخاذ "القسطنطينية" عاصمة لدولته ، وأطلق عليها اسم "إسلام بول" آي دار الإسلام ، ثم حرفت بعد ذلك واشتهرت بإستانبول .

وسلك السلطان مع أهالي المدينة سلوكًا به رحمة وتسامح يتسم مع ما يأمرنا به الإسلام ، فأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم ، وقام بنفسه بفداء عدد كبير من الأسرى من ماله الخاص ، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار إلى منازلهم .




· ما بعد فتح "القسطنطينية" :


حقق "محمد الفاتح" هذا الإنجاز الكبير وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وكان هذا دليلاً على نبوغه العسكري المبكر ، واستحق بذلك بشارة النبي – صلى الله عليه وسلم- لمن يفتح هذه المدينة العريقة .

وبعد هذا اتجه "محمد الفاتح" إلى استكمال فتوحاته في بلاد "البلقان" ، فتمكن من فتح بلاد "الصرب" و"المورة" و"رومانيا" و"ألبانيا" وبلاد "البوسنة والهرسك" ، ثم تطلعت أنظاره إلى أن يكون إمبراطورًا على "روما" وأن يجمع فخارًا جديدًا إلى جانب فتحه "القسطنطينية" .

ولكي يحقق هذا الأمل الكبير كان عليه أن يفتح "إيطاليا" ، فاستعد لذلك وجهز أسطولاً عظيمًا ، ونجح في إنزال قواته وأعداد كبيرة من مدافعه بالقرب من مدينة "أوترانت" الإيطالية ، وتمكن من الاستيلاء على قلعتها ، وذلك في (جمادى الأولى 885 ﻫ = يوليو 1480م) .

وعزم "محمد الفاتح" على أن يتخذ من مدينة "أوترانت" قاعدة يزحف منها شمالاً حتى يصل إلى "روما" ، وفزع العالم الأوروبي من هذه المحاولة ، وانتظر سقوط مدينة "روما" العريقة في يد "الفاتح" ، لكن الموت هاجمه فجأة وهو يستعد لتحقيق هذا الحلم في (4 من ربيع الأول 886 ه = 3 من مايو 1481م) ، وابتهجت أوروبا كلها بعد سماعها نبأ الوفاة ، وأمر بابا "روما" أن تقام صلاة الشكر في الكنائس ابتهاجًا بهذا النبأ .


· "محمد الفاتح" .. رجل دولة وراعى حضارة :


اتسعت رقعة الدولة العثمانية في عهد "الفاتح" اتساعًا كبيرًا لم تشهده من قبل بفضل قيادته الحكيمة وسياسته الرشيدة .. ولم يكن ذلك كل إنجازات الفاتح ، فقد استطاع بمساعدة بعض رجاله الأوفياء من وضع دستور للدولة مستمد من كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والتزمت به الدولة العثمانية ما يقرب من أربعة قرون .

واستطاع على الرغم من انشغاله من إنشاء أكثر من (300) مسجد ، منها في العاصمة "إستانبول" وحدها (192) مسجدًا وجامعًا ، بالإضافة إلى (57) مدرسة ، ومن أشهر آثاره المعمارية مسجد "السلطان محمد" ، وجامع "أبى أيوب الأنصاري"، وقصر "سراي طوب قبو".

واشتهر "محمد الفاتح" بأنه كان محبًّا للأدب ، وكان شاعرًا مجيدًا يحب القراءة ويداوم عليها ، ويصاحب العلماء والشعراء ، ويولى بعضهم مناصب الوزارة ، وكان إذا سمع بعالم كبير في فن من الفنون قدم له العون والمساعدة ، أو يطلب منه أن يأتى إلى "إستانبول" للاستفادة من علمه .


· شخصية "محمد الفاتح" :


كان "محمد الفاتح" مسلمًا ملتزمًا بأحكام الشريعة الإسلامية ، ورجلاً صالحًا بفضل نشأته التي أثرت فيه تأثيرًا عظيمًا ، أما سلوكه العسكري فكان سلوكًا متحضرًا لم تشهده أوروبا في عصورها الوسطى .

وقد حقق "الفاتح" أعظم إنجازاته بفتح مدينة "القسطنطينية" العريقة بفضل طموحه القوى الذي زرعه فيه أساتذته ، والإيحاء له بأنه البطل الذي ستفتح على يديه " القسطنطينية" .

وسعى "الفاتح " إلى تحقيق أحلامه بالسعي الجاد والعمل المستمر والتخطيط المنظم، فقبل أن يحاصر "القسطنطينية" استعد لذلك بصب المدافع وإنشاء الأساطيل والاستفادة من كل الإمكانيات التي تساعده في النصر .

بالطموح العالي ، والعزيمة والإصرار ، والسعى إلى الهدف ، نجح "الفاتح" في جعل الحلم حقيقة ، والأمنية واقعًا ، وأن يكون واحدًا من أبطال الإسلام والفاتحين الكبار

ٍ ~ سلسلة عظماء اسلموا ~ الحلقة الثالثة والعشرون { فابيان .. عارضة الأزياء الفرنسية !! }

فابيان عارضة الأزياء الفرنسية، فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، جاءتها لحظة الهداية وهي غارقة في عالم الشهرة والإغراء والضوضاء.. انسحبت في صمت.. تركت هذا العالم بما فيه، وذهبت إلى أفغانستان؛ لتعمل في تمريض جرحى المجاهدين الأفغان، وسط ظروف قاسية وحياة صعبة!

تقول فابيان: "لولا فضل الله عليَّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادئ".

ثم تروي قصتها فتقول:

"منذ طفولتي كنت أحلم دائمًا بأن أكون ممرضة متطوعة، أعمل على تخفيف الآلام للأطفال المرضى، ومع الأيام كبرت، ولَفَتُّ الأنظار بجمالي ورشاقتي، وحرَّضني الجميع -بما فيهم أهلي- على التخلي عن حلم طفولتي، واستغلال جمالي في عمل يدرُّ عليَّ الربح المادي الكثير والشهرة والأضواء، وكل ما يمكن أن تحلم به أية مراهقة، وتفعل المستحيل من أجل الوصول إليه.

وكان الطريق أمامي سهلاً -أو هكذا بدا لي-، فسرعان ما عرفت طعم الشهرة، وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم باقتنائها.

ولكن كان الثمن غاليًا.. فكان يجب عليَّ أولاً أن أتجرد من إنسانيتي، وكان شرط النجاح والتألّق أن أفقد حساسيتي وشعوري، وأتخلى عن حيائي الذي تربيت عليه، وأفقد ذكائي ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي، وإيقاعات الموسيقى! كما كان عليَّ أن أُحرم من جميع المأكولات اللذيذة، وأعيش على الفيتامينات الكيميائية والمقويات والمنشطات، وقبل كل ذلك أن أفقد مشاعري تجاه البشر.. لا أكره.. لا أحب.. لا أرفض أي شيء.

إن بيوت الأزياء جعلت مني صنمًا متحركًا مهمته العبث بالقلوب والعقول.. فقد تعلمت كيف أكون باردة قاسية مغرورة فارغة من الداخل، لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنت جمادًا يتحرك ويبتسم ولكنه لا يشعر، ولم أكن وحدي المطالبة بذلك، بل كلما تألقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها زاد قدرها في هذا العالم البارد.. أما إذا خالفت أيًّا من تعاليم الأزياء فتُعرَّض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي، والجسماني أيضًا!

وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل أو حياء".

وتواصل فابيان حديثها فتقول:

"لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ -إلا من الهواء والقسوة- بينما كنت أشعر بمهانة النظرات واحتقارهم لي شخصيًّا واحترامهم لما أرتديه.

كما كنت أسير وأتحرك.. وفي كل إيقاعاتي كانت تصاحبني كلمة (لو).. وقد علمت بعد إسلامي أن لو تفتح عمل الشيطان.. وقد كان ذلك صحيحًا، فكنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها، والويل لمن تعرض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط".

وعن تحولها المفاجئ من حياة لاهية عابثة إلى أخرى تقول:

"كان ذلك أثناء رحلة لنا في بيروت المحطمة، حيث رأيت كيف يبني الناس هناك الفنادق والمنازل تحت قسوة المدافع، وشاهدت بعيني مستشفى للأطفال في بيروت، ولم أكن وحدي بل كان معي زميلاتي من أصنام البشر، وقد اكتفين بالنظر بلا مبالاة كعادتهن.

ولم أتمكن من مجاراتهن في ذلك.. فقد انقشعت عن عيني في تلك اللحظة غُلالة الشهرة والمجد والحياة الزائفة التي كنت أعيشها، واندفعت نحو أشلاء الأطفال في محاولة لإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة. ولم أعد إلى رفاقي في الفندق حيث تنتظرني الأضواء، وبدأت رحلتي نحو الإنسانية حتى وصلت إلى طريق النور وهو الإسلام.

وتركت بيروت وذهبت إلى باكستان، وعند الحدود الأفغانية عشت الحياة الحقيقية، وتعلمت كيف أكون إنسانة. وقد مضى على وجودي هنا ثمانية أشهر قمتُ بالمعاونة في رعاية الأسر التي تعاني من دمار الحروب، وأحببت الحياة معهم، فأحسنوا معاملتي. وزاد قناعتي في الإسلام دينًا ودستورًا للحياة من خلال معايشتي له، وحياتي مع الأسر الأفغانية والباكستانية وأسلوبهم الملتزم في حياتهم اليومية، ثم بدأت في تعلم اللغة العربية، فهي لغة القرآن، وقد أحرزت في ذلك تقدمًا ملموسًا. وبعد أن كنت أستمد نظام حياتي من صانعي الموضة في العلم، أصبحت حياتي تسير تبعًا لمبادئ الإسلام وروحانياته.

وتصف "فابيان" موقف بيوت الأزياء العالمية منها بعد هدايتها، وتؤكد أنها تتعرض لضغوط دنيوية مكثفة، فقد أرسلوا عروضًا بمضاعفة دخلها الشهري إلى ثلاثة أضعافه، فرفضت بإصرار.. فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليها هدايا ثمينة؛ لعلها تعود عن موقفها وترتد عن الإسلام.

وتمضي قائلة:

"ثم توقفوا عن إغرائي بالرجوع، ولجئوا إلى محاولة تشويه صورتي أمام الأسر الأفغانية، فقاموا بنشر أغلفة المجلات التي كانت تتصدرها صوري السابقة أثناء عملي كعارضة أزياء وعلقوها في الطرقات وكأنهم ينتقمون من توبتي، وحاولوا بذلك الوقيعة بيني وبين أهلي الجدد، ولكن خاب ظنهم والحمد لله".

وتنظر فابيان إلى يدها وتقول:

"لم أكن أتوقع أن يدي المرفهة التي كنت أقضي وقتًا طويلاً في المحافظة على نعومتها سأقوم بتعريضها لهذه الأعمال الشاقة وسط الجبال، ولكن هذه المشقة زادت من نصاعة وطهارة يدي، وسيكون لها حسن الجزاء عند الله سبحانه وتعالى إن شاء الله".

كعب الأحبار

كعب الأحبار

هو كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر ، الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدم المدينة من اليمن في أيامعمر رضي الله عنه ، فجالس أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ، ويحفظ عجائب ويأخذ السنن عن الصحابة . وكان حسن الإسلام ،متين الديانة ، من نبلاء العلماء .

حدث عن : عمر ، وصهيب ، وغير واحد .

حدث عنه : أبو هريرة ، ومعاوية ، وابن عباس ، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي ، وهو نادر عزيز .

وحدث عنه : أيضا : أسلم مولى عمر ، وتبيع الحميري ابن امرأة كعب ، وأبو سلام الأسود ، وروى عنه عدة من التابعين ؛ كعطاء بن يسار ، وغيره مرسلا .

وكان خبيرا بكتب اليهود ، له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة .

وقع له رواية في سنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي .

سكن بالشام بأخرة ، وكان يغزو مع الصحابة .

روى خالد بن معدان : عن كعب الأحبار ، قال : لأن أبكي من خشية أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا .

توفي كعب بحمص ذاهبا للغزو في أواخر خلافة عثمان - رضي الله عنه - فلقد كان من أوعية العلم .

وممن روى عنه ؛ أبو الرباب مطرف بن مالك القشيري أحد من شهد فتح تستر .

فروى محمد بن سيرين ، عن أبي الرباب ، قال : دخلنا على أبي الدرداء - رضي الله عنه - نعوده وهو يومئذ أمير ، وكنت أحد خمسة ولوا قبضالسوس ، فأتاني رجل بكتاب ، فقال : بيعونيه ، فإنه كتاب الله ، أحسن أقرؤه ولا تحسنون ، فنزعنا دفتيه ، فأخذه بدرهمين . فلما كان بعد ذلك ، خرجنا إلى الشام ، وصحبنا شيخ على حمار ، بين يديه مصحف يقرؤه ، ويبكي ، فقلت : ما أشبه هذا المصحف بمصحف شأنه كذا وكذا .

فقال : إنه هو ، قلت : فأين تريد ؟ قال : أرسل إلي كعب الأحبار عام أول ، فأتيته ، ثم أرسل إلي ، فهذا وجهي إليه . قلت : فأنا معك . فانطلقنا حتى قدمنا الشام ، فقعدنا عند كعب ، فجاء عشرون من اليهود ، فيهم شيخ كبير يرفع حاجبيه بحريرة ، فقالوا : أوسعوا أوسعوا ، فأوسعوا ، وركبنا أعناقهم ، فتكلموا ، فقال كعب : يا نعيم ! أتجيب هؤلاء ، أو أجيبهم ؟ قال : دعوني حتى أفقه هؤلاء ما قالوا ، إن هؤلاء أثنوا على أهل ملتنا خيرا ، ثم قلبوا ألسنتهم ، فزعموا أنا بعنا الآخرة بالدنيا ، هلم فلنواثقكم ، فإن جئتم بأهدى مما نحن عليه ، اتبعناكم ، وإلا فاتبعونا إن جئنا بأهدى منه .

قال : فتواثقوا ، فقال كعب : أرسل إلي ذلك المصحف ، فجيء به . فقال : أترضون أن يكون هذا بيننا ؟ قالوا : نعم ، لا يحسن أحد أن يكتب مثلهاليوم ، فدفع إلى شاب منهم ، فقرأ كأسرع قارئ ، فلما بلغ إلى مكان منه ، نظر إلى أصحابه كالرجل يؤذن صاحبه بالشيء ، ثم جمع يديه ، فقال : يه فنبذه فقال كعب : آه ، وأخذه ، فوضعه في حجره ، فقرأ ، فأتى على آية منه ، فخروا سجدا ، وبقي الشيخ يبكي . قيل : وما يبكيك ؟ قال : وما لي لا أبكي ، رجل عمل في الضلالة كذا وكذا سنة ، ولم أعرف الإسلام حتى كان اليوم .

وقال همام : حدثنا قتادة ، عن زرارة ، عن مطرف بن مالك قال : أصبنا دانيال بالسوس في لحد من صفر ، وكان أهل السوس إذا أسنتوا استخرجوه ، فاستسقوا به ؛ وأصبنا معه ربطتين من كتان وستين جرة مختومة ، ففتحنا واحدة ، فإذا فيها عشرة آلاف ، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب ، وكان معنا أجير نصراني يقال له : نعيم ، فاشتراها بدرهمين .

ثم قال قتادة : وحدثني أبو حسان ؛ أن أول من وقع عليه حرقوص ، فأعطاه أبو موسى الربطتين ، ومائتي درهم . ثم إنه طلب أن يرد عليه الربطتين ، فأبى ، فشققها عمائم . وكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر ؛ فكتب إليه : إن نبي الله دعا أن لا يرثه إلا المسلمون ، فصل عليه ، وادفنه.

قال همام بن يحيى : وحدثنا فرقد ، حدثنا أبو تميمة ، أن كتاب عمر جاء : أن اغسله بالسدر وماء الريحان .

ثم رجع إلى حديث مطرف بن مالك قال : فبدا لي أن آتي بيت المقدس ، فبينا أنا في الطريق ، إذا أنا براكب شبهته بذلك الأجير النصراني ، فقلت : نعيم ؟ قال : نعم . قلت : ما فعلت بنصرانيتك ؟ قال : تحنفت بعدك . ثم أتينا دمشق ، فلقيت كعبا ، فقال : إذا أتيتم بيت المقدس ، فاجعلوا الصخرة بينكم وبين القبلة . ثم انطلقنا ثلاثتنا حتى أتينا أبا الدرداء ، فقالت أم الدرداء لكعب : ألا تعدني على أخيك ؟ يقوم الليل ويصوم النهار . قال : فجعل لها من كل ثلاث ليال ليلة . ثم أتينا بيت المقدس ، فسمعت يهود بنعيم وكعب ، فاجتمعوا فقال كعب : هذا كتاب قديم وإنه بلغتكم فاقرؤوه . فقرأه قارئهم حتى أتى على ذلك المكان : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [ آل عمران : 85 ] فأسلم منهم اثنان وأربعون حبرا ، ففرض لهم معاوية ، وأعطاهم .

ثم قال همام : وحدثني بسطام بن مسلم ، حدثنا معاوية بن قرة ، أنهم تذاكروا ذلك الكتاب ، فمر بهم شهر بن حوشب ، فقال : على الخبير سقطتم ؛ إن كعبا لما احتضر ، قال : ألا رجل أئتمنه على أمانة ؟ فقال رجل : أنا ، فدفع إليه ذلك الكتاب ، وقال : اركب البحيرة ، فإذا بلغت مكان كذا وكذا ، فاقذفه ، فخرج من عند كعب ، فقال : كتاب فيه علم ، ويموت كعب لا أفرط به ، فأتى كعبا وقال : فعلت ما أمرتني به قال : فما رأيت ؟ قال : لم أر شيئا ، فعلم كذبه ، فلم يزل يناشده ، ويطلب إليه حتى رده عليه ، فقال : ألا من يؤدي أمانة ؟ قال رجل : أنا .

فركب سفينة ، فلما أتى ذلك المكان ، ذهب ليقذفه ، فانفرج له البحر ، حتى رأى الأرض ، فقذفه ، وأتاه ، فأخبره . فقال كعب : إنها التوراة كما أنزلها الله على موسى  ما غيرت ولا بدلت ، ولكن خشيت أن يتكل على ما فيها ، ولكن قولوا : لا إله إلا الله ، ولقنوها موتاكم .

هكذا رواه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " عن هدبة ، عن همام . وشهر لم يلحق كعبا .

وهذا القول من كعب دال على أن تيك النسخة ما غيرت ولا بدلت ، وأن ما عداها بخلاف ذلك . فمن الذي يستحل أن يورد اليوم من التوراة شيئا على وجه الاحتجاج معتقدا أنها التوراة المنزلة ؟ كلا والله

زياد علي

زياد علي محمد