الأحد، 25 أغسطس 2019

ثابت بن قيس بن شماس

ثابت بن قيس بن شماس





كان من نجباء أصحاب محمد، لم يشهد بدرًا، ولكنه شهد أحدًا وبيعة الرضوان. أمه هند الطائية، وقيل: كبشة بنت واقد بن الإطنابة، أسلمت وكانت ذا عقل وافر.
إخوته لأمه: عبد الله بن رواحة، عمرة بنت رواحة.
تزوج ثابت بن قيس من جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فولدت له محمدًا.
وتزوج أيضًا من حبيبة بنت سهل، وقد آخى رسول الله بينه وبين عمار.
إسلام ثابت بن قيس:

هو أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب، إذ ما كاد يستمع إلى آي الذكر الحكيم يرتلها الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى أسر القرآن سمعه بحلاوة وقعه، وملك قلبه برائع بيانه، وخلب لبه بما حفل به من هدى وتشريع.
فشرح الله صدره للإيمان وأعلى قدره ورفع ذكره بالانطواء تحت لواء نبي الإسلام.
أثر تربية الرسول في شخصية ثابت بن قيس:

عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل، وأجدني أحب الحمد، وينهانا الله عن الخيلاء، وإني امرؤ أحب الجمال، وينهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا رجل رفيع الصوت، فقال رسول الله: "يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة".
من ملامح شخصية ثابت بن قيس:

لما نزل قوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].
تجنب ثابت بن قيس مجالس رسول الله على الرغم من شدة حبه له وفرط تعلقه به ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة.
فافتقده النبي وقال: "من يأتيني بخبره؟", فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله وذهب إليه فوجده في منزله محزونًا منكسًا رأسه فقال له: ما شأنك يا أبا محمد؟ قال: شر. قال: وما ذاك؟ قال: إنك تعرف أني رجل جهير الصوت كثيرًا ما يعلو صوتي على صوت رسول الله وقد نزل من القرآن ما تعلم, وما أحسبني إلا قد حبط عملي وإنني من أهل النار، فرجع الرجل إلى الرسول وأخبره بما رأى وما سمع, فقال: "اذهب إليه وقل له لست من أهل النار, ولكنك من أهل الجنة".
إيثار ثابت بن قيس وإنفاقه في سبيل الله:

قال رسول الله لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله ما فعلت بضيفك البارحة", ولعل هذه الواقعة هي سبب نزل قول الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
فقد روي أن رجلاً من المسلمين مكث صائمًا ثلاثة أيام يمسي فلا يجد ما يفطر فيصبح صائمًا حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن قيس, فقال لأهله: إني سأجيء الليلة بضيف لي, فإذا وضعتم طعامكم, فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه فيطفئه, ثم اضربوا بأيديكم إلى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا, فلما أمسى ذهب به فوضعوا طعامهم فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته, ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم, وإنما كان طعامهم ذلك خيره هو قوتهم, فلما أصبح ثابت غدًا إلى رسول الله فقال: "يا ثابت لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم", فنزلت هذه الآية: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].


حال ثابت بن قيس مع القرآن:

وعن محمد بن جرير بن يزيد " أن أشياخ أهل المدينة حدثوه: إن رسول الله قيل له: ألم تر أن ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت, فقال: قرأت سورة البقرة".
شجاعة ثابت بن قيس:

في صحيح مسلم عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء فقتل".
مواقف من حياة ثابت بن قيس مع الرسول:

عن أنس قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله المدينة, فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنة". قالوا: رضينا.
ومن مواقفه:

عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي فقالت: يا رسول الله, ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين, ولكن أكره الكفر في الإسلام, فقال رسول الله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". رواه البخاري.
الرسول يزور ثابت بن قيس في مرضه:

في سنن أبي داود بسنده قال ابن صالح محمد بن يوسف بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده عن رسول الله أنه دخل على ثابت بن قيس -قال أحمد وهو مريض- فقال: "اكشف البأس رب الناس عن ثابت بن قيس بن شماس", ثم أخذ ترابًا من بطحان فجعله في قدح, ثم نفث عليه بماء وصبه عليه.
ومن مواقفه أيضًا:

قال الزهري: قدم وفد بني تميم وافتخر خطيبهم بأمور, فقال النبي لثابت بن قيس: "قم فأجب خطيبهم", فقام وحمد الله وأبلغ, وسرَّ رسول الله والمسلمون بمقامه وكان مما قال ثابت لله دره: "والحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكًا واصطفى من خيرة خلقه رسولاً، أكرمهم نسبًا وأصدقهم حديثًا، وأفضلهم حسبًا، فأنزل عليه كتابه وأتمه على خلقه، فكان خيرة الله تعالى من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه ذوي رحمه أكرم الناس حسبًا، وأحسن وخير الناس فعالاً، ثم كان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاهم رسول الله، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم".
مواقف من حياة ثابت بن قيس مع الصحابة

عن أنس بن مالك قال: جئته وهو يتحنط فقلت: ألا ترى؟ فقال: الآن يا ابن أخي ثم أقبل فقال: هكذا عن وجوهنا تقارع القوم. بئس ما عودتم أقرانكم, ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله فقاتل حتى قتل.
أثر ثابت بن قيس في الآخرين (دعوته ـ تعليمه):

قال أبو قاسم الطبراني بسنده عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدوني إلى ابنته فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول لما أنزل على رسول الله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18], اشتدت على ثابت بن قيس وفاق عليه بابه، وطفق يبكي فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها, فقال: أنا رجل أحب الجمال وأنا أسود قومي، فقال: "إنك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة"، فلما أنزل على رسول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2]، فعل مثل ذلك فأخبر النبي فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون من حبط عمله, فقال: "إنك لست منهم، بل تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا ويدخلك الله الجنة".
وقد روى عن ثابت بن قيس أنس بن مالك كما روى عنه ابنه محمد بن قيس وهو من الصحابة جميعًا، وكذا روى عنه ابنه قيس بن ثابت وهو من كبار التابعين.
مناقب ثابت بن قيس:

عن أبي هريرة قال: قال النبي:"نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس".
وقد بشره النبي في أكثر من موضع بالجنة.
أوصى بعد موته وجازت وصيته!!

ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال له ثابت: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعًا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس يستن في طوله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلاً وائْتِ خالد بن الوليد فليبعث إلي درعي فليأخذها, فإذا قدمت على خليفة رسول الله فأعلمه أن عليَّ من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق, وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه, قال: فأتى خالد بن الوليد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر وقدم على أبي بكر فأخبره, فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدًا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس.
وفاة ثابت بن قيس:

لما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت بن قيس فيمن سار فلما لقوا مسيلمة وبني حذيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات, فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله فجعلا لأنفسهما حفرة, فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا.
روى البخاري بسنده عن موسى بن أنس قال: وذكر يوم اليمامة قال: أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء قال: الآن يا ابن أخي وجعل يتحنط يعني من الحنوط, ثم جاء فجلس, فذكر في الحديث انكشافا من الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم, ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله بئس ما عودتم أقرانكم، وفي رواية فقاتل حتى قتل.


عبدالرحمن بن أبي بكر ( بطل حتى النهاية )

عبدالرحمن بن أبي بكر ( بطل حتى النهاية )



  هو صورة مبيّنة للخلق العربي بكل أعماقه, وأبعاده..

فبينما كان أبوه أول المؤمنين.. والصدّيق الذي آمن برسوله إيمانا ليس من طراز سواه.. وثاني اثنين إذ هما في الغار..كان هو صامدا كالصخر مع دين قومه, وأصنام قريش.!!

وفي غزوة بدر, خرج مقاتلا مع جيش المشركين..

وفي غزوة أحد كان كذلك على رأس الرماة الذين جنّدتهم قريش لمعركتها مع المسلمين..

وقبل أن يلتحم الجيشان, بدأت كالعادة جولة المبارزة..

ووقف عبدالرحمن يدعو إليه من المسلمين من يبارزه..

ونهض أبو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه مندفعا نحوه ليبارزه, ولكن الرسول أمسك به وحال بينه وبين مبارزة ولده.

   إن العربي الأصيل لا يميزه شيء مثلما يميزه ولاؤه المطلق لاقتناعه..

إذا اقتنع بدين أو فكرة استبعده اقتناعه, ولم يعد للفكاك منه سبيل, اللهمّ إلا إذا أزاحه عن مكانه اقتناع جديد يملأ عقله ونفسه بلا زيف, وبلا خداع.

فعلى الرغم من إجلال عبدالرحمن أباه, وثقته الكاملة برجاحة عقله, وعظمة نفسه وخلقه, فان ولاءه لاقتناعه بقي فارضا سيادته عليه.

ولم يغره إسلام أبيه بإتباعه.

وهكذا بقي واقفا مكانه, حاملا مسؤولية اقتناعه وعقيدته, يذود عن آلهة قريش, ويقاتل تحت لوائها قتال المؤمنين المستميتين..

والأقوياء الأصلاء من هذا الطراز, لا يخفى عليهم الحق وان طال المدى..

فأصالة جوهرهم, ونور وضوحهم, يهديانهم إلى الصواب آخر الأمر, ويجمعانهم على الهدى والخير.

ولقد دقت ساعة الأقدار يوما, معلنة ميلادا جديدا لعبدالرحمن بن أبي بكر الصدّيق..

لقد أضاءت مصابيح الهدى نفسه فكنست منها كل ما ورثته الجاهلية من ظلام وزيف. ورأى الله الواحد الأحد في كل ما حوله من كائنات وأشياء, وغرست هداية الله ظلها في نفسه وروعه, فإذا هو من المسلمين..!

ومن فوره نهض مسافرا إلى رسول الله, أوّأبا إلى دينه الحق.

وتألق وجه أبي بكر تحت ضوء الغبطة وهو يبصر ولده يبايع رسول الله.

لقد كان في كفره رجلا.. وها هو ذا يسلم اليوم إسلام الرجال. فلا طمع يدفعه, ولا خوف يسوقه. وإنما هو اقتناع رشيد سديد أفاءته عليه هداية الله وتوفيقه.

وانطلق عبدالرحمن يعوّض ما فاته ببذل أقصى الجهد في سبيل الله, ورسوله والمؤمنين...

 

  في أيام الرسول عليه صلاة الله وسلامه, وفي أيام خلفائه من بعده, لم يتخلف عبدالرحمن عن غزو, ولم يقعد عن جهاد مشروع..

ولقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم, وكان لثباته واستبساله دور كبير في كسب المعركة من جيش مسيلمة والمرتدين.. بل انه هو الذي أجهز على حياة محكم بن الطفيل, والذي كان العقل المدبر لمسيلمة, كما كان يحمي بقوته أهم مواطن الحصن الذي تحصّن جيش الردّة بداخله, فلما سقط محكم بضربة من عبدالرحمن, وتشتت الذين حوله, انفتح في الحصن مدخل واسع كبير تدفقت منه مقاتلة المسلمين..

وازدادت خصال عبدالرحمن في ظل الإسلام مضاء وصقلا..

فولاؤه لاقتناعه, وتصميمه المطلق على إتباع ما يراه صوابا وحقا, ورفضه المداهنة...

كل هذا الخلق ظل جوهر شخصيته وجوهر حياته, لم يتخل عنه قط تحت إغراء رغبة, أو تأثير رهبة, حتى في ذلك اليوم الرهيب, يوم قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد بحد السيف.. فكتب إلى مروان عامله بالمدينة كتاب البيعة, وأمره إن يقرأه على المسلمين في المسجد..

وفعل مروان, ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبدالرحمن بن أبي بكر ليحول الوجوم الذي ساد المسجد إلى احتجاج مسموع ومقاومة صادعة فقال:

" والله ما الأخيار أردتم لأمة محمد, ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية.. كلما مات هرقل قام هرقل"..!!

لقد رأى عبدالرحمن ساعتئذ كل الأخطار التي تنتظر الإسلام لو أنجز معاوية أمره هذا, وحوّل الحكم في الإسلام من شورى تختار بها الأمة حاكمها, إلى قيصرية أو كسروية تفرض على الأمة بحكم الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر..!!

   لم يكد عبدالرحمن يصرخ في وجه مروان بهذه الكلمات القوارع, حتى أيّده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي, وعبدالله بن الزبير, وعبدالله بن عمر..

ولقد طرأت فيما بعد ظروف قاهرة اضطرت الحسين وابن الزبير وابن عمر رضي الله عنهم إلى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية أن يأخذها بالسيف..

لكن عبدالرحمن بن أبي بكر ظل يجهر ببطلان هذه البيعة, وبعث إليه معاوية من يحمل مائة ألف درهم, يريد أن يتألفه بها, فألقاها ابن الصدّيق بعيدا وقال لرسول معاوية:

" ارجع إليه وقل له: إن عبدالرحمن لا يبيع دينه بدنياه"..

ولما علم بعد ذلك أن معاوية يشدّ رحاله قادما إلى المدينة غادرها من فوره إلى مكة..

وأراد الله أن يكفيه فتنة هذا الموقف وسوء عقباه..

فلم يكد يبلغ مشارف مكة ويستقر بها حتى فاضت إلى الله روحه,, وحمله الرجال على الأعناق إلى أعالي مكة حيث دفن هناك, تحت ثرى الأرض التي شهدت جاهليته..

وشهدت إسلامه..!!

وكان إسلام رجل صادق, حرّ شجاع...

الشيخ/ عبد الرحمن بن إبراهيم الخميسي


الاسم: د/ عبد الواحد بن عبد الله علي الخميسي.

محل الميلاد: الخميسين – حجة.

تاريخ الميلاد: 1967م.

الحالة الاجتماعية: متزوج.

محل الإقامة: صنعاء.

عناوين للتواصل: جامعة الإيمان. - الجوال: 777288791 - الهاتف: 375101

ثانياً: النشأة وطلب العلم:

نشأت في كنف والدي الشيخ عبد الله بن علي الخميسي الفقيه اللغوي المفسر وأخذت عليه كثيراً من العلوم الشرعية متوناً وشروحاً، فمن المتون: متن الآجرومية بشرحه، ومتن الألفية – ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل، في النحو، وفي الفقه متن الزبد لابن رسلان بشرحه مواهب العمد، وأيضاً: زاد المستقنع في اختصار المقنع، وشرح أبي شجاع للقاسمي وغيرها.

وفي المواريث متن الرحبية بشرحه للإمام الشنشوري، وفي التجويد متن الجزرية بشرحها: المنح الفكرية على المقدمة الجزرية، وقرأت أيضاً عليه تفسير فتح القدير من أوله إلى آخره، وبلوغ المرام بشرح سبل السلام، وغيرها وأيضاً ممن قرأت عليهم: خالي – أخ لأمي- الشيخ علي محمد عبد الله الخميسي مدير مكتب التوجيه والإرشاد بحجة، وهو من خريجي كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد أفادني كثيراً وشجعني على طلب العلم.

وقد قرأت عليه المذكرة في أصول الفقه، وإرشاد الفحول للإمام الشوكاني، وأيضاً سمعت له أي: قرأت عليه ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل.

ولا أنسى أستاذي القدير الذي درسني في الابتدائية الشيخ محمد حسن السودي الخميسي خريج كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقد قرأت عليه كثيراً من العلوم الشرعية.

وكان –حفظه الله– يشجعني على طلب العلم، وعموماً فإني نشأت في بيئة علمية جل من فيها من خريجي كلية الشريعة بالرياض، أو الجامعة الإسلامية، ولا أنسى شيخي القدير القاضي أحمد حسن الطيب فله فضل علي كبير بعد الله، ولا أبالغ إذا قلت: إنه كان الشخصية المشرفة على تربيتي من خلال ابن خالي الأستاذ محمد علي محمد الخميسي.

ثالثاً: العلماء الذين درس على أيديهم:

والدي الشيخ عبد الله بن علي الخميسي.

خالي الشيخ علي محمد عبد الله الخيمسي.

أستاذي الشيخ محمد حسن السودي الخميسي.

أستاذي وشيخي القاضي أحمد حسن الطيب عضو المحكمة العليا.

الشيخ منصور بن علي الخميسي.

الشيخ الأستاذ الدكتور عبد المجيد عزيز الزنداني.

الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان.

الشيخ العلامة محمد بن إسماعيل العمراني.

الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي.

الشيخ العلامة عبد الله الحاشدي.

الشيخ العلامة محمد بن يوسف حربة.

الشيخ الدكتور أمين مقبل.

الشيخ العلامة علي بن عبد الله العديني.

الشيخ العلامة محمد المختار الشنقيطي.

الشيخ العلامة أحمد عالي الشنقيطي.

الشيخ العلامة محمد سعيد الشنقيطي.

الشيخ العلامة قاسم بحر.

الشيخ الدكتور عبد اللطيف هايل.

الشيخ الدكتور صالح الظبياني.

الشيخ الدكتور أبوبكر الشنقيطي وغيرهم.

الشيخ الدكتور حسن الأهدل.

رابعاً: المؤهلات الأكاديمية:

* بكالوريوس في العلوم الشرعية واللغوية.

* ماجستير في النحو والصرف.

* دكتوراه في النحو والصرف.

خامساً: الإجازات العلمية الحاصل عليها:

* إجازة في النحو والصرف من الشيخ العلامة محمد بن المختار الشنقيطي: الإجازة في حفظ الألفية وشرح ابن عقيل.

* إجازة في القضاء والفتوى من القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني.

* إجازة في المذهب المالكي من الشيخ محمد بن المختار الشنقيطي.

* إجازة في الإعجاز العلمي من الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني.

* إجازة من الشيخ قاسم بحر في جميع مروياته.

* وغيرها من الإجازات.

سادساً: الوظائف التي تقلدها سابقاً والأعمال التي يشغلها حالياً:

* مدرس بالمعاهد العلمية سابقاً.

* موجه بوزارة التربية والتعليم.

* مدرس بجامعة الإيمان لمادتي اللغة العربية والتفسير - حالياً.

* مدرس لمادة النحو في برنامج رعاية الموهوبين - حالياً.

* مدرس بمركز الإمام مالك - سابقاً.

* ومشارك في التدريس في مراكز وجامعات أخرى. ورئيس تحرير صحيفة (صوت الإيمان).

سابعاً: الإنتاج العلمي (البحوث والمؤلفات):

* كتاب التسهيل في النحو والصرف – لم يطبع بعد.

* كتاب التلخيص في النحو – لم يطبع بعد.

* علم البيان في التشبيه والمجاز والكناية.

* من أوجه الإعجاز البلاغي.

* دروس في قواعد الإملاء.

* الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) والشجرة الطيبة وأوجه الشبه بينهما.

* بحوث أخرى في الأدب والبلاغة والإعجاز.

ثامناً: الحياة الدعوية والتعليمية:

بدأت حياتي الدعوية والتعليمية وأنا في سن الخامسة والعشرين حيث كنت أقوم بتدريس حلقات في المقايل والمجالس وذلك في الفقه والأصول، والتجويد والنحو، والبلاغة، وغيرها من العلوم الشرعية. وكنت آنذاك مدرساً في المعاهد العلمية، ثم تواصلت الحياة الدعوية والتعليمية حتى إني قمت بتدريس ابن عقيل مرتين ابتداء من مسجد قطران في بير عبيد وانتهاء بمسجد جامعة الإيمان، كذلك قمت بتدريس القطر – قطر الندى، والتحفة السنية، وأدب البحث والمناظرة، والمواريث، وجواهر البلاغة وغير ذلك. وكنت مع هذا أذهب للدعوة في كثير من مناطق الجمهورية لإقامة الدورات العلمية ونحوها.

حبيبة الحبيب

ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها عن نفسهاعشر خصال فضلت فيها عن باق أمهات المؤمنين  قالت



( لم ينكح امرأة ابواها مهاجران غيري ولم ينكح بكرا قط غيري ,



وجاء جبريل عليه السلام بصورتي من السماء في حريرة وقال تزوجها فانها امرأتك .



وكنت أغتسل أنا وهو عليه الصلاة والسلام في اناء واحد , ولم يفعل ذالك بأحد



وفي الغيرة كانت رضي الله عنها مدرسة لكل النساء , فهي المرأة التي تحب زوجها وكيف لا....وهو خير البشر



فما هو في لحضة صفاء بين زوجين يحدثها ويذكر لعائشة خديجة ,



فتتحرك الغيرة في نفسها , فحبيبها يتذكر زوجته المتوفاة , وهي ان لم تكن تنكر فضلها الا أنها تريد أن تكون



سيدة قلبه وفؤاده , فتقول له : مالك تذكر عجوزا أبدلك الله خيرا منها

الخليل إبراهيم في السنة المطهرة 2

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الخليل إبراهيم في السنة المطهرة 2

في الحلقة الماضية كان حديثنا عن العلاقة بين الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - وجده إبراهيم - عليه السلام -، كما تعرفنا على قصة الخليل إبراهيم - عليه السلام - وزوجته سارة مع الملك الظالم.

ثالثا: حديثنا عن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وأسرته وبيت الله الحرام:

هناك عدد من الأحاديث فيها بيان مفيد وتفصيل لما أُجمل في القرآن الكريم عن علاقة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وأسرته بالمسجد الحرام، ومن هذه الأحاديث ما يلي:

1- ‏روى البخاري بسنده عن ‏ ‏ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -‏ قال: "أول ما اتخذ النساء المِنْطَقَ (كل ما شددت به وسطك) من قِبل ‏‏أم إسماعيل ‏اتخذت منطقا ‏‏لتعفي ‏أثرها على ‏‏سارة ‏ ‏ثم جاء بها‏ ‏إبراهيم - عليه السلام - ‏‏بابنها ‏‏إسماعيل ‏وهي ترضعه حتى وضعهما عند ‏البيت ‏عند دوحة فوق ‏زمزم ‏في أعلى المسجد، وليس ‏بمكة ‏يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم ‏ ‏قفى ‏ ‏إبراهيم - عليه السلام - منطلقا فتبعته ‏أم إسماعيل ‏فقالت: يا ‏‏إبراهيم ‏‏أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق ‏إبراهيم - عليه السلام -‏ ‏حتى إذا كان عند ‏ ‏الثنية ‏حيث لا يرونه استقبل بوجهه ‏‏البيت ‏ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) إبراهيم: 37-، حتى بلغ (يَشْكُرُونَ)، ‏‏وجعلت ‏‏أم إسماعيل ‏ ‏ترضع ‏‏إسماعيل ‏وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: ‏يتلبط ‏فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت ‏الصفا ‏أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت ‏الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من ‏الصفا ‏حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت ‏‏المروة ‏ ‏فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ‏ ‏ابن عباس: ‏‏قال النبي - صلى الله عليه وسلم -‏: ‏فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على ‏المروة ‏ ‏سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك ‏غواث ‏‏فإذا هي بالمَلَك عند موضع ‏‏زمزم ‏فبحث ‏‏بعقبه ‏أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت ‏‏تحوضه ‏وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ‏ ‏ابن عباس: ‏ ‏قال النبي ‏ - صلى الله عليه وسلم -‏: ‏"‏يرحم الله ‏ ‏أم إسماعيل ‏لو تركت ‏‏زمزم ‏ ‏أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت ‏زمزم ‏عينا معينا، قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا ‏الضيعة ‏ ‏فإن ها هنا ‏ ‏بيت الله ‏يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان ‏‏البيت ‏مرتفعا من الأرض ‏كالرابية ‏تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من ‏جرهم ‏أو أهل بيت من ‏جرهم ‏ ‏مقبلين من طريق ‏ ‏كداء ‏‏فنزلوا في أسفل ‏‏مكة، ‏فرأوا طائرا ‏‏عائفا ‏فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا ‏جريا ‏أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال: ‏وأم إسماعيل ‏‏عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك، فقالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء، قالوا: نعم، قال: ‏ابن عباس ‏ ‏قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -‏ ‏فألفى ذلك ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏وهي تحب الإنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت ‏أم إسماعيل ‏فجاء ‏إبراهيم ‏ ‏بعدما تزوج ‏‏إسماعيل ‏يطالع تركته فلم يجد‏ ‏إسماعيل ‏فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي - عليه السلام - وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء‏ ‏إسماعيل‏ ‏كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟، قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غيِّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم ‏إبراهيم ‏- عليه السلام - ‏ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -‏ ‏ولم يكن لهم يومئذ حَبْ ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير ‏مكة ‏‏إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي - عليه السلام - ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏قال: هل أتاكم من أحد؟، قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته إنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟، قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبِّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك ‏ ‏وإسماعيل ‏ ‏يبري ‏ ‏نبلا له تحت دوحة قريبا من ‏ ‏زمزم ‏ ‏فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا ‏إسماعيل ‏إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى ‏ ‏أكمة ‏ ‏مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من ‏‏البيت ‏ ‏فجعل ‏ ‏إسماعيل - عليه السلام - ‏يأتي بالحجارة ‏ ‏وإبراهيم - عليه السلام -‏ ‏يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني ‏وإسماعيل ‏يناوله الحجارة وهما يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: 127-‏، ‏قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول ‏البيت ‏‏وهما يقولان: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: 127-[1]، وفي الحق هذا حديث جامع فيه من العبر ما يلي:

- أن السيدة هاجر كانت أول من اتخذت المنطق (حزام على البطن تنتطق به المرأة) لكي لا تثير غيرة سارة لما حملت بإسماعيل.

- أنها رضيت أن تُنقل إلى بلدة أخرى؛ لما اشتدت غيرة سارة نزولاً على أمر ربها، وراحةً لزوجها ونفسها.

- لما تساءلت كزوجة كيف يتركها في مكان لا إنس فيه ولا زرع ولا ضرع لم يجبها، فأعادت السؤال بطريقة أخرى: ((آلله امرك بهذا؟)) فلما قال: "نعم"، قابلت هذا الأمر الرباني باليقين الكامل: ((إذاً لن يضيعنا)).

- لما نفد التمر والماء خرجت تسعى بهمة بين الصفا والمروة ضاربة المثل الأعلى للأمة كلها من بعدها أن التوكل لا يعني ترك الأسباب بل الأخذ بأحسن الأسباب مع تفويض كامل لرب الأرباب.

- أن هذا التوكل (أخذ بالأسباب وتفويض لله تعالى) كمعْلم تربوي تُوَّج بالعناية الربانية في الرزق الوفير بتفجُّر ماء زمزم تحت رجل ولدها إسماعيل.

- لم يكن الماء غذاءً ضروريا لهاجر وابنها إسماعيل فقط إنما جلب الأُنس بالإنس حيث جاء الطير يشرب، فاهتدت قبيلة جُرهم وكانت تبحث عن الماء إلى موضع الماء فجاءوا يعيشون معهم، وترعرع إسماعيل - عليه السلام - مع هذه القبيلة حتى تزوج منهم.

- أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - كان يتعهد ويتفقد أسرته بين الحين والآخر.

- أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - كان يستشير ولده دائما، فعندما أمره ربه برفع القواعد من البيت لم يعرض الأمر كتكليف بل عرضه كحوار هل تعينني على هذا؟ قال: أعينك، ثم رفعا القواعد معا، فكان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويهتفان معا بالدعاء: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: 127، فلما أتمَّا البناء طافا حول البيت يرددان هذا الدعاء.

- أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - في زياراته المتكررة وجد الشكوى من إحدى زوجات إسماعيل ولم تكن تعرف أنه أبوه فأمر إسماعيل بطلاقها، فلما زاره مرة أخرى ووجد الرضا والقناعة في زوجته الثانية، أمره بتثبيتها وإكرامها، وكانت النتيجة هي طاعة كاملة من الابن لأبيه، وهكذا تقوم العلاقة بين الأب وابنه تعهداً وتفقداً ورعايةً ونصحاً من الأب ومطاوعةً وبراً من الابن.

رابعا: سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وتحريم مكة والدعاء لها البركة:

دعا سيدنا إبراهيم - عليه السلام - لتحريم مكة وزيادة بالبركة، لما رواه مسلم بسنده عن ‏‏ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ))[2].

وروى مسلم أيضا بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا اللّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ))[3].

من رحمات الله - تعالى - على مكة المكرمة أم القرى ومهد رسالة الإسلام أن تهيأت لهذه الرسالة العظيمة بدعاء سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ربه أن تكون بلداً حراما بما يعني أنها منطقة لا يجوز القتال فيها، ويأمن فيها كل من أوى إليها من إنسان أو حيوان أو طير بل حتى الشجر، ولم يكتف سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بذلك بل أضاف إليها نداءً ندياً بالسعة في الرزق وبركة في العطاء، فصارت أرض أمنٍ وبركة وسعة وثراء إلى يوم القيامة، رغم أنها لم تكن بلده الأصلي، حيث وُلد في العراق، لكنه جاء إليها، وأودع زوجته وولده بها، ورفع قواعد البيت، فظلَّت معالمه شاهدة إلى اليوم، وباقية إلى يوم القيامة بإذن الله.

خامسا: قصور بناء الكعبة عن قواعد إبراهيم:

روى مسلم بسنده عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ، حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ: «لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ))[4].

بنى سيدنا إبراهيم الكعبة، وكان فيها حِجر إسماعيل لكن أهل قريش لما أعادوا بناء الكعبة لم تكن لديهم كفاية من المال والمؤن فاقتصروا على جزء منها، ولما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة تمنى لو أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام - وأن يدخل حِجر إسماعيل فيها، لكنه راعى حداثة إسلام أهل مكة ومن حولها، بما يؤسس لفقه الأولويات وتأجيل بعض الواجبات لمراعاة ما هو أوجب منه، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يغيِّر ما فعله قومه، ولما بويع عبد الله بن الزبير في منطقة الحجاز أيام بني أمية هدم الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم - عليه السلام - وعلى ما كان يتمناه - صلى الله عليه وسلم -، فلما تغلب عليه الحجاج وقتله استشار الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، فقال: "دعونا من تلطيخ ابن الزبير، نعود بالكعبة إلى ما تركها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -"، فلما تغلب بنو العباس على بنو أمية أراد جعفر المنصور أن يهدم ما فعله بنو أمية، وأن يعود بالكعبة لقواعد سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بإدخال الحِجر فيها؛ تحقيقا لرغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستعادة لما فعله ابن الزبير، فألهمه الله استشارة إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقال قولته التاريخية: "أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس"[5]، ومنذ ذلك التاريخ عُصمت الكعبة - بفضل الله ومنته - ثم بهذه الكلمة التاريخية للإمام مالك من أن تغيرها الأهواء والخلافات السياسية.

وفي الحلقة القادمة بمشيئة الله - تعالى- سيكون حديثنا عن ارتباط مناسك الحج وشعيرة الصلاة بالخليل إبراهيم - عليه السلام - كما سنتعرف على خصوصيات فريدة لنبي الله إبراهيم في السنة النبوية المطهرة.

____________

[1] - صحيح البخاري، رقم الحديث 2217.

[2] - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي لها بالبركة، 9/113.

[3] - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي لها بالبركة، 9/122.

[4] - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، 9/75.

[5] - البداية والنهاية / ج2، ص33-239.

الخليل إبراهيم في السنة المطهرة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الخليل إبراهيم في السنة المطهرة

كما أن لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حضورا متميزا في القرآن الكريم، ففي السنة النبوية أيضا يتمثل فيها سيدنا إبراهيم - عليه السلام - نموذجاً حاضراً متميزاً في جوانب شتى، أهمها ما يلي:

أولا: سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أشبه شيء بجده سيدنا إبراهيم - عليه السلام -:

وذلك لما رواه البخاري بسنده عن ‏ ‏أبي هريرة‏ - رضي الله عنه- ‏‏قال: ‏قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ‏: ((لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَربٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيماسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام – بِهِ))[1].

ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أشبه به خَلقا وخُلقا، ولما لا، وهو من نسله المبارك، وعلى ملته ونهجه القويم، يؤكد هذا ما رواه مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))[2].

ولما أورده الألباني من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أنا دعوة أبي إبراهيم، و كان آخر من بشر بي عيسى بن مريم))[3].

ويزيد هذا تأكيدا أن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يشبه أباه خليل الله إبراهيم - عليه السلام - أن الله - تعالى - اتخذه أيضا خليلاً؛ لما رواه مسلم بسنده عن جندب بن جنادة - رضي الله عنه - ‏قال: ‏ ‏سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -‏ يقول:‏ ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله - تعالى -قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً))[4].

ثانيا: سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وزوجته سارة والملك الظالم:

من الابتلاءات الحادة التي فصَّلتها السُنة وأجملها القرآن الكريم ما تعرض له سيدنا إبراهيم - عليه السلام - مع الملك الظالم في زمانه وتعامل معه تعاملا يَتسمُ بأمرين:

1- تمام الإيمان بالله - تعالى -.

2- كمال الحكمة في التعامل مع هذا الملك الظالم.

ويُبيِّن ذلك الحديث الذي رواه البخاري بسنده عن‏ ‏أبي هريرة‏ ‏-رضي الله عنه-‏ ‏قال‏: قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: ((هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - بِسَارَةَ فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟، قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: لا تُكَذِّبِي حَدِيثِي فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَتوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلا عَلَى زَوْجِي فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فقالت: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ» فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلا شَيْطَانًا ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا هاجَرَ فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً))[5].

وفي هذه القصة ما يدل على أهمية الإيمان والحكمة في التعامل مع هذه الأحداث الخطيرة حيث يُبتلى سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بأن حاشية الملك قد رفعوا إليه أن رجلا وافدا على البلد عنده امرأة من أجمل النساء، فأراد أن يأخذها منه ظلما وعدوانا، فاختار سيدنا إبراهيم - عليه السلام - هذه الحيلة الشرعية، وتعاملت سارة مع الموقف بحسن التوكل على الله - تعالى - ودعت ربها بإخبات وتضرع: ((اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلا عَلَى زَوْجِي فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ)).

فاستجاب الله دعاءها في الأولى فأغشي عليه، فلما خشيت أن تقتل به دعت الله - عز وجل - أن يعافيه حتى لا تقتل به من حاشيته، لكنه لمَّا أفاق أراد أن يعاود محاولة الاعتداء عليها، فكررت الدعاء وتكرر الإغشاء حتى ظن أنها شيطان؛ فردها إلى زوجها إبراهيم - عليه السلام - مع أجرٍ وغنيمةٍ كانت أكبر الغنائم هي الوليدة والجارية هاجر أم سيدنا إسماعيل - عليه السلام -، وهكذا تحولت المحنة إلى منحة بالتعفف والتضرع والحكمة والصبر الجميل.

_________

[1] - صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله - تعالى -وهل أتاك حديث موسى، 7/87.

[2] - صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر إليه...، 15/31.

[3] - صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 1463، والحديث صحيح.

[4] - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي عن بناء المساجد على القبور...، 5/12.

[5] - صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربي، 5/159.

الشيخ طاهر الجزائري ( 1852م /1263هـ )

أصله و نسبه و مولده
هو طاهر بن محمد صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني، المشهور بالجزائري. هاجر والده من الجزائر إلى دمشق سنة 1263هـ (1847)، وكان من بيت علم وشرف، تولى قضاء المالكية، حيث كان فقيهها في دمشق ومفتيها في الشام.

ثقافته و وظائفه وأثاره العلمية
ولد طاهر الجزائري في دمشق وتعلم في مدارسها، حيث دخل المدرسة الجقمقية الإعدادية وتتلمذ على الأستاذ عبد الرحمن البستاني، فأخذ عنه العربية والفارسية والتركية ومبادئ العلوم، كما قرا على أبيه أيضاً، ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، ولازمه إلى أن وافاه الأجل، وكان شيخه الميداني فقيهاً عارفاً بزمانه واسع النظر، معروفاً بوقوفه على لباب الشريعة وأسرارها، وببعده عن البدع واتباع الأوهام والبعد عن حب الظهور والتفصح في المجالس، على قدم السلف الصالح بتقواه وزهده، وعلى نهجه سار تلميذه الجزائري فشب محباً للعلم على اختلاف فروعه خاصة علم الطبيعة، يفتش عن مصادره المطبوعة والمخطوطة ويقتنيها، ويتلقف بشوق ما يسمعه من أحاديث العلماء الذين تلقوا العلم في المدارس العالية أو الأجنبية، فإذا به يدخر حصيلة كبيرة قيمة من العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية والتاريخية والأثرية إلى جانب ما وعاه من علوم العربية والفقه.
أتقن الجزائري اللغة العربية وأتقن الفارسية والتركية، ونظم بالفارسية كما نظم بالعربية، وتعلم الفرنسية وتكلم بها، وكذلك تعلم السريانية والعبرانية والحبشية، وكان يعرف القبائلية البربرية لغة موطنه، وتعلم كثيراً من الخطوط القديمة كالكوفي والمشجر والعبراني غيرها ليتسنى له دراسة الآثار.
غرُم الجزائري بالكتب المطبوعة والمخطوطة، وعرف الجيد من أصنافها، كما عرف طبقات المؤلفين وتراجم الرجال، وأماكن المخطوطات والنسخ المتفرقة منها في الخزائن الشرقية والغربية، وساعده على إتقان ذلك قوة حافظته.
تولى طاهر الجزائري التدريس في المدرسة الظاهرية بدمشق، والتقى بالوالي مدحت باشا الذي وجد عنده البغية التي يريدها من أجل إصلاح ولاية سورية ورآه ثقة. فهو يبحث عن أمثاله ليستعين بهم في نشر العلم وإصلاح التعليم، وخطط مع الشيخ طاهر لنهضة علمية واسعة، واتفقا على أن خير نهج يؤدي إلى النهضة يقوم على محو الأمية، وكون هذا بنشر التعليم الابتدائي من قبل هيئات أهلية لا تعتمد على الأساليب الحكومية، تجمع المال من الموسرين وتنفقها في الأغراض المقررة، فتثمر جهودها في أقصر وقت مادامت مؤيدة بعطف الوالي ونفوذه.
كان الشيخ الجزائري عضواً في جمعية علمية اجتماعية أسسها بعض العلماء والوجهاء في دمشق، أطلقوا عليها اسم (الجمعية الخيرية)، وقد اعتُمد على هذه الجمعية في تنفيذ خطة النهضة العلمية، فدأب أعضاؤها على توعية الناس وبث حب العلم والترغيب فيه بين الشباب، كما قامت الجمعية بترميم وتجهيز المدارس الموقوفة على طلب العلم، وكذلك ملحقات بعض الجوامع والتكايا، فتم في بضعة أشهر افتتاح نحو تسع مدارس في مدينة دمشق اثنتين منها للإناث.
عُين الشيخ طاهر الجزائري بناء على جهوده مفتشاً للمعارف في ولاية سورية، فبذل جهوداً إضافية جبارة في سبيل إصلاح أساليب التعليم، وكان يتعهد المعلمين بالنصح والإرشاد والتوجيه، ويسمع بشغف آراءهم في ابتكار أنجح الوسائل لتعليم الطلاب والدعوة إلى طلب العلم. وكان يسهر الليالي الطويلة عاكفاً على تأليف الكتب في مختلف العلوم الدينية والعربية والرياضية، مبسطاً أساليبها مختاراً ما تدل التجارب على نجاحه وسهولة تلقينه، وكان يشرف بنفسه على طبع كتبه في مطبعة الجمعية الخيرية.
عمل الشيخ طاهر الجزائري على تأسيس دور عامة للكتب في مختلف البلاد، فكان منها دار الكتب الوطنية الظاهرية ـ وهي اليوم ثروة كبرى من ثروات دمشق الوطنية ـ فجمع فيها البقية الباقية من الكتب والمخطوطات الموقوفة في مختلف الجوامع والمدارس، فهددته أكلة أوقاف المدارس بالقتل إن لم يكف عن جمع الكتب في مكان واحد، لأنه استولى بسيف الحكومة على جميع ما أبقته أيدي النهب من الكتب المخطوطة.
كذلك أسس الشيخ الجزائري بمساعدة آل الخالدي في القدس مكتبة وطنية باسم (المكتبة الخالدية) ضمت كتب الشيخ راغب الخالدي وكتب أسرته، وجمع فيها مخطوطات وكتب أخرى قيمة.
بعد أن سجن الوالي مدحت باشا، أُعفي الشيخ طاهر الجزائري من منصبه الحكومي، وعُرض عليه وظيفة أخرى لا يكون له فيها اتصال بالناس فأبى، ولزم بيته شاغلاً أوقاته بالمطالعة والتأليف، وعاش على بيع الكتب حتى آخر أيامه إلى من يرجو حفظها عندهم وعدم خروجها من الشام، كما واصل تتبع نوادر الكتب والمخطوطات، وكان يدون خلاصة ما يطلع عليه في مذكرات بلغت مجلدين ضخمين.
وكان يسافر بين حين وآخر إلى مختلف البلاد العثمانية والبلاد الشرقية والأوروبية، يجتمع بعلمائها ومفكريها باحثاً في كنوز المكتبات عن مخطوطات التراث العربي. كثر تردد طلاب العلم على الشيخ طاهر الجزائري، مما زاد نشاطه الاجتماعي، ونشر الدعوة للعلم، كما تحلقت حوله طبقة من شيوخ دمشق والعلماء النابهين فيها، فكان يتحفهم بالدروس العلمية والفكرية، والسياسية، ومركزه الأساسي الذي يقيم به دروسه كان مدرسة عبد الله باشا في دمشق.
قال الأمير الشهابي: (في تلك المدة التي قضاها الشيخ طاهر الجزائري بالشام، كان يتحلق حوله في دمشق صفوة من المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب، فتألفت من جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية، كانت تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، ومدارسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي، وآداب اللغة العربية، والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدنية الغربية).
فقد كان الشيخ الجزائري يدعو المسلمين إلى تعلم دينهم، والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الحسنة والأخلاق القويمة، وأن يفتحوا قلوبهم لعلوم الأوائل والأواخر على اختلاف ضروبها، وكان يأخذ بأصح الأدلة من الكتاب والسنة ويجتهد بعدها، ولطالما أعطى الحق للمعتزلة والإباضية والشيعة في مسائل تفرد بها وضيقها أهل السنة، وكان يتفنن في بث الأفكار الصحيحة في العامة والناشئة.
قضى حياته يكافح الأمية، ويحارب التعصب، ويحرص على تعليم أولاد الأغنياء خاصة، لأن عندهم المال والجاه وبالتالي تأثيرهم في مجتمعهم أكبر، وحث على أن يتعلم المتعلمون صناعة أخرى، وكثيراً ما يقول: (تعلموا العلم، وتعلموا معه صناعة تعيشون بها حتى لا تقفوا على أرباب السلطان، تستجدون الوظائف والجرايات، فإذا احتاجت الحكومات إليكم أخذتكم لخدمتها، واعملوا بالنزاهة والاستقامة، وأخلصوا لها وللأمة القصد).
كما كانت له آراء شتى هدفها نهضة الأمة، والأخذ بالعلم والأخلاق، وإحياء التراث، وعدم التزلف للحكام ومهاجمة العلماء الجامدين الذين يغلقون باب الاجتهاد، وكان يحذر من الوقوع في حبائل الاستعمار.
كان الشيخ الجزائري يلقن مبادئه ويلقح العقول بأفكاره من حيث لا يشعر المتعلِّم، وكثيراً ما كان يغشى مجالس بعض العلماء الذين يتوسم فيهم صفاء السريرة، فيَظهر بمظهر المستفيد، وغايته إفادتهم خلال الدرس لتنشر أفكاره بطريق السراية من الأساتذة إلى التلاميذ.
وكان نهجه في التعليم التيسير على المتعلم، وإعطاءه لباب العلم دون التعمق بما لا يفيد، والأخذ بالتدريج من البسائط إلى المركبات، وكان يحب اختصار المطولات من كتب الفنون ليسهلها على المبتدئين، ولئن كان في مذهبه الديني مجتهداً فقد كان في تأليفه مقلداً يمشي على آثار القدماء، ولا يحب التوسع والتعليق على آراء المؤلفين المجددين.
كما كان الشيخ الجزائري يشجع على إنشاء الصحف السياسية والاجتماعية، والمجلات العلمية والأدبية، وكان يدعو إلى تناول الصحف النافعة ويبتهج بها، وله شغف بالاطلاع عليها وتتبعها، خصوصاً التي تكثر من الترجمة عند الغرب واقتطاف ثمرات علومه.
قال فيه تلميذه الشيخ سعيد الباني: (جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، أخذ من كل علم لبابه، ونبذ لفاظته، فكنت تجد منه العالم الديني والمدني والرياضي والطبيعي والسياسي والأديب والمؤرخ والأثري والاجتماعي والأخلاقي والكاتب والشاعر، فكان عنده من كل علم خبر... فهو دائرة المعارف، ومفتاح العلوم، وكشاف مصطلحات الفنون، وقاموس الأعلام).
في سنة 1898 عُين الشيخ الجزائري مفتشاً لدور الكتب العامة في دمشق، فعاود سيرته الأولى مبشراً بمبادئه، فبث أفكاره بين معارفه ومؤيديه لمدة أربع سنوات، ثم لما كان اسم الشيخ لدى رجال الحكم في رأس الداعين إلى التحرر في وقت ازدادت في السياسة اضطراباً، رحل الشيخ الجزائري خفية إلى مصر التي كانت يومئذ تنعم بالاستقرار وبشيء من الحرية والأمن، حاملاً معه ما استطاع من كتب قيمة ومخطوطات نادرة.
اتصل الشيخ الجزائري في مصر بالعلماء الذين عرفوا فضله بغية الإفادة من خبرته، كما كانت بين الشيخ والمستشرقين صداقات يراسلهم ويراسلونه على اختلاف قومياتهم، وزاره كثير منهم في رحلاتهم إلى الشرق، يقتبس منهم ما ينفع المسلمين، ويُقبسهم ما يثبت سماحة الإسلام ومدنيته ومجد المسلمين وتمدنهم، وهذا ما جعله في عداد حلقات السلسلة التي تصل الشرق بالغرب، كما شهد له الكثيرون. كما شارك الجزائري في تحرير بعض الصحف المصرية، وكان يعكف في لياليه وأوقات فراغه على التأليف، فكان من أهم آثاره في تلك الفترة كتاب في الحديث (توجيه النظر إلى أصول الأثر)، جمع فيه زبدة ما جاء في كتب أصول الفقه ومصطلح الحديث من القواعد والفوائد بشكل يدل على سعة إطلاع وفهم عميق لأسرار الشريعة.  وقد أثنى على الكتاب المحدث الشيخ أحمد شاكر --رحمه الله--


وقد كان للشيخ طاهر طبقة من أقرانه النبهاء والمفكرين, على رأسهم الشيخ جمال الدين القاسمي إمام الشّام في عصره علماً بالدّين وتضلّعاً في فنون الأدب, وقد ولد في دمشق سنة 1283/1866, وكان لـه نشاطات كبيرة, فقد رحل إلى مصر, وزار المدينة, ونشر بحوثاً كثيرة في المجلّات والصّحف. ولـه مصنفات منها: "دلائل التّوحيد", و"ديوان خطب" وغيرها. وقد توفّي, رحمه الله, سنة 1332/ 1914
ومنهم أيضاً الشيخ عبد الرزاق البيطار , من علماء دمشق الكبار, وقد ولد فيها سنة 1253 / 1837, واشتغل بالأدب مدّة, له نظم وقصائد, ثم اقتصر في آخر أمره على علمي الكتاب والسّنة, وكان من دعاة الإصلاح. من أهمّ كتبه, كتاب "حليه البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر", وقد توفّي في دمشق سنة 1335 / 1916 ومن أصدقاء الشيخ طاهر أيضاً الشيخ سليم البخاري, وهو عالم أديب. ولد بدمشق 1268هـ/ 1851م، وتولى الافتاء بالجيش العثماني، وبعد انقضاء الحرب العالمية الاولى عين عضواً في مجلس الشورى، فعضواً بمجلس المعارف الكبير، فرئيساً للعلماء، وانتخب عضواً بالمجمع العلمي العربي. من مؤلفاته: "رسالة في آداب البحث والمناظرة"، و"حل الرموز في عقائد الدروز" وغيرها. وتوفي بدمشق في 10 جمادي الاولى 1347هـ / 1928م).
كان هؤلاء العلماء وغيرهم يجتمعون بالشيخ طاهر, ويعقدون حلقات العلم والمدارسة, وانضم إليهم فيما بعد عدد كبير من شباب العرب النابهين نذكر منهم:
رفيق العظم العالم البحّاث, من رجال النّهضة الفكريّة في سوريّة، ولد في دمشق 1284 / 1867، واستقر ّفي مصر, واشترك في كثير من الأعمال والجمعيّات الإصلاحيّة والسّياسيّة والعلميّة. صنّف كتابه المشهور "أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسّياسة"، وكتاب "البيان في كيفيّة انتشار الأديان", وغيرها. وقد أهدى خزانة كتبه للمجمع العلمي العربيّ بدمشق وهي نحو ألف مجلد، توفّي سنة 1343/ 1925ومنهم الدكتورعبد الرحمن الشهبندر, وقد ولد في دمشق عام 1879م, ودرس في الكليّة السّوريّة الإنجيليّة في بيروت, وتخرّج من كليّة الطّب عام 1906م, كان من الخطباء المفوّهين, ومن رجال الوطنيّة والقوميّة, هرب من جمال باشا عام 1915م, وعاد إلى دمشق مع دخول قوات فيصل, شارك كوزير للخارجيّة في الحكومة الفيصليّة, وحكم عليه بالإعدام, وقد اغتيل عام 1940م, من "كتبه القضايا الإجتماعيّة الكبرى
ومنهم كذلك, عبد الحميد الزهراوي, من زعماء النّهضة السّياسيّة في سوريا, وأحد شهداء العرب في عاليه, ولد في حمص, وأصدر صحيفة المنير, كتب في المقطّم. ورئس المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس فحُكم عليه بالإعدام. له رسالة "الفقه والتّصوف", وكتاب "خديجة أمّ المؤمنين" وغيرها
وكان منهم سليم الجزائري, القائد عسكري، عارف باللغات العربية والتركية والفارسية الفرنسية والانكليزية. ولد بدمشق عام 1296/ 1879, وتعلم في المدرسة العسكرية، ومدرسة الهندسة البرية بالقسطنطينية وبلغ رتبة قائم مقام أركان حرب في الجيش العثماني، وحكم عليه بالموت بعاليه في لبنان فأعدم سنة 1334/ 1916. من آثاره: كتاب في المنطق سماه "ميزان الحق
ومنهم الوطني فارس الخوري, وقد ولد في 20 من تشرين الثاني 1873م في قرية الكفير بمنطقة حاصبيا, دخل الكلية الأمريكية، وحاز على بكالوريوس في العلوم عام 1897م, درس اللغتين الفرنسية والتركية وحده بدون معلم. امتهن المحاماة وتقدم بفحص معادلة الليسانس بالحقوق، فنالها. في عام 1914م فاز بالنيابة عن دمشق في مجلس المبعوثان. وفي عام 1917م اعتقله جمال باشا بتهمة تعامله مع فيصل بن الحسين، ثم قرر نفيه إلى استنبول. وفي عام 1919م عُيّن عضواً في مجلس الشورى، وهو الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه. تولى عدة وزارات وشارك في تأسيس حزب الشعب, والكتلة الوطنية. توفي في الثاني من شهر كانون الثاني لعام 1962).
ومن هؤلاء الشباب أيضاً عبد الوهاب المليحي الشهير بالانكليزي, من قرية المليحة في غوطة دمشق. وهو حقوقي، إداري، مؤرخ، عارف باللّغات الفرنسية والانكليزية والتّركية. عين قائم مقاماً في عدة أقضية, ثم استقال, وتعاطي المحاماة بدمشق. ثم نصب مفتشاً للإدارة الملكية في ولاية بيروت ثم في بروسه، وسافر إلى القسطنطينية. حكم عليه بالإعدام بحجّة معارضته للإتحاديين، فقتل شنقاً بدمشق سنة 1916م. من آثاره: كتاب في التّاريخ العام
وكان منهم محب الدين الخطيب ومحمد كرد علي, وقد تقدمت ترجمتهما سابقاً. وغيرهم من الشباب المهتم النابه.
وقد تألف من جماع هؤلاء الشيوخ المفكرين والشباب النابهين أكبر حلقة أدبية ثقافية, كانت تدعو إلى تعلم العلوم العصرية, ومدارسة تاريخ العرب, وتراثهم العلمي, وآداب اللغة العربية, والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية, والأخذ بالصالح من المدنية الغربية
وكانت هذه الحلقة تجتمع في كل أسبوع من بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم. وكان مجلس هذه الحلقة يستعرض كل ما يهم المفكرين استعراضه عن الحركة العلمية والفكرية والسياسية خلال الأسبوع, وكان الشيخ طاهر هو الذي يوجههم, ويصحح لهم, ويوقظهم لما خفي عليهم من أسباب الإصابة بالرأي
سميت هذه الحلقة بحلقة دمشق الكبرى, وقد راح الشيخ طاهر ورجال حلقته ينددون بالحكام واسبدادهم, وينتقدون سوء الإدارة, ويدعون إلى الحرية والعدل والنظام, فاتهموا بالخيانة الوطنية, والعمل على فصل سوريا عن بقية السلطنة العثمانية. وبالمقابل فقد قامت الحكومة بإلغاء منصب الشيخ طاهر الحكومي, وعرقلت أعمال الجمعية, ولاحقت أعضاءها, الذين وجدوا تضييقاً كبيراً, وقامت السلطات بتفتيش منازلهم, فاضطر بعضهم للهرب وكان على رأسهم الشيخ طاهر
وعندما غادر الشّيخ طاهر دمشق متوجّهاً إلى مصر للإقامة فيها, خلّف وراءه "ثورة فكريّة تسري تحت الرّماد, وسرعان ما وجدت هذه الثّورة متنفّساً لها في الانقلاب العثمّاني, سنة 1908م


بالطبع فإن ظروف العصر الذي عاش فيه الشيخ طاهر كانت من السوء بحيث تغلّب الجهل والأمية والانحطاط, ورافقه الاستبداد والتسلط وسوء الإدارة, وهذا انعكس على مرافق الحياة كلها, سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية. فكان نشاط الشيخ طاهر مميزاً جداً ومؤثراً جداً, وكان كما وصفه الشيخ جمال الدين القاسمي (الشيخ المفيد, والمرقّي الوحيد)
وبالفعل فقد كان عالماً عاملاً واعياً لا أقول إنه سابق لعصره, بل كان الرجل القدوة لبلد يعاني من موات حضاري خطير, " فترك أثراً من الخير أينما حل, فكان مجلسه حيثما حل مدرسة, ولقاؤه أينما لقيته درس ......... وكان يعلم بفعله لا بقوله, دعا إلى النظر في الكتب, فلم يكد يدع كتاباً لم ينظر فيه, ودعا إلى التأليف فكان له من التواليف ما عده من مكثري المصنفين, ودعا إلى حفظ الوقت, فلم يكن يضيع من وقته لحظة في عمل غير نافع, ودعا إلى ترك تلك المجاملات والرجوع إلى أخلاق المسلمين الأولين, من الصراحة والصدق, وقصد الحقائق وترك الأباطيل, فكانت حياته كلها كذلك
وأثره هذا ظهر على طلابه ومريديه, فمن كان يحضر حلقة الشيخ طاهر من الشباب صاروا نخبة العرب علماً وثقافة وأدباً وعملاً. ولا نجد واحداً ممن كان يحضر اجتماعات تلك الحلقة إلا وقد ترك أثراً مفيداً في عصره, وكان لـه ذكره ومكانته كما رأينا. وهذا إن دل على شيء, فإنما يدل على نجاح أسلوب الشيخ طاهر, وعلى الأثر الكبير الذي خلّفه وراءه في نفوس هؤلاء الشباب.

وفاته
عاد إلى دمشق سنة 1919 بعد قيام الدولة العربية، فعينته الحكومة العربية مديراً عاماً لدار الكتب الوطنية الظاهرية، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي، إلا أن أقامته لم تدم أكثر من أربعة أشهر، فقد اشتد به مرض الربو، فتوفي يوم الاثنين الموافق 5 كانون الثاني سنة 1920، ودفن في سفح قاسيون تنفيذاً لوصيته.

مؤلفاته
ترك الشيخ الجزائري الكثير من المؤلفات التي تدل على علمه الغزير وثقافته الواسعة، وطُبعت أكثرها في حياته وبإشرافه،منها:
1-الجواهر الكلامية في العقيدة الإسلامية على طريقة السؤال والجواب.
2-التقريب إلى أصول التعريب.
3-توجيه النظر إلى علم الأثر.
4-منية الأذكياء في قصص الأنبياء، عربه عن التركية.
5-الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام، وهو في الحكمة الطبيعية.
6-مدخل الطلاب إلى فن الحساب.
7-إرشاد الألبّاء إلى طريق تعليم ألف باء: كتاب ضمنه الشيخ مباحث لغوية عن حروف الهجاء، وترتيبها ورسمها.
(نقلا عن موقع الشهاب ومجلس الألوكة بتصرف  )

زياد علي

زياد علي محمد