الأحد، 25 أغسطس 2019

أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وقصة التحكيم

أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وقصة التحكيم



إخوة الإيمان: وما أجمل العيش في سِيَرِ القادة العظماء، ويطيب أكثر إذا كان في مواقف وأخبار السادة النجباء، أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، هم أبرُّ الأمة قلوباً، وأنقاها سريرة، وأصلحها سيرة، ويتحتم أكثر فأكثر حين يكون ذوداً عن المتهمين زوراً وكذباً، وإيضاحاً للحقيقة صدقاً وعدلاً.


أجل! لقد جاء الثناء على أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن، ونوَّه الله بذكرهم في التوراة والإنجيل، فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) [محمد:29].


وفي هذه الخطبة استجلاء لشخصية أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري -رضي الله عنه- الذي ربما غابت بعض مواقفه البطولية عن بعض الناس، وربما ترسّخ في أذهان آخرين ما تنسبه إليه بعض الروايات التاريخية الساقطة من التغفيل والجهل بأبسط قواعد السياسة والحكم في قصة التحكيم، وهو العالم والفقيه، والقاضي والوالي، والقارئ والكيس الفَطِن.


ويكفيه فخراً أن القرآن نزل في الثناء عليه وعلى قومه، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54] أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هم قومك يا أبا موسى!"، وأومأ إليه.


وأثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا لأبي موسى وعمه أبي عامر الأشعري في قصة تكشف عن شجاعة وصدق أبي موسى وعمه، وطلب عمه من النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستغفار له وهو في سياقة الموت، وشمول الدعوة لأبي موسى.


فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حنين بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس، فلقى دريرد بن الصمة، فَقُتِل دريد وهزمَ الله أصحابه، فَرَمَى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته، فقلت: يا عم، مَن رماك؟ فأشار إليه، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى ذاهباً، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ قال: فَكَفَّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فقتلته.


ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزل منه الماء، فقال: يابن أخي: انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقرئه مني السلام وقل له يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات.


فلما قدمنا وأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثم رفع يديه ثم قال: "اللهم اغفر لعبدك أبي عامر"، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" فقلت: ولي يا رسول الله؟ فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً".


إخوة الإسلام: وأبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- في عداد العلماء الفقهاء أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حتى قال صفوان ابن سليم -أحد فقهاء التابعين الثقات-: لم يكن يُفْتِى في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير هؤلاء: عمر وعلى ومعاذ وأبي موسى.


وقال مسروق: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، وأبي موسى.


ولكفاءة أبي موسى وغزارة علمه، وحسن رَأْيَه، استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذاً في اليمن، وولِّي أبو موسى أمرَ الكوفة لعمر -رضي الله عنه-، وكذلك البصرة، وكان حسَن السيرة في أهلها حتى قال الحسن البصري: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى.


ومع هذه السيرة الحسنة والعدل في الرعية، فلم تكن الولاية في ذهن أبي موسى وغيره من صلحاء الأمة شهوةً جامحةً، أو سبيلاً للاستعلاء والسيطرة، وهذا عمر -رضي الله عنه- يطلب أبا موسى في رهط من المسلمين بالشام وبقوله له: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشياطين بين أظهرهم، قال أبو موسى: فلا ترسلني، قال عمر: إنها بها جهاداً ورباطاً. فأرسله إلى البصرة.


وكذلك تكون رغبة الجهاد والمرابطة في سبيل الله ضماناً لموافقة أبي موسى وقبوله بالولاية.


أيها المسلمون: ويظهر الفهم الدقيق في شخصية أبي موسى -رضي الله عنه- لأمور الولاية في الإسلام، فهو الأمير والقاضي، وهو المقرئُ ومعلِّمُ الناس القرآن، وهو الكيِّسُ الفطن، وهو القائد الفاتح. قال أبو شوذب: كان أبو موسى إذا صلَّى الصبح استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئهم.


وعن أنس قال: بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلِّم الناس القرآن، فقال عمر: أما إنه كيس! ولا تسمعها إياه.


وفي مجال الفتوح، فقد أُفْتُتِحَ في أثناء ولايته: البصرة، والأهواز، والرها، وسميساط، وما والاها، وفتح أصبهان؛ ولذا كتب عمر في وصيته: ألاَّ يقرّ لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين.


هذا نموذج لولاية أبي موسى وحسن سياسته، وهو كما ترى مزيج بين الدين والدنيا، أما هذا الانشطار الغريب في الولاية بين أمور الدين والدنيا فلم يكن يعرفه أبو موسى ومن على شاكلته من ولاة المسلمين فيما مضى.


وإن تعجب -يا أخا الإسلام- من حسن سياسته وفهمه لمسؤولية الولاية والإمارة، فالعجب أشد حين تعلم شيئاً من نزاهته وترفعه عن متاع الدنيا وحطامها الفاني، فما ملك القصور والضياع، ولا جمع المال والمتاع، ولم تغيره الإمارة، ولا اغترَّ بالدنيا، كما قال الإمام الذهبي: كان أبو موسى صَوَّاماً قوَّاماً ربَّانياً زاهداً عابداً، ممن جمع العلم والعمل، والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيره الإمارة ولا اغتر بالدنيا.


وقال ابنه أبو بردة: حدَّثَتنِي أمي قالت: خرج أبوك حين نزع عن البصرة وما معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله.
أولئك آبائي فجئْني بمثلِهِم *** إذا جَمَعَتْنَا ياجريرُ المجامعُ


يا أخا الإسلام: وكما أن الأشعري من فرسان النهار، ومن صلحاء أهل الولاية في الإسلام، فكذلك الأشعري كان من رهبان الليل، ومن أهل الذكر والدعاء والصلاة وتلاوة القرآن، فقد روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن بريدة -رضي الله عنه- قال: دخلت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمسجد ويدي في يده، فإذا رجل يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب".


فلما كانت الليلة الثانية دخلت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسجد، قال: فإذا ذلك الرجل يقرأ، قال: فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتراه مُرَائِياً؟" -ثلاث مرات- قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بل هو مؤمن منيب، عبد الله بن قيس أو أبو موسى أوتي مزماراً من مزامير آل داود"، قال: قلت: يا نبي الله ألا أبشره؟ قال: بلى، فبشرته، فكان لي أخاً.


"بل هو مؤمن منيب"، تلك والله هي الشهادة العظمى! وأكْرِمْ بتزكية مَن لا ينطق عن الهوى، وعجَبُك لا ينقضي من هذا الصحابي المجاهد حتى لحظات حياته الأخيرة، وقد ورد أن أبا موسى، -رضي الله عنه- اجتهد من قبل موته اجتهاداً شديداً فَقِيْلَ له: لو أمسكتَ ورفقت بنفسك؟ قال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من عمر أقل من ذلك.


توفي أبو موسى -رضي الله عنه- سنة أربع وأربعين للهجرة على الصحيح كما قال الذهبي، رضي الله عنه وأرضاه، وألْحِقَنَا بِهِ واحْشرْنَا في زمرته.


أقول ما تسمعون وأستغفر الله.





الخطبة الثانية:


الحمد لله رب العالمين، وفَّق من شاء لطاعته وهداه، وأضل من شاء بعلمه وحكمته، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يمتحن الناس في هذه الحياة الدنيا، فيغتبط الصالحون، ويندم المفرطون المفسدون.


وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رَبَّى صحابته على الإيمان والتقى فكانوا منارات يستضاء بها في الأرض، كَحَالِ النجوم في السماء، اللهم صلِّ على محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


وبعد: فأي عقل لبيب، وأي منطق سليم يرضى ويقنع بروايات أهل البدع والأهواء في هذا الجيل الفريد؟ وقاتَل الله الرافضة! فكم شوَّهوا في تاريخنا وكم حرَّفوا في مرويَّاتنا، ولقد نال أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- من هذا التشويه والتحريف ما أصبح مادةً لمن في قلوبهم مرض، فَرَامُوا تشويه تاريخ الصحابة بهدف تشويه الدين أساساً.


وتأمل مقولة الإمام مالك رحمه الله في هدف الذين يقدحون في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين.


ومما ذاع وشاع في التاريخ قديماً وحديثاً موقف الحكمين: أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص -رضي الله عنه-، في قصة التحكيم بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، حين وقعت الفتنة، وأن موقف أبي موسى -رضي الله عنه- يمثل موقف المغفل المخدوع، بينما يمثل موقف عمرو بن العاص موقف الماكر الخادع.


فقد اتفقا -كما تقول الرواية الساقطة- على أن يخلع كل منهما صاحبه أمام المسلمين، وتُوَلِّي الأمة من أحبَّت، فابتدأ أبو موسى وخلع صاحبه علياً، فلما جاء دور عمرو بن العاص وافق على خلع عليٍّ وأثبت صاحبه معاوية! فهل تليق هذه المراوغة بالصالحين من أبناء المسلمين؛ فضلاً عن نسبتها للمؤمنين الصادقين من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-؟.


إن المقام لا يتسع للحديث عن شخصية عمرو بن العاص الإيمانية ومواقفه الجهادية، وعسى أن تتاح الفرصة لذلك قريباً؛ ولكن القضية مرفوضة أولاً بميزان العقل والمنطق، فكيف يُتَّهَم أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- بالتغفيل وهو رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى زبيد وعدن، واستعمله عمر -رضي الله عنه- على البصرة حتى قتل، ثم استعمله عثمان على البصرة، ثم على الكوفة، وبقي والياً عليها إلى أن قتل عثمان فأقرَّه علي -رضي الله عنه-، فهل يتصور أن يثق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم خلفاؤه من بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟ سبحانه هذا بهتان عظيم!.


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلِّقاً على حديث البخاري في بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: واستدل به على أن أبا موسى كان عالماً فطناً حاذِقاً، ولولا ذلك لم يوله النبي -صلى الله عليه وسلم- الإمارة، ولو كان فَوَّضَ الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين.


وكيف يسوغ أن يُتَّهم الفقيه القاضي، والعالم المتبحر بمثل هذا؟ بل ويقطع الفاروق عمر -رضي الله عنه- بكياسة أبي موسى، ومن هو الفاروق في تقويم الرجال؟ "ألا إنه كيس، ولا تسمعها إياه".


والقضية مرفوضة ثانياً بميزان العلم والنقد، وليس نقد السند بأقل نقد المتن، فرواتها الذين صدروها ابتداء متهمون وهم من أهل الأهواء والبدع ويكفي أن فيها أبا مخنف، لوط بن يحيي، وهو شيعي محترق كما قال أهل العلم، ومشهور بالكذب والافتراء والدس والتشويه في التاريخ، عموماً وأحداث الفتنة بين الصحابة خصوصاً.


قال الحافظ الذهبي رحمه الله: ولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى -رضي الله عنه- لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه علي على نفسه عزله، وعزل معاويةن وأشار بابن عمر، فما انتظم من ذلك حال.


إخوة الإسلام: وإذا رفضنا هذه المرويات الكاذبة لسقوطها سنداً ومتناً فما هي الرواية الصحيحة في التحكيم والتي تليق بمقام الصحابة رضوان الله عليهم؟ هناك رواية أخرجها البخاري في تاريخه مختصراً بسند رجالٍ ثقات، وأخرجها ابن عساكر مطولاً عن الحضين بن المنذر أن معاوية أرسله إلى عمرو ابن العاص فقال له: إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره -يعني في مسألة التحكيم بينه وبين أبي موسى الأشعري- فأته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه، كيف صنعتما فيه؟.


قال: قد قال الناس وقالوا، ولا والله ما كان ما قالوا، ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، قال -عمرو-: فقلت: أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يُستغنى عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما. فأين الخداع، وأين الكذب، وأين التغفيل، والمراوغة، في مثل هذه المرويات الصحيحة؟.


إن تاريخ الأمة المسلمة محتاج إلى استجلاء وتصحيح ونظر وتدقيق، وإن تاريخ الصحابة بالذات محتاج إلى تمحيص وفقه لأخذ الدروس والعبر، ومعرفة الطريق الأبلج، والمنهج الإسلامي، وكم من كنوز هذا التاريخ تحتاج إلى استخراج، وكم من عبر تنتظر السالكين إلى الله.


ويأبى الله إلا أن يدافع عن الذين آمنوا ولو كذب المنافقون، ولو تزيد المزيدون، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد:17].


أيها المسلمون: إن من أعظم الدروس التي نستفيدها من هذا الحدث، أن تدرك كيف تروج إشاعات، وكيف تساق جزافاً الاتهامات، وإذا كان هذا في جيل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فغيرهم من باب أولى!.


فهل يتثبت المسلمون في أخبار الموتورين؟ وهل يتأكدون من الشائعات قبل ترويجها؟ وهل نحافظ جميعاً على سمعة الخيرين من المبطلين؟ وهل نزن الأمور بميزان الشرع والحق، لا بميزان الهوى والباطل؟ إن ذلك خليق بالمسلم الذي يقرأ قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36].

عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ .

إنه الصحابي الجليل أبو نُجيد عمران بن حصين -رضي الله عنه-، صاحب راية خزاعة يوم الفتح. أسلم عام خيبر، وبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام والجهاد، وكان صادقًا مع الله ومع نفسه، ورعًا زاهدًا مجاب الدعوة، يتفانى في حب الله وطاعته، كثير البكاء والخوف من الله، لا يكف عن البكاء ويقول: يا ليتني كنت رمادًا تذروه الرياح. [ابن سعد].

بعثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى البصرة، ليعلم أهلها أمور دينهم، وفي البصرة أقبل عليه أهلها يتعلمون منه، وكانوا يحبونه حبًّا شديدًا، لورعه وتقواه، وزهده، حتى قال الحسن البصري وابن سيرين -رضي الله
عنهما-: ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد يفضل عمران بن حصين.

ولاه أمير البصرة أمر القضاء مدة من الزمن، ثم طلب من الأمير أن يعفيه من القضاء، فأعفاه، فقد أراد ألا يشغله عن العبادة شاغل حتى ولو كان ذلك الشاغل هو القضاء. ولما وقعت الفتنة بين المسلمين وقف عمران بن حصين محايدًا لا يقاتل مع أحد ضد الآخر، وراح يدعو الناس أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، ويقول: لأن أرعى غنمًا على رأس جبل حتى يدركني الموت، أحب إليَّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب. وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلاً: الزم مسجدك، فإن دُخل عليك فالزم بيتك، فإن دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله.

ويضرب عمران بن حصين أروع مثل في الصبر وقوة الإيمان، وذلك حين أصابه مرض شديد ظل يعاني منه ثلاثين عامًا، لم يقنط ولم ييأس من رحمة الله، وما ضجر من مرضه ساعة، ولا قال: أف قط، بل ظل صابرًا محافظًا على عبادة الله، قائمًا وقاعدًا وراقدًا وهو يقول: إن أحب الأشياء إلى نفسي أحبها إلى الله. وأوصى حين أدركه الموت قائلاً: من صرخت عليَّ، فلا وصية لها. وظل عمران بن حصين بالبصرة حتى توفي بها عام (52هـ) وقيل: ( 53هـ).
المشكاة

للإمام حفص - رحمه الله

بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ

الـسَّـلَامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبـَرَكَـاتُـهُ
الحَمْدُ للهِ الحَمِيدِ المَجِيدِ؛ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَمُعَافَاتِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى حُكْمِهِ وَمُجَازَاتِهِ،

يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ سَيِّئَةً مِثْلَهَا، وَيُضَاعِفُ الحَسَنَةَ إِلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛

هَدَى قُلُوبَ أُنَاسٍ فَشَرَوُا الآخِرَةِ بِالدُّنْيَا، وَضَلَّ عَنِ هِدَايَتِهِ أَقْوَامٌ فَخَلَدُوا إِلَى الفَانِيَةِ وَضَيَّعُوا البَاقِيَةَ؛

[مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا] {الكهف:17}،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ دَعَا إِلَى الهُدَى فَاتَّبَعَهُ ثُلَّةٌ مِنَ السَّابِقِينَ فَدَوْهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،

وَانْخَلَعُوا مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَعَادَوا عَشَائِرَهُمْ وَقَبَائِلَهُمْ؛ فَسَخَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ، وَاخْتَارَهُمْ حَمَلَةً لِدِينِهِ،

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا دِينَكُمْ، وَتَعَاهَدُوا إِيمَانَكُمْ،

وَتَفَقَّدُوا قُلُوبَكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ،

[يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] {الشعراء:88-89}.





- رحمه الله

• حفص: هو حفصُ بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي الغاضري - قبيلة من بني أسد - البزاز، نسبة إلى بيع البزِّ؛ أي: الثياب -

 المعروف بحُفَيْص، وكنيته: أبو عمر، مولاهم الكوفي.

 وُلِدَ - رحمه الله - سنة تسعين (90هـ)، وتُوُفِّي سنة ثمانين ومائة (180هـ)، وكان صاحب عاصم وربيبَه

 - ابن زوجته - وهو أعلم أصحابه بقراءته.



ضبطه وإتقانه:

أخذ حفصٌ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم، فأتقنها حتى شَهِد له العلماء بذلك، ولقد كان - رحمه الله - كثير الحفظ والإتقان،

 وقد أثنى عليه الإمام الشاطبي - رحمه الله - بقوله:

"وحفص وبالإتقان كان مفضلا"

وقد اشتهرت رواية حفص، وتلقاها الأئمة بالقبول، وليس ذلك بغريب عليه؛ فقد تربَّى في بيت عاصم ولازمه،

وأتقن قراءته حتى كان أعلم أصحابه بها، وقام بإقراء الناس بعد وفاة عاصم فترة طويلة من الزمان،

 وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان.



منزلته:

نزل بغداد فأقرأ بها، وجاور في مكة فأقرأ بها، قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءته،

 فكان مرجَّحًا على شعبة بضبط الحروف، وقال الذهبي: هو في القراءة ثقة ثبت ضابط، بخلاف حاله في الحديث،

وكان الأوَّلون يعدُّونه في الحفظ فوق شعبة، وقدَّم الآخِرون شعبة عليه، وقال ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارًا،

وكان الأوَّلون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر شعبة بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم،

 وأقرأ الناس بها دهرًا طويلاً.









رواته:

أخذ القراءةَ عنه عرضًا وسماعًا أناسٌ كثيرون، منهم: حسين بن محمد المروزي - حمزة بن قاسم الأحول - سليمان بن داود الزهراني -

 حمدان بن أبي عثمان الدقاق - العباس بن فضل الصفاد - عبدالرحمن بن محمد بن واقد - عمرو بن الصباح

- عبيد بن الصباح - أبو شعيب القواس - الفضل بن يحيى الأنباري - وغيرهم، فرحمه الله ورضي عنه.

الإمام عاصم - رحمه الله -

بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ

الـسَّـلَامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبـَرَكَـاتُـهُ
الحَمْدُ للهِ الحَمِيدِ المَجِيدِ؛ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَمُعَافَاتِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى حُكْمِهِ وَمُجَازَاتِهِ،

يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ سَيِّئَةً مِثْلَهَا، وَيُضَاعِفُ الحَسَنَةَ إِلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛

هَدَى قُلُوبَ أُنَاسٍ فَشَرَوُا الآخِرَةِ بِالدُّنْيَا، وَضَلَّ عَنِ هِدَايَتِهِ أَقْوَامٌ فَخَلَدُوا إِلَى الفَانِيَةِ وَضَيَّعُوا البَاقِيَةَ؛

[مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا] {الكهف:17}،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ دَعَا إِلَى الهُدَى فَاتَّبَعَهُ ثُلَّةٌ مِنَ السَّابِقِينَ فَدَوْهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،

وَانْخَلَعُوا مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَعَادَوا عَشَائِرَهُمْ وَقَبَائِلَهُمْ؛ فَسَخَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ، وَاخْتَارَهُمْ حَمَلَةً لِدِينِهِ،

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا دِينَكُمْ، وَتَعَاهَدُوا إِيمَانَكُمْ،

وَتَفَقَّدُوا قُلُوبَكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ،

[يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] {الشعراء:88-89}.





 الإمام عاصم - رحمه الله -

قال الإمام الداني في الأرجوزة المنبهة:

وعاصمٌ إمام أهلِ الكوفة

أخباره رفيعة شريفة

مسطورةٌ في الكُتب عند الناسِ

مشهورةٌ من غير ما التباس

وعلمه بالنحو والقرآنِ

قد انتهى وسار في البلدانِ

هو الإمام ابن أبي النَّجودِ

يُعزَى إلى الشُّمِّ الكرامِ الصِّيدِ

قد بذَّ أهل المِصر في الفصاحة

والعلم بالحظر وبالإباحة



وقال الشاطبي في الحرز:

فأما أبو بكرٍ وعاصمٌ اسمه

فشعبةُ راويه المبرز أفضَلا

 وقال ابن الجزري - رحمه الله - في الطيِّبة:

ثلاثةٌ من كوفةٍ فعاصمُ

فعنه شعبةُ وحفصٌ قائمُ



• عاصم: هو أبو بكر، عاصم بن أبي النَّجود بن بهدلة الأسدي مولاهم الكوفي الحناط، شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القرَّاء السبعة.

• والنَّجود بفتح النون وضم الجيم، وقد غلط من ضم النون، ويقال: أبو النجود اسم أبيه، لا يُعرف له اسم غير ذلك، ويقال: بهدلة اسم أمه،

وهذا لا يصح، بل هو اسم أبيه؛ فقد قال الذهبي في السير عن كون بهدلة اسم أمه: "وليس بشيء، بل هو أبوه"، وقيل: اسم أبي النجود: عبدالله.

 مولده:

وُلِد الإمام عاصم - رحمه الله - في إمرة الصحابي الجليل/ معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه وأرضاه -

وأخذ القراءة عرضًا على زِرِّ بن حُبَيش، وأبي عبدالرحمن السُّلَمي، وأبي عمرو الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبدالله بن مسعود،

وقرأ السُّلَمي وزِرٌّ على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وقرأ السلمي أيضًا على أُبَي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم جميعًا -

 وقرأ ابن مسعود، وعثمان وأُبَي، وزيد - رضي الله عنهم - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

 وانتهت إلى الإمام عاصم - رحمه الله - رئاسةُ الإقراء بالكوفة بعد أبي عبدالرحمن السُّلَمِي، وجلس موضعه، ورحل الناس إليه للقراءة، وجمع

 - رحمه الله - بين الفصاحة والإتقان والتحرير، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وكان يراعي الابتداء، ويقف حيث تم الكلام.

 شهادات الأئمة فيه:

قال أبو بكر بن عياش: لما هَلَك أبو عبدالرحمن جلس عاصم يُقرِئ الناس، وكان عاصم أحسنَ الناس صوتًا بالقراءة.

 وقال سَلَمة بن عاصم: كان عاصم بن أبي النَّجُود ذا نُسُك، وأدب، وفصاحة، وحسن صوت.

 وقال أبو بكر بن عياش: لا أُحصِي ما سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي يقول: ما رأيتُ أحدًا أقرأ من عاصم بن أبي النجود.







وقال يحيى بن آدم: حدثنا حسن بن صالح قال: ما رأيتُ أحدًا قط كان أفصح من عاصم، إذا تكلَّم كاد يدخله خيلاء.

 وقال شريك: كان عاصم صاحب همز ومد، وقراءة سديدة، وكان صاحب سنة، ورأسًا في القرآن، وكان - رحمه الله -

 ذا نسك وأدب، وكان نَحْويًّا، فصيحًا إذا تكلم.

 وقال عنه الإمام الذهبي: كان عاصمٌ ثبتًا في القراءة، صدوقًا في الحديث، وكان إذا كان في حاجة له ومر بمسجد يقول لصاحبه: مِلْ بنا؛

 فإن الحاجة لا تفوت، ويصلِّي، وقال عاصم عن نفسه: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبَّل كفِّي.

 صفته وخُلقه:

كان الإمام عاصم - رحمه الله - ذا خلق رفيع، دَمِثًا، لا يثور إذا استُثِير، أو تسبب أحد في إصابته.

 قال أبو بكر بن عياش: كان عاصم نَحْويًّا، فصيحًا إذا تكلم، مشهور الكلام، وكان الأعمش وعاصم وأبو حصين كلهم لا يبصرون،

جاء رجل يومًا يقود عاصمًا، فوقع وقعة شديدة، فما كَهَره - نَهَره - ولا قال له شيئًا! فرحمه الله ورضي عنه.

 فصاحته:

مرَّ معنا أنه - رحمه الله - كان فصيحًا حتى إنه إذا تكلَّم كاد يدخله خيلاء، وكان نَحْويًّا، بحرًا في أوجه النحو، وداعية إلى التبحُّر فيه.

 قال أبو بكر بن عيَّاش: قال لي عاصم: "مَن لم يُحسن العربية إلا وجهًا واحدًا لم يُحسن شيئًا"، وقال أيضًا: قال لي عاصم:

ما أقرأني أحدٌ حرفًا إلا أبو عبدالرحمن، فكنت أرجع من عنده، فأعرض على زِر،

وكان زِرٌّ قد قرأ على عبدالله - رضي الله عنه - فقلتُ لعاصم: لقد استوثقتَ.

 عقيدته:

كان - رحمه الله - صاحب سنة، متبعًا، متمسكًا بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -

 فقد قال أحمد بن عبدالله العجلي: عاصم بن بهدلة صاحب سنة وقراءة،

 كان رأسًا في القرآن، قَدِم البصرة فأقرأهم، قرأ عليه سلام أبو المنذر وكان عثمانيًّا.

 وقال الإمام عبدالله بن الإمام أحمد: سألتُ أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خيِّر ثقة،

 فسألته: أي القراءة أحبُّ إليك؟ فقال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن، فقراءة عاصم.

 شدة إتقانه وقوة انفعاله بالقرآن:

بلغ من شدة إتقانه - رحمه الله - لحفظ القرآن، ما رواه أبو بكر بن عياش قال: قال لي عاصم: مرضتُ سنتين،

 فلما قمت قرأت القرآن، فما أخطأت حرفًا!

 وبلغ من قوة انفعاله بالقرآن أنه كان يعد آي القرآن بأصابع يده؛ فقد قال عماد الدين بن سلمة: رأيت حبيب بن الشهيد يعقد الآي في الصلاة،

 ورأيت عاصم بن بهدلة يعقد ويصنع مثل صنيع عبدالله بن حبيب.

 وقال حفص: كان عاصم إذا قُرِئ عليه أخرج يده فعدَّ.

 ورعه وتقواه:

قال أبو بكر بن عياش: كان عاصمٌ إذا صلَّى ينتصب كأنه عود، وكان عاصم يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدًا خَيِّرًا، أبدًا يُصلي،

ربما أتى حاجة فإذا رأى مسجدًا قال: مِلْ بنا؛ فإن حاجتنا لا تفوت، فرحمه الله ورضي عنه.

 وكان - رحمه الله - من التابعين: فقد روى عن أبي رِمْثَةَ رفاعة بن يثربي التميمي، والحارث بن حسان البكري، وكانت لهما صحبة.

 قال ابن الجزري في غاية النهاية (1/347): "أما حديثه عن أبي رِمْثَةَ فهو في مسند أحمد بن حنبل، وأما حديثه عن أبي الحارث،

 فهو في كتاب أبي القاسم بن سلام".



توثيق أهل الحديث له:

قال ابن حجر في التقريب (2/165): "صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون".

 قال المعلقون على كلام ابن حجر: "بل ثقة يهم؛ فهو حسن الحديث، وقوله: (صدوق له أوهام) ليس بجيد؛ فقد وثَّقه يحيى بن معين،

 وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان، وجعله ابن مَعِين من نظراء الأعمش -

وإن فضَّل هو وأحمد الأعمش عليه -

 وكل هؤلاء وثَّقوه مع معرفتهم ببعض أوهامه اليسيرة؛ وانظر لذلك: تحرير تقريب التهذيب (2/165).

 وقال أبو حاتم: محله الصدق، وحديثه مخرَّج في الكتب الستة، وممن وثقه أيضًا: شعبة، والحمدان، والسفيانان، وأبو زرعة، وجماعة.

 وأذكر من أحاديثه - رحمه الله - ما رواه الطبراني في المعجم الكبير بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

 قال لقريش: ((يا معشر قريش، لا خير في أحدٍ يُعبَد من دون الله))، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيًّا وكان عبدًا صالحًا،

 إن كنت صادقًا إنه لكآلهتِهم، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ يضجون

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ [الزخرف: 57 - 61]، خروج عيسى قبل يوم القيامة - والحديث صحيح، وهو جزء من حديث رواه أحمد في المسند بلفظ:

 "فإن آلهتهم لكما تقولون"، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية.

 وروى عبدالرزاق في مصنَّفه عن مَعْمَر قال: سمعتُ أيوب يسأل عاصم بن أبي النَّجُود: ما سمعتَ في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟

قال: أخبرني أبو وائل أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يفتتح: "الحمد لله رب العالمين".

 ومن أحاديثه أيضًا حديث في صحيح ابن خزيمة بسنده عن صفوان بن عسال قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقول: ((ما من خارج يخرجُ من بيته ليطلبَ العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاءً بما يصنع))،

 وهو جزء من حديث رواه أحمد في المسند،

 والبيهقي في السنن الكبرى، والدارقطني في سننه، وصحَّحه الشيخ الألباني.



 مَن أخذ القراءة عنه:

تلقَّى القراءة عن الإمام عاصم - رحمه الله - خلقٌ كثير، وقد أشار ابن الجزري والشاطبي إلى أشهر رواته، وهما شعبة وحفص،

 وستأتي ترجمتهما بعد قليل - إن شاء الله - كما روى القراءة غير هذين الشهيرين عددٌ كثي، منهم:

1- أبان بن تغلب الربعي، أبو سعيد - ويقال: أبو أميمة - الكوفي النحوي، مقرئ جليل، قرأ على عاصم، وأبي عمرو الشيباني،

 وطلحة بن مصرف، والأعمش، وهو أحد الذين ختموا عليه، أخذ القراءة عنه عرضًا: محمد بن صالح بن زيد الكوفي..

 وأخذ الحروف عن محمد: القاسم بن بشار الأنباري، وتوفِّي أبان سنة إحدى وأربعين ومائة (141هـ).

 2- هارون بن موسى الأعور، أبو عبدالله العتكي البصري الأزدي، مولاهم، علاَّمة صدوق نبيل، له قراءة معروفة،

 روى القراءة عن عاصم الجحدري، وعاصم بن أبي النجود، وعبدالله بن كثير وغيرهم، وروى القراءة عنه علي بن نصر،

 ويونس بن محمد المؤدب، وشهاب بن شرنقة، ووهيب بن عمرو، وحجاج بن محمد، وغيرهم، وقال أبو حاتم: كان أول مَن سمع بالبصرة

 وجوهَ القراءات، وألفها، وتتبع الشاذَّ منها، توفِّي سنة (146هـ).

 3- سليمان بن مهران الأعمش، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، الإمام الجليل، ولد سنة (60 هـ)،

 أخذ القراءة عرضًا عن إبراهيم النخعي، وزر بن حبيش، وزيد بن وهب، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم،

 وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا: حمزة الزيَّات، ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وجرير بن عبدالحميد، وزائدة بن قدامة،

وغيرهم، وقال هشام: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله - عز وجل - من الأعمش، وقال - رحمه الله -: إن الله زيَّن بالقرآن أقوامًا،

 وإني ممَّن زيَّنه الله بالقرآن، ولولا ذلك لكان على عنقي دَين أطوف به في سكك الكوفة، توفِّي - رحمه الله - سنة ثمان وأربعين ومائة (148 هـ).

 وغير هؤلاء كثير، منهم: أبان بن يزيد العطار - إسماعيل بن مجالد - الحسن بن صالح - حماد بن زيد - حماد بن أبي زياد -

 نعيم بن ميسرة - سهل بن شعيب - حماد بن عمرو - الضحاك بن ميمون.

 وروى عنه حروفًا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء - الخليل بن أحمد - الحارث بن نبهان - حمزة الزيات - المغيرة الضَبِّي -

محمد بن عبدالله العزرمي - وغيرهم خلق كثير، فرَضِي الله عنه، ورحمه رحمة واسعة.



 وفاته:

 قال أبو بكر بن عياش: دخلتُ على عاصم وقد احتُضِر، فجعلتُ أَسمعُه

 يردِّد هذه الآية يحقِّقها حتى كأنه يصلِّي: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى الله مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾ [الأنعام: 62].

 وتُوُفِّي الإمام عاصم - رحمه الله - آخر سنة سبع وعشرين ومائة (127هـ)،

وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة (128هـ)، ولا اعتبار بقول مَن قال غير ذلك.

 وتُوُفِّي - رحمه الله - بالكوفة على الصحيح، وانظر: غاية النهاية (1/147)، والنشر (1/155)، فرحمه الله ورضي عنه، وأسكنه فسيح جناته.

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم إن التشبُّه بالكرامِ فلاحُ





الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله



عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي
الداعية بمركز الدعوة بالمنطقة الشرقية


لا توجد آية في كتاب الله إلا درستها على حده
محمد الأمين الشنقيطي

ملئ علما من رأسه إلى أخمص قدميه
آية في العلم والقرآن واللغة وأشعار العرب
 الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خيرا على بيانه هذا فالجاهل عرف العقيدة والعالم عرف الطريقة والأسلوب
الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ

من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا
وكان علْم الشيخ الشنقيطي غزير جدا خاصة في الأصول والمنطق والتفسير والتأريخ واللغة والأدب وكان منقطع النظير في هذه ويجمع لها غيرها .
الشيخ العلامة حمود العقلا

يذكرني بشدة حفظه واستحضاره للنصوص بشيخ الإسلام ابن تيمية
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني

لو كان في هذا الزمان أحد يستحق أن يسمى شيخ الإسلام لكان الشيخ محمد الأمين
معالي الشيخ بكر أبو بكر

ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [1]

اسمه ونسبه :
الإمام العلامة المفسر محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد ابن سيدي أحمد بن المختار الشنقيطي واسمه الصحيح آب ، وهو من قبيلة حمير العربية .
ولقبه : آبا ، بمد الهمزة وتشديد الباء من الإباء

ولادته ونشأته :
ولد رحمه الله ـ عام 1325هـ ونشأ يتيما فقد توفي والده وهو صغير وترك له ثروة من الحيوان والمال .

طلبه للعلم :
حفظ القران وهو دون العاشره من عمره ، درس خلال حفظه للقران بعض المختصرات في فقه الامام مالك كرجز الشيخ ابن عاشر ودرس خلالها الأدب والنحو ، والسيره على زوجة خاله قال الشيخ ـ رحمه الله ـ : أخذت عنها مبادئ النحو ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي وغيرها .
ثم درس بقية العلوم على جمع من العلماء منهم الشيخ محمد بن صالح المشهور والشيخ محمد الأفرم والشيخ أحمد عمر والشيخ محمد زيدان والشيخ محمد النعمه
والشيخ أحمد بن مود وغيرهم فقد أخذ عنهم النحو الصرف والاصول والبلاغه والتفسير والحديث أما المنطق وآداب البحث والمناظره فيقول أنه حصله بالمطالعه
قال الشيخ رحمه الله ـ : لما حفظت القرآن وأخذت الرسم العثماني وتفوقت فيه على الأقران عنيت بي واالدتي وأخوالي أشد عناية وعزموا على توجيهي للدراسة في بقية الفنون فجهزتني والدتي بجملين أحدهما عليه مركبي وكتبي والآخر عليه نفقتي وزادي وصحبني خادم ومعه بقرات وقد هيئت لي مركبي كأحسن ما يكزن المركب وملابس كأحسن ما تكون فرحا بي وترغيبا لي في طلب العلم . [2]

همته في طلب العلم :
وطلب العلم حتى بز فيه الأقران ، ولما طلب منه بعض أقرناءه الزواج قال ـ رحمه الله ـ في جوابهم :

دعاني الناصحون إلى النكاح *** غداة تزوَّجتْ بيض الملاحِ
فقالوا لي تزوج ذات دلٍّ *** خلوب اللحظ جائلة الوشاحِ
تبسم عن نوشرة رقاق *** يمج الراح بالماء القراح
كأن لحظها رشقات نبل *** تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ *** لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتلت كميًّ إذا دلاصٍ*** ضعيفاتُ الجفونِ بلا سلاحِ
فقلت لهم دعوني إن قلبي *** من العي الصراح اليوم صاحي
ولي شغل بأبكار العذارى *** كأن وجوهها ضوء الصباح
أراها في المهارق لابسات *** براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرا فيها فتضحي *** لفهم القدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرا عليها *** وما كان الحريم بمستباح

قال الشيخ عطية حدثني الشيخ ـ رحمه الله ـ فقال : جئت للشيخ في قراءتي عليه فشرح لي كما كان يشرح ولكنه لم يشف ما في نفسي على ما تعودت ولم يرولي ظمئي [3] ، وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس وإيضاح بعض المشاكل وكان الوقت ظهرا فأخذت الكتب والمراجع فطالعت حتى العصر فلم أفرغ حتى المغرب فأوقد لي خادمي النار وكنت أشرب الشاهي الأخضر كلما كسلت حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي لم أقم إلا لصلاة أو تناول طعام حتى فرغت من درسي وزال اللبس عني .

وبرز في الشعر ومما قاله ـ رحمه الله ـ :

أنقذت من داء الهوى بعلاج *** شيب يزين مفارقي كالتاج
قد صدني حلم الأكابر عن لمى [4] *** شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها *** رمانتي روض كحق العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع *** يا ويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة *** تنساب فوق جبينها الوهاج
يعلي لموقع جبينها في خدرها *** فوق الحشية ناعم الديباج
لم يبك عيني بين حي جيرة *** شدوا المطي بأنسع الأحداج
نادت بأنغام اللحون حداتهم *** فتزيلوا والليل أليل داج
لا تصطبيني عاتق في دلِّها *** رقت فراقت في رقاق زجاج
غضوبة منها بنان مديرها *** إذ لم تكن مقتولة بمزاج
طابت نفوس الشرب حيث أدارها *** َشأٌ رمى بلحاظ طرف ساج
أو ذات عود أنطقت أوتارها *** بلحزون قول للقلوب شواجي
فتخال رنات المثاني أحرفا *** قد رددت في الحلق من مهتاج

قال الشيخ عطية ـ رحمه الله ـ سألت الشيخ عن تركه الشعر مع قدرته عليه وإجادته فقال ـ رحمه الله ـ : لم أره من صفات الأفاضل وخشيت أن أشتهر به ،... والشعر أكذبه أعذبه فلم أكثر من .
وكان الشيخ ـ رحمه الله ـ يتورع عن الفتوى إلا في شيء فيه نص من كتاب أو سنة ، قال ابنه الشيخ عبدالله : جاءه وفد من الكويت في أواخر حياته فسألوه في مسائل فقال أجيبكم بكتاب الله ، ثم جلس مستوفزا وقال : الله أعلم ، "ولا تقف ما ليس لك به علم " لا أعلم فيها عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا ، وكلام الناس لا أضعه في ذمتي فلما ألحوا عليه قال : فلان قال كذا وفلان قال كذا ، وأنا لا أقول شيئا .
قال الشيخ عطية وسألته عن تركه للفتوى فقال : يجب التحفظ فيما ليس فيه نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويتمثل بقول الشاعر :

إذا ما قتلت الشيء علمافقل به *** ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
فمن كان يهوى أن يرى متصدرا *** ويكره لا أدري أصيبت مقاتله

أعماله في بلاده :
من بين أعماله التي تولاها في بلاده التدريس والفتيا ولكنه اشتهر بالقضاء وبالفراسة فيه ورغم وجود الحاكم الفرنسي إلا أن المواطنين كانوا عظيمي الثقة فيه فيأتونه للقضاء بينهم من أماكن بعيده . وكان يقضي في كل شيء إلا الدماء والحدود وكان لها قاض خاص .

خروجه من بلاده :
خرج من بلاده لأداء فريضة الحج برا بنية العودة فقد كان في بلاده يسمع عن الوهابية وكان من فضل الله ومنته علينا وعليه أن قدم الحج ونزل بدون علمه بجوار خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخر وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتا في الأدب ـ وهو ذواقة أديب ـ إلى أن سألوا الشيخ فوجدوا بحرا لا ساحل له ، فكانت تلك الجلسة بداية منطلق لفكرة جديدة فأوصاه الأمير إن قدم المدينة أن يلتقي بالشيخ عبدالله بن زاحم وعبدالعزيز بن صالح ، وفي المدينة التقى بهما وتباحث معهما ما سمع عن الوهابية وكان صريحا فيما عرض عليهما مما سمع عن البلاد فدارت بينهم جلسات ، وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن صالح ، حتى اقتنع الشيخ بأن منهج المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب منهج ذو سلف وأنه منهج سليم العقيدة يعتمد الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة ثم رغب في البقاء في المسجد النبوي لتدريس التفسير . ودرس عليه الشيخ عبدالعزيز بن صالح الصرف .
اختير للتدريس في المعهد العلمي بالرياض عند افتتاحه فكان يدرس في الرياض ويقضي إجازته في التدريس بالمسجد النبوي ، ثم كان له دور في تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة ، ثم عين كأحد أعضاء هيئة كبار العلماء عند بداية تشكيلها وكان عضوا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي .

تلاميذه :
لا يحصيهم إلا الله جل وعلا حيث طال تدريسه في المعهد العلمي ومن ثم في كلية الشريعة ثم في المسجد النبوي ولكن نذكر أكابر من درس عنده فمنهم :
1. سماحة الإمام عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ: درس على الشيخ ، شرح سلم الأخضري في المنطق ، وكان يحضر حلقة الشيخ في الحرم النبوي .
2. الشيخ حماد الأنصاري ـ رحمه الله ـ: سأله في مسائل في التفسير والمنطق ، ولازم دروسه في التفسير في الحرم النبوي .
3. معالي الشيخ صالح اللحيدان : درس عليه في كلية الشريعة .
4. الشيخ حمود العقلا الشعيبي ـ رحمه الله ـ : درس عليه في الكلية وفي البيت ، كما سيأتي .
5. الشيخ عبدالله الغديان : درس عليه في كلية الشريعة .
6. الشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين ـ رحمه الله ـ : درس عليه في كلية الشريعة .
7. معالي الشيخ عبدالمحسن العباد : درس عليه في كلية الشريعة .
8. معالي الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد : لازمه عشر سنين ، وأخذ عنه المنطق والأنساب والتفسير .
9. معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان : حدثني بذلك ـ وفقه الله لكل خير ـ درس عليه في كلية الشريعة [5] .
10. الشيخ العلامة عبدالعزيز القارئ : لازمه حوالي ثمان سنين ، و درس عليه في الجامعة الإسلامية .
11. الدكتور عبدالله قادري : درس عليه في كلية الشريعة .
12. ابنه الأستاذ الدكتور عبدالله .
13. ابنه الأستاذ الدكتور المختار .
14. عدد كبير من الشناقطة منهم الشيخ أحمد بن أحمد الشنقيطي والدكتور محمد ولد سيدي الحبيب والدكتور محمد الخضر بن الناجي بن ضيف الله .
وغيرهم كثير .

تراث الشيخ ـ رحمه الله ـ :
* مؤلفاته :
نسب بني عدنان نظم يقول في مطلعه :
سميته بخالص الجمان *** في ذكر أنساب بني عدنان
1. كأن ألفه في شبابه ثم دفنه لأنه يقول : إنما ألفته للتفوق به على الأقران فدفنته لأن تلك كانت نيتي ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصححت النية ولم أدفنه [6] .
2. رجز في البيوع على مذهب الإمام مالك ومطلعها :
الحمد لله الذي قد ندبا *** لأن تميز البيع عن لبس الربا
ومن بالمؤلفين كتباً *** تترك أطواد الجهالة هبا
تكشف عن عين الجواد الحجبا *** إذا حجاب دون علم ضربا
3. ألفيته في المنطق ومطلعها :
حمدا لمن أظهر للعقول *** حقائق المنقول والمعقول
وكشف الرين عن الأذهان *** بواضح الدليل والبرهان
4. نظم في الفرائض ، مطلعها :
تركة الميت بعد الخامس *** من خمسة محصورة عن سادس
وحصرها في الخمسة استقراء *** وانبذ لحصر العقل بالعراء
5. منع جواز المجاز على المنزل للتعبد والإعجاز .
6. دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب .
7. مذكرة في الأصول على روضة الناظر .
8. أدب البحث والمناظرة .
9. أضواء البيان .
10. الرحلة إلى أفريقيا ـ بعناية الدكتور خالد السبت ـ وفقه الله لكل خير

* ما فرغ من الأشرطة وجمع من غيرها [7]:
1. العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ـ تحقيق الدكتور خالد السبت[8] .
2. آيات الصفات .
3. حكمة التشريع .
4. المثل العليا .
5. المصالح المرسلة .
6. حول شبهة الرقيق .
7. اليوم أكملت لكم دينكم .

قال لي شيخنا الشيخ حمود ـ رحمه الله ـ : درست على الشيخ في الكليّة وفي البيت وأما في البيت فكانت لي دراسة يومية معه في الأصول والمنطق وكانت في المنطق سلّم الأخضري وشرحه وفي الأصول روضة الناظر ، وأتممتها على الشيخ ـ رحمه الله ـ وكانت دراستي لها دراسة جيدة ، وكانت الدراسة لوحدي بعد المغرب ، وأذكر أنني لما تخرجت من الكلية عينت قاضيا في وادي الدواسر فذهب الشيخ الشنقيطي للشيخ محمد بن إبراهيم وقال له : هذا لا يمكن أن يعين في القضاء بل في التدريس لما يظهر منه من أهلية لهذا وبروز في التدريس ، والشيخ محمد بن إبراهيم إذا عين أحد في القضاء لا يمكن أن يتراجع أبدا مهما حصل ، ولكنه كان يجل الشيخ الشنقيطي ويحترمه جدا . وكان علْم الشيخ الشنقيطي غزيرا جدا خاصة في الأصول والمنطق والتفسير والتأريخ واللغة والأدب وكان منقطع النظير في هذه ويجمع لها غيرها .

فسالته ـ رحمه الله ـ ولماذا هذه العناية بالدراسة على الشيخ الشنقيطي بالذات ؟
فقال لي : الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا ـ رحمه الله وغفر له ـ وكان يعاملني مثل أولادة ويعتبرني ولدا له .

وسألت الشيخ حمود عن كلام بعض الناس أن الشيخ محمد الأمين ـ رحمه الله ـ عندما جاء للحج لم يكن على عقيدة أهل السنة فهل هذا صحيح ؟
فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ كلا لم يكن الشيخ الأمين على خلاف مذهب أهل السنة بل كان من المتحمسين لمذهب السلف وعقيدة أهل السنة .

وفاته ـ رحمه الله ـ :
توفي في ضحي يوم الخميس 17/12/1393هـ . وصلى عليه سماحة الإمام عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ في الحرم المكي .
قال الشيخ أحمد بن أحمد الشنقيطي ـ وهو غاسل الشيخ ـ : ( من الغريب أن أحد أقاربه حاجا معه في سيارته فرأى ليلة جَمَعْ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ توفي وأنه جاءه فوجده مسجى عليه ثوب ، فرفع الثوب ، فوجد أن الميت نبي ولكنه ليس محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقبله في جبينه فلما حكى الرؤيا على الشيخ ، سأله : وما يدريك أنه ليس بمحمد ؟ قال : لم تتوفر فيه الصفات الثابتة بالسنة التي نعرفها ، فتكدر وجه الشيخ . فقال الرجل : أظنه أضغاث أحلام . فقال الشيخ : لا ، بل هي رؤيا ، ولكن يقضي الله خيرا )

مراثيه :
قيل في الشيخ مراث كثيرة منها ما رثاه به الشيخ محمد بن مدين الشنقيطي وفيها قال :

الله أكبر مات العلم والورع *** يا ليت ما قد مضى من ذاك يرتجع
يبكي الكتاب كتاب الله غيبته *** كذا المدارس والآداب والجمع
مفسرُ الذكر الحكيم وما *** من الحديث إلى المختار يرتفع
أخلاقه الشهد ممزوجا بماء صفا *** وما يغير طبعا زانه طبع
فهو الإمام الذي من غيره تبع *** له وهل يستوي المتبوع والتبع

إلى أن قال :

حدث بما شئت من حلم ومن كرم *** وانشر مآثره فالباب متَّسع

--------------------------------
[1] كتب ترجمة للشيخ :  ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي د.عبدالرحمن السديس  ، أضواء البيان الشيخ عطية سالم 10 / 28 ، علماء ومفكرون عرفتهم محمد المجذوب  1/171 ، علماؤنا 20 .
[2] أضواء البيان ـ ترجمة الشيخ :  10/28
[3] قال الشيخ عبدالرحمن السديس المسألة هي : قول خليل في باب النكاح : ( في عشرة ندبه ولو بيع سلطان لفلس ) .
[4] معنى اللمي سمرة الشفتين واللثات يستحسن ، ومما قيل في معنى اللمى : يضحكن عن مثلوجةِ الأثلاج ** فيها لمى من لعسة الأدعاج       وهو اسم ابنتي الكبرى ـ حفظها الله وزينها بالإيمان والعمل الصالح ـ .
[5] راجع كتاب مسائل في الإيمان لمعالي الشيخ صالح الفوزان بعنايتي .
[6] طبقات النسابين ـ بكر أبو زيد ـ مؤسسة الرسالة ـ 298 ـ برقم : 656 .قال الشيخ بكر : كان الشيخ يقول لي : إن هذا العلم لم يتلقه عني في جزيرة العرب إلا أنت .
[7] ويجمع معالي الشيخ بكر أبو زيد مجموعة من آثار الشيخ منها فتوي في السعي في الدور الثاني ، والصلاة في الطائرة ، ومنظومة في الفقه .
[8] جمعه الدكتور خالد ـ وفقه الله ـ من أشرطة سجلت للشيخ في المسجد النبوي ، وسيخرج قريبا بإذن الله تعالى .
[9]  ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ــ الشيخ عبدالرحمن السديس ـ 179 .
[10] السابق 186 .

لون نادر من التراجم

الحمدُ لله وحدَه، والصلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد:

لقد شهِدت تصانيف المؤرِّخين ألوانًا مُختلِفة من مناهج التَّأريخ وطرائقه، فبعضهم يجعل تاريخَه مرتَّبًا على السنين، وبعضُهم يجعله على الحروف، ومنهم من يخص طائفة، أو بلدًا، أو مدينة، أو فترة زمنيَّة، أو شخصًا، أو علمًا من العلوم، أو ظاهرةً من الظواهر، إلى غير ذلك من طرائق التَّصنيف في التاريخ، مما يعسر حصْرُه إلا بدراسة مستفيضة، ولعلَّ الله تعالى ييسِّر قريبًا إفْراد ذلك الموضوع بمقالٍ على وجْه الإجمال.

وسوف نتعرَّض في كلامِنا هُنا - إن شاء الله تعالى - للون من ألوان الترجمة للأفراد، وهو باب واسع قد أكثر فيه المؤرِّخون وغيرهم، فلا يكاد يَخلو ثبت مصنَّفات مؤرِّخ من المؤرخين من ترجمة لسلطان، أو خليفة، أو وزير، أو فاتح، أو إمام، أو غيرهم من أهْل الطوائف، بل يكثر في مصنفات أصحاب الفنون المتنوِّعة من إفراد إمامٍ من أئمَّة فنِّهم بالترجمة، لا سيَّما إن كانوا ممَّن تلمذ له، وثنى ركبتَيْه عنده.

ومن ألوان تراجم الأفراد ما يتسنَّى لنا أن نسمِّيه بالسير الذاتية، وهي تلكم التراجم التي خطَّها أصحابُها إفصاحًا عن سيرتِهم بأنفسهم، ومن أعرف بسيرة المرء من نفسه؟!

غير أنَّ اللون الذي نودُّ توجيه النَّظر إليه ها هنا هو لون من السير الذاتية، لم يعمد أصحابه إلى وضْع تصنيف يترجمون فيه لأنفسهم، وإنما نثروا مفرداتها في ثنايا تواليفهم، وبين زواياها، فقام مَن جاء بعدهم باستقراء تلك التواليف، واستخراج ما عساه أن يفيد في الترجمة لأصحابِها، والتأليف بين المفردات المتناثرة في خبايا زواياها، وترتيبها وَفْقًا لمنهج التأليف في كتُب التراجم، فتخرج لنا سيرة ذاتية كتبَ صاحبُها مفرداتها بنفسه، وإن لم يكن قد أفردها بتصنيف، أو خصها بتأليف.

ومما يعين من تصدَّوا لذلك النوع من التراجم على صنيعِهم المذكور: كونُ المُصَنِّف من المُكْثرين، وأعون منه لهم أن يكون ممن يستَشْهِدون في ثنايا تصانيفِهم بوقائع عاصروها، أو أحداثٍ وقعت لهم، لا سيَّما إن كان ذلك مشفوعًا بذكر التاريخ والمكان، فهنالك يَجد المؤرِّخ اللبيب طلبته، ويحظى بما ينتظم به العقد من حبات اللؤلؤ[1].

وقد مرَّ بي اللَّون المتحدَّث عنه، أثناء البحث المطوَّل في مصادر ترجَمة رأْس القائلين بوحدة الوجود[2] محيي الدين بن عربي الطَّائي، وأنا أتصفَّح أقوال الذَّامِّين له، والذَّابِّين عنه، والمتوقِّفين فيه، وهو ما وجدتُه مسطورًا في كتاب "ابن عربي مذهبه وحياته"، لكاتبه المستشرق الأسباني القس آسين بلاثيوس[3]، والذي نقله إلى العربيَّة الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي، فألفيته لونًا جديرًا بالاعتناء، تمسُّ إليه الحاجة في كشْف كثير من جوانب حياة مشاهير المصنفين في شتى العلوم، لا سيما أئمَّة الدين، وحملة الشريعة المطهرة.

ولسنا معنيِّين في هذه السطور ببيان الموقف الشرعي الصحيح من تراث ابن عربي؛ فقد أفاض في ذلك من علماء أهل السنة - بل وغيرهم - الكثيرون[4]، ولا يعكر علينا ما نحن بصدد بيانه من ذلك اللون من التراجم كونُه قد جاء في مصنَّف أحد المستشرقين، الذين غالى كثير من مقطوعي الصِّلة بتراث أئمَّة المسلمين الزَّاخر في بيان مناقبهم، وعظيم فضلهم – زعموا - على التراث الإسلامي، بالرَّغم من سوء قصد أكثرهم، وعدم تميُّز أعمال جلِّهم عمَّا خطته أيدي فحول المحققين، وجهابذة الباحثين من المسلمين، لكن الشَّأن هنا في إلقاء الضوء على المقصد الأساس من كتابة المقال، وهو ما يميز ذلك اللون من التراجم من توثيق في المعلومات، وإبداع في الطرح.

ولو أنَّنا أمعنَّا النَّظر في هذا النَّوع لوجدنا كثيرًا من الأبْحاث والدِّراسات التَّاريخيَّة المُعاصرة مفتقِرةً إليه أشدَّ الافتِقار، شريطةَ أن يتم في صورته الكاملة، لا في صورة جزئيَّة تكتفي بالتيمُّم مع وجود الماء، ولا تعرِفُ لطول النَّفس في البحث سبيلاً؛ فإنَّ قصر النفس لدى الباحث حالقة تحلق حصيلتَه العلميَّة، وتلحقه بركب أبي شبر، وما أبأسه من لقب!

ومن ثمَّ؛ كان الخير المحصل من تطبيق ذلك النَّوع في الدراسات التاريخية إنما يُرجى مع الاستقراء الكامل لكل ما وصل إلى أيدينا من تآليف المُتَرْجَم، وإمعان النظر فيها.

ومن أراد التحرير والتدقيق، فلا يجد مناصًا من ضم تصانيف التَّلاميذ الملاصقين للشيخ المُتَرْجَم لتصانيفه في استقراء سيرته؛ لأنَّ ما ينقله التلاميذ عن شيوخهم في ثنايا تصانيفهم من الفتاوى والأقوال، والوقائع والأحوال - يمثل موردًا خصبًا من موارد الترجمة، ومَعينًا لا ينضب في تَحرير ما قد يُشكِل من جوانبِها.
ـــــــــــــــــــــــــ
[1] جدير بالذكر أن مصنفات الصوفية مشحونة بالحكايات والأخبار؛ لما عُلم من شغف القوم بحكاية خوارق العادات، والهواتف، والمنامات، ونحوها.
[2] القول بوحدة الوجود يغاير القول بالحلول والاتحاد، بل يضاده، فالقول بالحلول يقتضي التغاير بين الخالق والمخلوق؛ لكي يحدث الحلول والاتحاد في زعمهم، وهذا ما ينفيه أهل الوحدة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
[3] أكثر نقول بلاثيوس كانت من الفتوحات، وهو من أوسع تصانيف ابن عربي إن لم يكن أوسعها، مع الأخذ في الاعتبار أن بلاثيوس قد بحث في الكتاب تأثر الصوفية عمومًا - وابن عربي خصوصًا - بالتراث النصراني، وتأثير ابن عربي في الفكر النصراني والشيعي في عصور تَلَتْه، فلم يكن الكتاب ترجمة خالصة.
[4] المدافعون عن ابن عربي، والمتوقِّفون فيه ليس لهم إلا أحد سبيلين لا ثالث لهما: إما التشكيك في نسبة الكلام الصريح في الوحدة له، أو محاولة تأويله تأويلات بعيدة متكلَّفة، وإن لم يجدوا تأويلاً متكلَّفًا، قالوا: لعل هناك تأويلاً، وكلا الأمرين لا يفيدانِهما شيئًا في الدفاع عنه، أو التوقف فيه، فكلامه في الوحدة كثير، متناثر في تصانيفه - وليس في فصوص الحكم فحسب - ووصفه بذلك كثير من متصوِّفة عصره الذين لقوه، وكثير من كلامه لا يمكن تأويله، بل الذهاب إلى تأويله يعد استخفافًا بالعقول إلى أبعد الحدود؛ لأنها لم تكن عبارات مشكِلة في ثنايا كلام له، بل كانت شرحًا لمذهب يدين به الرجل، ويبسط الأدلَّة عليه، ففرق بين فلتة لسان أو سبق قلم لم يحسن صاحبه التعبير عنه، ولم يقصد ما بدا لنا منه، ومذهب كامل يشرحه صاحبه وينتصر له، فكيف يؤول مثل هذا؟ وإنَّما عمدت إلى الإشارة إلى نتاج المخالفين لأهل السنة بشأن ابن عربي؛ إظهارًا لوضوح أمره وضوحًا خرج عن كونه مما يختص أهل السُّنة بمعرفته وبيانه، بل تعداهم إلى غيرهم.

الدكتور شوقي أبو خليل

يعتبر الدكتور شوقي محمد أبو خليل واحدًا من رواد مدرسة التاريخ الإسلامي في تاريخنا المعاصر، وحق لأبناء هذه المدرسة في تاريخنا الذي نعيشه أن نحاجج فيه الرواد الأوائل من أبناء هذه المدرسة من واضعي لبنة هذا البناء الشامخ الذي نفاخر فيه جميع تواريخ الحضارات الإنسانية بما حفظته لنا ذاكرته من خيرية هذه الأمة العربية قاعدة الإسلام وأهله، فكانت وفاته رحمه الله في 14 رمضان 1431هـ - 24 آب "أغسطس" 2010م) في مدينة دمشق.



الدكتور أبو خليل المولد والموطن والنشأة:

الدكتور أبو خليل رحمه الله واحد من أبناء فلسطين الحبيبة، فقد أصابه ما أصاب أهلها من هجرة ونزوح بعد الاحتلال والاغتصاب اليهودي الغادر. ولد الدكتور شوقي أبو خليل في شهر مايو 1941م في بلدة بيسان، وبيسان هذا إنما هو سهل يمثل فضاء حاضنًا لتسعة وعشرين قرية فلسطينية، وقد افتتحت مدينة بيسان قاعدة هذا الإقليم سنة 13هـ على يد القائدين العظيمين شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وضم هذا السهل العظيم رفاة آلاف من الصحابة وجنود المسلمين أيام طاعون عمواس سنة (18هـ)، وكان منهم الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح وفاتح مدينة بيسان شرحبيل بن حسنة رضي الله عنهما.



ولم يكن سهلًا على والد أبو خليل أن ينزح من أرضه الذي ولد وعاش عليها، فقد أرغم جنود الهاجانا -فرق القتل- أهالي بيسان على الرحيل في عربات ورموهم على الحدود السورية بعد شهر من قيام دولة إسرائيل وكان منهم الدكتور أبو خليل وأسرته رحمه الله تعالى. في دمشق كانت النشأة الثانية لأبو خليل، فالتحق في مدارسها، وبعد انتهائه من المرحلة الثانوية التحق بجامعة دمشق -كلية الآداب- قسم التاريخ، وجاءت دراسته للتاريخ من حبه له، على أنه وعاء الأمم حاضن سيرتها وأمجادها، وإن أي أمة لا تاريخ لها لا وجود لها بين الأمم، فمن هذا الباب جاء حبه للتاريخ، وخاصة منه الأموي بعد أن ذهب الكثير من الشعوبيين إلى النيل منه وتشويه صورته، وإيمانًا منه بهذه الرسالة العظيمة فقد تابع دراساته العليا وحصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من أكاديمية العلوم في جامعة أذربيجان سنة 1990م.



الإدارات والجهات التي عمل بها:

التحق بعد تخرجه من الجامعة في وزارة التربية والتعليم السورية، فعمل مدرسًا في ثانوياتها، ثم رئيسًا لقسم الامتحانات في مديرية تربية دمشق، ثم موجهًا تعليميًا في مادة علم التاريخ في ثانويات دمشق، انتقل بعدها ليكون عضوًا في مديرية المناهج والكتب، وكان أستاذًا لمادة الحضارة الإسلامية والاستشراق بكلية الدعوة الليبية، وعمل محاضرًا في كلية الشريعة في جامعة دمشق، كما عمل أمينًا عامًا لجامعة العلوم الإسلامية والعربية، ومديرًا للنشر في دار الفكر بدمشق من سنة 1991م حتى وفاته في 14 رمضان 1431هـ- 24 أغسطس 2010م، كما تولى رئاسة قسم شعبة التاريخ والحضارة في معهد الفتح الإسلامي، وأستاذًا للتاريخ فيه.



الكتابة والتأليف في حياة أبو خليل:

أثرى الدكتور أبو خليل مكتبة التاريخ الإسلامي في عظيم عطاءاته، وخاصة ما هو معني في حروب المسلمين وانتصاراتهم، قصده في ذلك توجيه شباب هذه الأمة إلى الماضي الذي عاشه أسلافهم في فهم رسالة الإسلام وحمله إلى شعوب العالم من غير العرب، وقد بين فيما كتبه بأن الحملة هم من أبناء هذه البلاد المباركة الجزيرة العربية، فقبل أن يكونوا قادة فتح كانوا دعاة هداية ودعوة إلى دين الله، وكانت باكورة أعماله كما أشار لذلك الأستاذ محمد عدنان سالم أحد مؤسسي دار الفكر ومديرها قبل أبو خليل، بأن أبو خليل جاء سنة 1968م، ومعه كتاب "المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام"، يلتمس نشره، فتوجس خيفة من رفضه لنشر الكتاب، لكن المدير سالم أفاده بأن الدار لها معايير في نشر أي كتاب بغض النظر عن المدرسة التي ينتسب لها الكاتب أو فكره، فشاء الله له أن يكون هذا الكتاب أولى بواكير عمله في الكتابة، وتوالى بعد ذلك عطاءه في التاريخ الإسلامي، حتى بلغ ما كتبه في حدود أربعين كتابًا، وكلها من مطبوعات دار الفكر، وغدى شوقي أبو خليل في ذاكرة قرائه، فهو لا يذكر إلا ويذكر معه دار الفكر ناشرة أعماله ومؤلفاته، كما كتب رحمه الله كتبًا صغيرة لعالم الطفل والأطفال بقصد ربطهم تربويًا وسلوكيًا بماضي أسلافهم من فضلاء هذه الأمة وقادتها وعظمائها وعلمائها. وأبو خليل ابن فلسطين وبيسان، وعلى واقع ما يعيشه الفلسطينيون اليوم من قتل وسجن على يد اليهود من تاريخ النكبة الأولى وإلى اليوم، فقد كتب كتابًا عظيمًا فقال فيه اليهود في التاريخ والحضارة الإنسانية لم يكونوا إلا قتلة مجرمين، وذلك في كتابه الذي عنونه بـ"الهولوكست الأولى في التاريخ -محرقة نجران"، فنجران حاضنتها هذه البلاد الكريمة، واستند فيه على توثيق نصه من المصادر الحبشية والقبطية واليمنية القديمة والبيزنطية، وتوج هذه المصادر بكتاب الله الذي تتلى فيه صورة حرق المؤمنين إلى قيام الساعة في سورة البروج.



وفي مجال عالم الفكر فقد كتب رحمه الله في العديد من الصور والفضاءات الفكرية والتي ترتكز على ثوابت الفكر الإسلامي في ظل ما عاشته الأمة من بعض من أبنائها، الذين سبحوا في تيارات فكرية حاربها الإسلام كالقومية والشيوعية والاشتراكية والوجودية وغيرها من الأفكار التي حاربها الإسلام في سمو رسالته وعظيم مكانتها.



ناهض جرجي زيدان فيما كتبه عن التاريخ الإسلامي قاصدًا تشويه صورته بعد تأثره بمدارس المستشرقين، كما ناهض المستشرقين في دراساتهم التاريخية، وهذا كله يدخل في ميزان النقد للنصوص التاريخية التي قصد فيها تشويه صورة التاريخ الإسلامي في رسالته ورجالاته.



وأرفف المكتبات التاريخية تشهد بفضله رحمه الله في خلال أطالسه الخمسة التي كتبها وخدمها بالصور والخرائط الإرشادية للطلبة والباحثين، فكان نموذجًا في الكتابة درج عليه رحمه الله وقلده فيه من جاء بعده ومنها أطلس القرآن. وأطلس الدول الإسلامية، وأطلس التاريخ الإسلامي، وأطلس السنة النبوية، وأطلس السيرة النبوية.



ومن الشخصيات العلمية التي تأثر بها رحمه الله، كان عباس محمود العقاد، وكتابه "التفكير فريضة إسلامية" والمرحوم محمود محمد شاكر، وكتابه "أباطيل وأسمار"، ومن ذكرياته أنه امتلك أول كتاب بليرة سورية وربع كتاب "فتوح الشام" للواقدي، واليوم خلف مكتبة خاصة فيه ضاق فيها البيت عليه، فيها من عظيم الكتب التاريخية المعنية في التاريخ الإسلامي، والتي اهتدى بهديها فيما كتبه ونشره.



ثناء العلماء عليه:

شهادة الحق من شهادة الخلق، فقد ذهب العديد من الكتاب والمؤرخين في العمل على تكريم شوقي أبو خليل في حياته رحمه الله، ففي سنة 2004م تم إقامة حفل تكريم له في دمشق، وفيه تبادل الحاضرون الكلمات وقصائد الشعر العربي في بيان قدره وفضله والثناء عليه، بما تركه من موروث علمي عظيم يشهد له بعظيم قدره وسمو منزلته العلمية، وكان منهم الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس، وغيرهم من العلماء والمفكرين، وقد جمعت الكلمات في كتاب مرموق نشرته دار الفكر تحت عنوان "علماء مكرمون: شوقي أبو خليل، بحوث ومقالات مهداة إليه"، ومع وفاته رحمه الله فإن الذي ذهب منهم في تكريمه لم يجد بدًا من رثائه والثناء عليه فكتب عنه العديد من الكتابات والمقالات وقصائد الرثاء، ومنها قصيدة الدكتور وليد قصاب الذي آلمه فقد واحد من أحبابه وإخوانه الذي لمس فيه العلم والأدب والخلق والفضل، فجاءت قصيدته "الوداع" في باب الرثاء له رحمه الله فيقول:

ما مات أهلُ العلم والآثار
أسماؤهم تحيا مدى الأعصارِ
شوقي بحرف النور خلد اسمه
وأضافه بجلالةٍ ووقارِ
ما مر ثم مضى كأن لم يأتنا
أو كان في الدنيا من الأغمارِ 
حيث اتجهت ثماره وفروعه
ما غادر الدنيا بغير ثمارِ




فرحم الله الدكتور شوقي أبو خليل على ما قدمه لأمته في خدمة تاريخها سائلين الله له المغفرة آملين من الله أن يعوض الأمة بفقده، من يتابع مسيرته ورسالته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



الكتب التي تم نشرها للمرحوم شوقي أبو خليل:

طيلة أربعة عقود من العطاء عند أبو خليل، وخاصة فيما هو معني بالتاريخ الإسلامي في قديمه وحديثه، فقد كانت ذات منهجية جديدة، ولم يسجل عليه أحد أن دلس أو سرق من أحد، ومما امتازت به كتاباته مناهضته للشعوبية وأصحاب الفرق، فهو في كل ما كتبه رحمه الله أموي النزعة، وقد ناهض في الكثير مما كتبه مسألة النيل من الإسلام وأهله في تشويه صورة تاريخ هذه الأمة، والكتابة عنده جاءت على المحاور التالية:







1- التاريخ الإسلامي: ومنها القادسية - اليرموك -   نهاوند - ذات الصواري - فتح الأندلس - الإسلام وحركات التحرير العربية - بلاد الشهداء - الزلاقة - فتح صقلية - بدر الكبرى - غزوة خيبر - غزوة أحد - غزوة الخندق - غزوة تبوك - صلح الحديبية - الأرك - غزوة مؤتة - فتح مكة - حنين والطائف - حروب الردة - عمورية - وادي المخازن - العقاب.



2- كتب في النقد التاريخي: فيليب حتى في الميزان - في الرد على مفتريات المستشرقين - آراء يهدمها الإسلام - تحرير المرأة ممن وفيم حريتها - كارل بروكلمان في الميزان.



3- الفكر الإسلامي: الإسلام في قفص الاتهام، غريزة أم تقدير إلهي، من صيغ القرآن، عوامل النصر والهزيمة، أحب أن أكون، الإنسان بين العلم والدين، أحب أن أعرف أمتي، الإسلام والتفاهم والتعايش بين الشعوب، الحضارة العربية الإسلامية.



4- كتب للأطفال: ومنها أراد رحمه الله ربط الأطفال بماضي سلفهم الكريم من خلال تقديمهم لأطفال الأمة في هذه الأيام فبلغت مؤلفاته من الكتب الصغيرة ما يزيد على المائة كتاب.

زياد علي

زياد علي محمد