الاثنين، 2 سبتمبر 2019

عمير بن وهب

عمير بن وهب
إنه عمير بن وهب -رضي الله عنه-، كان واحدًا من قادة قريش، وبطلاً من أبطالها، كان حادَّ الذكاء، وداهية حرب، طلب منه أهل مكة يوم بدر أن يستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول ( للقائهم، ويعرف مدى استعدادهم.
فانطلق هذا الداهية يترقب حول معسكر المسلمين، ثم رجع يقول لقومه: إنهم ثلاثمائة رجل، أو يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، وكان تقديره صحيحًا، ثم سأله قومه: هل وراءهم مدد أم لا؟ فقال: لم أجد وراءهم شيئًا، ولكنى رأيت قومًا وجوههم كوجوه الحيات، لا يموتون حتى يقتلوا منا أعدادهم، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم.
والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك؛ فانظروا رأيكم. فتأثر عدد من زعماء قريش بكلامه، وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون إلى مكة بغير قتال، لولا أن أبا جهل أيقظ في نفوس الكفار نار الحقد، وأشعل نار الحرب، ولما نشبت المعركة
كان عمير بن وهب أول من رمى بنفسه عن فرسه بين المسلمين، وانتهت
المعركة بانتصار المسلمين على قريش، وعادت قوات قريش إلى مكة تجر
خيبتها وراءها.
وبعد بدر، أقبل عمير بن وهب على ابن عمه صفوان بن أمية وهو جالس في حجر الكعبة، وأخذا يتذكران ما حل بأهل مكة يوم بدر، فقال صفوان: قبح الله العيش بعد قتلى بدر، فقال عمير: صدقت، والله ما في العيش خير بعدهم، ولولا ديْن عليَّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى؛ لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي عنده علة (سببًا) أعتكُّ بها عليه: أقول: قدمت من أجل ابني هذا الأسير، وكان ابنه وهب قد أسر يوم بدر، ففرح صفوان وقال له: عليَّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم وأرعاهم.
فقال عمير لصفوان: اكتم خبري أيامًا حتى أصل إلى المدينة، ثم جهز عمير سيفه وسنَّه، وجعله حادًا، ووضع عليه السم، ثم انطلق حتى وصل إلى المدينة، وربط راحلته عند باب المسجد، وأخذ سيفه، وتوجه إلى رسول الله (، فرآه عمر بن الخطاب، فأسرع إلى رسول الله ( وقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب جاء رافعًا سيفه، لا تأمنه على شيء، فقال ( لعمر: (أدخله عليَّ).
فخرج عمر، وأمر بعض الصحابة أن يدخلوا إلى رسول الله ( ويحترسوا من عمير، وأمسك عمر بثياب عمير، ودخل به، فقال ( لعمر: (تأخَّر عنه (أي اتركه وابتعد عنه))، وقال لعمير: (اقترب يا عمير)، فاقترب عمير من الرسول (، وقال: انعموا صباحًا (وهى تحية الجاهلية)، فقال له (: (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة).
ثم سأله (: (فما جاء بك يا عمير؟) فقال عمير: جئت لهذا الأسير عندكم (يقصد ابنه وهبًا)، تفادونا في أسرانا، فإنكم العشيرة والأهل، فقال النبي (: (فما بال السيف في عنقك؟) قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟! إنما نسيته في عنقي حين نزلت، ثم قال الرسول (: (أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له؟) فقال عمير: ما جئت إلا في طلب أسيري.
فقال الرسول (: (بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في حجر الكعبة، ثم قلت: لولا دين عليَّ وعيال عندي؛ لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان ذلك، والله حائل (مانع) بينك وبين ذلك)، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر، لم يطلع عليه أحد، فأخبرك الله به، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، ففرح المسلمون بإسلام عمير فرحًا شديدًَا. فقال الرسول ( لأصحابه: (علموا أخاكم القرآن، وأطلقوا أسيره) [ابن هشام وابن جرير].
هكذا أسلم عمير بن وهب، وأصبح واحدًا من أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهدى والنور، يقول عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما أسلم: والذي نفسي بيده، لخنزير كان أحب إلي من عمير حين طلع علينا (حين رآه في المدينة وهو قادم على الرسول ( ليقتله)، ولهو اليوم أحب إلي من بعض ولدي.
وبعد أيام قليلة، ذهب إلى رسول الله ( قائلاً: يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فألحق بقريش، فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم، فأذن له الرسول (.
وفي الوقت الذي آمن فيه عمير بالمدينة، كان صفوان يقول لقريش: أبشروا بفتح يأتيكم بعد أيام ينسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يخرج كل صباح إلى مشارق مكة يسأل القوافل القادمة من المدينة: ألم يحدث بالمدينة أمر؟ هل قتل محمد؟ وظل على هذا النحو حتى قال له رجل قدم من المدينة: لقد أسلم عمير. فغضب صفوان أشد الغضب، وحلف أن لا يكلم عميرًا أبدًا، ولا يعطي له ولا لأولاده شيئًا.
وعاد عمير بن وهب إلى مكة مسلمًا، وراح يدعو كل من يقابله من أهل مكة إلى الإسلام، فأسلم على يديه عدد كبير، ورأى صفوان بن أمية، فأخذ ينادي عليه، فأعرض عنه صفوان، فسار إليه عمير وهو يقول بأعلى صوته: يا صفوان أنت سيد من سادتنا، أرأيت الذي كنا عليه من عبادة حجر والذبح له؟ أهذا دين؟ اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فلم يردَّ عليه بكلمة.
وفي يوم فتح مكة، لم ينس عمير صاحبه وابن عمه صفوان بن أمية، فراح يدعوه إلى الإسلام، فشد صفوان رحاله نحو جدة، ليذهب منها إلى اليمن، وصمم عمير أن يسترد صفوان من يد الشيطان بأية وسيلة، وذهب إلى الرسول ( مسرعًا، وقال له: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه قد خرج هاربًا منك، ليقذف بنفسه في البحر فأمنه (أي أعطه الأمان)، فقال النبي (: (قد أمنته)، فقال عمير: يا رسول الله، أعطني آية (علامة) يعرف بها أمانك، فأعطاه الرسول ( عمامته التي دخل بها مكة.
فخرج عمير بها حتى أدرك صفوان وهو يريد أن يركب البحر. فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان رسول الله ( قد جئتك به. فقال له صفوان: ويحك، اغرب عني فلا تكلمني، فقال عمير: أي صفوان، فداك أبي وأمي، إن رسول الله ( أفضل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، عزه عزك، وشرفه شرفك. فقال صفوان: إني أخاف على نفسي، فقال عمير: هو أحلم من ذاك وأكرم.
فرجع معه وذهبا إلى رسول الله (، فقال صفوان للنبي (: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني. فقال الرسول (: (صدق)، فقال صفوان: فاجعلني فيه (أي في الإيمان) بالخيار شهرين. فقال الرسول (: (بل لك تسير أربعة أشهر) [ابن هشام].
وتحققت أمنية عمير وأسلم صفوان، وسَعِد عمير بإسلامه، وواصل عمير بن وهب مسيرة في نصرة الإسلام، حتى أصبح من أحب الناس إلى رسول الله (، ونال عمير احترام خلفاء الرسول ( وعاش
عمير بن وهب حتى خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
المصدر

حفصة بنت عمر بن الخطاب

نسبها ومولدها:

هي بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وأمها زينب بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون.


عن عمر - رضي الله عنه - قال: وُلدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين.

زواجها قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -:

تزوجها خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي، فكانت عنده، وهاجرت معه إلى المدينة، ومات عنها بعد الهجرة، وبعد معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون على المشركين، عاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، كانت حفصة في تلك الفترة قلبها يئن من الحزن ويضج بالهم والغم على زوجها حيث كان يعاني من سكرات الموت.

أسرع ابن الخطاب إلى دار ابنته ليطمئن على صهره ولكن سبق السيف العذل، وترملت حفصة - رضي الله عنها - وهي في سن مبكرة، لقد تألم عمر - رضي الله عنه - لفقدان خنيس وبكاء حفصة وترملها، فكان يزورها ويواسيها، وفي ذات يوم وقد كان في حزن وألم، التقى في الطريق عثمان بن عفان الذي فقد زوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض عليه الزواج من حفصة فأجابه عثمان: ما لي في النساء حاجة.

ثم التقى عُمر أبا بكر - رضي الله عنهما - فعرض زواج حفصة عليه فسكت ولم يجب.

فغضب عمر كثيرًا وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثورة بادية في عينيه، وحين استمع إليه - صلى الله عليه وسلم - قال له: يزوج الله تعالى عثمان خيرًا من ابنتك، ويزوج ابنتك خيرا من عثمان، فمكثت ليالي، ثم خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟


فقلت: نعم. قال أبو بكر: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها، فما كنت لأفشي سر رسول الله، ولو تركها رسول الله قبلتها، ولما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - فكان خيرا من عثمان، وتزوج عثمان من أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت خيرا من حفصة.

مرت حياة حفصة في بيت النبي – صلى الله عليه وسلم - على أحب ما تشتهي وتريد، وحفظت عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بعض أقواله وتوجيهاته السامية، فسلكت مسلكها، وعملت بمقتضاها، ووعاها صدرها وقلبها.

ولما دنت ساعة الفراق، ولحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى، بكته حفصة بدمع هتون، وقلب محزون، ولزمت دارها لا تفارقها أبدا، وكانت العبادة سلوتها والتصدق على الفقراء والمساكين عادتها.

كانت حفصة - رضي الله عنها - أديبة كاتبة ذات فصاحة وبيان وبلاغة، قالت في مرض أبيها، بعد أن طُعن بخنجر مسموم وهو يؤدي الصلاة:

أكظم الغُلَّة المخالطة القلب

وأُعزّى وفي القرآن عزائي

لم تكن بغتة وفاتك وجدا

إن ميعاد من ترى للفناء

ولئن كانت حفصة - رضي الله عنها - لم تقل من الشّعر إلا أقله، فإنها ولا شك تدل في نظمها ونثرها على علوّ الكعب فصاحة وبلاغة وبيانًا.
روت حفصة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمانة الناقل كثيرًا من الأحاديث التي تتعلق بالأحكام والسلوك، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين كأخيها عبد الله بن عمر وابنه حمزة، وحارثة بن وهب، وغيرهم.

كانت أمينة على بيتها وقدسيته، وزوجها ومكانته، وتقواها وورعها وزهدها، خصوصًا بعد انتقال النبي الكريم إلى الملأ الأعلى.

سبق وقلنا: إن السماء قد شهدت لحفصة بالمثل الأعلى في التدين والتقوى، حين قال جبريل عليه السلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها صئوم قئوم". ولقد حدّث جويرية بن أسماء عن نافع قال: ما ماتت حفصة حتى ما تُفطر. أما حجها... فحدث عنه ولا حرج.

كانت دارها في المدينة حجرتها في بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - محط أنظار الصحابة، يأتونها زائرين ومستفسرين ومتبركين، ومتعلمين وسائلين.

وفي العام الخامس والأربعين للهجرة وافاها الأجل المحتوم، إثر إرهاق ومرض، ولبت نداء ربها وأسلمت الروح في شهر شعبان من تلك السنة؛ - رضي الله عنها - وبارك مثواها، وأكرم منزلتها، وألحقنا بها في الصالحين من عباده.

أبو بكر بن العربي حافظ الأندلس

بسم الله الرحمن الرحيم

القاضي أبو بكر بن العربي [*] من أشهر علماء الإسلام في بلاد الأندلس علما وفقها وقضاء، ممن كان لهم بصمات تربوية وعلمية نحو إنشاء مجتمع إسلامي فريد، طاف بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، فجمع من العلم ما لم يجتمع لغيره من أهل زمانه، فكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها.

أبو بكر بن العربي .. نسبه ونشأته
هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري الإشبيلي [1]، ولد في إشبيلية -لما كانت كبرى عواصم الأندلس- في يوم الخميس 22 من شهر شعبان سنة 468 هـ، في بيت من أعظم بيوتها بعد بيت مليكها المعتمد بن عباد.

وكان أبوه عبد الله بن محمد بن العربي من وجوه علماء الدولة وكبار أعيانها، المتمتعين بالمكانة والوجاهة عند ولي أمرها.

في هذه البيئة الكريمة العزيزة بالعلم نشأ ابن العربي، ومنها أطل على الدنيا في السنوات الأولى من حياته. فتلقى ثقافته الأولى وأساليب تربيته، خاصة أستاذه أبو عبد الله السرقسطي.

وقد تخلق ابن العربي بصفات المروءة من الذكاء وسعة المدارك ودماثة الخلق وبكل ما يهيئ له نضوج رجولته المبكرة، حتى قال هو عن نفسه (حذقت القرآن وأنا ابن تسع سنين، ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ستة عشر سنة وقد قرأت من الأحرف -أي من القراءات- نحو من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه. وتمرنت في الغريب والشعر واللغة).

رحلات أبو بكر بن العربي في شمال إفريقية
ولما بلغ ابن العربي السابعة عشر قضى الله بسقوط دولة آل عباد في سنة 485هـ، فخرج به أبوه من إشبيلية قاصدا شمال إفريقية فنزلوا ثغر (بجاية) ولبثوا فيه مدة تتلمذ فيها ابن العربي على كبير علماء هذا البلد أبي عبد الله الكلاعي، ثم ركبوا البحر مشرقين إلى ثغر (المهدية)، وفيها أخذ عن عالمها أبي الحسن بن علي بن محمد بن ثابت الحداد الخولاني المقرئ، والإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري التميمي (453 – 536 هـ).

ابن العربي في الديار المصرية
توجه ابن العربي وأبوه قاصدين ديار مصر، فلقي فيها شيخه مسند مصر القاضي أبا الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الخلعي الموصلي الأصل المصري المولد الشافعي (405 – 492 هـ)، وممن لقيهم في مصر وأخذ عنهم أبو الحسن بن شرف، ومهدي الوراق، وأبو الحسن بن داود الفارسي.

ابن العربي ورحلته إلى بيت المقدس
وواصل أبو بكر بن العربي رحلته مع أبيه إلى بيت المقدس، وفيها لقي الإمام أبو بكر الطرطوشي الفهري (451-520هـ) من كبار علماء المالكية الأندلسيين.

ابن العربي ورحلته إلى الديار الشامية
وتقدم ابن العربي في رحلته إلى الديار الشامية، فأقام في دمشق وأخذ عن علمائها، ومنهم هبة الله الأكفاني الأنصاري الدمشقي (444-524هـ)، وأبو سعيد الرهاوي وأبو القاسم بن أبي الحسن القدسي، وأوا سعيد الزنجاني.

ابن العربي ورحلته إلى بغداد واشتغاله بطلب العلم
 ورحل أبو بكر بن العربي مع أبيه من دمشق قاصدا دار الخلافة العباسية بغداد، وفيها أخذ ابن العربي في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب.

وممن تتلمذ لهم: ابن الطيوري (411 – 500هـ)، وأبو الحسن البزاز (410 – 492هـ). وفخر الإسلام أبو بكر الشاشي الشافعي (429 – 507هـ) وكان يسمى "الجنيد" لورعه ودينه، وإليه انتهت رياسة الشافعية في بغداد. ومن الذين أخذ عنهم ابن العربي في بغداد الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجا الميورقي العبدري المتوفى سنة 524 هـ.

وفي بغداد لقي ابن العربي محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي (المتوفى سنة524 هـ) الذي ادعى بعد ذلك المهدوية والنسب العلوي وقام بالتوطئة لعبد المؤمن بن علي (490-558 هـ) وكان المؤسس الأول لدولة الموحدين. ويقول مترجمو ابن العربي: إنه صحب ابن تومرت بالمشرق، فأوصى عليه عبد المؤمن [2]، ولابد أن تكون هذه الوصاة بعد عودتهما إلى المغرب بزمن طويل، ولا شك عندنا أنه لم ينتفع بها، ولم يكن لها أثر في مجرى حياته. ولعل ذلك من نعم الله عليه، وفي آخر حياة أبو بكر بن العربي أوذي بجيئته من الأندلس إلى مراكش دار سلطنة عبد المؤمن.

ويحكي أبو بكر بن العربي عن بعض ما تعلمه في بغداد فيقول: " كان بمدينة السلام إمام من الصوفية، وأي إمام يعرف بابن عطاء، فتكلم يومًا على يوسف وأخباره، حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالحليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ, يا سيدنا، فإِذَن يوسف هَمَّ وما تَمَّ؟ , فقال: نعم؛ لأن العناية من ثَمّ. فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم، وفطنة العامي في سؤاله, والعالم في اختصاره واستيفائه. ولذا قال علماؤنا الصوفية: أن فائدة قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أن الله أعطاه العلم والحكمة أيام غلبة الشهوة؛ لتكون سببا للعصمة [3]".

أبو بكر بن العربي واتصاله بأبي حامد الغزالي
وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (450-505هـ) في بغداد. وفي صحاري الشام بعد ذلك، والظاهر أن ذلك عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة، فقد اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس، ثم حج الغزالي ورحل في سنة 488 هـ إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه إحياء علوم الدين، وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه. وبعد أن حج ابن العربي وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر.

ابن العربي وذهابه إلى الحج وعودته إلى بغداد
ذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة 489 هـ فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (418-498 هـ). ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله: (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة 489 هـ، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته).

وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية.

ابن العربي والعودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية
وفي سنة 492 هـ كان والد ابن العربي قد أثرت فيه الشيخوخة، فخرجا من بغداد متوجهين إلى الشام وفلسطين، فجدد ابن العربي العهد -في دمشق وبيت المقدس وكثير من المدن الشامية- مع من كان عرفهم وأخذ عنهم من شيوخ هذه البلاد، وتعرف بآخرين غيرهم. ثم جاء إلى الإسكندرية، وكانت فيها منية أبيه في أوائل سنة 493 هـ فدفن في الثغر الإسكندري. وفي هذه الفترة اضطهد العبيديون الفاطميون الأفضل أبا بكر الطرطوشي بسبب كثرة أتباعه. فلما توفي والد ابن العربي بالإسكندرية رحل عنه عائدا إلى وطنه في سنة 493 هـ، ويقول الحافظ ابن عساكر: إن ابن العربي ابتدأ بتأليف كتابه (عارضة الأحوذي) عندما غرب من الإسكندرية فكان أول مؤلفاته على ما نعلم.

ابن العربي ووصوله إلى إشبيلية
ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة 500 هـ. فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع.

تلاميذ ابن العربي
 وكان ممن أخذ عن القاضي أبي بكر بن العربي طائفة من كبار علماء الإسلام: منهم القاضي عياض مؤلف الشفا ومشارق الأنوار، والحافظ المؤرخ ابن بشكوال، والإمام الفقيه أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، وعالم لا يحصى.

أبو بكر بن العربي وتوليه القضاء
وقد كان أبو بكر بن العربي بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار. قال مترجموه: بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا)، وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و (المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس.

ولم يأت عام 520 هـ حتى كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة 528 هـ لتولي القضاء في إشبيلية. وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه -كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس- على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء.

محنة ابن العربي ونكبته
إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية.

بلغت محنته حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان –رضي الله عنه- لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره. ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة 536 هـ فهي إذن وقعت بعد سنة 530 هـ وقبل سنة 536 هـ، وقد قال يصفها [4]: "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم (أي بالكف عن القتال في الفتنة). الثاني الاقتداء بعثمان. والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي [5]".

فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها. وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة. وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه، حتى قال عنه ابن بشكوال في كتاب الصلة: "هو الإمام العالم الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها ... كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، ناقدا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها" [6].

مؤلفات ابن العربي
وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي. فمن مؤلفاته:
عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي: وهو من أول مؤلفاته، أنوار الفجر في تفسير القرآن، أحكام القرآن، الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب المشكلين: مشكل الكتاب ومشكل السنة، كتاب النيرين في الصحيحين، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. وهو من أواخر مؤلفاته، ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك، العواصم من القواصم، شرح حديث أم زرع، المحصول في علم الأصول، الإنصاف، في مسائل الخلاف: عشرون مجلدا، شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، نواهي الدواهي، سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم)، تخليص التلخيص، ترتيب الرحلة للترغيب في الملة.

وفاة ابن العربي
توفي القاضي أبو بكر بن العربي بمغيلة قرب مدينة فاس في ربيع الأول سنة 543 هـ، ودفن في فاس خارج باب المحروق، على مسيرة يوم من فاس غربًا منها. وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن يوم الأحد 7 ربيع الأول سنة 453 هـ.

وبموته انطفأت شعلة من الذكاء متقدة، وأفل نجم طلعة متوثبة، وسكنت روح ذات طموح غالب، وخمد ذهن نافذ كان ينير للناس ظلمات حالكة، ويذهب بإشكالات معضلة. وفاضت نفس تواقة إلى تحقيق العدل، وإشاعة مبادئ الأخلاق والدين في الواقع الاجتماعي، وإلى بث الروح العلمية النافذة الفاحصة، وإلى تكوين جيل جديد على أسس تربوية جديدة. أقبل صاحب هذه الروح من المشرق ليغرسها في المغرب، وكفاه أنه ما فارق الوجود حتى بذل جهده، وحقق بعض الذي كان يتوق إليه [7].

الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله ابن نُمَيْر

اسمه ونسبه وحِلْيته:

هو المحدث الحافظ الحجة الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير الـهَمْداني ثم الخارفي مولاهم الكوفي.

مولده:
ولد سنة نيف وستين ومئة.

نشأته:
نشأ - رحمه الله - في بيت علم وحديث وسنة؛ فقد كان أبوه من أهل السنة والحديث والأثر، وهذا من فضل الله عليه؛ فقد كانت الكوفة عُشَّ التشيع والرفض والإرجاء، فأنجاه الله من هاتيك البدع والضلالات، واعتنى به أبوه وعلَّمه وحدَّثه، ثم انطلق يتتبَّع الحديث ويجمعه، ويبحث عن أحوال الرجال، حتى غدا من أعلم أهل زمانه برُواة العلم بالكوفة، وصار مرجع أئمة هذا الفن؛ يسأله أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة فمن دونهم.

شيوخه:
روى عن الجم الغفير والعدد الكثير، منهم: أبوه، وابن عيينة، وإسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن سليمان الرازي، وإسحاق بن منصور السلولي، وحفص بن غياث، وحفص بن عبد الرحمان الرؤاسي، وروح بن عبادة، وأبو أسامة، والفضل بن دُكين، ويزيد بن هارون.

تلاميذه:
روى عنه جمعٌ منهم: البخاري، ومسلم، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سُفيان، وابن وضاح، وأبو زرعة، وبقي بن مخلد، وعلي بن الحسين بن الجُنيد، وأبو داود، وابن ماجه.

تصنيفه:
صنف - رحمه الله - كتابا في التاريخ، نوه به أبو الحسن الدارقطني في "المؤتلف والمختلف"، وأبو نصر ابن ماكولا في "الإكمال"، وأبو القاسم الرافعيّ في ديباجة "التدوين، بذكر أهل العلم بقزوين"، ونقل عنه أبو الفضل ابن حجر في مواضع من "الإصابة في تمييز الصحابة".

ثناء العلماء عليه:

قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يُعَظِّم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيمًا عجيبًا، ويقول: أيُّ فَتًى هو؟

وقال الإمام أحمد: محمد بن عبد الله بن نمير دُرَّةُ العراق.

ورُوي عن أحمد بن صالح المصري: ما رأيت بالعراق مثل أحمد بن حنبل ببغداد، ومحمد بن عبد الله بن نمير بالكوفة، جامعَيْن، لم أر بالعراق مثلهما ولا أجمع منهما للعقل والعلم والدين ولكل شيء.

وقال أحمد بن سنان الواسطي: ما رأيت من الكوفيين من أحداثهم رجلاً عندي أفضل من محمد بن عبد الله بن نمير، كان يصلي بنا الفرائض وأبوه يصلى خلفه؛ قدم علينا أيام يزيد.

يعني: ابن هارون.

وقال العجلي: كوفي ثقة، ويُعَدُّ من أصحاب الحديث.

وقال على بن الحسين بن الجُنيد: ما رأيت مثل محمد بن عبد الله بن نمير بالكوفة، كان رجلاً قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، كان يلبس في الشتاء الشاتي لُبادة، وفي الصيف يتزر، وكان فقيرا.

وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج به.

وقال ابن وضاح: ثقة كثير الحديث عالم به حافظ له.

وقال الحسن بن سفيان: كان يُقال: ابن نمير ريحانة العراق.

وقال النسائي: ثقة مأمون.

وقال أبو يعلى: حديث ابن نمير يملأ الصدر والنحر، وحسبُك به، وكان سيد المسلمين، وابن نُمير بالكوفة - يعني: في الفضل - مثل عبيد الله بن معاذ بالبصرة.

وقال: لم يكن بالكوفة أحدٌ إلا يشرب النبيذ غير ابن إدريس الأودي، وهنّاد ... وابن أبي شيبة، وابن نُمَيْر الصغير.

وقال محمد بن عمر بن العلاء الصيرفي: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير العبد الصالح.

وقال ابن قانع: ثقة ثبت.

وقال مسلمة بن القاسم: ثقة عالم بالحديث، أنبل من أبيه وأعلم.

وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين.

وقال الخليلي: ثقةٌ متفقٌ عليه.

وقال ابن خلفون: إمام من أئمة الحديث بالكوفة، وكان فاضلا زاهدا.

وفاته:

وبعد عُمُر مبارك قضاه في نشر السنة ونصرها والذب عنها مات سنة 234، رحمه الله ورفع درجته في أعالي الجِنان.

فضائل سيدنا معاوية رضي الله عنه

هذه بعض فضائل سيدنا معاوية رضي الله عنه خال المؤمنين وكاتب الوحي الأمين.


الحمد لله الواحد القهار مكورِ الليلِ على النهار ، الذي أوجب علينا تعظيم أصحاب نبيه المصطفيْن الأخيار ، برأهم الله من كل وصمة وعار ، وسقطة وعثار .

وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له ، الكريم الغفار ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله النبي المختار ، وأصلي وأسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً متلازمين ما تعاقب الليل والنهار .

فله الحمد على أن هدانا للإسلام ، شرح صدورنا للإيمان ، وجعل قلوبنا مملوءة حبا وتقديرا وإجلالا وتعظيماً لصحابة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – قال تعالى { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم } .

روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " .
وروى الإمام أحمد في الفضائل عن عبد الله بن عمر :" لا تسبوا أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع النبي – خير من عمل أحدكم أربعين سنة " .
وفي صحيح مسلم عن جابر قال :" قيل لعائشة أن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى أبا بكر وعمر قالت : وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر " .
- قال أبو زرعة :" إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاعلم أنه زنديق "
وقال الإمام أحمد :" إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسوء فاتهمه على الإسلام "

قال الطحاوي : " ونحب أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحدهم ، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ،وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان "

دع ما جرى بين الصحابة في الوغى بسيوفهم يوم التقى الجمعــان
فقتيلهم وقاتلهم لهـــــــــم وكلاهما في الحشر مرحومـان والله يوم الحشر ينـزع كلمــــا تحوي صدورهم من الأضـغان

أما بعد فهذه كلمات في فضل سيدنا أبي عبد الرحمن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الأموي – رضي الله عنه وأرضاه - ، في مناقبه وحروبه ، وفي الجوانب عن بعض الشبه التي استباح بسببها كثير من أهل البدع والأهواء ، جهلا واستهتارا بما جاء عن نبيهم – صلى الله عليه وسلم – في التحذير عن سب أو انتقاص أحد من أصحابه ، لا سيما أصهاره وكتاب وحيه ومن بشّره بأنه سيملك أمته ، ودعا له أن يكون هاديا مهديا .

ولا شك ولا ريب أن معاوية من أكابر الصحابة نسبا وقرباً من النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وعلماً وحلماً ، فاجتمع لمعاوية شرف الصحبة وشرف النسب ، وشرف مصاهرته للنبي – صلى الله عليه وسلم – وشرف العلم والحلم والإمارة ، ثم الخلافة ، وبواحدة مما ذكرنا تتأكد المحبة لأجلها فكيف إذا اجتمعت ؟ وهذا كاف لمن في قلبه أدنى إصغاء للحق ، وإذعان للصدق .

وقبل أن نتكلم عن هذا الموضوع ينبغي الإشارة إلى أن المبتدعة وخاصة الروافض يجادلون في المتشابه من القرآن أو السنة ،فإنهم هم أهل الزيغ، فهم يتركون الفضائل الثابتة في فضائل أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ويأخذون بالمتشابه ، وفي صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب } قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ح ( 2665) .

قال الإمام النووي في شرح الحديث :" وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع ،ومن يتبع المشكلات للفتنة ، فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه ،وجوابه واجب ، وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – صَبِيغ بن عَسْل حين كان يتبع المتشابه ".

فهؤلاء المبتدعة الكلام معهم لغو فأعرض عنهم أيها السني ، وابذل جهدك فيما ينفعك الله به في الدنيا والآخرة .

- الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن :
- { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كمثل زرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً }.
- { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } .
- { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم }
- { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً } .
- { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ، ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) .
- { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آمنوا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم } .
- { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوبُ فريقٍ منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } .
- { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } .
- { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً }

هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي أبو عبد الرحمن خال المؤمنين وكاتب وحي رسول رب العالمين .

وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .

أسلم معاوية عام الفتح .

قال ابن كثير رحمه الله :" كان أبوه من سادات قريش ، وتفرد بالسؤدد بعد يوم بدر ، ثم لما أسلم بعد ذلك حسن إسلامه ، وكان له مواقف شريفة ، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده ، وصحب معاوية رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وكتب الوحي بين يديه مع الكتاب ، وروى عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها من السنن والمسانيد ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين " ( 8/55 ) .

دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاوية :

صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لمعاوية :" اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " .

كان أحد من كتبوا للنبي – صلى الله عليه وسلم –

أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم :" يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم "

في عهده فتحت قبرص وقاتل المسلمون أهل القسطنطينية :

أخرج البخاري في صحيحه :" أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت أنا فيهم يا رسول الله قال لا " .

قال سعيد بن عبد العزيز :" لما قتل عثمان ووقع الاختلاف لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية ، فأغزاهم مرات ، ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة براً وبحراً حتى أجاز بهم الخليج ، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها ، ثم قفل " سير أعلام النبلاء 3/15 .

شهادة ابن عباس له بالفقه :

في صحيح البخاري :" قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة ، قال إنه فقيه " .

وكان ابن عباس – رضي الله عنه – من فضلاء الصحابة ، ومن آل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ويلقب : ( البحر ) ، لسعة علمه ، ويلقب ( بحبر الأمة ) و ( بترجمان القرآن ) ، وقد دعا له النبي – صلى الله عليه وسلم – بالعلم والحكمة والتأويل فاستجيب له، فإذا شهد مثله لمعاوية بأنه مجتهد فقيه ، فلا ريب أنها شهادة لا تضاهيها شهادة ،

قال ابن حجر :" هذه شهادة من حبر الأمة بفضله " .

ثناء ابن عمر – رضي الله عنه - على معاوية :

قال ابن عمر – رضي الله عنه :" ما رأيت بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسود من معاوية ، قيل : ولا عمر ؟ قال : كان عمر خيراً منه ، وكان هو أسود من عمر " رواه الخلال في السنة بسند صحيح . ومعنى أسود قيل : أسخى وأعطى للمال ، وقيل : أحكم منه .

وذكر القاضي عياض – رحمه الله – : " أن رجلا قال : للمعافى بن عمران ، عمر بن عبد العزيز أفضل من معاوية ، فغضب وقال : لا يقاس أحد بأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - ، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله عز وجل " .

حرصه على اتباع السنة وكان يأمر الناس بالحديث وينهاهم عن مخالفته :

- قال ابن حجر – رحمه الله - :" كان إذا أتى المدينة وأُسمع من فقهائها شيئاً يخالف السنة ، قال لأهل المدينة : أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : كذا أو رأيته يفعل كذا " .

- وأخرج البخاري عنه قال :" إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي – صلى الله عليه وسلم – فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها يعني الركعتين بعد العصر "
- وأخرج مسلم عن عمرو بن عطاء قال : " إن نافع بن جبير أرسله إلى السائب يسأله عن شيء رآه من معاوية في الصلاة فقال : نعم صليت معه الجمعة في المقصورة ، فلما سلم قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إليّ فقال : لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج " .

من فضائله استخلاف عمر – رضي الله عنه – معاوية على الشام :

‌‌‌‌‌‌ إن استخلاف عمر معاوية رضي الله عنهما على الشام ، لاشك منقبة لمعاوية ، لأن عمر كان شديد التحري في اختيار واصطفاء الأمراء الصالحين ، وأقره على استخلافه عثمان بن عفان – رضي الله عنهم – فلم ينزله ولم يعزله .

قال الذهبي :" وقال خليفة : ثم جمع عمر الشام كلها لمعاوية ، وأقره عثمان . قلت : حسبك بمن يُؤمِّره عمر ، ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ، ويقوم به أتم قيام ، ويرضى الناس بسخائه وحلمه ... فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله ، وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه ... ، وكان محببا إلى رعيته ، عمل نيابة الشام عشرين سنة ، والخلافة عشرين سنة ، ولم يهجه أحد في دولته ، بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم ، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق ، وخراسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك " سير أعلام النبلاء 3/133 .

من فضائله تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه :

مما لا شك فيه أن تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه مع أن أكثر من أربعين ألفاً بايعوا الحسن على الموت ، فلم يكن أهلاً لها لمّا سلمها السبط الطيب إليه ،ولحاربه كما حاربه أبوه – رضي الله عنهم أجمعين – وعن أولادهم .

حلمه وسؤدده :

عندما ولي معاوية الشام كانت سياسته مع رعيته من أفضل السياسات ، وكانت رعيته تحبه ويحبهم ، قال قبيصة بن جابر :" ما رأيت أحداً أعظم حلماً ولا أكثر سؤدداً ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجا ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية "

وقال بعضهم :" أسمع رجلٌ معاويةَ كلاماً سيئاً شديداً ، فقيل له لو سطوت عليه ، فقال إني لأستحي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد رعيتي " .

الشبه التي أثارها المبتدعة في حق معاوية :

· قالت الرافضة : معاوية خرج عن الحاكم وقاتل عليا يريد أن يستأثر بالخلافة وأن قتاله لعلي كفر وقد قتال النبي – صلى الله عليه وسلم – عن عمار " تقتله الفئة الباغية " :

الجواب : الرد على ذلك من عدة وجوه :

أولاً : إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل ، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة ، وهذا مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة ، كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، والسنة لابن أبي عاصم ، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ، والإبانة لابن بطة ، والطحاوية ، وغيرها .

ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة ، وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله ، لصغر سنه أو لحداثة عهده بالدين . . . لحقيقة ما حصل بين الصحابة ، واختلاف اجتهادهم في ذلك ، فيقع في الفتنة بانتقاصه للصحابة من حيث لا يعلم .

وهذا مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف ، وهي إلا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم .
قال الإمام البخاري رحمه الله : (( باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا )) . وقال علي رضي الله عنه : (( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) .
وقال الحافظ في الفتح تعليقا على ذلك : (( وفيه دليل على ان المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة . ومثله قول ابن مسعود : ( ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) . ( رواه مسلم ) .

دع ما جرى بين الصحابة في الوغى بسيوفهم يوم التقى الجمعــان
فقتيلهم وقاتلهم لهـــــــــم وكلاهما في الحشر مرحومان
والله يوم الحشر ينـزع كلمــــا تحوي صدورهم من الأضـغان

قال عبد الله بن الإمام أحمد : " حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن علية ،حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال:" هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين " .

قال ابن تيمية : " وهذا الإسناد من اصح إسناد على وجه الأرض ، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته ، ومراسيله من أصح المراسيل " . ( منهاج السنة 6 / 236 ) .

ثانياً : الخلاف بين علي ومعاوية هو مقتل عثمان وليس من أجل الخلافة ، كما يدعي الرافضة :

لما انتهى علي – رضي الله عنه – من أهل الجمل فقال : لا بد أن يبايع الآن معاوية ، وجهز الجيش لمقاتلة معاوية أو يبايع ، وكان معاوية قد رفض البيعة .

فخرج علي بجيش قوامه 100 ألف في صفين .

ومعاوية لم يطالب الحكم ، فعن أبي مسلم الخولاني :" أنه دخل على معاوية فقال له : أنت تنازع علياً أأنت مثله ؟ فقال معاوية : لا والله إني لأعلم أن علياً أفضل وأحق ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً ؟ وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه فأتوا علياً فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان وأُسلِّم له الأمور ، فَأَتوا عليا فكلموه فأبى عليهم ولم يدفع القتلة ". ( وهذه الرواية إسنادها صحيح كما في تاريخ الإسلام للذهبي ) .

فهذا يؤكد على أن الخلاف بين علي ومعاوية هو مقتل عثمان وليس من أجل الخلافة ، كما يدعي الرافضة ، والقضية اجتهادية ،فلم يقل معاوية إنه خليفة ولم ينازع عليا الخلافة أبداً .

ثانياً : معاوية كان متأولاً وقد استند إلى النصوص الشرعية ، والتي تظهر أن عثمان يقتل مظلوماً ويصف الخارجين عليه بالمنافقين ، وهو ما رواه الترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" يا عثمان ‍! إن ولاك الله هذا الأمر يوما ، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه – قالها ثلاث مرات - :" وكان معاوية يقول إن ابن عمي قتل ظلماً وأنا كفيله والله يقول { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً }.

ثالثاً : المتأول المخطئ مغفور له بالكتاب وبالسنة ، قال تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وثبت في الصحيح أن الله عز وجل
قال :" قد فعلت " ( مسلم ) .وقال – صلى الله عليه وسلم - :" إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان " رواه ابن ماجه وصححه الألباني .

رابعاً : تناقض الرافضة فهم يعظمون من قاتل مع علي – رضي الله عنه - ، ويمدحون من قتل عثمان ، مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليا ، فإن عثمان كان خليفة اجتمع الناس عليه ، ولم يقتل مسلما .

خامساً : كان الصواب أن لا يكون فتالاً ، وكان ترك القتال خير للطائفتين ، فليس في الاقتتال صواب ، ولكن علي – رضي الله عنه – كان أقرب للصواب إلى الحق من معاوية ، والقتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب ، وكان ترك القتال خيرا للطائفتين ، ومع أن علياً كان أولى بالحق ، وهذا القول هو قول الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث وأئمة الفقهاء ، وهو قول أكابر الصحابة – كما نقل ذلك شيخ الإسلام في المنهاج – وهو قول عمران بن حصين – رضي الله عنه – وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ، ويقول :" هو بيع السلاح في الفتنة " وهو قول أسامة بن زيد ، ومحمد بن مسلمة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار – رضي الله عنهم - .

سادساً : لذلك كان مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة ، فإنه قد ثبتت فضائلهم ، ووجبت موالاتهم ومحبتهم ، وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان ، ومنه ما تاب صاحبه منه ، ومنه ما يكون مفغورا ، فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضا وذما ،ويكون هو في ذلك مخطئا بل عاصيا فيضر نفسه .

سابعاً : هذا القتال قتال فتنة ، قال الزهري – رحمه الله - :" وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متوافرون ، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر " .

ثامناً : الكتاب والسنة دلت على أن الطائفتين مسلمون ، وأن ترك القتال كان خيراً من وجوده قال تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } فسماهم الله مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي .

- ( يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و جماهير أهل السنة متفقون على أن علياً أفضل من طلحة و الزبير فضلاً عن معاوية وغيره . المنهاج (4/358 ) .

- و قال رحمه الله عند الكلام على حديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " . حديث صحيح متفق عليه و اللفظ للبخاري .

- قال : " و هذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي و وجوب طاعته و إن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ، وأن الداعي إلى مقاتلته داع إلى النار ، و هو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي ، و على هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً أو باغ بلا تأويل و هو أصح القولين لأصحابنا ، و هو الحكم بتخطئة من قاتل علياً و هو مذهب الأئمة والفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين " . مجموع الفتاوى 4/437.

- وقال رحمه الله :" ثبت بالكتاب و السنة إجماع السلف "

خليل ونه ( سيرته - رحلاته - آثاره )

آل وَنَّه[1] أسرة بغدادية قديمة، استوطنت مدينة السلام منذ عدة قرون. وتدل وقفيات الأسرة من القرن الثالث عشر للهجرة (19م)[2] على وجود عدة دور لها في محلة باب الشيخ ببغداد[3]، مما يوضح ان تفرع البيت الواحد إلى عدة بيوت[4] كان قد جرى منذ وقت طويل، كما أن ثروة الأسرة التي تصف بعضها هذه الوقفيات، وهي دور ودكاكين متفرقة في أسواق بغداد، تدل على أن تراكم الثروة لدى أصحابها حدث عبر أزمان متطاولة، وإذ علمنا أن الحاج خليل وَنَّه، موضوع هذا البحث، هو الحفيد السابع لأول من نعرفه من أسلافها، ويدعى الحاج خليل وَنَّه أيضاً، فان من المعقول أن نحدد ظهورها -بحساب الأجيال- في أواخر القرن التاسع للهجرة (15م) أو أوائل القرن العاشر للهجرة (16م) في أقل تقدير.



ولقد أنجبت الأسرة إبان القرون التالية، عدداً كبيراً من الرجال الذين عدّوا من وجوه مدينتهم وسراتها، وزاول أغلبهم التجارة، وحفلت وثائق تلك الحقبة ووقفياتها بتواقيعهم والقابهم الاجتماعية، منهم الحاج حسين جلبي، وابناه الحاج أمين، والحاج مصطفى، والحاج اسماعيل، والحاج محمود جلبي، والحاج عبد الرحمن، والحاج صالح جلبي وغيرهم، ونظراً لما تقتضيه التجارة من انتقال وارتحال، فقد حققت الأسرة انتشاراً واسعاً في أقطار شتى، فكان لهم وجود وملكيات عقارية في مصر[5] وفي بلاد الشام[6]، فضلاً عن مدن عراقية أخرى غير بغداد[7].



وممن برز من رجال هذه الأسرة في القرن الثالث عشر للهجرة (19م) الرحالة المثقف، الأديب الطبيب، الحاج خليل بن الحاج إسماعيل بن الحاج أمين بن الحاج حسين بن الحاج محمد بن الحاج طه بن الحاج محمد بن الحاج خليل ونَّه، موضوع هذه الترجمة[8].



نشأته:

لم يترك خليل وَنَّه ما يستدل به على تاريخ ولادته، ولكننا وجدناه يذكر في إحدى مجموعاته الخطية[9]، أنه رأى (ربما أراد: عاصر) من سلاطين آل عثمان السلطان سليم المتوفى سنة 1222 (وهو سليم الثالث المبتدئ حكمه سنة 1203هـ/ 1789م) ثم مصطفى (الرابع) المتوفى سنة 1222هـ/ 1807م، ثم السلطان محمود بن السلطان مصطفى (وهو محمود الثاني الذي حكم من 1223 إلى 1225هـ/ 1808- 1839م) فهذا يدل على أنه لم يكن مولوداً قبل سنة 1203هـ وتكون ولادته قد حدثت بعد هذا التاريخ، وفي وقفية لإحدى نساء أسرته[10]، مؤرخة في سنة 1238هـ/1817م، نجد ختم خليل بوصفه شاهداً على مندرجاتها وتوقيعه مُصَّدراً بلفظ (الحاج) فمن المعقول أن يكون حينذاك قد تجاوز الثلاثين من العمر، حج خلالها، وغدا يعد من وجوه محلته.



وكان أبوه الحاج إسماعيل بن الحاج أمين ناظراً على بعض أوقاف الأسرة، وقد رزق بابنتين، إضافة إلى خليل نفسه، هما (وضحه) و (آمنة)، فتزوجت أولاها من الحاج صالح جلبي آل ونه، التاجر المقيم في حلب، وتزوجت أخراهما من الحاج ياسين آل ونه. وأدرك خليل في طفولته جده[11]، وتوفي أبوه الحاج اسماعيل وهو، أي خليل، شاب يتجاوز الثلاثين من العمر[12]، فتلقن - ولا شك - تقاليد الأسرة، التي تمزج بين التجارة والثقافة.



ومن الراجح أنه تلقى العلم على أيدي علماء من أبناء محلته (باب الشيخ) حيث كانت دور أسرته. وليس ببعيد أنه اختلف إلى مدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني، أو المدرسة الخاتونية القريبة منها[13]، وهما أبرز المعاهد العلمية المجاورة لتلك الدور. وقد نوَّه هو في إحدى مجموعاته[14]، بشيخ له، لكنه لم يُسمّه، واذ ساق له شعراً، تبين لنا أنه شدا الأدب، او شيئاً منه، على يد بعض أدباء عصره الذي تتلمذ على ايديهم.





مدرسة الشيخ عبدالقادر الكيلاني ببغداد



رحلاته:

عاش خليل في محلته مُوسِراً وجيهاً كسائر أفراد أسرته، ونال من الثقافة حظاً كانت تؤهله له تقاليد عصره، وتولى الإشراف على بعض الأوقاف الخيرية للأسرة، ولأسباب نجهلها، فإنه شغف بالسياحة والتنقل بين البلدان، وليس ببعيد أن تكون التجارة وراء ذلك الشغف أو سبباً له، فإننا نعلم أن عدداً من رجال أسرته كانوا يمتهنون التجارة في خارج بلده، بيد أن الذي يدعو إلى الانتباه فعلاً أن خليلاً تجاوز في نطاق تنقله ما كان مألوفاً لدى تجار عصره، أو حتى علمائه، فطوَّف في بلدان ماعلمنا ان أحداً من أبناء وطنه قد سجل وصوله اليها.



ولسنا نعلم تاريخ بدئه برحلاته، الاّ أن أولاها كانت لأداء فريضة الحج، وقد أداها بعد سنة 1230هـ/1815م [15]، وقبل سنة 1238هـ/1823م على ما تقدم. وعاد بعدها إلى بغداد، فكان موجوداً فيها سنة 1243هـ/1827م حيث سجل تاريخ وفاة أحد رجال الأسرة الكيلانية ودفنه ببغداد[16]، وخاض في سنة 1245هـ/1830م بعض المشاكل المتعلقة بتولية الوقف[17]، ودوَّن في السنة التالية أخبار ما أصاب مدينته من غرق فادح آنذاك[18]. ويظهر أنه غادرها بعد ذلك التاريخ بسنوات لا تتجاوز الست، فإننا وجدناه في مدينة حلب سنة 1252هـ/1836م عاكفاً على شرح قصيدة في علم الأوفاق[19]، ويظهر أن مقامه طال في حلب، فقد وجدنا ورقة في إحدى مجاميعه الخطية[20]، سجل فيها قائمة بمصاريف دار اكتراها في غرة جمادي الآخرة سنة 1251هـ/1835م، وبما أننا نعلم أنه تزوج هناك وأنجب بنتين، فمن الواضح أن اكتراءه للدار كان بمناسبة زواجه واستقراره في مدينة حلب، ولسبب ما فإنه ترك حلب وعاد إلى وطنه العراق، حيث سجل وجوده فيه حينما كتب في صدر بخصوص له انه ابتدأ به "في حضرة (مرقد) ابو الجاسم بنهر المُسَيَّب يوم تاسع عشر خلت من شهر جمادى الأول من شهور سنة الألف ومائتين وإحدى وستون هجرية" [26 أيار/مايو1845م] [21].



ويظهر أنه قصد بعد ذلك مدينة استانبول لشأن من شؤونه، فإننا وجدناه سنة 1267هـ/1850م في (كُمرك العلائية) [22]، وهو ميناء على ساحل خليج (انطالية) في البحر المتوسط[23]، يعد محطة على طريق الذاهب من موانئ الساحل السوري (وبخاصة اللاذقية) إلى استانبول.

 أنطاليا:

وما ان انقضت ثلاث سنوات أخرى، حتى رأيناه في مدينة الإسكندرية يصف في 26 جمادي الاول سنة 1270هـ/شباط 1854م طريقة لإعداد (دهن مُلوكي) من الأدهان العلاجية[24]، ويظهر أن مقامه لم يطل في هذه المدينة لأنه سرعان ما غادرها بعد ذلك إلى إستانبول، إذ سجل وجوده في العاصمة العثمانية في 18 محرم من سنة 1271هـ/تشرين الأول 1854م[25] ولبث فيها حتى أواسط السنة التالية[26] ومنها انتقل إلى مدينة تونس، حيث كان هناك سنة 1273هـ/1856م[27].

مدينة قسنطينة حيث أقام خليل ونة:

ومن تونس ارتحل خليل ونة إلى مدينة قسَنطينة في الجزائر، إذ رأيناه يكتب شرحاً لقصيدة وجدها فيها في ذي الحجة من تلك السنة[28] ولسبب ما عاد إلى تونس، مؤرخاً وجوده فيها في 7 صفر من سنة 1275هـ/17 أيلول 1828م، على شعر لابن الخطيب نقله هناك[29] وكان الحاج خليل قد بلغ منتصف العقد السابع من عمره، وهي سن كبيرة لمن يمضي أوقاته في التنقل والتجوال بعيداً عن بيته وأهله، فعاد إلى بغداد في سنة 1276هـ/1859م ليقضي سنينه الأخيرة بين أسرته الصغيرة، زوجته[30]، وابنه الحاج عبد الوهاب[31] وثلاث بنات له[32]. ولسبب ما، فانه باع نصف الدار التي يمتلكها في محلة التسابيل[33] من محلات باب الشيخ، وتشمل القسم المخصص للضيوف (الدوه خانه)، إلى أخته (وضحه) بمبلغ قدره 1521 قرشاً (رايج بغداد) [34] ولعله كان في حاجة إلى هذا المال، بعد أن فارق وطنه كل تلك السنين الطوال.



وآخر إشارة تدل على كونه حياً، سجلها على شرح دونه على هامش قصيدة البردة للبوصيري، وبما ان ناسخ هذه القصيدة أرخ كتابته لها في سنة 1287هـ/1870م فيكون خليل حياً، وقادراً على الكتابة، بعد هذا التاريخ، على الرغم من تجاوزه- آنذاك- الخامسة والثمانين من العمر.







صلاته بمعاصريه:

تكشف آثار خليل ونّه عن علاقاته الجمَّة بعددٍ من أدباء عصره ومثقفيه، وهو أمر نراه طبيعياً ومتوافقاً مع كثرة أسفاره، وتنوع اهتماماته، فمن الادباء الذين عاصرهم، ونقل شيئاً من آثارهم، العلامة الأديب الحاج عثمان بك بن سليمان باشا الجليلي (المتوفى سنة 1245هـ/1829م)، والاديب الخطاط المجود صالح السعدي الموصلي (المتوفى سنة 1245هـ أيضاً)، والشاعر صالح التميمي (المتوفى سنة 1261هـ/1845م)، وشاعر سماه (الملا عبدالحميد بن الصباغ البغدادي) ووصفه بأنه (من شعراء عصره) وآخر دعاه (السيد محمد أفندي الأزهري الحموي الكيلاني) [35] قائلاً انه " توفي سنة 1243 ببغداد ودفن بحضرة جده الكيلاني"[36]، وأديب بغدادي سماه (الملا جادر آل دغمش) [37]، وأديب التقى به في استانبول هو عبد القادر باشا زياده، هذا فضلا عمن لم يسمهم من أدباء عصره وعلمائه، كقوله "مما أفانيه ببعض الاحباب" و"مما انشدني في اسلامبول رجل من الطريقة القادرية" و "لشيخي ايضاً"[38].



علمه بالطب والادوية:

احتل الطب جانباً رئيساً من اهتمامات خليل العلمية، فشغف بتسجيل الملاحظات الطبية، واقتناص الفوائد الصحية، في أثناء رحلاته العديدة واقامته في المدن المختلفة التي مر بها. ولذا فقد حفلت مجموعاته وأوراقه بالكثير من هذه الملاحظات والفوائد، وهي تشمل طرق علاجية، وأدوية مفردة، وأخرى مركبة، ووصف لأعراض، ووسائل لحفظ الصحة العامة، وما يتصل بذلك من شؤون.



فمما وصفه من أدوية الأمراض الجلدية: أدوية لعلاج البهق وتنعيم البشرة، وإزالة الحكة والجرب، وإزالة البقع، والقرع، وعلاج الدمامل، وتساقط الشعر، وما إلى ذلك.



ومن أدوية وعلاجات الأمراض الباطنية: ما يختص بعلاج حالات الخفقان، والإمساك، والإسهال، وبخاصة إسهال الصبيان والأطفال، وقتل الدود في الامعاء، ومعالجة عللها، وزيادة الشهية، ودفع الحُمّيات.



أما الأمراض العصبية فذكر من أدويتها: المهدئات والمنومات والمنشطات وأدوية لعلاج المصروع، ومقويات للأعصاب.



كما تطرق إلى وصف بعض الأدوية المستخدمة في علاج أمراض الأذن والحنجرة والحلقوم، وأخرى في (قلع بياض العين) ومقويات للبصر.



ونوه أيضاً، بأدوية مُعينة على الحَبَل، وما يتصل بذلك من الطب النسائي[39].



وفضلاً عن ذلك فانه تناول جوانب من الصحة العامة، فعني بوصف طرق (دفع الحشرات) و (دفع الفار والبرغوث) وغير ذلك.



وترجع اهتمامات خليل الطبية إلى مراحل حياته الأولى في بغداد، دليلنا إلى ذلك أنه وضع نبذة قصيرة سماها (بيان خواص مفردات الأثمار والحشايش) [40]، ضمنها أسماء لهذه المفردات مما هو شائع في البيئة العراقية خاصة، كما أنه حرص –في كل ما كتب- على تثبيت المصطلحات العراقية لمختلف الأمراض والأدوية التي ذكرها.



وهو يستمد بعض معلوماته الطبية من الكتب التي كان يطلع عليها في أثناء سياحاته، فها هو يقول في وصف دواء مقوي أنه "استخرج من كتاب معتبر به"، وفي وصف دواء مقو للبصر خاصة "هكذا يذكره صاحب الكتاب". وفي بيان سبب داء المياسير (البواسير) أنه "مما استخرجناه من كتاب نفيس محكوم بصحته"، إلاّ أنه - بوجه عام – لا يذكر لنا عنوانات تلك الكتب وأسماء مؤلفيها.



ومن جانب آخر، فانه استمد قسماً من معلوماته من الأطباء الذين التقى بهم وأخذ عنهم طرقهم العلاجية وما كانوا يصفونه من أدوية مختلفة، وبخاصة ما يتعلق منها بالأمراض الوافدة في عصره، والتي لم يجد لها سبيلاً للشفاء فيما بحث فيه من مصادر طبية سابقة، مثال ذلك أنه سجل في أثناء اقامته بمدينة قسنطينة في الجزائر طريقة عمل دواء ناجع لمرض (الفرنكي) [41] استفادها من طبيب هناك يدعى سيدي عبد الرحمن، وذكر أنه "مجرب، جربه ألوف" [42].



عنايته بالتاريخ:

عني خليل ونه بتسجيل ما كان يراه مهماً من مشاهداته ومسموعاته، فكانت هذه العناية دافعاً له لتسجيل حوادث عصره وملامح حياته الاجتماعية والثقافية، وبذا فان في وسعنا أن نعده واحداً من أولئك المثقفين العراقيين الذين قدموا أعمالاً تمهيدية يمكن أن تفيد مؤرخ هذا العصر، فهو كأمثاله من مدوني الحوادث في عهده، لا يتبع منهجاً معيناً في كتابة الحدث وترتيبه على وفق سياقه، وإنما يصف هذه الحوادث على نحو غير مطرد في ثنايا مجاميعه الخطية[43]، ومن تلك المجاميع ما مسجل فيه حوادث مهمة جرت في مدينته بغداد، ومنها حادثة غرقها الداهم الذي ابتدأ في أواخر شهر رمضان سنة 1246هـ/شباط 1831م وانتهى في آخر تلك السنة، وكيف أن "دجلة فاضت فدمرت غالب البيوت". وكانت هذه المجموعة من مقتنيات خزانة المرحوم المؤرخ عباس العزاوي[44] إلا أن القائمين على مكتبة المتحف العراقي (المركز الوطني للمخطوطات اليوم) ذكروا أنهم لم يعثروا عليها بين كتبه التي آلت إلى هذه المكتبة، والله أعلم بمصيرها[45].



شعره:

من المؤسف أن كثيراً من شعر خليل ونه ضاع بضياع بعض مجموعاته الخطية التي كان يدون فيها نفثات قلمه وخطراته. ولقد ذكر المرحوم عباس العزاوي انه رأى في احدى تلك المجموعات مما كان يحتفظ به في خزانة كتبه أشعاراً وزهيريات[46]، ولكن عدم العثور على المجموعة المذكورة ضيَّع فرصة الاطلاع على نماذج مهمة من نظمه. وكان الاستاذ كوركيس عواد قد نوه بوجود ديوان شعر له مخطوط في مكتبة المرحوم الدكتور هاشم الوتري[47] الاّ اننا لم نستطع التأكد من وجوده الآن فضلاً عن أن نقف عليه.



ومما وقفنا عليه من شعره، قصيدة في تونس سنة 1273هـ/1856م، وامتدح بها رجلاً اسمه محمد بن الريِّس، وهي[48]:

ريح الصبا ان جزت ذاك الحما
اقر السلام على الحبيب المؤنس
واذكر له أشواقنا للقائه
من كان للفضل الجزيل مؤسس
لله ما احلى شمائله التي
اضحت تفاخر فيه قربه تونسٍ
كل الفرا يا حسنه من ماجدٍ
طلق المحيا والهزبر الاشرس
ساد الانام لفرط جود بنانه
فهو الكريم محمد بن الريس
لا زال يلقانا بوجه ضاحك
والغير يلقانا بوجه مُعبِّس
اين الثرى من الثريا نسبة
اين الجبال من القدود الميِّس
اين الكرام من اللئام وبخلهم
اين الجحوظ من العيون النُعَّس
والله ما انس فضائله التي
اسدانها حتى أموت وأرمس


وهذا شعر لا يمكن أن يوصف بالسلامة والجزالة، ولكن من الصعب الحكم على شعره كله اعتماداً على نماذج قليلة كهذه.



آثاره:

أولاً: مجموعة، على هيئة دفتر يفتح طولاً، تضم فوائد ونبذ عديدة في موضوعات أدبية وعلمية شتى، وهي تتفاوت طولاً وقصراً، وذلك على النحو الآتي:

1- دواء لحلق الشعر.



2- دواء يورث السهر.



3- في دفع الحشرات.



4- دواء منوم.



5- دهن ملوكي لأجل القوة.



6- دواء لإخراج الشعر.



7- دواء لمنع الشعر.



8- دواء لدفع البهق.



9- دواء لتنعيم البشرة.



10- دواء لدفع الإمساك.



11- دواء لعلاج الطرش.



12- دواء لنفع المصروع.



13- دواء لإزالة الحكّة والجَرَب.



14- دواء لزيادة نوم المولود الصغير وسمنه.



15- دواء لزيادة القوة.



16- دواء لزيادة الشهية.



17- دواء نافع ومعين للحبل.



18- دواء لإزالة القرَع.



19- دواء لقتل الدود في البطن.



20- دواء مقوي.



21- دواء نافع للخفقان واليرقان.



22- معاجين مقوية.



23- دواء لإزالة البهق.



24- دواء لقوة البصر.



25- دواء لإزالة الريحة الكريهة.



26- دواء لنفع وجع الحلقوم.



27- دواء نافع للصرع.



28- طريقة لاستجلاب المحبة.



29- طريقة لدفع الفأر.



30- طريقة لدفع البرغوث.



31- صفة استخراج دهن الثوم.



32- باب للقوة والسعال والبلغم.



33- دواء للحَبَل.



34- فصل عنوانه (بيان خواص مفردات الأثمار والحشايش).



35- أبيات لأبي نواس، والمتنبي، والإمام الشافعي، ولآخرين لم يسمِّهم.



36- فوائد الثوم للقوة والسعال والبلغم، وصفة استخراج دهنه.



37- موال لخادم، ولغيره، وأبيات لابي نواس، وقصائد لم يذكر قائلوها.



38- شعر (لعثمان بك الموصلي من نسل عبد الجليل لله دره) وهو (الحاج عثمان بك الجليلي) ويضم مقدمة لقصيدة طويلة، مدح فيها العلامة عبد الله فخر المدرسين بن الحاج محمد عمر الراوي.



39- ألغاز في الأبر، وطائر البجع، وأسماء الحيَّة.



40- أبيات في الغزل، وأبيات في هرمي مصر.



41- لغز "في السلطان عمله رجل كردي يدعي أنه بغدادي واسمه الحاج عبد الرحمن ومخلصه وقاري[49] وذلك في سنة الألف ومائتين وسبعة وستين هجرية في 2ر (ربيع) الآخر)" [4 شباط/فبراير 1851م].



42- أبيات، ومقطعات، ورباعيات، ومواويل، لم يسم ناظميها، وبعضها في الأدب المكشوف.



43- فائدة في الإكسير.



44- دواء لعلاج الدمامل.



45- أبيات في استعمال الدخان.



46- فائدة في (اللسان المشهور بالدرسعي) [50].



47- شعر لصالح السعدي الموصلي كاتب الديوان سابقاً.



48- كلام منسوب إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني.



49- أبيات في مدح الشيخ عبد القادر الكيلاني.



50- تحية مكتوب، وهي مقدمة لرسالة أو نموذج لها.



51- قصيدة رائية لبعض الصوفية.



52- لغز في قصب السُّكر.



53- سبب المياسير، وتعريف دود البطن.



54- شرح عبارات من (الشجرة النعمانية)[51] تنطبق على السلطان محمود الثاني والسلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز.



55- فائدة في علاج مرض (الأفرنكي).



56- فوائد في قلع بياض العين وعلاج اليرقان والاسهال.



57- شعر (لمحرره خليل ونه).



58- قصيدة للبوصيري وتخميسها للملا عبد الحميد ابن الصباغ البغدادي.



59- قصيدة للسيد محمد افندي الأزهري الحموي الكيلاني.



60- موال بغدادي لملا جادر آل دغمش.



61- صفة العقار الذي يقال له شجرة العمر.



62- طريقة لعلاج تساقط الشعر لمن في عمر 15-25 سنة.



63- دعاء لأبي بكر (رضي الله عنه).



64- أبيات (للحاجي خليل ونه) في الشيخ عبد القادر الكيلاني.



65- فوائد في جلب النوم.



66- رباعيات وأشعار في الحكمة وغيرها لم يذكر قائلوها.



67- لغز في الزر والعُروة.



68- فائدة في عدم طيران الزئبق.



69- شعر ينسب لإبليس.



70- تضمين للحاج خليل ونه (قاله لعبد القادر باشا زيادة).



71- فائدة في علم الرمل.



72- فوائد في الكيمياء.



73- نبذة في الأدوية المفردة.



74- نبذة في أوائل السنين ودلائلها.



75- فائدة في البروج.



76- شعر لابن الخطيب.



77- فائدة لتفريج الهموم.



78- فائدة في سَوق الدواب.



79- فائدة في محو الكتابة.



80- دعاء منقول عن الشيخ اسماعيل وهبة.



81- فائدة في قتل البراغيث.



تقع هذه المجموعة في 53 ورقة، بخط خليل ونه نفسه، وهي موجودة لدى الحاج ابراهيم بن خليل ونه ببغداد، ولدى كاتب البحث نسخة مصورة عنها.



ثانياً: مجموعة تضم ما يأتي:

1- قصيدة تائية في الطلسمات وشرح لها، أوله:

"اللهم اني أسئلك باسمك المقوم من أسمائك، العظيم الأعظم.." وآخره "تم (تمت) هذه الرسالة من يد الفقير الحاج خليل ونه لنفسه، حرره في مدينة حلب يوم 20 صفر الخير سنة الألف ومائتين واثنين وخمسون من الهجرة" [6 حزيران/ يونيو 1836م].

الاوراق 1-16

2- فائدة في عمل الكيف الورقة 17.



3- كلام لابن عربي الورقة 18.



4- فائدة في معرفة أي يوم فيها الأعمال أفضل وأنجح. الاوراق 19-23.



5- فائدة في اخراج الضمير لو اضمر رجل حرفاً من حروف الهجاء.



6- فائدة في عمل (صبغة جيدة للشعر) الورقة 24.



وهذه المجموعة بخط خليل ونه، محفوظة لدى الحاج ابراهيم ونه ببغداد، ولدى كاتب البحث نسخة مصورة عنها.



ثالثاً: مجموعة تاريخية، سجل فيها بعض حوادث عصره، أشار اليها المرحوم عباس العزاوي بوصفها من مخطوطات خزانته، ولم يعثر عليها بعد وفاته[52].



رابعاً: خواص البردة رسالة اختصر أكثرها من كلام الشيخ عبد السلام ابن ادريس المراكشي[53][54]، وهي في بيان ما اختصت به أبيات قصيدة البردة للإمام البوصيري من خصائص روحية ونفسية.



أولها بعد البسملة "أمن تذكر جيران بذي سلم إلى قوله وما لقلبك ان قلت استفق يهم. قال الشيخ عبد السلام بن إدريس المراكشي رحمة الله عليهما: خاصة هذه الابيات الثلاثة".



نسخة بخط المؤلف، كتبها على هامش البردة للبوصيري، ولم يؤرخها. والبردة نفسها بخط نسخ جيد، كتبها عبد الله بن ملا محمد النينوي سنة 1287هـ/1870م. أما العنوان فقد كتبه خليل بنفسه وهو (هذه البردة وخواصها) ووقع باسمه في أسفله. وتقع في 32 ص. وهي موجودة لدى الحاج إبراهيم ونه ببغداد، ولدى كاتب البحث نسخة مصورة عنها.



خامساً: رسالة في الطلسمات والأوفاق:

يظهر من خطها أنها لخليل ونه. وهي تحتوي أيضاً على بعض الفوائد الطبية، كتبت بأسلوب عامي غالباً.



أولها "باب تكتب للفرقة على جلد الحمار في أول ساعة"، وآخرها "باب دواء العين الذي (كذا) تدمع دمع حار. تأخذ طشم 4 درهم وسيمران 1 درهم كذلك تمت".



تقع في 23 ورقة، موجودة لدى الحاج إبراهيم ونه ببغداد، ولدى كاتب البحث نسخة مصورة عنها.



سادساً: ديوان شعر. ذكر الأستاذ كوركيس عواد انه موجود في مكتبة المرحوم الدكتور هاشم الوتري ببغداد[55].



وفضلاً عما تقدم، فانه نقل بخطه عدداً من الكتب والرسائل وقفنا منها على ما يأتي:

أولاً: مجموعة تضم:

1- قصيدة ابتهالية، نظمها أحدهم في مدينة إسلامبول في أوائل محرم سنة 1136هـ/1 تشرين الأول/ أكتوبر1723م، وأهداها إلى السيد محمد التافلاتي.



2- الجلجلوتية.



3- نظم الأسماء الرفيعة المنار. للشيخ مصطفى الصديقي الحنفي.



4- استغاثة من منظومات سيدي الشيخ محمد الشهير بالسمان.



5- أدعية.



6- فوائد طبية.



7- أبيات في ألوان الملابس.



8- قصيدة للشيخ شهاب الدين ابن الخيمي.



9- قصيدة لعبد الله افندي ابن الحجازي الحلبي.



10- قصيدة للشيخ عبد الغني النابلسي.



11- تخميسات وقصائد للشيخ عبد الواحد.



12- تخميسات للشيخ الاسكندراني.



13- قصيدة في مدح السلطان أحمد.



14- تسبيع قصيدة البردة لكعب بن زهير.



15- كلام في الطاعون من كلام الشيخ علوان في كتاب مصباح الهداية ومفتاح الولاية.



16- خطبة في هجو الفلاحين نظم أهل مصر. نقلها من كتاب (هز القحوف في شرح قصيدة ابن شادوف) تأليف يوسف بن محمد بن عبد الجواد الشربيني (كان حيا 1098هـ/1687م).



وفي هذه المجموعة فوائد مختلفة يظهر أنها من قلمه، منها حله للغز، ذيَّلَه بالتعليقة الآتية "قد حل رموزه خليل بن الحاج إسماعيل ونه غرة ر2 (ربيع الآخر) سنة 1230 [13 آذار/ مارس 1815م] غفر الله ولوالديه والمسلمين أجمعين" وقد شطب احدهم على اسمه بالحبر، وكتب اسمه مكانه.



تقع هذه المجموعة في 95 ورقة، وهي موجودة لدى الحاج ابراهيم وَنَّه ببغداد، وثمة نسخة مصورة عنها لدى كاتب البحث.



ثانياً: شرح القصيدة اللامية المهملة الحروف الجامعة لكل معنى مألوف. تأليف يوسف بن محمد بن عبد الجواد الشربيني كتب الابيات بخط نسخ كبير الحرف، بينما كتب الشرح بخط نسخ معتاد وفي آخره تعليقة تفيد بانه حرره "في بلد قسنطينة، وهي بلد من أعمال جزاير الغرب على يد الفقير الحاج خليل في ـيام سياحته أطراف المغرب سنة الف ومائتين وثلاثة وسبعين في 12 ذي الحجة الحرام" [3 آب/ أغسطس 1857م].



ويؤكد جمال خط هذه المخطوطة على مهارة خليل ونه بالخط أيضاً، وهي موهبة تضاف إلى جملة مواهبه الأخرى التي تقدمت الاشارة اليها.



توجد لدى الحاج ابراهيم ونه ببغداد، وعند كاتب البحث نسخة مصورة عنها.



ثالثاً: مجموعة كتب في أولها أنه ابتدأ بها في "حضرة أبو الجاسم بنهر المسيب يوم تاسع عشر خلت من شهر جمادى الأول من شهور سنة الألف ومائتين وإحدى وستون هجرية" وتضم ما يأتي:

1- السياسة في علم الفراسة تأليف محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي معروف بشيخ الربوة (المتوفى سنة 727هـ) وفي آخره أنه أتم تحريره في 20 جمادى الآخرة سنة 1261 [26 حزيران/ يونيو 1845م].



2- قطعة من كتاب في علم الفراسة لم يعلم مؤلفه، وفيه فصل في (خطوط في الكف) مع مخططات توضيحية.



3- أرجوزة في الفراسة مختصرة مما تقدم. لم يعلم ناظمها ولعلها للحاج خليل ونه، فإنه ذكر في آخرها "تم على يد صاحبه ومحرره الحاج خليل ونه" وأولها:

إذا البياض ان يكمن بكثرة
مع زرقة العين كذا والصفرة


4- ارجوزة (في اختلاج الاعضاء) اولها

الحمد لله البديع الآية
وواهب العقل بلا نهاية 


وفي آخرها أنه "حررها مالكها الحاج خليل ونه في ذي القعدة 1261" [1 تشرين2/نوفمبر 1845م].



5- فوائد طبية، ومنها فوائد "لدفع مرض يقال له فرنكي" و "لوجع السن" قال في آخرها انها "من الأسرار التي لم توضع في كتاب".



6- مختارات من رحلة الآلوسي مفتي بغداد (وهي المسماة غرائب الاغتراب ونزهة الالباب في الذهاب والاقامة والاياب تأليف محمود بن عبد الله الآلوسي المتوفى سنة 1270هـ/1854م).



7- أبيات لقس بن ساعدة، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ومخمس، وفائدة في الفرق بين النقيضين والضدين.



تقع المجموعة في 77 ورقة. وهي موجودة لدى الحاج ابراهيم ونه ببغداد ومنها نسخة مصورة لدى كاتب البحث.



هذا ما وقفنا عليه من آثار الرحالة البغدادي، الأديب الطبيب، الحاج خليل ونه، وهي آثار دلت –بلا ريب- على جوانب من حياته الغنية بالأسفار ومعاناة الناس ووفرة التجارب والفوائد. وإذا كان مؤرخو عصره وكتاب تراجم أهله قد أغفلوا الاشارة اليه في مصنفاتهم، فليس ذلك إلاّ لطول ما قضاه من سنين مغترباً خارج وطنه. وغاية ما نرجوه أن تكون قد وفقنا في تقديم صورة أولية لهذا الفاضل، آملين ان يكشف الزمان عن مزيد من آثاره، فتكتمل بها هذه الصورة، وتزداد وضوحاً. وفي ذلك ما يلقي الضوء على جوانب غير مستجلاة من تاريخ العراق الثقافي الحديث.





نموذج من مخطوطة بخط خليل ونة

فيها تنبؤات تخص الدولة العثمانية


[1] بفتح أوله وتشديد ثانيه. ولا تحتفظ الأسرة اليوم بتفسير لهذا الاسم الذي يرقى إلى أربعة قرون مضت في الأقل. ويذكر السمعاني (المتوفى سنة 562هـ) أن الونّي نسبة الى ونّة، اسم لقرية، وان عدداً من العلماء نسب اليها، كما أنها أيضاً - نسبة إلى رجل يدعى (ونه) (الأنساب، بيروت 1988، 1/618) ويشير ياقوت (معجم البلدان، ط دار صادر بيروت 1965، 5/385) إلى قرية بهذا الاسم من قرى نَسَف، ونسَف مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند خرج منها جماعة كثيرة من أهل العلم في كل فن (ياقوت: معجم البلدان، ط دار صادر 1956، ج5ص285).

[2] وقفية الحاج عبدالرحمن بن الحاج محمود ونه وأمه الحاجة مريم بنت الحاج عبدالله النعمة في 25 شوال 1233هـ (1818م) ووقفية الحاجة حبيبة بنت عبد الله وهي خالة الحاج عبدالرحمن المذكور في جمادي الآخرة 1238هـ (1823م) وحجج التولية على الوقف نفسه المؤرخات في 14 ذي القعدة 1245هـ (1830م) وفي غرة ربيع الآخر 1278هـ (1861م) وفي 15 شوال 1305هـ (1888م). وينظر عبد الرحمن حلمي العباسي السهروردي: بيوتات بغداد في القرن الثالث عشر، بتحقيقنا، بغدد 1997، ملحق للمحقق بعنوان (قائمة لأسماء بيوتات بغداد في العصر العثماني مستخرجة من الوقفيات والحجج الشرعية المحفوظة في وزارة الأوقاف ببغداد) ص140.

[3] محلة كبيرة في الجانب الشرقي من بغداد، نسبت إلى باب حضرة الشيخ عبدالقادر الكيلاني المدفون فيها سنة 561هـ.

[4] كانت هذه الدور واسعة ومتصلة بنفق تحت الأرض يجتاز الطريق، وقد لبثت ماثلة، بعد أن أخنى عليها الدهر، حتى نقضت حين إعادة تنظيم محلة باب الشيخ في ثمانينات القرن الماضي.

[5] ذكرت ذلك السيدة رباب بنت الشاعر العراقي المقيم بالقاهرة عبد المحسن الكاظمي (نقلته عنها الآنسة عفاف عبد الرحمن آل ونه).

[6] في رواية المرحوم عبد الوهاب عبد الرزاق آل ونة أن لهم أملاكاً في الزبداني، وكان منهم صالح ونه أحد التجار البغداديين البارزين في مدينة حلب سنة 1235هـ/ 1819م (يعقوب سركيس: مباحث عراقية 1، بغداد 1948، ص 201، وللحاج خليل ونه نفسه عقب في بلاد الشام كما سيأتي.

[7] منهم فرع مقيم في (بلد) من أعمال الدجيل، ولهم أملاك هناك، زرت أحد أبناءهم في تسعينات القرن الماضي.

[8] سجل خليل ونه نسبه هذا في الورقة الأولى من رسالة الاختلاجات التي كتبها سنة 1261هـ/ 1845م (مخطوط لدى حفيده الحاج ابراهيم بن الحاج خليل بن الحاج عبد الوهاب جلبي بن الحاج خليل ونه، وقد تلطف بالسماح لكاتب البحث بتصويره لنفسه، مع سائر ما لديه من آثار عدة يحرزها)

[9] مجموعة خطية منتصف محتواها عن الكلام عن مؤلفاته ونرمز لها برقم (1) الورقة 28

[10] وقفية حبيبة بنت عبد الله وهي خالة الحاج عبد الرحمن (رحماني) بن الحاج محمود وَنَّه (مخطوط).

[11] كان الحاج أمين شاهداً عن وقفية الحاج زكريا بن عبد الوهاب الملا خضر (جد آل الخضيري الأسرة التجارية المعروفة) في 25 ذي الحجة سنة 1211هـ/تموز 1798م.

[12] كان أبوه حياً سنة 1233هـ فقد ورد اسمه في وقفية مريم بنت عبد الله المؤرخة في 25 شوال من تلك السنة/28 آب1818م.

[13] انشأتها السيدة عاتكة خاتون بنت السيد على القادري نقيب الاشراف، المتوفاة سنة 1245هـ/1829م وافتتحتها سنة 1226هـ/1819م وكانت تضم خزانة كتب قيمة، ووقفت عليها أوقافاً جمة. ينظر: محمد سعيد الراوي: خير الزاد في تاريخ مساجد وجوامع بغداد، بتحقيقنا، بغداد 2006، ص154.

[14] المجموعة (1) الورقة 24.

[15] توصلنا إلى ذلك من توقيع له على شرح لغز في هذا التاريخ ولم يثبت فيه لفظ (حاج) على خلاف ما نجده في تواقيعه التالية.

[16] المجموعة نفسها الورقة 35.

[17] حجة شرعية بخصوص التولية على وقف الحاج عبد الرحمن ونه، مؤرخة في 14 ذي القعدة سنة 1245ه/7 أيار 1830م.

[18] عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين ح 6 ، بغداد 1954، ص318.

[19] الوفق، وسنة الموافقة، الاتفاق والتظاهر، واصطلاحاً: الرموز التي لها تأثير ما لاتفاقها مع قوى خفية، مجموعة خطية سيأتي وصفها، ونرمز لها بالرقم (2) الورقة 16.

[20] مجموعة خطية نقلها بخطه وسيأتي وصفها.

[21] مجموعة بخطه اولها (كتاب السياسة في علم الفراسة)، الورقة 1.

[22] المجموعة (1) الورقة 94.

[23] وهي مركز قضاء باسمها في لواء (تكه) من ألوية ولاية قونية. شمس الدين سامي: قاموس الاعلام ج3 ص37.

[24] المجموعة السابقة الورقة 3.

[25] المجموعة نفسها الورقة 42.

[26] المجموعة نفسها الورقة 31.

[27] المجموعة نفسها الورقة 30.

[28] تعليقته على شرح القصيدة اللامية ليوسف بن محمد الشربيني (مخطوط).

[29] المجموعة السابقة الورقة 51.

[30] وهي غير زوجته في حلب التي أنجب منها ابنتين هناك.

[31] أنجب الحاج عبد الوهاب ولداً سماه خليل، على اسم جده، وهو الحاج خليل (الثالث) فيمن سموا بهذا الاسم وللحاج ابراهيم من الذكور خليل (الرابع) ونبيل.

[32] نعرف منهن (مرشه) التي تزوج منها قاسم الوتري، فانجبت منه أحمد، ويحيى، والاخير هو والد الدكتور هاشم الوتري.

[33] محلة قريبة من محلة باب الشيخ، تنسب إلى جماعة من أهالي دسبةل (دزفول) في الأحواز، سكنوها في القرن الثالث عشر للهجرة (19م).

[34] حجة بيت مؤرخة في22 شوال 1276هـ.

[35] المجموعة (1) الورقة 23و 31 .

[36] المجموعة نفسها الورقة 34.

[37] المجموعة نفسها الورقة 34.

[38] المجموعة نفسها الورقة 42.

[39] المجموعة نفسها الاوراق 21و 23.

[40] المجموعة نفسها الورقة 28.

[41] ذكر أنه يسمى في العراق بالحَب النجس، وببلاد الترك الفرنكي، وبلاد الغرب المرض الكبير، قلنا: وهو السفلس Syphilis أو الزهري، مرض ينتقل عبر العلاقات الجنسية غالبا، وسمي الفرنكي، والفرنجي، نظرا لانتشاره في أوربا في عصر النهضة.

[42] المجموعة نفسها الورقة 28.

[43] كتابنا: التاريخ والمؤرخون العراقيون في العصر العثماني. ط2لندن2009 ص41.

[44] أشار إليها في كتابه تاريخ العراق بين احتلالين ج6 ص318.

[45] التاريخ والمؤرخون ص275.

[46] على ما ذكره للحاج إبراهيم ونه، وهو رواه لي.

[47] دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 (بغداد 1961) ص543.

[48] المجموعة السابقة الورقة 30.

[49] التخلص هو أن يصطنع الشاعر اسماً رمزياً يعرف به.

[50] هو أشبه بالشفرة، كل حرف فيه ينوب عن الحرف المجاور له والمربوط معه .

[51] كتاب ينسب لابن عربي فيه رموز قيل أن تحمل نبوءات أو توقعات مستقبلية.

[52] تقدمت الإشارة الى ذلك.

[53] يشير إلى رسالة في خواص البردة تأليف عبد السلام بن إدريس المراكشي المتوفى سنة 660هـ/1262م.

[55] دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 ص 543.

حكيم بن حزام ومكانته قبل الإسلام وبعده

جزاء الصالحات[*] (1)


عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنتُ أتحنَّث بها في الجاهليَّة، من صَدقة أو عتاقة أو صِلة رَحِم[1]، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير))؛ رواه الشيخان، واللفظ للبخاري[2].



وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله، ابنُ جدعان كان في الجاهلية يَصِل الرَّحِم، ويُطعِم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: ((لا ينفعه؛ إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين))؛ رواه مسلم[3].



مسألة خطيرة ذاتُ شِقَّين:

يَزِلُّ كثيرٌ من الناس في مسألةٍ خطيرةٍ فرغ الإسلام منها، وبيَّنها في كتابه المبين، وعلى لسان نبيِّه الأمين أوْفَى بيان، تلك هي مثوبةُ غير المسلم على ما يتعبَّد به من قُرْبة، أو يصنعه من صنيعة، أو يُقدِّمه من الخير العام أو الخاص.



والمسألة ذاتُ شطرين: أن غير المسلم إذا مَرَنَ على فعل الخير[4] وأحبَّه، فقد يَمُنُّ الله عليه بالإسلام، ويُوفِّقه لما كان يفعل من البرِّ، فيتعبَّد به في إسلامه، ويتقرَّب به لمن أسلم وجهه إليه، كما منَّ على حكيم بن حزام - رضوان الله عليه.



وقد تغلب عليه شِقوتُه حتى يقضي نحبَه، وهو محروم من النعمة الكبرى، التي لا تُذكر نعمةٌ بجانبها وإن عَظُمت؛ نعمة الهداية إلى الإسلام، والإخلاص للمُنعِم - جلَّت آلاؤه.



وفي طليعة هؤلاء المحرومين المكذِّبين بيوم الدين، عبدالله بن جُدْعان القرشي التَّيمي، واحد بني تيم ورجالاتها، وقريبُ أمِّ المؤمنين عائشة - رضوان الله عليها - وهذا سرُّ سؤالها عنه واستفتائِها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في شأنه.



وإذا جمعنا بين هذين العظيمين في هذا الحديث - كما جَمَعَ الله بين السَّعادة والشقاوة، والنعيم والجحيم، في الذِّكر - فإنَّ من حقِّ قرائنا أن نبيِّن لهم - في صدر هذا البحث - حُكمَ الله ورسوله في مثوبتهما ومثوبة مَن سار على نهجهما؛ عسى أن يبيِّنوا للناس، فيتعلمَ جاهلٌ، أو يهتديَ حائرٌ، أو يثوبَ إلى رشده غاوٍ، ممَّن يتَّبِعون الهوى فيُضِلُّون عن سبيل الله، ويحكمون بغير ما أنزل الله، وكأن بأيديهم مفاتيح الجنة، يفتحونها لمن حكموا له بالقَبُول والفوز، وإن كان في كتاب الله شقيًّا، ويُغلِقونها في وجه مَن حكموا عليه بالحرمان والطرد، وإن كان في حُكم الله سعيدًا ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].



خيار الناس:

كان حكيم بن حزام بن خويلد ابن أخي أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - وفي الطليعة من أشراف قريش ووجوهها، في الجاهليَّة والإسلام، ((والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا))؛ كما في حديث الصحيحين.



مكانة حكيم قبل الإسلام وبعده:

أدرك في الجاهلية ستين عامًا، وفي الإسلام مِثلَها، وحسْبُه شرفًا أنه كان صديقًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بِعثته، وأنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يحبُّه ويودُّه، ويودُّ لو كان من السابقين الأولين، وأنه فَرِح بإسلامه يوم الفتح فرحًا عظيمًا، وقال - كما ثبت في السيرة والصحيح -: ((مَن دخل دارَ حكيم بن حزام، فهو آمن))[5].



وكان من المؤلَّفة قلوبهم الذين شهِدوا غزوةَ حُنين، فأعطاهم الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - عطاء مَن لا يخشى الفاقة! حدَّث عن نفسه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثمَّ سألته فأعطاني؛ ثم قال: ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرة حُلوة))، إلى أن قال: ((واليد العليا خير من اليد السفلى))[6]، وفي هذا الحديث أنه - رِضوان الله عليه - لم يسأل أحدًا من الناس حتى توفِّي، وأنَّ أبا بكر وعمر - رضوان الله عليهما - كانا يَعرِضان عليه العطاء مما يُفيء الله على المسلمين، فيأبى أن يقبله؛ وفاءً بما عاهد رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يَرْزأ أحدًا بعده شيئًا حتى يُفارِق الدنيا[7].



تبرَّرَ حكيمٌ في جاهليته بكثير من جلائل الخيرات، وعظائم المكرمات؛ حتى انتظم في سِلكِ السَّادة النُّجُبِ، الذين يَصِلون الرَّحِم، ويَحمِلون الكلَّ، ويَكسِبون المعدوم، ويَقرُون الضَّيف، ويُعينون على نوائب الدهر، وسيدهم غير مُدافَع هو سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - ولنا الفخر بالعمل لا بالقول! ثم سيُّد الصِّدِّيقين أبو بكر- رضي الله عنه.



وكان من آثاره قبل أن يُسلِم أنه أعتق مائةَ رقبة من رِبقة الأسر وذُلِّ العبودية، وحمل على مائة بعير؛ أي: تَصدَّق بها كلها.



ثم مَنَّ الله عليه بنعمة الإسلام، فأحسن إسلامه، وزاده الله حسنًا، فأتى صدَيقه الحميم الكريم - صلوات الله عليه وسلامه - مستفتيًا فيما أسلف من هذا البِر، فبشَّره الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - بحُسن جزائها، وكَرَم قَبُولها، وأنه أسلم على ما قدَّم لنفسه من الخير، قال حكيم - رضي الله عنه -: فوالله، لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية، إلا فعلتُ في الإسلام مثله[8].



صِدقه ما عاهد الله عليه:

ولقد صدَق حكيم ما عاهَد اللهَ عليه، فصنع بعد الإسلام كما صنع قبله، بل زاد عليه؛ جاء في الصحيحين أنه لمَّا أسلم حمل على مائة بعير وأعتق مائة رقبة[9]، قال ابن عبدالبر: حجَّ في الإسلام ومعه مائة بدنةٍ قد جلَّلها بالحِبَرة، وكفها عن أعجازها[10]، وأهداها، ووقف بمائة وصيف بعرفة، في أعناقهم أطواق الفضة، منقوش عليها: ((عتقاء الله عن حكيم بن حزام)) وأهدى ألف شاة.



وكانت بيده دار الندوة، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فلامه عبدالله بن الزبير وقال له: بعتَ مكرمة قريش! فقال له: يا بن أخي، ذهبت المكارم إلا التقوى، اشتريتُ بها دارًا في الجنة، وتصدَّق بالدراهم كلها!



عقدٌ واسطته الإسلام:

بخ بخ يا حكيم! لقد نَظمتَ عقدًا من الخيرات الجِسام، وبارَك الله عليه إذ جعل واسطته الإسلام، فهل تظن أن الله يَنقُصه، وهو أكرم الأكرمين، وأرحم الأرحمين، وهو الذي يَرزُق من يشاء بغير حساب؟!



المصدر: من ذخائر السنة النبوية؛ جمعها ورتبها وعلق عليها الأستاذ مجد بن أحمد مكي


[*] مجلة الأزهر، العددان الثالث والرابع، المجلد السادس والعشرون (1374).

[1] بيان لما كان يتحنَّث به، والتحنث: التعبُّد، ولا يخفى أنه كان تعبدًا صوريًّا؛ لأن رُوح العبادة معرفة المعبود، ولا يعرف إلا بالإسلام (طه).

[2] رواه البخاري (1436) في كتاب الزكاة، باب مَن تَصدَّق في الشرك ثم أسلم، ومسلم (123) في الإيمان.

[3] رواه مسلم (214).

[4] أي: تعوَّد على فعل الخير واستمرَّ عليه وألِفه.

[5] أورده الذهبي في "السير" 3 : 48 من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل دار بُديل بن ورقاء فهو آمن، ومَن أغلق بابه فهو آمن))، ورجاله ثِقات، لكنه مُرسَل، وقال الحافظ في "المطالب العالية" 17: 462 أخرجه إسحاق بن راهويه، وهو حديث صحيح، وصحَّح إسناده أيضًا الصالحي في "سبل الهدى والرشاد" 5: 326.

[6] أخرجه البخاري (1472)، ومسلم (1035).

[7] بسطنا شرحَ هذا الحديث في الجزء الثاني من المجلد الثامن عشر (طه).

[8] أخرجه مسلم (123).

[9] أخرجه البخاري (2538)، ومسلم (123).

[10] جللها: غطاها، والحِبَرة - كعِنَبة -: البرد الموشَّى، وضمير (كفها) المنصوب، فيما يظهر يعود على الحِبَرة؛ محافظة على جمالها ونظافتها، وذلك من تعظيم الشعائر، وفي إبدائه الصدقات وإعلانه الشعائر، دعوة إلى الخير وتحدُّثٌ بنعمة الله.

زياد علي

زياد علي محمد