الاثنين، 2 سبتمبر 2019

للشيخ العلامة عطاء بن عبد اللطيف


أما بعد،
فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار
اعلم أخي في الله علمني الله وإياك أن تراجم الرجال من أهم أبواب العلم حيث بها تتسق العروة ويؤتى بالمفقود من حلق اتصال سلسلة الخلف بالسلف وتتأتى الأسوة بالمشاهدة الحسية أو المعنوية ثم تتأتى التربية على أثر ذلك وعلى منوال ذاك فتخرج الأجيال المنشودة التي بها ينتصر المسلمون حيث إن القراءة عن الشجعان تورث الشجاعة وعن المتقين تورث التقوى وتأسي الرجل بغيره أحرى أن يتشكل على شاكلته ويعمل على نسقه، ويقرر كلامي هذا ما أورده الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه (الأذكياء) حين ذكر في المقدمة دواعي تصنيفه لمثل هذا الكتاب فقال: "وفي ذلك ثلاثة أغراض:
أحدها: معرفة أخبارهم بذكر أحوالهم- قلت: يعني السلف-، والثاني: تلقيح لباب السامعين إذا كان فيهم نوع استعداد لنيل تلك المرتبة وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته تفيد ذا اللب فسماع أخباره تقوم مقام رؤيته كما قال الرضي:
فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أعي الديار بسمعي
وذكر عن المأمون قوله لإبراهيم: لا شيء أطيب من النظر في عقول الرجال، قال: والثالث: تأديب المعجب برأيه إذا سمع أخبار من تعسر عليه لحاقه" أ.هـ كلامه، قلت: صدق هذا العلم الشامخ، فليس شيء في الدنيا يقرب إلى ما عند الله مثل مخالطة عباد الله تعالى الصالحين الذين يذكرون بالله دومًا بالقوال تارة وبالفعل تارات، وأشهد على الشيخ النادرة شبيه السلف العلامة: عطاء بن عبدا للطيف حفظه الله ورعاه وأطال عمره بالخير وأبقاه، فلقد أخذنا منه أشياء كثيرة باللحظ قبل اللفظ وربما بدون لفظ فكان وجوده معنا ومخالطته بنا نعم المعين على تمحيص السير إلى الله تعالى 0 من أجل ما ذكره ابن الجوزي آنفا، وما ذكرته شرعت بفضل الله عز وجل في عمل ترجمة لهذا الحبر الذي انشقت الأرض عنه فأبصرناه بيننا ألا وهو شيخي المفضال النادرة الشيخ: عطاء بن عبد اللطيف حفظه الله تعالى، وذلك ردًا لشيء لا يسوى بإزاء جميله العظيم الذي أسداه الله إلي على يديه، ثم تبصرة لإخوتي وبني جلدتي بأسوة لهم مثل السلف يعيش بين ظهرانيهم، فمن أراد فروع العلم فالشيخ بحر لا تكدره الدلاء، ومن أراد السلوك فيكفيه النظر إليه ليكون من الزهاد والعباد، ومن أراد الحديث فدونك البحر، وبالجملة فلقد طفت يسيرًا ورأيت كثيرًا وما رأيت مثل الشيخ ولا رأي مثل نفسه، فالشيخ يغرف من بحر وغيره يغرف من السواقي، بحر لا تكدره الدلاء وحبر يقتدي به الأخيار الألباء، وهذا أمر برهانه وجوده ودليله وقوعه، وإذا قالت حزام فصدقوها ولا ينبؤك مثل خبير، فلقد رأيت الشيخ وعاشرته مدة ثلاث سنين تقريبًا لا تفوتني أكثر حركاته وألمح أكثر أفعاله وأعرف بفضل الله كيف يفكر من كثرة حديثي معه والتمعن في كلامه وشيء من المعرفة أنعم به الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فالحمد لله من أجل هذا صرت بفضل الله خبيرًا بالشيخ حقًّا حتى أن من أصحابنا الذين يعرفون الشيخ من قديم من كان يستشكل أشياء يفعلها الشيخ ويسألني فيها وكنت بفضل الله تعالى أجيب عن جميعها كما سترى في الجزء الملحق بهذه الرسالة وهذه نعمة الله التي أسداها لا إله غيره ولا رب سواه.
فإليك أخي هذا التقرير والتحبير لتجتمع لديك إن شاء الله تعالى به الدلائل ويستقيم بسيرة الشيخ لديك كل معوج ومائل وتماط عنك بمعرفة هذه الحقائق أكثر الرذائل والله المسئول ألا يجعل الهوى بين هذه الفضائل وبين قلبك حائل، إنه ولي ذلك وعليه قادر.
فأقول وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم:
لقد رأيت الشيخ منذ ثلاث سنين تقريبًا وقبل ذلك كنت أسمع عن الشيخ وأعلم ممن سبقوني أن كل علم في مدينتنا حلوان حفظها الله من قبل هذا المبارك؛ لأنه وإن كان قد انقطع إلى التصنيف والعبادة وغيرهما من لوازم الحياة إلا أنه كان يُدَرِّسُ قبل ذلك لرؤوس طلابها، وكان ينتصب للفتوى. فحدثني عضا لطلبة أنه كان يجمع الأسئلة التي تصدر من جميع طلبة العلم تقريبًا ثم يحملها إليه فينظر الشيخ فيها ثم يجيب عليها، وكان الكل عليه في ذلك عالة إذا استشكلت مسألة أو ساء فهم أو اضطرب أرسلوا إليه فسرعان ما يحل هذا الإشكال ويزول الاضطراب بيسير الكلام من شفتي هذا الحبر النادرة.
وحدثني الشيخ: خالد صقر حفظه الله قال: إننا إلى الآن نحيل المسائل علىالشيخ0
ولا أريد بهذا التقليلَ من قدر الدعاة في حلوان لا سيما شيخ الدعاة فيها: الشيخ الرباني شيخنا الشيخ: مصطفى بن محمد حفظه الله تعالى، فقد حمل لواء الدعوة إلى الله تعالى سنين عددًا، ونشأ جُلُّ الشباب في حجره وأنا منهم، لكنني أردت أن أنبه على فضل شيخنا جزاه الله عنا أهلَ حلوان خير الجزاء وجزاه خيرًا عن كل من انتفع بعلمه في داخل البلاد أو خارجها، أقول: فكان هذا دأب الشيخ في حلوان بما قدره الله له من التسبب في ذلك0 وكنت بعد هذا الكلام العظيم عن الشيخ أشتاق إلى رؤيته، بيد أن الأمر كان لا يتفق في كثير من الأحوال حتى أتاح الله عز وجل وقدر لي رؤيته لَمَّا نقل تجارته من مكانها القديم إلى سوق المساكن الاقتصادية وهذا السوق كان بجوار بيتي، فأخذني بعض إخواني إلى السوق لرؤية الشيخ، فلما رأيته أكبرته ووقعت هيبته في قلبي حتى أنني حقَّا لم أملأ عيني من النظر إلى وجهه؛ خشية أن يقع بصره على وأنا أنظر إليه، فانصرفت سريعًا إلى خارج السوق وراودت صورة الشيخ نفسي حتى أنني لم أنسها حين رؤيتها وإلى لحظة كتابة هذه الأسطر، ثم قدر الله تعالى لي أن أرى بعض تصانيف الشيخ لما كنت أدرس صحيح البخاري في مدرسة الشيخ الجليل: حسن أبي الأشبال في عابدين بمسجد أنصار السنة في شارع قَوَلَةَ، فبينما أنا أطوف على بائعي الكتب بعد خروجي من المسجد إذ وقعت عيني على كتاب أنار اسم الشيخ غلافه وهو كتاب: ( إعلام الرجال والنساء بتحريم المكث في المسجد على الجنب والحائض و النفساء)، فسألت الكُتَبِيَّ عن ثمنه وأخذته وانصرفت وأنا جذلًا مسرورًا غاية السرور بهذا الكتاب وتصفحته في الحافلة وقبل الرجوع إلى البيت من فرط إعجابي به وشوقي إليه، فلما ذهبت إلى البيت قرأته بعناية فسرعان ما أخذتني الدهشة من قوة استدلال الشيخ وحسن تصنيفه وإيراده للأدلة وأدبه مع مخالفيه في الرد عليهم، وأبهرني حقًّا كلامه على الحديث المضعف وتقرير أنه يصلح للحجة، فإني أحب هذا العلم جدًّا وأشتهيه، وبالجملة فلقد أبهرني هذا الكتاب عامة وهذا البحث خاصة فأخذت بعدها أنعي على الناس حوله كيف يتركونه يمشي على الأرض؟! مَثَلُ هذا يُحْمَلُ على الأعناق وهو من منة الله تعالى على أهل حلوان لكن الخير لا يأتي طفرة وإنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ثم ذهبت بعد ذلك أبحث كل مبحث عن سيرة الشيخ ومواقفه وشغلت مجالسي بذكره، وما جلست غالبًا إلا مع من يعرفه وأمضي في صحبته مدة فجمعت من المعلومات الكثير والكثير ومن المواقف والملح عن الشيخ الأكثر حتى صرت كما قررت آنفًا مرجع الإخوة في الحديث عن الشيخ ولا أنسى إن نسيت هذا الصوت الجَهْوَري الذي أحسست به حقًّا يصوت في نفسي حينما رأيته في حانوته الذي أخذه في وسط السوق وكان ترك الأول وكنت أعمل في مكان بين يدي حانوت الشيخ على يساره فسمعت صوتا جهوريا يصوت في نفسي قائلًا: هذا حماد بن سلمة مرتين أو ثلاثا، ثم قال: هذا حماد الذي لم يكن يضيع وقته، ومنذ هذا الحين وقد تعرفت على الشيخ وعرفني وقويت العلاقة التي بيني وبينه، والحق أنني كنت آخذ منه في العلم إرشادات ما سمعتها من أحد قبله وكانت ملاحظتي إياه في أفعاله خير إرشاد لي كطالب علم صغير ولا غرو فالشيخ مدرسة ينهل الطلبة من أعماله وأقواله وحكمته وحكومته ما يصنع العلماء الرجال ويشحذ الهمم ويأتي على ما يختلج النفوس من باطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولا يستقر في القلب إن شاء الله تعالى وقدر بعد خلطة الشيخ إلا الخير "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ".
فهذا الشيخ حفظه الله تعالى قد ألفيته جامعة تبث الخير في جميع المناحي كوابل أوله في الخير كآخره ، وهذا الأمر لمن خالط الشيخ معلوم محتوم ففتح الله تعالى بإرشادات الشيخ عقلي وذهبت أفكار كثيرة منتكسة من رأسي وتقدمت أضعاف ما كنت عليه قبل ملاقاة هذا الحبر الجليل وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كما في ترجمته لابن الجوزي: "ملاقاة الرجال تلقيح لألبابهم" فهذه يد للشيخ على وإخواني لا يجزيه عليها إلا الله تعالى.
ولقد أتاح لي الإله بفضــــله من ليس تجزيه يدي ولساني
حبرًا لقيت بأرض حلوان فيا أهلًا بحبر عاش في حلـــــوان
وهذه المدرسة التي وصفت آنفا هي شخص الشيخ حفظه الله تعالى سلفية محضة، لا تكاد تقرأ عن السلف شيئًا إلا وجدته في الشيخ يفعله وببراعة ففي العلم مثال للسلف، فكان يُعقد له مجلس في عوالي حلوان عند منطقة تسمي مدينة الموظفين فكان يُدَرِّسُ فيها الفقه من كتاب (منار السبيل) وأصول الفقه من كتاب وهبة الزحيلي المسمى (أصول الفقه الإسلامي ) فكان بحثًا رشيدًا أريبًا لا درسًا عاديًا كغيره، كأن الله بعث أبا إسحاق الشيرازي الشافعي فدرس هذه المواد وكان يجلس من بعد العصر فبلغ أن قد سجل له بعض الطلبة أشرطة كاسيت لهذين الشرحين فشرح خمس ورقات من كتاب منار السبيل في أكثر من اثني عشر شريطًا، كل شريط يسع ساعة ونصف الساعة وكذا في كتاب أصول الفقه. وحدثني من جلس في هذا المجلس: أن الشيخ شرح مسألة فقال: "هذه المسألة اختلف العلماء فيها على سبعة مذاهب" قال لي محدثي: ثم أغمض عينيه، قلت: وهذا دأب الشيخ، وأخذ في سرد السبعة مذاهب وعزو كل مذهب إلى قائله، ثم عقب بذكر أدلة كُلٍّ، ثم عقب بمناقشة كل دليل، ثم عقب بالتفصيل بين الصحيح والسقيم من الأدلة، ثم رَجَّحَ مع ذكر الدليل من الكتاب والسنة وفعل سلف الأمة ومن الأصول على ما ذهب إليه ورجحه، وكل ذلك وهو مغمض العين لا ينظر في كتاب ولا دفتر عنده يصحح الصحيح ويزيف المزيف وكل ذلك في أسلوب رصين مكين متين.
هيهات أن يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل

الكاملات من النساء مريم ابنة عمران

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكاملات من النساء مريم ابنة عمران

سيدة نساء العالمين في زمانها

وهي آية من آيات الله - عز وجل – للعالمين: (وجعلناها وابنها آية للعالمين).

اصطفاها الله واختارها على كل نساء الأرض

وهي ممن شهد لهن النبي - صلى الله عليه وسلم – بالكمال: ((كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)) رواه البخاري.

حياتها كانت سلسلة من الامتحانات والابتلاءات الشديدة.

كانت أزهد الناس وأعبدهم في زمانها، ألقت الدنيا بزخارفها ومباهجها خلف ظهرها ورغبت فيما عند الله، وصبرت على لأواء العيش وشظفه: (ما عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل96.

أعلى الله من ذكرها ورفع قدرها، فذكرها في العديد من المواضع في كتابه العزيز، بل وأنزل سورة كاملة باسمها تكريما لها.

ولادتها:

كانت "حنّة" أم السيدة مريم عاقرا لا تنجب أطفالا، وكانت تتألم أشد الألم لذلك، وكثيرا ما كانت تبكي وتتوجه ببصرها إلى السماء، وتدعو الله أن يمن عليها ويرزقها بالذرية الصالحة التي تقر بها عينها. ولقد بلغ من اشتياقها للأمومة أن رأت فرخا صغيرا يأوي إلى جناح أمه فتألمت وتمنت وبللت خديها بدموع الرجاء.

وبعد فترة من الزمن من الله عليه فحملت وكانت سعادتها بهذا الحمل لا توصف، وسجدت لله شكرا على هذه النعمة ثم رفعت يديها وقالت: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران35.

ومرت أيام وشهور الحمل ومات عمران أبو مريم وهي ما تزال في بطن أمها، وكانت"حنّة" تتمنى أن يكون المولود ذكرا لتهبه لخدمة بيت المقدس ولكن الأمور سارت على غير ما تشتهي ورزقت ببنت والبنت لا تقوم بالخدمة في المسجد كما يقوم الرجل، فأبدت حنة بعض الأسف والعذر: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى)، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) أي في خدمة الهيكل والتفرغ لمهامه، وأضافت: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) تأكيدا على نذرها: (قيل إن اسم مريم يعني في اللغات القديمة: العابدة)، وسألت الله أن يحفظها من السوء ويقيها من همزات الشياطين: (وإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

حملتها أمها في لفائفها إلى الهيكل وكانت تذهب إليها بين الحين والحين تتفقد أحوالها.

وتكفل زكريا - عليه السلام - زوج خالتها برعايتها وتربيتها وشبت مريم وبيتها في المسجد: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَنا) آل عمران37.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب!

نشأت مريم - عليها السلام - في خلوة المسجد عابدة زاهدة، تحيي الليل بالذكر والعبادة والصلاة وتصوم النهار وتعيش للآخرة. وكان زكريا - عليه السلام - يدخل عليها ليتفقد أحوالها، وفوجئ في إحدى المرات بوجود فاكهة في غير أوانها عند السيدة مريم، فسأل مستنكرا: (يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا؟) فأجابت السيدة مريم في هدوء وطمأنينة: (هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

وتكرر ذلك مرات ومرات (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) وكان زكريا - عليه السلام - يسأل نفس السؤال ولا يحظى إلا بنفس الجواب.

إن الله - عز وجل - ينعم على أوليائه بالرزق الوفير ويكرمهم به إذا ضاق بهم الحال واشتدت من حولهم الأمور من باب اللطف بهم وإظهار قدرته ومعجزاته لهم، وتذكيراً لهم بأنه - عز وجل - لا يضيع أهله وعباده المتقين وقد حدث مثل ذلك مع السيدة هاجر أم إسماعيل - عليه السلام - عندما تركهما إبراهيم - عليه السلام - وسط الجبال المقفرة، فأجرى الله لهما ماء زمزم. وحدث مثل ذلك مع خبيب بن عدي - رضي الله عنه - عندما أسره المشركون واقتادوه إلى مكة ليقتلوه فكان يأكل عنبا وليس بمكة كلها عنب.

الامتحان الأكبر

كان الامتحان الأكبر في حياة مريم الزاهدة العابدة أن يبشرها الله - سبحانه وتعالى - بولد وهي غير متزوجة، ويا له من امتحان و يا له من ابتلاء شديد!. انتفضت السيدة مريم وارتاعت لهذه البشرى العجيبة التي تتصادم مع نواميس الحياة ثم قالت: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) مريم 20.

وتأتي الإجابة على لسان جبريل - عليه السلام -: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً) مريم 21.

إن الأمر ليس فيه حرج ولا صعوبة على الله، فهو - سبحانه - الذي صنع هذه النواميس وهو الذي يخرقها بقدرته متى شاء.

الخروج من بيت المقدس

بدأت السيد مريم تشعر بحملها شيئا فشيئا فقررت الخروج من الهيكل وتوجهت إلى " الناصرة" بحجة التعب والمرض واعتزلت الناس في بيت ريفي تنتظر قضاء الله، ولما أزف أوان الوضع خرجت تهيم على وجهها في البراري والقفار لا تدري إلى أين تتوجه أو إلى من تأوي، وجاءها المخاض عند جذع نخلة يابسة فملأها الغم ولم تستطع أن تتحرك وهي تتمزق من الحزن، ووضعت طفلها عيسى - عليه السلام -، وفي هذه اللحظة العصيبة تمنت الموت: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً) مريم 23.

إن المرأة العفيفة الشريفة تتمنى الموت على أن تتهم في براءتها أو عفتها..

وهنا تأتيها ألطاف الله لتهدئ من روعها وتطمئنها بأن الله يرعاها ويحفظها: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أحداً َفقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً) [مريم(24-26)].

المواجهة والمعجزة

حملت السيد مريم وليدها وعادت به إلى قريتها، وهناك في الناصرة ذاع الخبر وشاع وأرجف المرجفون، ورماها الناس بالزنا والوقوع في الخطيئة، ثم واجهوها بالثورة عليها وقالوا: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّا).

لقد افتريت فرية ضخمة بعد أن كنت مثالا للطهر والعفاف!

(مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً).

لقد كان أبوك من خيرة الناس وصاحب صلاتنا وكانت أمك امرأة عفيفة شريفة يقدرها ويحترمها الجميع!.

يا أسفاً عليك لقد لوثت شرف هذه العائلة الكريمة في لحظة طيش وثورة شهوة!.

تحملت السيدة مريم كل هذه الافتراءات بصبر وجلد وكظمت غيظها ثم أشارت إلى وليدها في ثقة وطمأنينة، وعندئذ اشتد غضب المستفسرين وزادت نقمتهم عليها وقالوا: (كيف نكلم من كان في المهد صبي)؟!

ولكنهم سرعان ما خرسوا وأخذتهم الدهشة..

لقد أنطق الله - تعالى - الطفل فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) [مريم(30- 33)].

وكان ذلك الدليل البين والدامغ على براءة السيدة مريم - عليها السلام - مما نسبوه إليها من الافتراءات والبهتان.

لقد برأ الله ساحة مريم بمعجزة شاهدوها بأعينهم وصدق الله العظيم القائل: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) الحج.

الدروس والعبر...

إن في قصة مريم - عليه السلام - دروسا وعبرا منها:

1- إن الله - سبحانه وتعالى - لا يعجزه شيء، فهو - سبحانه - الذي وضع النواميس وهو الذي يخرقها متى شاء، فكم من امرأة أجمع الأطباء علي أنها عاقر، ثم أنجبت بفضل الله وقدرته، وكم من مريض يئس الأطباء من برئه، ثم عافاه الله كأن لم يكن به داء.

2- إن الدعاء والتضرع إلى الله من أهم ما يتعبد به المسلم والمسلمة إلى الله ومن أدام القرع فُتح له.

3- كانت مريم - عليها السلام - مثالا للفتاة المؤمنة بالله - عز وجل -، التي تجد أنسها وسلوتها في طاعة الله والتقرب إليه بشتى أنواع العبادات.

4- ضربت أروع المثل في الحفاظ على شرفها وعفتها وطهارتها، حتى إنها تمنت الموت على أن تتهم في عرضها.

5- صبرت على ما أصابها من أذىً من قومها وتحملت ما رموها به من افتراءات بشعة حتى أظهر الله براءتها بمعجزة من عنده.

رجال حول الرسول = عبد الله بن مسعود - أول صادح بالقرآن

عبد الله بن مسعود - أول صادح بالقرآن

قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان عبد الله بن مسعود قد آمن به، وأبح سادس ستة أسلموا واتبعوا الرسول، عليه وعليهم الصلاة والسلام..
هو اذن من الأوائل المبكرين..
ولقد تحدث عن أول لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
" كنت غلاما يافعا، أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر فقالا: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا..؟؟
فقلت: اني مؤتمن، ولست ساقيكما..
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هل عندك من شاة حائل، لم ينز عليها الفحل..؟
قلت: نعم..
فأتيتهما بها، فاعتلفها النبي ومسح الضرع.. ثم اتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت..ثم قال للضرع: اقلص، فقلص..
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد لك، فقلت: علمني من هذا القول.
فقال: انك غلام معلم" ...

**

لقد انبهر عبد الله بن مسعود حين رأى عبد الله الصالح ورسوله الأمين يدعو ربه، ويمسح ضرعا لا عهد له باللبن بعد، فهذا هو يعطي من خير الله ورزقه لبنا خالصا سائغا للشاربين..!!
وما كان يدري يومها، أنه انما يشاهد أهون المعجزات وأقلها شأنا، وأنه عما قريب سيشهد من هذا الرسول الكريم معجزات تهز الدنيا، وتلمؤها هدى ونور..
بل ما كان يدري يومها، أنه وهو ذلك الغلام الفقير الضعيف الأجير الذي يرعى غنم عقبة بن معيط، سيكون احدى هذه المعجزات يوم يخلق الاسلام منه منه مؤمنا بايمانه كبرياء قريش، ويقهر جبروت ساداتها..
فيذهب وهو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر بمجلس فيه أحد أشراف مكة الا مطرق الرأس حثيث الخطى.. نقول: يذهب بعد اسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة، وكل سادات قريش وزعمائها هنالك جالسون فيقف على رؤوسهم. ويرفع صوته الحلو المثير بقرآن الله:
(بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن، علّم القرآن، خلق الانسان، علّمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان) .

ثم يواصل قراءته. وزعماء قريش مشدوهون، لا يصدقون أعينهم التي ترى.. ولا آذانهم التي تسمع.. ولا يتصورون أن هذا الذي يتحدى بأسهم.. وكبريائهم..انما هو أجير واحد منهم، وراعي غنم لشريف من شرفائهم.. عبد الله بن مسعود الفقير المغمور..!!
ولندع شاهد عيان يصف لنا ذلك المشهد المثير..
انه الزبير رضي الله عنه يقول:
" كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
والله ما سمعت قريش مثل هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه..؟؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا..
قالوا: ان نخشاهم عليك، انما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوه..
قال: دعوني، فان الله سيمنعني..
فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم _رافعا صوته_ الرحمن.. علم القرآن، ثم استقبلهم يقرؤها..
فتأملوه قائلين: ما يقول ابن ام عبد..؟؟ انه ليتلو بعض ما جاء به محمد..
فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجهه، وهو ماض في قراءته حتى بلغ منها ما شا الله أن يبلغ..
ثم عاد الى أصحابه مصابا في وجهه وجسده، فقالوا له:
هذا الذي خشينا عليك..
فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا..
قالوا: حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون"..!!

أجل ما كان ابن مسعود يوم بهره الضرع الحافل باللبن فجأة وقبل أوانه.. ما كان يومها يعلم أنه هو ونظراؤه من الفقراء والبسطاء، سيكونون احدى معجزات الرسول الكبرى يوم يحملون راية الله، ويقهرون بها نور الشمس وضوء النهار..!!
ما كان يعلم أن ذلك اليوم قريب..
ولكن سرعان ما جاء اليوم ودقت الساعة، وصار الغلام الأجير الفقير الضائع معجزة من المعجزات..!!

**

لم تكن العين لتقع عليه في زحام الحياة..
بل ولا بعيدا عن الزحام..!!
فلا مكان له بين الذين أوتوا بسطة من المال، ولا بين الذين أوتوا بسطة في الجسم، ولا بين الذين أوتوا حظا من الجاه..
فهو من المال معدم.. وهو في الجسم ناحل، ضامر.. وهو في الجاه مغمور..
ولكن الاسلام يمنحه مكان الفقر نصيبا رابيا وحظوظا وافية من خزائن كسرى وكنوز قيصر..!

ويمنحه مكان ضمور جسمه وضعف بنيانه ارادة تقهر الجبارين، وتسهم في تغيير مصير التاريخ..!
ويمنحه مكان انزوائه وضياعه، خلودا، وعلما وشرفا تجعله في الصدارة بين أعلام التاريخ..!!
ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له: " انك غلام معلّم" فقد علمه ربه، حتى صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن جميعا.
يقول على نفسه:
" أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه زسلم سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد"..
ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في سبيل ان يجهر بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة أثناء سنوات الاضطهاد والعذاب فأعطاه سبحانه موهبة الأداء الرائع في تلاوته، والفهم السديد في ادراك معانيه..

ولقد كان رسول الله يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود فيقول:
" تمسّكوا بعهد ابن أم عبد".
ويوصيهم بأن يحاكوا قراءته، ويتعلموا منه كيف يتلو القرآن.
يقول عليه السلام:
" من أحب أن يسمع القرآن عصّا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد"..
" من أحب أن يقرأ القرآن غصا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"..!!
ولطالما كان يطيب لرسول الله عليه السلام أن يستمع للقرآن من فم ابن مسعود..
دعاه يوما الرسول، وقال له:
" اقرأ عليّ يا عبد الله"..
قال عبد الله:
" أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله"؟!
فقال له الرسول:
"اني أحب أن أسمعه من غيري"..
فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله تعالى:
(فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا..
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض..
ولا يكتمون الله حديثا) ..
فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه بالدموع، وأشار بيده الى ابن مسعود:
أن" حسبك.. حسبك يا ابن مسعود"..

وتحدث هو بنعمة الله فقال:
" والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطى اليه الابل أعلم مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم"!!

ولقد شهد له بهذا السبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:
" لقد ملئ فقها"..

وقال أبو موسى الأشعري:
" لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم"
ولم يكن سبقه في القرآن والفقه موضع الثناء فحسب.. بل كان كذلك أيضا سبقه في الورع والتقى.
يقول عنه حذيفة:
" ما رأيت أحدا أشبه برسول الله في هديه، ودلّه، وسمته من ابن مسعود ...
ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن ام عبد لأقربهم الى الله زلفى"..!!
واجتمع نفر من الصحابة يوما عند علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه فقالوا له:
"يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا من عبد الله بن مسعود..
قال علي:
نشدتكم الله، أهو صدق من قلوبكم..؟؟
قالوا:
نعم..
قال:
اللهم اني أشهدك.. اللهم اني أقول مثل ما قالواو أو أفضل..
لقد قرأ القرآن فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه..فقيه في الدين، عالم بالسنة"..!

وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتحدثون عن عبد الله بن مسعود فيقولون:
" ان كان ليؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا"..
وهم يريدون بهذا، أن عبد الله رضي الله عنه كان يظفر من الرسول صلى الله عليه وسلم بفرص لم يظفر بها سواه، فيدخل عليه بيته أكثر مما يدخل غيرهو ويجالسه أكثر مما يجالس سواه. وكان دون غيره من الصّحب موضع سرّه ونجواه، حتى كان يلقب بـ صاحب السواد أي صاحب السر..

يقول أبو موسى الشعري رضي الله عنه:
"لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، وما أرى الا ابن مسعود من أهله"..
ذلك أن النبيب صلى الله عليه وسلم كان يحبّه حبا عظيما، وكان يحب فيه ورعه وفطنته، وعظمة نفسه.. حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه:
" لو كنت مؤمّرا أحدا دون شورى المسلمين، لأمّرت ابن أم عبد"..
وقد مرّت بنا من قبل، وصية االرسول لأصحابه:
" تمسكوا بعهد ابن أم عبد" ...

وهذا الحب، وهذه الثقة أهلاه لأن يكون شديد لبقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطي ما لم يعط أحد غيره حين قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: " اذنك عليّ أن ترفع الحجاب"..
فكان هذا ايذانا بحقه في أن يطرق باب الرسول عليه أفضل السلام في أي وقت يشاء من ليل أو نهار ...

وهكذا قال عنه أصحابه:
" كان يؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا"..

ولقد كان ابن مسعود أهلا لهذه المزيّة.. فعلى الرغم من أن الخلطة الدانية على هذا النحو، من شأنها أن ترفع الكلفة، فان ابن مسعود لم يزدد بها الا خشوعا، واجلالا، وأدبا..
ولعل خير ما يصوّر هذا الخلق عنده، مظهره حين كان يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ...

فعلى الرغم من ندرة تحدثه عن الرسول عليه السلام، نجده اذا حرّك شفتيه ليقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول ... تأخذه الرّعدة الشديدة ويبدو عليه الاضطراب والقلق، خشية أن ينسى فيضع حرفا مكان حرف..!!

ولنستمع لاخوانه يصفون هذه الظاهرة..
يقول عمرو بن ميمون:
" اختلفت الى عبد الله بن مسعود سنة، ما سمعه يتحدث فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدّر عن جبهته، ثم قال مستدركا قريبا من هذا قال الرسول"..!!
ويقول علقمة بن قيس:
" كان عبد الله بن مسعود يقوم عشيّة كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية منها يقول: قال رسول الله غير مرة واحدة.. فنظرت اليه وهو معتمد على عصا، فاذا عصاه ترتجف، وتتزعزع"..!!
ويحدثنا مسروق عن عبد الله:
" حدّث ابن مسعود يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم أرعد وأرعدت ثيابه.. ثم قال: أو نحو ذا.. أو شبه ذا"..!!
الى هذا المدى العظيم بلغ اجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ توقيره اياه، وهذه أمارة فطنته قبل أن تكون امارة تقاه..!!
فالرجل الذي عاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرمن غيره، كان ادراكه لجلال هذا الرسول العظيم ادراكا سديدا.. ومن ثمّ كان أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ومع ذكراه في مماته، أدبا فريدا..!!

**

لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر.. ولقد شهد المشاهد كلها جميعها.. وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أب جهل الذي حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم الجليل.. وعرف خلفاء الرسول وأصحابه له قدره.. فولاه أمير المؤمنين عمر على بيت المال في الكوفة. وقال لأهلها حين أرسله اليهم:
" اني والله الذي لا اله الا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا".

ولقد أحبه أهل الكوفة حبا جما لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله..
واجماع أهل الكوفة على حب انسان، أمر يشبه المعجزات..
ذلك أنهم أهل تمرّد ثورة، لا يصبرون على طعام واحد..!! ولا يطيقون الهدوء والسلام..

ولقد بلغ من حبهم اياه أن أطاحوا به حين أراد الخليفةعثمان رضي الله عنه عزله عن الكوفة وقالوا له: " أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرهه منه"..
ولكن ابن مسعود أجابهم بكلمات تصوّر عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لهم:
" ان له عليّ الطاعة، وانها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابها"..!!
ان هذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود من الخلبيفةعثمان.. فلقد حدث بينهما حوار وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبد الله راتبه ومعاشه من بيت الامل،، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي الله عنه كلمة سوء واحدة..
بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى التذمّر في عهد عثمان يتحوّل الى ثورة..
وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان، قال كلمته المأثورة:
" لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله".
ويقولبعض أصحاب ابن مسعود:
" ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبّة قط"..

**

ولقد آتاه الله الحكمة مثلما أعطاه التقوى.
وكان يملك القدرة على رؤية الأعماق، والتعبير عنها في أناقة وسداد..
لنستمع له مثلا وهو يلخصحياة عمر العظيمة في تركيزباهر فيقول:
" كان اسلامه فتحا.. وكانت هجرته نصرا.. وكانت امارته رحمة..".
ويتحدث عما نسميه اليوم نسبية الزمان فيقول:
" ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار.. نور السموات والأرض من نور وجهه"..!!
ويتحدث عن العمل وأهميته في رفع المستوى الأدبي لصاحبه، فيقول: " اني لأمقت الرجل، اذ أراه فارغا.. ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة"..
ومن كلماته الجامعة:
" خير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشرّ المكاسب الربا، وشرّ المأكل مال اليتيم، ومن يعف الله عنه، ومن يغفر الله له"..

**

هذا هو عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه ومضة من حياة عظيمة مستبسلة، عاشها صاحبها في سبيل الله، ورسوله ودينه..
هذا هو الرجل الذي كان جسمه في حجم العصفور..!!

نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا وهو قائم..
له ساقان ناحلتان دقيقتان.. صعد بهما يوما أعلى شجرة يجتني منها أراكا لرسول اله صلى الله عليه وسلم.. فرأى أصحاب النبي دقتهما فضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام:
" تضحكون من ساقيْ ابن مسعود، لهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد"..!!
أجل هذا هو الفقير الأجير، الناحل الوهنان.. الذي جعل منه ايمانه ويقينه اماما من أئمة الخير والهدى والنور..
ولقد حظي من توفيق الله ومن نعمته ما جعله أحد العشرة الأوائل بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.. أولئك الذين بشروا وهم على ظهر الأرض برضوان الله وجنّته..

وخاض المعارك الظافرة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، مع خلفائه من بعده..
وشهد أعظم امبراطوريتين في عالمه وعصره تفتحان أبوابهما طائعة خاشعة لرايات الاسلام ومشيئته..

ورأى المناصب تبحث عن شاغليها من المسلمين، والأموال الوفيرة تتدحرج بين أيديهم، فما شغله من ذلك شيء عن العهد الذي عاهد الله عليه ورسوله.. ولا صرفه صارف عن اخباته وتواضعه ومنهج حياته..

ولم تكن له من أمانيّ الحياة سوى أمنية واحدة كان يأخذه الحنين اليها فيرددها، ويتغنى بها، ويتمنى لو أنه أدركها..

ولنصغع اليه يحدثنا بكلماته عنها:
" قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.. فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فأتبعتها أنظر اليها، فاذا رسول الله، وأبوبكر وعمر، واذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات واذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه، والرسول يقول: ادنيا اليّ أخاكما.. فدلياه اليه، فلما هيأه للحده قال: اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه.. فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة"..!!

**

تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوها في دنياه.
وهي لا تمت بسبب الى ما يتهافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه..
ذلك أنها أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين.. رجل هداه الله، وربّاه الرسول، وقاده القرآن..!!

عبد الحميد البسيوني .. رجلٌ ملأ العلمُ إهابَه

عبد الحميد البسيوني .. رجلٌ ملأ العلمُ إهابَه

يا  دَهرُ  بِعْ  رُتَبَ  المعالي   بعدَهُ        بيعَ السَّماحِ  ربحتَ  أم  لم  تَربَحِ

قدِّم   وأخِّر    مَن    تشاءُ    فإنه        قد ماتَ من قد كنتَ منه تَستحي

رحم اللهَ شيخنا البسيوني فقد كان جديراً بالتقديم , وكان الدهر يستحي منه , فلا يقدم عليه إنساناً مهما علت رتبته ,

وكثرت شهاداته, وعلا في أندية العلم صياحه ! .

قد طَلبنا فلم نجدْ لكَ في السُّؤ        دَدِ   والمجدِ   والمكارِمِ    مِثْلا

ولم يكن الشيخ - أعلى اللهَ في الجنان مقامه - صاحب شهادات , وأستاذ جامعات , ومحاضر مؤتمرات ..

 لكنه كان رجلاً ملأ العلمُ إهابَه, وأنار الحق كتابَه .. فهو يقرأ على بصيرة .. وهو يفهم على نور .. وهو يجزل العطاء بسخاء وكرم وجود .

صحب العلم وأهله مذ كان غضَّ العود طريّه, فنهل منه, ورضع لبانه كما يرضع الوليد لبن أمه,

فلما استدَّ ساعدُه واستحصد أمرُه , كان العلم معه على مثل أمره , سداداً واستحصاداً .

سنّى له اللهَ معايشة الأكابر .. فتقلب في نُعمى رياضهم .. ونهل من معين علمهم .. وتدرج في معارف فهمهم ..

ما بالك برجل كان صاحب العقاد ؟! و جليس محمود شاكر ؟! و أنيس السيد صقر؟! وخدين النفاخ ؟! وصفيّ الطناحي ؟!

وغيرهم من أوعية العلم وعدوله .. وأساطينه وأركانه .. إنه بهم تخرج .. وبسنا عقولهم أورى وأزنَد ..







استمعْ إلى صفيّه الطناحي يقول عنه في بحث له عن دار العلوم ومكانتها في بعث التراث العربي وإحيائه:

"وأعرف أناسا ذوي أقدار الآن, عملوا زماناً في مهنة التصحيح, أذكر منهم ابنا عظيماً من أبناء الدار,

 هو جامع العلوم والفضائل, المقرئ المحدث الحافظ الأديب الشاعر, الذكي القلب واللسان, عبد الحميد البسيوني,

 المتخرج من الدار عام 1961م, جاء من قريته "الباجور" من أعمال المنوفية, يبحث عن المعرفة,

ويلتمس طرق العلم, بنفس مشوقة, وحس دقيق, وعين ناقدة, فصحب من الأشياخ عباس محمود العقاد,

والسيد أحمد صقر, وشيخنا محمود محمد شاكر, رحمهم اللهَ أجمعين, كما صحب

 من قراء القرآن الكريم الشيخين محمد صديق المنشاوي، وعلي حزين, رحمهما اللهَ. " (في اللغة والأدب 2/837).

لقدكان هامةً في العلم تطأطأت لها الهامات .. وكان رأساً في الفهم انحنت له الرؤوس ..

وكان ينبوعاً ثراً من ينابيع المعرفة أثرى مَن حوله .. ورفد مَن قصده .. " ومن قصد البحر استقلَّ السواقيا ".

وقد قصدناه فرفدَنا .. ووردناه فأوردَنا .. واستقيناه فروّانا , وبتنا نرقب يوم السبت على أحر من الجمر ..

 نسَّمَّع قراءة الشيخ .. ونتلذَّذ بإلقائه.. ونهيم في حسن بيانه.. ونحلق في أرجاء فكره .. ونجني أطايب أدبه وبصره ..

 فكان مما قرأنا عليه: شرح معلقة لبيد, ومقالات محمود شاكر " نمط صعب ونمط مخيف ",

وعينية أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده . دع عنك ما كان يتحفنا به من قراءة روائع القصائد القديمة.

فأكرم به من معلم ! وأنعم به من قارئ ! .. وأعظم به من عالم !! .

همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعُوا        أجابوا وإن أعطَوا  أطابوا  وأجزَلوا

إن أنسَ لا أنسَ مجلساً ضمنا بصحبته في ديوانية الشيخ علي الصباح العامرة , فقرأ علينا قصيدة الشريف الرضي :




ما أسرعَ  الأيامَ  في  طيّنا        تمضي علينا ثم  تمضي  بنا

في كلِّ يومٍ أملٌ  قد  نأى        مَرامُه  عن  أجَلٍ  قد  دَنا

أنذَرَنا الدهرُ وما  نَرعَوي        كأنَّما  الدهرُ  سوانا  عَنى

تَعاشَيا , والموتُ في جِدّهِ        ما أوضَحَ الأمرَ وما أبيَنا !

حتى بلغَ آخرها . أنشدها بصوته المعبر .. وأشهد أني لم أسمع منشداً للشعر يحاكي إنشاده ..

كنت أتسمَّع من إنشاده أنين الموت , وفجيعة المصيبة , وشَجَن الفراق , فرأيتُني أقضي ليلتي تلك ميتاً ,

إي وربي رأيت فيما يرى النائم أني قد فارقتُ.. واستقبلني ركبُ السابقين ,

على كره مني لتلك المفارقة وذلك الاستقبال !! ووجدتني أفيق من غمراتي فزعاً جزعاً ولساني يردد :

كيف دفاعُ المرءِ أحداثَها        فَرداً وأقرانُ الليالي ثُنى ؟

وكانت صلاةٌ في جُنح الليل .. وكانت مناجاةٌ طالما حنَّت روحي إليها .

وتتابعت اللقاءات مع أستاذنا البسيوني, وكانت تضم نخبة من أهل العربية والأدب, أذكر منهم د.يوسف الحشاش,

 ود.محمد الدالي, ود.يحيى مير علم, ود. عدنان غزال, ود.هزاع سعد, ود.طاهر الحمصي, ود. فؤاد نعناع,

 والأساتذة وائل الرومي, ومحمد الزمامي, وأسامة العمري, وعبد الرحمن الحقان, ورائد الشلاحي,

 وعصام شقير, وغيرهم. يحفهم بالرعاية والتكريم رب المجلس الشيخ علي ناصر الصباح

جزاه اللهَ عن العربية وأهلها خير الجزاء. " إن الكلام يزين رب المجلس ".




وكان آخر ما قرأ علينا عينية أبي ذؤيب الهذلي المشهورة:

أمِنَ   المَنونِ   ورَيبِها   تَتوجَّعُ        والدهرُ ليس بمُعتِبٍ من  يَجزَعُ

أودى  بَنيَّ  وأعقَبوني   حَسرةً        عندَ  الرُّقادِ  وعَبرةً   لا   تُقلِعُ

ولقد حرَصتُ بأن أدافعَ عنهُمُ        فإذا   المنيةُ    أقبلَت    لا تُدفَعُ

وإذا  المنيةُ  أَنشبَت   أظفارَها        ألفَيتَ  كلَّ   تَميمةٍ   لا   تَنفعُ

قرأها بشرح ابن الأنباري, وكان معجباً بها, مفتوناً بصورها, مذهولاً بفلسفتها, بل كان يعدُّها أبدعَ ما قيل

من شعرٍ في فلسفة الموت, وتصوير لوعة المفجوع به. حتى إذا أتى على آخرها فجَأَنا بالقول:

إن هذه القصيدة آخرُ ما أقرأ عليكم, ولن أقرأ بعدها شيئاً, بل سأكتفي بالاستماع إليكم, ففيكم علماء أجلاء,

يُستفاد من علمهم, ويُنصَت إليهم, وكان يخصُّ أخانا الدالي بالإجلال والتقدير - وهو أهل لذاك -

 وكثيراً ما طلب إليه مراجعة قضايا في اللغة والنحو والتحقيق. ولم يدُر بخَلَدِنا آنئذٍ أن كلام الشيخ هذا قرارٌ لا رجعةَ فيه,

ولقد حاول بعض روَّاد المجلس أن يثنيه عن عزمه, ولكنه أصر!.

وهكذا كان..ففي الأسبوع التالي قرأ أخونا الدالي مبحثا له كان كتبه يردُّ على من خطّأ المعري في قوله:

تعبٌ   كلُّها   الحياةُ   فما أَعْـ        جَبُ إلا من راغبٍ في ازدِيادِ

وحضر الشيخ البسيوني, ولما انتهى المجلس التفت إليّ قائلاً: وأنت ما موضوعُك عن القرآن,

زوِّدني بالآيات التي تريد تناولها كي أناقشك فيما سوف تقول, فقلت :لقد قذفت في قلبي الرعبَ ياسيدي!

فأردف قائلاً: لابأس عليك, ولكن إياك أن تقرأ بحثك في الأسبوعين القادمين, فأنا على سفر, وسأعود إن شاء المولى لأستمع إليك وأناقشك.

وطويت نفسي يومئذٍ على تهيُّب جميل!

فما أصعب أن تلقي بحثاً يناقشك فيه رجل كالبسيوني بعلمه وقامته!

وما أجمل أن تلقي بحثاً يحثّك عليه ويشرِّفُكَ بحضوره رجل كالبسيوني بفضله ونبله!



ورحت أهيئ نفسي, وأعد العُدَّةَ ليوم اللقاء, ولكن هيهات..!

 لم يكن ثمة يوم ولا لقاء, بل كان يومٌ.. ولالقاء! وكان مجلس.. بلا إشراق! مجلس خيم عليه الحزن..وغشيته الكآبة..وحُفَّ بلوعة الفراق..

فقد نعى الناعي أبا تميم.. وانهدَّ من جبال العلم جبل ..وثلمت في الإسلام ثلمة..!

بانَ الخليطُ  برامَتَين  فودَّعوا        أو  كُلَّما  جَدُّوا  لبَينٍ  تَجزَعُ

كيفَ العَزاءُ ولم أجِد مُذ بِنتُمُ        قَلباً  يَقرُّ   ولا   شَراباً   ينقَعُ

ثم لما عدنا إلى الرشد تبين لنا أن الشيخ كان يودعنا, فقد تحقق حدسه حين ودعنا غِبَّ انتهائه من قراءة المرثية,

ثم راح يحثُّ الخطا نحو أرض الكنانة ليودع الأهل والأحباب هناك, حيث كان على موعد مع الأجل المحتوم, مع قضاء اللهَ الذي لا رادّ له.

فرحم اللهَ روحك أيها الشيخ الجليل.. وغفر لك .. وأتمَّ نعمته عليك بصحبة النبيّين والصديقين

والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً يوم الدين .. والحمد اللهَ رب العالمين .

{ إنَّ الذينَ قالُوا ربُّنا اللهَ ثمَّ استقامُوا تتنزَّلُ عليهمُ الملائكةُ ألا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنَّةِ التي كنتُم توعدونَ }.

قصة المجادلة.. قطوف تربوية

عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: "وَاللَّهِ، فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ. قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ فَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم -  مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ. قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  يَقُولُ: يَا خُوَيْلَةُ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ فَتَغَشَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ. فَقَالَ لِي: يَا خُوَيْلَةُ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) (المجادلة 1) إِلَى قَوْلِهِ وللكافرين عذاب أليم (4) (المجادلة)، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَتْ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ. قَالَ: فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَتْ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ. قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا ذَاكَ عِنْدَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قَال: قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا. قَالَتْ فَفَعَلْتُ". قَالَ سَعْدٌ: "الْعَرَقُ: الصَّنُّ". (1).



وردت هذه القصة، في مطلع سورة (المجادلة).

وفي هذه السورة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة؛ وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه.

هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية؛ فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة، فنشهد السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغير فقيرة مغمورة، لتقرر حكم الله في قضيتها". (2).

وبتدبر آيات القصة يمكننا أن نضع أيدينا على بعض السمات أو الركائز؛ التي تجعل من خولة - رضي الله عنها -، شاهدة صادقة وموثقة على عصرها؛ ولتكون خير دليل، وبرهان عملي على مكانة المرأة في هذا المجتمع الرباني.



السمة الأولى: قدرتها على إدارة الأزمة:

لقد أوضحت خولة بنت ثعلبة - رضي الله عنها -، أن سبب المشكلة، وبداية القضية؛ أنها راجعت زوجها أوس بن الصامت أخا عبادة ابن الصامت - رضي الله عنهما - في شيء مما أثار غضبه، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي؛ أي محرمة عليّ، وهو من الطلاق في الجاهلية.

ثم بعد ذلك أراد زوجها - رضي الله عنه - أن يباشرها فأبت، وخرجت قاصدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شكواها، ورفع القضية إليه.

وقد ورد أن أوساً كان "امرءاً به لمم فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته وإذا ذهب لم يقل شيئاً". (3).

وسنرى كيف تصرفت خولة - رضي الله عنها - تصرفاً راقياً حيال هذه المشكلة.



السمة الثانية: فقهها لأدب الاختلاف:

وعندما نورد هذا المثال إنما نورده، لنفتح باباً في التربية، وهو أنه إذا كان هؤلاء بشراً يخطئون، ويتشاحنون، ويختلفون، ولكن كان يظلل هذا الخلاف ضوابط معينة؛ لم تك تغيب عن امرأة من ذلك الجيل القرآني العظيم.

"وليس هذا من باب الطعن بالسلف بحالٍ من الأحوال، ونعلم أن الله - سبحانه - يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون 16. (الأحقاف) "نعم إنه ليس الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا". (4).

وندرك أيضاً أن الاختلاف بين البشر سنة ثابتة ومطردة، من سنن الله - عز وجل - الإلهية. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين 118 إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين 119. (هود)

إذن لا يحق لنا أن نذهل أمام المشكلات والخلافات؛ التي تقع سواء على محيط الأفراد، أو على محيط الأسرة الواحدة، أو على محيط المؤسسات.

ولكن الخطورة هي أن ينقلب هذا الخلاف الظاهري إلى خلاف باطني مذموم، بل ومحرم: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(5).

والعجيب أننا لا نعي ولا نستفيد مما وصل إليه الإداريون التربويون، في هذا الجانب؛ لقد وصلوا إلى خلاصة تعتبر قاعدة تربوية دعوية، نحن أحق بأن نعيها، وهو أن الخطأ يعتبر ظاهرة صحية في حق الجماعات، وليس الأفراد فقط؛ لأنه طريق التجربة والرصد والمعرفة ثم النماء إلى ما هو أفضل، "فالقائد يدرك أن للجماعة الحق في أن تُخطئ، وأنها لا تنمو إلا إذا تعلمت كيف تتحمل المسؤولية كاملة لِمَا تُصدره من قرارات وما تحسمه من أمور"(6).

ومن هنا يتبين لنا ألا نذهل، ولا يصيبنا الإحباط إذا رأينا بعض الخلافات الداخلية، وننظر إليها برؤية المنهج، الذي جاء ليرقى بالبشر، من حيث هم، ولم يعاملهم كملائكة مبرؤون من النواقص.



السمة الثالثة: الورع والخوف من الله:

لقد كان موقف خولة - رضي الله عنها - عظيماً وفريداً، عندما حكت عن زوجها عندما خرج وعاد؛ فقالت: "ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي قَالَتْ: فَقُلْتُ كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ، لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ؛ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ً".

فتدبر أحداث تلك الواقعة، والملابسات التي حدثت بين زوجين داخل بيتهما، وسلوكها الراقي الورع الذي استوعب أخطاء الزوج، من أجل عدم الوقوع فيما يغضب الحق - سبحانه -.

وتذكر كيف فقهت أن طاعة الزوج لها حدود؛ وهي طاعة مبصرة في غير معصية لله - عز وجل -؟.

ثم سرعة تصرفها وحكمتها في وجوب الإسراع في حل تلك المشكلة العائلية، من أجل المحافظة على كيان الأسرة.

وهذا ما يشعرنا بالمستوى الراقي من الأخلاق والورع، الذي ربيت عليه المرأة في هذا المجتمع الرباني الفريد.



السمة الرابعة: فقهها للمرجعية:

لقد حملت خولة - رضي الله عنها - شكواها إلى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -.

فلم تذهب لغيره - صلى الله عليه وسلم -، حتى وإن كانت عائشة رضوان الله عليها، وتدبر كيف أن خولة - رضي الله عنها - أتت إلى بيتها وانفردت به ص ولم تشرك أحداً في حل قضيتها.

عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ. لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) إِلَى آخِرِ الآيَةِ"(7).

وهذا يضع أيدينا على سمة أخرى، نستشعرها من هذا التصرف.

لقد كانت مثل أي فرد داخل هذا المجتمع تقر وتعلم أن لها قيادة ومرجعية تنظيمية يرجع إليها.

ويوضح هذا الملمح أيضاً أهمية وجود روح الانضباط التنظيمي، داخل الأمة، ووجوب تنميتها، خاصة بين أفراد كل جماعة تتبنى المشروع الحضاري الإسلامي، وركن ذلك أن يعي كل فرد أن له قيادة ومرجعية يعود إليها.



السمة الخامسة: شجاعتها الأدبية وقدرتها على الحوار:

لقد ورد عن خولة - رضي الله عنها -، أنها كانت تتمتع بقدرة فائقة، على الحوار؛ حيث عرضت قضيتها بشجاعة وثقة ولباقة.

وتدبر كيف بدأت شكواها، هي تقول:

"يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك". (8)

ثم في حوارها وجدالها في رأي الحبيب - صلى الله عليه وسلم -:

"فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال لها: "حرمتِ عليه" فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني، فقال: "حرمت عليه"، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية.

وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما أوحى إلي في هذا شيء" فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟!. فقال: "هو ما قلت لك" فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله(المجادلة: 1)(9).

وكذلك في حوارها وجدالها في الحل الرباني الذي جاءت به الآيات:

بل إنها كانت طوال حياتها على هذه السمة المميزة لها.

فقد "مر بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلاً ووعظته وقالت:

يا عمر قد كنت تدعى عميراً، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له:

يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟

فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟ ". (10).



السمة السادسة: اعتزازها بكرامتها وإنسانيتها:

لقد ورد في أمر خولة - رضي الله عنها - أن أمها معاذة التي أنزل الله فيها: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا(النور: 33) وهي الأمة التي كان عبد الله بن أبي بن سلول يكرهها على البغاء والزنى والفجور، فأبت ذلك ونزلت فيها هذه الآية. (11).

ونستشعر من ذلك؛ ملمحاً تربوياً طيباً؛ وهو أن خولة - رضي الله عنها - قد نشأت متأثرة تأثراً بالغاً بأمها معاذة التي كانت مجرد أمة مملوكة؛ ولكنها لم تك إمعة أو سهلة أمام سيدها الذي أكرهها على الفسق فرفضت وكان لها موقفاً، زكاه الله - عز وجل - من فوق سبع سماوات.

ولو تدبرنا محور الآيات التي نزلت في خولة وأمها - رضوان الله عليهما -؛ نجدها تدور حول قوة الشخصية، والاعتزاز بالرأي طالما كان على الحق.



السمة السابعة: احترام خصوصية الزوج:

وهناك ملمح تربوي عظيم نستشعره من الحديث الشريف الذي ورد عن عَائِشَةَ - رضي الله عنها -، قَالَت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها... إلى آخر الآية". (12)

فعائشة - رضي الله عنها - وهي من هي لم تشأ أن يدفعها الفضول لترى أو تتسمع ما يحدث في بيتها بين زوجها - صلى الله عليه وسلم -، وبين أحد الضيوف؛ خاصة عندما يكون امرأة.

وهو الملمح الذي يبين مدى سعة أفق هذا الجيل الرباني، ومدى السمو في العلاقات الزوجية، ومدى الثقة التي كانت بين الزوجين.

وكذلك مدى النضج في تربية المرأة وأخلاقياتها، في احترام خصوصية الزوج، وعدم الفضول في هتك أسراره، والتدخل في علاقاته الخاصة.



السمة الثامنة: الثقة في القيادة الواعية:

عندما حملت خولة - رضي الله عنها - شكواها إلى الحبيب - صلى الله عليه وسلم - أخذ الأمر بجدية وحقق في الأمر.

وتصرفه - صلى الله عليه وسلم - إنما يدل على أمور عظيمة، تضع الضوابط المطلوب توافرها في كل قيادة راشدة.

تلك الصفات هي التي جعلت كل فرد يرجع إليها في كل شيء، حتى ولو كانت مشكلة داخلية عائلية، لا يدري بها أحد.

ومن هذه الصفات:

(أ) الشعور بالمسؤولية: لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان على الرغم من مشاغله كحاكم مسؤول عن دولة عظيمة مترامية الأطراف، كان عنده الوقت ليفصل في الأمور الحياتية العادية بين الأفراد.

(ب) التواضع: لأنه - صلى الله عليه وسلم - وهو من هو لم يدّع الدراية بكل شيء، بل قال رأيه، وسمح لخولة - رضي الله عنها - أن تحاوره.

(ج) الحيادية والتروي والعدل: وذلك عندما نرى أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال لخولة - رضي الله عنها - مذكراً إياها بحساسية القضية، فرد غيبة زوجها: "يَا خُوَيْلَةُ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ فيه".

وكم من أُخذ بجريرة الوشايات، ولم يُستمع إلى رأيه؟!.

(د) الرفق بالرعية: خاصة إذا كان المقصود فرداً غائباً، وتدبر نصيحته - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا".

(ه) الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: وهذا هو حجر الزاوية؛ أو هي القاعدة التي تقوم عليها كل الصفات.

وهو ما يتضح من توجه خولة - رضي الله عنها - بشكواها لثقتها أنه سينصرها ويأتي لها بحقها لأن الكل عنده سواسية.



يزيد بن عبد الملك بن مروان

يزيد بن عبد الملك بن مروان
يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو خالد الأموي الدمشقي ولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما ولى يزيد قال سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب وقال ابن الماجشون لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد والله ما عمر بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك وقال سليم بن بشير كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين أحتضر سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لملبي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك وتقضي إلى من لا يعذرك والسلام وفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافه فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك ابن مروان فهزم يزيد وقتل وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء قال الكلبي نشأت وهم يقولون ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة وممن مات في خلافته من الأعلام الضحاك بن مزاحم وعدي بن أرطاة وأبو المتوكل الناجي وعطاء بن يسار ومجاهد ويحيى بن وثاب مقرىء الكوفة وخالد بن معدان والشعبي عالم العراق وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وأبو قلابة الجرمي وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وآخرون

يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد


يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر أنا ابن كسرى وأبي مروان وقيصر جدي وجدي خاقان قال الثعالبي أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه ولما قتل يزيد الوليد قام خطيبا فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا طمعا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضبالله ولدينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حين درست معالم الهدى وطفى نور أهل التقوى وظهر الجبار المستحل الحرمة والراكب البدعة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم واشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه فأستخرت الله في امري ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي فأراح الله منه البلادوالعباد ولاية من الله ولاحول ولا قوة إلا بالله أيها الناس إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي بليه حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم وإن ملت فلا بيعة لي عليكم وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته وأستغفر الله لي ولكم وقال عثمان بن أبي العاتكة أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد خرج يومئذ بين من صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى وعن أبي عثمان الليثي قال يزيد الناقص يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا وقال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي رحمه الله يقول لما ولى يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان ولم يمتنع يزيد بالخلافة بل مات من عامه في سابع ذي الحجة فكانت خلافته ستة اشهر ناقصة وكان عمره خمسا وثلاثين سنة وقيل ستا وأربعين سنة ويقال إنه مات بالطاعون

زياد علي

زياد علي محمد