الاثنين، 2 سبتمبر 2019

سالم مولى أبي حذيفة

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :








أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::سالم مولى أبي حذيفة :::
:::الكـاتب :  إبراهيم بن صالح العجلان:::
الخطبة الأولى

معاشر المسلمين: تحيا القلوبُ بذِكْر الصالحين، وتهفو النفوس لمعرفة حياتهم، وتُصغي الآذان لسماع أخبارهم، لا سيَّما إذا كان أولئك هم أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين اصطفاهم اللهُ لصحبة نبيِّه، واختارهم لتبليغ رسالتِه.

نَقِف مع أخبار القوم، ونقترب من سِيَرهم، ونحيي ذِكْرَهم في زمن نُمطَر فيه بوابلٍ من المسْخ الأخلاقي، والتبعية الفِكريَّة، حتى ضاعتْ معاني القدوة الحسنة بيْن شبابنا وناشئينا، ما بيْن مشرِّق ومغرِّب.

نحن اليوم مع رجلٍ من رِجالات المدرسة المحمدية، رجل أعجبَ أهل زمانه بصلاحه وتقواه، هو أحدُ السابقين الأوَّلين، ومن البدريِّين المقربين، ازدحمتْ حوله الفضائل، وتجمَّعت عنده الشمائل، قال عنه الفاروقُ البصير بمعادن الرِّجال: لو كان حيًّا لاستخلفتُه، ولَمَا جعلتُها شورى!.

نحن مع أبي عبدالله، سالمٍ مولى أبي حُذيفة.

لعلَّه يزداد عجبك - أخي المبارك - إذا عرفتَ أن هذا الرجل، الذي أهَّله الفاروق لقيادة الأمَّة، قد نشأ أوَّل ما نشأ مملوكًا رقيقًا، في بيت أبي حذيفة بن عُتْبة بن ربيعة، أحدِ شباب قريش وأشرافهم، نشأَ هذا الغلامُ الرقيق في هذا البيت القرشي، فأحبُّوه حبًّا جمًّا، فلم يقترب سالم من سن الحُلم إلا وقد أصبح حرًّا، فأعتقه أبو حذيفة، وأعْلن تبنِّيَه له، وانتسابه إليه، فأصبح يُسمَّى بين الناس بسالم بن حُذيفة، على عادة العرب في جاهليتها.

في تلك الأثناء، انبثقتْ من بطحاء مكَّة أنوارُ النبوة المحمدية، فبعث الله نبيَّه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، فكان أبو حذيفة وابنه سالم مِن أوائل من شرح الله صدرَهم للإسلام، وأنار بصائرَهم بالإيمان.

ازدادتْ علاقة سالم بأبي حُذَيفة بعدَ الإسلام، وعظمت المودَّة بينهما، فكانَا أشدَّ التصاقًا، وأكثرَ اتفاقًا، حتى لكأنَّهما رُوحانِ في جسدٍ واحد، نشأ سالم في هذا المجتمع الجديد، الذي لا طبقيةَ فيه ولا تمايز، فلم يكن لحَسَبه بين إخوانه أيُّ اعتبار؛ لأنَّ حقيقة الميزان عندَ أهل ذلك الزمان: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات: 13].

وظلَّ سالم يُسمَّى بيْن الصحابة بسالِم بن حذيفة، حتى نزَل قول الحق- تبارك وتعالى-: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)[الأحزاب: 5]، فطَفِق المسلمون يَبحثون عن أنسابِ مَن تبنَّوْهم، ويردونهم إلى آبائهم، لكنَّ أبا حذيفة لم يهتدِ إلى والد سالم، مع كثرة بحْثه وسؤاله، فأطلق عليه الناسُ بعد ذلك (سالم مولى أبي حذيفة)، وظلَّ يُعرَف بهذا اللقب في حياته وبعدَ مماته.

عباد الله: أن يُوصَف رجل بالصلاح، فهذا ليس بمستغرَب، ولكن أن يَصِف أهلُ جيل مشهودٌ لهم بالصلاح رجلاً منهم بالصلاح، فهذه هي المنْقَبة التي تُسطَّر وتُدوَّن في المآثِر والفضائل؛ ولذا اشتهر بيْن الصحابة أنَّ سالمًا من الصالحين، كان سالم مولى أبي حذيفة من الزُّمرة المؤمنة، الذين أوذوا بسبب دِينهم، فصَبَر وصابر في سبيل مرضاةِ ربِّه، فعاش حياةَ الاضطهاد والابتلاء، التي ذاقَها السابقون الأوَّلون سنواتٍ عدةً، حتى أَذِن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه الكرام بالهِجرة إلى طَيْبة الطيبة، فكان سالم في طليعة هذه الكَوْكبة المؤمِنة الصادقة، الذين شرَّفهم ربُّهم وزكاهم بقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[الحشر: 8].

إخوة الإيمان: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله لَيرفعُ بهذا القرآن أقوامًا ويَضَع آخرين))، فكان سالمٌ - رضي الله عنه - من أولئك الرِّجال الذين أعْلى القرآن شأنَهم، وأبْقى في الغابرين أثرَهم، لقد ملأ القرآنُ على سالمٍ قلْبَه، فكان لهَّاجًا بالذِّكر الحكيم، عاملاً به، يتخلَّق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويُعظِّم أمر ربِّه فيه، لقد أكبَّ سالم على كلام ربه، وفرغ له نفسَه ووقته؛ ليأخذه غضًّا طريًّا من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتقنه ومَهَر فيه، فكان - رضي الله عنه - من المقدَّمين الممكَّنين في تلاوته وتحبيره، فتوسَّم بعدَ ذلك شهادةً عُليا في إتْقان القرآن الكريم، شهادة مِن مَن؟ ممن لا ينطق عن الهوى، من النبي المصطفى، الذي كان يوصي أصحابه بقوله: ((استقرئوا القرآن من أربعة: من عبدالله بن مسعود، وسالم موْلى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبَل))، فكان سالم بعد ذلك محطَّ أنظار الصحابة وتقديرهم وإجلالهم، ومع المهرة في أداء القرآن وإتقانه، رَزَق الله سالمًا صوتًا عذبًا حسنًا، تطرب له الأسماع، وتخشع له النفوس.

ها هي أُمُّنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تصغي سمعَها لرجلٍ يُرتِّل الآيات، فاستعذبتْ صوته، فمكثتْ مليًّا تستمع لجميل تلاوته وحسن أدائه، وهي لا تعرفه، فاستبطأها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فلما جاءتْ سألها، فقالت: إنَّ في المسجد لأحسنَ مَن سمعت صوتًا بالقرآن، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرفَ من هو، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ملأه السُّرورُ والرِّضا عن صاحبه: ((الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثلك)).

عباد الله: وإذا رُزق العبد متانةً في الأداء، وحسنًا في الصوت، كان أهلاً أن يقدَّم لإمامة الناس؛ ولذا كان سالم مولى أبي حذيفة هو المقدَّمَ لإمامة المسلمين في المدينة قبلَ هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أَمَّهم في مسجد قُباءٍ، وفي النَّاس كِبارُ الصحابة وسابقوهم وقراؤهم، منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -.

ومِن ملامح شخصية سالم - رضي الله عنه -: أنَّه كان قوَّالاً بالحق، صدَّاعًا بالإنكار، إذا عرَف الحق لم يتردد أن يقوله، وإذا رأى باطلاً لم يسعْه أن يسكتَ عليه، ومِن المواقف الدالة على صلابته وقوَّته: قصة خالد بن الوليد مع بني جذيمة، حين قتل رجالاً منهم متأوِّلاً، فراجعه عبدالله بن عمر فَنَهَمه خالد فسكت ابنُ عمر، فتقدَّم سالم وأنكر على خالد، وعاتبَه حتى احتدَّ النقاش بينهما، وبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صنيعُ خالد مع بني جَذِيمة، فقال: اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم سأل: ((هل أنْكر عليه أحد؟))، فقالوا: نعم، فأُخبِر بخبر ابن عمر وسالم، فسكن غضبُ النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن ملامح شخصية سالم - رضي الله عنه -: أنَّه كان عظيمَ الخلق، سَمْح النَّفْس، سهل المعاملة، هينًا لينًا، لكنه كان يحمل بين جنبيه شجاعةً وإقدامًا، تجبُن دونها شجاعةُ الشُّجعان، حتى إنَّه ليصدق فيه قول القائل:

تَرَى الرُّجَلَ النَّحِيلَ فَتَزْدَرِيهِ *** وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ

كان - رضي الله عنه - مسعرًا مغوارًا، إذا اشتدَّ ضراب الحرب، أرخص نفسَه لا يريد بقاءَها.

أَخُو الحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا *** وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحَرْبُ شَمَّرَا

سلْ بدرًا وأُحدًا، والخندق وحُنينًا عن فرسانها، تُجِبْك أنَّ سالمًا أحدُ أبطالها وشجعانها.

يُحاصَر النبي - صلى الله عليه وسلم - يومَ أحد، وتطوِّقه غاشيةٌ من المشركين، فأصبح هدفًا لسيوفهم وسهامهم، ورماحهم وحجارتهم، فكُسرت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ وجهه، وغارتْ حلقة المِغْفر في وَجْنته، فكان سالم لصيقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقِف العصيب، يَفديه برُوحه، ويقاتل دونَه قتالَ الأسود الضارية، حتى إذا جَلَس النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ذلك وقد أرهقه التعب، كان سالم مولى أبي حذيفة، هو الذي يَغْسِل وجهه الشريف بالماء، ويمْسح الدم عنه.

شهد - رضي الله عنه - المشاهد كلَّها، فما تخلَّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها، فهو مِن أهل بدر، الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم))، وهو من أهل بيعة الرضوان، الذين قال الله عنهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)[الفتح: 18]، هو هو هو.

إخوة الإيمان: وانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فنجم الكُفر، وظهرتِ الردة، فكان لها أبو بكر - رضي الله عن أبي بكر - فعَقَد الصديق ألويةَ الجهاد لقتالهم وكسْرهم، وكان أقوى الألوية التي عبَّأها لواء خالد بن الوليد سيفِ الله المسلول، فسيَّره الصديق لقتال أعْتى وأقوى المرتدين، إلى جِهة مسيلِمة الكذَّاب، فكانت موقعة اليمامة، من أشرسِ المعارك التي خاضَها خالد بن الوليد والمسلمون معه.

قسَّم ابن الوليد جيشَه ورتَّبه، واعتمد على أهل بدر والسابقين الأوَّلين، فأعطى راية الأنصار لثابت بن قيس، وأعطى راية المهاجرين لسالم مولى أبي حذيفة.

دارتْ رحى الحرب، وحمي وطيسُها، وكان الغلبة في أوَّل المعركة للمرتدين، فكَسروا قلْب الجيش الإسلامي، ووَصلوا إلى خَيْمة خالد بن الوليد ثلاثَ مرات. قال ابن كثير: قاتلتْ بنو حنيفة قتالاً لم يُعهَد مثله.

عندها صرخ عبقريُّ المعارك خالد بن الوليد في الناس، ونادَى: امتازوا أيها الناس؛ لنعلم بلاءَ كلِّ حي، ولنعلم مِن أين نؤتى، فأشعلتْ كلماته حماسَ الصحابة، فجعلوا يتواصَوْن ويقولون:

يا أصحاب سورة البقرة، بطل السِّحر اليوم، وكان أبو حذيفة يُنادي: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفِعال، أما سالم موْلى أبي حُذيفة، فقد كان ثابتًا ممسكًا بالراية لم يتزحزحْ عنها، فقال له المهاجرون: يا سالم، إنَّا نخاف أن نؤتى من قِبلك، فقال سالم: بئس حاملُ القرآن أنا، إن أُتيتم من قبلي.

ومع شراسة الحرب وبسالة العدو، انكشف بعض المسلمين عن أماكنهم، فنادى سالم: ما هكذا كنَّا نفعل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثبت - رضي الله عنه - ثباتَ الأبطال، وقاتل قتالاً مشهودًا، حتى بُتِرتْ يمينه، فحمل اللواء بشماله، فقُطِعتْ شماله، فأخذ الراية بعضديه، وهو يقرأ القرآن: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) عندها، سقَط البطلُ الهُمام، مضرجًا بدمائه، يعالج آلامَه، ويلفظ أنفاسَه.

وضعت الحربُ أوزارها، وهُزِم جيش المرتدين، وقُتل مسيلِمة الكذاب، فوقف خالد بن الوليد على رأس سالم يُبشِّره برحمة الله وفضله وأجره، وكان سالم - رضي الله عنه - في رمقِه الأخير فسأل. ! فماذا عساه أن يسأل؟

ماذا عساه أن يسأل في لحظةِ الوداع والفراق؟!

لقد سأل عن صاحبه ورفيقِ عمره أبي حذيفة، فأخبره خالدٌ أنه مضَى إلى ربِّه شهيدًا، فقال: أضْجعوني إلى جانبه، ثم فاضتْ رُوحه إلى باريها.

وهكذا فارق الأخوانِ حياتهم لصيقَيْن، بعد أن عاشَا وكانَا لصيقين، وهكذا خُتِمت صفحة من حياة سالم مولى أبي حذيفة، وفي عقرباء ثُوي جثمانُ سالم، ثُوي جثمانُ حامل القرآن، بعدَ حياة مليئة بالتُّقى والصلاح، والجهاد والإيمان.

فسلامٌ على سالمٍ في الصالحين، سلامٌ على سالم في الغابرين، نعم لقد رَحَل سالم، ولكن لم يرحلِ اسمُه من التاريخ؛ بل بقِي محفورًا في ذاكرة الأمَّة، وستبقى الأمَّة إلى آخرها تذكر قول نبيِّها - صلى الله عليه وسلم - عن سالم: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك)).

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، أما بعد:

فيا إخوةَ الإيمان، ونحن نتكلَّم ونستذكر حياةَ ذلك الجيل، نعلم وايمُ الله، إنَّنا لن نبلغ معشارَ منزلة القوم، لا في العِلم ولا في العمل، ولو أنفَق أَحدٌ مثلَ أُحدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، ولكن حسبنا وسلوانا محبتُهم والتأسي بهم، ونرجو من الكريم المنان أن نلحق بهم ولَمَّا ندرك عملهم، وفي الحديث الصحيح: ((المرء مع من أحب))، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فما أحوجنا - عباد الله - أن نرتبط بسير سلفنا! ففيها صلاح للقلوب، وتهذيب للنفوس، وتَحلٍّ بالأخلاق، وتسوُّر للمكارم.

وتراجم الرجال هي مدارسُ للأجيال.

إِذَا أَعْجَبَتْكَ خِصَالُ امْرِئٍ *** فَكُنْهُ تَكُنْ مِثْلَ مَا يُعْجِبُكْ

فَلَيْسَ عَلَى الجُودِ وَالمَكْرُمَاتِ *** إِذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكْ

رحم الله بكراً صاحب القرطاس والقلم

رحم الله بكراً صاحب القرطاس والقلم


تلقى خبرَ وفاة الشيخ بكر بن عبد اللهَ أبو زيد، فخنقته العبرةُ وسقطت من عينه دمعةٌ.

سأله أحدُهم: هل كانت لك بالشيخ صلة؟

قال: لم أره قط، غير أنّ كتابته أرَتْنِيه عالماً محققاً، وبحّاثة مدققاً، من طالع بعضَها يقفُ على علم جم

صيغ بأسلوب فخم، لغة رفيعة عالية، وعبارة دقيقة محررة، مع تضمنها تقرير الحكم الشرعي لنوازل معضلة،

وقضايا معاصرة تمس الحاجةُ لبحثها، ولا سيما مِن قِبَل مثله ممن استوت عندهم آلةُ البحث والنظر،

وأنعم اللهَ عليهم بمنة الفهم وملكة الاستنباط، وسلامة المنهج.

فلله أي علاّمة فقدت المجامعُ واللجان والمحافل العلمية! لقد غيب تحت أطباق الثرى ليلة الأربعاء علَمٌ،

ودفن معه عِلْم جم، فأخلف اللهم الأمة خيراً، وأعذ الأمة من معضلات ولا مثل بكر لها.

لقد كان الشيخُ بكر رحمه اللهَ صاحب القرطاس المحرر والقلم السيال،

ضرب في التأليف والبحث بسهم لم يتأتَّ لكثير من الكبار الذين شغلوا بنحو ما شغل به من الأعباء.

فقد ولي الشيخ رحمه اللهَ القضاءَ في المدينة النبوية، والتدريسَ في مسجدها الشريف، والإمامةَ والخطابة فيه،



 ثم كان وكيلاً لوزارة العدل، وعضواً في اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية،

 ثم ممثلاً للمملكة في مجمع الفقه الإسلامي العالمي، الذي تعقده منظمة المؤتمر الإسلامي، فاختير رئيساً للمجمع العلمي الدولي.

كما كان الشيخ عضواً في كثير من المجامع واللجان والمؤتمرات المتخصصة في داخل المملكة وخارجها،

 وكل هذا لم يشغله عن التأليف، في قضايا معضلة معاصرة، وأخرى تمس حاجة الساحة إليها،

بل لم يشغله عن التحقيق وإخراج التراث في علوم ومعارف مختلفة.

أما النوازل الفقهية التي بحثها فما أكثرَها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

1- التقنين والإلزام: عرض ومناقشة.

2- المثامنة في العقار ونزع الملكية للمصلحة العامة.

3- أدب الهاتف.

4- حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية.

5- بطاقة التخفيض: حقيقتها التجارية وأحكامها الشرعية.

6- بطاقة الائتمان: حقيقتها البنكية التجارية وأحكامها الشرعية.

7- العلامة الشرعية لبداية الطواف.

8- فتوى جامعة في زكاة العقار.

9- المرابحة للآمر بالشراء.

10- طرق الإنجاب في الطب الحديث وحكمها الشرعي.

11- أجهزة الإنعاش وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والأطباء.

12- حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية.

13- خطاب الضمان.



وغيرها، وله في تأصيل بحث النوازل كتاب: (فقه النوازل).

وقد عُنِي الشيخ رحمه اللهَ بتأصيل العلوم، فمن ذلك كتابه المذكور في فقه النوازل، ومنه ذلك:

1- المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل.

2- وكتابه طبقات النسابين.

3- وحلية طالب العلم فقد تضمن تأصيلاً في منهجية الطلب.

4- وكتابه في التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل.

وهذا الكتاب له عليه تطبيقات عملية هي جملة من الأجزاء الحديثية تدل على تمكن من طرق التخريج،

 وعناية بعلم الحديث، وقد كانت هذه إحدى سمات بحثه؛ المعرفة بالدليل من الكتاب والسنة، والتعويل عليهما.

وللشيخ بحوث فقهية تدل على رسوخ قدمه في مضمار الفقهاء، أشير إلى بعضها عند ذكر ما ألفه في النوازل.

أما مؤلفاته في منهاج أهل السنة والخلاف بينهم، فنفيسة تدل على اعتدال ووسطية، مع أصالة ومعرفة بالواقع، ومن تلك المؤلفات:

1- تحريف النصوص من مأخذ أهل الأهواء في الاستدلال.

2- درء الفتنة عن أهل السنة.

3- حكم الانتماء.

4- تصنيف الناس بين الظن واليقين.

5- هجر المبتدع.

6- براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة.



وكل هذه الجهود لم تلهه رحمه اللهَ عن أعداء الدين الطاعنين في ثوابت الأمة،

 بل فوَّق سِهامَه فأصابت مؤلفاتُه نحورَ المستغربين والعلمانيين، فأخرج لهم:

1- الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان.

2- عيد اليوبيل.

3- حراسة الفضيلة.

4- المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية: تاريخها ومخاطرها.

وغير ذلك.



فمن توفيق اللهَ للشيخ أن قلمه لم يقصر على القضايا الفقهية المجردة، بل أبى إلا أن يكون حارساً للفضيلة،

 دارئاً للفتنة عن أهل السنة، مبطلاً لنظريات المبطلين، وله به جهود أخرى، فرحم الله صاحب

 القرطاس والقلم، وأخلف الأمة عوضاً عنه فُهوماً وعُلوماً، اللهم اغفر لعبدك بكر، وارفع درجته في المهديين،

 واخلفه في عَقِبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم افسح له في قبره،

 ونور له فيه، واجزه عن خدمة العلم أجزل ما جزيت به أهله العاملين.

أم سُلَيم بنت مِلْحان

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :








أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::أم سُلَيم بنت مِلْحان :::
:::الكـاتب : : محمد عادل فارس:::
من منّا لا يعرف الصحابي المحبوب أنس بن مالك، خادم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحد السبعة الذين أكثَروا من رواية الحديث النبوي، بل إنه الثالث بين هؤلاء الكرام، لم يسبقه في هذا الشرف إلا أبو هريرة وعبد الله بن عمر، - رضي الله عنهم -.

وحديثنا اليوم عن أم هذا الصحابي، وإحدى المبشرات بالجنة، فقد قال عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: (( دخلتُ الجنة فسمعتُ خَشْفةً بين يديَّ، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان)). والغميصاء، والرميصاء كذلك، لقَبان لأم سُليم، واسمها سهلة، وقيل رملة.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحيطها برعايته وإكرامه ويقول: (( إني أرحمها، قُتل أخوها معي))! رواه البخاري ومسلم، وأخوها هو حرام بن ملحان، الذي شهد بدراً وأحداً، واستشهد سنة 4هـ، يوم بئر معونة، ونلحظ في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- خُلُق الوفاء، ومَن أجدَرُ بالوفاء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فهو يحيطها بعطفه ورعايته؛ إكراماً لأخيها الذي استُشهد! كما نلحظ مقام الشهيد عند الله وعند رسوله، فالشهيد جدير بأن يكون حيّاً يرزق عند ربه، وأهله جديرون بالإكرام، فكرامته تشمل أهله جميعاً!.

وماذا نتحدث عن فضائل أم سليم الأنصارية، وكل صفحة من حياتها تستحق أن تفرد بالحديث؟. لذلك سنلتقط من حديقتها هذه الأزهار:

* ما إن رأت الإسلام ينشر عبيره في يثرب حتى وجدت فيه الحق والخير فأسلمت، وكان زوجها مالك بن النضر غائباً، فلما رجع ووجدها قد أسلمت غضب غضباً شديداً فلم تعبأ به، بل راحت تغرس الإيمان في نفس ولدها أنس فأسلم مثلها، وانطلق مالك بن النضر غاضباً يريد الشام فلقيه عدو له فقتله.

* وعندما قدِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة مهاجراً جاءته أم سليم بولدها أنس؛ ليخدمه، فدعا له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( اللهم أكثِرْ ماله وولده وبارك له فيما أعطيته)). رواه مسلم.

* وبعد أن شبّ ولدها جاءها أبو طلحة الأنصاري يخطِبها لنفسه، وكان لا يزال على الشرك، فوقفت منه موقف المؤمنة المستعلية بإيمانها، الداعية التي تحب أن تهدي العالمين..قالت: يا أبا طلحة ما مثلُك يُرَدّ، ولكنك امرؤ كافر... فما لبث أبو طلحة أن أسلم وحسُن إسلامه، فقبلت أم سليم به زوجاً، وكان مهرُها إسلامه، وفي هذا يقول التابعي ثابت ابن أسلم: ما سمعنا بمهرٍ قطّ كان أكرَمَ من مهر أم سليم: الإسلام!.

* وكانت أم سليم كريمة كزوجها أبي طلحة، فكانت كل حين تُهدي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- التمر والرطب والسَّمن وأصناف الطعام، بل كانت كذلك تُعِدّ الطعام له ولأصحابه.

* وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزورها أحياناً، فتدركه الصلاة فيصلي عندها على حصير، وكان إذا مرّ قرب بيتها "دخل عليها، فسلَّّم عليها" كما في البخاري ومسلم.

* وكانت تحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتتبرَّك بآثاره، وإذا عرِق على فراش أو وسادة نشَّفت ذلك العرق وجعلته في قوارير عطرها فيزداد طيباً وأريجاً، وقد سألها النبي عن ذلك مرة فقال: (( ما تصنعين يا أم سُليم؟ فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبتِ)). رواه مسلم.

وكانت تتبرّك بشَعر النبي الشريف، فلما أراد أن يحلق رأسه بمِنى، أخذ أبو طلحة شِقّ شعره، فجاء به إلى أم سليم، فكانت تجعله في سُكَّتها (والسُّك نوع من الطيب) [انظر سير أعلام النبلاء].

* وقصة صبرها حين توفي صبي لها، مشهورة وثابتة، قد رواها البخاري ومسلم، وذلك أن ابنها كان مريضاً، وتوفي وأبو طلحة غائب، فلما عاد سأل عن الصبي، فقالت أم سُليم: هو أسكَنُ ما كان! فقرَّبت إلى العشاء، ثم أصاب منها، فلما فَرَغ قالت: وارُوا الصبي [أي ادفنوه، فقد توفي] فلما أصبح أبو طلحة جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما كان، فدعا: (( اللهم بارك لهما)) فولدت غلاماً فحنّكه النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمّاه عبد الله.

وروي أن عبد الله بن أبي طلحة كان من الصالحين، وقد رزقه الله سبعة بنين، كلهم قد قرأ القرآن.

* وكانت أم سُليم بعد هذا مجاهدة شجاعة:

روى مسلم عن أنس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء، ويداوين الجرحى.

وفي غزوة أحد خرج مع المسلمين أربع عشرة امرأة يحملن الطعام والشراب، ويسقين الجرحى ويداوينهم، وكان منهنّ فاطمة الزهراء، وعائشة الصدّيقة، وأم سُليم وأم عُمارة المازنية.

وفي غزوة خيبر كذلك كان لها ولعدد من الصحابيات مشاركة طيبة.

وفي يوم حُنين خرجت تبتغي الجهاد وهي يومئذ حامل بعبد الله، ومعها خنجر! وقد سألها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( ما تصنعين به يا أم سليم))؟ قال:أردت إن دنا أحد من المشركين مني بقرتُ بطنه!. [والحديث رواه مسلم].

لقد كان الجهاد والاستشهاد شرفاً يتسابق إليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا ينفرد به الرجال، بل تشارك به النساء، ألسنَ شقائق الرجال؟!. أليس للدين مكانة في قلوب الرجال والنساء تستحق أن تُفدى بالأموال والأنفس؟!

الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس - رحمه الله -

الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس- رحمه الله -









اسمه: عبد الحميد بن محمّد بن المصطفى بن مكّي ابن باديس.
مولده: سنة  1308ﻫ/1889م بقسنطينة.
مكانته العلمية: إمام مصلح مجدّد.
رحلاته العلمية: التحق بجامع الزيتونة بتونس، ثمّ ارتحل إلى أرض الحجاز مؤديا لفريضة الحج ومن ثَمَّ التقى بجماعة العلماء والمفكِّرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
من شيوخه:

-الشيخ "محمّد المَدَّاسي"، حفظ القرآن الكريم على يده.
-الشيخ "حَمدان لُونيسي"، أخذ عنه مبادئ العربية ومبادئ الإسلام.
- الشيخ "محمَّد النّخلي القَيْرَوَانِي" والشيخ: "محمَّد الطاهر بن عاشور".
المناصب التي تولاها:

- التدريس والخطابة.
- رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر.
من مؤلفاته:

- العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
- مبادئ الأصول.
وفاته: 8 ربيع الأوّل 1359 ﻫ / 16 أفريل 1940م ودفن بقسنطينة.

سلسلة مواقف ايمانية للصحابة ...ابو بكر الصديق و العبادة العدد5

روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ صَائِمًا"؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ"؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ شَهِدَ جَنَازَةً"؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِيْنًا"؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَجَبَتَّ لَهُ ـــ أَوْ غُفِرَ لَهُ ـــ"(*) .
وروت عائشة أنّ النّبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالنّاس"، فقالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمِع النّاسَ من البكاء، فَأمُرْ عمر فليصلّ بالنّاس، قال: "مروا أبا بكرٍ فليُصَلّ بالنّاس"، فقالت عائشة: فقلتُ لحفصة: قُولي له إنّ أبا بكرٍ إذا قام مقامك لم يُسمِع النّاسَ من البكاء فأمُرْ عمر فليصلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "إنّكُنّ لأنْتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس"، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيبَ منكِ خيرًا (*).
وروى الفُضيلُ بن عمرو الفُقيميّ قال: صلّى أبو بكر بالنّاس ثلاثًا في حياة النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم.
وروى الأرقم بن شُرَحْبيل، عن ابن عبّاس أن النّبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم لمّا جاء إلى أبي بكر وهو يصلّي بالنّاس في مرضه أخَذَ من حيثُ كان بَلَغَ أبو بكر من القراءة(*).
واعتمر أبو بكر في رجب سنة اثنتي عشرة، فدخل مكّة ضَحْوَةً فأتى منزله، وأبو قُحافة جالس على باب داره، معه فتيان أحداث يحدّثهم، إلى أن قيل له: هذا ابنك، فنهض قائمًا، وعَجِلَ أبو بكر أن يُنيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبتِ لا تقم، ثمّ لاقاه فالتزمه، وقبّل بين عينْي أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحًا بقدومه، وجاءَ إلى مَكّة عَتّاب بن أَسِيد، وسُهيل بن عمرو، وعِكْرمة بن أبي جَهل، والحارث بن هشام فسلّموا عليه: سلامٌ عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعًا، فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثمّ سلّموا على أبي قُحافة، فقال أبو قحافة: يا عتيقُ هؤلاء الملأ فأحسِنْ صُحْبَتهم، فقال أبو بكر: يا أبتِ لا حول ولا قوة إلاّ بالله! طُوّقتُ عظيمًا من الأمر لا قوّة لي به، ولا يَدَانِ إلاّ بالله، ثمّ دخل فاغتسل وخرج، وتبعه أصحابه فنحاهم، ثمّ قال: امْشوا على رِسْلكم، ولقيه النّاس يتمشّون في وجهه، ويُعزّونَه بنبيّ الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهو يبكي حتّى انتهى إلى البيت؛ فاضطبّع بردائه، ثمّ استلم الرّكن، ثمّ طاف سبعًا، وركع ركعتين، ثمّ انصرف إلى منزله، فلمّا كان الظهر خرج فطاف أيضًا بالبيت، ثمّ جلس قريبًا من دار الندوة، فقال: هل من أحدٍ يتشكّى من ظلامة، أو يطلب حقًا؟ فما أتاه أحدٌ، وأثنْى النّاس على واليهم خيرًا، ثمّ صلّى العصر وجلس فودّعه النّاس، ثمّ خرج راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان وقت الحج سنة اثنتي عشرة، حجّ أبو بكر بالنّاس تلك السنة وأفْرَدَ الحجّ.

رجال حول الرسول = عمير بن وهب - شيطان الجاهلية، وحواريّ الاسلام

عمير بن وهب - شيطان الجاهلية، وحواريّ الاسلام

في يوم بدر، كان واحدا من قادة قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الاسلام.
وكان حديد البصر، محكم التقدير، ومن ثم ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للقائهم، ولينظر ان كان لهم من وزرائهم كمين أو مدد..
وانطلق عمير بن وهب الجمحيّ وصال بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع يقول لقومه: " انهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أ، ينقصون" وكان حدسه صحيحا.
وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟؟ فأجابهم قائلا:
" لم أجد وراءهم شيءا.. ولكن يا معشر قريش، رأيت المطايا تحمل الموت الناقع.. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم..
" والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فاذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك..؟؟
" فانظروا رأيكم"..
وتأثر بقوله ورأيه نفر من زعماء قريش، وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون الى مكة بغير قتال، لولا أبي جهل الذي أفسد عليهم رأيهم، وأضرم في النفوس نار الحقد، ونار الحربو التي كان هو أول قتلاها..

**

كان أهل مكة يلقبونه بـ شيطان قريش..
ولقد أبلى شيطان قريش يوم بدر بلاء لم يغن قومه شيئا، فعادت قوات قريش الى مكة مهزومة مدحورة، وخلّف عمير بن وهب في المدينة بضعة منه.. اذ وقع ابنه في أيدي المسلمين أسيرا..
وذات يوم ضمّه مجلس ابن عمّه صفوان بن أميّة.. وكان صفوان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة، فان أباه أميّة بن خلف قد لقي مصرعه في بدر وسكنت عظامه القليب.
جلس صفوان وعمير يجترّان أحقادهما..
ولندع عروة بن الزبير ينقل الينا حديثهما الطويل:
" قال صفوان، وهو يذكر قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم من خير..!
وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا دين محمد عليّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم

الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله، فان لي عنده علة أعتلّ بها عليه: أٌقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير.
فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك.. أنا أقضيه عنك.. وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا..
فقال له عمير: اذن فاكتم شأني وشأنك ... "

ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة.
وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، اذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب، قد أناخ راحلته على باب المسجد، متوشحا سيفه، فقال:
هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشرّ..
فهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر..
ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فال:
يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه..
قال صلى الله عليه وسلم:
أدخله عليّ.." فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار، ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فانه غير مأمون. "
ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بحمّالة سيفه في عنقه فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر..
اذن يا عمير..
فدنا عمير وقال: انعموا صباحا، وهي تحيّة الجاهلية،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام.. تحية أهل الجنة.
فقال عمير: أما والله يا محمد ان كنت بها لحديث عهد.
قال لرسول: فما جاء بك يا عمير..؟؟
قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.
قال النبي: فما بال السيف في عنقك..؟؟
قال عمير: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا..؟!
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له..؟
قال: ما جئت الا لذلك.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت، لولا دين عليّ، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك..!!!

وعندئذ صاح عمير: أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أنك رسول الله.. هذا أمر لم يحضره الا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به الا الله، فالحمد لله الذي هداني للاسلام..
فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئه القرآن، وأطلقوا أسيره....!!

**

خكذا أسلم عمير بن وهب..
هكذا أسلم شيطان قريش، وغشيه من نور الرسول والاسلام ما غشيه فاذا هو في لحظة يتقلب الى حواريّ الاسلام..!!
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
" والذي نفسي بيده، لخنزير كان أحبّ اليّ من عمير حين طلع علينا..
ولهو اليوم أحبّ اليّ من بعض ولدي"..!!

**

جلس عمير يفكّر بعمق في سماحة هذا الدين، وفي عظمة هذا الرسول:
ثم تذكر بلاءه يوم بدر وقتاله.
وتذكر أيامه الخوالي في مكة وهو يكيد للاسلام ويحاربه قبل هجرة الرسول وصحبه الى المدينة.
ثم هاهو ذا يجيء اليوم متوشحا سيفه ليقتل به الرسول.
كل ذلك يمحوه في لحظة من الزمان قوله: " لا اله الا الله، محمد رسول الله"..!!
أيّة سماحة، وأي صفاء، وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم..!!
أهكذا في لحظة يمحو الاسلام كل خطاياه السالفة، وينسى المسلمون كل جرائره وعداواته السابقة، ويفتحون له قلوبهم، ويأخذونه بالأحضان..؟!
أهكذا والسيف الذي جاء معقودا على شرّ طوية وشرّ جريمة، لا يزال يلمع أمام أبصارهم، ينسي ذلك كله، ولا يذكر الآن الا أن عميرا باسلامه، قد أصبح احدا من المسلمين ومن أصحاب الرسول، له ما لهم.. وعليه ما عليهم..؟!!!
أهكذا وهو الذي ودّ عمر بن الخطاب منذ لحظتين أن يقتله، يصبح أحب الى عمر من ولده وبنيه..؟؟؟!!!
اذا كانت لحظة واحدة من الصدق، تلك التي أعلن فيها عمر اسلامه، تحظى من الاسلام بكل هذا التقدير والتكريم والمثوبة والاجلال، فان الاسلام اذن لهو دين عظيم..!!

**

وفي لحظات عرف عمير واجبه تجاه هذا الدين.. أن يخدمه بقدر ما حاربه، وان يدعو اليه، بقدر ما دعا ضدّه.. وأن يري الله ورسوله ما يحب الله ورسوله من صدق، وجهاد وطاعة.. وهكذا أقبل على رسول الله ذات يوم، قائلا:
" يا رسول الله: انب كنت جاهدا على اطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله

عز وجل، واني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم الى الله تعالى، والى رسوله، والى الاسلام، لعلّ الله يهيدهم، والا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم"..

في تلك الأيام، ومنذ فارق عمير مكة متوجها الى المدينة كان صفوان بن أمية الذي اغرى عميرا بالخروج لقتل الرسول، يمشي في شوارع مكة مختالا، ويغشي مجالسها وندواتها فرحا محبورا..!
وكلما سأله قومه واخوته عن شسر فرحته ونشوته، وعظام أبيه لا تزال ساخنة في حظائر بدر، يفرك كفّيه في غرور يقول للناس: " أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر"..!
وكان يخرج الى مسارف مكة كل صباح يسأل القوافل والركبان: " ألم يحدث بالمدينةأمر".
وكانوا يجيبونه بما لا يحب ويرضى، فما منهم من أحد سمع أو رأى في المدينة حدثا ذا بال.
ولم ييأس صفوان.. بل ظلّ مثابرا على مساءلة الركبان، حتى لقي بعضهم يوما فسأله: " ألم يحدث بالمدينةأمر"..؟؟
فأجابه المسافر: بلى حدث أمر عظيم..!!
وتهللت أسارير صفوان وفاضت نفسه بكل ما في الدنيا من بهجة وفرح..
وعاد يسأل الرجل في عجلة المشتاق: " ماذا حدث اقصص عليّ".. وأجابه الرجل: لقد أسلم عمير بن وهب، وهو هناك يتفقه في الدين، ويتعلم القرآن"..!!
ودرات الأرض بصفوان.. والوقعة التي كان يبشر بها قومه، والتي كان ينتظهرا لتنسيه وقعة بدر جاءته اليوم في هذا النبأ الصاعق لتجعله حطاما..!!

**

وذات يوم بلغ المسافر داره.. وعاد عمير الى مكة شاهرا سيفه، متحفزا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية..
وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردّه الى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ثم مضى لسبيله..
دخل عمير بن وهب مكة مسلما، وهو الذي فارقها من أيام مشركا، دخلها وفي روعة صورة عمر بن الخطاب يوم أسلم، ثم صاح فور اسلامه قائلا:
" والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر، الا جلست فيه بالايمان".

ولكأنما اتخذ عمير من هذه

الكلمات شعارا، ومن ذلك الموقف قدوة، فقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه.. ولقد كان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى..
وهكذا راح يعوّض ما فاته.. ويسابق الزمن الى غايته، فيبشر بالاسلام ليلا ونهارا.. علانية واجهارا..
في قلبه ايمانه يفيض عليه أمنا، وهدى ونورا..
وعلى لسانه كلمات حق، يدعو بها الى العدل والاحسان والمعروف والخير..
وفي يمينه سيف يرهب به قطاع الطق الذين يصدّون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا.
وفي بضعة أسابيع كان الذين هدوا الى الاسلام على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال.
وخرج عمير بهم الى المدينة في موكب طويل مشرق.
وكانت الصحراء التي يجتازونها في سفرهم لا تكتم دهشتها وعجبها من هذا الرجل الذي مرّ من قريب حاملا سيفه، حاثّا خطاه الى المدينة ليقتل الرسول، ثم عبرها مرّة أخرى راجعا من المدينة بغير الوجه الذي ذهب به يرتل القرآن من فوق ظهر ناقته المحبورة.. ثم ها هو ذا يجتازها مرة ثالثة على رأس موكب كبير من المؤمنين يملؤون رحابها تهليلا وتكبيرا..

**

أجل لنه لنبأ عظيم.. نبأ شيطان قريش الذي أحالته هداية الله الى حواريّ باسل من حوارييّ الاسلام، والذي ظلّ زاقفا الى جوار رسول الله في الغزوات والمشاهد، وظلّ ولاؤه لدين الله راسخا بعد رحيل الرسول عن الدنيا.
وفي يوم فتح مكة لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان بن أمية فراح اليه يناشده الاسلام ويدعوه اليه بعد أن لم يبق شك في صدق الرسول، وصدق الرسالة..
بيد أن صفوان كان قد شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن..
واشتدّ اشفاق عمير على صفوان، وصمم على أن يستردّه من يد الشيطان بكل وسيلة.
وذهب مسرعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:
" يا نبيّ الله ان صفوان بن أميّة سيّد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمّنه صلى الله عليك،
فقال النبي: هو آمن.
قال رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة"..

ولندع عروة بن الزبير يكمل لنا الحديث:
" فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن

يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي.. الله الله في نفسك أن تهلكها.. هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به..
قال له صفوان: ويحك، اغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان..فداك أبي وأمي، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس، وأبرّ الناس، وأحلم الناس، وخير الانس.. عزّه عزّك، وشرفه شرفك..
قال: اني أخاف على نفسي..
قال: هوأحلم من ذاك وأكرم..
فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فقال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم: ان هذا يزعم أنك أمّنتني..
قال السول صلى الله عليه وسلم: صدق..
قال صفوان: فاجعلني فيه بالخيار شهرين..
قال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر".
وفيما بعد أسلم صفوان. ز
وسعد عمير باسلامه أيّما سعادة..
وواصل ابن وهب مسيرته المباركة الى الله، متبعا أثر الرسول العظيم الذي هدى الله به الناس من الضلالة وأخرجهم من الظلمات الى النور.

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :








أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه :::
:::الكـاتب : يحيى بن موسى الزهراني :::

1- عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضَبة بن الحارث بن فِهْر -ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه في فهر- بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي.

2- شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ)) [رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني واللفظ لأحمد].

3- مكانته...أمين الأمة:

قدم أهل نجران على النبي- صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه أن يرسل إليهم واحداً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لأبعثن -يعني عليكم- أميناً حق أمين))، فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الإمارة أو يطمعون فيها، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أميناً حق أمين))، وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الإمارة لهذا آنذاك، بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - حرصاً منه - رضي الله عنه - أن يكون أميناً حق أمين، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجاوز جميع الصحابة وقال: ((قم يا أبا عبيدة)).

كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه: ((لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله)).

4- لقبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين هذه الأمة:

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) [متفق عليه].

قَالَ الْحَافِظُ - رحمه الله -: "صِفَةُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ وَالْقَضَاءَ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ" [تحفة الأحوذي].

5- الأمانة أساس الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قَالَ: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7179].

6- من أعظم الأمانة، أمانة الدين، فالدين أمانة في عنقك تسأل عنه يوم القيامة، هل أنت أمين في دينك، في تعاملك، في أخلاقك، في أسرتك، في كل حياتك، حياتك كلها أمانة، ولا يعتقد أحد أن الأمانة محصورة في الودائع فقط، فهذا مفهوم قاصر، بل الأمانة تشمل جميع مناحي حياتك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ))؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) [رواه البخاري].

عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)) [رواه مسلم].

عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة)) [رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2570].

عَنِ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)) [رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة1/196].

هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله - عز وجل - وصفاته.

7- كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالاً، أحنى منعطف نحو الصدر أثرم الثنيتين، ووصف بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.

أتدرون لماذا كان أثرماً، دعونا نستمع لهذه القصة التي رواها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -:

يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: " لما كان يوم أحد، ورمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني، فقال: (أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم) وكانت هذه الثرمة جعلت من ثغره أحسن ثغر.

8- قصة الحوت:

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً - قَالَ - فَقُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِي دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ: لاَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ فِى وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا))؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ فَأَكَلَهُ " [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

9- كان من السابقين إلى الإسلام، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وكان ممن جمع القرآن.

10- كان من أحب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: فَسَكَتَتْ" [رواه الترمذي وغيره وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني].

11- أما غزواته، فقد شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع المعارك، بدءاً بغزوة بدر، حيث قيل أنه قتل أباه، فنزل فيه قول الله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة22].

12- فتح الله على يديه الفتوح، وكان بطلاً مغواراً - رضي الله عنه - وأرضاه.

13- عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَرْغَ حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيداً، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللَّهُ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ قُلْتُ: " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِيناً، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا بَالُ عُلْيَا قُرَيْشٍ يَعْنُونَ بَنِي فِهْرٍ؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي - عز وجل -: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ؟ قُلْت: " سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَي الْعُلَمَاءِ نَبْذَةً))، وفي رواية: ((رتوة)) يعني يسبقهم بمد البصر" [رواه أحمد].

14- معركة اليرموك:

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد، وصل الخطاب إلى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالداً بالأمر، فسأله خالد: (يرحمك الله أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟)، فأجاب أبو عبيدة: (إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة)، وأصبح أبو عبيدة أمير الأمراء بالشام.

15- تواضعه:

ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء، فجمعهم وخطب فيهم قائلاً: (يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه!!).

وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه، فقالوا له: (من؟) قال: " أبو عبيدة بن الجراح "، وأتى أبو عبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره، فلم يجد فيها من الأثاث شيئاً، إلا سيفه وترسه ورحله، فسأله عمر وهو يبتسم: (ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟)، فأجاب أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل).

16- طاعون عمواس:

حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس"، وكان أبو عبيدة أمير الجند هناك، فخشي عليه عمر من الطاعون، فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلا: (إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجهاً إلي، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجهاً إلي، فإن لي حاجة إليك، وفَهِمَ أبو عبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه – متأدباً معتذراً عن عدم الحضور إليه وقال: (لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك، وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب إلى عمر بكى، فسأله من حوله: (هل مات أبو عبيدة؟) فقال: (كأن قد)، والمعنى: أنه إذا لم يكن قد مات بعد، وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة، إذ لا خلاص من الطاعون.

وكان أبو عبيـدة - رضي الله عنه - في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا، ومات أبو عبيـدة - رضي الله عنه - سنة 18 ثماني عشرة للهجرة، في طاعون عمواس، وقيل أن قبره في غور الأردن.

زياد علي

زياد علي محمد