الاثنين، 2 سبتمبر 2019

سلسلة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها (2) منشأ قصة الإفك

اقدم لكم  سلسلة من 20 خطبة عن ام المؤمنين الطاهرة الصديقة ابنة الصديق

عائشة رضي الله عنها

وهي للشيخ  إبراهيم الدويش


أم المؤمنين عائشة (2) منشأ قصة الإفك
عنوان الخطبة أم المؤمنين عائشة (2) منشأ قصة الإفك

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطبيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فقد بدأنا بالحديث عن سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الخطبة الماضية، وأشرنا فيها إلى منشأ قصة الإفك وسببها الرئيس، وأنها ليست معزولة عن سياقها السياسي والتاريخي، بل كانت المؤامرة حلقة في سلسلة حلقات ضمن مشروع انتقامي ثأري تولى كبره ابن أبي ابن سلول.


وقصة الإفك من أعظم الابتلاءات التي عرفها التاريخ الإسلامي، فيها ابتلاء للنخب، بدءاً من هرم الدولة، ومروراً برجالاتها، ثم العامة على حد سواء، فسبحان من ابتلى خليله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الحدث! حتى يكون ثباته وموقفه وتدبيره ومعاملته ومعالجته لهذه القضية كلها تشريعاً لنا ونبراساً، ونوراً نستفيد منه في واقعنا المعاصر، وفي حياتنا اليومية.


وإثارة الإفك مرة أخرى في مثل هذه الأيام، وبعث خيوط المؤامرة وإشاعتها خير دليل وبرهان، فسبحان من قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21]، فمما زاد من ألم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الوحي قد استلبث شهرًا كاملاً لا ينزل على غير العادة، وذلك لحكمة يعلمها الله، فالوحي كان ينزل دائمًا بعد الحوادث مرشدًا ومبينا الحكم الشرعي، أما هذه المرة، ورغم أن القضية جد خطيرة، وتخص مباشرة صاحب النبوة، وحرم صاحب الرسالة، وسمعة عائلة لها مكانتها في خدمة الإسلام، ومع هذا كله يتأخر الوحي شهرًا كاملاً!.


سبحان الله! تأخر فصل السماء، ليكون في الأرض شأن آخر لحكمة بالغة يعلمها الله، وينتشر الخبر بين الكبير والصغير انتشار النار في الهشيم، وتلوك ألسنة عِرض أعظم رجل عرفه التاريخ، وأطهر بيت وأشرفه، ليتعلم الناس من قدوتهم كيف يكون التعامل في مثل هذه الظروف.


فلا عجب أن يتأخر فصل السماء ليستلهم الناس الدروس والعبر، فالرسول-صلى الله عليه وسلم- مع آلامه ومرارة الموقف لم يتعجل ولم يتشنج، بل كان مدرسة في الصبر والتعقل، كان صابرًا محتسبًا، يتثبت ويتحقق، ومع ثقته الكاملة بطهارة أهله، ونزاهة ساحتها، لم يعلن براءتها من عنده، وفي هذا رد على المستشرقين وأذنابهم، ودليل قاطع أن أمر القرآن ليس بيد الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وليس من عنده، فلو كان من عنده لما مكث كل هذه المدة وهو يكتوي بهذه المحنة ويصطلي بنارها.


إنها المدرسة المحمدية التي ننسى في خضم الأحداث وتطوراتها، ننسى إرشاداتها وتوجيهاتها، نغفل عن منهجيتها الفذة في التعامل مع الظروف والأحداث، نجتهد وربما نتشنج ونتعجل، ننسى توجيه القرآن لنا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21].


ثم إن الإفك ابتلاء لعائشة -رضي الله عنها-، الفتاة الصغيرة ذات الأربعة عشر عاماً، تُرمى في أمانتها وطهارتها، وهي الطاهرة العفيفة النقية، صديقة بنت صديق، تربت في عائلة لها سمعتها الطيبة حتى أيام الجاهلية، بل كان يضرب بها وبعائلتها المثل في الصدق والطهارة.


وفي الإفك ابتلاء للصديق أبي بكر -رضي الله عنه-، فهو أب ووالد، وهو المشهور بالصدق والعفة والديانة، وهو ثاني رجل في الأمة، فسبحان من ابتلاه بمثل هذا الأمر، يُرمى -رضي الله عنه- وأرضاه في شرفه، يُتهم في عرض ابنته، وزوج نبيه وخليله -صلى الله عليه وسلم-، فسبحان الله العظيم! قفوا وتأملوا وتدبروا أيها الناس! سبحان من قدر الإفك على هؤلاء؛ نبي كريم، وطاهرة عفيفة، وصديق ذو نسب ومكانة!.


سبحان ذي الجبروت والملكوت، سبحان ربي العظيم؛ لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، يُرمى هؤلاء الشرفاء في أغلى ما يَعتز به أي عربي، فضلاً عن أي مسلم، حتى بلغ الألم بأبي بكر مبلغه، فيقول بمنتهى الحسرة والألم والمرارة: "والله ما رُمينا بهذا في الجاهلية، أفنرضى به في الإسلام"!.


أيها المؤمنون: إن الإفك ابتلاء للمؤمنين والمسلمين عامة، قديماً وحديثاً، باعتبار أنه استهدف شرف حبيبهم ونبيهم، وأمهم الطاهرة العفيفة، فالمسلمون قديماً، كلهم، صغيرهم وكبيرهم، ذَكَرُهم وأنثاهم، تألموا شهرًا كاملاً، وتجرعوا من كأس المرارة من جراء هذه الفرية، شهراً كاملاً ينتظرون الفرج من الله.


وتأملوا الدرس الجميل هنا: فهم مع فرط وشدة حبهم لرسول الله ولأهل بيته، ومع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم وبينهم، ويرون الألم والهمَّ في عينيه، وعلى قسَمات جبينه، ومع يقينهم وعلمهم ببراءة أهله، لم يُسجل التأريخ ولا النصوص والآثار أنهم قاموا بأعمال طائشة انفرادية تجاه هؤلاء الذين أشاعوا الفرية، ولم يتشنجوا بخطابات عاطفية انفعالية تجاه من نسجوا المؤامرة وروَّجوها، كما كانت عادتهم في الجاهلية في أحوال مشابهة، فهم قد يصبرون عن أي شيء، ولكن لا يصبرون إذا رموا بأعراضهم، بل تثور ثائرتهم، وتقوم قيامتهم، إلا أنهم بعد إسلامهم، وفي هذه الحادثة، سيطر الهدوء عند المسلمين، لقد كانوا صابرين محتسبين ينتظرون الفرج.


فما الذي أصبرهم! أين عمر وشدته؟ وأين سعد وغيرته؟ أين أمثال هؤلاء من الأبطال الشجعان من أن يؤدِّبوا هؤلاء المنافقين، ومن تبعهم من القلة المخدوعين من المسلمين؟ كان بإمكانهم أن يلقنوهم درسًا لا ينسى، لقد كانوا قادرين، لكن السر أن حياتهم تغيرت، وأحوالهم تبدلت؛ انضباط عجيب، والتزام بالشرع ليس له مثيل، فهم صابرون هادئون، يتشاورون وينتظرون كلمة دينهم الذي يفصل في القضايا.


فعلاً، تحوُّلٌ عجيب، حتى في العادات التي تقال إنها الطبيعة الثانية لشدة توغلها في نفس الإنسان، وسيطرتها عليه وعلى مشاعره، ضَبْطٌ للدِّين عجيب! ضبط للمشاعر والانفعالات والتصرفات، فالذي أصبَرَهُم هو إيمانهم، والتزامهم حقاً بتعاليم دينهم، وإرشاد نبيهم، حتى لا يتقدموا بين يديه، فهم ينتظرون حكم الله وحكم رسوله في القضية، وهكذا كانوا -رضوان الله عليهم- مع مشاعرهم وانفعالاتهم في الفتن والنوازل.


عباد الله: إن في قصة الإفك من الدروس والعبر ما يجعلنا نقف معها وقفات ووقفات، ونستنبط منها الدروس والعبر والعظات، ونستخرج من رحم الشر الفوائد والفرائد والمجوهرات. فتعالوا -إخوة الإيمان- نتتبع الحدث من أوله، ونسمع تفاصيل القصة مباشرة من فم صاحبتها، فإن في سرد عائشة -رضي الله عنها- لقصتها بيان عظيم لفهمها، ووفور عقلها وذكائها، وسرعة بديهتها، بل وعظيم ثقتها بربها.


اسمعوها تروي بجزالة أسلوبها، ودقة أحكامها، وحسن نظم كلامها، فوالله! إن من قرأ هذه القصة، أو سمعها بقلبه وعقله لما ملك عينيه ودموعه، فهي قصة تفيض بالمشاعر الصادقة، من في فتاة مظلومة صغيرة طاهرة، ألفاظ تحس بحرارة كلماتها الصادقة، تشعر بالحروف تتألم وتتوجع معها، إنها أنينُ مظلوم، وكلمات متوجع مقهور.


وأذكر خنين علامة زماننا وشيخنا ابن باز رحمه الله وهو يسمع الرواية تُقرأ عليه، كان له نشيج يُقطع نياط القلوب، من شدة تأثره لم يتمالك نفسه، بل لم يتمكن من التعليق على الحديث والقصة، فما استطاع حينها وهو يسمع الرواية إلا أن يُردد وهو بصدد شرحها: سبحان الله! سبحان الله! لا حول ولا قوة إلا بالله.


فاسمعوا عباد الله! رواية أمكم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وأرضاها، اسمعوها بقلوب حاضرة، وقلوب خاشعة، اسمعوها بقلب المظلوم المقهور، فالرواي هو من اصطلى بنارها، واكتوى بآلامها، فاسمعوا الرواية، اسمعوا الشكاية، اسمعوا الحكاية من مصدرها مباشرة.


تقول أمنا الحبيبة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ.


فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ.


قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ.


فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ.


قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْن سَلُولَ، قَالَ عُرْوَةُ (راوي الحديث عن عائشة) أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ، وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي *** لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ


قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا.


قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ! وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ مَا قَالَ؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ.


قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ! مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ! فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟!.


قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.


قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَرِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟" قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي.


قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ:كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ! لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ. تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ؟!.


قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ.


قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ.


قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.


قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا قَالَ، قَالَتْ أُمِّي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.


فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18].


ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا.


فَوَاللَّهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ. قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ!.


قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) [النور: 11] الْعَشْرَ الْآيَاتِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءتِي... الحديث".


عباد الله: هذه هي القصة من فم صاحبتها، كلماتها حارة، حروفها متوجعة، إنها قصة أليمة، أحداثها عجيبة، لكنها مباركة ترسم منهجاً قرآنياً سماوياً فريداً لعلاج أخطر وأشنع وأبشع موضوع تعاني منه المجتمعات والأفراد على حد سواء، وهو موضوع "الإشاعة".


وسوف نذكر في الخطبة القادمة كيف أن القرآن عالج هذا الداء، وبكل أبعاده، حلاًّ جذريًّا، وهي فائدة عظيمة، ولو لم يكن في القصة إلا هذه الفائدة لكفاها، فكيف وفيها فوائد ودروس كثيرة؟ ولو أننا عملنا بمقتضى هذه الفائدة لنجونا من داء خطير يفتك بالمجتمع، وينخر كالدودة في جسمه، وينال من تلاحمه وترابطه، ونسيج وحدته.


نسأل الله أن يحفظنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم

سلسلة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها (4) قصة الإفك دروس وعبر 2


الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: عباد الله! فقد بدأنا بالحديث عن سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الخطب الماضية، وأشرنا فيها إلى منشأ قصة الإفك، وسببها الرئيس، وأن قصة الإفك من أعظم الابتلاءات التي عرفها التاريخ الإسلامي، وفيها ابتلاء للنخب بدءاً من هرم الدولة، ومروراً برجالاتها ثم العامة على حد سواء.


ثم عرضنا قصة الإفك بأكملها، ومباشرة من فم صاحبتها، وذلك نظرًا لأهميتها، ولما تحتوي من إشارات ودلالات، ومن دروس وعبر، ومن فوائد وفرائد.


وتحدثنا في الخطبة الماضية عن أولى وأهم فوائد هذه القصة، بأن آيات قصة الإفك قدمت علاجًا قرآنيًّا، ووصفة ربانيةً للإشاعة، أخطر داء تبتلى به المجتمعات، وأفتك مرض اجتماعي تكتوي بناره الأسر والأفراد، وذلك عبر أربع وصفات علاجية مستنبطة من القصة، ملخصها هو أن الوصفة الأولى هي حسن الظن أولاً، وهو المقدم دائمًا، وأما الثانية فهي التثبت والتمحيص لأي إشاعة يسمعها، وأما الثالثة فإمساك اللسان، ثم التفكير قبل الكلام؛ وأما الوصفة الرابعة لعلاج هذا الداء الاجتماعي (الإشاعة) فهي أن يُرد الأمر لأهله إن كان خاصاً، وإلى أولي الأمر إن كان عاماً.


عباد الله! إننا نستبط الدروس والعبر للعمل، فتعالوا نكمل الوقفات مع الفوائد والعبر المستنبطة من قصة عائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك، فمن الفوائد المهمة رباطة جأش عائشة -رضي الله عنها- وفرط ذكائها، وفطنتها، وحنكتها، وتقديرها للأمور.


فضلاً عن عظيم حيائها، واهتمامها بحجابها وحشمتها وعفتها، فعقب استيقاظها باسترجاع صفوان ورؤيتها له خمَّرت وجهها وغطته مباشرة، ثم التزمت الصمت طول طريقها، كما قالت -رضي الله عنها-: "وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ وَرَاءَ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ.


وتأملوا هنا، ففي سترها لوجهها دليل على تغطية الوجه، وفي قولها: "وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ"، ثم قولها: " فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي"، دليل على أنها كانت تستر وجهها بعد فرض الحجاب باستمرار، وهذا صريح في أن تغطية الوجه مأمور به، ولم تكن واجبة في بداية الإسلام، إنما كان الوجوب بعد نزول آيات الحجاب.


تقول عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاه"، أليس هذا نصًّا صريحًا وواضحًا في تغطية الوجه؟ يقول المحقق ابن الهمام الحنفي في فتح القدير: "دلت المسألة على أن المرأة منهية عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة، وكذا دل الحديث عليه".


ثم في التزام عائشة للصمت أعظم دليل على عظيم حيائها، ورعايتها للحشمة والوقار، فوالله ما تجملت المرأة بأروع من الستر والحجاب والحياء!:
فلا واللهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ *** وَلَا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ


هكذا هو الأدب والخلق إذا أردنا حقاً الحفاظ على النقاء والحشمة والعفاف في مجتمعاتنا الإسلامية، تفاهم وانسجام فطري في الأدوار بين الذكر والأنثى، وتعاون على البر والتقوى، فالمرأة غيورة على حجابها، متحلية باحتشامها وحيائها، والرجل عفيف حييٌ أمين صبور، ففي صمت صفوان واكتفائه بالاسترجاع لإيقاظ عائشة دليل على أدبه الجم، وخلقه الرفيع، فلم يناد عليها باسمها، وما تكلم معها بكلمة واحدة.


بل لم تقف روعة أدب صفوان عند هذا الحد، فزاد روعة حيث لم يمش خلف البعير وعائشة أمامه، بل مشى أمام البعير والمرأة خلفه، هكذا كان الصحابي الجليل صفوان -رضي الله عنه- ولا غرو في هذا! إنه تلميذ المدرسة المحمدية، مدرسة النبوة التي خرجت رجالاً يحاكون بأفعالهم توجيهات القرآن، وأفعال الأنبياء وأولي العزم الكرام.


ويُذكرنا هذا الأدب الرفيع، والخلق السامي، بأدب موسى -عليه السلام- حينما استجاب لدعوة الفتاة التي سقى لها للقاء والدها، فمن حيائه ونبل أخلاقه لم يشأ أن تمشي الفتاة أمامه، رغم أنها المرشد والدليل؛ لئلا يقع نظره عليها، بل جعلها خلفه وقال لها: إن ضللت الطريق أعلميني برمي حجر. فما أعظم أخلاق الأنبياء والصحابة الكرام! وما أعظم منهج العفة وغض البصر والحياء!
وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي *** وبَيْنَ رُكُوبِهَا إلَّا الحَـَياءُ
فكانَ هُوَ الدواءَ لهَا ولكنْ *** إذا ذهَبَ الحياءُ فلا دَوَاءُ


فما أروع -أيها الشباب من الجنسين- تربية النفس، وإغلاق مداخل الضعف والشيطان عليها! فأين من يريد تربية النفس وتزكيتها وصلاحها خاصة في زمن الشهوة والفضائيات ومواقع النت؟ (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [النور:21].


فعلاً إنها خطوات، وقبلها نظرات وخطرات، نظرة فخطرة فخطوة فخطيئة، فكيف ونحن بزمن التواصل والاتصال والتقنيات؟ فحذار حذار! فالنظرة سهم من سهام إبليس فتاك، فكم من قلب فسد بسببها، وكم من نفس تعيش في قلق وهَمٍّ من جرائها، وكم من عابد وصالح وقع فريسة لها، وكم من شاب انتكس لمَّا تعلق قلبه بها، وكم من فرد وقع في جريمة الزنا والخنا لما أصابه سهمها.
كلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ *** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِيْ قَلْبِ صَاحِبِهَا *** فَتْكَ السِّهَامِ بِلا قَوْسٍ وَلا وَتَرِ


سبحان الله! ومع هذا التاريخ الناصع، والصفحات البيضاء، ومع هذه العفة وروعة الأخلاق، اتهم المنافقون عائشة وصفوان! لأمر وخير قدّره وكتبه الله، وما أشد وقع هذه التهم على النفوس الطاهرة والبريئة! فصفوان الصادق البار يحلف فيقول: "وَاللَّهِ مَا أَصَبْت اِمْرَأَة قَطُّ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا"، أي مَا قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّة، ولكن كما قال الحق عز وجل: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [النور:11]، فهذه حال الدنيا، ابتلاء وتمحيص، فسلط الله عليه -رغم عفته وأدبه الجم- سلط الله عليه لسان الكاذب والمنافق ممن ينطلق لسانه يفري في الأعراض، وفي القيل والقال.


إنه موقف عصيب، ودرس رهيب للمؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان، فالاتهامات والإشاعات ماضية باقية، والمنافقون والمتقولون سوقهم رائجة شائعة، ومثل هذه القصص في القرآن والسنة منهج وتجارب يُحتذى بها، ويستفاد منها، فاقرؤوا القرآن يا قومي، لم لا تقرؤونه؟ نعوذ بالله من كيد المنافقين، وحسد الحاسدين، ومن تسلط أعداء الدين.


ومن فوائد قصة الإفك أيضاً جواز القرعة، وأنها مشروعة بالكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران:44]، أي: أيهم يحضنها، فاقتَرَعوا عليها. وقال تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ) [الصافات:139-141]، فساهم: أي أقرع. وأما مشروعيتها من السنة المطهرة -إضافة إلى ما جاء في قصة الإفك- فحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ".


وفي اقتراعه -صلى الله عليه وسلم- بين نسائه في أسفاره بيان لعظيم خُلقه، وجميل عشرته، وحسن معاملته مع نسائه، وروعة إدارته لمؤسسة الأسرة، فأراد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بفعله هذا أن يزرع هذه القيمة الاجتماعية في الأمة، ويشرع هذا الحكم الشرعي الْمُرضي للأطراف كلها في مثل هذه الحالات، وأن يبين للأزواج والزوجات أن الحياة الزوجية شراكة واتفاق، وحب ووئام، لا مجال للانصياع وراء العواطف والميول والحظوظ النفسية، ولا مجال للاستبداد والدكتاتورية، يفعل الزوج ما يحلو له، أو يتصرف كأنما الأمر لا يعني غيره، بل الأمر شراكة أسرية بين شريكين، عدل وإنصاف، ومراعاة للمشاعر، واحترام للعواطف، وتطييب للخواطر، وهذه فائدة ثمينة وغالية خاصة للمعددين، ولمن لديه أكثر من زوجة، فهي تحل الكثير من المشاكل التي يشتكي منها زوجات المعددين.


ولا تكون القرعة إلا في حالات تساوي الحقوق وعدم تحديد جهة الحق؛ فعندها يُلجأ إلى الاقتراع كحل مرضي للأطراف، كسبًا للود، وتوثيقًا لعرى المحبة، وإبقاء لحبل المودة والرحمة، وعملاً بسنة من بُعث بالحنيفية السمحة -صلى الله عليه وسلم- كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ". ولفظ (كان) يدل على الاستمرار والمداومة.


ولا بد أن نتنبه أن هناك حالات لا تجوز فيها القرعة بالاتفاق، لأن القرعة مثل غيرها تعتريها الأحكام الخمسة التكليفية المشهورة، فقد تكون القرعة مباحة، أو مندوبة، أو واجبة، أو مكروهة، أو محرمة. وقد نص الفقهاء على أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة، فلا يجوز الإقراع بينه وبين غيره؛ لأن في القرعة ضياعَ ذلك الحق المعين والمصلحة المعينة. ولكن متى تساوت الحقوق والمصالح، واشتُبه في المستحق، فهذا هو موضع القرعة عند التنازع؛ منعًا للضغائن، ودفعًا للأحقاد والإحن، وانقيادًا ورضا بما تجري به الأقدار.


وفائدة أخرى مستنبطة من هذه القصة، هي أن سفر المرأة حالة الاختيار لا يكون إلا مع زوج أو محرم. ففي الصحيحين عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟! قَالَ: "ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ".


مع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، إلا أنه كان فرضًا كفائيًّا في حقه، وأما خروج امرأته دون محرم فهو محرم، فيتعين عليه أن يصحبها في حال خروجها إلى الحج، عملاً بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَدَعُوهُ". وقد أخرج الشيخان -أيضًا- عَنْ أَبِي هُرَيْرة –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ".


ألا لا يتساهلن مسلم في هذه القضية في زمن تُحارب فيه الفضيلة والحجاب، بحجة أن العصر قد تغير وتطور، وأن العالم أصبح قرية كونية، ووسائل الاتصال والتقنيات قربت البعيد، وذللت الصعاب، فلا مجال للتضييق والرضوخ للريبة والشك، ففي توجيهات الشرع نجاة وأي نجاة! ومن تأمل في الكثير من المشاكل على مستوى الفرد أو الجماعة وجدها في البعد عن توجيه الشرع، فكونوا علي قناعة ويقين أن التقيد بأحكام الشريعة في كل الأحوال سلامة وطهارة، وأنه دليل خير واستقامة، فجددوا يقينكم بأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها.


ثم اعلموا أن مراعاة الفضيلة وحجاب المرأة لا يعني التعنت والتزمُّت، وحبس المرأة في البيت دائمًا وأبدًا، وأنها لا تخرج من بيتها إلا إلى بيت زوجها أو إلى قبرها كما يُردد المرجفون. نعم، بيت المرأة هو مملكتها، ومحل سلطانها وإبداعها، ومجال عملها وإنتاجها.


ومع هذا فهناك مجالات خاصة تعمل فيها المرأة بكل جدارة، فهذه أمنا وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قد خرجت إلى الغزو بصحبة زوجها، فعمل المرأة ما دام يراعى فيه أحكام الشرع والمصلحة فلا بأس به، كما أن خروج المرأة بدون إذن زوجها في الأمور التي جرى العرف بها جائز، فعائشة -رضي الله عنها- لم تستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند خروجها للمُتَبَرَّز لقضاء الحاجة مع أم مسطح، كما استأذنت منه للخروج لأبويها، وفي هذا تنبيه على بعض الأزواج ممن يشددون في مثل هذه الأمور المعتادة، ويحاسبون أهلهم في كل صغير وكبير، وفي قط وقطمير.


عباد الله! كثيرة هي الدروس والعبر من حادثة الإفك، لكن الأهم في عرض القضية هو أخذ هذه العبر والعظات، وترجمة هذه الآداب والأخلاق في واقع الحياة، لتكون لنا منهج عمل نستقي منه، وبيت خبرة وتجارب، وقصص وحياة الأنبياء والصحابة والصالحين وتجاربهم مدرسة من أعظم المدارس، والعاقل من استفاد من مواقف وتجارب الآخرين.


نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .



الشيخ العلاّمة محمد علي فركوس الجزائري الفقيه الأصولي

الشيخ العلاّمة محمد علي فركوس الجزائري الفقيه الأصولي



ترجمة الشيخ بخط رابح مختاري العاصمي الجزائري

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعدُ: فإنَّ العلم أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون، إذ هو ميراث النبوة، ونورٌ يُستَضَاء به، وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب وأمور معاشهم، قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- عن فقهاء الإسلام: <فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيرانُ في الظلماء، وحاجة النّاس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصِّ الكتاب>(١- أعلام الموقعين ١/٣٦).
وقد قرن الله جلَّ وعلا شهادة العلماء بشهادته و شهادة الملائكة فقال سبحانه ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوْ العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ﴾[آل عمران ١٨]، وقال الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوْتُوْا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[ المجادلة ١١]، وقال سبحانه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾[فاطر ٢٨].
والفرق بين العالم وبين ضعيف العلم قليل البصيرة: أنّ الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شَكّاً لأنّه قد رسخ في العلم، فلا تستفزه الشبهات ولا تزعزعه الإيرادات، أما الجاهل فإنّ الشكَّ ينقدح في قلبه لأول عارض من شبهة فيكثر التنقل من مذهب لآخر لضعف علمه وقلَّة بصيرته فليس العالم الرشيد كأخي الجهالة، ومن تمادى في الغيِّ والضلالة(٢- أنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/١٤٠).
نسأل الله أن يكون شيخنا أبو عبد المعز ممن نال درجة العلماء و أن يبلِّغه المنازل العلى منها، إنَّه بكلِّ جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وهذه ترجمة موجزة فيها إبراز لبعض معالم شخصيته مع يقيني أنه أكبر مما وصفت وأجلُّ مما ذكرت، نسأل الله الإخلاص والصواب والتوفيق والسداد.

١. اسمه ومولده:
هو شيخنا القدوة حسنة الأيام أبو عبد المعز محمد علي بن بوزيد بن علي فركوس، وُلد بالقبَّة القديمة بالجزائر العاصمة في يوم الخميس التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٣٧٤ﻫ الموافق للخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٩٥٤م.

٢. نشأته العلمية:
لقد نشأ شيخنا -أيَّده الله- في محيط علمي وبيت فضل وجلالة و حُبٍّ للعلم وأهله، فكان لذلك أثره الواضح في نشأته العلمية، حيث أخذ نصيبه من القرآن الكريم، وطرفاً من العلوم الأساسية في مدرسة قرآنية على يد الشيخ محمد الصغير معلم.
ثم التحق بالمدارس النظامية وحصل على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، ثمّ أتمَّ دراسته في كلية الحقوق- والعلوم الإدارية لاشتمالها على جملة من المواد الشرعية كالفرائض والأحوال الشخصية [زواج، طلاق، هبة و وصية..]، وذلك لعدم وجود كليات متخصصة في العلوم الشرعية في ذلك الوقت.
وقد ملك على الشيخ منذ صغره حُبُّه للعلم و النبوغ فيه، ولم يزل ذلك شغله الشاغل حتى منَّ الله تعالى عليه بالالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ذاك الصرح العالي الذي يأوي إليه الباحثون ويجتمع عليه طلبة العلم من أصقاع الدنيا لمجالسة العلماء وملازمة الفقهاء ليفيدوا من علومهم ويستضيئوا بفهومهم ولاسيَّما حلقاتُ العلم الكثيرة المنتشرة في المسجد النبوي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"وقد تخرَّج شيخنا من كلية الشريعة عام ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م بتقدير ممتاز.

٣. أبرز مشايخه:
1- الشيخ عطية بن محمد سالم رحمه الله القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة النبوية والمدرَّس بالمسجد النبوي: درس عليه موطأ الإمام مالك رحمه الله.
2- الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: أستاذ الفقه و الأصول في كلية الشريعة.
3- الشيخ أبو بكر الجزائري: المدرِّس بالمسجد النبوي وأستاذ التفسير بكلية الشريعة.
4- محمد المختار الشنقيطي رحمه الله (والد الشيخ محمد): أستاذ التفسير بكلية الشريعة، ومدرِّس كتب السنة بالمسجد النبوي.
5- الشيخ عبد الرؤوف اللّبدي: أستاذ اللغة بكلية الشريعة
وقد استفاد من المحاضرات التي كان يلقيها كبار العلماء والمشايخ أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ حماد بن محمّد الأنصاري رحمهما الله تعالى.
وكان حريصا على حضور المناقشات العلمية للرسائل الجامعية التي كانت تناقش بقاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة الإسلامية من قِبَل الأساتذة والمشايخ الذين لهم قدم راسخة في مجال التحقيق ورحلة طويلة في البحث العلمي، وقد أكسبه ذلك منهجية فذَّة في دراسة المسائل العلمية ومناقشتها.
وفي عام ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م حطَّ عصى التَّرحال واستقَرَّ به النوى في الوطن الحبيب، فكان من أوائل الأساتذة بمعهد العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة الذي اعتُمد رسميا في تلك السنة، وقد عُيِّن فيه بعد ذلك مديرا للدراسات والبرمجة.
وفي سنة ١٤١٠هـ/١٩٩٠م انتقل إلى جامعة محمد الخامس بالرباط لتسجيل أطروحة العالمية العالية (الدكتوراه)، ثمَّ حوَّلها - بعد مُدَّةٍ من الزمان - إلى الجزائر فكانت أول رسالة دكتوراه دولة نوقشت بالجزائر العاصمة في كلية العلوم الإسلامية وذلك سنة ١٤١٧هـ/ ١٩٩٧م.
ولا يزال إلى يوم الناس هذا مُدَرِّسا بهذه الكلية، مُسَخِّراً وقتَه وجُهدَه لنشر العلم ونفع الناس و الإجابة عن أسئلتهم، ولم تكن الكلية منبره العلمي والتربوي الوحيد في الدعوة إلى الله تعالى، بل كانت المساجد محطة علمية توافد عليها جموع طلبة العلم من كل الجهات، فأتم شرح روضة الناضر لابن قدامة المقدسي في علم الأصول بمسجد الهداية بالقبة ( العاصمة ) كما أتم شرحه على مبادئ الأصول لابن باديس بمسجد الفتح بباب الوادي ( العاصمة )، ودرّس القواعد الفقهية بمسجد أحمد حفيظ ببلكور ( العاصمة )، كما شرح رسائل لمشايخ الدعوة السلفية، وأجاب عن عدة أسئلة في مختلف العلوم والفنون وقد جمعت له في أشرطة وأقراص علمية. نسأله تعالى أن يُقَوِّيه على طاعته وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللهَ بقلب سليم.

٤. صفاته الخَلقية والخُلقية:
من نِعَمِ الله تعالى على الشيخ أن وَهَبَه بسطة في العلم والجسم، فقد رُزِق قوةً جسمية وكمال هيئة وحُسنَ سَمْتٍ وجَمال وجهٍ ومظهر، وأتاه الله تعالى هيبة ووقارا، يحترمه الموالف والمخالف، وهو قريب الشَّبَهِ في شكله و صورتِه وصَوتِه بالشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، كما شهد بذلك من رآهما.
وكُلُّ من خالطه واقترب منه عَلِمَ أنه عَلَمٌ في الفضيلة وكرمِ الخِلال ودماثة الأخلاق، سَهْلُ الجانب، كريمُ النفس، واسع الإيثار، حَسَنُ الألفة والمعاشرة، متين الحرمة، عالي الهِمَّة، كثير التحمُّل واسع الصدر للمخالف على جانب كبير من التواضع، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.
ومن أبرز المعالم في شخصية الشيخ حفظه الله تعالى:
أ- حُسن قصده وسلامة طويَّته ومحبته لنفع الناس عامة وطلبة العلم خاصة، فلا تخلو صلاة من الصلوات الخمس إلاّ ومعه طائفة من السائلين والمستفيدين يقف معهم الساعة والساعتين يجيبُ هذا ويوَجِّه ذاك وينصح الثالث، وهكذا مع هدوء الطبع وسداد الرأي وعدم التبرُّم.
وقد حدَّثنا يوماً عن طلبه للعلم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية فكان مما قاله:"كنت إذا استفدتُ فائدة فرحت بها فرحاً عظيما وتمنيتُ لو استطعت أن أطير بها إلى الجزائر لأبلِّغها للناس ثم أرجع إلى المدينة".
فإذا كان المرء يحمل في نفسه هَمَّ الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام الصحيح إلى الناس، فإن علمه يثبت في صدره ولا يتفلت منه غالبا لنُبل مقصده وحسن نيَّته، خلافا لمن يحفظ للامتحانات أو لأغراض أخرى دنيوية، فإنَّ حفظه في الغالب يزول بزوال الغرض الذي حفظه من أجله.
ب- دفاعه عن العقيدة السلفية و ذبُّه عن حياض السنة بأسلوب حكيم وطريقة مثلى، عملا بقوله تعالى ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالُمهْتَدِينَ﴾[النحل ١٢٥]، فهو لا يداهن في مسائل التوحيد ولا يتنازل عن قضايا العقيدة، ويعرض قولَه بأسلوب علمي حكيم واضح مجتنبا مذهب الفظاظة في القول مما لم يأذن به الشارع، لأنَّ طريقة السِّباب والشتم في المجادلة يُحسنها كل أحد ولا يسلكها إلا العاجز عن إقامة الحجة ومن ضاق عطنُه عن بيان المحجَّة، فالذي ينبغي على الداعية الحرص على هداية الناس وإيصال الحق إليهم بطريقة شرعية تقبلها القلوب ولا تنفر منها الطباع، وأما من حاد عن السبيل وطعن في نحر الدليل، ففي قوارع التنزيل والألفاظ الشرعية ما يزجره ويردعه، ولله درُّ العلامة المعلمي حيث قال :"وفي النكاية العلمية كفاية إن كانت النكاية مقصودة لذاتها".
ج- كثرة تحمُّله وشدة صبره وسعة صدره للمخالِف، يَزين ذلك سكينةٌ ووقار، ذلك في سكينة ووقار، فإنّ صاحب العلم والفُتيا أحوج ما يكون إلى الحلم والسكينة والوقار إذ هي كسوة علمه وجمالُه، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس، كما قال بعض السلف:"ما قُرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم"
فكم من سائل جهل عليه في سؤاله فيحتمل ذلك منه ويعامله على قدر عقله ولا يخرج بسبب ذلك عن طوره وحُسن سمته، وكم من شخص آذاه فألان له الجانب وغمره بحلمه وقابل إساءته بإحسان فأزال بذلك ما في نفسه من الإِحَن، وما في صدره من الضغينة.
وإن تعامله مع الناس ليُذَكِّرني بقول العلامة ابن القيم فيما يحتاجه المفتي :"فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضد الطيش والعَجَلة والحدَّة والتسرع وعدم الثبات، فالحليم لا يستفزه البَدَوات، ولا يَسْتَخِفُّه الذين لا يعلمون، ولا يٌقْلِقُه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناةٍ يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة" (أعلام الموقعين ٤/٢٥١).
د- تحقيقه العلمي وتوظيفه لعلم الأصول في المسائل الفقهية فإن المقصود من علم الأصول بناءُ الفقيه الحقّ الذي يحسن التعامل مع الأدلة بنفسه إذ لا يكون الفقه إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب و السنة والإجماع نَصّاً واستنباطاً (الاستقامة لابن تيمية ١/٦١)
فالاجتهاد هو العلة الغائية لعلم الأصول، لكن الملاحظ عند كثير من المتأخرين انبتات الصلة بين الأصول والفقه كما قال بعضهم "أصبح الفقهاء يزرعون أرضا غير التي يحرثها لهم الأصوليون، فلا هؤلاء وجدوا لحرثهم من يزرعه، ولا أولئك زرعوا ما حرثه لهم الحارثون".
وقد حرَص شيخنا على تطبيق علم الأصول وتوظيفه في المسائل الفقهية التي يدرسها معتنيا بالقواعد الفقهية التي يمكن إرجاع تلك الفروع إليها، ومبيِّناً في آخر كل مسألة سبب الخلاف فيها ليكون الطالب على دراية بمأخذ الأدلة، وأن اختلاف العلماء ليس بالتشهي ولا اتباع الهوى ولكن بسبب تجاذب الأدلة واختلاف المأخذ، فتكون المعلومات مرتبة في ذهن الطالب بحيث يربط الفرع بأصله محسنا للظن بالعلماء فيما اختلفوا فيه، مسطِّراً النهج السديد والسبيل الأمثل لدراسة مسائل الخلاف.
هـ- عدم استنكافه عن الرجوع إلى الحق والانصياع إليه:
من محاسن شيخنا - وفقه الله - قبولُه للنّقد وتواضعه للحق وعدم استكباره عن الرجوع إلى الصواب إذا ظهر له، فكم من مسألة يستشكلها بعض الطلاب ويراجعونه فيها ولو شاء أن يجد مخرجاً لفعل ولكن إنصافه يمنعه من ذلك فيَعِد بمراجعة المسألة والنظر فيها، فإذا ظهر له الصواب مع المعتَرض صرَّح بذلك وأذعن إلى الحق، مطمئِنَّ النفس مرتاح البال لأنه يطلب الحق وينشد الصواب، وهذا هو أعظم أنواع التواضع وهو التواضع للنصوص الشرعية والرجوع إلى الحق، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.



٥. مؤلفاته العلمية:
تمتاز مؤلفات شيخنا -حفظه الله- بالأسلوب العلمي الرصين وتدقيق النظر في المسائل وتأصيلها والحرص على ذكر سبب الخلاف ومأخذه وقد لقيت قبولا عند المشايخ وطلبة العلم، ومن هذه المؤلفات:
1) تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي (ت ٧٤١هـ) دراسة وتحقيق. طبع بدار الأقصى - القاهرة ١٤١٠هـ.
2) ذوو الأرحام في فقه المواريث -تأليف- وهي رسالة في العالمية ( الماجستير ) طبع بدار تحصيل العلوم - الجزائر ١٤١٣هـ.
3) الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل للإمام أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ) دراسة وتحقيق، طبع بالمكتبة المكية - السعودية.
4) مفتاح الأصول إلى بناء الفروع على الأصول - ويليه: كتاب مثارات الغلط في الأدلة للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني (٧٧١هـ / ١٣٧٠م) دراسة وتحقيق ، وهي رسالة في العالمية (الدكتوراه) بعنوان " أبو عبد الله الشريف التلمساني وآثاره الفقهية والأصولية"، طبع بمؤسسة الريان الطبعة الأولى ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م. وطبع بدار تحصيل العلوم - الجزائر ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م.
5) مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية - القسم الأول - دار الرغائب و النفائس - الجزائر ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م.
6) الفتح المأمول في شرح مبادئ الأصول للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩هـ / ١٩٤٠م ) دار الرغائب والنفائس- الجزائر. الطبعة الأولى ١٤٢١هـ / ٢٠٠٠م.

سلسلة " فقه أحاديث الصيام ":
7) 1- حديث تبييت النية. درا الرغائب والنفائس- الجزائر. الطبعة الأولى ١٤١٩هـ/ ١٩٩٨م.
Cool 2- حديث النهي عن صوم يوم الشك. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة الأولى ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م.
9) 3- حديث الأمر بالصوم والإفطار لرؤية الهلال. دار الرغائب والنفائس - الجزائر الطبعة الأولى - ١٤٢٢هـ / ٢٠٠١م.
10) 4- حديث حكم صيام المسافر ومدى أفضليته في السفر. دار الرغائب والنفائس - الجزائر الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٢م.

سلسلة " ليتفقهوا في الدين ":
11) 1- طريق الاهتداء إلى حكم الائتمام والاقتداء. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة 2. ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م.
12) 2- المنية في توضيح ما أشكل من الرقية. دار الرغائب والنفائس - الجزائر الطبعة 2. ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م.
13) 3- فرائد القواعد لحلِّ معاقد المساجد. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة 2. ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م.
14) 4- محاسن العبارة في تجلية مقفلات الطهارة. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م..
15) 5- الإرشاد إلى مسائل الأصول والاجتهاد. مكتبة دار الريان – الجزائر. الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ / ٢٠٠٠م .
16) 6- مجالس تذكيرية على مسائل منهجية. دار الرغائب والنفائس- الجزائر ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣م.
17) 7- ٤٠ سؤالاً في أحكام المولود ومعه التذكرة الجلية في التحلي بالصبر عند البلية - دار الرغائب و النفائس ١٤٢٥هـ / ٢٠٠٤م.
18) 8- العادات الجارية في الأعراس الجزائرية. دار الرغائب والنفائس - الجزائر ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م.
19) مقالة في مجلة "الرسالة" الصادرة من وزارة الشؤون الدينية تحت عنوان "حكم التسعير: هل التسعير واجب أم ضرورة في الشريعة الإسلامية؟".
20) مقالة في مجلة "الموافقات" الصادرة من كلية العلوم الإسلامية بالجزائر تحت عنوان:"حكم بيع العينة".
21) مقالة في مجلة "منابر الهدى" تحت عنوان :"اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت الأهلة وآراء الفقهاء فيه".



مؤلفات قيد الإصدار:
1) من سلسلة " ليتفقهوا في الدين " العدد التاسع (حول مسائل الحج).
2) الإنارة في التعليق على كتاب الإشارة لأبي الوليد الباجي.
3) شرح و تعليق على العقائد الإسلامية للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩).

و قد ناقش الشيخ العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير منها:
1) الرخصة الشرعية وأثرها في القضايا الفقهية (دكتوراه) للباحث كمال بوزيدي.
2) دلالة الأفعال النبوية و أثرها في الفقه الإسلامي (دكتوراه) للباحث عبد المجيد بيرم.
3) الإمام العلامة ابن خويز البصري البغدادي وآراؤه الأصولية دراسة استقرائية تحليلية مقارنة (دكتوراه) للباحث ناصر قارة.
4) الجدل عند الأصوليين بين النظرية والتطبيق (دكتوراه) للباحث مسعود فلوسي.
5) أبو إسحاق الاسفراييني وآراؤه الأصولية جمع ودراسة (دكتوراه) للباحث علي عزوز.
6) فتاوى النوازل (الأحوال الشخصية بين ابن تيمية و الونشريسي أنموذجا) دراسة نظرية تطبيقية (دكتوراه) للباحث ميلود سرير.
7) أحكام المساقاة في الشريعة الإسلامية (ماجستير).
Cool التوقف عند الأصوليين دراسة تحليلية نقدية (ماجستير).
9) حروف الإضافة عند الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء (ماجستير).
10) أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة وموقف العلماء من دلالتها على الأحكام الشرعية (ماجستير).
11) أنواع السنة وكيفية بيانها للأحكام – دراسة أصولية - (ماجستير).
12) طرق الوقاية من الجريمة في الشريعة وقانون العقوبات الجزائري (ماجستير).
13) كتاب فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد -دراسة و تحقيق- (ماجستير).
14) القواعد الأصولية المستخرجة من كتاب إحكام الأحكام لابن دقيق العيد وبيان مذهبه فيها (ماجستير).

كما أشرف على الكثير من رسائل الدكتوراه والماجستير منها:
1) آراء ابن القيم الأصولية (دكتوراه) للباحث عبد المجيد جمعة.
2) آراء ابن عبد البر الفقهية (ماجستير).
3) الاختيارات الفقهية لابن رشد (ماجستير).
4) التداوي بالمحرمات أحكامه و أحواله (ماجستير).
5) الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ماجستير).
6) صوارف الأمر والنهي للاستحباب والكراهة وتطبيقاتها الفقهية (ماجستير).
7) مفهوم الحصر وآثاره الأصولية والفقهية (ماجستير).
Cool الأحكام الكبرى -كتاب الأذان للإمام ابن كثير- دراسة وتحقيق (ماجستير).
9) الغرر وأثره في عقود المعاوضات المالية (ماجستير).
10) إجماعات النووي -جمع ودراسة- (ماجستير).
11) التصحيح والتوضيح للمنقول عن الشافعي في علم الأصول -تنصيصا وتخريجا- (ماجستير).
12) الآراء الأصولية لأبي بكر الصيرفي -جمع و دراسة وتحقيق- (ماجستير).
13) مراحل الحمل بين الشريعة والطب المعاصر وآثارها الفقهية (ماجستير).
14) تخريج الفروع والأصول على الأصول -دراسة نظرية تطبيقية- (ماجستير).
15) القاضي عبد الوهاب أصوليا (ماجستير).
16) إعمال أولوية التأسيس على التأكيد في مجالي الفقه والأصول (ماجستير).
17) إبراز الحكم من حديث "رفع القلم" للإمام تقي الدين السبكي (ماجستير).
18) دلالة مفهوم المخالفة عند الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء -باب النكاح أنموذجا- (ماجستير).
19) المنهج الأصولي و تفريعاته الفقهية عند الحافظ ابن خزيمة في كتابه "الصحيح" (ماجستير).
20) المماثلة في القصاص فيما دون النفس -دراسة فقهية مقارنة- (ماجستير).
21) الآثار الفقهية المترتبة على الاختلاف في الحكم على الحديث من خلال كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد -دراسة حديثية فقهية- (ماجستير).
22) طرق دفع التعارض بين الأدلة الشرعية عند أبي جعفر الطحاوي في كتابه "مشكل الآثار" و"شرح معاني الآثار" (الماجستير).

وللشيخ مقالات نشرت في مجلة منابر الهدى، وإجابات عن أسئلة وردت عليه من مختلف مناطق الجزائر ومن خارج الجزائر منها المكتوب بخطه ومنها المسجل في أشرطة في العقيدة والمنهج والفقه والأصول و نصائح دعوية، لا يزال سائرا على هذا الدرب بخطى ثابتة وهمة عالية، نسأل الله تعالى أن يبارك في جهوده ويجعلها في ميزان حسناته وأن يسلك به سبيل العلماء العاملين إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربّ العالمين.

عبد الله بن مسعود

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عبد الله بن مسعود فقيه أمة الإسلام من السابقين الأولين إلى الإسلام, هاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدراً وهو من رواة الأحاديث. عبد الله بن مسعود هو سادس من أسلموا .إسلامه

كان من أجود الناس ثوباً وأطيبهم رائحة, وقصة إسلامه أنه كان يرعى أغنام سيد من سادات قريش, وذات يوم مر به رسول الله وأبو بكر الصديق فقال:((يا غلام هل من لبن؟)). فقال بن مسعود:((نعم, ولكني مؤتمن على ما معي)). فقال :((فهل

معك شاة لا تدر لبناً؟)). قال ابن مسعود:((فأعطيته إحداها فمسح ضرعها فنزل اللبن فحلب في إناء فشرب  وسقى أبا بكر)). ثم قال للضرع:((أمسك عن إنزال اللبن)). فأمسك. فأسلم لما عرف أن هذا لا يصدر إلا عن نبي, وجعل نفسه في خدمة

النبي .جهره بالقرآن إن عبد الله بن مسعود أول من جهر بالقرآن الكريم بعد الرسول بمكة. ذلك حين اجتمع بعض أصحاب النبي وقالوا:((نريد أن نسمع قريشاً القرآن)). فقال عبد الله بن مسعود:((أنا الذي سوف يجهر بالقرآن)). فقالوا له:((أننا

نخشى عليك منهم)). فقال:((إن الله سيمنعني)). فقام ابن مسعود في ضحى اليوم التالي وقريش مجتمعة في نواديها وأخذ يقرأ سورة الرحمن رافعا بها صوته, فقاموا إليه يضربونه على وجهه. وكان عبد الله بن مسعود من المقربين إلى رسول الله

.شهد ابن مسعود المشاهد مع رسول الله . ولقد أوصى رسول الله الناس أن يتعلموا القرآن من عبد الله بن مسعود فقال:(( تعلموا القرآن من ابن أم عبد)). وهو بن مسعود. قال عبد الله بن مسعود:((والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من

كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه)) "البخاري" .الرسول يحب سماع القرآن من ابن مسعود روى مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه

قال:((قال لي رسول الله :"اقرأ علي القرآن"قلت:"يا رسول الله, أقرأ عليك وعليك أُنزل؟" قال:"إني أشتهي أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت:"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً" [ النساء:

41] فقال:"حسبك"(أي كفى) فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)). كان ابن مسعود يقتني سواكاً من الأراك, وكان صغير الساقين, فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه. فقال رسوا الله :((مم تضحكون؟)). فقالوا:((يا نبي الله من دقة ساقيه)).

فقال: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد)) أي من جبل أحد. أي في ميزان حسناته يوم القيامة. كان ابن مسعود ملازماً للنبي حتى توفاه الرحمن, فحزن عليه ابن مسعود حزناً عظيماً .الفاروق عمر وابن مسعود بعث أمير المؤمنين

عمر الفاروق عمر لأهل الكوفة عماراً أميراً, وابن مسعود وزيراً ومعلماً, وأنه كتب إليهم يقول لهم:((إن عمار وابن مسعود من أهل بدر, ومن خير أصحاب النبي فاسمعوا لهما واقتدوا بهما)), وإنه قال في آخر رسالته إلى أهل الكوفة:((والله لقد

آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي)) .خوفه وتواضعهوالأحاديث كثيرة أيضاً في خوفه من الله جل علاه. ومن تواضعه أنه خرج ذات يوم فأتبعه ناس, فقال لهم:((ألكم حاجة؟)), فقالوا:((لا, ولكننا نريد أن نسير معك)), فقال لهم:((ارجعوا

فإن ذلك ذلة للتابع وفتنة للمتبوع)) وقد روى قيس بن جبيـر عنه قال عبد الله:((حبذا"أي نِعْمَ" المكروهان الموت والفقر و أيم الله إن هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بأيهما بليت إن حق الله في كل واحد منهما واجب وإن كان الغني إن فيه للعطف

على المساكين وإن كان الفقر إن فيه للصبر)) .من أقواله المأثورةكانت تجري الحكمة على لسانه. ومن ذلك أنه قال:((ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية لله)), وقد أتاه رجل فقال له:((علمني يا ابن مسعود كلمات لكن جوامع

نوافع)), فقال ابن مسعود:((لا تشرك بالله شيئا, ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً, ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وإن كان حبيباً قريباً)) .ابن مسعود يتحدث عن فضيلة الصمتقال أيضا:((والله الذي لا إله سواه ما على الأرض

شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان)), وقال له رجل:((أوصني يا ابن مسعود)), فقال:((فليسعك بيتك, واكفف لسانك وابك على ذكر خطيئتك)), وعنه أيضا أنه قال:((ارض بما قسم الله تكن من أغنى الناس, واجتنب المحارم تكن من أورع

الناس وأد ما افترض عليك تكن من أعبد الناس)). من زرع خيراً يوشك أن يحصد رغبة ومن زرع شراً يوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع ما زرع لا يسبق بطئ بحظه ولا يدرك حريص ما لم يُقَدَّر له فمن أعطى خيراً فالله أعطاه ومن وُقي شراً فالله

وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة .وفاتهوحين مرض عبد الله مرض الموت عاده "زاره" عثمان . وسأله:((مم تشتكي يا عبد الله؟)) قال:((ذنوبي)) قال عثمان:((فما تشتهي؟)) قال عبد الله:((رحمة ربي)) قال:((ألا آمر

نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية لفضيلة العلامة الشيخ بكر عبدالله أبو زيد


نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية
لفضيلة العلامة الشيخ بكر عبدالله أبو زيد



نسبه:
بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبدالله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد, ينتهي نسبه إلى بني زيد الأعلى, وهو زيد بن سويد بن زيد بن سويد بن زيد بن حرام بن سويد بن زيد القضاعي, من قبيلة بني زيد القضاعية المشهورة في حاضرة الوشم, وعالية نجد, وفيها ولد عام 1365 هـ.

حياته العلمية :
درس في الكتاب حتى السنة الثانية الابتدائي, ثم انتقل إلى الرياض عام 1375 هـ, وفيه واصل دراسته الابتدائية, ثم المعهد العلمي, ثم كلية الشريعة, حتى تخرج عام 87 هـ/ 88 هـ من كلية الشريعة بالرياض منتسبا, وكان ترتيبه الأول.

وفي عام 1384 هـ انتقل إلى المدينة المنورة فعمل أمينا للمكتبة العامة بالجامعة الإسلامية.

وكان بجانب دراسته النظامية يلازم حلق عدد من المشايخ في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة.

ففي الرياض أخذ علم الميقات من الشيخ القاضي صالح بن مطلق, وقرأ عليه خمسا وعشرين مقامة من مقامات الحريري, وكان- رحمه الله- يحفظها, وفي الفقه: زاد المستقنع للحجاوي, كتاب البيوع فقط.

وفي مكة قرأ على سماحة شيخه, الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كتاب الحج, من (المنتقى) للمجد ابن تيمية, في حج عام 1385 هـ بالمسجد الحرام.

واستجاز المدرس بالمسجد الحرام الشيخ: سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان, فأجازه إجازة مكتوبة بخطه لجميع كتب السنة, وإجازة في المد النبوي.

في المدينة قرأ على سماحة شيخه الشيخ ابن باز في (فتح الباري) و (بلوغ المرام) وعددا من الرسائل في الفقه والتوحيد والحديث في بيته, إذ لازمه نحو سنتين وأجازه.

ولازم سماحة شيخه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي نحو عشر سنين, منذ انتقل إلى المدينة المنورة, حتى توفي الشيخ في حج عام 1393 هـ- رحمه الله تعالى- فقرأ عليه في تفسيره ( أضواء البيان), ورسالته ( آداب البحث والمناظرة), وانفرد بأخذ علم النسب عنه, فقرأ عليه ( القصد والأمم) لابن عبد البر, وبعض ( الإنباه) لابن عبد البر أيضا, وقرأ عليه بعض الرسائل, وله معه مباحثات واستفادات, ولديه نحو عشرين إجازة من علماء الحرمين والرياض والمغرب والشام والهند وإفريقيا وغيرها, وقد جمعها في ثبت مستقل.

وفي عام 1399 هـ / 1400 هـ, درس في المعهد العالي للقضاء منتسبا, فنال شهادة العالمية (الماجستير), وفي عام 1403 هـ تحصل على شهادة العالمية العالية (الدكتوراه).

حياته العملية :
وفي عام 87 هـ / 88 هـ لما تخرج من كلية الشريعة اختير للقضاء في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فصدر أمر ملكي كريم بتعيينه في القضاء في المدينة المنورة, فاستمر في قضائها حتى عام 1400 هـ.

وفي عام 1390 هـ عين مدرسا في المسجد النبوي الشريف, فاستمر حتى عام 1400 هـ.

وفي عام 1391 هـ صدر أمر ملكي بتعيينه إماما وخطيبا في المسجد النبوي الشريف, فاستمر حتى مطلع عام 1396 هـ.

وفي عام 1400 هـ اختير وكيلا عاما لوزارة العدل, فصدر قرار مجلس الوزراء بذلك, واستمر حتى نهاية عام 1412 هـ, وفيه صدر أمر ملكي كريم بتعيينه بالمرتبة الممتازة, عضوا في لجنة الفتوى, وهيئة كبار العلماء.

وفي عام 1405هـ صدر أمر ملكي كريم بتعيينه ممثلا للمملكة في مجمع الفقه الإسلامي الدولي, المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي, واختير رئيسا للمجمع.

وفي عام 1406هـ عين عضوا في المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي, وكانت له في أثناء ذلك مشاركة في عدد من اللجان والمؤتمرات داخل المملكة وخارجها, ودرس في المعهد العالي للقضاء, وفي الدراسات العليا في كلية الشريعة بالرياض.




مؤلفاته :
وله مشاركة في التأليف في: الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة, طبع منها ما يأتي:

أولا- في الفقه:
1 - 15- فقه القضايا المعاصرة: (فقه النوازل) ثلاثة مجلدات فيها خمس عشرة قضية فقهية مستجدة في خمس عشرة رسالة:
1- التقنين والإلزام.
2- ( المواضعة في الاصطلاح).
3- ( أجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة).
4- (طفل الأنابيب).
5- (خطاب الضمان البنكي).
6- ( الحساب الفلكي).
7- (البوصلة).
8- ( التأمين).
9- ( التشريح وزراعة الأعضاء).
10- (تغريب الألقاب العلمية).
11- (طاقه الائتمان).
12- (بطاقة التخفيض).
13- ( اليوبيل).
14- ( المثامنة في العقار).
15- ( التمثيل).
16- ( التقريب لعلوم ابن القيم) مجلد.
17- ( الحدود والتعزيرات) مجلد.
18- ( الجناية على النفس وما دونها) مجلد.
19- ( اختيارات ابن تيمية) للبرهان ابن القيم, تحقيق.
20- (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية) مجلد.
21- (معجم المناهي اللفظية) مجلد.
22- (لا جديد في أحكام الصلاة).
23- (تصنيف الناس بين الظن واليقين).
24- ( التعالم).
25- (حلية طالب العلم).
26- ( آداب طالب الحديث من الجامع للخطيب).
27- ( الرقابة على التراث).
28- (تسمية المولود).
29- ( أدب الهاتف).
30- ( الفرق بين حد الثوب والأزرة).
31- ( أذكار طرفي النهار).
32- ( المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل) مجلدان.
33- ( البلغة في فقه الإمام أحمد بن حنبل) للفخر ابن تيمية, مجلد, تحقيق.
34- (فتوى السائل عن مهمات المسائل).

ثانيا- في الحديث وعلومه:
35- (التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل). ثلاث مجلدات, طبع منها الأول.
36- (معرفة النسخ والصحف الحديثة).
37- ( التحديث بما لا يصح فيه حديث).
38- ( الجد الحثيث في معرفة ما ليس بحديث) للغزي, تحقيق. 39-43- ( الأجزاء الحديثية) مجلد, فيه خمس رسائل هي:
39- (مرويات دعاء ختم القرآن الكريم) جزء.
40- (نصوص الحوالة) جزء.
41- (زيارة النساء للقبور) جزء.
42- (مسح الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء) جزء.
43- (ضعف حديث العجن) جزء.

ثالثا- في المعارف العامة:
44- 47- ( النظائر) مجلد, ويحتوي على أربع رسائل:
44- (العزاب من العلماء وغيرهم).
45- (التحول المذهبي).
46- (التراجم الذاتية).
47- (الطائف الكلم في العلم).
48- (طبقات النسابين) مجلد.
49- (ابن القيم: حياته, آثاره, موارده) مجلد.
50- 54- (الردود) مجلد, ويحتوي على خمس رسائل
50- (الرد على المخالف).
51- (تحريف النصوص).
52- (براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة).
53- (عقيدة ابن أبي زيد القيرواني وعبث بعض المعاصرين بها).
54- ( التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير).
55- (بدع القراء) رسالة.
56- (خصائص جزيرة العرب).
57- (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة), 3 مجلدات, للشيخ محمد بن عبد الله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة ت سنة 1296 هـ- رحمه الله تعالى- تحقيق بالاشتراك.
58- (تسهيل السابلة إلى معرفة علماء الحنابلة) للشيخ/ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين المكي- رحمه الله تعالى- تحقيق في مجلدين.
59- (علماء الحنابلة من الإمام أحمد إلى وفيات القرن الخامس عشر الهجري), مجلد على طريقة: ( الأعلام) للزركلي.
60- (دعاء القنوت).
61- (فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد) للشيخ حامد بن محمد الشارقي- رحمه الله تعالى- مجلد, تحقيق.
62- (نظرية الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان).
63- (تقريب آداب البحث والمناظرة).
64- (جبل إلال بعرفات), تحقيقات تاريخية وشرعية.
65- (مدينة النبي صلى الله عليه وسلم رأي العين).
66- (قبة الصخرة, تحقيقات في تاريخ عمارتها وترميمها).
نسأل الله للشيخ بكر الأجر، وأن يزيده من فضله ، وأن ينفع به المسلمين ، وأن يحفظه ويجعله مباركا أين ما كان .

الشيخ مصطفى أحمد ناجي رحمه الله


الشيخ مصطفى أحمد ناجي رحمه الله

الشيخ مصطفى أحمد ناجي، من أعلام الدعوة السلفية، ونائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان،

ولد بمدينة سواكن في السودان عام 1334هـ، وتلقى العلم على يد الشيخ أبو طاهر السواكني،

أحد علماء الأزهر المعروفين، وفي عام 1945م كوَّن الشيخ ناجي مجموعة للدعوة أطلق عليها اسم (جماعة التوحيد)،

 ولما سمع بجماعة أنصار السنة في أم درمان بادر بالانضمام إليها، وعمل في صفوفها،

وتولى إمامة مسجد المركز العام للجماعة ولمدة تزيد على ثلاثة عقود،

وأصبح بذلك خطيبَ أهم مسجد للجماعة، تميز -رحمه الله- بغزارة علمه.



وكان له أسلوبه المتميز في تدريس أبواب التوحيد والعبادات وتناول القضايا العامة وتحليل الأحداث،

وكان من المهتمين بالعلم والتعليم، واستطاع أن يستقطب الكثير من الشباب إلى الدعوة

إلى السلفية من خلال الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها بالمركز العام للجماعة،

وقد تخرج على يديه المئات منهم، وكان له أثر بارز في إعداد الكثير من الدعاة وخطباء الجمعة.

ابتُلِي وامتحن في سبيل دعوته، وكان حكيمًا مع خصومه وكسب الكثير منهم، أنفق بسخاء

 في سبيل نصرة الدعوة الإسلامية،

توفي رحمه الله في التاسع من شهر شوال عام 1423هـ.

سالم مولى أبي حذيفة

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :








أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::سالم مولى أبي حذيفة :::
:::الكـاتب :  إبراهيم بن صالح العجلان:::
الخطبة الأولى

معاشر المسلمين: تحيا القلوبُ بذِكْر الصالحين، وتهفو النفوس لمعرفة حياتهم، وتُصغي الآذان لسماع أخبارهم، لا سيَّما إذا كان أولئك هم أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين اصطفاهم اللهُ لصحبة نبيِّه، واختارهم لتبليغ رسالتِه.

نَقِف مع أخبار القوم، ونقترب من سِيَرهم، ونحيي ذِكْرَهم في زمن نُمطَر فيه بوابلٍ من المسْخ الأخلاقي، والتبعية الفِكريَّة، حتى ضاعتْ معاني القدوة الحسنة بيْن شبابنا وناشئينا، ما بيْن مشرِّق ومغرِّب.

نحن اليوم مع رجلٍ من رِجالات المدرسة المحمدية، رجل أعجبَ أهل زمانه بصلاحه وتقواه، هو أحدُ السابقين الأوَّلين، ومن البدريِّين المقربين، ازدحمتْ حوله الفضائل، وتجمَّعت عنده الشمائل، قال عنه الفاروقُ البصير بمعادن الرِّجال: لو كان حيًّا لاستخلفتُه، ولَمَا جعلتُها شورى!.

نحن مع أبي عبدالله، سالمٍ مولى أبي حُذيفة.

لعلَّه يزداد عجبك - أخي المبارك - إذا عرفتَ أن هذا الرجل، الذي أهَّله الفاروق لقيادة الأمَّة، قد نشأ أوَّل ما نشأ مملوكًا رقيقًا، في بيت أبي حذيفة بن عُتْبة بن ربيعة، أحدِ شباب قريش وأشرافهم، نشأَ هذا الغلامُ الرقيق في هذا البيت القرشي، فأحبُّوه حبًّا جمًّا، فلم يقترب سالم من سن الحُلم إلا وقد أصبح حرًّا، فأعتقه أبو حذيفة، وأعْلن تبنِّيَه له، وانتسابه إليه، فأصبح يُسمَّى بين الناس بسالم بن حُذيفة، على عادة العرب في جاهليتها.

في تلك الأثناء، انبثقتْ من بطحاء مكَّة أنوارُ النبوة المحمدية، فبعث الله نبيَّه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، فكان أبو حذيفة وابنه سالم مِن أوائل من شرح الله صدرَهم للإسلام، وأنار بصائرَهم بالإيمان.

ازدادتْ علاقة سالم بأبي حُذَيفة بعدَ الإسلام، وعظمت المودَّة بينهما، فكانَا أشدَّ التصاقًا، وأكثرَ اتفاقًا، حتى لكأنَّهما رُوحانِ في جسدٍ واحد، نشأ سالم في هذا المجتمع الجديد، الذي لا طبقيةَ فيه ولا تمايز، فلم يكن لحَسَبه بين إخوانه أيُّ اعتبار؛ لأنَّ حقيقة الميزان عندَ أهل ذلك الزمان: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات: 13].

وظلَّ سالم يُسمَّى بيْن الصحابة بسالِم بن حذيفة، حتى نزَل قول الحق- تبارك وتعالى-: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)[الأحزاب: 5]، فطَفِق المسلمون يَبحثون عن أنسابِ مَن تبنَّوْهم، ويردونهم إلى آبائهم، لكنَّ أبا حذيفة لم يهتدِ إلى والد سالم، مع كثرة بحْثه وسؤاله، فأطلق عليه الناسُ بعد ذلك (سالم مولى أبي حذيفة)، وظلَّ يُعرَف بهذا اللقب في حياته وبعدَ مماته.

عباد الله: أن يُوصَف رجل بالصلاح، فهذا ليس بمستغرَب، ولكن أن يَصِف أهلُ جيل مشهودٌ لهم بالصلاح رجلاً منهم بالصلاح، فهذه هي المنْقَبة التي تُسطَّر وتُدوَّن في المآثِر والفضائل؛ ولذا اشتهر بيْن الصحابة أنَّ سالمًا من الصالحين، كان سالم مولى أبي حذيفة من الزُّمرة المؤمنة، الذين أوذوا بسبب دِينهم، فصَبَر وصابر في سبيل مرضاةِ ربِّه، فعاش حياةَ الاضطهاد والابتلاء، التي ذاقَها السابقون الأوَّلون سنواتٍ عدةً، حتى أَذِن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه الكرام بالهِجرة إلى طَيْبة الطيبة، فكان سالم في طليعة هذه الكَوْكبة المؤمِنة الصادقة، الذين شرَّفهم ربُّهم وزكاهم بقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[الحشر: 8].

إخوة الإيمان: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله لَيرفعُ بهذا القرآن أقوامًا ويَضَع آخرين))، فكان سالمٌ - رضي الله عنه - من أولئك الرِّجال الذين أعْلى القرآن شأنَهم، وأبْقى في الغابرين أثرَهم، لقد ملأ القرآنُ على سالمٍ قلْبَه، فكان لهَّاجًا بالذِّكر الحكيم، عاملاً به، يتخلَّق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويُعظِّم أمر ربِّه فيه، لقد أكبَّ سالم على كلام ربه، وفرغ له نفسَه ووقته؛ ليأخذه غضًّا طريًّا من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتقنه ومَهَر فيه، فكان - رضي الله عنه - من المقدَّمين الممكَّنين في تلاوته وتحبيره، فتوسَّم بعدَ ذلك شهادةً عُليا في إتْقان القرآن الكريم، شهادة مِن مَن؟ ممن لا ينطق عن الهوى، من النبي المصطفى، الذي كان يوصي أصحابه بقوله: ((استقرئوا القرآن من أربعة: من عبدالله بن مسعود، وسالم موْلى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبَل))، فكان سالم بعد ذلك محطَّ أنظار الصحابة وتقديرهم وإجلالهم، ومع المهرة في أداء القرآن وإتقانه، رَزَق الله سالمًا صوتًا عذبًا حسنًا، تطرب له الأسماع، وتخشع له النفوس.

ها هي أُمُّنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تصغي سمعَها لرجلٍ يُرتِّل الآيات، فاستعذبتْ صوته، فمكثتْ مليًّا تستمع لجميل تلاوته وحسن أدائه، وهي لا تعرفه، فاستبطأها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فلما جاءتْ سألها، فقالت: إنَّ في المسجد لأحسنَ مَن سمعت صوتًا بالقرآن، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرفَ من هو، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ملأه السُّرورُ والرِّضا عن صاحبه: ((الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثلك)).

عباد الله: وإذا رُزق العبد متانةً في الأداء، وحسنًا في الصوت، كان أهلاً أن يقدَّم لإمامة الناس؛ ولذا كان سالم مولى أبي حذيفة هو المقدَّمَ لإمامة المسلمين في المدينة قبلَ هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أَمَّهم في مسجد قُباءٍ، وفي النَّاس كِبارُ الصحابة وسابقوهم وقراؤهم، منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -.

ومِن ملامح شخصية سالم - رضي الله عنه -: أنَّه كان قوَّالاً بالحق، صدَّاعًا بالإنكار، إذا عرَف الحق لم يتردد أن يقوله، وإذا رأى باطلاً لم يسعْه أن يسكتَ عليه، ومِن المواقف الدالة على صلابته وقوَّته: قصة خالد بن الوليد مع بني جذيمة، حين قتل رجالاً منهم متأوِّلاً، فراجعه عبدالله بن عمر فَنَهَمه خالد فسكت ابنُ عمر، فتقدَّم سالم وأنكر على خالد، وعاتبَه حتى احتدَّ النقاش بينهما، وبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صنيعُ خالد مع بني جَذِيمة، فقال: اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم سأل: ((هل أنْكر عليه أحد؟))، فقالوا: نعم، فأُخبِر بخبر ابن عمر وسالم، فسكن غضبُ النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن ملامح شخصية سالم - رضي الله عنه -: أنَّه كان عظيمَ الخلق، سَمْح النَّفْس، سهل المعاملة، هينًا لينًا، لكنه كان يحمل بين جنبيه شجاعةً وإقدامًا، تجبُن دونها شجاعةُ الشُّجعان، حتى إنَّه ليصدق فيه قول القائل:

تَرَى الرُّجَلَ النَّحِيلَ فَتَزْدَرِيهِ *** وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ

كان - رضي الله عنه - مسعرًا مغوارًا، إذا اشتدَّ ضراب الحرب، أرخص نفسَه لا يريد بقاءَها.

أَخُو الحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا *** وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحَرْبُ شَمَّرَا

سلْ بدرًا وأُحدًا، والخندق وحُنينًا عن فرسانها، تُجِبْك أنَّ سالمًا أحدُ أبطالها وشجعانها.

يُحاصَر النبي - صلى الله عليه وسلم - يومَ أحد، وتطوِّقه غاشيةٌ من المشركين، فأصبح هدفًا لسيوفهم وسهامهم، ورماحهم وحجارتهم، فكُسرت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ وجهه، وغارتْ حلقة المِغْفر في وَجْنته، فكان سالم لصيقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقِف العصيب، يَفديه برُوحه، ويقاتل دونَه قتالَ الأسود الضارية، حتى إذا جَلَس النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ذلك وقد أرهقه التعب، كان سالم مولى أبي حذيفة، هو الذي يَغْسِل وجهه الشريف بالماء، ويمْسح الدم عنه.

شهد - رضي الله عنه - المشاهد كلَّها، فما تخلَّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها، فهو مِن أهل بدر، الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم))، وهو من أهل بيعة الرضوان، الذين قال الله عنهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)[الفتح: 18]، هو هو هو.

إخوة الإيمان: وانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فنجم الكُفر، وظهرتِ الردة، فكان لها أبو بكر - رضي الله عن أبي بكر - فعَقَد الصديق ألويةَ الجهاد لقتالهم وكسْرهم، وكان أقوى الألوية التي عبَّأها لواء خالد بن الوليد سيفِ الله المسلول، فسيَّره الصديق لقتال أعْتى وأقوى المرتدين، إلى جِهة مسيلِمة الكذَّاب، فكانت موقعة اليمامة، من أشرسِ المعارك التي خاضَها خالد بن الوليد والمسلمون معه.

قسَّم ابن الوليد جيشَه ورتَّبه، واعتمد على أهل بدر والسابقين الأوَّلين، فأعطى راية الأنصار لثابت بن قيس، وأعطى راية المهاجرين لسالم مولى أبي حذيفة.

دارتْ رحى الحرب، وحمي وطيسُها، وكان الغلبة في أوَّل المعركة للمرتدين، فكَسروا قلْب الجيش الإسلامي، ووَصلوا إلى خَيْمة خالد بن الوليد ثلاثَ مرات. قال ابن كثير: قاتلتْ بنو حنيفة قتالاً لم يُعهَد مثله.

عندها صرخ عبقريُّ المعارك خالد بن الوليد في الناس، ونادَى: امتازوا أيها الناس؛ لنعلم بلاءَ كلِّ حي، ولنعلم مِن أين نؤتى، فأشعلتْ كلماته حماسَ الصحابة، فجعلوا يتواصَوْن ويقولون:

يا أصحاب سورة البقرة، بطل السِّحر اليوم، وكان أبو حذيفة يُنادي: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفِعال، أما سالم موْلى أبي حُذيفة، فقد كان ثابتًا ممسكًا بالراية لم يتزحزحْ عنها، فقال له المهاجرون: يا سالم، إنَّا نخاف أن نؤتى من قِبلك، فقال سالم: بئس حاملُ القرآن أنا، إن أُتيتم من قبلي.

ومع شراسة الحرب وبسالة العدو، انكشف بعض المسلمين عن أماكنهم، فنادى سالم: ما هكذا كنَّا نفعل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثبت - رضي الله عنه - ثباتَ الأبطال، وقاتل قتالاً مشهودًا، حتى بُتِرتْ يمينه، فحمل اللواء بشماله، فقُطِعتْ شماله، فأخذ الراية بعضديه، وهو يقرأ القرآن: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) عندها، سقَط البطلُ الهُمام، مضرجًا بدمائه، يعالج آلامَه، ويلفظ أنفاسَه.

وضعت الحربُ أوزارها، وهُزِم جيش المرتدين، وقُتل مسيلِمة الكذاب، فوقف خالد بن الوليد على رأس سالم يُبشِّره برحمة الله وفضله وأجره، وكان سالم - رضي الله عنه - في رمقِه الأخير فسأل. ! فماذا عساه أن يسأل؟

ماذا عساه أن يسأل في لحظةِ الوداع والفراق؟!

لقد سأل عن صاحبه ورفيقِ عمره أبي حذيفة، فأخبره خالدٌ أنه مضَى إلى ربِّه شهيدًا، فقال: أضْجعوني إلى جانبه، ثم فاضتْ رُوحه إلى باريها.

وهكذا فارق الأخوانِ حياتهم لصيقَيْن، بعد أن عاشَا وكانَا لصيقين، وهكذا خُتِمت صفحة من حياة سالم مولى أبي حذيفة، وفي عقرباء ثُوي جثمانُ سالم، ثُوي جثمانُ حامل القرآن، بعدَ حياة مليئة بالتُّقى والصلاح، والجهاد والإيمان.

فسلامٌ على سالمٍ في الصالحين، سلامٌ على سالم في الغابرين، نعم لقد رَحَل سالم، ولكن لم يرحلِ اسمُه من التاريخ؛ بل بقِي محفورًا في ذاكرة الأمَّة، وستبقى الأمَّة إلى آخرها تذكر قول نبيِّها - صلى الله عليه وسلم - عن سالم: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك)).

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، أما بعد:

فيا إخوةَ الإيمان، ونحن نتكلَّم ونستذكر حياةَ ذلك الجيل، نعلم وايمُ الله، إنَّنا لن نبلغ معشارَ منزلة القوم، لا في العِلم ولا في العمل، ولو أنفَق أَحدٌ مثلَ أُحدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، ولكن حسبنا وسلوانا محبتُهم والتأسي بهم، ونرجو من الكريم المنان أن نلحق بهم ولَمَّا ندرك عملهم، وفي الحديث الصحيح: ((المرء مع من أحب))، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فما أحوجنا - عباد الله - أن نرتبط بسير سلفنا! ففيها صلاح للقلوب، وتهذيب للنفوس، وتَحلٍّ بالأخلاق، وتسوُّر للمكارم.

وتراجم الرجال هي مدارسُ للأجيال.

إِذَا أَعْجَبَتْكَ خِصَالُ امْرِئٍ *** فَكُنْهُ تَكُنْ مِثْلَ مَا يُعْجِبُكْ

فَلَيْسَ عَلَى الجُودِ وَالمَكْرُمَاتِ *** إِذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكْ

زياد علي

زياد علي محمد