الخميس، 5 سبتمبر 2019

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ،وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ،وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :





أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

3
:::أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه:::
:::الكـاتب : يحيى بن موسى الزهراني:::

1- عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضَبة بن الحارث بن فِهْر -ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه في فهر- بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي.

2- شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ)) [رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني واللفظ لأحمد].

3- مكانته...أمين الأمة:

قدم أهل نجران على النبي- صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه أن يرسل إليهم واحداً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لأبعثن -يعني عليكم- أميناً حق أمين))، فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الإمارة أو يطمعون فيها، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أميناً حق أمين))، وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الإمارة لهذا آنذاك، بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - حرصاً منه - رضي الله عنه - أن يكون أميناً حق أمين، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجاوز جميع الصحابة وقال: ((قم يا أبا عبيدة)).

كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه: ((لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله)).

4- لقبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين هذه الأمة:

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) [متفق عليه].

قَالَ الْحَافِظُ - رحمه الله -: "صِفَةُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ وَالْقَضَاءَ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ" [تحفة الأحوذي].

5- الأمانة أساس الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قَالَ: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7179].

6- من أعظم الأمانة، أمانة الدين، فالدين أمانة في عنقك تسأل عنه يوم القيامة، هل أنت أمين في دينك، في تعاملك، في أخلاقك، في أسرتك، في كل حياتك، حياتك كلها أمانة، ولا يعتقد أحد أن الأمانة محصورة في الودائع فقط، فهذا مفهوم قاصر، بل الأمانة تشمل جميع مناحي حياتك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ))؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) [رواه البخاري].

عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)) [رواه مسلم].

عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة)) [رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2570].

عَنِ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)) [رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة1/196].

هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله - عز وجل - وصفاته.

7- كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالاً، أحنى منعطف نحو الصدر أثرم الثنيتين، ووصف بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.

أتدرون لماذا كان أثرماً، دعونا نستمع لهذه القصة التي رواها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -:

يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: " لما كان يوم أحد، ورمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني، فقال: (أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم) وكانت هذه الثرمة جعلت من ثغره أحسن ثغر.

8- قصة الحوت:

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً - قَالَ - فَقُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِي دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ: لاَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ فِى وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا))؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ فَأَكَلَهُ " [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

9- كان من السابقين إلى الإسلام، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وكان ممن جمع القرآن.

10- كان من أحب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: فَسَكَتَتْ" [رواه الترمذي وغيره وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني].

11- أما غزواته، فقد شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع المعارك، بدءاً بغزوة بدر، حيث قيل أنه قتل أباه، فنزل فيه قول الله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة22].

12- فتح الله على يديه الفتوح، وكان بطلاً مغواراً - رضي الله عنه - وأرضاه.

13- عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَرْغَ حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيداً، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللَّهُ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ قُلْتُ: " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِيناً، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا بَالُ عُلْيَا قُرَيْشٍ يَعْنُونَ بَنِي فِهْرٍ؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي - عز وجل -: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ؟ قُلْت: " سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَي الْعُلَمَاءِ نَبْذَةً))، وفي رواية: ((رتوة)) يعني يسبقهم بمد البصر" [رواه أحمد].

14- معركة اليرموك:

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد، وصل الخطاب إلى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالداً بالأمر، فسأله خالد: (يرحمك الله أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟)، فأجاب أبو عبيدة: (إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة)، وأصبح أبو عبيدة أمير الأمراء بالشام.

15- تواضعه:

ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء، فجمعهم وخطب فيهم قائلاً: (يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه!!).

وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه، فقالوا له: (من؟) قال: " أبو عبيدة بن الجراح "، وأتى أبو عبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره، فلم يجد فيها من الأثاث شيئاً، إلا سيفه وترسه ورحله، فسأله عمر وهو يبتسم: (ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟)، فأجاب أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل).

16- طاعون عمواس:

حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس"، وكان أبو عبيدة أمير الجند هناك، فخشي عليه عمر من الطاعون، فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلا: (إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجهاً إلي، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجهاً إلي، فإن لي حاجة إليك، وفَهِمَ أبو عبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه – متأدباً معتذراً عن عدم الحضور إليه وقال: (لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك، وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب إلى عمر بكى، فسأله من حوله: (هل مات أبو عبيدة؟) فقال: (كأن قد)، والمعنى: أنه إذا لم يكن قد مات بعد، وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة، إذ لا خلاص من الطاعون.

وكان أبو عبيـدة - رضي الله عنه - في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا، ومات أبو عبيـدة - رضي الله عنه - سنة 18 ثماني عشرة للهجرة، في طاعون عمواس، وقيل أن قبره في غور الأردن.

سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 8 )

سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 8 )

(15 - 40) سنة


النشادري (000 - 522) = شاباً

• موسى بن أحمد بن محمد النشادري أبو القاسم.

 • قال ابن رجب[1]: ((الفقيه، سمع الحديث الكثير، وقرأ بالروايات، وتفقه على ابن الزاغوني، وناظر.

 • أظنه مات شاباً، فإن شيخه ابن الزَّاغُونيِّ، وناظر.

 • أظنه مات شاباً فإن شيخه ابن الزَّاغُونيِّ عاش بعده مدة)). اهـ.

 • وقال ابن القطيعي: سمع من أبي منصور الخازن، وأكمل ((التعليقة))، وناظر، وتبصر في المذهب.



ابن قوَّام السنَّة (500 - 526) = 26 سنة

• محمد ابن الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني.

• قال أبو موسى المديني[2]: ((... صار إماماً في اللغة والعلوم حتى ما كان يتقدمه

كبير أحد في الفصاحة والبيان والذكاء، وكان أبوه يفضله على نفسه في اللغة، وجريان اللسان.

• أملى جملة من شرح الصحيحين[3]، وله تصانيف كثيرة مع صغر سنه.

 • مات بهمذان سنة ست وعشرين، وفقده أبوه)). اهـ.



اليافعي (517 - 546) = 29 سنة

• محمد بن أبي بكر بن محمد بن عبدالله القاضي اليافعي.

• قال الجعدي [4]: ((درس الفقه، وكان له معرفة بعلم الكلام، واللغة العربية، حسن الشعر، مات بالجند.

 • ولأبيه القاضي فيه أشعار كثيرة يمدحه فيها ويرثيه)).اهـ.



[1] ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (1/176). وانظر: ((شذرات الذهب)) (4/66).

[2] ((السير)): (20/83 - 84).

[3] لم يكملها، وأكملها أبوه. وانظر: ((تذكرة الحفاظ)) (4/1280)؛ و((الشذرات)) (4/62).

[4] ((طبقات فقهاء اليمن)) (ص166)

يحيى بن سعيد القطان .. أمير المؤمنين في الحديث

اسمه ومولده وصفته:


اسمه: يحيى بن سعيد بن فروخ القطَّان، التَّميميُّ؛ أبو سعيدٍ البصريُّ الأحولُ الحافظ، الإمامُ الكبير، شيخُ الإسلام، وأميرُ المؤمنين في الحديث؛ يُقال: مولى بني تميم، ويُقال: ليس لأحد عليه ولاء.


مولده: قال الذَّهبيُّ: وُلد في أول سنة عشرين ومائة.


صفته: قال الحافظُ ابن عمار: كنتُ إذا نظرتُ إلى يحيى القطَّان ظننتُ أنه لا يُحسن شيئاً، بزيِّ التجار، فإذا تكلم أنصت إليه الفقهاء.


وقال أحمدُ بن محمد بن يحيى القطَّان: لم يكن جَدِّي يمزح، ولا يضحك إلا تبسُّماً، ولا دخل حماماًُ، وكان يخضب.


عُني بعلم الحديث أتم عناية، ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ كمسلم وعليِّ بن المديني والفلاس وغيرهم، وكان في الفروع على مذهب أبي حنيفة إذا لم يجد النَّصَّ.


ثناء العلماء عليه:


عن بندار قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد إمامُ أهل زمانه...


كان يحيى القطَّان، يُصلِّي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقفُ بين يديه عليُّ بنُ المدينيّ، والشَّاذكوني، وعمرو بن عليٍّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يسألونه عن الحديث، وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحينَ صلاةُ المغرب، لا يقول لواحدٍ منهم: اجلس، ولا يسألون؛ هيبةً له، وإعظاماً.


وعن عبد الله بن أحمد حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: حدثني يحيى بن القطَّان، وما رأت عيناي مثلَه.


وقال أحمد: وما كتبتُ عن مثل يحيى بن سعيد.


وعن أبي عوانة قال: إن كنتم تُريدون الحديث؛ فعليكم بيحيى القطَّان، فقال له رجل: فأين حمَّاد بن يزيد؟ قال: يحيى بنُ سعيدٍ معلِّمُنا.


قال عبدُ الرحمن بن مهديّ: اختلفوا يوماً عند شعبة، فقالوا له: اجعل بيننا وبينك حكماً، قال: لقد رضيتُ بالأحول -يعني القطَّان- فجاء فقضى على شعبة، فقال شعبةُ: ومن يُطيق نقدك يا أحول.


وقال محمد بن بندار الجرجانيُّ: قلت لابن المدينيِّ: مَن أنفع من رأيتَ للإسلام وأهله؟ قال: يحيى بن سعيد القطَّان.


وقال أحمد بن عبدالله العجليُّ: كان يحيى بنُ سعيد نقيَّ الحديث، لا يُحدِّث إلا عن ثقة.


وعن أحمد بن أبي الحواريِّ، قال: سمعت أحمد بن حنبل -ولقيته بحمص- يقول: المتثبِّت عندنا بالعراق ثلاثة: يحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح.


وعن عليِّ بن المدينيِّ قال: سَنَحَ لي ليلةً خالد بن الحارث، فقلت له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: غفر لي! إنَّ الأمر شديدٌ.


قلت: فما فعل بيحيى بن سعيدٍ القطَّان ؟ قال: نراه كما ترون الكوكب الدُّرِّيَّ في السَّماء.


وقال محمدُ بن سعد: وكان ثقةً، مأموناً، رفيعاً، حجةً.


قال الطَّيالسيُّ: كان يحي بن سعيد يُوقَّر وهو شابٌّ.


قال النَّسائيُّ: أمناء الله على حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: شعبة ومالك ويحيى بن القطَّان.

عبادته:


عن يحيى بن معين، قال: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنةً يختم القرآنَ في كلِّ ليلةٍ، ولم يَفُتْه الزوال في المسجد أربعين سنة، وما رُئي يطلب جماعةً قط.

عن عمرو بن عليٍّ، قال: كان يحيى بن سعيد القطَّان يختم القرآن كلَّ يومٍ وليلة، يدعو لألف إنسان، ثم يَخرج بعد العصر فيُحدِّث الناس.


وقال ابنُ خُزيمة: سمعت بنداراً يقول: اختلفت إلى يحيى بن سعيد أكثرَ من عشرين سنة؛ ما أظنُّه عصى الله هذه قط.


وقال محمد بن يحيى بن سعيد: قال: قال أبي: كنت أخرجُ من البيت أطلب الحديث، لا أرجعُ إلا بعد العتمة.


وقال عليُّ بن المدينيِّ: كنا عند يحيى بن سعيد، فقرأ رجلٌ سورةَ الدُّخان، فصعق يحيى وغُشي عليه.


تشدُّده في نقد الرِّجال:


قال الذهبيُّ: كان يحيى بن سعيد متعنِّتاً في نقد الرجال؛ فإذا رأيته قد وثَّق شيخاً فاعتمد عليه، أمَّا إذا ليَّن أحداً فتأنَّ في أمره، حتى ترى قولَ غيره، فقد لَيَّنَ مثل: إسرائيل، وهمَّام، وجماعة احتجَّ بهم الشَّيخان، وله كتاب في الضعفاء لم أقف عليه، ينقل منه ابن حزم وغيره، ويقعُ كلامه في سؤالاتٍ عليٍّ، وأبي حفص الصيرفيِّ، وابن معين له.


عن عليِّ بن المدينيِّ قال: ما رأيتُ أعلمَ بالرجال من يحيى بن سعيد القطَّان، ولا رأيت أعلمَ بصواب الحديث والخطأ من عبدِ الرحمن بن مهدي؛ فإذا اجتمع يحيى، وعبد الرحمن بن مهدي، على ترك حديث رجل، تركتَ حديثه، وإذا حدَّث عنه أحدهما؛ حدَّثت عنه.


وعن يحيى قال: قال لي يحيى بن القطَّان: لو لم أروِ إلا عمَّن أرضى، لم أروِ إلا عن خمسة.


وقال أحمد بن عبدالله العجليُّ: كان يحيى بنُ سعيدٍ نقيَّ الحديث، لا يُحدِّث إلا عن ثقة.


قال عبدالرحمن بن مهديِّ: اختلفوا يوماً عند شعبة، فقالوا له: اجعل بيننا وبينك حكماً، قال: قد رضيتُ بالأحول؛ يعني القطَّان، فجاء؛ فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يُطيق نقدك يا أحول.


حفظه وتثبته:


قال عليُّ بن المدينيِّ: لم أر أحداً أثبت من يحيى بن سعيد القطَّان.


وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: مَن رأيتَ في هذا الشأن؛ يعني الحديث؟ قال: ما رأيتُ مثل يحيى بن سعيد، قلتُ: فهشيم، قال: هشيم شيخ، ما رأيتُ مثل يحيى، قلت: وعبدالرحمن بن مهديّ؟ قال: لم نرَ مثل يحيى في كلِّ أحواله.


وقال أبو داود: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: كان يحيى يُحدِّثكم من حفظه، قال: ما رأينا كتاباً؛ كان يحدِّثنُا من حفظه، ويقرأ علينا الطِّوال من كتابنا.


وقال عبدُ الله بن بشر الطَّالقانيُّ: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: يحيى بنُ سعيد أثبتُ الناس.


قال عبدُ الرحمن بن مهديِّ: لما قدم الثَّوريُّ البصرة، قال: يا عبدَ الرحمن، جئني بإنسان أُذاكره، فأتيتُه بيحي بن سعيد، فذاكره، فلمَّا خرج، قال: قلتُ لك جئني بإنسان، فجئتني بشيطان -يعني بهره حفظه.


دررٌ من أقواله:


عن عمرو بن عليٍّ، قال: قلتُ ليحيى في مرضه الذي مات فيه: يُعافيك الله! فقال: أحبُّه إليَّ أحبُّه إلى الله -عز وجل-.


قال محمد بن عبدالله بن عمَّار: قال يحيى بن سعيد: لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد؛ فإن صحَّ الإسناد، وإلا فلا تغترُّوا بالحديث، إذا لم يصحَّ الإسناد.


وعن عليِّ بن عبدالله قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: القَدَرُ والعلم والكتاب عندنا واحدٌ، وسمعته -وسأله ابنه محمد- فقال: يا أبتِ، المعاصي بقَدَرٍ؟ قال: المعاصي تُقَدَّرُ.


وعن شاذي بن يحيى، قال: قال يحيى بن سعيد القطَّان: من زعم أنَّ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مخلوق، فهو زنديق، واللهِ الَّذي لا إله هو.


وقال: أدركتُ من الأئمَّة يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، ويُكفِّرون الجهميَّ، ويُقدِّمون أبا بكر وعمر في الفضيلة والخلافة.


وفاته:


قال الذهبيُّ: قالوا: تُوفِّي يحيى بن سعيد في صفر، سنة ثمان وتسعين ومائة، قبل موت ابن مهديِّ وابن عُيينة بأربعة شهور -رحمهم الله تعالى-.


وعن عليِّ بن المدينيِّ قال: رأيتُ خالد بن الحارث في النوم، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غفر لي على أنَّ الأمر شديد، فقلت: فما فعل بيحيى القطَّان، قال: نراه كما يُرى الكوكبُ الدُّرِّيُّ في السَّماء.


المراجع والمصادر:


سير أعلام النبلاء.


الطبقات.


حلية الأولياء.


تاريخ بغداد.


تهذيب الأسماء واللغات.


تهذيب الكمال.


تذكرة الحفاظ.


طبقات الحفاظ.


وفيات الأعيان.


شذرات الذهب.


من أعلام السلف.

شيخ الدعوة السلفية في فلسطين الشيخ سمير المبحوح وعالمها البار

الحمد لله رب البريات وأشهد أن لا إله الإ الله كلمة قامت لها الأرض والسموات وأشهد ان محمدا عبد الله ورسوله المأيد بالأيات والمعجزات أما بعد

فالشيخ سمير المبحوح شيخ الدعوة السلفية في فلسطين وكان قد تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية كلية الحديث

وتتلمذ على يد الشيخ الفاضل ربيع المدخلي - حفظه الله منذ ما يقرب من ربع قرن
وقد زكاه الشيخ ربيع،
وحدث أن كان في مكتبة الشيخ مع بعض طلبة العلم ثم اعتذر الشيخ ربيع - حفظه الله - للطلبة وأجلسه مكانه الشيخ سمير وقال لهم : (هذا رجل شاب في العلم)

وقد تلقى العلم عن عدد من المشايخ منهم
الشيخ محمد عبدالرحمن الأعظمي
والشيخ عبد القادر حبيب السندي
والشيخ حسن عبدالوهاب البنا (السلفي)
والشيخ عمر فلاته

والشيخ عبد المحسن العباد
والشيخ صالح السحيمي

وكان له لقاءات مع المشايخ الكبار فقد التقى الشيخ ابن باز - رحمه الله
الشيخ الألباني - رحمه الله
والشيخ ابن عثيمين - رحمه الله
والشيخ مقبل - رحمه الله
وأخذ عنهم رحمهم الله جميعا وحفظ الشيخ سمير المبحوح حفظه الله


ولقد أجازه الشيخ عاصم القريوتي حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إتحاف الراغبين بوصل الأسانيد إلى سيد الأنبياء والمرسلين
وكتب الأثبات والأعلام والمحققين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
فلما كان الإسناد من الدين، ومن خصائص أمة نبينا الأمين ج ، وحرصا على بقاء هذه السلسلة المباركة، ورجاء الدخول فيمن دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنضرة والرحمة ولكون الأسانيد أنساب الكتب فلقد سمع مني أخونا فضيلة الشيخ سمير بن عبدالقادر المبحوح – من دعاة فلسطين – وفقنا الله وإياه لكل خير – حديث الرحمة المسلسل بأولية السماع إلى سفيان بن عيينة رحمه الله، كما سمع مني مباحث عدة من علوم الحديث خلال تدريسي له بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية، وقد رأيته – ولا يزال ولا أزكي على الله أحدا – حريصا على طلب العلم وتحصيله وسؤال أهل العلم.
ولقد أجزت أخانا – ثبتني الله وإياه بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخر- أن يروي عني صحيحي البخاري ومسلم وسائر دواوين السنة النبوية ومصنفات الأئمة الأعلام والحفاظ الكرام بالشروط المعتبرة عند أهل العلم.
وإني أبتدئ هذه الإجازة بما يُبْتَدَأ به من الحديث المسلسل بأولية السماع، إذ أجازني به كتابة شيخنا العلامة محمد الشاذلي بن الصادق النيفر – رحمه الله – في 23/6/1410 هـ وسماعا بعد ذلك، قال: أجازني به في حال الصبا الشيخ عمر بن حمدان المحرسي (ت 1368 هـ) أثناء زيارته لتونس – وهو أول حديث سمعته – كما أرويه عن الشيخ عبد الحي الكتاني ( ت 1382 هـ)، وحسن المشاط المكي – قال كل منهم عن شيخه هو أول حديث سمعته منه وهكذا إلى سفيان بن عيينة – كلهم عن الشيخ فالح بن محمد الظاهري (ت 1328 هـ)، عن الشيخ محمد بن علي السنوسية (ت1276 هـ)، عن
الشيخ أبي حفص العطار المكي (ت1249 هـ)، عن الشيخ علي بن عبد البر الونائي (ت1211 هـ)، عن الشيخ إبراهيم بن محمد النمرسي، عن الشيخ عيد بن علي النمرسي
الصفحة الأولى من الإجازة
(ت1140 هـ)، عن الشيخ عبدالله بن سالم البصري (ت1134 هـ)، عن الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي (ت1077 هـ)، عن الشيخ أحمد بن محمد الشهير بابن الشلببي (ت1276 هـ)، قال ابن الشلبي: أخبرنا الشيخ يوسف بن القاضي زكريا قال يوسف أخبرنا الشيخ المعمر إبراهيم بن علاء الدين القلقشندي (ت922)، قال القلقشندي أخبرنا الشيخ المعمر أحمد بن محمد الواسطي (ت 836 هـ)، قال الواسطي: أخبرنا المعمر محمد بن محمد الميدومي (ت 754 هـ)، قال الميدومي: أخبرنا المعمر عبداللطيف بن عبد المنعم الحراني (ت672 هـ)، قال الحراني أخبرنا المعمر أبو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي (ت597 هـ)، قال ابن الجوزي أخبرنا الشيخ إسماعيل بن أبي صالح (ت470 هـ)، قال ابن أبي صالح: أخبرنا والدي أبوصالح أحمد بن عبدالملك (ت 470 هـ)، قال أبوصالح أخبرنا أبوطاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا الشيخ أبوحامد أحمد بن بلال البزاز (ت 330 هـ) قال أبوحامد أخبرنا الشيخ عبدالرحمن بن بشر العبدي (ت 260 هـ)، قال العبدي: أخبرنا الإمام سفيان بن عيينة (ت 198 هـ) وله تسعون سنة، وإليه انتهى التسلسل.

وأوصيه بالدعوة إلى الله على بصيرة، والترضي عن أئمتنا الأعلام، مع عدم التعصب لمذهب في البحث والتحقيق، ومراجعة أهل العلم والتدقيق من أهل الشأن والعناية بالضبط والفهم والتيقظ، وأن لا يقول في مسألة قولا ليس له فيه إمام، والحرص على طلب العلم بنية خالصة مع التأدب – إذ (من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس) كما قال الإمام أبو عاصم النبيل رحمه الله - ، كما أوصي نفسي وإياه بالاحتراز من العجب بالنفس والغرور فإنه مهلكة نسأل الله السلامة، وأن يقول فيما لا يعلم لا أعلم، وأن لا ينساني وأهلي ومشايخي ومشايخه في دعواته.
والله أسأل أن يجعلنا الله جميعا ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع، وتقوى بهم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء بمنه وكرمه، وأن يحشرنا جميعا تحت لواء إمامنا ونبينا محمد ج.
كتبه المجيز:
الدكتور عاصم بن عبدالله بن إبراهيم بن خليل بن مصطفى آل معمر القريوتي
في 9 ربيع الثاني 1428 هـ

وأثنى عليه خيرا الشيخ الفاضل الدكتور إبراهيم الرحيلي حفظه الله فقال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلاة علي أشرف الأنبياء والمرسلين
وبعد
فإن الأخ الفاضل الشيخ سمير المبحوح من الإخوة المعروفين لدي بالإستقامة علي السنة والدعوة إليها علي منهج السلف الصالح وقد عرفته من خلال زياراته المتكررة للمدينة النبوية وأهدي الي بعض رسائله التي كتبها في تحرير بعض المسائل العلمية والتنبيه علي بعض الأخطاء الشائعة فوجدتها مفيدة ونافعة تدل علي فهم سليم للسنة ومعرفة بعقيدة السلف هكذا أحسبه والله حسيبه ولا أزكي علي الله أحد
وصلى الله وسلم علي عبده ورسوله محمد

كتبه
د ابراهيم بن عامر الرحيلي
20\9\1427هجري
الأستاذ المشارك بقسم العقيدة الجامعة الإسلامية

فلا يعرف الفضلَ لأهل الفضل إلا ذووه
وصدق الشاعر
( لا يعرفُ الفضلَ على وجههِ ** إلا الذي يعطي من الفضلِ )
أما مؤلفاته
فالشيخ حفظه الله قد وهب قوة علم وسدادة فهم وبساطة في الإسلوب فلا تقرأ له كتاب إلا وتغبطه علي ما أعطاه الله من معين العلم السلفي الصافي
وقد ألف الشيخ عدت مؤلفات
منها
1-هي السلفية فعرفوها
2-الردود السلفية من شرعية رب البرية
3-الدعوة الي الله في ضوء الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة
4 – السراج الوهاج علي أسئلة العقيدة المنهاج
وله كثير من المقلات الرائعة التى أشار عليه الشيخ الرحيلي والشيخ السحيمي بطباعتها فجمعت وطبعت في كتاب
5-المقالات المنهجية الأثرية لحماية الدعوة السلفية من أفكار السفهاء البدعية
فهو كتاب جامع ماتع فجزى الله الشيخ خيرا الجزاء
ويقوم الشيخ سمير حفظه الله بالدورات العلمية في الإجازات هذا غير الدروس المستمرة طوال العام
من شرح للموطأ
الي فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
وشرح كتاب الأدب المفرد
ومصطلح الحديث
والعقيدة الواسطية
وكتاب إرشاد البرية
وكثير من الكتب السلفية
وأيضا الكثير من الدروس المنهجية واللقائات العلمية

ويقوم في هذه الأيام بشرح كتاب الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز وكتاب العلم (للعثيمين )

ولقد حبا الله الشيخ بالحلم مع العلم الغزير والتواضع الجم وكثير من الأخلاق الحميدة والحكمة في الدعوة كيف لا وهو قد شاب في هذا العلم وهذا المنهج السلفي الرصين

ولقد رزق الله عز وجل الشيخ سمير حفظه الله طلاب علم كثيرون فهم بحمد الله قائمون علي قدم وساق في نشر الدعوة وتعليم المسلمين دعوة أهل السنة والجماعة في المساجد التي شرفهم الله في خدمتها
من مسجد الفاروق في حي الشجاعية
ومن القلعة السلفية مسجد عبد العزيز داود بحي الرمال فالله الحمد والمنة فخطب الجمعة دائمة
والدروس العلمية كل يوم وعلي مدار الإسبوع والحمد لله لقد وضع الله لنا القبول عند جمهور المسلمين
وهذا المسجد يضم المكتبة الأثرية التي أنشأها الشيخ حفظه الله فهي تزخر بكل غال ونفيس من كتب السلف وهي عامرة بالكتب السلفية وبطلاب العلم السلفيين فأسال الله عز وجل أن يجزي الشيخ أباعبد الله سمير المبحوح عنا خير الجزاء

فحفظه الله وزاده علما وحلما وبارك الله لنا في علمه وأمتعنا بطول بقائه ووقاه كل سوء في الدنيا والأخرة
ورد عنه ألسنة الجاهلين
وجمعه مع النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم في الفردوس الاعلى بدون حساب ولا عذاب

دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام (1)

الخطبة الأولى



أما بعد: فلقد اقتضت حكمة الله وإرادته ومشيئته أن يبعث في الناس رسلاً منهم مبشرين ومنذرين، ومن بين أولئك الرسل رسولنا محمد  خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، والدعوة إلى الإصلاح عمومًا محفوفة بالمخاطر ومحاطة بالأشواك والأقذاء، ومن شأن هذه المخاطر أن تكون وسيلة لتثبيط همة الداعي وتسرّب اليأس إلى نفسه، فكان من الخير أن يُحال بين اليأس وبين قلب الرسول ، ويبقى للداعي إلى الله أن يسلك هذا المسلك، وتلك العقبات التي تعترض الداعي والشدائد التي يراها المصلح لا غنى له عنها لأنها سنة فيمن سبق من الرسل كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: 34].

إن المصلحين في أي زمان أو مكان لا ينجون من تلك الشدائد والمحن والأشواك والأقذاء التي تعترضهم في دعوتهم؛ لأنهم يحملون إلى الناس ميراث النبوة ويبلغون ما أمروا بتبليغه وآمنوا به وجاهدوا من أجله، فالرسل وأتباعهم ومن سار على نهجهم لن ينجوا من ذلك؛ لأن مهمتهم أن يحولوا بين النفوس وشهواتها والقلوب وأهوائها ويرسموا لها طريقًا غير الطريق التي اعتادته وألفته من الشهوات، وكثيرًا ما تستحكم الشهوات والأهواء ويتمكن الفساد من الأمة إلى حدٍ كبير يحتاج معه المصلح إلى شيء كثير من السلوى ونماذج متعددة من سيرة المرسلين والمصلحين، فينبغي أن تكون سيرة الرسل الماضين ودعوتهم لأقوامهم مُثلاً صالحة للدعاة إلى الله، وتكون أنباؤهم وأخبارهم تثبيتًا لقلوب المصلحين وتطمينًا لنفوسهم، وخاصة سيرة رسولنا محمد  وكذلك الرسل والأنبياء قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إن المصلح إذا قرأ واطلع على دعوة الرسل لأقوامهم واستنبط منها واستخرج الدروس والعبر والعظات من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله  وكتب التفسير والتاريخ الموثوقة مما لاقاه كل رسول من جراء دعوته، إذا فعل ذلك فسيقف على الشيء الكثير من أخلاق البشر في بداوتهم وتحضرهم وعاداتهم وطباعهم ومواقفهم الغريبة من دعاة الإصلاح والعقبات والعراقيل التي تقف في طريق المصلحين من مختلف الطبقات والدوافع التي تحملهم على وضع تلك العقبات في طريق المصلحين، عند ذلك يستطيع المصلح أن يسير في إصلاحه على هدى، ويعدّ له من العدة والحجج والبراهين ما ينبغي إعداده كالذي أعده من سبقه؛ لأن نفوس المكابرين المعاندين المفسدين في كل زمان متقاربة ووسائلهم في محاربة الحق متشابهة.

ونحن اليوم مع أحد أولي العزم من الرسل، مع أبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه إلى يوم الدين.

فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء، وهو الجد الأكبر لرسول الله محمد ، إذ الرسول محمد  من ولد إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم، فيكون إبراهيم الجدّ الأعلى لرسول الله ، ولقد خصّ الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام بخصائص ومزايا فريدة، فجعله أبًا للأنبياء وإمامًا للمتقين وقدوة للمرسلين، فهو خليل الرحمن بنصّ القرآن الكريم، ومنه تناسل الأنبياء وتتابعوا عقب الأجيال من ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهم السلام جميعًا، قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27]، وقال تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء: 125]، وقال عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: 41].

وقد ابتُلي إبراهيم الخليل عليه السلام بأنواع من الابتلاء وامتُحن بضروب من الامتحان فصبر، وكان في إيمانه مثل الجبال الرواسخ لم يتزعزع ولم يضطرب ولم يدخل إليه وهن أو ضعف، وأشد هذه المحن عليه حين أُمرَ بذبح ولده إسماعيل، ولكنه كان مثالاً للعبودية والطاعة والإذعان لأوامر الله عز وجل، فكان قدوة للأنبياء من بعده ولأتباعهم، بل جعله الله أمّة بمفرده في إيمانه وصبره وتحمله وطاعته لله رب العالمين كما قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ  ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120-123]، وقال تعالى لنبينا محمد : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161]، وقال عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ الآية [الممتحنة: 4].

وإبراهيم عليه السلام ينتهي نسبه إلى سام بن نوح، وبينه وبين نوح عليهما السلام مدة تزيد عن ألف عام، وأبوه هو آزر وهو مشرك بالله عز وجل. ويستعظمُ هذا الأمرَ كثيرٌ من الناس في كل زمان ومكان، أي: كيف يكون الأب مشركًا وكافرًا والابن مسلمًا أو العكس، أو الزوج وزوجته على طرفي نقيض؟! ويعتبرون أن ذلك مُخِلٌّ بمقام الرسل أو الدعاة إلى الله عز وجل وينقص من قدرهم، وهذا من جهلهم، وإلا لو علموا الحكمة لزال عنهم العجب والاستغراب، والطريف في الأمر أن هذا الجهل ليس بين عامة الناس فقط ولكنه سرى بين بعض طلبة العلم حتى أظهروا الشماتة عندما كان من أولادهم أو عوائلهم من هو على خلاف ما كانوا عليه، فعليهم أن يتقوا الله عز وجل ويحمدوه ويشكروه على نعمه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى ومنها استقامة من لهم بهم قرابة وصلة، وقد يكون منهم أناس يظهرون الاستقامة أمام أهليهم وهم على النقيض من ذلك في تعاملهم وفي خلواتهم، فلا بد من الحيطة والحذر والدعاء للمسلمين بالهداية والصلاح والتوفيق.

والحكمة من ذلك أنها تدلهم على وحدانية الله عز وجل وتبعد عنهم شبح الشرك والتعلق بالمخلوقين أيًا كانوا ومهما كانت منزلتهم من الصالحين أو الأنبياء والرسل، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وما على أولئك البشر إلا أن يسلكوا طريق الهداية التي يستطيعونها ويقدرون عليها وهي في حدود إمكاناتهم واستطاعتهم، ألا وهي هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية القلوب المسماة بهداية التوفيق فهي بيد الله وحده جل جلاله، فهو يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. على الرسل وأتباعهم أن يسلكوا ما أمرهم الله به من إبلاغ الرسالة إلى الناس، والله سبحانه هو الذي يتولى هدايتهم بعدله وحكمته، فله الحكمة البالغة عندما يكون الرسول وولده أو أبوه أو زوجه أو عمه على طرفي نقيض ليبين للناس جميعًا أن البشر ليست بأيديهم هداية القلوب وإنما هي بيد الله وحده، وعليهم هم أن يدعوا الله عز وجل ليثبت قلوبهم على الدين الحق كما كان يدعو بذلك رسول الله  ويقول: ((يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك))، وكما قال : ((إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء))، وكما قال عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27].

فالرسل وأتباعهم عليهم هداية الدلالة والإرشاد إلى الصراط المستقيم، يدعون الناس إلى الله عز وجل ولا يملّون ولا يفترون ولا يتوانون، وعلى الأتباع أن يسلكوا هذا المسلك الذي سلكه الرسل، ومنهم رسولنا محمد  الذي ظل يدعو عمه إلى آخر لحظة من حياته لعل الله يهديه، ولكن الله عز وجل سبق في علمه أنه لن يهتدي، وأراد عز وجل ذلك ليعلم الناس جميعًا أن محمدًا  مهما بلغ من المنزلة والدعوة إلى الله فلن يستطيع أن يحوّل قلب إنسان لم يردِ الله له الهداية مهما كانت منزلته؛ لأنه بشر لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله، فلقد حاول  مع عمه أبي طالب شتى المحاولات ليسلم ويقول: ((لا إله إلا الله))، ولكنه لم يفعل ولم يتلفظ بها لحكمة ظاهرة للناس جميعًا يجب أن يأخذ المسلمون منها العظة والعبرة والدروس المتعددة المستفادة في الدعوة إلى الله عز وجل، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: 56].

فهذه هداية القلوب التي لا يملكها البشر، أما هداية الدلالة والإرشاد إلى الطريق والدعوة إلى الله فقد قام بها الرسول محمد ، وهي واضحة جلية في سبب نزول هذه الآية السابقة، وكان يمارسها فعلاً مع عمه، ودلت الآية على الهدايتين أي: تلك التي لا يملكها إلا الله عز وجل وهي هداية القلوب، وتلك التي باستطاعة البشر القيام بها، وهي هداية الدلالة والإرشاد، كما قال الله جل جلاله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى: 52، 53]، وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [يوسف: 108]، وقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125]. فالفرق بين الهدايتين واضح، والحكمة أيضًا واضحة جلية للناس أجمعين؛ ليتّجهوا لله رب العالمين ويعبدوه وحده سبحانه ويفردوه بالعبادة لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

وليس هناك ما يخلّ أو ينقص من قدر الرسل وأتباعهم عندما يكون أقرب قريب إليهم على خلاف ما هم عليه، فتلك حكمة الله عز وجل، فلله الحكمة البالغة والمشيئة والإرادة المطلقة، فلقد كان أبو إبراهيم عليه السلام مشركًا وإبراهيم حنيفًا مسلمًا، وكانت زوجة فرعون مؤمنة وفرعون كافرًا، وكان نوح رسول الله موحدًا وولده وزوجته كافرَيْن، ولوط رسول الله موحدًا وزوجته كافرة. وتلك هي سنة الله عز وجل وحكمته سبحانه وتعالى ليعرفوا قدرته عز وجل وحكمته سبحانه وتعالى ويقفوا عند حدودهم البشرية. إذًا لا عجب ولا استغراب عندما يكون الأب صالحًا والابن فاسدًا أو العكس، أو الرجل فاسدًا والمرأة صالحة أو العكس، أو الأسرة بكاملها على غير صلاح وأحد الأبناء أو البنات على هدى من الله ونور أو العكس، فتلك حكمة الله وحجته يقيمها على خلقه لينتبهوا ويفيقوا ويرجعوا إلى ربهم عز وجل.

قال تعالى: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124]. ومما ينبغي الإشارة إليه لمن كان تعليمه قليلاً هو خلْطُ بعضهم بين الفاعل والمفعول وعن فهمهم للمعنى في بعض آيات القرآن الكريم خاصة عندما يتقدم المفعول على الفاعل ويلتبس عليهم المعنى في هذه الآية وغيرها، حيث يظنون ويفهمون ويقرؤون كذلك (إبراهيم) بالرفع و(ربه) بالنصب، وهذا غلط واضح يقلب المعنى، فالله عز وجل هو الذي ابتلى إبراهيم عليه السلام، وكذلك الحال من حيث القراءة وقلب المعنى في قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] أي: أن العلماء هم الذين يخشون الله سبحانه وتعالى حق خشيته، فعندما يقرأ من لا يفهم قواعد الإعراب يرفع لفظ الجلالة وينصب كلمة العلماء. وهذا من أشنع الأخطاء وأوضحها غلطًا وخلطًا ممن لا يفهم اللغة العربية وقواعدها، وفيه خطورة على عقيدة المسلم لو اعتقد ذلك، وليس هذا الفهم قاصرًا على فئة معينة من الناس، بل إنه منتشر بين حملة الشهادات العليا كما يقولون، والآيات التي يُساء فهمها عند من لا يعرف معناها أو يجهل إعرابها كثيرة ومتعددة.






الخطبة الثانية


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده عز وجل وأشكره وأومن به وأتوكل عليه وأثني عليه الخيركله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

أما بعد: فلقد ورد في القرآن قصة دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر الذي هو مشرك بالله ويعبد الأصنام، وأحق الناس بإخلاص النصيحة له إنما هو أبوه، لهذا لم يَأْلُ جُهدًا ولم يدّخر وُسْعًا في تذكير أبيه ونصحه وتحذيره من عذاب الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام في دعوته لأبيه مثالاً للولد البارّ الرحيم الذي لا يريد إلا الخير لأقرب الناس إليه، فلم يَقْسُ عليه في الكلام، ولم يعنّفه أو يزعجه، بل خاطبه بكل أدب واحترام ووقار، وجادله ودعاه بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبيّن له في محاورته ومجادلته بطلان ما هو عليه من عبادة أوثان وأصنام لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عن صاحبها شيئًا، وذكّره بأن هذه الأصنام إذا لم تستطع أن تدفع الضُّرَّ عن نفسها ولا أن تجلب النفع والخير إليها فكيف تستطيع أن تدفعه عن غيرها أو تحقق لعابدها ما يرجوه منها مع أنها تفقد القدرة والقوة على عمل أي شيء من الأشياء؟!

وهكذا مضى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه بالحكمة والموعظة الحسنة في أدب ووقار، ولكن أباه لم يستجب لهذا النصح ولم يعتبر بمنطق الحجة والبرهان، بل أصرّ على الضلال والعناد وهدّد ابنه إبراهيم بالضرب فيما إذا عاد إلى ذكر آلهته المزعومة بالسوء أو الشر، قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا  إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا  يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا  يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا  يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا  فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيًّا  وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: 41-50]، وقد استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه كما وعده في الآية السابقة عندما دعاه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وعندما كان يطمع في إسلامه وتوحيده لله قبل أن يعرف منه الإصرار على الشرك، فقال كما في الآية السابقة: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47]، وكما كان من ضمن دعائه في آيات أخرى: هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ  وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ  وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ  وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ  يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ  إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 83-89]، وكما قال تعالى عنه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة: 4، 5].

وعندما ظهر لإبراهيم عليه الصلاة والسلام إصرار أبيه على الشرك والوثنية وعداوته المتأصلة لدين الله عندها تبرأ إبراهيم عليه السلام من أبيه، قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114].

وفي هذا درس بليغ لأهل العقيدة والإيمان ليقتدوا بالرسل الكرام ويسيروا على نهجهم وسيرتهم العطرة، فإبراهيم يتبرأ من أبيه، ونوح يتبرأ من ابنه، وهذا هو كمال الإيمان، ولكن هذه البراءة وقطع الصلة في الإسلام ليست على إطلاقها خاصة من الولد لوالديه، البراءة تكون من ناحية عدم طاعتهما في الشرك بالله وارتكاب ما حرم الله، ولكن ذلك لا يمنع المسلم من الإحسان والبر بوالديه وإن كانا مشركَيْنِ كما ورد بذلك أمر الله عز وجل في القرآن الكريم، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 15]، والإطلاق هنا في التعامل الدنيوي والإحسان والعدل والقسط والرحمة والشفقة بالوالدين والتعامل الحسن معهما مع البراءة من شركهما وكفرهما، ويجب علينا أن نفهم الإسلام على حقيقته ونعمل به جملة واحدة. وسوف نواصل الحديث عن دعوة إبراهيم عليه السلام في الخطب القادمة إن شاء الله تعالى.

قصة لوط عليه السلام

الخطبة الأولى



أما بعد: نواصل معكم أيها الأخوة، حديثنا عن قصص القرآن، فقد كان حديثنا في الجمعة الماضية، عن قصة أيوب عليه السلام، واخترنا لكم في هذه الجمعة، قصة نبي آخر من أنبياء الله عز وجل، لنعيش معها، ونأخذ منها العبرة والعظة، كما قال سبحانه: لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111]، وقال تعالى: فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176]، وقال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ [يوسف:3].

عباد الله، قصتنا لهذه الجمعة، هو قصة نبي الله لوط عليه السلام مع قومه، الذين ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، ألا وهي اللواط، إتيان الذكران من العالمين، أجارنا الله وإياكم منها، فكم في ممارسة اللواط من وقاحة وانتكاس فطرة، فلما انتشرت هذه العادة الخبيثة بينهم، دعاهم لوط عليه السلام، إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات، والفواحش والمنكرات، والأفاعيل المستقبحات، لكنهم لم يرتدعوا ولم ينفع فيهم دعوة نبيهم لوط عليه السلام، فتمادوا في طغيانهم، وبقوا على ضلالهم، واستمروا في فجورهم وكفرانهم، فلما رأى الله عز وجل منهم ذلك وأنه لا فائدة معهم، أحل بهم من البأس، الذي لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها أولو الألباب من العالمين، قال سبحانه: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ  وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ  فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأعراف:80-84].

عباد الله، لقد كانت أهم قضية في دعوة لوط عليه السلام، هي هذه القضية؛ لأن قومه لو استجابوا له في دعوته إلى الإيمان بالله، وعدم الإشراك به، لما كان لاستجابتهم أي معنى، إذا لم يقلعوا عن عاداتهم الخبيثة التي اجتمعوا عليها، ولم يتستروا من فعلها، بل أصبحت جزءاً من نظام حياتهم، ولهذا كانت دعوة لوط عليه السلام منصبة على هذه الظاهرة، وهنا أمر لابد من التنويه إليه، وهو أن كل نبي بعثه الله لهداية قومه، ما بعث إلا لإصلاح ما فسد من أخلاقهم وعاداتهم، وهذا يقتضي أن يتصدى النبي لعلاج ومواجهة أخطر المشكلات، مهما كلفه ذلك من تضحيات، فهل يفقه الدعاة إلى الله عز وجل هذه اللفتة، ويأخذون عبرة ودرساً من نبي الله لوط عليه السلام، إن سلوك بعض المصلحين في عصرنا، سلوك عجيب جداً، تجدهم يعالجون قضايا، عفا عليها الزمن، ويسكتون عن قضايا هي لب فساد مجتمعهم، ونسمع كذلك كثيراً من المتحدثين والوعاظ، إما في الإذاعات، أو على الشاشات المرئية، يتحدثون عن أمور تافهة، ويدندنون حول مواضيع لا تمت إلى واقعهم بحال، ولاشك أن هذا قصور في الفهم، المسلمون يفرون من كل جانب، أراضيهم تسلب من كل ناحية، دخل الاستعمار في عقر دارهم، نهبت خيرات بلادهم ووعاظنا يحدثون الناس عن مسألة الحيض والنفاس، فهل لهؤلاء الوعاظ والدعاة والمصلحين، عبرة بلوط عليه السلام، حيث إنه تعرض لإصلاح أهم قضية كان يعاني منها مجتمعه في زمانه.

أيها المسلمون، نعود إلى قصة لوط عليه السلام، ولما جاء وعد الله عز وجل، وحان الوقت لإهلاك هذه الفئة، التي ما نفع معها الدعوة، أرسل الله عز وجل ملائكته إلى قوم لوط، فأتوا في صور شبان حسان، اختباراً من الله لقوم لوط قال تعالى: وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ  وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ  قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ  قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ  قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ  فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ  مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:77-83]. وصل الملائكة إلى لوط عليه السلام، وهو يعمل في أرض له، فقالوا إنا ضيوفك الليلة، وهو لا يعلم أنهم ملائكة، لأنهم جاءوا على صور بشر، لكنه تضايق أشد الضيق، عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنهم كانوا حسان الوجوه، وخاف عليهم من اعتداء قومه عليهم، وواجب الضيافة يحتم عليه أن يحميهم من كل أذى، فانطلق بهم عليه الصلاة والسلام، فلما بصرت بهم زوجة لوط عليه السلام، وكانت امرأة سيئة على أخلاق قومها، ذهبت وأخبرت القوم، فانتشر الخبر، على أنه قد نزل رجال حسان ضيوفاً على لوط، فأسرعوا إلى بيته، وتجمهروا حوله، يبتغون الفاحشة في ضيوفه، فراح لوط عليه السلام، يمانع قومه، ويدافعهم والباب مغلق، وهم يريدون فتحه وولوجه، فلما آيس منهم قال عليه السلام: لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)) أي أن الملائكة كانوا معه، وهو لا يعلم، عندها قال الملائكة: يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ [هود:81].

عندها علم لوط أنه في حضرة الملائكة وأن ركنه شديد، فاطمأنت نفسه، وذهب عنه القلق، وقام جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم خفقة، بطرف جناحه، فطُمست أعينهم، قال تعالى: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ  وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ [القمر:37، 38].

ويبدو أن لوطاً سأل الملائكة، استعجال العذاب، فأجابوه بقوله تعالى: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81]. بلى إنه قريب، ووعد الله حق لا ريب فيه، وكل شيء عنده بمقدار، ولن يتأخر موعد هلاكهم أو يتقدم لحظة واحدة، وقد حدده من قبل أن يكون عند شروق الشمس، قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:73]، وقال تعالى: وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ [الحجر:66].

خرج لوط عليه السلام من القرية الظالم أهلها، ومعه أبناؤه، أما زوجته، فكانت من الهالكين، قال تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الذاريات:35، 36].

خرج لوط في جنح الليل، وترك وراءه المال والمتاع، ولم يلتفتوا، أو يندموا على ما حل بقومهم، قال تعالى: وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ [هود:81]، وجاء وعد الله: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ  مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82، 83]، وخلال ثوان معدودات، جاءت الصيحة، وسقطت البلدة وجعل الله عاليها سافلها، وأرسل جل وعلا مطراً من حجارة صلبة، فأهلك القوم كلهم جزاءً وفاقاً، وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة، لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي، وهي التي تعرف اليوم بالبحر الميت، ويرى بعض العلماء أن البحر الميت لم يكن موجوداً قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر وفي ذلك يا عباد الله، آية على قدرة الله وعظمته، وعزته وانتقامه، ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، قال تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأعراف:84]، وقال سبحانه: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ  إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ [الشعراء:173، 174]، وقال عز من قائل: وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].

إن ديار قوم لوط يا عباد الله، ليست ببعيدة: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات:137، 138]، وستبقى بحيرة قوم لوط، عبرة للظالمين، أينما وجدوا، وحيثما كانوا.

وإن من أبشع أنواع الحماقة أيها الأخوة، أن يغفل الناس عن قدرة الله عز وجل، وشدة بطشه، ويركنوا إلى حولهم وقوتهم، وعلينا يا عباد الله، أن نتذكر أن الله جلت قدرته، الذي أهلك قوم لوط بثوان معدودات، قادر على إهلاك وتمزيق كل مجتمع، لا يهتدي بهديه مهما قويت شوكتهم، وكثر عددهم، وتزايد بطشهم، قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا [محمد:10].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية


أما بعد: عباد الله، في قصة لوط عليه السلام، التي عرضناها عليكم، باختصار في الخطبة الأولى، فيها استهجان واضح لجريمة اللواط، ووعيد من الله بالعذاب الشديد لمرتكبها في الدنيا والآخرة.

واللواط ـ يا عباد الله ـ من أقبح وأشنع الفواحش، فهو يدل على فساد ومرض في المزاج الإنساني، خطره جسيم على المجتمع الذي ينتشر فيه، إنه انحدار بالإنسان إلى ما دون الحيوانية البهيمية.

وقد ذم الله عز وجل هذه الفعلة، بعدة صفات ذميمة في كتابه، وصف صاحبها بالعدوان في مثل قوله تعالى: أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ  وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165، 166]، أي متعدون على حدود الشريعة الإلهية، ووصفهم كذلك بالجهل، في مثل قوله تعالى: أَءنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]، ووصفهم كذلك بالإسراف، في قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ [الأعراف:81]، أي مسرفون في الشهوات، ومتجاوزون الحدود التي رسمها الله لعباده.

أيها المسلمون، عندما نجد استنكار القرآن الكريم لهذه الفاحشة، بهذه الصورة، ثم نسمع ونرى أن الإنسان المتمدن، في الثلث الأخير من القرن العشرين، بدأ يزاول هذه الفاحشة علناً، في معظم الدول الأوربية، معللاً ذلك بالتقدم والتحضر، وبالحرية الشخصية، فلا ندري أيها الأخوة، ماذا نقول عن هذا التحضر والتقدم، وقد قرأت وشاهدت بنفسي، في أحد المجلات موافقة البرلمان البريطاني في لندن، وإصدار قرار ملكي رسمي من الدولة في إباحة زواج الرجل من الرجل علانية، وقد نشر موافقة ملكة بريطانيا على هذا القرار، وقامت الكنيسة البريطانية في لندن، بعقد أول زواج من هذا النوع في الكنيسة، وبحضور البابا، ونشرت صور الزوجان في المجلة. والله لا ندري كيف نعلق على مثل هذا الخبر، وإن اللسان ليعجز أن يعبر عن ما في نفسه في بعض الأحيان، عندما يرى أو يسمع مثل هذه الأخبار، فلا نقول إلا رحماك، رحماك يا رب على انتكاس الفطرة. أي تقدم هذا! وأي مدنية هذه! إنها دعوة صريحة واضحة إلى اللواط، وإنه من العجيب أنك ترى كثيراً من المسلمين، من يُعجب ويقتدي بحياة الغرب، وتخدعه وتبهره ما يشاهده من ظاهر واقعهم، لأنه لا يعلم أنها مناظر جذابة، مغلفة بمعتقد وتصور فاسد.

وإن بوادر هذه الظاهرة يا عباد الله بل الظاهرة نفسها، قد تسربت إلى بلادنا، وأخذ اللواط ينتشر بين أبناء المسلمين بشكل يهدد المجتمع. فالله الله أيها الآباء في أولادكم، تفقدوهم، وراقبوهم، ولابد أن تعلم أيها الأب مع من يسير ولدك، ومن يصاحب، وعسى أن يسلم بعد كل هذا، من آثار هذه الفاحشة، لأن عاقبتها وخيمة، إنها الخزي والعار في الدنيا والآخرة، وليس بيننا وبين الله نسب ولا قرابة، وإن لم نتدارك أنفسنا ونمنع الفاحشة من مجتمعنا، سيحل بنا ما حل بقوم لوط من الدمار والهلاك.

ورحم الله من قال:

فيا ناكحي الذكران، تهنكم البشرى        فيوم معـاد النـاس إن لكـم أجرا

كلوا واشـربوا ولوطـوا وأكثروا        فإن لكــم زفـاً إلى نـاره الكبرى

فإخوانكم قد مهـدوا الدار قبلكم         وقالوا إلينـا عجلـوا، لكم البشرى

وها نحن أسلافٌ لكم في انتظاركم         سيجمعنا الجبـار في نـاره الكبرى

ولا تحسبـوا أن الذين نكحتمـوا        يغيبـون عنكم، بـل ترونهمُ جهرا

ويلعـن كــلٌ منهـمْ خليلـه                   ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى

يُعَـذَّبُ كـل منهـمُ بشـريكه        كما اشتركـا في لذةٍ توجب الوزر

عباد الله، نذكركم بأن يوم الاثنين القادم، هو العاشر من محرم، ولا يخفى عليكم سنية صيامه. عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، متفق عليه. روى مسلم في صحيحه، حديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (( يكفر السنة الماضية))، فلا تحرموا أنفسكم ـ يا عباد الله ـ هذا الأجر العظيم، وخالفوا اليهود، فصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، والسنة يوماً قبله، وهو التاسع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع)) رواه مسلم.

فنسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجنبنا الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله سبحانه، أن يحفظ علينا أولادنا، وأن يقيهم من منكرات الأخلاق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الله آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات..

ربنا آتنا في الدنيا..

العلاّمة أحمد ابن يحي النجمي -رحمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه ترجمة الشيخ أحمد ابن يحيى النجمي -رحمه الله - بقلم الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله -
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئآت أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
((فإن للعلماء علينا من الحقوق ما بتركه يتم العقوق، ومن رعايتها: ضبط أحوالهم الشريفة، وتدوين مناقبهم المنيفة، وتخليد محاسنهم في بطون الأوراق، والمحافظة على حفظ نتائج أفكارهم( ) التي هي من أنفس الأعلاق، ومن ذلك:
تعظيمهم باللسان، والجنان، والأركان، وعدم التعرض لما يؤذيهم بالدخول في أعراضهم الجميلة، والاستهانة بمناقبهم الجزيلة الجليلة، والتقعد لهم بمراصد الاستخفاف، والتنصب لهم بمنصة الخلاف.
وقد ورد في الآيات الفرقانية، والأحاديث النبوية، والآثار المصطفوية، ما يقتضي النهي عن ذلك وتتخطى بمن عمل به أيمن المسالك))( ).
وممن له علينا هذا الحق شيخنا العلامة الشيخ: أحمد بن يحيى النجمي ـ حفظه الله ـ فقد انتفعنا بعلمه كثيراً فجزاه الله عنا أفضل الجزاء.
وقد كثر الطلب من الإخوة المحبين للشيخ في كتابة نبذة ولو مختصرة عنه وعن حياته الذاتية والعلمية، وألحُّوا علي في ذلك غاية الإلحاح، وأنا أتهرب من ذلك، واعتذر دائماً إليهم، لعلمي بالعجز والقصور لدي، ولكن كل ذلك لم يفد شيئاً ولم يعذرني منهم أحد، فلما رأيت ذلك منهم استعنت بالله تعالى وحده في كتابة هذه النبذة المختصرة عن شيخنا ـ حفظه الله تعالى.
فأقول:
اسمه ونسبه:
هو شيخنا الفاضل العلامة، المحدث، المسند، الفقيه، مفتي منطقة جازان حالياً، وحامل راية السنة والحديث فيها الشيخ أحمد بن يحيى بن محمد بن شبير النجمي آل شبير من بني حُمَّد، إحدى القبائل المشهورة بمنطقة جازان.
ولادته:
ولد الشيخ ـ حفظه الله ـ بقرية النجامية في الثاني والعشرين من شهر شوال عام ستة وأربعين وثلاثمائة والف للهجرة النبوية، 22/10/1346هـ ونشأ في حجر أبوين صالحين ليس لهما سواه.
ولهذا فقد نذرا به لله ـ أي لا يكلفانه بشئ من أعمال الدنيا ـ وقد حقق الله ما أرادا.
فكانا محافظين عليه محافظة تامة، حتى إنهما لا يتركانه يلعب بين الأولاد ولما بلغ سن التمييز أدخلاه كتاتيب القرية فتعلم القراءة والكتابة وقرأ القرآن في الكتاتيب الأهلية قبل مجئ الشيخ عبدالله القرعاوي ـ رحمه الله ـ ثلاث مرات آخرها في العام (1358هـ) الذي قدم فيه الشيخ القرعاوي.
حيث قرأ القرآن أولاً على الشيخ عبده بن محمد عقيل النجمي عام 1355هـ، ثم قرأ أيضاً على الشيخ: يحيى فقيه عبسي وهو من أهل اليمن وكان قد قدم على النجامية وبقي بها ودرس عليه شيخنا في عام 1358هـ ولما قدم الشيخ عبدالله القرعاوي، حصلت بينه وبين هذا المعلم مناظرة في مسألة الاستواء ـ وكان أشعرياً ـ فهزم، وهرب على إثر ذلك {وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}.

نشأته العلمية:
وبعدما هرب مدرسهم الأشعري تردد الشيخ مع عمَّيه الشيخ حسن بن محمد، والشيخ حسين بن محمد النجميين على الشيخ عبدالله القرعاوي في مدينة صامطة أياماً ولكنه لم يستمر، وكان ذلك في عام (1359هـ) وفي عام (1360) وفي صفر بالتحديد التحق شيخنا بالمدرسة السلفية وقرأ القرآن هذه المرة بأمر الشيخ عبدالله القرعاوي ـ رحمه الله ـ على الشيخ عثمان بن عثمان حملي ـ رحمه الله ـ حيث قرأ عليه القرآن مجوداً وحفظ (تحفة الأطفال) و (هداية المستفيد) و(الثلاثة الأصول) و (الأربعين النووية) و (الحساب) وأتقن تعلم الخط.
وكان يجلس في الحلقة التي وضعه الشيخ فيها إلى أن يتفرق الطلبة الصغار بعد صلاة الظهر، ثم ينظم إلى الحلقة الكبرى التي يتولى الشيخ عبدالله القرعاوي تدريسها بنفسه فيجلس معهم من بعد صلاة الظهر إلى صلاة العشاء، ثم يعود مع عميه المذكورين سابقاً إلى قريته (النجامية).
وبعد أربعة أشهر أذن له الشيخ عبدالله القرعاوي ـ رحمه الله ـ أن ينضم إلى هذه الحلقة ـ حلقة الكبار ـ التي يدرسها الشيخ بنفسه، فقرأ على الشيخ فيها: (الرحبية) في الفرائض، و(الآجرومية) في النحو، و(كتاب التوحيد) و(بلوغ المرام) و(البيقونية)، و(نخبة الفكر) وشرحها (نزهة النظر)، و(مختصرات في السيرة)، و(تصريف الغزي)، و(العوامل في النحو مائة)، و(والورقات) في أصول الفقه، و(العقيدة الطحاوية) بشرح الشيخ عبدالله القرعاوي، قبل أن يروا شرح ابن أبي العز عليها، ودرس أيضاً شيئاً من (الألفية) لابن مالك، و(الدرر البهية) مع شرحها (الدراري المضية) في الفقه، وكلاهما للشوكاني ـ رحمه الله ـ وغير ذلك من الكتب سواء منها ما درسوه كمادة مقررة كالكتب السابقة أو ما درسوه على سبيل التثقف لبعض الرسائل والكتب الصغيرة، أو كانوا يرجعون إليه عند البحث كـ (نيل الأوطار) و (زاد المعاد) و (نور اليقين) و (الموطأ) و (الأمهات).
وفي عام (1362هـ) وزع عليهم الشيخ عبدالله ـ رحمه الله ـ أجزاء الأمهات الموجودة في مكتبته وهي: (الصحيحين) و (سنن أبي داود) و (سنن النسائي) و (موطأ الإمام مالك) فقرؤا عليه فيها ولم يكملوها؛ لأنهم تفرقوا بسبب القحط.
وفي عام (1364هـ) عادوا فقرؤا عليه ثم أجازه الشيخ عبدالله ـ رحمه الله تعالى ـ برواية الأمهات الست.
وفي عام (1369هـ) درس على الشيخ إبراهيم بن محمد العمودي ـ رحمه الله ـ قاضي صامطة في ذلك الوقت كتاب إصلاح المجتمع، وكتاب الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ في الفقه المرتب على صيغة السؤال والجواب واسمه: (الإرشاد إلى معرفة الأحكام).
كما درس على الشيخ على بن الشيخ عثمان زياد الصومالي بأمر من الشيخ عبدالله القرعاوي ـ رحمه الله ـ في النحو كتاب (العوامل في النحو مائة) وكتب أخرى في النحو والصرف.
وفي عام (1384هـ) حضر في حلقة الشيخ الإمام العلامة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله لمدة تقارب شهران في التفسير في (تفسير ابن جرير الطبري) بقراءة عبدالعزيز الشلهوب كما حضر في العام نفسه في حلقة شيخنا الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ حفظه الله ـ لمدة شهر ونصف تقريباً في صحيح البخاري بين المغرب والعشاء.

شيوخه:
مما مضى يتبين لنا شيوخه ـ حفظه الله ـ وهذا ترتيبهم:
1 ـ الشيخ إبراهيم بن محمد العمودي ـ قاضي صامطة في حينه.
2 ـ الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ـ رحمه الله.
3 ـ الشيخ العلامة الداعية المجدد في جنوب المملكة عبدالله القرعاوي ـ رحمه الله تعالى ـ وبه تخرج الشيخ أحمد، فهو أكثر شيوخه إفادة له.
4 ـ الشيخ عبده بن محمد عقيل النجمي.
5 ـ الشيخ عثمان بن عثمان حملي.
6 ـ الشيخ علي بن الشيخ عثمان زياد الصومالي.
7 ـ الشيخ الإمام العلامة مفتي البلاد السعودية السابق محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله.
8 ـ الشيخ يحيى فقيه عبسي اليمني.
تلاميذه :
ولشيخنا ـ حفظه الله تعالى ـ كثير وكثير من التلاميذ ، فمن أمضى مثل هذه المدة في التدريس التي تقارب النصف قرن، كم يتصور أن يكون تلاميذه، ولو ذهبت أعددهم لاحتجت إلى مجلد ضخم؛ وإنما أذكر نموذجاً يستدل به على الباقين فمنهم :
1 ـ شيخنا العلامة المحدث ناصر السنة الشيخ ربيع بن هادي .
2 ـ شيخنا العلامة الفقيه زيد بن محمد هادي المدخلي .
3 ـ شيخنا العالم الفاضل علي بن ناصر الفقيهي .
وإنما اكتفيت بذكر هؤلاء الثلاثة لشهرتهم في الأوساط العلمية، فلا يعتب علينا أحد .
ذكاؤه ـ وفقه الله ـ :
يتمتع الشيخ بدرجة من الذكاء عالية جداً وهاك قصة تدل على ذكائه وحافظته منذ صغره ـ حفظه الله:
يقول العم الشيخ عمر بن أحمد جردي المدخلي ـ وفقه الله:
((لما كان الشيخ أحمد يحضر مع عميه حسناً وحسيناً النجميين إلى المدرسة السلفية بصامطة ـ أي في عام ـ 1359هـ ـ وعمره آنذاك 13 سنة كان يسمع الدروس التي يلقيها الشيخ عبدالله القرعاوي على تلاميذه الكبار، وكان يحفظها حفظاً)).
قلت: وهذا هو ما جعل الشيخ عبدالله القرعاوي يلحقه بحلقة الكبار الذين كان الشيخ يتولى تدريسهم بنفسه؛ لأنه رأى نجابته وسرعة حفظه وذكائه.

أعماله:
عمل شيخنا ـ حفظه الله ـ مدرساً بمدارس شيخه القرعاوي ـ رحمه الله ـ احتساباً، وعندما بدأت الوظائف عين مدرساً بقريته (النجامية) وكان ذلك في عام 1367هـ، وفي عام 1372هـ نقل إماماً ومدرساً في قرية (أبو سبيلة) في (بالـحُرَّث)، وفي عام 1374هـ وفي 1/1/1374هـ بالتحديد عندما فتح المعهد العلمي في (صامطة) عين مدرساً به حتى عام 1384هـ حيث استقال من التدريس بالمعهد على أمل أن يدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وسافر إليها؛ لكن حصلت له ظروف حالت دون ذلك، فعاد إلى المنطقة وكتب الله له التعيين واعظاً مرشداً بوزارة العدل بمنطقة جازان فقام بالوعظ والإرشاد أحسن قيام.
وفي عام (1387هـ) وبالتحديد في 1/7 منه عاد مدرساً بالمعهد العلمي بمدينة (جازان) حسب طلبه، وفي ابتداء الدراسة عام 1389هـ عاد إلى التدريس بمعهد (صامطة) وبقي به مدرساً حتى أحيل على التقاعد في 1/7/1410هـ.
ومنذ ذلك الحين إلى كتابة هذه الأسطر، وهو مشتغل بالتدريس في بيته والمسجد المجاور له ومساجد أخرى في المنطقة في دروس أسبوعية مع القيام بأمر الفتوى.
وهو في هذا كله قد عمل بوصية شيخه له في مداومته على التعليم والمحافظة على المتعلمين وخاصة الغرباء والمنقطعين منهم، وله ـ حفظه الله ـ على ذلك صبر عجيب، فجزاه الله عنا خيراً.
وقد عمل أيضاً بوصية شيخه القرعاوي ـ رحمه الله ـ فواصل الدراسة والبحث والاستفادة، وخاصة في علمي الحديث والفقه وأصولهما حتى فاق أقرانه وأصبح له في ذلك اليد الطولى، بارك الله في عمره وعلمه ونفع بجهوده.

آثاره العلمية:
لشيخنا ـ حفظه الله ـ آثار علمية كثيرة بعضها طبع وبعضها لم يطبع، نسأل الله تعالى أن ييسر طبعه حتى يحصل الانتفاع به ومن ذلك:
1 ـ أوضح الإشارة في الرد على من أباح الممنوع من الزيارة.
2 ـ تأسيس الأحكام شرح عمدة الأحكام ـ طبع منه جزء صغير جداً جداً.
3 ـ تنزيه الشريعة عن إباحة الأغاني الخليعة.
4 ـ رسالة الإرشاد إلى بيان الحق في حكم الجهاد.
5 ـ رسالة في حكم الجهر بالبسملة.
6 ـ فتح الرب الودود في الفتاوى والردود.
7 ـ المورد العذب الزلال فيما انتقد على بعض المناهج الدعوية من العقائد والأعمال.
وغير ذلك من المؤلفات النافعة التي قدمها للمسلمين جزاه الله خير الجزاء ونفع به الإسلام والمسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زياد علي

زياد علي محمد