الخميس، 5 سبتمبر 2019

مناقب الإمام مالك رحمه الله

الخطبة الأولى



أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102].

الحديث عن العظماء من العلماء ليس أمرًا سهلاً، فمهما اجتهدت لتستوعب حياة أحدهم فسيعجز قلمك، ويقصر علمك، بل قد يغيب عنك الأهم دلالة والأبلغ تأثيرًا. سيرة العظماء من العلماء الأوائل هي القدوة المثلى، وإبرازها تحفيز لفتياننا وفتياتنا للإفادة منها، ولئلا يلتفتوا لقدوات هزيلة هابطة لا وزن لها في الحياة ولا قيمة لها في التاريخ.

حديثنا عن العلماء ليس تعصبًا لأحد منهم، فكل إنسان يُؤخذ منه ويُردّ إلا المعصوم .

عظيمنا إمامٌ نشأ في طيبة الطيبة، ونهل من معينها، وارتفع ذكره، وملأ الأرض علمه، جلس للتدريس في جنبات هذا المسجد النبوي الشريف حتى إذا قيل: عالم المدينة أو إمام دار الهجرة لا ينصرف إلا إليه.

ولد الإمام مالك بن أنس في مدينة رسول الله ، نشأ محبًا للعلم مغترفًا منه، على الرغم من فقره وقلة حاله. أمُّ الإمام مالك أحسنت توجيه ابنها، أتت له وقالت: "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه"[1]، هذه المرأة عرفت دورها في الحياة، ورسالتها في التربية وإعداد الجيل، وأن الأدب قرين العلم، ولا قيمة للعلم بلا أدب، والأدب في ابتداء العلم وأثناء العلم، فصنعت هذه المرأة رجلاً صنع أمة.

ليست مهمة الأم تغذيةَ الجسد والعمل على وقايته من الأمراض فحسب، بل رسالتها أجل وأكبر وأعظم، رسالتها تقوية الإيمان، وبناء الشخصية، وتنمية العقل، وحفز الهمم نحو المعالي، ولن تبلغ ذلك حتى تذوي كل الهموم الدنيوية أمام هم التربية الأكبر. لقد صبغت هذه الكلمة حياة مالك حقيقة لا قولاً، وواقعًا لا خيالاً، فغدا مدرسة في الأدب ينهل طلابه من هيئته وسمته، وتقتبس الأمة من سيرته.

قال مالك لفتى من قريش: "يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم"[2]، وقال ابن وهب: "الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه"[3]، وقد تعلموا منه علمًا كثيرًا. وقال يحيى بن يحيى التميمي: "أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة أتعلم هيئته وشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين"[4].

إن الأسلوب الحديث في التعليم يبدو أحيانًا نصوصًا مجردة من مضامينها الأدبية، ومدلولاتها الخلقية، ففقد التعليم بذلك بهاءه وجماله، وأثره واتساعه، وإذا فُصل بين العلم والأدب فمهما كان المخزون العلمي والثراء المعرفي فإنك واجد ضعفًا شديدًا في أثر العلم على الأخلاق والسلوك، وتزكية الأعمال وصلاح القلوب، ولا خير في علم امرئ لم يُكسبه أدبًا ويُهذبه خُلقًا.

الجفوة بين العلم والأدب تفرز أعراضًا مرضية، منها التهجم على العلماء، والتطاول على الفضلاء، وسوء الأخلاق، وشذوذ السلوك، وعقوق الوالدين، والتقليد الأعمى في الهيئة واللباس، مع اعتداء على المعلمين والمربين بالأقوال والأفعال.

كان لطيبة الطيبة أثر ملموس في بناء شخصية الإمام مالك، فقد كانت تعج بالعلماء والتابعين، تحتضنهم الجامعة الكبرى، والمدرسة الأولى، مسجد رسول الله ، على رأس كل حلقة من حلقات العلم في هذا المسجد النبوي يجلس عالم، والذين يرومون تربية صالحة لأبنائهم عليهم توفير محاضن آمنة دينًا صالحة خلقًا، لينشأ الفتى نقي السيرة سليم السريرة. ومن نافلة القول أن البيئة السيئة تهدم ولا تبني، ماذا يبقى بعد أن يُلقن الابن صباحًا القيم الإسلامية، ثم يأوي مساءً إلى جلساء السوء يفسدون ما أصلحه الوالدان؟! وماذا يبقى بعد أن يُلقن الولد الأدب لسنوات ثم يحمله والداه إلى أجواء ملوثة في دول لا تدين بالإسلام وهو ما زال غضًا طريًا، لتُنخَر عقيدته، ويضعف إيمانه وتزلزل قيمه وأخلاقه؟!.

جلس الإمام مالك للفُتيا ولم يجلس حتى شهد له سبعون شيخًا من أهل العلم أنه موضع لذلك، وفرق بين من يزكي نفسه ويصدِّرها ومن يصدره أهل العلم والفضل، يقول الإمام مالك: "وليس كل من أحبّ أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلستُ حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك"[5].

يقول الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي فما وافق السنة فخذوا به"[6]. يضع الإمام مالك رحمه الله منهجًا وسطًا بين من يتعصب للأئمة ويقلد تقليدًا أعمى، ويرفض الأدلة الصحيحة، وبين من يرفض أقوال الأئمة الأعلام ويقول: هم رجال ونحن رجال، وشتان ما بين رجال ورجال، شتان ما بين رجال خلد الله ذكرهم على مر القرون وهم أموات، ورجال لا وزن لهم ولا ذكر وهم أحياء، أولئك تحيا القلوب بذكرهم، وهؤلاء تموت القلوب بمجالستهم. إذا ذكر الأئمة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، فهؤلاء معهم أقزام، أولئك الأئمة لم يكونوا مجرد خزانة للنصوص، بل كانوا قممًا في الأدب والعلم، كانوا علماء في التقوى، علماء في العبادة، علماء في الزهد والورع والخشية والخوف إلى غير ذلك.

من الخطأ ـ عباد الله ـ احتقار أعمال الآخرين، ومن الجهل ظن بعضنا أن ما يقوم به من خير أفضل من غيره، أو يظن من أوتي شيئًا من العلم أن من سواه ليس على شيء أو ليس بشيء، أو يظن من أنكر منكرًا أو أمر بمعروف أنه أفضل من غيره، فهذه القدرات والمواهب والإمكانات أرزاق من الله وليست من البشر، وهذا هو الفهم العظيم الذي يرسمه الإمام مالك للأمة بكل فئاتها، أن خدمة الدين تنتظم الجميع في أي تخصص وميدان، دون أن يحرج أحد على أحد، فكل مسير لما خلق له.

كتب إلى الإمام مالك أحد عُبّاد عصره يحضه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك رحمه الله: "إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، وآخر فتح له في العلم، ونشرُ العلم من أفضل الأعمال، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر"[7] انتهى كلامه.

فأصحاب الصدقات والعباد والزهاد على خير، والباذلون في سبيل الله أوقاتهم والمنفقون أموالهم على خير، والوعاظ والدعاة والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر على خير، والذين يخدمون الدين بتخصصاتهم العلمية وشهاداتهم العالمية كلهم على خير إن أخلصوا النية لله رب العالمين لا شريك له، وفي الأمة أفراد يملكون قدرات عظيمة ومواهب فذة لو سخروها واستثمروها لنفع مجتمعهم وخدمة أمتهم لكان لهم ولها شأن آخر.

كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها"، فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: "إني أخاف أن يكون لي من السائل يوم وأي يوم"[8]. سأله رجل من أهل المغرب عن مسألة كلفه بها أهل المغرب أن يسأل الإمام مالكًا، فكان جواب الإمام مالك: "لا أدري، ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا، وما سمعنا أحدًا من أشياخنا تكلم فيها، ولكن تعود"، وفي اليوم التالي عاد الرجل فقال له الإمام مالك: "سألتني وما أدري ما هي"، فقال الرجل: يا أبا عبد الله، تركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك فقال الإمام مالك: "لا أحسن"[9].

وسأله أحدهم عن مسألة وطلب وقتًا للنظر فيها، فقال السائل هذه مسألة خفيفة، فرد الإمام مالك: "ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً[10] [المزمل:5]؟!"، وقال بعضهم: لكأنما مالك ـ والله ـ إذا سُئل عن مسألة واقف بين الجنة والنار.

هؤلاء العلماء الذين ملؤوا الدنيا بعلمهم وعملهم، يقول أحدهم أحيانًا: "لا أدري"، وإنك لتعجب أشد العجب من أقوام ليس لهم حظ يذكر من العلم الشرعي يؤهلهم للفتيا، ثم يتقحمون حمى الشريعة فيخوضون تحليلاً وتحريمًا، وقد تُطرح مسألة شرعية في منتدى أو مجلس فلا ينقضي المجلس حتى يُفتي الجميع على اختلاف فئاتهم وتخصصاتهم، هذا يقول: في ظني، وذلك: في اعتقادي، وآخر يجزم بالتحليل والتحريم، فسبحانك ربي هل غدا التحليل والتحريم والتوقيع عن رب العالمين مرتعًا للجهل والظنون والأوهام؟! لو خرج إلى الناس مهندس فأخذ يمارس الطب ويصف الدواء للمرضى, ماذا تقولون عنه؟! وبم تصفونه؟! وما مصيره؟! فكيف بمن يتقحم حمى الشريعة ويسوِّد صفحات الكتب والصحف بالتحليل والتحريم، وهو ليس من أهل الشريعة، فضلاً عن أن يكون من أهل الفتيا، خاصة في نوازل الأمة التي لو نزلت على عُمر لجمع لها أهل بدر؟!

لقد غدت الفتوى في عصرنا الحاضر مجالاً فسيحًا يتسابق فيه من يريد الشهرة أو من يلتمس رضى الناس بسخط الله.

إخوة الإسلام، مسائل العقيدة توقيفية لا يدخلها الاجتهاد، والمسائل التي فيها نص من الشارع لا يدخلها الاجتهاد، فلا اجتهاد مع نص، والمسائل المجمع عليها لا اجتهاد فيها، لأنه لا تجوز مخالفة الإجماع.

إن على الأمة أن تِكل النظر في مسائل العلم إلى أهله من العلماء العاملين، ويعطوا القوس باريها، وأن لا يدخلوا فيما لا يُحسنون في أي مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا قطع في حكم الله، يقول مالك رحمه الله: "من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب"[11].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



[1] ذكره ابن عبد البر في التمهيد (3/4) بنحوه.

[2] أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/330).

[3] انظر: السير (8/113).

[4] انظر: الديباج المذهب (ص350).

[5] انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (1/21).

[6] أخرجه ابن حزم في الإحكام (6/294). بنحوه.

[7] انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/185). والذي أرسل إليه هو عبد الله بن عبد العزيز العمري.

[8] انظر: الديباج المذهب (1/23).

[9] أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (ص18)، والخطيب في الفقيه و المتفقه (2/174)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/838) بنحوه.

[10] انظر: بدائع الفوائد (3/793) وإعلام الموقعين (4/218).

[11] انظر: الديباج المذهب (1/23).


الخطبة الثانية


الحمد لله عز وجل هو بارئ الخلق وواهب الرزق ومبدع الحياة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالعدل وهو خير العادلين، وأنصف في الحكم وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أصحابه الكرام وأتباعه الهداة الأعلام.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.

عباد الله، قد ينقدح في بعض الأذهان أن هؤلاء الأئمة العلماء لا يجيدون إلا مسائل الخلاف، ومناقشة الأقوال العلمية، وتخلو مجالسهم من أحاديث الوعظ والرقائق التي تلامس شغاف القَلوب وتذكر الجنة والنار، ولإبراز شمول حلقهم لشتى فنون العلم نشنف الآذان بموعظة بليغة يذكِّر فيها الإمام مالك رحمه الله أخًا له في الله فيقول: "ذكر نفسك غمرات الموت وكُربه، وما هو نازل به منك، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله ثم الحساب ثم الخلود بعد الحساب إلى الجنة أو إلى النار، وأعد له ما يسهل عنك به عنت أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله وما صاروا إليه من أهوال العذاب وشدة نقمة الله وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم لا يبصرون ولا يتكلمون، يدعون بالثبور، وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله تعالى عنهم بوجهه، وانقطاع رجائهم في إجابته إياهم حيث: قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون: 108]".

مرض الإمام مالك اثنين وعشرين يومًا، وبلغ من عمره حين وفاته سبعًا وثمانين سنة، وقيل: بلغ تسعين سنة، وعن ابن نافع: توفي مالك وهو ابن سبع وثمانين سنة، وأقام مُفتياً بالمدينة بين أظهرهم ستين سنة، رحم الله مالكًا فقد كان يقول: "أدركت ناسًا بالمدينة لم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوبًا، وأدركت ناسًا بالمدينة كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم".

ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الآل والصحب الكرام، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا أرحم الراحمين.

فقد العلماء: وفاة ابن جبرين

الخطبة الأولى



لقد بعث الله نبيه محمدًا  إلى العالمين؛ فأخرج به المؤمنين من الضلالة إلى الهدى، وبصّرهم طريق الحق من بعد العمى، وغدوا أئمة هدى ومصابيح للدجى، وصاروا سادة الأمم بعد أن كانوا رعاة الإبل والغنم.

ولما جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا قبض الله نبيه ، فرحل بأبي هو وأمي  عن الدنيا دون أن يورّث دينارًا ولا درهمًا، ولكنه  ورّث العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر وفاز بميراث زاخر، وكان وريثًا لخاتم الأنبياء إلا أن الوحي لا يتنزل عليه من السماء.

أيها المسلمون، لما حكم الله تعالى أن تختم الرسالات بمحمد  قضى ـ جلّت حكمته ـ أن يكون العلماء في أمته  خلفاء له في تبليغ الدين وهداية العالمين وتوضيح أحكام الملة للمسلمين. وهذا ما يفسّر عظيم مكانة العلماء وجليل قدرهم وفداحة الخطب بفقدهم.

عباد الله، إن فقد العلماء ثُلمة في الدين وسراج ينطفئ نوره بين العالمين، فكم من هدى قد نشروه! وكم من منكر بإذن الله قد منعوه! كم من ضال تائه قد هدَوه! وكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! قال الحسن البصري: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسُدّها شيء ما اختلف الليل والنهار".

إن قبض العالم نقص للأرض من أطرافها، يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. روى الطبري عن ابن عباس ومجاهد: (إن نقص الأرض من أطرافها هو بموت العلماء والفقهاء)، وبه قال عطاء وجماعة من العلماء.

الأرض تحيـا إذا ما عـاش عالمها        متَى يمت عالم منها يمت طرف

كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها        وإن أبى عاد في أكنافها التلف

وإن موت العالم هو علامة لارتفاع العلم عن الأرض، روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي  قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))، وروى الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة  أن النبي  قال: ((خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع))، فقال أعرابي: كيف يرفع؟! قال: ((ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته)) ثلاث مرات. قال ابن مسعود : (عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله).

أيها المسلمون، لقد رزئت أمة الإسلام وفُجع المسلمون بفقد إمام من أئمة الهدى وهو علم الأعلام والحبر القدوة الهمام العالم الجهبذ الإمام عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين قدّس الله روحه ونوّر ضريحه وأسبغ على تربته شآبيب رضوانه ومغفرته بعد عقود ثمانية ملأها علمًا وعملاً وعبادة ودعوة في زمان، يعزّ فيه نظيره ويندر فيه مثيله.

لقد كان رحمه الله عظيمًا حتى في الممات، فإن من شاهد تلك الجموع ورآها تذرف لفقده الدموع، ومن أبصر تلك الحشود واجتماع تلك الوفود حتى ضاقت بهم في المسجد الرحبات واكتظت بهم الشوارع والطرقات، إن من عاين ذلك كله تيقّن مكانة هذا العلم في قلوب الأمم، وأدرك طرفًا من منزلة ذلك الإمام في صدور الأنام.

عباد الله، قال الحافظ ابن حجر في وصف عبد الله بن المبارك: "فقيه عالم جواد مجاهد جُمعت فيه خصال الخير". وإنا لنحسب أن شيخنا يستحق مثل هذا الوصف ولا نزكّيه على الله؛ فهو الفقيه الذي لا يجارى والعالم الذي لا يبارى، جواد فاق بجوده وسخاوة نفسه كثيرًا من الباذلين، ومجاهد أرغم الله به أنوف الزنادقة والروافض والعلمانيين والملحدين. جمع خصال الخير، فلم يترك منها بابًا إلا ولجه ولا طريقًا إلا انتهجه.

ولقد علّمنا هذا الإمام الجليل بحياته أن المرء من أهل زماننا يستطيع بعد توفيق الله أن يجمع خصال الخير وأبواب البر والإحسان، وعلّمنا بموته أن الإنسان يقدر أن يأسر قلوب الناس ويولعها بحبه ويبكيها بعده دون أن يبذل لها من ماله كثيرًا.

أيها المسلمون، لئن تغشّانا الحزن وغلب علينا البكاء فليس ذلك لأجل الشيخ رحمه الله، فإننا ومن باب حسن الظن بالله نرجو أن ما يُقبل عليه الشيخ في الآخرة خير له مما تركه من الدنيا، لكننا نبكي على أنفسنا وأمتنا إذ فقدناه في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى شيخنا وأمثاله، كما نحزن لأننا افتقدنا في هذه الدنيا إطلالة شيخنا المضيئة وابتسامته الوضيئة، وخسرنا مرآه البهي ودرسه الهنيّ وعطاءه السخي.

ولكننا مع فادح الخطب وعظيم المصاب نسأل الله أن يلهمنا الصبر ويُعْظِم لنا فيه الثواب، ونضرع إلى مولانا أن يرزقنا الثبات حتى يقوم الحساب. وإنا لنقول مقتدين بما قاله الرسول : إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراق شيخنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها.

اللهم اغفر لشيخنا ابن جبرين، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه.

بارك الله لي ولكم...



الخطبة الثانية


أيها المسلمون، لئن رحل الشيخ فإن دين الله باقٍ محفوظ بحفظ الله له، ولئن مات الشيخ فإن الحق لا يموت بموت مخلوق، والدين منتصر، والباطل مندحر، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.

إن أمة الإسلام كما أخبر النبي  مثل الغيث؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره. وإن عزاءنا أنه قد مات على مر تاريخ الأمة أعلام كان أثرهم فيها أعظم، ومع ذلك فإن ركب الأمة قد سار في حقب التاريخ، وسيبقى سائرًا حتى تقوم الساعة، ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)) رواه الشيخان.

لقد مات أكرم الورى وخير من مشى على الثرى محمد  ولم يمت معه الدين، ولم يجاوز ملك دولة الإسلام حينها حدود الجزيرة، ثم لم تمض سنوات قلائل من عمر الزمان حتى بلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها؛ ولأجل ذا فإن على الأمة أن ينبري من أبنائها من يسدّ الفراغ الذي تركه هذا الإمام، وأن يخلفه فيها أئمة هدى يسيرون كما سار هو على نهج إمام الهدى صلوات الله وسلامه عليه. وهكذا يتناقل قيادة الأمة الخلف عن السلف حتى يوصلوها بر الأمان بفضل الله وتوفيقه.

وأيضًا فإن على الدعاة وطلبة العلم وسائر الشباب أن يلتفوا حول العلماء الربانيين والأئمة الراسخين، وأن ينهلوا من معينهم قبل أن يرحلوا، فإن الموت مصير كل حي ومنتهى كل شيء، خصوصًا في زماننا زمان الفتن، والسعيد من جُنّب الفتن. قيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم. وقال سليمان الداراني: "لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخِر، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخِر هلك الناس".

وختامًا، فإن الشيخ عبد الله قد مات، ومات قبله الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون والعلماء والصالحون، وإلى الموت يصير الخلق أجمعون: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. كل الخلق يموت ويبقى الحي القيوم لا يموت، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ. فلنعد العدة للمصرع، ولنذكر دومًا المرقد والمضجع، ولنتزود بخير الزاد لهول المطلع.

اللهم ارزقنا الثبات على الدين حتى الممات، وامنن علينا بتهوين السكرات..

الشيخ/ عز الدين القسام

الخطبة الأولى

أيها المسلمون, عندما تحل بالمسلمين الكوارث، وتعصف بهم الهزائم، وتتكالب عليها الأعداء، فإن الله من رحمته أن يُهيئ للدين رجالاً ينصرونه، ويحيون روح الجهاد فيه، ويضربون أروع الأمثلة في التضحية والشجاعة، مع قلتهم غالباً، ومن هؤلاء الرجال المجاهدين: الشيخ عزّ الدين القسام.

وسوف نتعرض في هذه الخطبة إلى شيء من سيرته وجهاده رحمه الله، لعلها أن تكون زاداً وباعثاً لنا في هذه المحنة التي تعصف بأمة الإسلام.

ولد عز الدين القسام في قرية جبلة "الأدهمية" قضاء مدينة اللاذقية السورية المشهورة، والأرجح أن ولادته كانت في سنة 1882م.

والد الشيخ القسام هو: عبد القادر مصطفى القسام, كان معلما للعلوم الشريعة، ولذلك نشأ في بيت علم وتقى.

سافر الشيخ المجاهد عز الدين القسام وهو في الرابعة عشرة من عمره مع أخيه فخر الدين لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر، واستمرت دراسته عشر سنوات.

عاد الشيخ بعدها إلى سوريا عام 1906 بعد أن نال الشهادة الأهلية، وأخذ يدرس العلوم الأدبية والقراءة والكتابة ويحفظ القرآن لأطفال القرية. وتولى خطابة الجمعة في مسجد المنصوري، فدب في القرية حماس ديني شديد، فكانت شوارعها تُرى مقفرة إذا أُذن لصلاة الجمعة. وبنشاطه في الدعوة والتعليم ذاع صيته وانتشر اسمه.

وكان في سيرته الشخصية مثالاً للفضيلة والدين والخلق، لا ينهى عن خلق ويأتي مثله، ولا يدعو إلى طريق إلا ويكون أول سالك له، فكثر أتباعه ومحبوه، وعظم شأنه وذاع صيته.

في 27 أيلول 1918 أعلن جمال باشا انسحاب الدولة العثمانية ـ جيشاً وحكومة ـ من سوريا. وفي مطلع تشرين الأول 1918 دخلت جيوش الحلفاء دمشق.

في العام 1919 تألفت المجموعات الجهادية في سوريا بعد قيام فرنسا بتقسيم المنطقة إلى عدة أقسام.

خلال الحرب العالمية الأولى [1914 – 1918] أخذ القسام يعطي الدروس التحريضية تمهيداً لإعلان الجهاد، و عندما نادي المنادي للجهاد كان القسام أول من لبى و أجاب، فانضم إلى الشيخ عمر البيطار في قرية شير القاق من جبال صهيون، وانتظم في عداد رجالها وتقلد السلاح جندياً في خدمة الإسلام، وكان معه طائفة من أتباعه الذين علمهم وهذبهم.

وكان أول من رفع راية المقاومة ضدّ فرنسا وأول من حمل السلاح في وجهها, كما كان في طليعة المجاهدين واستمر هو وإخوانه حوالي سنة في مقارعة الفرنسيين [1919 -1920].

لقد حاول الاحتلال الفرنسي إقناع الشيخ عز الدين القسام بترك الجهاد والرجوع إلى بيته، فأرسل الاحتلال إليه زوج خالته، فوعده باسم السلطة أن توليه القضاء، وإن تجزل له العطاء في حال موافقته على الرجوع والتخلي عن جهاده، فرفض الشيخ القسام العرض، واختار الشهادة أو طرد المحتل من الأرض.

ونتيجة لإصراره على خط الجهاد حكم عليه الديوان العرفي الفرنسي في اللاذقية وعلى مجموعة من أتباعه بالإعدام، فلم يزده ذلك إلا مضاء وإقداماً. وطارده الفرنسيون، فقصد دمشق. وفي عام 1920 غادر القسام دمشق ـ بعد أن احتلها الفرنسيون ـ قاصداً فلسطين ليبدأ في تأسيس حركته الجهادية ضد البريطانيين والصهيونيين.

بعد إخفاق الثورة فرَّ الشيخ القسام عام 1921 إلى فلسطين مع بعض رفاقه، واتخذ مسجد الاستقلال في الحي القديم بحيفا مقراً له، حيث استوطن فقراء الفلاحين الحي بعد أن نزحوا من قراهم. ونشط القسام بينهم يحاول تعليمهم ويحارب الأمية المنتشرة بينهم، فكان يعطي دروساً ليلية لهم، ويكثر من زيارتهم، وقد كان ذلك موضع تقدير الناس وتأييدهم.

والتحق بالمدرسة الإسلامية في حيفا، ثم بجمعية الشبان المسلمين هناك، وأصبح رئيساً لها عام 1926م. كان القسام في تلك الفترة يدعو إلى التحضير والاستعداد للقيام بالجهاد ضد الاستعمار البريطاني، ونشط في الدعوة العامة وسط جموع الفلاحين في المساجد الواقعة شمال فلسطين.

تميزت دعوة القسام في تلك الفترة بوضوح الرؤية، حيث كان يعتبر الاحتلال البريطاني العدو الأول لفلسطين. ودعا في الوقت نفسه إلى محاربة النفوذ الصهيوني الذي كان يتزايد بصورة كبيرة، وظل يدعو الأهالي إلى الاتحاد ونبذ الفرقة والشقاق حتى تقوى شوكتهم، وكان يردد دائماً أن الجهاد المسلح هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء الانتداب البريطاني، والحيلولة دون قيام دولة صهيونية في فلسطين.

وكان أسلوب الجهاد أمراً غير مألوفٍ للحركة الوطنية الفلسطينية آنذك، حيث كان نشاطها يتركز في الغالب على المظاهرات والمؤتمرات.

وقد نشرت الصحف خبراً هز العالم العربي، يقول: إن الشيخ القسام يلبس الكوفية والعقال والبنطال الكاكي والسلاح، هو ورجاله، ويتدرّبون في غابات يَعْبُد بقضاء جنين استعداداً للجهاد.

فكان جهاد القسام هو باكورة الجهاد الفلسطيني المسلّح.

ومن باب التحريض على الجهاد؛ دعا القسام إلى توجيه اقتصاد البلد إلى شراء الأسلحة، وأنكر على سياسة المجلس الإسلامي الأعلى في تزيين المساجد، وبناء الفنادق، وقال: يجب أن تتحوّل الجهود والزينة في المساجد إلى أسلحة، فإذا خسرتم أرضكم فإن الزينة لن تنفعكم وهي على الجدران.

وكان القسام جريئاً في قول الحق، وكان يُقرّر من على المنبر أن الجهاد فريضة على المسلمين، وأنه لا مفر من محاربة الإنجليز وأعوانهم، وكان يطلب من الناس شراء السلاح والتدرّب عليه.

وطلب مرّة من المصلين أن يُقاوموا الأعداء، فوقف أحد المصلين وسأله: بماذا نُقاوم الأعداء ونحن لا نملك سلاحاً؟

فأجابه الشيخ: بقتلهم، وأخذ السلاح منهم.

ولقد استجوبته السلطات البريطانية عدة مرات، ولما كان له شعبية كبيرة كانت الحكومة تتجنب اعتقاله، وكان من نتيجة جهود الشيخ ودعوته للجهاد أن التفّ حوله جماعة من الرجال يدفعهم الإيمان وحب الجهاد.

وكان الشيخ يجلس مع رفاقه بعد صلاة الفجر في حلقة صغيرة يتحدث فيها عن فضائل الجهاد في الإسلام وثواب الاستشهاد في الآخرة.

استغل الشيخ القسام ثورة البراق وأخذ يدعو في خطبه العرب والمسلمين إلى التصدي لكل من الإنجليز والصهيونية الحاقدة. ولم يكن القسام في عجلة من أمر إعلان الثورة، فقد كان مؤمناً بضرورة استكمال الإعداد والتهيئة، لذا فإنه رفض أن يبدأ تنظيمه بالجهاد بعد حادثة البراق 1929، لاقتناعه بأن الوقت لم يحن بعد.

وكان الشيخ القسام يزور القرى المجاورة والمدن ويدعو فيها للجهاد، وخلال ذلك كان يختار القسام العناصر الجيدة للتنظيم، وبدأت عصبة القسام السرية تنسج خيوطها الأساسية في عام 1925م ولكن العصبة لم تبدأ عملها الجهادي إلا بعد عام 1929م.

 وكان شعاره رحمه الله: هذا جهاد، نصر أو استشهاد.

إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [التوبة:111].


الخطبة الثانية


إخواني المسلمين, وقف الشيخ للمرة الأخيرة خطيباً في جامع الاستقلال في حيفا، وخطب في جمع من المصلين، وفسر لهم قول الله عز وجل: أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ  قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة 13-14]، وكان في صوته حماسة، وفي نبراته رنين ألم ممضٍ، وفي عينيه بريق من بأس وقوة، وقال أيها الناس: لقد علّمتكم أمور دينكم، حتى صار كل واحد منكم عالماً بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد: فإلى الجهاد أيها المسلمون، إلى الجهاد أيها المسلمون.

وما أن أنهى خطابه حتى كان الحاضرون قد أجهشوا بالبكاء وأقبلوا على يديه يقبلونهما، وعاهدوه على القتال في سبيل الله. وبعد ساعة من إلقاء الخطبة أخذت السلطة تفتش عن الشيخ القسام للقبض عليه ومحاكمته، ولكنه كان قد ودع أهله وعشيرته، وحمل بندقيته وذهب وصحبه إلى الجبال ليجاهدوا في سبيل الله.

وفي عام 1935 رفع الشيخ راية الجهاد, وكان عمره قد تجاوز الخمسين، وشددت السلطات البريطانية الرقابة على تحركات الشيخ القسام في حيفا، فقرر الانتقال إلى الريف حيث يعرفه أهله منذ أن كان مأذوناً شرعياً وخطيباً يجوب القرى ويحرض ضد الانتداب البريطاني، فأقام في منطقة جنين ليبدأ عملياته المسلحة من هناك. وكانت أول قرية ينزل بها هي "كفر دان"، ومن هناك أرسل الدعاة إلى القرى المجاورة يشرحون للأهالي  ضرورة الجهاد، ويطلبون منهم التطوع للجهاد في سبيل الله، فاستجابت أعداد كبيرة منهم.

وكانت خطة القسام أن يتوزّع رجاله على قرى المناطق الجبلية، حتى يضموا إليهم أكبر عدد من المجاهدين، فإذا اكتمل العدد هاجم مدينة حيفا، واحتل دوائر الحكومة، ويكون أعوانه في المدن الأخرى قد قاموا بنفس العمل، ولكن الخطأ الذي ارتكبه أحد أعوان الشيخ عرض الخطة للفشل، فقد كان المجاهد محمود المخزومي يقوم بالحراسة قرب قرية "فقوعة"، فشاهد دورية من الفرسان يقودها شاويش يهودي، وهي قادمة من مستعمرة "عين حارود" ، فدب الحماس في قلب المخزومي، فأطلق النار على الشاويش فقتله، إلا أن زميله استطاع الهرب، فأبلغ مركز الشرطة بالواقعة، فقامت قوات كبيرة بتطويق جميع القرى المجاورة. ولما اقتربت من موقع أعوان القسام اشتبكت معهم في قرية "البارد"، ونشبت معركة قتل فيها أحد المجاهدين، واثنين من الإنجليز، وتطوّرت الأمور، فأيقنت حكومة الإنتداب أن الثورة المسلحة قد أشرفت على القيام.

فطلبت الشرطة نجدات من البوليس الإنجليزي من كافة المدن، تساندهم طائرات استكشافية.

وفي صباح يوم 19 تشرين الثاني زحفت قوات الإنجليز إلى جنين، وطوّقت منذ طلوع الفجر قرى: يعبد، واليامون، وكفر دان.

وكان الشيخ مع أحد عشر من رفاقه في أحراش قرية يعيد، في "خربة الطرم"، في الجهة الشمالية الشرقية من يعبد.

وعرفت القوات الإنجليزية أن الشيخ هو قائد الجهاد، وأنه يُقيم في أحراش يعبد، عرفت ذلك من  طريق بعض العملاء، فأرسلت إليه خمسمائة جندي، وفرضت عليه طوقاً، بحيث لا يمكنه الانسحاب، ولا يمكن أن تصل إليه الإمدادات. وطالبته القوات بالاستسلام، فرفض إلا القتال.

ودارت معركة بين قوتين غير متكافئتين بالعدد والعدة، وكان كل مجاهد يُقاتل أربعين جندياً. ونشبت المعركة في الفجر، وأعطى الشيخ تعليماته لرفاقه بالصبر وعدم إطلاق النار بأي شكل من الأشكال على أفراد الشرطة العرب، بل إطلاق النار باتجاه الإنجليز. وكان الضباط الإنجليز قد وضعوا البوليس العربي في ثلاثة مواقع أمامية،  ولم يكن هؤلاء عارفين بحقيقة الجهة التي أُحضروا إليها وحقيقة الجماعة التي يطاردونها. اتخذت المعركة بين الطرفين شكل عراك متنقل، وساعدت كثافة الأشجار على تنقل أفراد الجماعة من موقع إلى آخر، واستمر القتال ست ساعات. وكان الشيخ من الفعالين في القتال، فقد حارب ببندقية ومسدس بالتناوب، في الوقت الذي كانت شفتاه لا تفتر عن الدعاء. واستمرّت القتال حتى الظهر، فانتهت بقتل الشيخ عز الدين، والشيخين: محمد الحنفي ويوسف الزيباوي، وأسر الباقون، وذلك لنفاد ذخيرتهم.

وقُتل من البريطانيين أكثر من 15 قتيلاً.

ولقد أكرم سكان حيفا هؤلاء البواسل، وتحدّوا السلطات الغاشمة، وجرت جنازة مهيبة، اشترك فيها عشرات الألوف. وجرت مظاهرات أثناء تشييع الجنائز، حيث هاجم المتظاهرون دوائر الشرطة، والدوريات الإنجليزية بالحجارة.

وقد أزعج القسام السلطة المنتدبة، حتى بعد موته، فقد استدعى مدير المطبوعات أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها، ومنعهم من كتابة شيء عن القسام.

قال الشيخ عز الدين القسام: "ليس المهم أن نحرر فلسطين في بضعة أشهر، بل المهم أن نُعطي من أنفسنا الدرس للأمة، وللأجيال القادمة".

وقال رحمه الله تعالى: "إن الصليبية الغربية الإنجليزية، والصهيونية اليهودية، تريد ذبحكم كما ذبحوا الهنود الحمر في أمريكا، تريد إبادتكم أيها المسلمون، حتى يحتلوا أرضكم من الفرات إلى النيل، ويأخذوا القدس ويستولوا على المدينة المنورة، ويُحرقوا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. إنهم يريدون اللعب بأمهاتكم وبناتكم، وتحويلهم إلى خدم وسبايا"!!

وقد أجمع المؤرخون أن قتل الشيخ عز الدين كان المولد والحياة والقدوة للشعب الفلسطيني في جميع مراحل نضاله، وليس هذا فحسب، بل كان لجهاده الأثر على العالم الإسلامي بأسره، فقد أرسل أحد العراقيين برقية لأكرم زعيتر يقول فيها: "لقد أحيا القسام وإخوانه في نفوسنا الأمل، بعد أن كدنا نفقده، وليتني علمتُ بعصابتهم قبل الآن، لكنت والله أول من ينضم إليهم، فهذا والله هو سبيل الخلاص وحده".

 و هكذا طوى التاريخ صفحة هذا المجاهد. ومات القسام ولكن جهاده لم يمت، وعطاؤه لم يمت، فكان ذلك نصراً حقّقه ذلك المجاهد.

فقد أحيى روح الجهاد في قلوب الملايين من المسلمين، الذين دب فيهم الخوف وكراهية الموت، وراح شباب فلسطين يتسابقون إلى الشهادة في الوقت الذي ظن فيه العدو أن الجهاد مات ولن يعود، بعد الغسيل الذي تعرضت له أدمغة كثير من المسلمين، وبعد تسممها بأفكار الغرب.

ومن هؤلاء الأبطال أولئك الذين صمدوا في حصار اليهود لجنين، وهم قلة، و اليهود متسلحون بأحدث الأسلحة، وحولهم العالم يحميهم. صمد المجاهدون أمام جيش عاتي، ليُبينوا للعالم كله أن اليهود وجيش اليهود ليس شيئاً، فهم أجبن من الجبن، وممكن أن يهزم اليهود، ولكن الأمر يحتاج إلى تضحية وصبر، ويحتاج إلى قدوات تقود الناس.

ألا ما أشد شوق بلاد المسلمين الآن إلى أمثال عز الدين القسام، وصلاح الدين.

نسـاء فلسطين تكحلـن بالأسـى                وفي بيت لـحـم قاصـرات وقُصّر
وليمـون يـافـا يبس في حقولـه                وهل شجر في قبضة الظـالـم يُثمر

رفيق صلاح الدين هل لك عـودة                  فإن جيـوش الـروم تنـهَى وتـأمر

رفاقك في الأغوار شدُّوا سروجهم                   وجندك في حطـين صلـوا وكبّروا

تناديـك من شـوق مـآذن مكـة               وتبكيك بدر يـا حـبيبـي وخيبـر

ويبكيـك صفصاف الشّام ووردها                 ويبكيـك زهـر الغَوطتين وتـدمـر

تعال إلينا فالمروءات أَطـرقـت                    وموطـن آبـائي زجـاج مـكـسّر

هُزمنـا وما زلنا شتاتُ قبـائـل                  تعيش على الحقد الدفـيـن وتــزأر

يُحاصرنـا كالموت بليون كـافر                  ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر

ولكن الفرج بإذن الله قريب، ونصر الله آت، فكونوا من الذين ينصرون دين الله...

قصة سبي زيد بن حارثة

قصة سبي زيد بن حارثة رضي الله عنه من القصص المشهورة في السيرة النبوية، ومع ذلك فهي مما شاع ولم يثبت في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه ... قال:"كان حارثة بن شراحيل تزوج امرأة في طي من نبهان فأولدها جبلة وأسماء وزيدًا ... ".
وذكر القصة في وقوع زيد بن حارثة في السبي بعد أن أغارت عليهم خيل من تهامة من بني فزارة، ثم بيعه في سوق عكاظ، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم له قبل أن يُبعث، ثم شراء خديجة رضي الله عنها له، ومصيره إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، وفيه قدوم حارثة وبعض عشيرته لطلبه ثم تخيير النبي صلى الله عليه وسلم له .. إلى آخر القصة (1)، قال الحافظ ابن حجر في التهذيب بعد أن عزاه إلى تمّام في فوائده:"حديث منكر جدًا، وقد أورده الحافظ أبو عبد الله بن مندة في معرفة الصحابة في ترجمته، وقال: إنه لا يُروى إلا بهذا الإسناد. ثم رأيته في المستدرك للحاكم (2) لكنه لم يصرّح بتصحيحه (3)". وإسناد ابن سعد في شيخه هشام وأبوه، وهما متروكان.
وذكر قصته ابن إسحاق في السيرة دون إسناد (4).
وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (5) من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: قيل لجبلة بن حارثة أنت أكبر أم زيد؟ قال: زيد خير مني وأنا وُلدت قبله. ثم ذكر قصة وقوع زيد في الأسر مختصرةً، وليس فيها قدوم أبيه وعشيرته وما بعدها.
قال أبو عمر بن عبد البر قبل ذكره للقصة:"وبعضهم يُدخل بين أبي إسحاق وجبلة بن حارثة فروة بن نوفل". وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في التهذيب في ترجمة جبلة "الصحيح عن أبي إسحاق عن فروة عنه (6)" ا. هـ.
تسمية زيد بن محمد
أما كونه كان يسمى زيد بن محمد، فهذا رواه البخاري في صحيحه باب{ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ} من كتاب التفسير، عن ابن عمر رضي الله عنه أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن:{ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ}(7) ورواه مسلم في "فضائل الصحابة" باب فضائل زيد (8).
وروى الترمذي بسنده عن أبي عمرو الشيباني قال: أخبرني جبلة بن حارثة أخو زيد قال: قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله: أبعث معي أخي زيدًا. قال: "هو ذا فإن انطلق معك لم أمنعه"، قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدًا، قال: "فرأيتُ رأي أخي أفضل من رأيي" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي عن علي بن مسهر (9) أهـ. وأورده الألباني في "صحيح الترمذي (10).
وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (11).


سعيد بن جبير رحمه الله

:::سعيد بن جبير رحمه الله :::
:::الكـاتب : محمد عبد الملك الزغبي:::
كان الحجاج بن يوسف الثقفي من الولاة الظالمين الغاشمين، وقد عمت سيئاته الأمة بأسرها.

كان خالد بن عبد الملك القسري واليا على مكة، وقد خُبِّرَ بوجود سعيد بن جبير في ولايته، فأراد أن يتخلص منه، فألقى القبض عليه واعتقله، وأرسل إلى الحجاج الظالم ودخل الإمام على الظالم.

قال الحجاج: ما اسمك؟

قال سعيد: سعيد بن جبير.

الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.

قال سعيد: بل كانت أمي أعلم باسمي منك.

الحجاج: شقيت أمك وشقيت أنت.

قال سعيد: الغيب يعلمه الله.

الحجاج: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.

قال سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.

الحجاج: فما قولك في محمد؟

قال سعيد: نبي الرحمة وإمام الهدى.

الحجاج: فما قولك في عليّ أهو في الجنة أم في النار؟

سعيد: لو دخلت وعرفت من فيها، عرفت أهلها.

الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟

سعيد: لست عليهم بوكيل.

الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟

سعيد: أرضاهم لخالقي.

الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟

سعيد: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.

الحجاج: أحب أن تصدقني.

سعيد: إن لم أحبك لن أكذبك.

الحجاج: فما بالك لم تضحك؟

سعيد: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار!!!

الحجاج: فما بالنا نضحك؟

سعيد: لم تستو القلوب.

ثم أمر الحجاج بالذهب والفضة واللؤلؤ والزبرجد فجمعه بين يديه.

فقال سعيد: إن كنت جمعته لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء من الدنيا إلا ما طاب وزكا.

ثم دعا الحجاج بالعود والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد.

فقال الحجاج: ما يبكيك أهو اللعب؟

قال سعيد: هو الحزن، أما النفخ فذكرني يوماً عظيماً يوم ينفخ في الصور، وأما العود فشجرة قطعت من غير حق!! وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة!!!

فقال الحجاج: ويلك يا سعيد.

فقال سعيد: لا ويل لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة.

قال الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟

قال سعيد: اختر أنت لنفسك، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.

قال الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟

قال سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.

قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج ضحك فأخبر الحجاج بذلك، فردوه إليه.

قال الحجاج: ما أضحكك؟

قال سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك.

فأمر بالنطع فبسط، وقال اقتلوه.

قال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.

قال الحجاج: وجهوا به لغير القبلة.

قال سعيد: فأينما تولوا فَثَمَّ وجه الله.

قال الحجاج: كبوه على وجه.

قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.

قال الحجاج: اذبحوه.

قال سعيد والسكين على رقبته وقد استسلم لقضاء الله: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة، اللهم لا تسلطه على أحد يقتله من بعدي.

وعاش الحجاج بعده أيام قلائل، قيل ثلاثة وقيل خمسة، وقيل خمسة عشر، وقيل أكثر من ذلك، فسلط الله على الحجاج البرودة حتى كان والنار حوله يضع يده في الكانون فيحترق الجلد ولا يحس بالحرارة، ووقعت الأكلة في داخله والدود، فبعث إلى الحسن البصري فقال: "أما قلت لك لا تتعرض للعلماء؟ قتلت سعيداً"!!!

ويقال: إنه كان في مرضه كلما نام رأى سعيداً آخذاً بمجامع ثوبه يقول له: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعوراً فيقول: مالي وسعيد بن جبير، فسبحان الله الحليم الكريم يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة: 144)، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42).

قتل - رحمه الله – (95هـ)، - رحمه الله تعالى - ورضي عنه.

أعرض عن الهجران والتمادي*** وارحل لمولى منعم جواد

ما العيش إلا في جواره سارة*** قد شربوا من خالص الوداد

وصدق القائل:

خذوا كل دنياكم واتركوا*** فؤادي حراً وحيداً غريباً

فإني أعظمكم دولة *** وإن خلتموني طريداً سليباً

لماذا محمد ( سيف بن ذي يزن)

لماذا محمد ( سيف بن ذي يزن)

سيف بن ذي يزن

روى بن إسحاق عن ابن عباس ما موجزه " لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة ، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أتته وفود العرب ... فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم في أناس من وجوه قريش ... فتكلم عبد المطلب بكلام أعجب الملك ، كما تكلم بن ذي يزن بكلام أعجب منه وذكر بن إسحاق ما قالاه كلاهما تفصيلا ، فكان مما قاله سيف بن ذي يزن " إنى مفوض إليك من سنى علمي أمرًا لو يكون غيرك لم أبح له به ولكنى رأيتك معدنه فأطلعتك عليه فليكن عندك مكنونا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره. إنى أجد فى الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اختزناه لأنفسنا واجتبيناه دون غيرنا خيرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة... إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة … هذا حينه الذى يولد فيه أو قد ولد ، اسمه محمد يموت أبوه وأمــه ويكفله جده وعمه ، قد ولدناه مرارًا والله باعثه جهارًا وجاعل له منا أنصارًا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه يضرب بهم الناس عن عرض ويستبيح بهم كرائم الأرض ويكســـر الصلبان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان قوله فصل وحكمه عدل يأمــر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله … والبيت والحجب والعلامات والنصب إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب… فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود، فإنهم أعداؤه، ولن يجعل الله عليه سبيلاً، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فأنى لا آمن أن تدخلهم التعاسة من أن تكون لكم الرياسة فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مخترمي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه، ولولا أنى أخاف عليه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه بذكره، ولكنى صارف ذلك إليك، من غير تقصير بمن معك " ، ثم مات ابن ذى يزن قبل أن يحول الحول فكان عبد المطلب كثيرًا ما يقول يا معشر قريش، لا يغبطنى أحدكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطنى بما يبقى لى ولعقبى من بعدى ذكره وفخره وشرفه. فإذا قيل له : فما ذاك؟ قال: ستعلمون نبأه ولو بعد حين " .

الملاحظات :

1- ذكر بن كثير قصة سيف بن ذي يزن كما رواها بن اسحاق من جهة قصة أصحاب الخدود حيث ذكر بن إسحاق أن " سيف هو الذي استنقذ بعض مؤمني أصحاب الأخدود وهو دوس ذو تغلبان وهو الوحيد الذي نجا فذهب هذا الذي نجا إلى قيصر الروم ملك الشام فكتب الأخير إلى النجاشي فأرسل مع ذو نواس جيشا يقدمهم أرباط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من اليهود ( أصحاب الأخدود )
وهرب ذو نواس وغرق في البحر ثم استمر ملك الحبشة في أيدي النصارى إلى أن استنقذه سيف بن ذي يزن منهم ، ثم قال بن كثير تعقيبا على هذه القصة " إن زمن القصة قديما بعد زمان إسماعيل عليه السلام بقرب من خمسمائة سنة وما ذكره بن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمان الفترة بين عيسى ومحمد وهـو أشبه " ثم عقب بعد ذلك ابن كثير باحتمال حدوث قصة أصحاب الأخدود أكثر من مرة حتى يطابق ما قاله بن اسحاق ، (1)

2- الملاحظ أولا أن هذه القصة رويت من مصدر يكاد يكون وحيد هو الموجود في السيرة الهشامية لابن هشام في تهذيب سيرة بن إسحاق , وعنها أخذت جميع السير ،

3- والملاحظ ثانيا أن القصة بالطريقة التي سردها بن إسحاق يغلب عليها الطابع الأدبي ,وهو الطابع الذي يعتمد على القص والحكي متخذا من العبارات السهلة سبيلا لعرض القصص في أسلوب أدبي شيق شارحا بعض الكلمات الغامضة أثناء العرض القصصي محليا الخبر بأبيات شعرية أو نصوص نثرية , وهو ما فعله بن هشام حيث نحا في أغلب الحوادث التاريخية وخاصة قبل الإسلام نحوا قصصيا في أسلوب أدبي بليغ وتخلل عرض الأخبار كثير من الحوارات الشيقة ، ومن هذه الحوادث أخبار غزوة يثرب التي قام بها تبان أسعد حاكم اليمن قاصدا هلاك المدينة , وكان لحبرين من اليهود دخل في حوادث هذه القصة المغرقة في الإسرائيليات وكذا قصة سد مأرب ، وأرى أن القصة صاغها بن إسحاق من هذا القبيل ,
4وهذه الطريقة أخذ عنها أغلب الكتاب والأدباء المعاصرين حيث استخدموا قدراتهم الأدبية في صياغة السيرة النبوية في صورة القصص والرواية والشعر ومن هؤلاء طه حسين في كتابه على هامش السيرة , وتوفيق الحكيم في ( محمد ) ومن الشعراء محمود سامي البارودي في كشف الغمة في مدح سيد الأمة (2) لذا جاء الحوار فيها بطريقة أدبية بالغة الدقة ظاهر فيها استخدام السجع والبلاغة والشعر ، بغير أن يعني ذلك جميعه نفي القصة من أساسها ، ولكن كما قلت في قصة بحيرا من أنه لا مانع من صحة الرواية ، ولا مانع من سفر محمد إلى الشام في تجارة ولقائه به ، ولا مانع من توسم بحيرا في محمد سمات الأنبياء ، فأقول هنا أيضا لا مانع من لقاء عبد المطلب بسيف بن ذي يزن على النحو الذي جاءت به القصة ، ولا مانع كذلك من صحة أغلب الحوارات والكلام الذي دار بينهما , ولكن يبقى مانع وحيد وهو علم ذي يزن هذا العلم اليقيني المؤكد تأكيدا ينقطع دونه كل شك أو احتمال بنبوة محمد ، وأن محدثه هو جده ، وأن الطفل محمد بن عبد الله هو حفيده ،

5- من المعروف أن عبد المطلب مات وسنه صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات , فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة جده عبد المطلب في كفالة عمه أبو طالب، وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن عبد الله والده وأبا طالب عمه كانا أخوان لأب واحد هو عبد المطلب وأم واحدة هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ (2)، فهل كان من ضمن ما أخبر به عبد المطلب ابنه أبو طالب وأوصاه به هو أن محمد النبي المنتظر ؟ وهل أخبره بكلام بن ذي يزن ؟ بل وهل أخبره بسائر الأقاويل التي سمعها والتي تؤكد كلها بما لايدع مجالا للشك أن محمد بن عبد الله هو النبي المنتظر ومن هذه الأقاويل على سبيل المثال ومما أفاض فيه بن إسحاق أيضا ، ما رواه من قول أم أيمن : " كنت أحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفلت عنه يومًا فلم أدر إلا بعبد المطلب قائمًا على رأسى يقول يا بركة ، قلت لبيك، قال أتدرين أين وجدت ابني ؟ قلت لا أدرى قال وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة، لا تغفلي عن أبني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن أبني نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم (3)
وأيضا "جلس عبد المطلب يومًا فى الحجر وعنده أسقف نجران وكان صديقًا له وهو يحادثه وهو يقول إنا نجد صفة نبى بقى من ولد إسماعيل، هذه مولده، من صفته كذا وكذا فأتى الطفل محمد وهم على هذا الحديث، فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال هو هذا ، فقال الأسقف ما هذا منك؟ قال ابني قال الأسقف لا ما نجد أباه حيًّا. قال عبد المطلب هو ابن أبني مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت. قال عبد المطلب تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه (4)

6- الثابت أن التاريخ لم يسجل وصية لعبد المطلب بهذا الشأن ، وما سجله هو وصيته عند موته عندما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت فجمع بناته وكن ستا: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة ، وأروى فقال لهن ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. فقالت كل واحدة منهن شعرًا ترثيه به وأنشدته إياه ، فأشار برأسه ، وقد أصمت أن هكذا فابكيننى (5)

7- بل إن موقف أبو طالب نفسه وعلى وجه الخصوص عدم إسلامه وإيمانه بمحمد يدل على جهله بهذه النبوة ، وما كانت منعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحدبه عليه إلا من منطلق واحد فقط هو منطلق القرابة وصلة الدم والحب له , ولنستعيد موقفه يوم أن ذهب إليه الملأ من قريش ومعهم عمارة ابن الوليد بن المغيرة وقالوا له‏:‏ يا أبا طالب إن هذا الفتى أنْهَدَ فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال‏:‏ والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه‏؟‏ هذا والله ما لا يكون أبدًا‏. (6)
فكان إبائه من هذا الوجه فحسب ، ولو كان من وجه يقينه بنبوة محمد لكان أول من آمن . ولما لا وقد تعجب أبو طالب من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما تعجب الملأ الكفار من قريش عندما قال له صلى الله عليه وسلم " أي عم أو أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها" ؟ قال وإلام تدعوهم ؟ قال
" أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين بها لهم العرب ويملكون بها العجم " فقال أبو جهل بلى وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها " فقال هي لا إله إلا الله محمد رسول الله فنفروا منه وتفرقوا(7)فهل يفهم من هذا علم أبو طالب أو قريش المسبق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة وأنه أصر إصرارا غريبا على عدم الإيمان بمحمد حتى عند موته ، ففي الصحيح عن المسيب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال أ‏ي عم قل‏ لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ‏فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية‏ يا أبا طالب ، ترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به " على ملة عبد المطلب (8)

8-وبالتالي يداخلنا الشك أيضا في بعض ما قيل في الإرهاصات وهواجس النبوة عن علم أبو طالب بنبوة محمد بن أخيه وهو لم يزل طفلا ، وتحققه بنفسه من بعض هذه العلامات ، مثل ماروي من أنه (أي أبو طالب) عرضه على عائف من لهب كان إذا قدم من مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم ، فأتاه به أبو طالب وهو غلام مع من يأتيه فنظر _ أي العائف - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شىء فقال : الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه ، فجعل يقول ( العائف ) ويلكم ردوا على الغلام الذي رأيت آنفًا، فوالله ليكونن له شأن فانطلق به أبو طالب(9)

9- ولست بذلك أكذب كل الإرهاصات التي نبئت بنبوته صلى الله عليه وسلم خاصة وأن (يقيننا بها جاء بعد الرسالة وليس قبل أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يتنبه الناس إليها إلا بعد أن أعلن محمد – صلى الله عليه وسلم – أنه تلقى وحياً .. ولم يكن الوحي رغبة له صلى الله عليه وسلم ولم تكن الرسالة أملاً يراوده ، ولا حلماً يسعى إليه ، ولقد عاش أربعين عاماً قبل أن يوحي إليه كما يعيش كافة أقرانه لم يعرف عنه إلا أنه الصادق الأمين ) (10) بل أني سأدرجها ضمن فضائله صلى الله عليه وسلم كما سيرد إن شاء الله في باب الفضائل . ولكن المبالغ في هذه الإرهاصات ، هو ما نرده وهو ما نراه مخالفا لقولنا بالاختيار .. والمبالغات التي أشير إليها هي بعض ما امتلأت به كتب التاريخ عن أخبار الكهان ، والتي صورت لنا إياهم قدرتهم الفائقة على العلم بالغيب ، ومنذلك مثالا ما رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء نقلا عن الخرائطي في الهواتف ما موجزه :
" أن الفاكه بن المغيرة طلق هند بنت عتبة لشكه في واقعة ما ، فأراد قومها أن يتأكدوا من صدقه أو كذبه فضربوا الرحال إلى كاهن باليمن , فلما خشيت هند أن يخطئ الكاهن بوصفة بشري فيسمها بسيماء تكون عليها سبة في العرب ، قال لها أبوها عتبة أنه سوف يختبره قبل أن يعرض عليه أمرها ، فوضع في إحليل فرسه حبة من حنطة ، ثم دخلوا على الكاهن ، فقال له عتبة " إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبيئا أختبرك فانظر ما هو ؟ فقال برة في كمرة ، قال أريد أبين فقال حبة من بر في إحليل مهر , فقال عتبة صدقت ، ثم قال له انظر في أمر النساء ، فجعل يدنو من إحداهن ويقول لها انهضي حتى إذا دنا من هند قال "قومي غير رسحاء ولا زانية ولتدلين ملكا يقال له معاوية "(11)
إذ بالوقوف عند ما انتهت إليه هذه الرواية نجد فيها شبهة المبالغة والتزيد , وأقصد بذلك قوله لهند " تلدين ملكا يقال له معاوية " ، إذ قد علم القائل علما تجاوز به حدود السنين الطوال ، فعلم أن هند ستتزوج ، وأنها ستلد ولدا ، وأن هذا الولد سيكون اسمه معاوية ، وأن هذا الولد المسمى معاوية سيكون ملكا فمن أين تأتى هذا الكاهن بمثل هذا الغيب ؟ أمن شيطانه الذي كان يتسمع أخبار السماء ؟ فما بلغ العلم الشيطاني هذا الحد ، أم من كتاب أطلع عليه ؟ فما من كتاب سماوي أخبر بمثل هذا . بل بلغ الكاهن في قوله هذا علما لم يبلغه نبينا صلى الله عليه وسلم ، إذ غاية ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية قوله في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الملك بن عمير قال " قال معاوية ما زلت أطمع في النبوة منذ قال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام "يا معاوية إذا ملكت فأحسن " (13) ، ليس هذا فحسب بل ما يؤكد ذلك هو اختبار النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد الدجال في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر وفيه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد – وكان كاهنا بلغ في قدرته أن أقسم عمر بن الخطاب بأنه المسيخ الدجال الذي تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم - ماذا ترى ؟ قال بن صياد يأتيني كاذب وصادق , فقال له خلط عليك الأمر , فقال له النبي إني قد خبأت لك خبيئا – وكان الخبيىء آية من سورة الدخان هي" فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين " فقال بن صياد هو الدخ الدخ – لا يستطيع أن يكمل – فقال النبي أخسأ فلن تعدو قدرك "(14) إذ دل هذا الحديث على قدرة الكاهن المحدودة

10- خاصة وأن هذه المبالغة اتخذها البعض سندا لاتجاه معين لهم فادعى أحدهم أن نبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان ممهدا لها من قبل جده عبد المطلب بن هاشم ,
فقال " إن عبد المطلب بن هاشم كان من ذوى النظر الثاقب والفكر المنهجي المخطط استطاع أن يقرأ الظروف الموضوعية لمدينة مكة وأن يخرج من قراءته برؤية واضحة هي إمكان قيام وحدة سياسية بين عرب الجزيرة ، تكون نواتها ومركزها " مكة " تحديداً برغم واقع الجزيرة المتشرذم آنذاك ويؤيد ذلك بقولة عن عبد المطلب " إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء " وهو يشير إلى أبنائه وحفدته ، و يقصد الكاتب أن عبد المطلب كان يسعى لإنشاء دولة هاشمية يكون هو ملكها ومن بعده أولاده." .. ثم يربط أحلام اليهود بأحلام العرب بقوله : " هذا الحلم داعب خيال سراة العرب وأشرافهم حتى بدا لكل منهم طيف زعامته للدولة الموحدة مشرقاً في الخيال .
ثم يوضح " أنه إزاء كل العوائق الواضحة والمحبطات السافرة للحلم وللأمل وللتوقع لم يجد الآخرون سوى الاهتداء إلى أنه لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبياً مثل داود ، وعندما وصلوا إلى هذا فشا الأمر بسرعة هائلة بين العرب حتى اشتد الإرهاص بالنبي المنتظر خلال فترة وجيزة وأمكن هؤلاء بذلك وأخذوا يسعون للتوطئة للعظيم الآتي " إلى أن قال " لكن العجيب فعلاً أن لا يمضي من السنين غير قليل حتى تقوم في جزيرة العرب دولة واحدة قادرة مقتدرة تطوي تحت جناحيها وفي زمن قياسي ملك الروم والعجم بعد أن أعلن حفيد عبد المطلب بن هاشم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام أنه النبي المنتظر" (15)

--------------------------
(1) تفسير بن كثير لسورة البروج د/ محمد حامد
(2) رسول الإنسانية في الأدب العربي الحديث
(3) سيرة بن إسحاق (4) عيون الأثر ج أول (5) سيرة بن كثير ج 1
(6) تاريخ الطبري الجزء الثاني (7) السيرة الحلبية
(8) قال الحاكم فصحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه 8737 (9) الرحيق المختوم
(10)السيرة لابن كثير ج1 (11) د/ المسير صحيفة النور 5/8/92
(12) تاريخ الخلفاء الجزء الثاني فصل معاوية (13) صحيح البخاري 2988 (14)صحيح مسلم 293
(15) سيلاحظ القاريء في جميع هذا الكتاب أنني لا ذكر أسماء من انتقدهم من العلماء وما ذاك إلا إجلالا لهم وتوقيرا

عمر بن عبد العزيز.. كانت حياته معجزة

::: عمر بن عبد العزيز.. كانت حياته معجزة :::
:::الكـاتب :محمد جمعة الحلبوسي:::

نقف اليوم في رِحاب عَلَمٍ من أعلام المسلمين، وشخصيَّة من الشخصيَّات العظيمة، مع الرجل الذي لم يكن قِمَّةً في الزُّهد فحسب، ولا قِمَّة في العبادة فحسب، ولا قِمَّة في الوَرَع فحسب، وإنما كان قِمَّة في ذلك كلِّه، فكانت حياته قِمَمًا شامخة في كلِّ ذلك، مع الرجل الذي أقبلتْ عليه الدنيا بخيَلِها ورجلها، فأعرض عنها؛ رغبةً في النعيم الْمُقيم في جوار ربِّ العالمين، مع الرجل الذي كانتْ حياته معجزة، الرجل الذي ملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلِئَت ظُلمًا وجورًا، إنه عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -.

المسلم الكريم:

عندما تقرأ قَصصَ المهتدين والعابدين تجدُ أنَّ نقطةَ التحوُّل في حياتهم كانت إمَّا بسبب موت قريبٍ، أو فجيعة في عزيز، أو كِبَر في السنِّ، أو مَرض زعزع كيانهم؛ حتى أفاقوا إلى رشدِهم.

لكن عمر بن عبد العزيز كانت نقطةُ التحول في حياته يوم أن فُتِحَتْ زخارف الدنيا كلُّها بين يديه، يأخذ ما يشاء ولا يحاسبه أحدٌ إلا الله، هذه اللحظة التي تضعُف فيها النفوس كانت نقطة الاستفاقة في حياة عمر، فخاف أعظم ما يكون الخوف، وعدل أحسن ما يكون العدل، لقد خاف عمر ولم يكن خوفه إلا من الله، فلم يكن بينه وبين الله أحدٌ من الخَلْق يخشاه.

لذلك عندما وصل نبأُ موتِ الخليفة "عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى إمبراطور الروم الذي كان خَصمًا عنيدًا لدولة الإسلام، بكى بكاءً شديدًا أذهل حاشيته، فسألوه عن ذلك، فأجابهم بكلمات تُعتبر من أصدق وأجمع ما قِيل في تأبين الخليفة أمير المؤمنين - رضي الله عنه - حيث قال: ماتَ والله رجلٌ عادلٌ، ليس لعدله مثيلٌ، وليس ينبغي أنْ يَعجبَ الناس لراهبٍ ترك الدنيا؛ ليعبدَ الله في صومعته، إنما العجبُ لهذا الذي أتته الدنيا حتى أناختْ عند قدمه، فأعرض عنها.

ما رأيكم - أيها الناس - برجل يبكيه أعدى أعدائه؟!

وقال عنه مالك بن دينار - رحمه الله -: الناس يقولون عنِّي: زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.

فتعالَ - أخي المسلم - لنعيش وإيَّاكم مع بعض من مواقف هذا الرجل الذي ضرب فيها أروعَ الأمثلة في العدل، ورَفْعِ الظلم عن الناس، وفي الزهد، والوَرَع، والخوف من الله، وكم نحن اليوم بحاجة إلى سماع مثل هذه الأخبار؛ لعلَّها تكون دافعًا لنا إلى التغيير.

الموقف الأول: أين المسلمون من عمر؟ وأين نساء الأمة من زوجته فاطمة؟

عندما تولَّى "عمر" الخلافة نَظَرَ في بيت مال المسلمين، ثم نظر إلى ما في يده، ثم نظر إلى ما في يد أمراء بني أُميَّة، فماذا فعل يا تُرى؟

بدأ بنفسه، فدعا زوجه فاطمة ابنةَ الخليفة عبد الملك بن مروان، وزوجةَ الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأختَ الخلفاء الأربعة: الوليد، وسليمان، ويَزِيد، وهشام، هم خلفاء بحكم الوراثة، فسألها عمر سؤالاً، قال لها: اختاري يا فاطمة، قالت: أيَّ شيءٍ اختار يا أمير المؤمنين؟

قال لها: إما أن تختاري الذهب والجواهر والزُّمُرُّد ومتاع الدنيا، وإما أن تختاري عمر بن عبد العزيز، نَعَمْ، خَيَّرَها عمر بين نفسه وبين ما تملك من زينة زُفَّتْ بها؛ لأنها بنت الخليفة.

فماذا قالت فاطمة؟ هذه السيدة المسلمة التي تربَّت في مدارس الإسلام، ونهلت من مناهل القرآن، قالت بلسان اليقين، ومنطق الحق المبين: والله لا أختار عليك أحدًا يا أمير المؤمنين، هذا ذهبي، وتلك ثياب زفافي المرصَّعة بالماس والزُّمُرُّد، ثم قالت: إلى أين تريد الذهاب بها يا عمر؟ قال: سأذهب بها إلى بيت مال المسلمين؛ لتكون للفقراء والمساكين!.

الله أكبر، هذا هو العدل كله، وهذه هي النزاهة كلُّها، وهذا هو الزُّهد كلُّه، والإخلاص كلُّه.

يا عمر، إلى أين تذهب بجواهرها وذهبها وزينتها وثياب زفافها؟ إلى أين تذهب بهذا كلِّه يا عمر؟ إلى بيت مال المسلمين؛ لتكون للفقراء والمساكين! وإذا بفاطمة تقول بلسان يَقِينها: جعلني الله وإياك - يا عمر - فِداءً لله ورسوله.

وعندما مات عمر، وتولَّى الخلافة بعده "يزيد بن عبدالملك" أخو فاطمة، فقال لها: يا فاطمة، أنا أعلم أنَّ عمر أخَذَ مالك كلَّه، ووضعه في بيت المال، أتأذنين أنْ أعيدَه إليك؟ فقالت له بلسان الحقِّ: ماذا تقول يا يَزِيد؟! أتريد أن آخذَ شيئًا وضعه عمر في بيت مال المسلمين؟! فو الله الذي لا إله إلا هو، لن أعطيه حيًّا وأغضبه ميِّتًا أبدًا، وما غادرتْ بيتها قط بعد عمر، حتى وافتها المنيَّة - رضي الله عنها -.

هكذا كان عمر، وإلى كمْ عمر نحتاج من الرجال في عصرنا هذا؟ وإلى كمْ فاطمة نحتاج من النساء؟

ثم انقلب عمر بعد أن بدأ بنفسه إلى بني أُميَّة، فقطع كلَّ صلاتٍ كانوا يأخذونها وأعطياتٍ كانوا يستلمونها، نظر إلى بيت المال، فإذا اسمه بيت مال المسلمين، ليس بيتَ مال عمر، ولا بيت مال الأمراء، ولكن بيت مال المسلمين.

فكلُّ مال أُخِذَ من بيت مال المسلمين فدُفِع إلى أمير، قام عليه عمر فردَّه من حيث أُخِذ، واستشاط أمراء بني أُميَّة غضبًا، فأرسلوا إليه ابنَه عبد الملك، فقالوا: يا عبد الملك، إما أن تستأذنَ لنا على أبيك، وإما أن تبلِّغه عنَّا، قال: قولوا، قالوا: أخبِره أنَّ مَن كان قبله من الأمراء يعطوننا أعطيات ويصلوننا بصلاتٍ، وأنه قد قطعها عنَّا، مُرْهُ فليردَّها علينا، وأَبْلَغَ عبد الملك أباه المقالةَ، فقال: ارْجِع إليهم، فقل لهم: إن أبي يقول: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [سورة الأنعام:15]، (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).

أرأيْتُم كيف حافظ عمر على أموال المسلمين؟ فيا أصحاب الوظائف، يا أيُّها الأُمَنَاء على المسلمين، حافظوا على أموال المسلمين كما تحافظون على أموالكم، وخذوا الدرس والعِبْرة من ابن عبد العزيز، واجعلوا شعاركم: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).

الموقف الآخر: حال بيت عمر:

عاد سيدنا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يومًا إلى داره بعد صلاة العِشاء، ولمح بناته الصغار، فسلَّم عليهنَّ كعادته، وبدلاً من أن يسارعْنَ نحوه بالتحيَّة كعادتهنَّ، رُحْنَ يتبادَرْنَ البابَ ويُغَطِّينَ أفْوَاهَهُنَّ بأَكُفِّهِنَّ، فسأل: ما شأنهُنَّ؟ فأُجِيب بأنه لم يكن لديهِنَّ ما يَتَعَشَّيْنَ به سوى عدس وبصل، فَكَرِهْنَ أن يُشَمَّ مِن أفَوَاهِهِنَّ ريحُ البصل، فتحاشَيْنَه لهذا، فبكى أمير المؤمنين، وقال يخاطِبُهُنَّ: "يا بناتي، ما ينفعُكُنَّ أن تَعِشْنَ الألوان والأطايب، ثم يُذهَبُ بأبيكُنَّ إلى النار.

الله أكبر، بنات أمير المؤمنين، لا أقول: أمير العراق، أو أمير مصر، أو أمير الشام، إنما أقول: عمر بن عبد العزيز الذي وصلتْ خيول الدولة في عهده إلى أبواب باريس غربًا، وإلي الصين شرقًا، ولم يكن لدى بناته ما يَتعَشَّيْنَ به سوى "عدس، وبصل".

لنقل على لسان أمير المؤمنين، لنقل لِمَن يملؤون بطونهم بالألوان والأطايب في نفس الوقت الذي تشكو عوائل كاملة الجوع على مقربة منهم، اعقلوا كلمات ابن عبد العزيز، وتخيَّلُوا حال بنات خليفة يَتَعَشَّيْنَ العدس والبصل، وأبوهُنَّ خليفة لأكبر دولة!.

لا نريد منكم أن ترفضوا الأطايب والألوان من الطعام والشراب، ولكن الْتَفِتُوا ولو بالشيء القليل إلى الأرامل والأيتام والمساكين؛ لتربحوا خيرًا عند الله.

بل في يوم من أيام العيد جاءت بناتُ عمر بن عبد العزيز، وقُلْنَ له: يا أمير المؤمنين، العيد غدًا، وليس عندنا ثياب جديدة نَلْبَسُها - بناته يوم العيد لا يَجِدْنَ ثيابًا يَلْبَسْنَها -، فماذا كان ردُّ أمير المؤمنين عليهِنَّ؟ - نظر إليهنَّ، وقال: يا بناتي، ليس العيد من لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد!.

فقال له وزير ماليته: يا أمير المؤمنين، ما ضرَّ لو صرفنا لك راتبَ شهرٍ مُقَدَّمًا، فنظر إليه عمر نظرةَ غضبٍ، تكاد من شدة غضبها أن تهتكَ حِجاب الشمس، وقال له: ثكلتك أُمُّك، هل اطلعت على علم الغيب، فوجدتني سأعيش يومًا واحدًا بعد الآن، صدقت يا أمير المؤمنين، هل يوجد هذا اليقين عند المسلمين في دنيا اليوم؟، هل يتذكرون قول الله - تعالى -: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34].

إذًا ليكنْ يقينُنا كما قال ابن عمر: "إذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح".

الموقف الآخر: تذكر قدرة الله عليك:

كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أحد وُلاتِه موعظة، فقال: أمَّا بعد، فإذا دَعَتْكَ قدرتُك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرةَ اللهِ عليك في نفاد ما يأتي إليهم، وبقاء ما يُؤْتَى إليك.

واسمعوا إلى هذا الموقف العظيم:

يقتحم ذات يوم رجلٌ من عامة الناس مجلسَ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ويتهجَّم على أمير المؤمنين بكلمات تثير غيظ الحليم، فماذا تظنون من عمر أن يفعل؟

والله تحدِّيان رهيبان مخيفان يَعصفان به في وقتٍ واحدٍ؛ التحدي الأوَّل: هو اعتداء من رجل عادي على خليفة، وعلى أمرٍ باطلٍ وليس على حقٍّ، والثاني: مقاومة إغراء الشيطان بالانتقام الآني من أَجْل هيبة الخلافة على أقل تقدير.

ولكن لابن عبد العزيز في هذا الموقف وقفةٌ شامخة؛ لينبِّه المسلمين من خلالها إلى خُلُق الحِلْم، ويذكِّرهم بقوله - تعالى -: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

قال عمر لهذا الرجل: لعلَّك أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزَّة السلطان، فأنال منك اليوم ما تتقاضاه منِّي غدًا عند الله، ولكن قُمْ، عفا الله عنك!.

فأين المسلمون من هذه الأخلاق؟ أنا أدعو المسلمين من خلال هذا الموقف، ليكنْ شعارنا مع من أخطأ وأساء في حقِّنا: قُمْ عفا الله عنك!.

وأختم كلامي بهذا الموقف الرائع:

لما حضرته الوفاة، ذهب بعض الأصحاب ليعودوه، وكان عمر قد ترك من الأولاد خمسة عشر ولدًا، فقالوا له وهو يعالجُ سكرات الموت: ماذا تركت لأولادك يا أمير المؤمنين؟ كم مليارًا في بنوك أوروبا؟ كم مليارًا في بنوك أمريكا؟ ماذا تركت لأولادك الخمسة عشر؟ كم قصرًا؟ كم طيارة؟ كم عمارة؟ كم سيارة؟ كم تركت لأولادك؟ وإذا بأمير المؤمنين يجيب بكلمة واحدة: تركت لهم تقوى الله!.

لا إله إلا الله، كيف يا أمير المؤمنين؟! فيقول أمير المؤمنين: إن كانوا صالحين، فالله يتولَّى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك، فلن أترك لهم شيئًا يستعينون به على معصية الله.

وإذا بعمر يصدر الأمر إلى زائريه بالانصراف فورًا؛ ليتركوه وحدَه على فراش الموت، وتدخل عليه فاطمة الوفيَّة، الأمينة، الزاهدة، بنت الخلافة، ولكنها رَمَتِ الدنيا كلَّها وراء ظهرها، تدخل عليه وهو في السكرات، فيقول لها: يا فاطمة، اخرجي الآن؛ فإنني أرى خَلْقًا يزاحمون عليَّ مكاني هذا، أرى خَلْقًا غريبًا ذوي أجنحة لم أرهم قبل الآن، اخرجي يا فاطمة، اخرجي يا فاطمة، آن للغريب أن يرى حماه، آنَ للغريب أن يرى رباه، آن للغريب أن يعودَ إلى دار البقاء، اخرجي يا فاطمة؛ إن هناك أجسامًا نورانيَّة ذوي أجنحة؛ مثني، وثُلاث، ورُباع، اخرجي يا فاطمة، فإن الرُّوح تُزَف؛ لأنها ستصل إلى خالقها الأعظم، ستكون في ضيافة الرحمن؛ (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27 -30].

إن عمر وهو في ساعة الاحتضار كان يرتِّل آيةً واحدة في كتاب الله، ختم بها سِجِلَّ حياته، هذه الآية هي قوله - تعالي -: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].

قال مالك بن دينار - رحمه الله -: لما وَلِيَ عمر، قالت رُعاة الشاة في ذروة الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنا إذا قام على الناس خليفة صالح، كَفَّت الذئاب والأُسْد عن شِيَاتِنا.

وقال حسن القصار - رحمه الله -: كنت أحلب الغنمَ في خلافة عمر، فمررت براعٍ وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبًا حسبتهم كلابًا، ولم أكن رأيتُ الذئابَ من قبل، فقلت: يا راعي، ما ترجو بكل هذه الكلاب؟ فقال: يا بُني، إنها ليست كلابًا، وإنما هي ذئاب، يا بُني، إذا صلح الرأس، فليس على الجسد بأس.

فرحم الله عمر رحمة واسعة، وجزى الله عمر عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء، كما نسأله - جل وعلا - أن يجعلَ فَرجَ هذه الأمة بأمثال عمر، اللهم آمين.

أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله.

زياد علي

زياد علي محمد