الخميس، 5 سبتمبر 2019

ونحن نحبك يا أبا عمارة

الخطبة الأولى:



الحمد على إحسانه، والشكر والعرفان لامتنانه.



الحمـد للـرب الغفـور البر *** يجزي بفضلٍ شكـرَنا بالشكر

حمدًا كما قد ينبغي أن يوصفَ *** ولست في الإكثار أُدعى مسرفًا

يا رب أنت ربنا سبحانـكَ *** اغفـر فـإن طـولنا منك بكى



وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو شفاعتها يوم يقوم الأشهاد، وأشهد أن محمدًا بن عبد الله عبد الله ورسوله.



رسـول الله صلى الله دومًا *** عليه مـا تهيأت السحاب

وما همل الندى وبلاً وماجت *** بتسليم له الأرض اليباب

فيا اللهـم صـلّ عليه دومًا *** وشفِّعنا إذا جاء الحساب



صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:



فاتقوا الله -عباد الله- يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).



يـا رحمتـاه لأنفـس العشاق *** سالت عقولهم على الأحـداق

أنا تائب يا قوم من عشقي الذي *** شاهـدتموه بقـلبي الخفـاق

أنا تائب من كل عشق غيرَ عشـ***ـق أماجد للمجد خيرُ رفاق



كل حب ليس في ذات الله فهو إلى زوال وعقباه حساب وسؤال!!



جبلت هذه القلوب على الحب، فما كان لله يبقى، وما كان لغيره يفنى، ونحن في هذا المقام، نعلن أننا قد وقعنا في شرك الحب!! ولكنه الحب الذي هو أوثق عرى الإيمان!!



يموت العاشقون ومن أحبوا *** ويبقى حبنا يوم التناد



تفنى الشعراء ودواوينها، ويموت العذريون وتأوهاتُهم، ويوم القيامة لا ينفع نفسًا حبُّها لمحبوبها، لكن الذي لله وفي ذاته يبقى.



قدوتنا في مقام خطبتنا هذه نشهد الله على حبه، وعلى حب من يحبه!!



باقٍ بسوداء الفؤاد غرامه *** باقٍ فقل للعاذلين ألا اعذلوا



رجل مختلف، ولا جرم أن تختلف محبتنا فيه!! لم نقرأ في التاريخ عن رجل أجمع على حبه الناسُ قاطبة، كما قرأنا عنه!! أحبه أهل السنة، وأحبته الرافضة، وأحبه النواصب!! أحبته كل الطوائف المنتسبة للإسلام!!



كأن فؤادَه سوقٌ عتيقٌ *** وسلتعه المحـبة إذ يبيع

له قلب يقسمه عليهم *** فكل المشترين لهم نصيب



وهو مع ذا، فهو قرة عين نبي الأمة -عليه الصلاة والسلام-، أيحب النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً ونجفل عن ذكر محبته!! إنا إذًا لعشاق سوء.



لم نقرأ في سيرته -عليه الصلاة والسلام- أنه حزن على موت أحد كما قرأنا عن حزنه في موت هذا الرجل، ولا عامَ الحزن!! أجل ولا عام الحزن الذي توفيت فيه زوجه خديجة -رضي الله تعالى عنها- وعمه أبو طالب.



حَقٌ على أمة محمد أن تعرف لهذا الرجل قدره، وتضحيته وجهاده في سبيل الله، وسبقه، وشكيمته، وشيمته!! لتتغذى على مسيرة رجل عاش عشرًا من السنين في الإسلام، لتفسح الناس له في عروش صدورها إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين!



خذوا هذه اللافتاتِ القصيرة:



هذا الرجل هو أخٌ للنبي -عليه الصلاة والسلام- من الرضاعة.



لقد رضعوا السناء وكلَّ مجد *** ووجدان الأبي مع الحليب



هذا الرجل عقد له النبي -عليه الصلاة والسلام- أول لواء في الإسلام، وهذا السبق التاريخي مكتوب في موسوعة البقاء الأبدي للأرقام القياسية.



هذا الرجل قد أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول سرية في الإسلام، هذا الرجل لم يحزن نبي الأمة -عليه الصلاة والسلام- حزنًا كحزنه على موته، هذا الرجل أسلم في السنة الثانية من البعثة، ليكون من القوافل الأولى سبقًا في الإسلام!! لقد رأى ببصيرته ما لم تره خفافيش مكة.



صقرٌ يرى ما لا تراه عيونهم *** إن الذي لا يبصر الخفاشُ



هذا الرجل كان إذا أراد أن يقاتل فإنه يقاتل وعلى صدره ريشة نعامة!! كان الصحابيَّ الوحيدَ الذي يقاتل في سيفين اثنين في غزواته مع رسول الله.



له عزمان عزم من حديد *** وعزم حين ينكسر الحديد



هذا الرجل لما مات كبر عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- سبع تكبيرات، وحين استوفاه ربه، صلى عليه رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام- ثنتينِ وسبعين صلاة، هذا الرجل قال عنه -عليه الصلاة والسلام-: "لن أُصاب بمصابك أبدًا".



هذا الرجل قال عنه -عليه الصلاة والسلام- حين موته: "والله ما وقفت موقفًا قط أغيظ عليَّ من موقفي هذا".



لعلكم عرفتموه! فما هذه الأقمار تخفى لذي عينِ. إننا بين يدي حمزةَ بنِ عبد المطلب، أفيأذن أبو عمارة؟!



أيا عم النبي فدتك نفسي *** وتفديك الصوارم والمواضي



كانت حياته عجبًا من العجب، ولما مات صار عجيبًا في عيون العجائب، كانت حياته ملأى عزة، ملأى رجولة، ملأى حمية لدين الله ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.



كان -عليه الصلاة والسلام- لا يضفي الألقاب إلا لمن يستحقها، لقد كان صحابة الهادي جميعًا إذا أرادوا اكتساب الشرف والرفعة طاولوا أعناقهم عند رسول الله ليثنيَ عليهم أو ليهبهم ما أرادوا، إلا حمزة، فقد طاول الأمجاد بأمرين اثنين عظيمين: أنه كان عمَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه الأوحد الذي اكتسب رفعة الدنيا والآخرة حين لقبه رسول الله بـ"أسد الله وأسدِ رسوله"، ولقبه بـ"سيد الشهداء".



يـا عم خيرِ عباد الله إن لكم *** محبةً غُرست من طيِّب الشرف

إذا ذكرتك ناداني اشتياقك أن *** هذاك أوحد أمجاد السنا فقفِ



حمزة بن عبد المطلب ليس مجردَ رجل شجاع، فالشجعان في عهد رسول الله كثيرون، يأسرك في حمزة أنه كان شجاع القلب والعقل معًا، فقد كان من أوائل من دخل في دين الله، ويا لها من شجاعة!!



إن الشجاعة في القلوب كثيرةٌ *** ووجدتُ شجعان العقول قليلاً



حمزة بن عبد المطلب كان أكبر من هذه المحسوبيات الغبية، التي لا ترى إلا بعين واحدة، لقد كان مستقلاً، متنور العقل والقلب معًا، كان يستطيع ككل صناديد مكة أن يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون! كان يستطيع أن يقول كما يقول أخوه أبو طالب حين دعاه النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الإسلام حين موته فقال أبو طالب: هو على ملة عبد المطلب!!



أسهل شيء على الإنسان ألا يفكر، إن الكسالى هم الذين ينوِّبون الناس بالتفكير عنهم في كل شيء، أما حمزة -رضي الله تعالى عنه- فلم يأذن لأحد أن يستنيبه بالتفكير في هذا الدين الجديد الذي يدعو له رسول الله، لقد كانت قصة إسلامه عجبًا من العجب! أول قصتها حميةٌ لرسول الله، وآخرها تفكيرٌ جاد بالدخول في دين رسول الله!!



فإليكموها بعد أن أستغفرَ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل خطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:



روى أصحاب السير وابن إسحاق بسنده أنه قال: في ضحوة أحد الأيام في مكة وعند الكعبة اعترض أبو جهل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فآذى أبو جهل رسول الله وشتمه، وسبه، وقال منه ما يكره، بل وعاب دينه وسفّهه به ولمزه بالتضعيف له، فأعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكلِّمه!



وإن بليت بنذل لا خلاق له *** فكن كأنك لم تسمع ولم يقل



وبينما هم في هذا الموقف إذ رأتهم مولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا وهي تسمع سب أبي جهل لرسول الله، ثم انصرف أبو جهل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعَمَدَ أبو جهل إلى نادٍ لقريش عند الكعبة، فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قنصٍ له، وكان صاحبَ قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلا وقف عليه وسلم وتحدّث معهم، وكان أعزَّ قريش وأشدَّها شكيمة، وكان يومئذ مشركاً على دين قومه، فلمّا مر بهذه المرأة التي شهدت هذا الموقف بين رسول الله وأبي جهل عدو الله، وقد قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجع إلى بيته، فقالت هذه المرأة: يا أبا عمارة -وهي كنية لحمزة-: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم آنفاً، لقد رآه ها هنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.



وعندئذ جاش الغضب في أنف حمزة، واحتمل في قلبه غيظًا شديدًا على هذا الجهول الكفور ابن الكفور ابن الكفور.



إن الأسود إذا استُفزَّت أضحكت *** والضحك في عرف الأسود حِمام



وبينما هو يعبئ في قلبه الحنقَ الشديد على أكبر طواغيت مكة.



فرعونها العنيد والبليد *** وصاحب اللعنة والعربيدُ



وحين أراد الله كرامة حمزة هيأها له، فخرج حمزة سريعاً لا يقف على أحد، كما كان يصنع يريد الطوافَ بالبيت، معداً لأبي جهلٍ أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم، وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثم استلّ قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل: "أتشتم محمدًا، وأنا على دينه أقول ما يقول؟! ألا فردّ ذلك عليّ إن استطعت".



تلك كانت اللحظة التاريخية في أيام حمزة، أبى الله إلا أن تخرج من فيه -رضي الله تعالى عنه-، فقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك -يا حمزة- إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه ذلك؟! أنا أشهد أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الذي يقول هو الحق، فوالله لا أنزع يدًا من إسلام، فامنعوني إن كنتم صادقين، قال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً.



وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عزّ وامتنع، وأن حمزةَ سيمنعه، فامتنعوا عن بعض ما كانوا يؤذونه به.



لقد ولد حمزة من جديد، ولد حمزة وعمره أربعة وأربعون عامًا، ولد بعد هذه السنينِ الحبلى عزة وكرامة وكبرياء.



ولقد روى بعض أهل السير أن حمزةَ لما قال كلمته تلك لأبي جهل: أتشتمه وأنا على دينه!! بقي حمزة أيامًا وهو حائر الضمير، ولقد روي عنه أنه قال: "ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة، وتضرّعت إلى الله أن يشرح صدري للحق، ويُذهب عني الريب، فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينًا، وغدوت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بما كان من أمري، فدعا الله أن يثبتَ قلبي على دينه".



تلك والله الشجاعة، تلك والله الفتوة، تلك والله الفروسية، هذا القرار الذي اتخذه حمزة، يتقلب به الآنَ في أعلى درجات الجنة. يعلمنا حمزة أن اللجوء إلى الله في كل الأحوال هو الحل الأمثل في معمعة الشتات، وفوضى الأفكار، وضبابية الرؤية، يعلّمنا حمزة بفعله أن نسأل الله بصدق في جميع أقوالنا وأفعالنا وشكوكنا، أن نسأل الله: اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.



يعلمنا حمزة -رضي الله تعالى- عنه التجرد للحق أيًا كان وجه غربته، يأسرك في حمزة بحثُه الحثيث عن الحق، فهو ليس مقلدًا لسادني الأوثان، أو ناعقًا في سرب غربان، أو متبعًا آباءه وإخوانه على أمة منحرفة.



يأسرك في شخصية حمزة أن الحقد لا يعمي عينيه، وأن البغضَ لا يُصم أذنيه، فالحقد يعمي ويصم، لم يكن حاقدًا غبيًا جعظريًا كأخيه أبي لهب، ولم يكن مقلدًا تبعيًا كأخيه أبي طالب، بل كان طالب حق.



وطلاب الحقوق لهم ضمير *** يرون به المحق من الكذوب



يأسرك في حمزة عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تبعيته للحق، حتى ولو كان على حساب رؤى قديمة، أو بيئة راسخة.



كان حمزة قادرًا أن يقول: ومن يكون هذا الرجلُ الذي جاءنا بهذا الدين الذي لم نكن نعرفه، ولا يعرفه آباؤنا الأولون!!



بل كان حمزة قادرًا على أن يقول: أنا عم لمحمد، وأكبر منه بعامين، فلماذا أتبعه؟! كما قال بعض كفرة أهل الطائف لرسول الله حين دعاهم إلى الإسلام ليردوا عليه: أما وجد الله غيرك ليبعثه رسولاً؟! أو كما قال أهل مكة: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)!!



يأسرك في حمزة عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوتُه الإيمانية والجسدية، فقد كان يدرك -رضي الله تعالى عنه- أن المؤمن القويَّ خير من المؤمن الضعيف.



يشدك في حمزة عم رسول الله بذلُه لمواهبه في سبيل الله، فهو يعرف -رضي الله تعالى عنه- أن موهبته في القوة والشجاعة في سوح القتال وأيام النزال، فأبى إلا أن يحرِّر فيها عهدًا وميثاقًا أن ينصر بها دين الله.



ما أكثر هذه المواهبَ الشابة التي يدفنها الشباب في صدورهم، فيموتون وتموت مواهبُهم معهم، ودين الله وشرعته ليس لها نصيب!!



ليست الزكاة في المال وحده، بل كل قدرة وعطية وموهبة أكرمك الله بها، عليها زكاة!! ما أكثر الزكوات، وأقل المزكين!!



سيأتي كل عضو من أعضائك يوم القيامة ليسأله الله عما عملت به، فإن كنت لا تريد أن تبذل لدين الله، فأعد للسؤال جوابًا!



كان حمزة فارس الفرسان، وأجرأ الشجعان.



في كفه شعلة تهدي وفي دمه *** عقيدة تتحدى كلَّ جبار



كانت عقول أعدائه تطير فرقًا مما كانت تصنع كفاه، كانت كفاه تقول:



حذار من أسد ضرغامة بطل *** لا يولغ السيف إلا مهجة البطل



كم أذاقت كفاه حِمامَ المَوتِ مِن بَطَلٍ *** حامي الحَقيقَةِ لا يُؤتى مِنَ الوَهَلِ

يَغشـى الوَغى وَشِهابُ المَوتِ في يَدِهِ *** يَرمي الفَوارِسَ وَالأَبطالَ بِالشُعَلِ

يَفتَرُّ عِنـدَ اِفتِـرارِ الحَـربِ مُبتَسِماً *** إِذا تَغَيَّرَ وَجـهُ الفـارِسِ البـَطَلِ

موفٍ عَلى مُهـجٍ في يَـومِ ذي رَهَجٍ *** كَأَنَّهُ أَجَـلٌ يَسـعى إِلى أَمَـلِ

لا يُلقـِحُ الحَـربَ إِلّا رَيـثَ يُنتِجُها *** مِـن هـالِكٍ وَأَسيرِ غَيرِ مُختَتَلِ

يَكسو السُيوفَ دِمـاءَ الناكِثـينَ بِهِ *** وَيَجعَلُ الهـامَ تيجـانَ القَنا الذُبُلِ

يَغـدو فَتَغـدو المَنـايا في أَسِـنَّتِهِ *** شَوارِعاً تَتَحَـدّى النـاسَ بِالأَجَلِ

إِذا طَغَت فِئَةٌ عَن غِـبِّ طـاعَـتِه *** عَبّا لَها المَـوتَ بَينَ البيضِ وَالأَسَلِ



كان حمزة أسدَ الله وأسد رسوله، بارز عتاولة المشركين في بدر، وطغاتهم يوم أحد، فأرداهم بسوارة سيفه؛ لما خرج عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة للمبارزة يوم بدر، خرجوا مختالين في بطر وكبر، ونادوا جموع المسلمين: من يبارزنا؟! فما هو إلا حمزة يقول:



أنا الذي سمتني أمي حمزة *** أطيحهم من هزة لهزة



فلما التقى بشيبة بنِ ربيعة، أنزل سيفه على عاتقه حتى شقه نصفين.



عند البزَّارِ والطبرانيِّ عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: قال لي أميةُ بن خلفٍ: مَنِ الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره يوم بدر؟! قلت: ذاك عمُّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمزةُ بن عبد المطلب -رضي الله عنه-؛ قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل!! وصنع الأعاجيب، قتل منا وقتل منا!!



تعود سيفُه ضربًا عليهم *** فليس يقر إلا في الرؤوس



وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش عن بكرة أبيها، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب، بقيادة أبي سفيان، وكان زعماء قريش يهدفون بهذه المعركة إلى رجلين اثنين: النبي -عليه الصلاة والسلام- وحمزة -رضي الله عنه وأرضاه-، ولذا فقد نصبوا رجلاً يدعى "وحشيًا"، للقضاء على أكبر خطر يهدد ممالك مكة حينئذ!! وجاءت غزوة أحد، والتقى الجيشان، وتوسط حمزة أرض القتال، مرتديًا لباس الحرب، وعلى صدره ريشة النعام تعوّد أن يزيّن بها صدره في القتال.



وراح يصول ويجول، لا يرى رأسًا إلا قطعه، ومضى يضرب في المشركين، وكأن المنايا طوع أمره، يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.



ولندع وحشيًا يصف لنا المشهد بكلماته؛ قال: "كنت رجلاً حبشيًا، أقذف بالحربة قذف الحبشة، فقلما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهدّ الناس بسيفه هدًّا، ما يقف أمامه شيء، فوالله إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور، هلم إليّ. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه".



عندئذ هززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه، ثم نهض نحوي ليقتلني فغلب على أمره ثم مات. وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى المعسكر فقعدت فيه، إذ لم يكن لي في القتال حاجة، فقد قتلته لأعتق.



ولا بأس أن ندع وحشيًا يكمل حديثه: "فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح، فهربت إلى الطائف، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسلم تعيّت عليّ المذاهب، وقلت: ألحق بالشام أو اليمن أو سواها، فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك! إن رسول الله -واللهِ- لا يقتل أحدًا من الناس يدخل دينه.



فخرجت حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فلم يرنِ إلا قائمًا أمامه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال: "أوحشيٌّ أنت؟!"، قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فحدّثني كيف قتلت حمزة!!"، فحدّثته، فلما فرغت من حديثي قال: "ويحك، غيّب عني وجهك". فكنت أتنكّب طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله إليه.



سقط أسد الله ورسوله، شهيدًا مجيدًا.



وكما كانت حياته مدوّية، فإن موته مدوٍّ في ضمير رسول الله؛ روى أبو هريرة قال: وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حمزة، وقد مُثّل به، فلم ير منظراً كان أوجع لقلبه منه، فقال: "رحمك الله -أي عم- فلقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات".



ولما عاد رسول الله إلى المدينة سمع النبي بكاء النساء، فسأل: مم يبكين؟! فقيل: هذه تبكي فلانًا، وهذه تبكي فلانًا، لكن حمزة لم يبكه أحد، لم تنصب له دور مستأجرات، كان يتيم الفقد كما كان يتيم دهره، لم تتحدر دمعة واحدة تؤبّن ذكرى بطل حمل معركة بدر وأحد بإحدى كتفيه، ليطلقها النبي -عليه الصلاة والسلام- قائلاً: "ولكن حمزة لا بواكي له".



كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحبه أعظم الحب، فهو كما أسلفنا من قبل لم يكن عمّه الحبيب فحسب، بل كان أخاه من الرضاعة، وتِربَه في الطفولة، وصديقَ العمر كلّه.



وفي لحظات الوداع هذه، لم يجد -عليه الصلاة والسلام- تحية يودّعه بها خيرًا من أن يصلي عليه بعدد شهداء المعركة جميعًا.



ونحن نقول:



عليـك سـلامُ الله وقـفًا فإننا *** رأينا الشجاع الحر ليس له عمر

جـزعت لمصرعـه البلاد كأنّما *** قـد غاب عنها جحفل جرّارُ

وبكى الرسول وصحبه قيدومَهم *** إنّ الـرزايا بـالكبـار كبارُ

لمّا نعـوه نعـوا شجـاعًا سيّدًا *** شرفت خلائقه وطاب نجـار



كنا حرصنا في مقام هذه الخطبة ألا يكون التعليق على أحداثها، أو التنويه إلى عبر حياة حمزة ومماته، فقد كانت أحداثًا وعبرًا في آن معًا، ولو أن خبرًا واحدًا منه أتبعته بعبره وعظاته، ما كفانا هذا المقام، لكنما حسبنا أن نجدد حقب الرعيل الأول بأخبار أساطيره، وأن نبث في قلوبنا أن حمزة لم يمت، بل هو في قلوبنا نعبد الله بحبه، وحب نبيه، حسبنا أن نخرج وقد جددنا القدواتِ الحيةَ في ضمائرنا، وقدحناها في قلوبنا، وحسبنا أن نُسمع آذاننا أخبار الكرام، فقد طال السماع عن الطغام، ولجت الألسن بمدح اللئام.



اللهم ارض عن حمزة، اللهم ارض عن حمزة، وصحبِ حمزة، وارض عنا وبلغنا منازل الشهداء، مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.



وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا، وأمة راشدين، يعز فيهم أهل طاعتك، ويهدى فيهم أهل معصيتك، ويؤمر بهم بالمعروف وينهى فيهم عن المنكر.

سلسلة أم المؤمنين عائشة (9) الواقعية والحياة الزوجية

وهي للشيخ إبراهيم الدويش
أم المؤمنين عائشة (9) الواقعية والحياة الزوجية


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فنواصل الحديث عن سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، التي هي أنموذج ومنهج تربوي وعملي للمرأة المسلمة اليوم، فعائشة -رضي الله عنها- شخصية نسائية فذة، جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.


بعد ثمان خطب مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة لسيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تناولت الخطبة الأخيرة منها أسس وفلسفة السعادة في الحياة الزوجية والبيتية لدى أمنا عائشة، وأما عنوان خطبة اليوم فهي: الواقعية في حياة عائشة الزوجية. بعيدًا عن المثالية، والأحلام الوردية؛ وكيفية غيرتها ومعاملتها لضرائرها -رضي الله عنها-؛ فإن غيرة الرجل على زوجته دليل رجولته، وحبه الصادق لها، وكذلك غيرة المرأة على زوجها دليل أنوثتها، وحبها الصادق له؛ إذًا فالغيرة ليست مذمومة على الإطلاق كما يتصورها البعض، بل فقدانها مذموم وفقدان للرجولة، وفقدانها في النساء يؤدي إلى برودة المشاعر، وفقدان الأنوثة.


ومن هنا جاءت الشريعة الغراء بتوجيه غريزة الغيرة في الرجال والنساء لوجهتها الصحيحة الرشيدة، وأن تقف عند حدود الدين والأخلاق، وألا تفسد الحياة وتتغلغل إلى الأعماق، فالغلو والإفراط في الغيرة يؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين، وتتحول إلى شكوك واتهامات باطلة، كما أن تهوينها والتقصير فيها يؤدي إلى التميع وإلى الدياثة -لا سمح الله-، ولذا كان المطلوب هو التوسط فيها، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ. فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي رِيبَةٍ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ".


ومن المعلوم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت أكثر نساء الرسول حبًّا له، وكانت تحبه حبًّا جمًّا؛ ولذا كانت تغار عليه أشد الغيرة، كانت تغار عليه من سائر زوجاته، بل لقد كانت تغار ممن ماتت من نسائه، كخديجة -رضي الله عنها-.


والعجيب هو موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغيرة، فقد كان موقفاً حكيماً ونبيلاً، حيث كان -صلى الله عليه وسلم- يراعي أن غيرة المرأة على زوجها هي من طبائع الأنوثة التي فطرها الله عليها، فكان-صلى الله عليه وسلم- يرد على هذه الغيرة مرة بابتسامة، وتارة بتوجية ولين، وتارة بعتاب وزجر، خاصة إذا مست حقوق الآخرين؛ وكان-صلى الله عليه وسلم- لا يلومها فيما يمسه هو، لكنه يردها إلى الصواب فيما يمس الآخرين، فمرة عابت عائشةُ أم المؤمنين صفيةَ -رضي الله عنها- بأنها قصيرة القامة، فبادر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإنكار عليها قائلاً: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته".


ولعائشة -رضي الله عنها- في الغيرة على حبيبها محمد -صلى الله عليه وسلم- حكايات ومواقف وأحوال نسائية عجيبة وطريفة، لكنها لا تتجاوز حدودها، بل كثيراً ما كانت تراجع نفسها، وتتعجب من ظنونها وجرأتها، منها ما أخرجه مسلم وغيره عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: افْتَقَدْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ"، فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى! إِنِّى لَفِى شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِى آخَرَ".


إنها واقعية عائشة وبشَريَّتُها وبكل شفافية، فقد كانت عائشة تبرر غيرتها، فتقول: كيف لها ألَّا يغار مثلها على مثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن عَائِشَةَ قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ؟ أَغِرْتِ؟!" قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِك؟ فما أجمله من تعبير! وما أحسنها من عبارة معبرة! وما أرقه من رد يفيض مودة وحبًّا! "مَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِك؟!"، وحق لها أن يغار مثلها على مثله! هكذا تبرز حكمة عائشة ورقيها في ضبط غيرتها؛ لتظهرها على أنها رسالة حب، وأنها دليل حرص، وعنوان وفاء.


ذات يوم دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عائشة، ودار بينهما الحديث التالي: قالت: أين كنت يا رسول الله منذ اليوم؟ فقال: عند أم سلمة. فقالت: ما تشبع من أم سلمة؟ فتبسم -صلى الله عليه وسلم- من هذه الغيرة، فإذا هي تقول بكل واقعية وبشرية: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَك؟ قَالَ: "فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا"، تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.


ثم اسمعوا لهذا الموقف الطريف العجيب، فقد روى أحمد ومسلم عن عائشة قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى أَثَرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.


ثُمَّ انْحَرَفَ فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَاءَ رَائِبَةً- وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره- قَالَتْ: قُلْتُ لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَتُخْبِرِنَّنِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرَتْهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَزَنِي فِي ظَهْرِي لَهْزَةً فَأَوْجَعَتْنِي. وَقَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ عَلَيْكِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.


قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَام- أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ خُفْيَتَهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ جَلَّ وَعَزَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ.


هذا الحديث يوضح كيف كانت حياة عائشة الزوجية، ومدى غيرتها، وأنه يحدث في بيتها كما يحدث في بيوت الكثير؛ لكن مواقفها -رضي الله عنها- توضح بجلاء مدى مجاهدتها وتعقلها في ضبط المشاعر، رغم منزلتها العالية عند رسول الله؛ وأرجو أن تتأملوا هذا المشهد الرائع الذي كان بين عائشة وزينب، كما روى الشيخان عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا -صلى الله عليه وسلم-: "أَىْ بُنَيَّةُ! أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟". فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّى هَذِهِ".


قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ وَبِالَّذِى قَالَ لَهَا -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَىْءٍ، فَارْجِعِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُولِى لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا.


قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْهُنَّ فِى الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِى الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً لِنَفْسِهَا فِى الْعَمَلِ الَّذِى تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ.


قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-، وَرَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- مَعَ عَائِشَةَ فِى مِرْطِهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِى دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ عَلَىَّ وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِى فِيهَا؟ -قَالَتْ- فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ. -قَالَتْ- فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا -وفي رواية (لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَفْحَمْتُهَا)- قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَبَسَّمَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِى بَكْرٍ".


فما أروع إيمان عائشة وهي تُثني على زينب وتُنصفها! رغم أنها التي كانت تنافسها على زوجها، ورغم أن الموقف هنا موقف خصومة ومشاجرة، إلا أن عائشة تعلم أن ما حصل منها كان بدافع الغيرة، ولا ضير فيها، كما يحصل منها هي أيضًا؛ وهكذا المرأة العاقلة المؤمنة في الأنموذج الأمثل لإدارة حياتها الزوجية بكل تعقل وواقعية.


تلك الواقعية التي جعلت عائشة تُنصف نفسها من زينب عندما استطالت عليها، مع بيان عظيم أدبها واحترامها الكامل لزوجها، فهي لم تنتصر لنفسها بمجرد ما صدر من زينب من تطاول عليها، بل تريثت وانتظرت رأي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هل يأذن لها بالرد والانتصار؟ وهذا قمة الأخلاق ومراعاة مشاعر الزوج؛ وإلا فيجوز للإنسان أن يدفع عن نفسه وينتصر لها دون إذن من أحد إذا اعتدي عليه، كما قال تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة:194].


فلما علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمانع فانتصرت لنفسها، وأفحمت زينب في مدة قصيرة، وهذا يدل على سرعة بديهتها، وقوة حجتها، وحدة فطنتها وذكائها، حتى نالت إعجاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومدحه لها مبتسمًا: "أَمَا إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِى بَكْرٍ".


كما نلحظ في هذا الحديث إقرار النبي-صلى الله عليه وسلم-أن الغيرة طبيعة في النساء، وخاصة بين الضرائر، ولذا تحمل-صلى الله عليه وسلم- قولهن: (إنهن يطلبن العدل)، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- أعدل الخلق، وإن لم يعدل هو، فمن يعدل إذًا؟! لكنه كلام النسوة، وغيرتهن، وكيدهن البشري؛ وكما عند أحمد وغيره عن عائشة قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ! قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا؟! فقَالَ: "مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ".


وفي رواية عند الطبراني: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَمُ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهَا، وَالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَذَكَرَهَا ذَاتَ يَوْمٍ، وَاحْتَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ، إِلَى أَنْ قُلْتُ: قَدْ عَوَّضَكَ اللَّهُ مِنْ كَبِيرَةِ السِّنِّ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَضِبَ غَضَبًا سَقَطَ فِي جِلْدِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ أَذْهَبْتَ عَنِّي غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ أَذْكُرْهَا بِسُوءٍ مَا بَقِيتُ.


وفي رواية: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَغَيُّرًا لَمْ أَرَهُ تَغَيَّرَ عِنْدَ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ، أَوْ عِنْدَ الْمَخِيلَةِ حَتَّى يَعْلَمَ هو رَحْمَةٌ أَوْ عَذَابٌ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- الَّذِي قَدْ لَقِيتُ، قَالَ: "كَيْفَ قُلْتِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَرُزِقَتْ مِنِّي الْوَلَدَ إِذْ حُرِمْتِيهِ مِنِّي، فَغَدَا بِهَا عَلَيَّ وَرَاحَ شَهْرًا".


هكذا هي واقعية عائشة وطبيعتها في بيتها وحياتها الزوجية، فقد تحتملها الغيرة كعادة النساء، إلا أنها إذا رأت أن غيرتها تُغضب زوجها فحينئذ تتراجع وتضبط مشاعرها فتكف عن الغيرة؛ لأن غرضها إبداء حبها لزوجها، أما إذا كانت الغيرة ستأتي بنتائج سلبية وعكسية من غضب وخصومة فلتجاهد الغيرة وتُدفع وتضبط؛ وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- معها يُلاطف ويصبر ويغض الطرف كثيراً، لكنه لا يمكن أن يسكت على باطل ومنكر.


فعندما تتعدى الغيرة حدها المعقول، وتمس الآخرين، فإنه يغضب ويوجه ويُحذِّر،كما حصل في الموقف المشهور بين عائشة وبين أم سلمة؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَا فِهْرٌ(حجر بملء الكف)، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ فِلْقَتَيْ الصَّحْفَةِ وَهو يَقُولُ:"كُلُوا! غَارَتْ أُمُّكُمْ"(مَرَّتَيْنِ). ثُمَّ أَخَـذَ -صلى الله عليه وسلم- صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ.


فانظروا لحسنِ تصرُّفِه وعلاجه لهذا الموقفِ بطريقةٍ مُقنِعةٍ، معلِّلاً لهذا الخطأِ من عائشةَ -رضي الله عنها- بقولِه: "غارَت أمُّكم، غارَت أمُّكم". فهو يقدِّرُ نفسيَّةَ عائشةَ، فأم سلمة هي من بعثت الصحفة لبيت عائشة، ولذا لم يذمّها -صلى الله عليه وسلم-، لكنه حملها مسؤولية غضبها وكسرها للصحفة، فتأملوا في حسنِ خُلُقِه -صلى الله عليه وسلم-، وإنصافِه، وحلمِه! وتأملوا في فن احتواء المواقف المتشنجة، فبكل لطفٍ ومرونة وحكمةٍ، قدَّرَ ما يجري عادةً بين الضَّرائرِ من الغيرةِ؛ لمعرفته -صلى الله عليه وسلم- أنَّها مركَّبَةٌ في نفسِ المرأةِ، ولذا قال شُرَّاح الحديث: "فِيه إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة ".


هكذا معاشر المؤمنين والمؤمنات، هكذا أيها الأزواج والزوجات، فلتكن الحياة الزوجية والتعايش، والاقتداء بحسنِ خُلُقِه-صلى الله عليه وسلم- وإنصافِه وحلمِه، وتأملوا في البيوت بهدوء وواقعية، وتوازن وعدل وإنصاف، وإذا كان بيت النبوة شهد مثل هذه الأحداث فغيره من البيوت من باب أولى وأحرى، وعلى الفتيان والفتيات أن يوطنوا أنفسهم على الواقعية، وألا يَحلموا بحياة زوجية مثالية، مليئة برومانسية وأحلام وردية، والتي لا تكون إلا في الخيال والأفلام.


فما أروع سيرة عائشة ومواقفها وقصصها لتكون مدرسة وأنموذجاً تطبيقياً للأسرة اليوم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

جلال الدين منكبرتي

جلال الدين منكبرتي

السلطان جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين محمد الخوارزمي، آخر سلاطين الدولة الخوارزمية، التي يرجع تأسيسها إلى قطب الدين محمد، وكان على مقدرة وكفاية مثل أبيه، فظل يحكم باسم الدولة السلجوقية ثلاثين عامًا (490هـ = 521هـ)، نجح في أثنائها في تثبيت سلطانه، ومد نفوذه، وتأسيس دولته وعُرف باسم خوارزم شاه، أي أمير خوارزم، والتصق به اللقب وعُرف به.

وقد تعاقب على حكم الدولة الخوارزمية ستة حكام كان من أشهرهم:
1- أتسز بن قطب الدين محمد خوارزم، ظل يحكم خوارزم تحت سيادة السلاجقة حتى وفاته في سنة (551هـ = 1156م).
2- تكش علاء الدين (589-596هـ/1193-1199م)، الذي اضطر الخليفة الناصر إلى إصدار منشور يعترف له بلقب سلطان وبحكمه لغرب إيران وخراسان وما وراء النهر وخوارزم. وتعد فترة حكمه التي امتدت أكثر من ربع قرن العصر الذهبي للدولة الخوارزمية.
3- علاء الدين محمد بن تكش (596هـ - 617هـ / 1200م- 1220م)، وكان كأبيه طموحًا يتطلع إلى توسيع دولته وبسط نفوذها، وبلغت الدولة أقصى اتساعها في عهده، حيث امتدت من حدود العراق العربي غربًا إلى حدود الهند شرقًا، ومن شمال بحر قزوين وبحر آرال شمالاً إلى الخليج العربي والمحيط الهندي جنوبًا. وقد دارت بينه وبين المغول بقيادة جنكيز خان حروبا طاحنة، حتى هلك طريداً ملاحقاً من المغول، فآلَ الحكم إلى ابنه جلال الدين منكبرتي (618-628هـ/1221-1239م).

السلطان جلال الدين منكبرتي
في جزيرة نائية في بحر قزوين وجد السلطان علاء الدين محمد الخوارزمي نفسه وحيدًا شريدًا، ذهب عنه سلطانه، وضاعت دولته، وفقد جاهه وملكه أمام إعصار المغول المدمر، الذي اجتاح كل شيء، وقضى أيامًا كئيبة يتذكر ما مضى من حياته ولا يكاد يصدق ما حدث له من محن، وما حل به من كوارث، ولم يجد سلوى إلا في البكاء الحار لعله يخفف ما في نفسه من ألم وحسرة.

يتلفت حوله فلا يجد من أسرته سوى ثلاثة من أبنائه نجوا من مذابح المغول بعد أن وقعت أمه في أسر المغول، وقُتل نساؤه وأطفاله، ويتذكر خَدَمه وحاشيته وما كان فيه من أبهة وجاه فلا يجد حوله سوى أناس فقراء يأتون إليه بما يلزمه من ضروريات الحياة، ويزيد من حسرته ما ترمي إليه الأنباء من اجتياح المغول لبلاده وتساقط حواضرها تساقط أوراق الشجر في موسم الخريف حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وأصبح أسير يأسه وقنوطه، وحل عليه المرض قال لمن حوله: "لم يبق لنا مما ملكنا من أقاليم الأرض قدر ذراعين تحفر فنقبر، فما الدنيا لساكنها بدار، ولا ركونه إليها سوى انخداع واغترار".

وقضى في تلك الجزيرة شهرا كأنه دهر، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في (13 من شوال 617 هـ= 17 من ديسمبر 1220م) أوصى بالسلطنة من بعده لابنه جلال الدين.

المغول يواصلون الغزو
ولي جلال الدين السلطنة في ظروف قاسية تحتاج إلى رجال أقوياء تزيدهم المحن صلابة، ولا يتطرق اليأس إلى قلوبهم، ويظل الأمل حيا في قلوبهم، وكان السلطان من هؤلاء، لكن الظروف التاريخية كانت أقوى منه فاعتلى الحكم والمغول يسيطرون على بلاد ما وراء النهر، وهي تعد أهم أجزاء دولته المتداعية، وامتلكوا إقليم "مازندران" على حصانته ومناعته، وسيطروا على الري وقزوين وتبريز عاصمة أذربيجان وبلاد الكرج.

وبعد أن أجهز جنكيزخان على بلاد ما وراء النهر وبلاد العراق العجمي وأذربيجان، شرع في السيطرة على خراسان وخوارزم، حتى تتم له السيطرة على بلاد الدولة الخوارزمية قاطبة، فأعد لهذه المهمة جيشين سنة (618هـ= 1220م) عبر أحدهما نهر جيحون وقصد مدينة بلخ فاستسلمت صلحا، ولم يتعرض لها المغول بالسلب والنهب على غير عادتهم، وواصل المغول تقدمهم في بلاد خراسان فسقطت مدنها واحدة بعد أخرى، ثم حاصروا مدينة مرو حاضرة الدولة الخوارزمية حتى استسلمت، وأحدثوا فيها ما تشيب له الولدان من الأهوال التي حلت بها، وهلك سكانها جميعا رجالا ونساء وولدانا، وكانوا نحو 700 ألف، ثم ساروا إلى نيسابور فاستولوا عليها وارتكبوا فيها من الفظائع ما ارتكبوه مع غيرها من المدن، وواصلوا زحفهم نحو طوس فأخذوها دون عناء ثم بسطوا سيطرتهم على هراة.

أما الجيش الآخر فقد اتجه إلى خوارزم، لكنه لقي مقاومة عنيدة من أهلها بعد أن لبسوا ثياب الصبر والثبات فلم يؤثر في عزمهم ضراوة الهجوم وشدة الحصار، وصمد أهل خوارزم لهذا البلاء خمسة أشهر دارت خلالها معارك عنيفة قُتل من الفريقين أعداد هائلة، ولم يجد المغول بدا من طلب العون والمدد فأمدهم جنكيزخان بما يطلبون؛ فمكنهم ذلك من الاستيلاء على المدينة بعد جهد وعناء، وكان جزاء المدينة على هذا الصمود فظائع مهلكة حيث قام المغول بقتل أهلها جميعا، وفتحوا ماء جيحون على المدينة فأغرقها، فمن سلم من السيف غرق بالماء.

جلال الدين يحقق أول نصر
بدأ جلال الدين عهده بأن اتخذ من غزنة قاعدة للجهاد الإسلامي ضد المغول، وكان هو واليها من قبل في عهد أبيه السلطان محمد خوارزم شاه، وكان أهلها يجلونه ويقدرونه، واستطاع أن يكوّن بها جيشا كبيرا بلغ سبعين ألف مقاتل من الفلول الهاربة من المغول، وممن أخذتهم الغيرة على الإسلام وحب الجهاد من المتطوعين، ونجح في أن يؤلف بين قلوبهم ويوحد صفوهم، وجاءته الأموال من وجهاء المسلمين وحتى فقرائهم لإعداد تلك الجموع وتسليحها والإنفاق عليها.

وكان المغول يتعقبون جلال الدين؛ لكونه أقدر الخوارزميين على جمع الناس ضدهم وأكثرهم جرأة على الحرب والقتال، حتى إذا بدأت طلائع الجيش المغولي تزحف نحو غزنة للاستيلاء عليها والقضاء على السلطان الجديد قبل أن تشتد شوكته، فاجأها جلال الدين بهجوم خاطف في ربيع الأول (618هـ= 1221م) لم تصمد له ولحقتها هزيمة كبيرة قُتل فيها ألف رجل منهم؛ فكان لذلك أثر عظيم في نفسه استرد به ثقته وثبّت قدمه، فلما التقى بقوات المغول الرئيسية التي أعقبت طلائعها صمد لها في القتال وألحق بها هزيمة مدوية وولّى فرسانها الأدبار، وجنود السلطان يتعقبونهم بالقتل والأسر.

وما كادت أنباء هذا النصر تصل إلى بعض المدن التي في أيدي المغول حتى عمها الفرح والبشر، وظنت أن ساعة الخلاص قد اقتربت فثارت في وجه المغول، وكانت "هراة" واحدة من تلك المدن، غير أن فرحها تحول إلى مأساة محزنة؛ إذ قدم عليها جنكيزخان واستعاد سيطرته عليها وقتل أهلها.

عاقبة الفرقة
وبدلا من أن يزيد النصر الذي حققه المسلمون وحدة إلى وحدتهم ويوثق عراهم أمام الخطر الذي لا يزال محدقا بهم، تنازعوا فيما بينهم على الغنائم التي حصلوا عليها، وعجز السلطان عن تدارك الانقسام الذي حدث، وترتب على ذلك أن انسحب أحد القادة بقسم كبير من الجيش الخوارزمي دون تقدير للمسئولية، وغادر غزنة دون أن يستجيب لتوسلات السلطان الذي بكى بين يديه ووجد نفسه في قوات لا تقدر على مقاومة إعصار المغول؛ فانسحب بها إلى سهل يقع غربي نهر السند حين علم بقدوم المغول بقيادة جنكيزخان إلى إقليم غزنة للانتقام من جلال الدين والثأر لهزيمة جيشه على يديه.

وجمع جلال الدين السفن ليعبر بها إلى نهر السند هو وجنوده إلى الهند لعله يجد فيها مأمنه، ولكن بحّارة السفن لاذوا بالفرار حين علموا بقدوم جنكيز خان تاركين السلطان وجنوده على الشاطئ، فاضطروا إلى خوض معركة لم يستعدوا لها ودارت معركة غير متكافئة ثبت فيها جلال الدين لهجوم المغول وحمل بنفسه حملة صادقة على قلب الجيش المغولي كادت تزلزله، ولكن ميسرة جيش جلال الدين لم تتحمل ضربات المغول فانكشفت وتبددت، ووقف السلطان على رأس 700 من رجاله يقاتلون في بسالة وثبات جحافل المغول، ولكن دون جدوى، واضطر أن يولي وجهه شطر النهر وقذف بنفسه في النهر وتبعه ما بقي من رجاله وعبروا النهر إلى الضفة الأخرى، ووقع في الأسر ابن للسلطان وكان طفلا في الثامنة، ولكن جنكيزخان لم يرحم طفولته فقتله بيده، ولما عبر السلطان إلى الجهة الأخرى رأى والدته وأم ولده وحريمه يصحن بأعلى صوتهن: "بالله عليك اقتلنا وخلّصنا من الأسر"، فأمر بهن فأغرقن.

وهمّ كثير من المغول بعبور النهر واللحاق بجلال الدين، لكن جنكيزخان منعهم واكتفى بهذا النصر الذي أعاد للمغول هيبتهم، وحقق لهم الاستيلاء على غزنة التي كانت خالية من الجند.

جلال الدين في الهند
اتجه جلال الدين إلى الهند مع الناجين من رجاله وكانوا أربعة آلاف على هيئة مزرية، حفاة رعاة كأنهم أهل النشور، وهاموا على وجوههم يبحثون عن مأوى لهم، غير أنهم في أثناء بحثهم لم يراعوا حرمة ولا خلقا فأغاروا على بعض البلاد وأحدثوا بها خرابا وتدميرا وفرضوا إتاوات على أهلها.

وقضى السلطان في الهند ثلاث سنوات، جمع فيها قوة كبيرة من الجند الفارين من وجه المغول في الهند، وانضم إليه كثير من القادة الخوارزميين الذين قدموا إليه، وآلاف من المتطوعين الراغبين في الدفاع عن الإسلام، ونجح في مهاجمة بعض الأقاليم الهندية الواقعة في حوض نهر السند وغنم منها غنائم كثيرة وأخضعها لسلطانه.

غير أن ازدياد قوته واستفحال خطره جعل حكام السند يقفون في وجهه صفا واحدا ويطلبون منه مغادرة بلادهم، ولم يكن يستطيع أن يحاربهم جميعا فآثر السلامة وقرر العودة إلى أراضي دولته؛ لأنه لم يكن طامعا في الهند، وكانت إقامته بها مؤقتة حتى يستعيد قوته وتواتيه الفرصة للانقضاض على المغول.

عودة جلال الدين
بعد رجوع جنكيزخان سنة (621 هـ= 1224م) إلى منغوليا انسحبت جيوشه من أقاليم الدولة الخوارزمية التي كانت تحتلها؛ فانتهز غياث الدين بن محمد خوارزم شاه أخو السلطان جلال الدين هذه الفرصة، ونجح في استرداد أقاليم الدولة الخوارزمية ما عدا إقليم ما وراء النهر، غير أنه لسوء سياسته كانت تلك الأقاليم يسودها الفوضى والاضطرابات، فلما عزم السلطان جلال الدين على مغادرة الهند زين له قادته انتزاع السلطة من يد أخيه غياث الدين؛ لأنه الخليفة الشرعي لأبيه فاستجاب لرغبتهم وعبر نهر السند في سنة (622هـ= 1225م)، وأسرع إلى الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية الواقعة تحت سيطرة أخيه فاستولى على غزنة وكرمان، ثم نجح بالحيلة في هزيمة أخيه واسترداد ما كان تحت يديه من المدن والأقاليم، وتوافد عليه قواد الدولة الخوارزمية الذين كانوا تحت إمرة أخيه وأعلنوا تبعيتهم له ومبايعته سلطانا على الدولة الخوارزمية.

وبعد أن استقر جلال الدين عمل جاهدا على إعادة الأمن وإصلاح ما خربه المغول وتجهيز جيش للوقوف على أهبة الاستعداد، وامتد سلطانه على أقاليم خوارزم وغزنة وكرمان وفارس وخراسان ومازندران.

جلال الدين والجهاد ضد المغول
انتهز جلال الدين فرصة انشغال المغول باختيار خليفة لجنكيزخان بعد وفاته سنة (624هـ= 1227م)، واشتبك مع قوة من المغول قصدت الدولة الخوارزمية وتوغلت في أراضيها حتى أصبحت على مقربة من مدينة الري، ونجح السلطان في إبادتها تماما، ثم نشبت معركة أخرى قرب أصفهان سنة (625 هـ= 1228م) بين المغول وقوات جلال الدين كان النصر فيها حليفه.

وعلى الرغم من تحسن الأوضاع نسبيا لجلال الدين فإنها لم تكن كافية للصمود أمام المغول؛ فالدولة كانت منهكة من أثر التخريب والدمار الذي ألحقه المغول بالبلاد، والأحوال فيها مضطربة، والصلات والروابط التي تعين على مواجهة المحن قد تقطعت بين شعوب تلك المنطقة، وغلب على الناس إيثار السلامة بعد الأهوال التي شاهدوها، ولكل هذا لم ينجح جلال الدين في وقف الهجمة المغولية التي بعثها "أوكتاي" خاقان المغول الجديد، وكان قد أرسل جيشا من 30 ألف مقاتل لشن حرب شاملة على جلال الدين، فعبر نهر جيحون ووصل بسرعة إلى الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية واستولى على الري وهمدان وما بينهما، ووصل إلى أذربيجان سنة (628 هـ= 1231م)، ولم يقدر جلال الدين على لقائهم وفر من أمامهم وهم في إثره يطاردونه.

وعندما رحل جلال الدين إلى تبريز كانوا وراءه، وأرغموه على التقهقر إلى سهل موقان المجاور للساحل الغربي من بحر قزوين قبل أن يتمكن من جمع جيوشه، وحاول أن يستنجد بالخليفة العباسي وأمراء ديار بكر ولكنهم تقاعسوا عن نصرته، وتركوه يلقى نهايته وحيدا دون معاون أو نصير، فلما وصل إلى آمد في أعالي نهر دجلة لحق به المغول وهزموه شر هزيمة وقتلوا كثيرا من جنده واستولوا على ما بيده من سلاح.

نهاية السلطان جلال الدين وسقوط الدولة الخوارزمية
كان السلطان جلال الدين ممن ولوا الأدبار في هذه المعركة، ولجأ إلى جبال كردستان بعد أن يئس المغول من تتبعه للقضاء عليه، وظل هناك هائما على وجهه حتى عثر عليه رجل كردي وأخبره أنه هو السلطان جلال الدين، فأخذه الكردي إلى منزله، وخرج ليدبر له بعض خيوله ليستعين بها السلطان في رجوعه إلى بلاده، وبينما كان الكردي غائبا عن منزله أتى كردي آخر لزيارته فلما دخل المنزل رأى السلطان فعرفه، وكان قد قتل أخًا له في إحدى غزواته، فضربه بحربته التي كانت في يده فسقط السلطان قتيلا، وذلك في (15 شوال 628 هـ= 9 من أكتوبر 1239م).

وبمقتله سقطت الدولة الخوارزمية أمام المغول الذين سيطروا على أراضيها، وبدأت بعد ذلك مرحلة جديدة للغزو المغولي قادها هولاكو حفيد جنكيزخان فسقطت على يديه بغداد وحلب ودمشق.

سلسلة أم المؤمنين عائشة (13) ابنة بارة

أم المؤمنين عائشة (13) ابنة بارة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فنواصل الحديث عن سلسلة خطب سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، والتي هي أنموذج ومنهج تربوي وعملي للمرأة المسلمة اليوم، فعائشة -رضي الله عنها- شخصية نسائية فذة جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.


وبعد اثنتي عشرة خطبة مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة من سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، عائشة كصغيرة، وعائشة كبنت، وعائشة كزوجة، وعائشة كأم، وعائشة كأخت، نتحدث اليوم عن عائشة كابنة بارة، لنقف على عظيم برها بوالديها، وصلتها لأرحامها، فقد كانت -رضي الله عنها- بارة عاقلة، كيسة ظريفة، وصولاً لأرحامها، باذلة لإسعادهم ما بوسعها؛ من حب وعطف وشفقة، وكرم ورعاية.


إلا أن أعجب نقطة في برها لأبويها وصلتها لأرحامها هي توازنها العجيب ومسلكها الفريد في حفاظها على حياتها الزوجية الخاصة، وبين علاقتها بوالديها وإخوانها، توازن ولباقة وكياسة في الجمع بين هاتين العلاقتين، اللتين أصبحتا من أعقد المشاكل في حياة البعض من الزوجات والأخوات، فكم من بيت تخلخلت أركانه بسبب غياب هذا التوازن، وكم زيجة فشلت في بداياتها بسبب سوء إدارة هاتين العلاقتين؛ أما عائشة فقد رسمت منهجًا قويمًا ووسطية فريدة لبنات جنسها في الجمع بين طاعة الزوج وبر الوالدين، حتى في أصعب الحالات وتأزم المواقف.


ولا أظنني أنني قادر على حصر المواقف المعبرة الدالة على بر عائشة لوالديها نظرًا للعلاقة القوية الوطيدة التي كانت تربطها بهما، فألصق الناس بعائشة بعد زوجها الحبيب هما أبواها أبو بكر وأم رومان، فهما مرجعها الوحيد بعد الله -عز وجل- في حل وتخطي مشاكل الحياة، فكانت تعتمد عليهما وتستشيرهما وترجع إليهما في الملمات والضوائق، خاصة والدتها أم رومان، الأم العاقلة الحكيمة، واسمها زينب، وقيل دعد بنت عامر بن عويمر من كنانة.


ومن مواقف عائشة في استشارة أمها والرجوع إليها، ما أخرجه الشيخان، واللفظ لأحمد، أنه لَمَّا أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رسول الله بِعَائِشَةَ قائلاً: " إِنِّي سَأَعْرِضُ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ" فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا الْأَمْرُ؟ قَالَتْ: فَتَلَا عَلَيَّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29]. ففي الحديث إشارة بأن عائشة كانت تستشير والديها.


وأصرح منه ما جاء في قصة الإفك المشهورة، عندما علمت عائشة بالخبر، فضاقت عليها الأرض بما رحبت، اتجهت مباشرة إلى والديها، كما تقول هي في سياق سردها لقصة الإفك: " وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيْكُمْ؟" فقلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، وَأَنَا حِيْنَئِذٍ أُرِيْدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهَمَا، فَأَذِنَ لِي، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّتَاهُ! مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟...


فيا الله! ما أروع عائشة وهي تراجع والدتها قبل أي أحد! وما أروع أم رومان عندما تخفف من التوتر وتهدئ من روع عائشة، فتقول: "يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيْئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا". تريد التخفيف عنها بأسلوب هادئ محفز ومشجع لابنتها، مُرجعة السبب إلى حسد الحاسدين، وكيد الكائدين، دون أن تنال من أحد بعينه، ودون أن تتهم أحدًا قبل أن ينجلي الأمر.


هكذا تكون العلاقة بين فتاة عاقلة وأم مربية فاضلة، وكم من أم لجأت إليها ابنتها متبرمة من حياتها الزوجية أو مشاكل حياتية، فإذا بالأم تنهال بالاتهامات على الزوج وتقصيره، أو أهله ووالدته، وماشابه ذلك! دون تثبت أو حكمة في المعالجة، فتزيد الطين بِلة بتعقيد المشكلة بدل امتصاص الغضب، واحتواء المشكلة، فأم رومان لم تفتح أي باب في المشكلة، بل همست لابنتها بأسلوب حكيم ورزين، مهدئة من روع عائشة، وبكلمات غاية في الذكاء: "يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيْئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا".


مع علمها بأن المنافقين وراء القضية، بل وسماعها للخبر منذ شهر أو يزيد، فلم تتدخل أو تبادر حتى كانت عائشة هي المبادرة، هكذا فلتكن الأمهات مع البنات، يُمثلن في الوقت نفسه دور الأمهات والصديقات العاقلات معًا، يستمعن بهدوء، ويوجهن بحكمة وذكاء، فيشاركن البنات همومهن، ويتبادلن معهن الود والاحترام، هكذا كانت حال أم رومان مع عائشة تحبها حبًّا جمًّا، وتمازحها، وتدخل السرور في قلبها حتى في حالات الجد والخطر، وما ذلك إلا لعظيم بر عائشة بها، وقربها من أمها.


وكم تخطئ بعض الأمهات عندما تعتقد أن معاملتها لابنتها كصديقة تخل بأمومتها، فتعاملها بشدة وجفاء، وأمر ونهي وصراخ، معاملة الآمرة للمأمورة، مما جعل بعض البنات ينفرن من الأمهات، ويلجأن للصديقات لبث الهموم والمشاكل والبحث عن العلاج، وهنا مكمن الخطر، خاصة في زماننا الذي تقل فيه الصديقة المؤتمنة، فعائشة هي نتاج أبوين حكيمين قريبين.


تأملوا هذا الموقف الذي ورد في خبر هجرة عائلة أبي بكر وخروجهم من مكة، فعندما نَفَرَ بَعِيْر عائشة، جَعَلَتْ تَقُوْلُ أم رومان: "وَابِنْتَاهُ! وَاعَرُوْسَاهُ! حَتَّى أُدْرِكَ بَعِيْرُها". هو موقف خطورة وجد، ومع هذا ضمنتها أم رومان كلمات لا تخلو من دعابة ولطف ونداء رقيق، هكذا كانت العلاقة حميمية بين عائشة وأمها الحبيبة أم رومان.


كما كانت علاقتها بأبيها وبرها به أكثر وضوحاً، لتوافر النصوص والاستشهادات المعبرة، فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ من الحمى، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا -تَعْنِي: مَاءً آجِنًا، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه.


قالت: فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة، وبلال، في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ،كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:


كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ *** وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ


قالت: فقلت والله مايدري أبي مايقول. ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:


لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ *** إنّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلّ امْرِئِ مُجَاهَدٌ بِطَوْقِهِ *** كَالثّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِه


قالت: قلت: والله مايدري عامر مايقول. قالت: وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:


أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ *** وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ


قالت: فأخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". فيتضح من هذ الموقف حرص عائشة وبرها بأبيها وصديقِيه، ثم تأملوا كيف أن عائشة لم تذهب إلى زيارة أبيها رغم مرضه إلا بعد أن استأذنت زوجها، ثم كيف نقلت معاناة أبيها والمهاجرين في مهجرهم المدينة، فصارت سببًا برفع هذه المعاناة بدعاء الحبيب -صلى الله عليه وسلم- واستجابة دعوته لهم.


ومن صور برها بأبيها طاعته لأبعد الحدود، بل وتحملها بصدر رحب غضَبَه وتأنيبه، بل حتى ضربه ولكماته، إلى درجة أنها لا ترفع طرفها إليه، رغم أنها كبرت وتزوجت وصارت أمًّا للمؤمنين، بل وزوجة للنبي الأمين، كل ذلك لم يجعلها تنظر لنفسها أو مكانتها، بل ما زادها إلا انكساراً وخضوعاً لأبويها، ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قالت: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟! فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ أَوْجَعَنِي". وقولها: "فَبِي الْمَوْتُ" أي:كاد ينزل بي الموت من شدة الوجع.


وفي رواية: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاء؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَخِذِي. سبحان الله! أنعجب من برها وصبرها، أم من هذا التوازن العجيب، بين برها بالوالد، وقمة مراعاتها لحقوق زوجها؟


صبر عجيب، وتحمل فريد، استطاعت عائشة بهما كسب رضا والدها وزوجها معًا، والله لا يُضيع أجر الصابرين، فما هي سوى لحظات حتى رجع أبو بكر معتذراً ومعجباً بها وبصبرها بعد الفرج ونزول رخصة التيمم لعموم المسلمين بسببها، كما في مسند أحمد أن أبا بكر قَالَ لها: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ! مَاذَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَبْسِكِ إِيَّاهُمْ مِنْ الْبَرَكَةِ وَالْيُسْرِ.حقاً، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فكانت المكافأة لها وللمسلمين عامة فنزل حكم التيمم تيسيراً، ومازلنا نتذوق أثره وعظيم ثمرته، فجزى الله عائشة المباركة عنا وعن المسلمين خير الجزاء.


تعامُلُ فتاةٍ بارة مع أبيها بكل خضوع وأدب، لم تنبس ببنت شفة ولا كلمة رغم شدة الألم والوجع، والضرب والـتأفيف والتأنيب، كما قالت هي بنفسها: فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ مِنْ التَّعْنِيفِ وَالتَّأْفِيفِ، فاختارت عائشة الصمت احترامًا لمقام الأبوة الكريمة، رغم أنها كانت تشعر بعدم الرضا من تصرف والدها إلا أنها لم تبح به في وجهه، بل أبدته في كلماتها عندما روت الحادثة وبثتها بأسلوبها الأدبي الرائع، حيث إنها لم تذكر والدها بالأبوة بل قالت: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ)، صرحت باسمه، إشارة منها أن قضية الأبوة الحنو، وأن ما وقع منه من العتاب بالقول والتأنيب بالفعل إنما هي لحظات الغضب، وهذا درس بليغ للأبناء اليوم، ففضل الوالدين لا يمكن أن يُنسى مهما بلغ الأبناء من مقام ومنصب وسن!.


فأين أولادنا وفتياتنا اليوم من هذا البر وهذه اللباقة؟! فرغم هذه الصور الفريدة لبر عائشة بوالدها، وحبها واحترامها له، إلا أنها لم تكن تختلط عليها الأوراق، ولا يمكن أن يكون برها سببًا في خرق حرمة حياتها الزوجية الخاصة، بل كانت تحفظ لكل جهة حقوقها الخاصة بتوازن دقيق وصارم، ودون أي إفراط أو تفريط، فهاهي تقول: وَجَعَلَ أبوبكر يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَخِذِي.


يا الله! يا لروعة عائشة! تعنيف وضرب، ثم أدب وصمت عجيب مع أبيها، وأيضاً عدم حركة حرصاً منها على راحة زوجها، وعدم إزعاجه، وتنكيد راحته ونومته، فمن يقدر على هذا غير عائشة؟! بر بالوالد، ووفاء للزوج، يؤكده أيضاً هذا الموقف؛ فعندما تجهز النبي -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته للخروج إلى فتح مكة على إثر غدرة قريش وهتكها للهدنة من جانبها وتعديها، فكتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- الخبر، وأوصى عائشة بكتمانه.


وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقي، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بنى الأصفر؟ فصمتت. فقال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت. قال: فلعله يريد قريشًا؟ فصمتت. وحينها دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخبر بالتفصيل.


قفوا وأطيلوا الوقوف عند هذا الموقف! كأني بعائشة تريد تعلم المرأة اليوم كيفية الحفاظ على أسرار الزوج حتى ولو من أقرب قريب، فعائشة لا تشك في والدها صِدِّيق الأمة أبدًا، وأبو بكر ليس بالذي تخفى عنه أسرار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو ثاني رجل في الأمة، ولكن عائشة أرادت أن تلقن درسًا لبنات جنسها، ولم تشأ أن تخبر بالقصة وقد طلب منها زوجها أن تخفيها حتى يخبره هو بنفسه.


هكذا هي الحياة الزوجية، أمانة ووفاء، وحفظ أسرار وعهود، فالحياة الزوجية لها قدسيتها وخطوطها الحمر، بدون أدنى تعرض مع البر بالأبوين وحقيهما، إنها عظمة هذا الدين وكماله، فهو يربي أتباعه على حفظ الأسرار مهما كان هذا السر عاديًا، حتى وإن لم يترتب على إفشائه ضرر لأصحابه، من انتهاك لكرامة، أو إهدار لمصلحة، أو تفويت لمنفعة.


بل من عظيم بر عائشة لأبيها أنها كانت تحرص على سمعته، ولا ترضى أن يكون شأنه فاكهة للمجالس، أو القيل والقال، كما في هذا الموقف. قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ! فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: "إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ".


فأرادت عائشة بفطنتها أن تصرف الإمامة عن أبيها محتجة بكونه لا يُسمِعْ المأمومين القراءة لبكائه، وهذا مطلب صحيح لا غبار عليه، إلا أنها أرادت غاية بعيدة المدى تُظهر لنا ذكاءها ومدى حبها وبرها بأبيها أبي بكر، فقد صرحت في رواية أخرى في الصحيحين قَالَتْ: " لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَلَا كُنْتُ أُرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَبِي بَكْرٍ.


وأما صفحتنا الأخيرة من بر عائشة فهي عند فراق أبيها وتوديعه؛ فعندما مرض أبو بكر -رضي الله عنه- مرضًا امتد لخمسة عشر يوماً، ما كان من الابنة البارة الوفية إلا الإسراع بتمريض والدها العزيز، والبقاء بجانبه ومواساته، والسماع لوصيته، قيامًا بالواجب.


ولما حضرته الوفاة، جلس -رضي الله عنه- فتشهد، ووصى عائشة بإخوانها وأخواتها خيرًا خاصة بأم كلثوم التي ما زالت في بطن أمها، وقال لها ضمن وصاياه: يا عائشة، إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم ديناراً ولا درهمًا. وليس عندنا من مال المسلمين قليل ولا كثير، الا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي ذمتي منهن.


وانظري ملاءتي هاتين، فإذا مت فاغسلوني وكفنوني فيهما، وادفنوني بجوار رسول الله، ثم أسبل أبو بكر عينيه، وأخذت روحه تحشرج في صدره، واشتدت سكرات الموت عليه، وراح يجود بأنفاسه الأخيرة، وكان آخر ما نطق به: (رَبِّ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف:101]، ففاضت روحه إلى بارئها، فحزنت عائشة أيما حزن وتأثرت، ثم عمدت مباشرة لإنفاذ وصيته بنصها، فكُفِّن كما أوصى ودفن بجوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو سرير عائشة.


هذه صفحات من برها -رضي الله عنها-، هي دروس وعبر، ومنهج عملي في حقيقة البر والوفاء، نسأل الله أن يرزقنا البر بوالدينا، وأن يرفع درجاتهما، ويتجاوز عنهما، ويرحم ضعفهما؛ اللهم ارحم تقصيرنا ببرهما، واغفر لنا غفلتنا عنهما، واجمعنا بهما في الجنان، برحمتك يا رحمن.


أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

تعريف بالداعية الإسلامي الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ

نسبه وولادته:
هو الداعية الإسلامي الحبيب العلامة عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ بن عبدالله بن أبي بكر بن عيدروس بن عمر بن عيدروس بن عمر بن أبي بكر بن عيدروس بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم بن عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الشيخ عبدالرحمن السقاف بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي ابن الفقيه المقدم محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط ابن علي بن علوي بن محمد صاحب الصومعة ابن علوي بن عبيد الله بن الإمام المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد خاتم النبيين صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين .

ولد بمدينة تريم بحضرموت الجمهورية اليمنية قبيل فجر يوم الاثنين 4محرم 1383هـ  الموافق 27مايو 1963م ، ونشأ بها . وحفظ القرآن العظيم ، وتربى تربية صالحة في أحضان والده في بيئة العلم والإيمان والأخلاق الفاضلة .

أخذه وتلقيه للعلوم:
 أخذ علوم الشريعة المطهرة من قرآن وحديث وفقه وعقيدة وأصول وعلوم اللغة العربية والسلوك على أيدي من أدركهم من علماء حضرموت ومن أجلهم والده مفتى تريم، والعلماء العارفون الأفاضل الحبيب محمد بن علوي بن شهاب الدين، والحبيب المنصب أحمد بن علي بن الشيخ أبي بكر، والحبيب عبدالله بن شيخ العيدروس ، والمؤرخ البحاثة الحبيب عبدالله بن حسن بلفقيه، والمؤرخ اللغوي الحبيب عمر بن علوي الكاف ، والحبيب أحمد بن حسن الحداد، وأخيه الحبيب علي المشهور بن محمد بن سالم بن حفيظ ، والحبيب سالم بن عبدالله الشاطري ، والشيخ المفتي فضل بن عبدالرحمن بافضل . والشيخ توفيق أمان .

وابتدأ التدريس وعمل الدعوة إلى الله وهو في الخامسة عشر من العمر مع مواصلة التعلم والأخذ والتلقي.



انتقاله إلى البيضاء:
ثم لما اشتد الوضع بسبب الحكم الشمولي الشيوعي في ذلك الوقت انتقل إلى مدينة البيضاء باليمن في أوائل شهر صفر عام 1402هـ الموافق ديسمبر 1981م مواصلا التعليم والدعوة إلى الله وأقام في رباط الهدار بالبيضاء وقد أخذ فيه عن الإمام العارف الحبيب محمد بن عبدالله الهدار ، والعلامة الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط، وكان حريصًا على عقد الدروس والمجامع العلمية، كثيرَ الخروج للدعوة إلى الله في مختلف مناطق البيضاء والحديدة وتعز التي كان يتردد عليها كثيرا للأخذ عن الحبيب العلامة المسند إبراهيم بن عمر بن عقيل.

تردده على الحرمين الشريفين:
وتردد على الحرمين الشريفين بدءا من شهر رجب عام 1402هـ الموافق إبريل 1982 م، وأخذ عن الإمام العارف الداعية الحبيب عبدالقادر بن أحمد السقاف ، والعارف الداعية الحبيب أحمد مشهور بن طه الحداد ، والعارف العلامة أبي بكر العطاس بن عبدالله الحبشي ، وأخذ الإجازة في الأسانيد عن المسند الشيخ محمد يس الفاداني ، والعلامة محدث الحرمين السيد محمد بن علوي المالكي وغيرهم ...

انتقاله إلى عمان ثم مدينة الشحر بمحافظة حضرموت:
وفي منتصف عام 1411هـ توجه إلى سلطنة عمان الشقيقة، بطلبٍ من أعيان منطقة صلالة،  فأقام فيها مدة سنة ونصف تقريبا داعيا ومعلما ومذكرا بهدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حيث حرص على عقد الدروس وتقريب الشباب وتبصيرهم بأمور دينهم.

وفي عام 1413هـ الموافق 1992 م انتقل إلى مدينة الشحر بمحافظة حضرموت حيث واصل إقامة الدروس في رباط الشحر للدراسات الإسلامية بعد افتتاحه بعد أن أُمِّم في عهد الحكم الشيوعي، وأقام فيها فترة من الزمان داعيا معلما ، قصده الكثير من الطلاب من نواحي متعددة من الجمهورية اليمنية وبعض مناطق جنوب شرق آسيا.

انتقاله إلى مدينة تريم:
ثم انتقل منها إلى مدينة تريم حيث استقر به المقام فيها واستقبل أعداد الطلاب القادمين عليه من أنحاء مختلفة من العالم. وابتدأ تأسيس دار المصطفى بتريم للدراسات الاسلاميه عام 1414هـ 1994م، الذي يسعى إلى غرسِ الإرث النبوي في ذواتٍ تنشره على الأسس التالية:

1-  تعليم العلوم الشرعية بالسند المتصل على وجه التحقيق والطريقة الموروثة مع الأخذ بالوسائل والأساليب الحديثة النافعة والربط بالواقع لتيسير التطبيق.

2-  تزكية النفوس بإخلاص القصد وتطهير القلب وتهذيب الأخلاق.

3-  تنمية القدرة والهمة في حسن البيان وإيصال الخير إلى أوسع نطاق ممكن.

وبعد مواصلة التدريس تم الافتتاح الرسمي لمبنى الدار في يوم الثلاثاء 29 ذي الحجة 1417هـ، الموافق 6 مايو 1997م، ولم يزل يتوافد عليه الطلاب والزائرون من مختلف أنحاء العالم، وافتتح المتخرجون من الدار مراكز للتدريس والدعوة إلى الله في عدد من الدول.
كما أن له حفظه الله اهتماما بالغًا بنشر التوعية الدينية في مدينة تريم وأقام مجالس متعددة أهمها جلسة الاثنين الأسبوعية التي تعقد في ساحة عامة وسط المدينة ويحضرها المئات من أبناء المدينة ، وله زيارات متعددة إلى مناطق مختلفة في ربوع الوطن اليمني من أقصاه إلى أقصاه وله العديد من المحاضرات في الجامعات والمعاهد والأندية اليمنية.



رحلاته:
له العديد من الرحلات في الدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي إلى مختلف الأقطار كالشام ومصر والسودان والهند وباكستان وأندونيسيا وماليزيا وسنقافورة وبروناي وسيريلانكا، وكينيا وتنزانيا وجزر القمر ودول الخليج واتصل بأسانيد كثير من العلماء في تلك الأقطار.
كما شارك في حضور عدد من المؤتمرات الإسلامية كان من آخرها:

المؤتمر الثاني عشر لمجمع البحوث الإسلامية تحت رعاية الأزهر الشريف بعنوان ( هذا هو الإسلام ) الذي عقد في مدينة القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية في 3صفر 1422هـ الموافق 16إبريل 2002م.
ملتقى العلماء العالمي في ماليزيا بعنوان ( الإسلام في عصر العولمة ) في الفترة من11- 13جماد أول 1424هـ الموافق 10- 12يوليو 2003م .
مؤتمر ( هذا هو الإسلام ) المنعقد في سيريلانكا في شهر محرم 1423هـ.
مؤتمر ( الهدي النبوي في الدعوة والإرشاد ) الذي نظمته وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة من 11- 16 رمضان 1425 هـ.
مؤتمر ( نحن والآخر ) الذي نظمته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت في الفترة من 6 - 8 صفر الخير 1427هـ.
مؤتمر الحوار لإسلامي المسيحي في جامعة كمبريدج في بريطانيا من 11- 15 شوال 1429هـ الموافق 11 - 15 أكتوبر 2008م.
مؤلفاته وإصداراته:
له الكثير من الإصدارات السمعية والمرئية، والمؤلفات منها:

إسعاف طالبي رضا الخلاق ببيان مكارم الأخلاق .
الخطاب الإسلامي في المؤسسات الدينية.
شرح منظومة السند العلوي.
خلُقنا.
الذخيرة المشرفة ( وقد ترجم بعدة لغات ) .
خلاصة المدد النبوي في الأذكار.
الضياء اللامع بذكر مولد النبي الشافع.
الشراب الطهور في ذكر سيرة بدر البدور.
فيض الإمداد في خطب الجمعة والكسوفين والاستسقاء والأعياد.
المختار من شفاء السقيم
ثقافة الخطيب .
نور الإيمان من كلام حبيب الرحمن.
ديوان شعر بعنوان ( فائضات المن من رحمات وهاب المنن) . تحت الطبع .
الخطاب الإسلامي في المؤسسات الدينية.
مملكة القلب والأعضاء.
توجيهات الطلاب.
كما أن له الكثير من برامج التوعية الدينية ودروس متعددة ومقابلات في كثير من القنوات الفضائية .
ولم يزل مواصلا التدريس والدعوة إلى الله تعالى وبذل الوسع في ذلك.. وفقه الله وعفا عنه ولطف به وتقبل منه والمسلمين.

سلسلة أم المؤمنين عائشة (11) كأخت

أم المؤمنين عائشة (11) كأخت


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فما زلنا نتلمس المنهج التربوي العملي للمرأة المسلمة اليوم من خلال الحديث عن سلسلة سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، والتي يتأكد لنا مرة بعد مرة ونحن نُقلب جوانب متعددة ومتميزة في حياتها أنها بحق أنموذج تطبيقي رائع لكل فتاة مسلمة تبحث عن المنهج السوي، والطريق الصحيح، في هذا الواقع المعاصر بتياراته الفكرية المتناحرة، والتي جعلت من قضية المرأة دوامة حيّرت المرأة نفسها، وجعلتها تقف على مفترق طرق تائهة حائرة. فدونكِ أيتها المرأة! إليك يا كل فتاة منهج القرآن والسنة، منهج الصفاء والنقاء، بوسطيته السمحة، بعيداً عن الغلو أو الجفاء.


إننا أمة ذات تاريخ ملئ بالدروس والعبر والتجارب، ولا أظن أن هناك أفضل وأروع من تجارب أمهات المؤمنين في الحياة، والتي أمرهن الحكيم الخبير بأن يذكرن للناس كل ما يدور في بيوتهن مع الأسوة والقدوة -عليه الصلاة والسلام-، إنه أمر القرآن (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب:34]، وهاهي سيرة عائشة بكل ما تقدم من محاور وعناصر تؤكد أنها --رضي الله عنه-ا- شخصية نسائية فذة، جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.


فبعد أن تحدثنا في الجمع الماضية عن عائشة كطفلة صغيرة، ثم كفتاة، وكزوجة، وكأم حنون؛ نتحدث اليوم عنها كأخت رؤوم، فأرحم إنسان للإنسان وأكثرهم حبًّا وحنانًا وشفقة ونصحًا بعد الأمهات هن الأخوات، واللاتي يلعبن دورًا كبيرًا في تربية الإخوان والأخوات، بل والدفاع عنهم، إلى درجة التضحية بالعمر أو تعريض أنفسهن للمخاطر، وما قصة أخت موسى المطيعة البارة لأمها التي عرضت نفسها للمخاطر في سبيل الحفاظ على حياة أخيها الطفل الصغير موسى عنا ببعيد، يوم تحدثنا عنها بالتفصيل في سلسلة قصص النساء في القرآن.


وها نحن -مرة ثانية- نؤكد أهمية الحديث عن الأخت، فكلنا له أخت، فهل عرفنا حقها؟ وهل قدرنا لها قدرها؟ فطالما تحدث المتحدثون، وأطنبوا عن حقوق الأم أو الزوجة، لكن مَن منا وقف أو فكر بحقوق الأخت عليه، أو بحقوقه على أخته؟ إنها الرحم التي وعد الله أن يصل من وصلها، ويقطع من قطعها، إنها الرحم الباب الموصل إلى الجنة. بكل صراحة ،كم نهمل أخواتنا! كم نهمل البر بِهِنَّ، أو صلتَهن والجلوسَ معهن! كم ننسى أو نغفل عن حقهن! كم نتركهن عرضة للوحدة أو الحاجة! كم وكم!.


ألم يوص النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبنات والأخوات خصوصًا، وبالنساء عمومًا؟ فقد أخرج أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني، عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ ابْنَتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ، فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".


إنهن البنات والأخوات باب من أبواب الجنة، فكم في هذا الباب اليوم من سؤال وعلامات استفهام! ليس من جهة حقوق الأخوات فقط، بل وأيضاً من جهة حقوق الإخوة على الأخوات، فكم من أخت نسيت حق أخيها صلةً أو خدمة أو حباً وشفقة! إنها حقوق شرعية متبادلة أوصى بها هذا الدين العظيم.


فتعالوا -معاشر المؤمنين والمؤمنات!- لنقف على المنهج الرائع والفذ الذي نهجته عائشة لتؤسس علاقة حميمية متينة بينها وبين إخوانها وأخواتها، لقد كان لأبي بكر -رضي الله عنه- من الولد ستة، ثلاثة بنين، وثلاث بنات. أما البنون فعبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد؛ وأما البنات فأسماء وعائشة، وأم كلثوم.


وعبد الله هو أكبر ولده الذكور، شهد فتح مكة وحُنَيْناً والطائف مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلماً، وخرج بالطائف، وبقي إلى خلافة أبيه ومات فيها، ولا عقب له. وأما عبد الرحمن فيكنى أبا عبد الله، وهو شقيق عائشة. وأما محمد بن أبي بكر، ويكنى أبا القاسم، فكان من نُساك قريش، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، وأما البنات فعائشة أم المؤمنين، شقيقة عبد الرحمن. وأسماء شقيقة عبد الله، وهي أكبر بناته، وهي ذات النطاقين. وأما أم كلثوم فقد توفي أبو بكر وهي في بطن أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد.


لقد استطاعت عائشة أن تغرس علاقة حميمية من الدرجة الأولى بين إخوتها، قامت أولاً على الحب والتقدير، ثم على الاحترام المتبادل، ثم التعاون والتكاتف، فحينما تعرض أخوها عبد الرحمن لمطاردة من قبل السلطة وحاكم الوقت مروان بن أبي الحكم، على إثر اعتراضه لسياسة الخليفة في تعيين من ينوب عنه بعد موته، لجأ عبد الرحمن إلى أخته عائشة، ودخل بيتها، فلم يقدروا عليه؛ إعظامًا لعائشة، ومراعاة لمكانتها وحرمتها.


فقد روى البخاري وغيره -بسنده- عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، وفي رواية خارج الصحيحين: قال مروان: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر وعمر، وذكر أنها سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر، أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم؟، فَقَالَ مروان: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: "ِإنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ:(وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) [الأحقاف:17]، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي.


كانت وقفة بطولية من عائشة مع أخيها الشقيق عبد الرحمن، والدفاع والذب عنه في أحلك الظروف، حتى ولو كان الخصم صاحب جاه وسلطة وسطوة وبطش، وكان دفاعها وردها حكيماً رزيناً، وبمنهج علمي وشرعي، مدعم بالدليل والبرهان؛ فمروان اتهم عبد الرحمن بأنه عاق الوالدين، وأنه نزل فيه قوله تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) [الأحقاف:17]، فانبرت عائشة بكل شجاعة وجرأة وأدب للدفاع عن أخيها مراعاة لحقه الخاص، ولرد باطل فيه تحريف لتفسير كلام الله.


وجاء في رواية النسائي أنها قالت: كذب مروان، والله ماهو به، ولوشئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته. إن من البر أن تُدافع عن المظلوم، فكيف إذا كان المظلوم أخاك؟ وفي هذه الموقف يتجلى دور الأخت مع أخيها بشكل واضح، حباً له، وخوفاً عليه وشفقة.


ومما يُبين عمق العلاقة الأخوية بين عائشة وشقيقها عبد الرحمن أنها كانت تسعى للصلح بينه وبين أزواجه، فإنه لما تزوج بليلى بنت الجودى -وكانت ابنة ملك دمشق ملك العرب- أعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشتكينها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك فقال: والله كأنى أرشف بأنيابها حب الرمان، فأصابها وجع سقط له فوها، فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن! لقد أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت، فإما أن تنصفها، وإما أن تجهزها إلى أهلها.


ولما توفي عبد الرحمن وهو خارج إلى مكة فجأة إثر نومة نامها، فدفن هناك، وكانت عائشة غائبة، فعندما قدمت مكة حاجَّةً زارت قبر أخيها عبد الرحمن، وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولم أزرك. ثم تمثلت بشعر متمِّم بن نويرة فى أخيه مالك:


وكنّا كنَدْمانَيْ جَذِيمَة حِقْبَةً *** مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًـا *** لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَـا


مع أن النساء منهيَّاتٌ عن زيارات القبور، إلا أن عائشة تعللت وبررت زيارتها بأنها كانت غائبة، فقد سألها التابعي الجليل عبد الله بن أبي مليكة: أليس كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى النساء عن زيارة القبور؟ قالت: بلى، لو شهدته ما زرته.


وفسّر العلماء من أمثال ابن القيم وشيخ الإسلام وغيرهما -رحمهم الله- بأنها لم تقصد إليه قصداً، بل كان في طريقها إلى الحج. وبغضِّ النظر عن تحرير المسألة فليس هذا مكانها، إلا أن هذا الموقف يدل دلالة واضحة صريحة على عمق العلاقة القوية بين الشقيقة وشقيقها؛ بل إن بر عائشة لم يقف عند حياة أخيها بل استمر حتى بعد الموت، فقد أعتقت عائشة عن أخيها عبد الرحمن بعد موتها رقابًا في سبيل الله؛ برًّا به وعرفانًا لجميله.


لقد كانت هذه العلاقة المتينة بين الأخوين متبادلة، فقد كان عبد الرحمن بارًّا بأخته عائشة أيما بر، يخدمها ويقوم بطلباتها، ويزورها عند الشدائد والمحن، ويواسيها في المصائب، وهو الذي خرج بعائشة بعد حجة الوداع بأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعمرها من التنعيم.


وهو صاحب المسواك عندما وقف بجانب أخته عائشة في مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم مات وعائشة مسندته إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سواك رطب فأخذه بصره، فأخذت عائشة ذلك السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستن به أحسن استنان، ثم قال: "اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى".


كما كانت علاقة عائشة بأخيها محمد بن أبي بكر أيضاً علاقة متينة وطيدة، فهو الذي صحبها بعد واقعة الجمل إلى البصرة ومنها إلى المدينة، وسهر في خدمتها، ولما قُتل محمد في مصر، وخلّف ابنًا وبنتًا، ضمتهما عائشة، وشملتهما بحسن الرعاية، وقامت بتربيتهم وتنشئتهم أحسن قيام، حتى أصبح أحد أبنائه درة مضيئة في جبين الدهر، ألا وهو علامة التابعين، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هذا التابعيُّ الجليل، بفضل الله، ثم بفضل تربية عمته له، جمع المجدَ من أطرافه كله، وأصبح أفضلَ أهل زمنه علمًا، وأحدَّهم ذهنًا، وأشدَّهم ورعًا، مع أنه خلفه والده يتيمًا بعد مقتله بمصر، فرجع الطفل القاسم بن محمد بصحبة أسرته مرة ثانية إلى المدينة.


يقول هو عن نفسه واصفاً معاناته: لما قُتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأختي الصغيرة، ومضى بنا إلى المدينة، فما إن بلغناها حتى بعثت إلينا عمَّتي عائشة -رضي الله عنها-، فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها، وربَّتنا في حجـرها، فما رأيتُ والدةً قط، ولا والدًا، أكثر منها برًّا، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم، تغسل أجسادنا، وتمشِّط شعورنا، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب.


وكانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير، وتمرّسنا بفعله، وتنهانا عن الشرِّ، وتحملنا على تركه، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، وكانت تزيدنا برًّا وإتحافًا في العيدين، فإذا كانت عشيِّةُ عرفة حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديدَ، وبعثت بنا إلى المسجد النبوي لنؤدِّي صلاة العيد، فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحَّت بين أيدينا.


وفي ذات يوم ألبستنا ثيابًا بيضًا، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها، وأجلست أختي على ركبتها الأخرى، وكانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن، فلما دخل عليها حيَّته، ثم تكلمت وحمدت اللهَ -عز وجل-، وأثنت عليه بما هو أهلُه، يقول القاسم: فما رأيتُ متكلِّما قطُّ من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصحَ منها لسانًا، ولا أعذبَ منها بيانًا.


ثم قالت: أي أخي! إني لم أزل أراك معرضًا عني منذ أخذتُ هذين الصبيين منك، وضممتُهما إليَّ، وواللهِ! ما فعلتُ ذلك تطاولاً عليك، ولا سوء ظنّ بك، واتِّهامًا لك بالتقصير في حقِّهما، ولكنك رجل ذو نساء، عندك عدة زوجات، وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيتُ أن يرى نساؤُك منهما ما يستقذرنه، فلا يطبن بهما نفسًا، ووجدتُ أني أحقُّ منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال، وها هما الآن قد شبَّا، وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما، وضمَّهما إليك، وطِب بهما نفسًا. فأخَذنا عمي عبدُ الرحمن، وضمَّنا إلى بيته.


يا الله! ما أروع عائشة أمًّا وأختاً، ومعلمة ومربية! ما أروع حرصها على تواصلها مع إخوتها والبر بهم! ما أجمل صراحتها وشفافيتها في هذا الموقف مع أخيها عبدالرحمن! تقدير واحترام، ومصارحة وتنازل، لقد حرصت بحق على جمع قلوب إخوتها وسلامتها من التنافر والتدابر والتي تقع بطبيعة الحال لأسباب دنيوية ومادية، وما أكثرها اليوم في واقعنا المعاصر! وللأسف! فكم من الإخوة والأخوات غيْر الأشقاء، بل حتى والأشقاء، ممن بينهم من التدابر والتنافر والتقاطع ما لا يعلمه إلا الله.


إن عائشة -رضي الله عنها- تعطينا درساً أسرياً عظيماً، بل وَرَبِّي! هي تُقدم منهجاً تطبيقياً رائعاً في روعة العلاقة بين الإخوة والأخوات، وهنا قصة عجيبة يظهر فيها مدى حب الصديقة عائشة لإخوانها وأخواتها، وبرها بهم؛ حتى صرحت أنْ لو كان لها الدنيا لتنازلت لهم، فقد روى مالك والطحاوي والبيهقي وغيرهم، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، (أَيْ: أَعْطَاهَا مَالًا يُجِدُّ منه في كل صرام عِشْرِينَ وَسْقًا، وَالْجَدُّ: صِرَامُ النَّخْلِ).


فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ! مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ! إِنَّمَا هِيَ (أَسْمَاءُ). فَمَنْ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً.


هكذا كان الصديق وقافًا عند حدود الله! وهكذا كانت عائشة بارة بأبيها وإخوانها وأختيها، ليس لتنازلها وبرها حدود: يَا أَبَتِ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ. فما أهون الدنيا كلها أمام اجتماع قلوب الإخوة والأخوات، وحبهم واحترامهم لبعضهم!.


تأملوا علاقة عائشة بأختيها أسماء وأم كلثوم، كانت علاقة ود واحترام وتقدير ومحبة، فأسماء أكبر من عائشة، ومن حبها وتقديرها لها أنها اكتنت بأحد أبناء أسماء وهو عبد الله بن الزبير، فقد كانت تحبه حبًّا، وتعتني به، وتربِّيه.


وأما علاقتها بأختها الصغيرة أم كلثوم فتفوق علاقة الأخت بأختها من تآلف ورحمة، إلى درجة أنها كانت تقوم برعايتها، وتوفير كل ما يسعدها، رغم أنها أختها من أبيها فقط، فقد عاشت الطفلة اليتيمة أم كلثوم بنت الصديق في كنف أختها عائشة -رضي الله عنها-، فربتها على التقوى والصلاح، والعلم والفقه، فهي لم تعاصر أباها، ولم تشاهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


ولما بلغت أم كلثوم مبلغ النساء خطبها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لنفسه بعد أن أشار عليه أحد الصحابة أن يتزوجها؛ إكرامًا لأبيها وصديقه أبي بكر الصديق، فأرسل عمر إلى عائشة يخطب أختها أم كلثوم، فقالت لرسول عمر بن الخطاب: حبًّا وكرامةً، لكن عائشة المحنكة الحكيمة تعلم أن أختها الصغرى لن تتحمل شدة وشظف العيش مع عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين، ورغبت لها زوجًا أكثر لينًا من عمر، فدخل عليها الصحابي المغيرة بن شعبة وهي مهمومة، فسألها عما أهمها، فأخبرته بخطبة عمر بن الخطاب لأختها الصغرى أم كلثوم، وقالت: إنها جارية حدث، وأردتُ لها ألين عيشًا من عمر. فقال لها المغيرة: عليّ أن أكفيكِ عمر.


وخرج من عندها ودخل على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين، قد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر الصديق في أهله، وخطبتك أم كلثوم، فقال عمر: قد كان ذاك. قال المغيرة: إلا أنك يا أمير المؤمنين رجل شديد على أهلك، وهذه صبية حديثة السن، فلا تزال تنكر عليها الشيء، فتضربها فتصيح، فيغمك ذلك، وتتألم عائشة، ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه، فتجدد لهم المصيبة مع قرب عهدها في كل يوم. فعدل عمر عن الزواج بها، وترك خطبتها.


وتزوجت أم كلثوم بالصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد المبشرين بالجنة، طلحة الفياض، وطلحة الجواد، يا الله! ما أرق عائشة وألطفها بأختها الصغيرة اليتيمة، فكم يظلم الأخ أخته اليتيمة، أو أخاه اليتيم بعد موت الأب، وكم من دعاوى وشكاوى في المحاكم في هذا الباب!.


وهكذا تتوالى مواقف عائشة الرائعة مع إخوتها، لترسم لنا منهجاً عملياً في حسن العشرة والصفاء بين الإخوة، والأشقاء، فأين نحن من هذا البر والإحسان؟ هكذا إخوة الإيمان هي العلاقة بين الإخوة والأخوات، وهكذا يكون دور الأخوات في حياة الإخوان، نصحًا وتوجيهًا، ودفاعًا ومواساة، وبرًّا في الحياة وبعد الممات.


إنها المرأة ودورها في صناعة الحياة، دورها في البناء والعطاء، أماً أو زوجة، أو أختاً أو بنتاً. ألا فلنتق الله في الأرحام كما أوصى الله في القرآن: (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء:1]، ولنؤدِّ لكل حق حقه.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

أم الفضل رضي الله عنها

أم الفضل
بنت الحارث بن حزن بن بجير ، الهلالية ، الحرة الجليلة زوجة العباس ، عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأم أولاده الرجال الستة النجباء .

اسمها : لبابة . وهي أخت أم المؤمنين ميمونة ، وخالة خالد بن الوليد ، وأخت أسماء بنت عميس لأمها .

قديمة الإسلام ; فكان ابنها عبد الله يقول : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان . أخرجه البخاري .

فهذا يؤذن بأنهما أسلما قبل العباس ، وعجزا عن الهجرة .

وكانت أم الفضل من علية النساء ، تحول بها العباس بعد الفتح إلى المدينة .

وروت أحاديث .

حدث عنها : ولداها : عبد الله ، وتمام ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن الحارث ، وغيرهم .

خرجوا لها في الكتب الستة .

أحسبها توفيت في خلافة عثمان .

ولها في مسند بقي بن مخلد : ثلاثون حديثا . أعني بالمكرر . واتفق البخاري ومسلم لها على حديث واحد ، وآخر عند البخاري ، وثالث عند مسلم.

وقيل : لم يسلم من النساء أحد قبلها . يعني : بعد خديجة . 

زياد علي

زياد علي محمد