السبت، 7 سبتمبر 2019

الشيخ الدكتور لسعد بن عبدالله بن عبدالعزيز الحميد

الشيخ الدكتور لسعد بن عبدالله بن عبدالعزيز الحميد

كتبها بيده

أولاً: أَرومتي وبلدي:

أنا سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز بن سليمان بن عبدالعزيز بن سليمان بن محمد بن عبدالعزيز بن حُمَيِّد.

يرجع نسبي إلى الوَهَبَة من بني حَنظَلَة من قبيلة تميم.

ولدت عام 1374 هـ، بمدينة الطائف، في أثناء اصطياف بعض أفراد أسرتي فيها.

أما بلدي الأصلي فهو: محافظة أُشَيقر التي تبعد عن مدينة الرياض قرابة 200 كيلو متر غربًا.



ثانيًا: دراستي وعملي:

1- درست مراحل تعليمي كلَّها بمدينة الرياض؛ وبعد إتمامي المرحلة المتوسطة التحقت بالمعهد الملكي

الفني الثانوي - قسم الكهرباء، وأنهيت الدراسة فيه، ثم عملت في وزارة الدفاع والطيران،

ولكن لم يوافق هذا التخصص طموحي، فعدت لدراسة الثانوية العامة ليلاً (نظام السنوات الثلاث)،

والتحقت بالدراسة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين مبتعثًا ابتعاثًا داخليًّا من الشؤون الدينية

 بوزارة الدفاع، وانتهت علاقتي بالوزارة حين كنت في السنة الثانية من الكلية، وأصبحت منتظمًا بنفسي فيها.

2- في الوقت نفسه تولَّيت الخطابة في جامع حي السويدي بمدينة الرياض، وكان ذلك آخر عام 1400هـ وبداية عام 1401هـ.

3- في عام 1402هـ أنهيت دراستي الجامعية.

4- في عام 1403هـ التحقت بالعمل في وزارة العدل بوظيفة باحث شرعي في إدارة البحوث القضائية بالوزارة،

وفي الوقت نفسه انتظمت في الدراسات العليا بقسم السُّنَّة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، وأنهيت السنةَ المنهجية.

5- في عام 1404هـ سجلت رسالة الماجستير في تحقيق القسم الثاني من "اختصار استدراك الحافظ الذهبي

 على مستدرك أبي عبدالله الحاكم" لابن الْمُلَقِّن، بإشراف الأستاذ الدكتور الشيخ: أحمد معبد عبدالكريم،

 وفرغت منها في نهاية عام 1406هـ، ونوقشت في عام 1407هـ، وهي مطبوعة.

6- في عام 1408هـ صدرت موافقة مجلس كلية أصول الدين على موضوع أطروحتي للدكتوراه،

وهي بعنوان: "سعيد بن منصور وكتابه السنن، دراسة وتحقيق من أول التفسير وفضائل القرآن،

 إلى نهاية تفسير سورة المائدة"، وأُسند الإشراف للأستاذ الدكتور عبدالمنعم سيد نجم، وأنجزتها في عام 1412هـ، ونوقشت عام 1413هـ.

7- في بداية عام 1409هـ عُيِّنت محاضرًا بوظيفة معيد بجامعة الملك سعود بالرياض، كلية التربية، قسم الدراسات الإسلامية.

8- في عام 1413هـ بعد فراغي من مناقشة الدكتوراه عُيِّنت بوظيفة أستاذ مساعد بقسم الدراسات الإسلامية.

9- انقطعت عن العمل في الجامعة فيما بين العامين 1416هـ و 1422هـ لأسباب خارجة عن إرادتي.

10- في عام 1427هـ رُقِّيت إلى رتبة أستاذ مشارك، وما أزال بهذه الوظيفة حتى كتابة هذه الأحرف.



ثالثًا: طلبي للعلم:

1- بدأت في طلب العلم بالطريقة التقليدية في المدارس النظامية على ما تقدَّم ذكره.

2- أما طلبي للعلم الشرعي خارج الدراسة النظامية فكان ابتداؤه في سن الثامنة عشرة؛

حين شرعت في حفظ القرآن الكريم على والدي - رحمه الله - الذي كان من الحفَّاظ المتقنين،

وكان إمامًا للأوقات في مسجد جامع عُتَيِّقة بمدينة الرياض، وتوفي رحمه الله في آخر عام 1394هـ

وقد بقي عليَّ من حفظ القرآن تسعة أجزاء؛ لأني شُغِلت بمرضه الذي أقعده واستمرَّ معه قرابة سنتين،

 مع أعباء الدراسة والأسرة؛ فقد كنت وحيد أبَوَيَّ من الذكور.

وقد أفدت من والدي - رحمه الله- أيضًا في بعض ما كان يحسنه من علوم، كغيره من المتوسطين في الطلب

 في مجتمعنا آنذاك؛ فإنه كان حافظًا لبعض المتون العلميَّة؛ كالآجُرُّوميَّة، والرَّحَبيَّة، وكان على معرفة

 - لا بأس بها - بالإعراب، ويجيد قسمة المواريث، مع مشاركة مقبولة في العقيدة والفقه.

3- ثم تعرَّفت إلى فضيلة العلامة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين - حفظه الله - في عام 1393هـ،

وبدأت بطلب العلم على يديه - جزاه ربي عني أفضل الجزاء - ولازمتُه ملازمة، فكنت أختلف إليه في مسجده

 الذي كان يؤمُّه (ويقع في دُخْنَة غرب معهد إمام الدعوة، في وسط الرياض، بجانب بيت الشيخ عبدالرحمن الدُّوسري رحمه الله،

 وموضعه الآن مواقف للسيارات وامتداد شارع الرَّيِّس الموصل إلى المحكمة الكبرى)،

وكنت - إذ ذاك - طالبًا في المعهد الملَكي الفني، وتستمر دراستنا فيه في كثير من الأيام من الصبح إلى العصر،

 ونتناول وجبة الغداء فيه، ثم أتوجه للشيخ بعد العصر فور خروجي من المعهد وقبل ذهابي إلى البيت،

ولم أكن أمتلك سيارة في السنتين الأوليين من طلبي على الشيخ.

4- انقطعت عن درس الشيخ في عام 1395هـ؛ بسبب بعض الظروف الأسرية والاجتماعية وغيرها،

ثم رجعت للدراسة عنده في عام 1400هـ، ولا يزال الدرس مستمرًّا عنده، حفظه الله وبارك في علمه وهمَّته.

5- بدأت في حضور دروس سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - فيما بين عامي 1398هـ إلى 1404هـ،

 وكل من عرف الشيخ يدرك قيمة ما يجنيه من مجالسته من علم وآداب يتخلَّق بها فيما بينه وبين ربِّه،

أو بينه وبين الناس؛ كالإخلاص لله، وتعظيم السُّنَّة، والثبات على الحق، والنصح للناس،

ونفعهم، ومحبة الخير لهم، وغير ذلك من أخلاقه وآدابه رحمه الله.

6- وكان الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - يأتي إلى الرياض أحيانًا فأحرص أنا وبعض الإخوة على لقائه

في المسجد المجاور لبيت أخيه الواقع قريبًا من شارع الشميسي الجديد، فنفيد منه بطريق السؤال والمناقشة،

 وأحببناه كثيرًا لما رأينا فيه من رحابة صدرٍ، وإتاحة فرصة للسؤال والمناقشة، فرحلت إليه مع بعض

الإخوة في صيف 1399هـ، ومكثنا عنده فترة ملازمين لدروسه في الصَّباح والمساء،

(وفي تلك السنة ابتدأ الشيخ شرح زاد المستقنع، وحضرنا بدايته، ولعله الذي طبع بعد ذلك باسم "الشرح الممتع")،

ووافق مكثنا عنده شهر رمضان، ورأينا منه - رحمه الله - من حسن الخلق وكريم السجايا ما أدهشنا!




ومن ذلك: أنه ألزمنا بأن يكون إفطارنا وسحورنا معه.

وبعد رجوعي إلى الرياض لم تنقطع صلتي به؛ إذ كنت دائم الاتصال به هاتفيًّا كلما عرض لي سؤال،

 وكان يجيب على الهاتف كثيرًا، ولم يكن كما هو الحال بعد أن ضاق وقته وازدحم عليه الناس.

7- ومن المشايخ الذين صحبتهم واستفدت منهم: الشيخ عبدالله بن حسن بن قعود - رحمه الله -

حيث كان سكنه قريبًا من سكني فكنت ألتقي به كثيرًا، ونتبادل الزيارات ونجلس الجلسات العامرة

 بالمساجلات العلمية، فواهًا لتلك الجلسات!!

8- ومن المشايخ الذين استفدت منهم كثيرًا: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جنانه -

فقد كنت متابعًا لأشرطته، ناهلاً من تخريجاته وأحكامه على الأحاديث، وتأصيله العلمي للمسائل،

 وكنت حريصًا على لقائه عام 1399هـ أنا والإخوة الذين معي بعد انصرافنا من زيارة الشيخ محمد بن عثيمين،

 لكن لم يُكتب لنا ذلك، ثم لقيته بالمدينة النبوية عام 1403هـ في معرض الكتاب بالجامعة الإسلامية، لكن لم يكن

وقتُه يسمح بالجلوس معه، وكان حينها مريضًا برعشة في رأسه (تراه رحمه الله وكأنه يلتفت يَمنة ويَسرة)،

ثم لقيته بمكة في صيف عام 1410هـ، واجتمعت به في مجالس علمية مفيدة ممتعة، حضر بعضها

عدد من الإخوة الفضلاء؛ كالشيخ محمد الددو الشنقيطي، والشيخ محمد عمر بازمول، والشيخ عايض القرني؛

 حيث ألقى قصيدة في مدح الشيخ، وقد اشتُهر تسجيل ذلك المجلس بين طلبة العلم.

ثم إن الشيخ - رحمه الله - أكرم أهل الرياض برحلته المشهورة في العام نفسه؛ فقدم علينا ومعه أهله،

 واستمتعنا واستفدنا بمجالسه وفوائده، وأكرمني رحمه الله بزيارتي في منزلي، ودعوت معه

الشيخ حمود بن عبدالله التويجري رحمه الله، وكان أول لقاء بينهما، ودعاه الشيخ حمود إلى منزله فأجاب الشيخ دعوته،

 وتناول عنده الإفطار من الغد، وكنا معه في ذلك المجلس الذي حضره بعض المشايخ الفضلاء؛ كالشيخ ناصر العمر،

وأبناء الشيخ الأكارم: الشيخ عبدالله بن حمود التويجري وإخوانه،

كما دعاه أيضًا الشيخ عبدالله بن قعود رحمه الله، وكان مجلسه ذاك عامرًا بالفوائد أيضًا كسائر المجالس.

9- وممن طلبت العلم على يديه: الشيخ عبدالله بن جار الله - رحمه الله - لكن كانت الاستفادة التربوية

 منه تغلب على الاستفادة العلمية، وهو معروف بهذا مُشتهر به، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

10- ومن مشايخي الذين استفدت منهم كثيرًا: الشيخ عبدالرحمن البراك حفظه الله؛

 الذي كان يتولى تدريسنا العقيدة في كلية أصول الدين، ولا تزال علاقتي به حتى كتابة هذه الأحرف،

 أستفيد من علمه ورأيه ومشورته، جزاه ربي عني أفضل الجزاء.

11- ومن مشايخي الذين استفدت منهم كثيرًا: الشيخ الدكتور أحمد معبد عبدالكريم - حفظه المولى ورعاه -

الذي درَّسنا بعض مواد الحديث في السنة الرابعة من الكلية، والسنة المنهجية للماجستير، وتولى الإشراف

على رسالتي للماجستير، ومناقشتي في الدكتوراه، ولا تزال صلتي به والاستفادة منه مستمرة، جزاه الله عني أفضل الجزاء.

وهناك الكثير من المشايخ الذين أفدت منهم في الدراسة النظامية لا أطيل بذكرهم.




رابعًا: النتاج العلمي:

1- تحقيق النصف الثاني من "مختصر استدراك الذهبي على مستدرك أبي عبدالله الحاكم" وهو القسم الذي نلت

 به شهادة الماجستير، وهو مطبوع مع النصف الأول في دار العاصمة بالرياض عام 1411هـ.

2- تحقيق "سنن سعيد بن منصور" جزء منه أطروحتي للدكتوراه، وبعضه تتمَّة لهذا العمل،

 ولا يزال فيه بقية تنتهي قريبًا بإذن الله، وهو مطبوع بدار الصميعي بالرياض، عام 1414هـ، والتتمة مطبوعة سنة 1417هـ.

3- تحقيق "مسند عبدالله بن أبي أوفى" ليحيى بن صاعد - جزء حديثي - وهو مطبوع بمكتبة الرشد بالرياض، عام 1408هـ.

4- تحقيق كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" لابن دقيق العيد في أربعة مجلدات، وهو مطبوع بدار المحقق بالرياض، عام 1420هـ.

5- تحقيق "غرر الفوائد المجموعة في ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" للرشيد العطار،

 وهو مطبوع بمكتبة المعارف، عام 1421هـ.

6- "آداب الغذاء في الإسلام"، رسالة صغيرة، وهي من منشورات دار الصميعي بالرياض، سنة 1416هـ،

وأصلها بحث ألقيته في "الندوة السعودية الثانية للغذاء والتغذية" التي أقامتها كلية الزراعة بجامعة الملك سعود بالرياض،

في الفترة من 4 إلى 7 جمادى الآخرة سنة 1415هـ، ونشر في إصدارات تلك الندوة (ص21-46).

7- "حكم صوم يوم السبت"، وهو مطبوع بدار التوحيد للنشر، سنة 1426هـ.

8- "حكم الشرب قائمًا" وهو مطبوع بدار التوحيد للنشر، سنة 1426هـ.

9- تحقيق جزء حديثي في بيان أحاديث أودعها البخاري رحمه الله كتابه الصحيح،

 وبيَّن عللها الحافظ الدارقطني، وهو مطبوع بدار الصميعي، سنة 1427هـ.

10- تحقيق المجلد الثاني من "الاعتصام" للشاطبي، الذي قام الدكتور محمد الشقير بتحقيق المجلد الأول منه،

 والدكتور هشام الصيني بتحقيق المجلد الثالث منه، وتقوم على نشره دار ابن الجوزي بالدمام، ويتوقع صدوره الأيام القريبة المقبلة.

11- الإشراف والمشاركة في تحقيق "كتاب العلل" لابن أبي حاتم الرازي، وقد طبع الكتاب سنة 1427هـ.

12- الإشراف والمشاركة في تحقيق "سؤالات السلمي للدارقطني"، وقد طبع الكتاب سنة 1427هـ.

13- الإشراف والمشاركة في تحقيق قطعة من المجلد الحادي والعشرين من "معجم الطبراني الكبير"، وقد طبع الكتاب سنة 1427هـ.

14- الإشراف والمشاركة في تحقيق المجلدين الثالث عشر، والرابع عشر من "معجم الطبراني الكبير"، وهو في طريقه للنشر إن شاء الله.

15- الإشراف والمشاركة في تحقيق "آفة أهل الحديث" لابن الجوزي، وهو في طريقه للنشر إن شاء الله.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه،

وأن تكون حجة لنا لا علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

قادة لا تنسى ( بايزيد الأول .. صاعقة الإسلام )


بايزيد الأول .. صاعقة الإسلام
السلطان بايزيد الأول سلطان الروم وصاعقة الإسلام، والفاتح الكبير والمجاهد العظيم، كان علمًا من أعلام الجهاد، بلغت الدولة العثمانية في عهده من العزَّة والمجد ما ذَكَّر المسلمين بأيام الصحابة والرسول –صلى الله عليه وسلم؛ فهو صاحب النصر في معركةنيكوبوليسالتي كانت من أيام المسلمين الخالدة.

نشأة بايزيد الأول

كان في غاية الشجاعة والحماسة للجهاد في سبيل الله –عز وجل، غير أنه امتاز عمَّن سبقوه بسرعة الحركة وقوَّة الانقضاض على أعدائه؛ حتى لُقِّب بالصاعقة أو يلدرم باللغة التركية، وكان مجرَّد ذكر اسم يلدرم يُوقع الرعب في نفوس الأوربيين عمومًا، وأهل القسطنطينية خصوصًا، تولَّى بايزيد الحُكم بعد استشهاد أبيه مراد الأول في معركة (قوصوه) كوسوفا سنة (791هـ= 1389م).

فتوحاته في الأناضول

كانت دائمًا منطقة الأناضول أو آسيا الصغرى هي منطقة الانطلاق لأي سلطان عثماني جديد؛ ذلك لأن هذه المنطقة منقسمة على نفسها إلى عدَّة إمارات صغيرة؛ يحكمها أمراء متغلِّبُونَ على رقاب المسلمين فيها، وقد سعى السلطان مراد الأول إلى توحيد الأناضول بعدَّة وسائل، ولم يَكَدْ ينجح في ذلك حتى انفرط الْعِقْد مرَّة أخرى، فقد ثار هؤلاء الأمراء على العثمانيين، وسبَّبُوا لهم الكثير من المتاعب، وكانت ثوراتهم المتكرِّرة سببًا في صرف جهود العثمانيين عن حرب أوربا؛ وهذا ما جعل الأوربيين يلتقطون أنفاسهم، ويُشَكِّلُون تحالفات صليبية متكرِّرة لمحاربة العثمانيين.

وفي سنة (793هـ= 1391م) استطاع بايزيد أن يضمَّ إمارات: منتشا، وآيدين، وصاروخان دون قتال؛ وذلك بِنَاءً على رغبة سكان هذه الإمارات، وقد لجأ حُكَّام هذه الإمارات إلى إمارة إصفنديار، كما تنازل له أمير القرمان علاء الدين عن جزء من أملاكه بدلًا من ضياعها كلها، وقد اشتهر علاء الدين هذا بالغدر والخيانة، وأخبارُ جرائمه أيام السلطان مراد الأول مشهورة؛ لذلك فلم يكن مستغربًا على هذا الرجل أن يثور مرَّة أخرى أيام بايزيد؛ مستغلًّا انشغاله بالجهاد في أوربا؛ حيث قام علاء الدين بالهجوم على الحاميات العثمانية وأَسَرَ كبار قادة العثمانيين، واستردَّ بعض الأراضي، فعاد بايزيد بسرعته المعهودة وانقضَّ كالصاعقة على علاء الدين، وفَرَّق شمله، وضمَّ إمارة القرمان كلها إلى الدولة العثمانية، وتبعتها إمارة سيواس وتوقات، ثم شقَّ بايزيد الأول طريقه إلى إمارة إصفنديار؛ التي تحوَّلت إلى ملجأ للأمراء الفارِّين، وطلب بايزيد من أمير إصفنديار تسليم هؤلاء الثوَّار فأبى؛ فانقضَّ عليه بايزيد الصاعقة وضمَّ بلاده إليه، والتجأ الأمير ومَنْ معه إلى تيمورلنك.

فتوحات بايزيد الصاعقة في أوربا

بعدما فرغ بايزيد الأول من ترتيب الشأن الداخلي، والقضاء على ثورات الأناضول؛ اتَّجه إلى ناحية أوربا وبدأ أُولى خطواته هناك، وذلك بإقامة حِلْفٍ ودِّيٍّ مع الصرب، وتزوَّج بايزيد من أوليفير أخت الملك أصطفان بن لازار ملك الصرب؛ وبذلك أصبحت صربيا بمنزلة الحاجز القوي بين الدولة العثمانية وإمبراطورية المجر، التي كانت وقتها أقوى الممالك الأوربية، وتُلَقَّبُ بحامية الصليب، وكانت عَلاقة المجر والصرب متوتِّرة، فاستغلَّ بايزيد ذلك للتفرُّغ للدولة البيزنطية.

كان بايزيد (صاعقة الإسلام) يهدف من محالفته للصرب إلى التفرُّغ للوسط الأوربي والقسطنطينية؛ لذلك فقد قام بتوجيه ضربة خاطفة إلى بلغاريا وفتحها سنة (797هـ= 1394م).
وأصبحت بلغاريا من وقتها إمارة تابعة للدولة العثمانية، وفرض بايزيد على إمبراطور بيزنطة مانويل عدَّة شروط؛ منها:
1- إنشاء محكمة إسلامية، وتعيين قضاة مسلمين بها؛ للفصل في شئون الرعية المسلمة بها.
2- بناء مسجد كبير بها، والدعاء فيه للخليفة العباسي بمصر، ثم السلطان بايزيد، وذلك يوم الجمعة.
3- تخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية المسلمة بها.
4- زيادة الجزية المفروضة على الدولة البيزنطية.

معركة نيكوبوليس

كان سقوط بلغاريا وقبول مانويل للشروط السابقة كجرس الإنذار القوي لكلِّ الأوربيين؛ خاصَّة ملك المجر سيجسموند والبابا بونيفاس التاسع، فاتَّفق عزمُ الرجلين على تكوين حلف صليبي جديد لمواجهة العثمانيين، واجتهد سيجسموند في تضخيم حجم هذا الحلف وتدويله، باشتراك أكبر قدرٍ ممكن من الجنسيات المختلفة؛ وبالفعل جاء الحلف ضخمًا يضمُّ مائة وعشرين ألف مقاتل من مختلَف الجنسيات؛ مثل: ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، وأسكتلندا، وسويسرا، وإيطاليا، ويقود الحلف سيجسموند ملك المجر، تحرَّكت الحملة الصليبية، وانحدروا مع نهر الدانوب، حتى وصلوا إلى مدينة نيكوبوليس في شمال البلقان، ولم يَكَدِ الصليبيون يدخلون المدينة حتى ظهر بايزيد ومعه مائة ألف مقاتل، وانتهت المعركة بنصر مبين للمسلمين، ذَكَّرَهُمْ بأيام المسلمين الأولى كبدر واليرموك .



معركة نيكوبوليس

وعلى الرغم من القضاء على القوات الصليبية فإن السلطان بايزيد انزعج لكثرة قتلى المسلمين في المعركة؛ التي قُدِّرَتْ بـ(30000) بثلاثين ألف قتيل! وتذكَّر السلطان بايزيد ما فعله الصليبيون بالحاميات الإسلامية في بلغاريا والمجر، فأمر السلطان بايزيد بقتل الأسرى كلهم (3000) ثلاثة آلاف أسير وفي رواية أخرى (10000) عشرة آلاف، ولم يُبْقِ إلَّا أكابر وعلية القوم؛ وذلك للحصول على فدية ضخمة منهم، وممَّن وقع في الأسر «الكونت دي نيفر»، أحد أكبر الأمراء في الجيش الصليبي، الذي أقسم بأغلظ الأيمان ألَّا يعود إلى محاربة المسلمين، وكاد أن يُقَبِّل قدم السلطان، لكنْ كان ردُّ السلطان بايزيد الأول المعتزّ بدينه، أن قال له: «إني أُجيز لك ألَّا تحفظ هذا اليمين؛ فأنت في حلٍّ من الرجوع إلى محاربتي وقت ما شئتَ». ثم استطرد قائلاً كلمته الشهيرة التي خَلَّدها له التاريخ، وكتبها من حروف من ذهب: «إذ إنه ما من شيء أحبّ إليَّ من محاربة جميع مسيحيِّي أوربا والانتصار عليهم».

نزل خبر الهزيمة على مسيحيِّي أوربا مثل الصاعقة، وانتظر المسيحيون سقوط الممالك المسيحية واحدة تلو الأخرى في قبضة السلطان بايزيد (صاعقة الإسلام)؛ وعلى النقيض أرسل السلطان بايزيد الرسائل إلى ملوك وسلاطين المسلمين في القاهرة وبغداد وبلاد ما وراء النهر، ومعها بعض الأسرى كدليل مادِّيٍّ على النصر المبين، وخلع عليه الخليفة في القاهرة أبو عبد الله محمد بن المعتضد المتوكل على الله لقب «سلطان الروم»، فأضاف بذلك شرعية جهاده ضد المسيحيين في أوربا.

وتُعتبر معركة نيكوبوليس بالنسبة إلى المسيحيين أعظم كارثة على الإطلاق في العصور الوسطى، وبلغ السلطان بايزيد قمَّة مجده بعد تلك المعركة، وفي نشوة الفرح والانتصار أعلن السلطان: «أنه سيفتح إيطاليا بإذن الله، وسيُطعم حصانه الشعير على مذبح كنيسة القديس بطرس في روما».

كارثة تيمورلنك

ظهرت أثناء تلك الفترة قوَّة بشرية ضخمة يقودها تيمورلنك؛ حيث استطاع هذا الرجل أن يُؤَسِّس إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف؛ فضمَّ بلاد ما وراء النهر وبلاد الشام والهند وموسكو وآسيا الصغرى.
وكان تيمورلنك يُؤْمِن أنه ما دام يُوجد في السماء إلهٌ واحد، فيجب أن يُوجد في الأرض ملكٌ واحد؛ فكان يَحْلُم بالسيطرة على العالم!
وما فرح ملوك أوربا بشيءٍ مثل فرحهم بظهور تيمورلنك؛ الذي وجدوا فيه خلاصهم الوحيد من السلطان بايزيد الأول، كما ارتحل كثير من أمراء الأناضول -الذين طردهم السلطان بايزيد الأول- إلى خدمة تيمورلنك واحتموا به، وبلغ ذلك إمبراطور بيزنطة وأمراء أوربا؛ فأرسلوا إلى تيمورلنك يستنجدون به من السلطان بايزيد الأول، وأوقدوا العداوة بينهما، وبالفعل طمع تيمورلنك في أملاك الدولة العثمانية، وبدأ بالهجوم على أطرافها في آسيا الصغرى، وانضمَّ إليه الأمراء الفارِّين من بايزيد الأول.

وهذا ما أزعج السلطان بايزيد إلى حدٍّ كبير؛ فصمَّم على ملاقاة هذا الطاغية وقتله، وخصوصًا بعد رسالة تيمورلنك إلى السلطان بايزيد؛ حيث أهانه ضمنيًّا حين ذَكَّره بغموض أصل أسرته، واستصغار شأنه، ولكنه ختم الرسالة بأن عرض عليه العفو على اعتبار الخدمات الجليلة التي قام بها آل عثمان لخدمة الإسلام!
فصمَّم السلطان بايزيد على محاربة الطاغية تيمورلنك، ثم يتفرَّغ بعد ذلك إلى فتح القسطنطينية، الذي كان وشيكًا جدًّا.

معركة أنقرة

في عام (408 هـ= 1402م) احتلَّ تيمورلنك سيواس في الأناضول، وأباد حاميتها هناك؛ التي كان يقوها أرطغرل ابن السلطان بايزيد، ولم يكتفِ بذلك بل أخذ الفرسان وأحنى رءوسهم بين أرجلهم، وألقاهم في خنادق واسعة وردمهم بالتراب!

هذه الصورة تم تصغيرها . إضغط على هذا الشريط لرؤية الصورة بحجمها الطبيعي . أبعاد الصورة الأصلية 635x450 .


معركة أنقرة بين تيمورلنك وبايزيد الأول

انزعج السلطان بايزيد واستصوب رفع الحصار عن القسطنطينية وملاقاة هذا الطاغية؛ فاجتمع الجيشان في سهل أنقرة في (19 من ذي الحجة 804هـ= 20 يوليو 1402م)، وقد كان في جيش بايزيد الأول آلاف من التتر، وكان قد أرسل لهم تيمورلنك سرًّا كتابًا يُخبرهم بأن ينضمُّوا إليه ويتركوا السلطان بايزيد، وأخبرهم: «نحن جنس واحد، وهؤلاء تركمان ندفعهم من بيننا، ويكون لكم الروم عوضهم». فأجابوه وواعدوه أنهم عند اللقاء يكونون معه!

ولم يَكَدْ يلتقي الجيشان في أنقرة حتى فرَّ الجنود التتر الذين كانوا في جيش بايزيد وجنود الإمارات الآسيوية التي فتحها منذ عهد قريب، وانضمُّوا إلى جيش تيمورلنك، فانتصر المغول، وكانت من ضمن أسباب الهزيمة اندفاع وعجلة بايزيد، فلم يُحسن اختيار المكان الذي نزل فيه بجيشه الذي لم يكن يزيد عن مائة وعشرين ألف مقاتل، بينما كان جيش خصمه لا يقلُّ عن ثمانمائة ألف، ومات كثير من جنود بايزيد عطشًا لقلَّة الماء، وكان الوقت صيفًا شديد القيظ.

أسر السلطان بايزيد الصاعقة

ووقع في المعركة السلطان بايزيد الأول في الأسر، واختلفت الروايات في كيفية معاملة تيمورلنك للسلطان المجاهد العظيم بايزيد الأول؛ فمنهم مَنْ قال: إنه أهانه ووضعه في قفص وأخذ يطوف به البلاد. ومنهم مَنْ يقول: إنه أكرمه وعظَّم شأنه. ولا ندري حقيقة كيف عُومل السلطان المجاهد الصاعقة بايزيد الأول، لكنْ ما ثبت في كتب التاريخ عمَّا فعله تيمورلنك عند وفاة السلطان بايزيد الأول يدلُّنا على أن تيمورلنك أحسن معاملة السلطان بايزيد في أسره.



وفاة بايزيد الصاعقة

مات السلطان بايزيد الصاعقة بعد ثمانية شهور كمدًا في أسره في (15 من شعبان 805هـ= 10 من مارس 1403م)، فظلَّ يرسف في أغلاله حتى مات رحمه الله تعالى، لم يتحمَّلِ الذلَّ والهوان والأسر، ولِمَ لا وهو السلطان المجاهد العظيم الصاعقة؛ الذي تَعَوَّد على النصر، والذي لم يركن إلى الراحة يومًا واحدًا، وظلَّ في جهادٍ دام أكثر من أربعة عشر عامًا، ووصلت جيوشه أماكن لم تُرفع فيها راية للمسلمين من قبلُ، ورُفع الآذان في عهده في القسطنطينية التي كادت أن تُفتح على يديه، وهو السلطان الذي ارتعدت فرائص ملوك الروم عند ذِكْر اسمه!

وعندما مات السلطان بايزيد الأول سمح تيمورلنك لابنه الأمير موسى بأخذ جثمان أبيه، ودفنه العثمانيون بجوار مسجده في مدينة بروصة في الأناضول، وقبره بها ما زال معلومًا إلى الآن، مات السلطان بايزيد الأول وقد بلغ من العمر 44 عامًا.

لقد كانت الصدمة شديدةً جدًّا على المسلمين في أنحاء الأرض؛ حتى إن تيمورلنك قام بفتح بعض البلاد الساحلية الصليبية وانتزعها من أيدي فرسان القديس يوحنا؛ محاولًا بذلك أن يُبَرِّر موقفه أمام الرأي العام الإسلامي، الذي اتهمه بأنه وَجَّه ضربة قاضية وشديدة للإسلام حين قضى على الدولة العثمانية وقضى على السلطان المجاهد العظيم الصاعقة بايزيد الأول.

الدكتور سليمان بن قاسم بن محمد العيد

الدكتور سليمان بن قاسم بن محمد العيد

الاسم: سليمان بن قاسم بن محمد العيد.

الجنسية: سعودي.

المؤهل: دكتوراه.

التخصص: الدعوة والاحتساب.

الدرجة العلمية: أستاذ.

العمل الحالي: رئيس قسم الثقافة الإسلامية وعضو هيئة تدريس /جامعة الملك سعود / كلية التربية.



أولاً: الجانب الدراسي:

• معهد إعداد المعلمين الثانوي عام 1392/1393هـ.

• دبلوم كلية متوسطة تخصص (رياضيات وعلوم) بتقدير ممتاز عام 1397/1398هـ.

• بكالوريوس من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / كلية الدعوة والإعلام بالرياض / تخصص دعوة واحتساب عام1407هـ.

• ماجستير من كلية الدعوة والإعلام بالرياض في تخصص دعوة واحتساب بتقدير ممتاز عام 1412 هـ.

والرسالة بعنوان (المنهاج النبوي في دعوة الشباب).

• دكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الدعوة والإعلام بالرياض في تخصص الدعوة عام 1417هـ.

والرسالة بعنوان (منهج أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه في الدعوة إلى الله).

• حضور عدد من الدورات التدريبية.



ثانياً: الجانب العملي:

• الخدمة في التعليم مدة 26 سنة في المراحل التعليمية الثلاث، الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية،

 ما بين التدريس والعمل الإداري، وذلك من عام 1392هـ، حتى عام 1418هـ.

• عضو هيئة تدريس في قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية، جامعة الملك سعود من 1/3 1418هـ.

• وكيل قسم الثقافة الإسلامية من 1/3/1426هـ.

• مستشار غير متفرغ بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مدة ثلاث سنوات من 10/6/1418 إلى 10/6/1421 هـ.

• نائب رئيس الجمعية العلمية السعودية للدراسات الدعوية.

• عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للدراسات التربوية والنفسية (جستن) وأمين المال.

• عضو الجمعية العلمية السعودية للعقيدة والأديان والمذهب المعاصرة.

• عضو مجلس إدارة لجنة شباب أوربا الشرقية في الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

• عضو لجنة تأليف مقرر (104سلم) "النظام السياسي في الإسلام" بجامعة الملك سعود.

• عضو اللجنة الإعلامية برابطة العالم الإسلامي (سابقاً).

• عضو اللجنة الاستشارية لبرامج التراجم في قناة المجد الفضائية (سابقاً).

• عضو هيئة تدريس معار للجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد (سابقاً).

• رئيس قسم الدعوة والثقافة بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد (سابقاً).

• عضو مجلس كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد. (سابقاً).

• خطيب جامع الملك فيصل بإسلام أباد (سابقاً).

• إلقاء العديد من المحاضرات والكلمات التي تنظمها وزارة الشؤون الإسلامية وغيرها من الجهات الدعوية.



الجانب العلمي:

أولاً: الكتب المؤلفة:

• كتاب المنهاج النبوي في دعوة الشباب.

• كتاب صور من حياة الشباب في صدر الإسلام.

• كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – الحث على فعله والتحذير من تركه.

• كتاب التربية الإيمانية للشباب.

• رسالة في الحج عل هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

• كتاب منهج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدعوة إلى الله.

• كتاب النظام السياسي في الإسلام.

• كتاب التربية الخلقية بين الإسلام والعولمة (تحت الطبع).

• كتاب الوقاية من انحراف الأولاد من منظور إسلامي (تحت الطبع).



ثانياً: البحوث المحكمة:

• الوقاية من انحراف الأولاد من منظور إسلامي.

• اقتران الأسماء الحسنى في أواخر الآيات من سورة البقرة.

• دعوة موسى لفرعون في القرآن الكريم والتوراة المحرفة – دراسة مقارنة.

• دعوة عيسى (عليه السلام) في الكتاب والسنة.

• عقيدة اليهود في الصفات – دراسة نقدية في ضوء الكتاب والسنة.

• النبوة والأنبياء عند اليهود في العهد القديم.

• دعوة الأقربين في القرآن الكريم.

• صلح الحديبية دراسة دعوية.

• حديث مالك بن الحويرث "أتينا النبي صلى الله عليه وسلم..." دراسة دعوية.

• الدعاء وأثره في الدعوة إلى الله.

• التربية الخلقية بين الإسلام والعولمة.



ثالثاً: الإشراف ومناقشة الرسائل العلمية:

تم الإشراف ومناقشة عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه في تخصص الدعوة والعقيدة، منها على سبيل المثال:

1 - الاحتساب على منكرات النساء في العصر الحاضر - دكتوراه.

2 - دعوة النساء في السجون - دكتوراه.

3 - نهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان بالغيب - دكتوراه.

4 - واقع الدعوة إلى الله في الدولة السعودية الثانية - دكتوراه.

5 - الوظيفة الدعوية لخطبة الجمعة - دراسة ميدانية - دكتوراه.

6 - العولمة دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية - ماجستير.




الدورات التدريبية:

تم حضور عدد من الدورات التدريبة منها:

1 - التحليل الإحصائي باستخدام الحاسب الآلي – برنامج SPSS.

2 - دورات في الإحصاء والرياضيات.

3 - دورة في الخط العربي.

4 - دورة في في الحاسب الآلي (نظام التشغيل – الوورد – الإكسل- البويربوينت- الآوت لوك).




المؤتمرات والندوات:

• المشاركة في المؤتمر العالمي الثامن للندوة العالمية للشباب الإسلامي المقام في العاصمة الأردنية عمان عام 1418هـ،

 ببحث بعنوان (المنهج النبوي في مواجهة التحديات العقائدية للشباب والاستفادة منه في العصر الحاضر).

• المشاركة في ندوة الشيخ ابن باز وجهوده في العمل للإسلام والدعوة إلى الله المقامة

 في جامعة الملك خالد – أبها – 18-20/8/1421هـ،

 ببحث بعنوان (تعليقات الشيخ ابن باز على ابن حجر في فتح الباري في مسائل العقيدة ومنهجه فيها).

• المشاركة في ندوة (العولمة وأولويات التربية) المقامة في جامعة الملك سعود – ربيع الأول 1425هـ،

 في بحث بعنوان (التربية الخلقية بين الإسلام والعولمة).

• المشاركة في مؤتمر: التعليم في الأمة الإسلامية.... الواقع والمستقبل، 14-19 مارس 2005م،

 في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، في بحث بعنوان (الجانب التربوي في الأنشطة الطلابية).

• المشاركة في ندوة (مقررات الثقافة الإسلامية بين واقعها والمتغيرات) – جامعة الملك فيصل،

في الفترة 27 – 28 /10/1426هـ، بورقة عمل بعنون (تطوير متطلبات جامعة الملك سعود

من مقررات الثقافة الإسلامية – تجربة قسم الثقافة الإسلامية).

• المشاركة في ندوة الجامعات الإسلامية ودوره في بناء المجتمع، الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد،

 في الفترة 13-19 صفر 1427هـ، ببحث بعنوان "المسابقات الثقافية الطلابية وأثرها في تربية الطلاب".

• حضور المؤتمر الدولي "موقف الإسلام من الإرهاب" جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،

الرياض، في الفترة 1-3 ربيع الأول 1425هـ.

• حضور ندوة "إعداد المعلم وتطويره في ضوء المتغيرات المعاصرة " جامعة الملك سعود 1427هـ.

• المؤتمر العالمي العاشر "الشباب وبناء المستقبل" الندوة العالمية للشباب الإسلامي، القاهرة، 30/10- 2/11/1427هـ.

• ندوة "الجودة في التعليم"، الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (حستن) المقام في القصيم 28- 29/4/1428هـ.

• المؤتمر العالمي الخامس "العالم الإسلامي والغرب: الحواجز والجسور) ماليزيا، الجامعة الإسلامية العالمية، 12- 14 شعبان 1427هـ.



المشاركات الإعلامية:

مشاركات عديدة في الإذاعة والتلفزيون والصحافة منها على سبيل المثال:

• إعداد وتقديم ثلاثين حلقة إذاعية تحت عنوان (مع الصحابة في رمضان)

 تم إذاعتها في إذاعة القرآن الكريم في شهر رمضان عام 1418هـ.

• إعداد وتقديم ثلاث عشرة حلقة إذاعية تحت عنوان (الحج وتزكية النفس) تم إذاعتها في حج عام 1418هـ.

• إعداد وتقديم برنامج إذاعي أسبوعي تحت عنوان (حياة الشباب في صدر الإسلام)

 أذيع منه قرابة 140 حلقة بواقع عشر دقائق للحلقة الواحدة.

• برنامج إذاعي أسبوعي في إذاعة الرياض البرنامج العام بعنوان (الأسوة الحسنة).

• برنامج إذاعي يومي في شهر رمضان المبارك عام 1427هـ في إذاعة القرآن الكريم بعنوان (من حياة الأتقياء).

• إعداد وتقديم ثلاث حلقات إذاعية في برنامج (حديث من القرآن).

• المشاركة في عدد من الندوات الإذاعية، منها على سبيل المثال: ثلاث ندوات عن الحج، وثلاث ندوات عن الثواب والعقاب في التربية.

• المشاركة في عدد من الندوات التلفزيونية في برنامج (الإسلام والحياة) تم بثها.

• المشاركة في ثلاث ندوات تلفزيونية في برنامج (التوعية الإسلامية في الحج) تم بثها.

• المشاركة في عدد من البرامج المباشرة وغير المباشرة في بعض القنوات الفضائية.

• إضافة إلى الكتابة في عدد من الصحف والمجلات.

رجال حول الرسول = أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ

أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ

جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين..
وجاء دور عبد الله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه.
ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبد الله..
وذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام، فقد خشي عبد الله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه، أن يكون عند الله من السابقين..
هنالك سأل أباه قائلا: " لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟
فأجابه عمر:
" ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك..
وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك"..!
فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟
انه أسامة بن زيد.
كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ..
أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول:
" أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه"..
وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي..
أسامة هذا ابنه..
وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته،
لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء..
فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود، أفطس..

أجل.. بهاتين الكلمتين، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..!!
ولكن، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟
متى.. ورسوله هو الذي يقول:
" ألا ربّ أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه"..
فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن..
لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان..
ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته..؟!
لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره:
" ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا".

**

كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه..
فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه.
وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء..

وهو رضي الله عنه على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة..
وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود..
ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها..
فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال:
(ان أكرمكم عند الله أتقاكم) ..
وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد..
ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة، وفوزا، وعن يمينه ويساره بلال،

وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة..

**

وفي سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!!
وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب، أسامة بن زيد، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين..
وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
" ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد..
ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل..
وان كان أبوه لخليقا للامارة..
وان أسامة لخليق لها..
وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه..
واني لأرجو أن يكون من صالحيكم..
فاستوصوا به خيرا"..
وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه:
" أنفذوا بعث أسامة..
أنفذوا بعث أسامة.."

وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة الى غايته، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة.
وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم.
وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية.
وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ:
" ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!!

**

وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا، عاشه أسامة، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية.

قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين.
وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة..

ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر.

ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ:
".. فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال:
حدّثني..
فجعلت أحدّثه.. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته.
فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
ويحك يا أسامة..!
فكيف لك بلا اله الا الله..؟
ويحك يا أسامة..
فكيف لك بلا اله الا الله..؟
فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته. واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد.
فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم".

**

هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه جياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا.
وانه لدرس بليغ.
درس يكشف عن انسانية الرسول، وعدله، وسموّ مبادئه، وعظمة دينه وخلقه..
فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركا ومحاربا..
وهو حين قال: لا اله الا الله.. قالها والسيف في يمينه، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد..
ومع هذا، فلأنه قالها، وتحرّك بها لسانه، يصير دمه حراما وحياته آمنة، في نفس اللحظة، ولنفس السبب..!
ووعى أسامة الدرس الى منتهاه..
فاذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قل: لا اله الا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا، ومسلمون حقا..؟
وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الامام علي وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا.

كان يحبّ عليّا أكثر الحب، وكان يبصر الحق الى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو لذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله الا الله..؟؟!!

هنالك أرسل الى الامام علي رسالة قال فيها:
" انك لو كنت في شدق الأسد،
لأحببت أن أدخل معك فيه.
ولكن هذا أمر لم أره"..!!
ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب..
وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم:
" لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا".
قال أحدهم له: ألم بقل الله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ..؟؟
فأجابهم أسامة قائلا:
" أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله"..

وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول..
وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين

أمنا خديجة..كلا والله لا يخزيك الله أبدا

الخطبة الأولى:

أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ-  وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عز وجل – ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: قَلِيلٌ هُم أُولَئِكَ الأَفذَاذُ مِنَ البَشَرِ، الَّذِينَ يُبقِي لهمُ التَّارِيخُ سِيرَةً وَذِكرًا، أَو يُعلِي لهم ثَنَاءً وَصِيتًا، أَو يَحفَظُ لهم تَأثِيرَهُم في غَيرِهِم، وَإِذَا كَانَ المُؤَثِّرُونَ في الحَيَاةِ مِنَ الرِّجَالِ قَلِيلِينَ في جِنسِهِمُ البَشرِيِّ، فَإِنَّ النِّسَاءَ اللاَّتي خَلَّدَ التَّارِيخُ أَسمَاءَهُنَّ بِمِدَادٍ مِن نُورٍ، أَو حَفِظَ لهنَّ مَوَاقِفَهُنَّ المُشَرِّفَةَ عَلَى صَحَائِفَ مِن ذَهَبٍ، كُنَّ أَقَلَّ مِنَ الرِّجَالِ بِكَثِيرٍ، حَتى لَيَستَطِيعُ العَادُّ أَن يَعُدَّهُنَّ عَلَى الأَصَابِعِ أَو يَكَادُ. أَلا وَإنَّ مِن أُولَئِكَ النِّسَاءِ العَظِيمَاتِ وَالعَقَائِلِ الشَّرِيفَاتِ، "خَدِيجَةَ بِنتَ خُوَيلِد –رضي الله عنها-ٍ، أُولى زَوجَاتِ النَّبيِّ الكَرِيمِ - عليه الصلاة والسلام - وَأُمُّ أَولادِهِ وَبنَاتِهِ وَأَحفَادِهِ، وَأَوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ.

كَانَت تِلكَ السَّيِّدَةُ الكَرِيمَةُ وَالشَّرِيفَةُ العَفِيفَةُ مِن أَفضَلِ نِسَاءِ أَهلِ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، شَهِدَ لها بِذَلِكَ مَن لا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، فَقَالَ - عليه الصلاة والسلام - : ((خَيرُ نِسَائِهَا مَريمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَيرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَقَالَ - عليه الصلاة والسلام -:  (( خَيرُ نِسَاءِ العَالمِينَ أَربَعٌ: مَريمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنتُ محمَّدٍ، وَآسِيَةُ امرَأَةُ فِرعَونَ )) رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وُلِدَت  - رضي الله عنها -  وَنَشَأَت في بَيتٍ مِن أَعرَقِ بُيُوتِ قُرَيشٍ نَسَبًا وَأَعلاهُم حَسَبًا، فَوَرِثَت عَن أَبَوَيهَا جَمَالَ الخَلْقِ وَحُسنَ الخُلُقِ، في بِيئَةٍ مُلتَزِمَةٍ بِالأَخلاقِ الفَاضِلَةِ، بَعِيدًا عَمَّا كَانَت كَثِيرٌ مِن بُيُوتِ قُرَيشٍ غَارِقَةً فِيهِ مِنَ المَلاهِي وَالشَّهَوَاتِ، وَفي ظِلِّ هَذِهِ العَائِلَةِ الكَرِيمَةِ وَفي بَيتِ غِنىً وَنَعِيمٍ وَثَرَاءٍ، مَعرُوفٍ بِإِطعَامِ الطَّعَامِ وَإِكرَامِ الضَّيفِ وَمُسَاعَدَةِ الفَقِيرِ وَقَضَاءِ حَاجَةِ المُحتَاجِ، عَاشَت - رضي الله عنها - حَيَاةَ أَبنَاءِ العَوَائِلِ الشَّرِيفَةِ الكَبِيرَةِ، فَشَبَّت مُنَعَّمَةً مُترَفَةً، غَيرَ أَنَّهَا لم تَتَأَثَّرْ في خُلُقِهَا بِكُلِّ ذَلِكَ، فَبَقِيَت عَلَى أَفضَلِ مَا تَكُونُ عَلَيهِ الشَّرِيفَاتُ مِن: رَجَاحَةِ العَقلِ وَرَزَانَةِ الفِكرِ وَنَزَاهَةِ السِّيرَةِ، حَتى أُطلِقَ عَلَيهَا بَينَ قَومِهَا لَقَبَ الطَّاهِرَةِ، وَحَتى عُرِفَت بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ قُرَيشٍ، وَحَتى كَانَت نِسَاءُ مَكَّةَ إِذَا خَرَجنَ مَعَهَا إِلى البَيتِ العَتِيقِ، خَرَجنَ وَطُفنَ مُتَسَتِّرَاتٍ مُحتَشِمَاتٍ، لا تَجرُؤُ وَاحِدَةٌ مِنهُنَّ عَلَى إِطلاقِ لِسَانِهَا في لَغوٍ أَو أَن تَتَكَلَّمَ بِغَيرِ الجِدِّ وَالحَقِّ.

تَزَوَّجَت - رضي الله عنها - في الجَاهِلِيَّةِ مَرَّتَينِ، وَمَاتَ زَوجُهَا الثَّاني وَهِيَ في مُقتَبَلِ العُمُرِ وَزَهرَةِ الشَّبَابِ، فَاتَّجَهَت إِلى التِّجَارَةِ بِالبَيعِ وَالشِّرَاءِ، وَاضطُّرَّت إِلى إِدَارَةِ أَموَالِهَا بِنَفسِهَا. وَبِقَلبٍ كَبِيرٍ مُنفَتِحٍ لِلمِسكِينِ وَالمُحتَاجِ وَالفَقِيرِ، وَبِآمَالٍ عَرِيضَةٍ تَمُدُّهَا رُوحٌ طَيِّبَةٌ، وَيُبَارِكُهَا صِدقٌ وَنَزَاهَةٌ وَأَمَانَةٌ، استَطَاعَت تِلكَ السَّيِّدَةُ الشَّرِيفَةُ أَن تَسبِقَ كَثِيرًا مِنَ الرِّجَالِ؛ فَبَارَكَ اللهُ في مَالِهَا وَزَكَت تِجَارَتُهَا، وَذَاعَ صِيتُهَا وَغَدَت مِن أَكبَرِ تُجَّارِ مَكَّةَ، غَيرَ أَنَّ تِلكَ التِّجَارَةَ الرَّابِحَةَ وَالمَالَ المُبَارَكَ، لم يُؤَثِّرْ في ذَلِكُمُ القَلبِ الصَّافي، وَلم يُعَكِّرْ صَفاءَ تِلكَ النَّفسِ الزَّكِيَّةِ، وَمَا كَانَ لِيُمِيتَ ذَلِكُمُ الضَّمِيرَ الحَيَّ. فَمَا زَالَت تَبحَثُ عَنِ الزَّوجِ المُوَافِقِ لِمَا هِيَ عَلَيهِ مِن خُلُقٍ كَرِيمٍ، فَكَانَ أَن تَزَوَّجَت بِخَيرِ البَشَرِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، حَيثُ عَرَفَتهُ مِن خِلالِ مُتَاجَرَتِهِ بِأَموَالِهَا بِالأَمَانَةِ وَالصِّدقِ وَكُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، فَكَانَ ذَلِكُمُ الزَّوَاجُ المُبَارَكُ بَينَ رُوحَينِ تَوَافَقَتَا عَلَى الخَيرِ، وَكَانَ الأَولادُ وَوُلِدَتِ البَنَاتُ.

وبُعِثَ الحَبِيبُ - عليه الصلاة والسلام - فَكَانَت تِلكُمُ المُبَارَكَةُ أَوَّلَ المُؤمِنِينَ بِهِ، وَعَمِلَت جُهدَهَا عَلَى تَثبِيتِهِ وَتَقوِيَةِ عَزمِهِ، فَحَفِظَ التَّارِيخُ لَنَا ممَّا يَدُلُّ عَلَى رَجَاحَةِ عَقلِهَا وَنَبَاهَتِهَا وَسَبرِهَا غَورَ الأُمُورِ، تِلكَ الكَلِمَاتِ الخَالِدَةَ، الَّتي يَعجِزُ عَن قَولِهَا كَثِيرٌ مِنَ العُقَلاءِ إِلاَّ مَن أُوتيَ فِقهًا وَسَعَةَ عِلمٍ وَفَهمًا لِسُنَنِ اللهِ في خَلقِهِ. فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهَا - عليه الصلاة والسلام -  بَعدَ نُزُولِ الوَحيِ يَقُولُ: ((زَمِّلُوني زَمِّلُوني، وَقَالَ لها: لَقَد خَشِيتُ عَلَى نَفسِي))، قَالَت لَهُ بِلِسَانِ عَارِفٍ مُحَقِّقٍ: "كَلاَّ وَاللهِ، لا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ وَتَكسِبُ المَعدُومَ، وَتَقرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ...".

وَتَظَلُّ تِلكَ المُبَارَكَةُ تُخَفِّفُ عَلَى الحَبِيبِ مَا يَسمَعُهُ مِن رَدِّ الكُفَّارِ عَلَيهِ، وَتُهَوِّنُ عَلَيهِ تَكذِيبَهُم لَهُ وَعِنَادَهُم إِيَّاهُ، فَيُفَرِّجُ اللهُ عَنهُ بها شَيئًا كَثِيرًا، وَيُذهِبُ عَن قَلبِهِ بِبَرَكَتِهَا عَامَّةَ مَا يَجِدُهُ، حَتى إِذَا كَانَت سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ البِعثَةِ، اختَارَ اللهُ هَذِهِ السَّيَّدَةَ المَصُونَةَ إِلَيهِ، فَفَارَقَتِ الحَبِيبَ إِلى مَا بَشَّرَهَا بِهِ، حَيثُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: (( أَتَاني جِبرِيلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَتكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ قَد أَتَتكَ فَاقرَأْ عليها السلام مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ )).

وَيَحزَنُ الحَبِيبُ عَلَى وَفَاةِ زَوجِتهِ الكَرِيمَةِ وَيَحمِلُ مِنَ الهَمِّ أَعظَمَهُ، فَيَظَلُّ وَفِيًّا لِتِلكَ الطَّاهِرَةِ طُولَ حَيَاتِهِ، وَيَبقَى مُحسِنًا رِعَايَةَ عَهدِهَا لا يَنسَاهَا وَلا يَمَلُّ مِن تَكرَارِ ذِكرِهَا، حَتى تَبلُغَ شِدَّةُ وَفَائِهِ لها وَكَثرَةُ ذِكرِهِ سِيرَتَهَا العَطِرَةَ مَبلَغًا عَظِيمًا، تَتَحَرَّكُ لَهُ غَيرَةُ الصِّدِّيقَةِ بِنتِ الصِّدِّيقِ –رضي الله عنها- وَهِيَ الَّتي لم تَرَهَا، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ  - رضي الله عنها -  قَالَت: "مَا غِرتُ عَلَى أَحَدٍ مِن نِسَاءِ النَّبيِّ  - صلى الله عليه وسلم - مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيتُهَا؛ وَلَكِنْ كَانَ يُكثِرُ ذِكرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثم يُقَطِّعُهَا أَعضَاءً ثم يَبعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَيَقُولُ: (( إِنَّهَا كَانَت وَكَانَت وَكَانَت، وَكَان لي مِنهَا وَلَدٌ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ عَنهَا قَالَت: "مَا غِرتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبيِّ  - صلى الله عليه وسلم -  إِلاَّ عَلَى خَدِيجَةَ وَإِني لم أُدرِكْهَا. قَالَت: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -  إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ يَقُولُ: (( أَرسِلُوا بها إِلى أَصدِقَاءِ خَدِيجَةَ))، قَالَت: فَأَغضَبتُهُ يَومًا فَقُلتُ: خَدِيجَةُ؟ فَقَالَ: (( إِني رُزِقتُ حُبَّهَا))، وَفي البُخَارِيِّ عَنهَا - رضي الله عنها -  قَالَت: "مَا غِرْتُ عَلَى امرَأَةٍ مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَد هَلَكَت قَبلَ أَن يَتَزَوَّجَني بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنتُ أَسمَعُهُ يَذكُرُهَا، وَلَقَد أَمَرَهُ رَبُّهُ أَن يُبَشِّرَهَا بِبَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيَذبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهدِي في خُلَّتِهَا مِنهَا"، وَعَنهَا - رضي الله عنها -  قَالَت: "جَاءَت عَجُوزٌ إِلى النَّبيِّ  - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عِندِي، فَقَالَ لها رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن أَنتِ؟))  قَالَت: أَنَا جَثَّامَةُ المُزَنِيَّةُ. فَقَالَ: (( بَل أَنتِ حَسَّانَةُ المُزَنِيَّةُ. كَيفَ أَنتُم؟ كَيفَ حَالُكُم؟ كَيفَ كُنتُم بَعدَنَا؟))، قَالَت: بِخَيرٍ بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ. فَلَمَّا خَرَجَت؛ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُقبِلُ عَلَى هَذِهِ العَجُوزِ هَذَا الإِقبَالَ؟ فَقَالَ: ((إِنَّهَا كَانَت تَأتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسنَ العَهدِ مِنَ الإِيمَانِ )) رَوَاهُ الحَاكِمُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

تِلكُم - أَيُّهَا المُسلِمُونَ- لَمحَةٌ مُوجَزَةٌ عَن حَيَاةِ سَيِّدَةٍ مِن سَيِّدَاتِ نِسَاءِ العَالمِينَ، خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلَدٍ، أُمُّ القَاسِمِ وَعبد ِاللهِ وَزَينَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلثُومٍ وَفَاطِمَةَ أَبنَاءِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَضِيَ اللهُ عَنهَا وَأَرضَاهَا، وَرَضِيَ عَن جَمِيعِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، وَجَمَعَنَا بهم وَنَبِيِّنَا في عِلِّيِّينَ، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ذَلِكَ الفَضلُ مِنَ اللهِ، وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا، وَأَقُولُ هَذَا القَولَ وَأَستَغفِرُ اللهَ لي وَلَكُم وَلجمِيعِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ.

الخطبة الثانية:

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ - تعالى - وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ).

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد نَقَلَ التَّارِيخُ فِيمَا نَقَلَ مِن سِيرَةِ خَدِيجَةَ - رضي الله عنها -  كَثرَةَ الرَّاغِبِينَ في الاقتِرَانِ بها وَالطَّامِعِينَ في القُربِ مِنهَا لِثَرَائِهَا وَكَثرَةِ مَالِهَا، غَيرَ أَنَّ تِلكَ العَفِيفَةَ الشَّرِيفَةَ الطَّاهِرَةَ لم تَرضَ أَن تَضَعَ عَينَيهَا عَلَى أَيٍّ مِن أُولَئِكَ السَّادَاتِ مِن قُرَيشٍ، وَلم تَحمِلْهَا تِجَارَتُهَا عَلَى أَن تَشتَرِكَ مَعَهُم في أُمُورٍ تَتَّصِلُ بِتِلكَ التِّجَارَةِ مُبَاشَرَةً، وَلم تَتَّخِذْ مِنَ التِّجَارَةِ ذَرِيعَةً لِلاتِّصَالِ بهم أَو سَبَبًا لِتَقوِيَةِ الرَّوَابِطِ بَينَهَا وَبَينَهُم، لا في مَكَّةَ وَلا في غَيرِ مَكَّةَ.

نَعَم، لم يَنقُلِ التَّارِيخُ أَنَّهَا اتَّصَلَت بِالتُّجَّارِ أَوِ اشتَرَكَت مَعَهُم في اجتِمَاعٍ خَاصٍّ أَو عَامٍّ، أَو أَنَّهَا سَارَت في رِكَابِهِم مُشَرِّقَةً أَو مُغَرِّبَةً أَو ذَاهِبَةً أَو آيِبَةً، أَو أَنَّها ذَهَبَت بِتِجَارَتِهَا إِلى الأَسوَاقِ في الدَّاخِلِ أَوِ الخَارِجِ، لا وَاللهِ وَكَلاَّ، بَل لَقَد كَانَت تُنِيبُ عَنهَا في ذَلِكَ الرِّجَالَ مِن خَدَمِهَا وَعَبِيدِهَا، أَو مِن رِجَالِ قُرَيشٍ الآخَرِينَ، وَالَّذِينَ كَانَ عَلَى رَأسِهِم مَولاهَا المُخلِصُ مَيسَرَةُ، وَالصَّادِقُ الأَمِينُ محمَّدٌ - عليه الصلاة والسلام -.

هَكَذَا كَانَت -عَلَيهَا مِنَ اللهِ الرَّحمَةُ وَالرِّضوَانُ- فَحِينَ تَأتي شَرَاذِمُ ممَّن رَضُوا بِأَن يَجعَلُوا ظُهُورَهُم جُسُورًا لِمُرُورِ مَشرُوعَاتِ تَغرِيبِ المَرأَةِ في هَذِهِ البِلادِ، فَيُنَظِّمُوا مُؤتَمَرًا بِاسمِ هَذِهِ الطَّاهِرَةِ العَفِيفَةِ الشَّرِيفَةِ، ثم لا تَرَى في ذَلِكَ المُؤتَمَرِ إِلاَّ اختِلاطَ الرِّجَالَ بِالنِّسَاءِ، وَكَشفَ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ وَرُؤُوسَهُنَّ بَل وَسِيقَانَهُنَّ، وَالدَّعوَةَ الصَّرِيحَةَ لِتَمَرُّدِ النِّسَاءِ عَلَى أَزوَاجِهِنَّ وَأَولِيَائِهِنَّ، وَدَفعَهُنَّ لِلمُطَالَبَةِ بِالخُرُوجِ مِن مَنَازِلِهِنَّ وَالبَحثِ عَن عَمَلٍ بَينَ الرِّجَالِ في بِيئَاتٍ مُختَلِطَةٍ، أَقُولُ حِينَ يَحصُلُ كُلُّ ذَلِكَ، فَقَد ظُلِمَت هَذِهِ الكَرِيمَةُ العَظِيمَةُ، وَأُسِيءَ إِلى تِلكُمُ الشَّرِيفَةِ العَفِيفَةِ، بَل وَاعتُدِيَ مِن وَرَاءِ ذَلِكَ عَلَى زَوجِهَا الحَبِيبِ - عليه الصلاة والسلام - الَّذِي جَاءَ مِن عِندِ رَبِّهِ بِأَمرِ النِّسَاءِ بِالقَرَارِ في بُيُوتِهِنَّ وَحِفظِ أَعرَاضِهِنَّ وَعَدَمِ خُضُوعِهِنَّ بِالقَولِ..

فَلْنَتَّقِ اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَلْنَنتَبِهْ لِمَا يُرَادُ بِنَا في هَذِهِ البِلادِ، فَإِنَّ الخِطَطَ المَاكِرَةَ عَادَت وَاضِحَةً لِكُلِّ ذِي عَقلٍ وَلُبٍّ. وَإِنَّهُ حِينَ يُفتي الرَّاسِخُونَ في العِلمِ بِعَدَمِ جَوَازِ عَمَلِ المَرأَةِ مُختَلِطَةً بِالرِّجَالِ، فَلا حَاجَةَ بِنَا بَعدُ إِلى مَؤتَمَرَاتٍ يُشَارِكُ فِيهَا مَن لم يُعرَفْ بِعلمٍ وَلا اجتِهَادٍ، وَيُدعَى إِلَيهَا أَشخَاصٌ يَجلِسُونَ إِلى النِّسَاءِ جَنبًا لِجَنبٍ وَهُنَّ كَاشِفَاتٌ وُجُوهَهُنَّ وَنَحُورَهُنَّ بَل وَسِيقَانَهُنَّ. وَإِنَّنَا لَعَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ لَن يَأتيَ خَيرٌ وَلا فَلاحٌ ولا صَلاحٌ مِن مُؤتَمَرَاتِ كَهَذِهِ المُؤتَمَرَاتِ بَلِ المُؤَامَرَاتِ.

نَعَم، لَن يَأتيَ خَيرٌ مِن محفَلٍ تَختَلِطُ المَرأَةُ فِيهِ بِالرَّجُلِ، وتُجلَبُ فِيهِ المُغَنِّيَاتُ وَيُحتَفَي فِيهِ بِالكَافِرَاتِ، وَتُتَّهَمُ فِيهِ الصَّحَابِيَاتُ بِالتَّقصِيرِ وَعَدَمِ المُطَالَبَةِ بِالحُقُوقِ، وَيُقَالُ فِيهِ عَلَى اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ، وَتُنسَبُ فِيهِ أَحكَامُ الشَّرِيعَةِ لِلتَّقَالِيدِ، وَيُسخَرُ فِيهِ مِنَ المَحرَمِ، وَتُوصَفُ فِيهِ القِوَامَةُ بِأَنَّهَا تَدَخُّلٌ في الحُرِّيَّةِ وَتَكرِيسٌ لِسُلطَةِ الرَّجُلِ أَو نَحوِ ذَلِكَ، وَتَبلُغُ الوَقَاحَةُ بِأَحَدِ كُبَرَاءِ المُشَارِكِينَ إِلى أَن يُعلِنَ بِجُرأَةٍ سَافِرَةٍ أَنَّ العَمَلَ عَلَى تَوظِيفِ المَرأةِ لَن يَقِفَ إِلاَّ عِندَ حَدِّ التِحَامِ أَجسَادِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ. وأَمَّا حِينَ يَحصُلُ كُلُّ ذَلِكَ بِاسمِ أُمِّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةَ - رضي الله عنها -،  وَيُدَّعَى أَنَّهَا كَانَت سَيِّدَةَ أَعمَالٍ مُتَحَرِّرَةً تُمَارِسُ التِّجَارَةَ وَتَغشَى مَحَافِلَ الرِّجَالَ وَتَختَلِطُ بهم في الأَسوَاقِ! فَلا وَأَلفُ لا، وَمَا أَحَقَّنَا حَينَئِذٍ أَن نُبَرِّئَهَا مِن كُلِّ هَذَا الكَذِبِ وَالزُّورِ، الَّذِي مَا هُوَ إِلاَّ تَدنِيسٌ لِعِرضِهَا وَتَعَرُّضٌ لِكَرَامَتِهَا وَإِنزَالٌ لَهَا عَن مَكَانَتِهَا، وَإِيذَاءٌ لِلحَبِيبِ - عليه الصلاة والسلام -، وَلا خَيرَ فِينَا إِذَا نَحنُ لم نَفعَلْ ذَلِكَ، لا خَيرَ فِينَا إِذَا أُوذِيَ نَبِيُّنَا بِابتِذَالِ عِرضِهِ ثم سَكَتْنَا (وَالَّذِينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللهِ لهم عَذَابٌ أَلِيمُ)، وإِنَّ مِثلَ هَذِهِ المُؤتَمَرَاتِ وَاللِّقَاءَاتِ المَشبُوهَةِ، وَإِن رَأَسَهَا مَن رَأَسَهَا أَو شَارَكَ فِيهَا مَن شَارَكَ أَو دَعَمَهَا مَن دَعَمَهَا، مِن أُمَرَاءَ أَو وُزَرَاءَ أَو كُبَرَاءَ، أَو استُضِيفَ فِيهَا بَعضُ مَن زِيُّهُم زِيُّ العُلَمَاءِ، إِنَّهَا لَحَربٌ عَلَى الفَضِيلَةِ وَتَأصِيلٌ لِلرَّذِيلَةِ.

وَأَمَّا مَا يُرَدَّدُ فِيهَا مِن شِعَارَاتِ: كَالحُرِّيَّةِ وَالمُسَاوَاةِ وَالعَدلِ، وَالتَّنمِيَةِ وَالمُشَارَكَةِ، وَغَيرِهَا مِنَ الشِّعَارَاتِ البَرَّاقَةِ الخَدَّاعَةِ، فَإِنَّمَا هِيَ في حَقِيقَتِهَا مُنَاقَضَةٌ سَافِرَةٌ لِكَثِيرٍ مِن تَشرِيعَاتِ الإِسلامِ وَمُبَادِئِهِ، مُصَادَمَةٌ لِقِيَمِ المُجتَمَعِ وَعَادَاتِهِ وَأَخلاقِ أَهلِهِ، وَأَيُّ حُرِّيَّةٍ تِلكَ الَّتي تُخرِجُ المَرأَةَ مِن عِصمَةِ الرَّجُلِ لِتُسَافِرَ وَحدَهَا، وَتَخلُوَ بِمَن أَرَادَت بِلا مَحرَمٍ. وَوَاللهِ لَو كَانُوا صَادِقِينَ في مُنَاقَشَةِ قَضَايَا المُجتَمَعِ وَمُشَارَكَةِ المَرأَةِ هُمُومَهَا، لَمَا طَالَبُوا بِإِخرَاجِهَا مِن بَيتِهَا وَتَعرِيضِهَا لِمُخَالَفَةِ أَوَامِرِ رَبِّهَا، وَكَيفَ يَحِقُّ لهم أَن يَزعُمُوا أَنهم حَرِيصُونَ عَلَى المَرأَةِ وَهُم أَنفُسُهُم مَن يُبَارِكُ أَعمَالَ الفَنِّ وَيَدعَمُ قَنَوَاتِ العُهرِ؟ أَلا سَاءَ مَا يَحكُمُونَ.

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ - عِبَادَ اللهِ-، وَلْنَنتَبِهْ لما يُرَادُ بِنَا، فَإِنَّ السَّعِيدَ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ.

أحمد باشا كوبريلي.. وإعادة أمجاد الدولة العثماني

قُتل السلطان "إبراهيم بن أحمد الأول" في (1085هـ = 1648م) بعد ثورة عارمة هزت أرجاء إستانبول، قام بها الجنود الإنكشارية، وكثيرا ما كانوا يقومون بمثل هذه الأعمال حين يغضبون على وزير أو سلطان، ولم تكن هيبة السلاطين تردعهم بعد أن تولى على عرش الدولة العثمانية عدد من السلاطين من ذوي القدرات المحدودة والمواهب القليلة والعزائم الخائرة.

وأٌجلس على عرش الدولة "محمد الرابع" الابن الأكبر للسلطان إبراهيم، وكان حدثا صغيرا لا يتجاوز السابعة من عمره فتولت جدته "كوسم مهبيكر" نيابةً السلطنة، وأصبح بيدها مقاليد أمور الدولة، وقد استمرت فترة نيابتها ثلاث سنوات، ساءت فيها أحوال الدولة، وسيطر أَغَوَات الإنكشارية على شئون الدولة، متجاوزين مؤسسات الدولة، غايتهم جمع المال والثروة دون نظر إلى مصالح الدولة العليا.

وبعد وفاة السلطانة الجدة في (1062هـ = 1651م) لم يكن عمر السلطان الصغير يسمح له بأن يتولى أمور الحكم، فقامت أمه "خديجة تارخان" بنيابة السلطنة، وكانت امرأة شابة راجحة العقل، ذات رأي وتدبير، شغلت نفسها بالبحث عن الأكْفَاء من الرجال ممن ينهضون بالدولة التي بدأ الضعف يدب في أوصالها، بعد أن تناوشتها الفتن والمؤامرات، وأحدقت بها الأخطار من كل جانب.

ووجدت السلطانة الأم ضالتها المنشودة في محمد باشا كوبريلي، وهو ألباني الأصل قوي الشكيمة وصاحب شخصية قوية، وقبْل أن يتولى المنصب اشترط أن يكون مطلق اليد في الضرب على أيدي أصحاب مراكز القوى في الدولة، وسحق المؤامرات التي قد يدبرها بعض أهل النفوذ، وقبلت نائبة السلطنة هذه الشروط، وكانت هذه أول مرة في التاريخ العثماني التي يضع فيها وزير شروطًا لقبوله منصب الصدارة.

دور عائلة كوبريلي

انتهت نيابة السلطانة الوالدة التي استمرت خمس سنوات، وتولى ابنها محمد الرابع شئون الحكم، وهو في الخامسة عشرة من عمره، وتوارت هي إلى الظل وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، ولم تتدخل في أمور الدولة والشئون السياسية وتفرغت لتربية ولديها سليمان وأحمد، وانصرفت إلى أعمال الخير، وفتحت بذلك لعائلة كوبريلي أن تقوم بدورها التاريخي الذي استمر سبعا وعشرين سنة، فأعادت هذه العائلة للدولة هيبتها كما كانت في عهد سليمان القانوني.

كان محمد باشا كوبريلي على كبر سنه قوي الشخصية والإرادة، عظيم الهمة، يميل إلى الشدة والترهيب فيما يتصل بأمن الدولة وسلطانها، فانتظمت أمور الدولة الداخلية، وضرب على أيدي الإنكشارية وأعادهم إلى احترام النظام والانشغال بعملهم، ومنعهم من التدخل فيما لا يعينهم من شئون السياسة.

وفي الوقت نفسه حقق للدولة بعض الانتصارات الخارجية، فهزم البنادقة وأخذ منهم جزيرة "لمنوس" وجزرا أخرى. وكان البنادقة قد استولوا على هذه الجزر واحتلوا مدخل مضيق الدردنيل، وفرضوا حصارًا بحريًا على الدولة، ومنعوا دخول المؤن والغذاء إلى إستانبول، ولولا نجاح كوبريلي في فك هذا الحصار لتعرضت الدولة إلى خطر فادح.

واستمرت صدارة محمد كوبريلي خمس سنوات أعاد في أثنائها الأمن والاستقرار للدولة، وتُوفي بعدها ودُفن في إستانبول عن ثلاثة وثمانين عاما في (1072هـ = 1661م).

أحمد باشا كوبريلي

قبل وفاة محمد باشا كوبريلي زاره السلطان محمد الرابع ليعوده، وفي هذه الزيارة زود السياسي المحنك السلطان الشاب بوصايا غالية، فنصحه بإبعاد نساء القصر عن التدخل في سياسة الدولة، وقد شاهد بنفسه ما حدث لأبيه من قبل من جراء تلك السياسة، وأوصاه باختيار صدر أعظم يملك القدرة والكفاءة على تصريف أمور الدولة وقيادة الجيوش وإدارة شئون الحرب، وما كان من السلطان إلا أن طلب منه ترشيح من يراه جديرًا بهذا المنصب الجليل؛ فأشار عليه بابنه "أحمد باشا كوبريلي"؛ ثقة منه في كفاءته وموهبته.

مولده ونشأته

ولد أحمد باشا كوبريلي في العاصمة إستانبول سنة (1045هـ = 1635م) وعُني أبوه بتربيته وتعليمه، وأعده ليكون أهلاً للمناصب الرفيعة، ولم يخيّب الولد رجاء أبيه وأمله، فكان ذكيًا موهوبًا، تخرّج في القسم العالي لمدرسة إستانبول.

واشتغل بالتدريس فترة، ثم انصرف إلى السياسة والإدارة، ترشحه مواهبه وإمكاناته العالية؛ فتولى إدارة "أرض روم" في جنوب شرق تركيا، فأحسن إدارتها وضبط أمورها، ثم انتقل في سنة (1071هـ = 1660م) واليًا على الشام، فأصلح أحوالها المختلة ونهض بمرافقها، وأحل الأمن والهدوء بها، ولم يمكث هناك طويلا فقد استلزم مرض أبيه الصدر الأعظم أن يكون بجواره، وأن يقوم عنه ببعض المهام، وكان الوالد يثق في ابنه وكفاءته فقد أعده لمثل هذا اليوم، وهيأه لجلائل الأعمال وعظائم الأمور؛ ولذلك لم يكن عجيبًا أن يأخذ السلطان محمد الرابع بنصيحة صدره الأعظم، وهو يرى ابنه الشاب يحل مكان أبيه المريض في إدارة شئون الدولة بكفاءة ومهارة عالية.

الصدر الأعظم

كان أحمد باشا كوبريلي أصغر من تولى الصدارة العظمى في تاريخ الدولة العثمانية، فلم يتجاوز عمره السادسة والعشرين، لكن هذا العمر الصغير كان مليئًا بالموهبة والنضج الذي يتجاوز السنين الطويلة ويعوض تجارب الأيام، فاتجه إلى الميدان الخارجي ورآه في حاجة إلى جهوده حتى يعيد للدولة هيبتها التي اهتزت بعد سليمان القانوني، وترك متابعة الأمور الداخلية إلى "قرة مصطفى باشا" يتولى أمرها وتدبير شئونها.

وبدأ صدارته بإعلان الدولة العثمانية الحرب على النمسا، وكانت قد انتهزت فرصة سوء الأحوال التي مرت بالعثمانيين، فنقضت معاهدة "سيتفا توروك" المبرمة بين الدولتين، وبنت قلعة حربية على الحدود بينهما، على الرغم من إخطار الدولة العثمانية لها بمخالفة ذلك لبنود المعاهدة.

سقوط قلعة نوهزل

تحرك كوبريلي من أدرنة، وبلغ المجر على رأس جيش كبير يبلغ نحو مائة وعشرين ألف جندي، مزودا بالمدافع والذخائر والمؤن المحملة على ستين ألف جمل وعشرة آلاف بغل، ودخل سلوفاكيا ضاربًا كل الاستحكامات العسكرية التي كانت في طريقه حتى وصل إلى قلعة "نوهزل" الشهيرة، وهي تقع شمال غرب "بودابست" على الشرق من "فيينا" بنحو 110 كم، ومن "براتسلافيا" بنحو 80 كم، وهذه القلعة بالغة التحصين فائقة الاستحكامات حتى عُدّت أقوى قلاع أوروبا.

بدأ الجيش العثماني في حصار القلعة في (13 من المحرم 1074هـ = 17 من أغسطس 1663م)، ودام الحصار سبعة وثلاثين يومًا، وهو ما اضطر قائد الحامية إلى طلب الاستسلام فوافق الصدر الأعظم، واشترط خروج الحامية دون سلاح أو ذخائر، فأخلوها في (25 من صفر 1074هـ = 28 من سبتمبر 1663م)، وكان لسقوط القلعة المحصنة دوي هائل في أوروبا، وبعدها استسلمت حوالي ثلاثين قلعة نمساوية.

قضى كوبريلي الشتاء في بلجراد، ثم تحرّك في الربيع في (11 من شوال 1074هـ = 7 من مايو 1664م)، مستكملاً فتوحاته التي ألقت الفزع في قلوب ملوك أوربا، ونجح في الاستيلاء على قلعة "يني" في "سرنوار" التي تقع في الجنوب الشرقي من فيينا، وهذه القلعة هي التي تسببت في المشكلة واشتعال الحرب بين الدولتين.

أدت هزائم النمساويين إلى طلب الصلح والعودة إلى المفاوضات؛ حقنًا للدماء وإيثارًا للسلامة، واتفق الفريقان إلى احترام بنود معاهدة "سيتفا توروك"، وأن تدفع النمسا غرامات حرب للدولة العثمانية قدرها 200 ألف سكة ذهب، وأن تبقى كافة القلاع بما في ذلك القلعة التي كانت موضع النزاع تحت سيادة العثمانيين، وبعد انتهاء تلك الحرب التي دامت سنة وأربعة أشهر عاد كوبريلي إلى أدرنه في (2 من رمضان 1075هـ = 17 من مارس 1665م).

استكمال فتح كريت
كان قد مضى على فتح العثمانيين لجزيرة كريت واحد وعشرون سنة، وبقيت "كاندية" وعدة قلاع تقاوم العثمانيين؛ بسبب المساعدات التي كانت تتلقاها تلك القلاع من أوروبا، التي اعتبرت الأمر يخص الكرامة، فوقفت بكل ثقلها خلف تلك الجيوب التي تدافع عن الجزيرة.

تحرك كوبريلي وخرج السلطان في وداعه، وتحرك بأسطول بحري مكون من 167 قطعة بحرية، وشرع في حصار "كاندية" في صباح (29 من رمضان 1077هـ = 62 من مارس 1667م)، ودام الحصار نحو سبعة أشهر، ولم تسقط القلعة، وبذل العثمانيون في حصارها ثمانية آلاف جندي، واستهلكوا 200 ألف قنطار من البارود، لكن القلعة بقيت صامدة، واضطر كوبريلي إلى رفع الحصار، ريثما ينقضي فصل الشتاء، وعسكر بجيشه في خندق تحت الأرض أمام القلعة المحصنة.

وبعد انقضاء الشتاء عاود القائد الماهر حصاره مرة أخرى في (8 من المحرم 1079هـ = 18 من يونيو 1668م)، وطالت مدة الحصار حتى تجاوزت العامين كانت خلالها لا تنقطع الإمدادات العسكرية عن المدينة المحاصرة، لكن ذلك لم ينجح في دفع العثمانيين وإجبارهم على رفع الحصار، ودارت مفاوضات على تسليم المدينة، وفي أثناء ذلك جمعت الأساطيل الفرنسية والبابوية والمالطية جنودها والجرحى وغادرت المدينة، وعقد الطرفان معاهدة في (8 من ربيع الآخر 1080هـ = 5 من سبتمبر 1669م) على تتنازل البندقية عن "كاندية" بما فيها من مدافع وأسلحة للدولة العثمانية، وأصبحت بذلك جزيرة كريت تابعة للدولة العثمانية باستثناء ثلاث قلاع تُركت للبندقية لاستعمالها في الأغراض التجارية.

وقضى كوبريلي بعد إتمام الفتح وقته في إصلاح القلاع والأسوار والأبنية وتجديد المنشآت التي تأثرت بقذائف المدفعية، ثم غادر الجزيرة في (14 من ذي الحجة 1080هـ = 5 من مايو 1670م) بعد أن ظل بها ثلاث سنوات ونصف السنة.

حرب بولونيا

وفي أثناء تولي كوبريلي الصدارة العظمى دخلت بلاد القوقاز جنوبي روسيا في حماية الدولة العثمانية، فلما حاولت بولونيا الاعتداء على بلاد القوقاز استنجدت هذه البلاد بدولة الخلافة العثمانية التي سارعت إلى نجدتها، وخرج على رأس الجيش السلطان محمد الرابع وفتح عددًا من هذه البلاد، واضطر ملك بولونيا إلى طلب الصلح فأجابه السلطان، ووُقِّعت اتفاقية بينهما في (25 من جمادى الأولى 1083هـ = 18 من سبتمبر 1672م) عُرفت باسم معاهدة "بوزاكسي" غير أن هذه المعاهدة رفضها أمراء بولونيا فاشتعلت الحرب من جديدة دون نصر حاسم، واضطر البولنيون إلى العودة إلى المعاهدة السابقة، وكانت هذه الحرب هي آخر أعمال الصدر الأعظم أحمد كوبريلي.

ملامح شخصية كوبريلي

يعد أحمد باشا كوبريلي واحدًا من أكبر الشخصيات التي تولّت منصب الصدارة العظمى في التاريخ العثماني، ودامت له خمسة عشر عاما متصلة، نجح في أثنائها في إعادة المجد القديم للدولة بفضل ذكائه وكفاءته على الرغم من صغر سنه حين تولى المنصب الكبير.

كان كوبريلي عالما في الفقه والكلام والتاريخ وهذا ما يميزه عن والده، وإن ورث منه عزمه ودهاءه، وكان واضح التفكير وسريع البديهة ينفر من المرائين والثرثارين، يُؤثر العمل على الكلام، ويدع الأعمال تتكلم عن نفسها، وكان غنيا، وقد خصص معظم ثروته للأعمال الخيرية.

وفي أخريات أيامه كان يحب مجالسة أصدقائه في أدرنة، يتبادلون الحديث عن الأدب والشعر والتاريخ، وتكونت لديه مكتبة ضخمة ضمَّت روائع الكتب وأندرها وأنفسها، وعيّن لها أربعة حفاظ أمناء.

ولم تطل الحياة بأحمد باشا كوبريلي فتُوفي عن عمر يناهز واحدًا وأربعين سنة حفلت بجلائل الأعمال، وقضى معظمها مجاهدًا على الثغور، وكانت وفاته في (24 من رمضان 1087هـ = 30 من أكتوبر 1676م)، وتولى بعده زوج أخته "قرة مصطفى" هذا المنصب

أحمد باشا كوبريلي.. وإعادة أمجاد الدولة العثماني

قُتل السلطان "إبراهيم بن أحمد الأول" في (1085هـ = 1648م) بعد ثورة عارمة هزت أرجاء إستانبول، قام بها الجنود الإنكشارية، وكثيرا ما كانوا يقومون بمثل هذه الأعمال حين يغضبون على وزير أو سلطان، ولم تكن هيبة السلاطين تردعهم بعد أن تولى على عرش الدولة العثمانية عدد من السلاطين من ذوي القدرات المحدودة والمواهب القليلة والعزائم الخائرة.

وأٌجلس على عرش الدولة "محمد الرابع" الابن الأكبر للسلطان إبراهيم، وكان حدثا صغيرا لا يتجاوز السابعة من عمره فتولت جدته "كوسم مهبيكر" نيابةً السلطنة، وأصبح بيدها مقاليد أمور الدولة، وقد استمرت فترة نيابتها ثلاث سنوات، ساءت فيها أحوال الدولة، وسيطر أَغَوَات الإنكشارية على شئون الدولة، متجاوزين مؤسسات الدولة، غايتهم جمع المال والثروة دون نظر إلى مصالح الدولة العليا.

وبعد وفاة السلطانة الجدة في (1062هـ = 1651م) لم يكن عمر السلطان الصغير يسمح له بأن يتولى أمور الحكم، فقامت أمه "خديجة تارخان" بنيابة السلطنة، وكانت امرأة شابة راجحة العقل، ذات رأي وتدبير، شغلت نفسها بالبحث عن الأكْفَاء من الرجال ممن ينهضون بالدولة التي بدأ الضعف يدب في أوصالها، بعد أن تناوشتها الفتن والمؤامرات، وأحدقت بها الأخطار من كل جانب.

ووجدت السلطانة الأم ضالتها المنشودة في محمد باشا كوبريلي، وهو ألباني الأصل قوي الشكيمة وصاحب شخصية قوية، وقبْل أن يتولى المنصب اشترط أن يكون مطلق اليد في الضرب على أيدي أصحاب مراكز القوى في الدولة، وسحق المؤامرات التي قد يدبرها بعض أهل النفوذ، وقبلت نائبة السلطنة هذه الشروط، وكانت هذه أول مرة في التاريخ العثماني التي يضع فيها وزير شروطًا لقبوله منصب الصدارة.

دور عائلة كوبريلي

انتهت نيابة السلطانة الوالدة التي استمرت خمس سنوات، وتولى ابنها محمد الرابع شئون الحكم، وهو في الخامسة عشرة من عمره، وتوارت هي إلى الظل وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، ولم تتدخل في أمور الدولة والشئون السياسية وتفرغت لتربية ولديها سليمان وأحمد، وانصرفت إلى أعمال الخير، وفتحت بذلك لعائلة كوبريلي أن تقوم بدورها التاريخي الذي استمر سبعا وعشرين سنة، فأعادت هذه العائلة للدولة هيبتها كما كانت في عهد سليمان القانوني.

كان محمد باشا كوبريلي على كبر سنه قوي الشخصية والإرادة، عظيم الهمة، يميل إلى الشدة والترهيب فيما يتصل بأمن الدولة وسلطانها، فانتظمت أمور الدولة الداخلية، وضرب على أيدي الإنكشارية وأعادهم إلى احترام النظام والانشغال بعملهم، ومنعهم من التدخل فيما لا يعينهم من شئون السياسة.

وفي الوقت نفسه حقق للدولة بعض الانتصارات الخارجية، فهزم البنادقة وأخذ منهم جزيرة "لمنوس" وجزرا أخرى. وكان البنادقة قد استولوا على هذه الجزر واحتلوا مدخل مضيق الدردنيل، وفرضوا حصارًا بحريًا على الدولة، ومنعوا دخول المؤن والغذاء إلى إستانبول، ولولا نجاح كوبريلي في فك هذا الحصار لتعرضت الدولة إلى خطر فادح.

واستمرت صدارة محمد كوبريلي خمس سنوات أعاد في أثنائها الأمن والاستقرار للدولة، وتُوفي بعدها ودُفن في إستانبول عن ثلاثة وثمانين عاما في (1072هـ = 1661م).

أحمد باشا كوبريلي

قبل وفاة محمد باشا كوبريلي زاره السلطان محمد الرابع ليعوده، وفي هذه الزيارة زود السياسي المحنك السلطان الشاب بوصايا غالية، فنصحه بإبعاد نساء القصر عن التدخل في سياسة الدولة، وقد شاهد بنفسه ما حدث لأبيه من قبل من جراء تلك السياسة، وأوصاه باختيار صدر أعظم يملك القدرة والكفاءة على تصريف أمور الدولة وقيادة الجيوش وإدارة شئون الحرب، وما كان من السلطان إلا أن طلب منه ترشيح من يراه جديرًا بهذا المنصب الجليل؛ فأشار عليه بابنه "أحمد باشا كوبريلي"؛ ثقة منه في كفاءته وموهبته.

مولده ونشأته

ولد أحمد باشا كوبريلي في العاصمة إستانبول سنة (1045هـ = 1635م) وعُني أبوه بتربيته وتعليمه، وأعده ليكون أهلاً للمناصب الرفيعة، ولم يخيّب الولد رجاء أبيه وأمله، فكان ذكيًا موهوبًا، تخرّج في القسم العالي لمدرسة إستانبول.

واشتغل بالتدريس فترة، ثم انصرف إلى السياسة والإدارة، ترشحه مواهبه وإمكاناته العالية؛ فتولى إدارة "أرض روم" في جنوب شرق تركيا، فأحسن إدارتها وضبط أمورها، ثم انتقل في سنة (1071هـ = 1660م) واليًا على الشام، فأصلح أحوالها المختلة ونهض بمرافقها، وأحل الأمن والهدوء بها، ولم يمكث هناك طويلا فقد استلزم مرض أبيه الصدر الأعظم أن يكون بجواره، وأن يقوم عنه ببعض المهام، وكان الوالد يثق في ابنه وكفاءته فقد أعده لمثل هذا اليوم، وهيأه لجلائل الأعمال وعظائم الأمور؛ ولذلك لم يكن عجيبًا أن يأخذ السلطان محمد الرابع بنصيحة صدره الأعظم، وهو يرى ابنه الشاب يحل مكان أبيه المريض في إدارة شئون الدولة بكفاءة ومهارة عالية.

الصدر الأعظم

كان أحمد باشا كوبريلي أصغر من تولى الصدارة العظمى في تاريخ الدولة العثمانية، فلم يتجاوز عمره السادسة والعشرين، لكن هذا العمر الصغير كان مليئًا بالموهبة والنضج الذي يتجاوز السنين الطويلة ويعوض تجارب الأيام، فاتجه إلى الميدان الخارجي ورآه في حاجة إلى جهوده حتى يعيد للدولة هيبتها التي اهتزت بعد سليمان القانوني، وترك متابعة الأمور الداخلية إلى "قرة مصطفى باشا" يتولى أمرها وتدبير شئونها.

وبدأ صدارته بإعلان الدولة العثمانية الحرب على النمسا، وكانت قد انتهزت فرصة سوء الأحوال التي مرت بالعثمانيين، فنقضت معاهدة "سيتفا توروك" المبرمة بين الدولتين، وبنت قلعة حربية على الحدود بينهما، على الرغم من إخطار الدولة العثمانية لها بمخالفة ذلك لبنود المعاهدة.

سقوط قلعة نوهزل

تحرك كوبريلي من أدرنة، وبلغ المجر على رأس جيش كبير يبلغ نحو مائة وعشرين ألف جندي، مزودا بالمدافع والذخائر والمؤن المحملة على ستين ألف جمل وعشرة آلاف بغل، ودخل سلوفاكيا ضاربًا كل الاستحكامات العسكرية التي كانت في طريقه حتى وصل إلى قلعة "نوهزل" الشهيرة، وهي تقع شمال غرب "بودابست" على الشرق من "فيينا" بنحو 110 كم، ومن "براتسلافيا" بنحو 80 كم، وهذه القلعة بالغة التحصين فائقة الاستحكامات حتى عُدّت أقوى قلاع أوروبا.

بدأ الجيش العثماني في حصار القلعة في (13 من المحرم 1074هـ = 17 من أغسطس 1663م)، ودام الحصار سبعة وثلاثين يومًا، وهو ما اضطر قائد الحامية إلى طلب الاستسلام فوافق الصدر الأعظم، واشترط خروج الحامية دون سلاح أو ذخائر، فأخلوها في (25 من صفر 1074هـ = 28 من سبتمبر 1663م)، وكان لسقوط القلعة المحصنة دوي هائل في أوروبا، وبعدها استسلمت حوالي ثلاثين قلعة نمساوية.

قضى كوبريلي الشتاء في بلجراد، ثم تحرّك في الربيع في (11 من شوال 1074هـ = 7 من مايو 1664م)، مستكملاً فتوحاته التي ألقت الفزع في قلوب ملوك أوربا، ونجح في الاستيلاء على قلعة "يني" في "سرنوار" التي تقع في الجنوب الشرقي من فيينا، وهذه القلعة هي التي تسببت في المشكلة واشتعال الحرب بين الدولتين.

أدت هزائم النمساويين إلى طلب الصلح والعودة إلى المفاوضات؛ حقنًا للدماء وإيثارًا للسلامة، واتفق الفريقان إلى احترام بنود معاهدة "سيتفا توروك"، وأن تدفع النمسا غرامات حرب للدولة العثمانية قدرها 200 ألف سكة ذهب، وأن تبقى كافة القلاع بما في ذلك القلعة التي كانت موضع النزاع تحت سيادة العثمانيين، وبعد انتهاء تلك الحرب التي دامت سنة وأربعة أشهر عاد كوبريلي إلى أدرنه في (2 من رمضان 1075هـ = 17 من مارس 1665م).

استكمال فتح كريت
كان قد مضى على فتح العثمانيين لجزيرة كريت واحد وعشرون سنة، وبقيت "كاندية" وعدة قلاع تقاوم العثمانيين؛ بسبب المساعدات التي كانت تتلقاها تلك القلاع من أوروبا، التي اعتبرت الأمر يخص الكرامة، فوقفت بكل ثقلها خلف تلك الجيوب التي تدافع عن الجزيرة.

تحرك كوبريلي وخرج السلطان في وداعه، وتحرك بأسطول بحري مكون من 167 قطعة بحرية، وشرع في حصار "كاندية" في صباح (29 من رمضان 1077هـ = 62 من مارس 1667م)، ودام الحصار نحو سبعة أشهر، ولم تسقط القلعة، وبذل العثمانيون في حصارها ثمانية آلاف جندي، واستهلكوا 200 ألف قنطار من البارود، لكن القلعة بقيت صامدة، واضطر كوبريلي إلى رفع الحصار، ريثما ينقضي فصل الشتاء، وعسكر بجيشه في خندق تحت الأرض أمام القلعة المحصنة.

وبعد انقضاء الشتاء عاود القائد الماهر حصاره مرة أخرى في (8 من المحرم 1079هـ = 18 من يونيو 1668م)، وطالت مدة الحصار حتى تجاوزت العامين كانت خلالها لا تنقطع الإمدادات العسكرية عن المدينة المحاصرة، لكن ذلك لم ينجح في دفع العثمانيين وإجبارهم على رفع الحصار، ودارت مفاوضات على تسليم المدينة، وفي أثناء ذلك جمعت الأساطيل الفرنسية والبابوية والمالطية جنودها والجرحى وغادرت المدينة، وعقد الطرفان معاهدة في (8 من ربيع الآخر 1080هـ = 5 من سبتمبر 1669م) على تتنازل البندقية عن "كاندية" بما فيها من مدافع وأسلحة للدولة العثمانية، وأصبحت بذلك جزيرة كريت تابعة للدولة العثمانية باستثناء ثلاث قلاع تُركت للبندقية لاستعمالها في الأغراض التجارية.

وقضى كوبريلي بعد إتمام الفتح وقته في إصلاح القلاع والأسوار والأبنية وتجديد المنشآت التي تأثرت بقذائف المدفعية، ثم غادر الجزيرة في (14 من ذي الحجة 1080هـ = 5 من مايو 1670م) بعد أن ظل بها ثلاث سنوات ونصف السنة.

حرب بولونيا

وفي أثناء تولي كوبريلي الصدارة العظمى دخلت بلاد القوقاز جنوبي روسيا في حماية الدولة العثمانية، فلما حاولت بولونيا الاعتداء على بلاد القوقاز استنجدت هذه البلاد بدولة الخلافة العثمانية التي سارعت إلى نجدتها، وخرج على رأس الجيش السلطان محمد الرابع وفتح عددًا من هذه البلاد، واضطر ملك بولونيا إلى طلب الصلح فأجابه السلطان، ووُقِّعت اتفاقية بينهما في (25 من جمادى الأولى 1083هـ = 18 من سبتمبر 1672م) عُرفت باسم معاهدة "بوزاكسي" غير أن هذه المعاهدة رفضها أمراء بولونيا فاشتعلت الحرب من جديدة دون نصر حاسم، واضطر البولنيون إلى العودة إلى المعاهدة السابقة، وكانت هذه الحرب هي آخر أعمال الصدر الأعظم أحمد كوبريلي.

ملامح شخصية كوبريلي

يعد أحمد باشا كوبريلي واحدًا من أكبر الشخصيات التي تولّت منصب الصدارة العظمى في التاريخ العثماني، ودامت له خمسة عشر عاما متصلة، نجح في أثنائها في إعادة المجد القديم للدولة بفضل ذكائه وكفاءته على الرغم من صغر سنه حين تولى المنصب الكبير.

كان كوبريلي عالما في الفقه والكلام والتاريخ وهذا ما يميزه عن والده، وإن ورث منه عزمه ودهاءه، وكان واضح التفكير وسريع البديهة ينفر من المرائين والثرثارين، يُؤثر العمل على الكلام، ويدع الأعمال تتكلم عن نفسها، وكان غنيا، وقد خصص معظم ثروته للأعمال الخيرية.

وفي أخريات أيامه كان يحب مجالسة أصدقائه في أدرنة، يتبادلون الحديث عن الأدب والشعر والتاريخ، وتكونت لديه مكتبة ضخمة ضمَّت روائع الكتب وأندرها وأنفسها، وعيّن لها أربعة حفاظ أمناء.

ولم تطل الحياة بأحمد باشا كوبريلي فتُوفي عن عمر يناهز واحدًا وأربعين سنة حفلت بجلائل الأعمال، وقضى معظمها مجاهدًا على الثغور، وكانت وفاته في (24 من رمضان 1087هـ = 30 من أكتوبر 1676م)، وتولى بعده زوج أخته "قرة مصطفى" هذا المنصب

زياد علي

زياد علي محمد