السبت، 7 سبتمبر 2019

رجال حول الرسول = عبد الله بن الزبير - أي رجل وأي شهيد

عبد الله بن الزبير - أي رجل وأي شهيد

كان جنينا مباركا في بطن أمه، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة الى المدينة على طريق الهجرة العظيم.
هكذا قدّر لعبد الله بن الزبير أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج الى الدنيا بعد، ولم تشقق عنه الأرحام..!!
وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها وأرضاها، تبلغ قباء عند مشارف المدينة، حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهلجرون من أصحاب رسول الله..!!
وحمل أول مولود في الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بالمدينة مقبّله وحنّكه، وكان أول شيء دخل جوف عبد الله بن الزبير ريق النبي الكريم.
واحتشد المسلمون في المدينة، وحملوا الوليد في مهده، ثم طوّفوا به في شوارع المدينة كلها مهللين مكبّرين.
ذلك أن اليهود حين نزل الرسول وأصحابه المدينة كبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدؤا حرب الأعصاب ضد المسلمين، فأشاعوا أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلطوا عليهم العقم، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا..
فلما أهلّ عبد الله بن الزبير عليهم من عالم الغيب، كان وثيقة دمغ بها القدر افك يهود المدينة وأبطل كيدهم وما يفترون..!!
ان عبد الله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكنه تلقى من ذلك العهد، ومن الرسول نفسه بحكم اتصاله الوثيق به، كل خامات رجولته ومبادئ حياته التي سنراها فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس..
لقد راح الطفل ينمو نموّا سريعا، وكان خارقا في حيويته، وفطنته وصلابته..
وارتدى مرحلة الشباب، فكان شبابه طهرا، وعفة ونسكا، وبطولة تفوق الخيال..
ومضى مع أيامه وقدره، لا تتغيّر خلائقه ولا تنبوبه رغائبه.. انما هو رجل يعرف طريقه، ويقطعه بعزيمة جبارة، وايمان وثيق وعجيب..

**

وفي فتح افريقية والأندلس، والقسطنطينية. كان وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الخالدين..
وفي معركة افريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا..
ودار القتال، وغشي المسلمين خطر عظيم..
وألقى عبد الله بن الزبير نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوتهم. وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش، يصيح في جنوده ويحرضهم بطريقة تدفعهم الى الموت دفعا عجيبا..
وأدرك عبد الله أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد..
ولكن أين السبيل اليه، ودون بلوغه جيش لجب، يقاتل كالاعصار..؟؟
بيد أن جسارة ابن الزبير واقدامه لم يكونا موضع تساؤول قط..!!
هنالك نادى بعض اخوانه، وقال لهم:
" احموا ظهري، واهجموا معي" ...
وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامدا نحو القائد، حتى اذا بلغه، هو عليه في كرّة واحدة فهوى، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطون بملكهم وقائدهم فصرعوهم.. ثم صاحوا الله أكبر..
ورأى المسلمون رايتهم ترتفع، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره ويحرّض جيشه، فأدركوا أنه النصر، فشدّوا شدّة رجل واحدة، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين..
وعلم قائد الجيش المسلم عبد الله بن أبي سرح بالدور العظيم الذي قام به ابن الزبير فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بشرة النصر الى المدينة والى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه..

**

على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها واعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.
فهذا الذي يمكن أن يبتعث فيه الزهو، وثني الأعطاف، أكثر من سبب، يذهلنا بمكانه الدائم والعالي بين الناسكين العابدين..
فلا حسبه، ولا شبابه، ولا مكانته ورفعته، ولا أمواله ولا قوته..
لا شيء من ذلك كله، استطاع أن يحول بين عبد الله بن الزبير وبين أن يكون العابد الذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعا يبهر الألباب.
قال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير..فقال:
" والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه..
ولقد كات يدخل في الصلاة فيخرج من

كل شيء اليها..
وكان يركع أو يسجد، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله،
لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده الا جدارا، أو ثوبا مطروحا..
ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحسّ بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه"..!!

ان الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادة ابن الزبير لشيء يشبه الأساطير..
فهو في صيامه، وفي صلاته، وفي حجه، وفي علوّ همّته، وشرف نفسه..
في سهره طوال العمر قانتا وعبدا..
وفي ظمأ الهواجر طوال عمره صائما مجاهدا..
وفي ايمانه الوثيق بالله، وفي خشيته الداشمة له..
هو في كل هذا نسيج وحده..!
سئل عنه ابن عباس فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف:
" كان قارئا لكتاب الله، متبعا سنة رسوله.. قانتا لله، صائما في الهواجر من مخافة الله.. ابن حواريّ رسول الله.. وأمه أسماء بنت الصديق.. وخالته عائشة زوجة رسول الله.. فلا يجهل حقه الا من أعماه الله"..!!

**
وهو في قوة خلقه وثبات سجاياه، يزري بثبات الجبال..
واضح شريف قوي، على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمنا لصراحته واستقامة نهجه..
أثناء نزاعه مع الأمويين زاره الحصين بن نمير قائد الجيش الذي أرسله يزيد لاخماد ثورة بن الزبير..
زاره اثر وصول الأنباء الى مكة بموت يزيد..
وعرض عليه أن يذهب معه الى الشام، ويستخدم الحصين نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..
فرفض عبد الله هذه الفرصة الذهبية، لأنه كان مقتنعا بضرورة القصاص من جيش الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله من خلال غزوهم الفاجر للمدينة، خدمة لأطماع الأمويين..
قد نختلف مع عبد الله في موقفه هذا، وقد نتمنى لو أنه آثر السلام والصفح، واستجاب للفرصة النادرة التي عرضها عليه الحصين قائد يزيد..
ولكنّ وقفة الرجل أي رجل، الى جانب اقتناعه واعتقاده.. ونبذه الخداع والكذب، أمر يستحق الاعجاب والاحترام..

وعندما هاجمه الحجاج بجيشه، وفرض عليه ومن معه حصارا رهيبا، كان من بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش، كانوا من أمهر الرماة والمقاتلين..
ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان رضي الله عنه، حديثا لا ورع فيه ولا انصاف، فعنّفهم وقال لهم: " والله ما أحبّ أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان"..!!
ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون، حاجة الغريق الى أمل..!!
ان وضوحه مع نفسه، وصدقه مع عقيدته ومبادئه، جعلاه لا يبالي بأن يخسر مائتين من أكفأ الرماة، لم يعد دينهم موضع ثقته واطمئنانه، مع أنه في معركة مصير طاحنة، وكان من المحتمل كثيرا أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرماة الأكفاء الى جانبه..!!

**

ولقد كان صموده في وجه معاوية وابنه يزيد بطولة خارقة حقا..
فقد كا يرى أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين، ان كان يصلح على الاطلاق.. هو محق في رأيه، فـ يزيد هذا كان فاسدا في كل شيء.. لم تكن له فضيلة واحدة تشفع لجرائمه وآثامه التي رواها النا التاريخ..
فكيف يبايعه ابن الزبير؟؟
لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حي..
وها هو ذا يقولها ليزيد بعد أن صار خليفة، وأرسل الى ابن الزبير يتوعده بشرّ مصير..
هناك قال ابن لزبر:
" لا أبايع السكّير أبدا".
ثم أنشد:
ولا الين لغير الحق أساله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

**

وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين، متخذا من مكة المكرّمةعاصمة خلافته، باسطا حكمه على الحجاز، واليمن والبصرة الكوفة وخراسان والشام كلها ما عدا دمشق بعد أن بايعه أهل الأمصار جميعا..
ولكن الأمويين لا يقرّ قرارهم، ولا يهدأ بالهم، فيشنون عليه حروبا موصولة، يبوءون في أكثرها بالهزيمة والخذلان..
حتى جاء عهد عبد الملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبد الله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم ايغالا في القسوة والاجرام..
ذلكم هو الحجاج الثقفي الذي قال عنه الامام العادل عمر بن عبد العزيز:
" لو جاءت كل أمة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجاج وحده، لرجحناهم جميعا"..!!

**

ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزومكة عاصمة ابن الزبير، وحاصرها وأهلها

قرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام، كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير وحيدا، بلا جيش ولا أعوان.
وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون، ووجد عبد الله نفسه، وحيدا أو يكاد، وعلى الرغم من أن فرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مهيأة له، فقد قرر أن يحمل مسؤوليته الى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة أسطورية، وهو يومئذ في السبعين من عمره..!!
ولن نبصر صورة أمينةلذلك الموقف الفذ الا اذا اصغينا للحوار الذي دار بين عبد الله وأمه. العظيمة المجيدة أسماء بنت أبي بكر في تلك الساعات الأخيرة من حياته.
لقد ذهب اليها، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه، وللمصير الذي بدأ واضحا أنه ينتظره..
قالت له أسماء:
" يا بنيّ: أنت أعلم بنفسك، ان كنت تعلم أنك على حق، وتدعو الى حق، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة..
وان كنت تعلم أنك أردت الدنيا، فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك.
قل عبد الله:
" والله يا أمّاهىما أردت الدنيا، ولا ركنت اليها.
وما جرت في حكم الله أبدا، ولا ظلمت ولا غدرت"..
قالت أمه أسماء:
" اني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا ان سبقتني الى الله أو سبقتك.
اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر، وبرّه بأبيه وبي..
اللهم اني اسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين.! "
وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته.
وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ، تلقى الشهيد العظيم ضربة الموت، في وقت استأثر الحجاج فيه بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم، فأبى الا أن يصلب الجثمان الهامد، تشفيا وخسّة..!!

**

وقامت أمه، وعمره يومئذ سبع وتسعون سنة، قامت لترى ولدها المصلوب.
وكالطود الشامخ وقفت تجاهه لا تريم.. واقترب الحجاج منها في هوان وذلة قائلا لها:
يا أماه، ان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا، فهل لك من حاجة..؟
فصاحت به قائلة:
" لست لك بأم..
انما أنا أم هذا المصلوب على الثنيّة..
وما بي اليكم

حاجة..
ولكني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير"..
فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير، فلا أراه الا أنت"!!
واقدم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنه معزيا، وداعيا اياها الى الصبر، قأجابته قائلة:
" وماذا يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا الى بغيّ من بغايا بني اسرائيل"..!!
يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق..!!
أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبد الله بن الزبير عن رأسه قبل أن يصلبوه..؟؟
أجل.. ان يكن رأس ابن الزبير قد قدّم هديّة للحجاج وعبد الملك.. فان رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية لـ سالومي.. بغيّ حقيرة من بني اسرائيل!!
ما أروع التشبيه، وما أصدق الكلمات.

**

وبعد، فهل كان يمكن لعبد الله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى البعيد من التفوّق، والبطولة والصلاح، وقد رضع لبان أم من هذا الطراز..؟؟
سلام على عبد الله..
وسلام على أسماء..

أبو أمامة النجاري

بسم الله الرحمن الرحيم

خرج أسعد بن زُرارة وذَكْوان بن عبد قيس إلى مكّة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فسمعا برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأتياه فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن فأسلما، ولم يقربا عتبةَ بن ربيعة ورجعا إلى المدينة فكانا أوّل مَن قدم بالإسلام المدينة، وكان يقال له أسعد الخير. وكان أسعد بن زُرارة أحد النقباء، وقيل أنه كان في الثمانية النفر الذين يرون أنّهم أوّل من لقي النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، يعني من الأنصار، وأسلموا. وليلة العقبة أخذ أسعد بن زرارة بيد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقال: يا أيّها الناس هل تدرون على ما تُبايعون محمدًا؟ إنّكم تُبايعونه على أن تحاربوا العربَ والعجم والجنّ والإنس مُجْلِبَةً، فقالوا: نحن حَرْبٌ لمن حارب وسلمٌ لمن سالم، فقال أسعد بن زُرارة: يا رسول الله اشترطْ عليّ، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "تبايعوني على أن تشهدوا ألاّ إله إلاّ الله وأني رسول الله وتقيموا الصّلاة وتُؤتوا الزكاة والسمع والطاعة ولا تنازعوا الأمرَ أهلَه وتمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأهليكم". قالوا: نعم. قال قائل الأنصار: نَعَمْ هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ قال: "الجنّة والنصر". وكان أسعد بن زُرارة قبل أن يقدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، المدينة يصلّي بالناس الصلوات الخمس ويجمّع بهم في مسجدٍ بناه في مِرْبَد سهل وسُهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ. وفاته: وروى عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة قال: أخذتْ أسعدَ بن زُرارة الذُّبَحَةُ فأتاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: "اكْتَوِ فإني لا ألومُ نفسي عليك".. وروى عمرو بن شعيب عن بعض أصحاب النبيّ، صلّى الله عليه وسلم قال: كوى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أسعدَ بن زرارة مرّتين في حَلْقِه من الذُّبَحَة وقال: "لا أدع في نفسي منه حَرَجًا". وفي رواية: أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، عاد أسعدَ بن زُرارة وبه الشّوْكَة، فلمّا دخل عليه قال: "قاتل الله يهودَ يقولون لولا دَفَعَ عنه ولا أملك له ولا لنفسي شيئًا لا يلوموني في أبي أُمامة"، ثمّ أمر به فكُوي وحجّر به حَلْقَه، يعني بالكَيّ. وروي أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، عاد أبا أُمامة أسعد بن زُرارة بن عُدُس، وكان رأس النقباء ليلةَ العَقَبة فأخَذَتْه الشّوْكة، فجاءه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يعوده فقال: "بئس الميّت هذا! اليهود يقولون لولا دَفَع عنه، لا أملك لك ولا لنفسي شيئًا، لا يلومُنّ في أبي أمامة"، وأمر به رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فكوي من الشّوْكة، طوّق عنقه بالكيّ طَرْفًا، قال فلم يلبث أبو أمامة إلاّ يسيرًا حتى تُوفّي. وأوصى أبو أُمامة، رضي الله عنه، ببناته إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وكُنّ ثلاثًا، فكنّ في عيال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يَدُرْنَ معه في بيوت نسائه وهُنّ كبشة وحبيبة والفارعة. ولما مات جاء بنو النجار إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّ أَسْعَدَ قَدْ مَاتَ وَكَانَ نَقِيبَنَا؛ فَلَوْ جَعَلَتْ لَنَا نَقيبًا فَقَالَ: "أنْتُمْ أَخْوَالي وَأَنَا نَقِيبَكُمْ" فَكَانَتْ هَذِهِ فَضِيلَةً لِبَني النَّجَّارِ، وحضر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، غُسلَه وكفَّنه في ثلاثة أثواب منها برد، وصلّى عليه، وَرُئِيَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يمشي أمام الجنازة، ودفنه بالبقيع، وكان أوّل من دُفن بالبقيع أسعد بن زُرارة، قال محمّد بن عمر: هذا قول الأنصار، والمهاجرون يقولون: أوّل من دُفن بالبقيع عثمان بن مظعون، ومات أسعد في شوال على رأْس تسعة أَشهر من الْهجرة قبل بدر.

السيرة - رجال حول الرسول - سيدنا أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه -

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هي الشهادة التي حازها أبو ذر الغفاري من رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟

 أيها الأخوة, مع الدرس الثامن والأربعين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، وصحابي اليوم هو سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ, وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ, وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام, فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَالْحَاسِدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَتَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاعْرِفُوهُ لَهُ))

 وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ, فَقَالَ:
((أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام))

[أخرجه الترمذي في سننه عن أبي ذر]

 بالمناسبة فإن شهادة النبي صلى الله عليه وسلَّم لأصحابه شهادة حق، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولأنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف المحاباة والمديح، ولأنه الإنسان الكامل، فإذا مدح صحابياً يمدحه بما فيه، ولا ينطق عن الهوى أبداً، إن هو إلا وحي يوحى .
 لذلك هؤلاء الذين سعدوا بوصف النبي عليه الصلاة والسلام هم سعداء حقاً، كيف لا, وقد قال الله عز وجل عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم ورضوا عنه:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الفتح الآية: 18]

 من هو السعيد, وهل للنسب أية قيمة إذا لم يكن على صلة بالاستقامة والتقوى, ومتى يعترف بالنسب ؟
 يا أيها الأخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو ما في الأرض شيء أثمنُ من أن يرضى الله عنك، ولو كنت معذباً، ولو كنت فقيراً، ولو كنت مضطهداً، ولو كنت ضعيفاً، ولو كنت تعاني ما تعاني، ولو كنت في أدنى درجة السلّم

الاجتماعي، فإذا رضي الله عنك  فأنت أسعد الناس, لذلك فالذي قال:
فليتك تحلو والحياة مريــــرة  وليتك ترضى والأنام غِضــابُ
وليت الذي بيني و بينك عامــر وبيني وبين العالمين خَـــرابُ

 لقد صدق, لكنه لِمن ذاق طعم الإيمان، وذاق طعم القرب، وذاق طعم الرضى، وذاق طعم أن يشعر الإنسان أن الله يحبه، وأن خالق الكون يرعاه، ويحميه، ويدافع عنه، ويجعل له وُدًّا، قال عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[سورة مريم الآية: 96]

 الإنسان أحياناً يملأ الدنيا إذا كانت له صلة مع شخص مهمٍّ، وإذا كانت معه صورة له، يضعها في جيبه دائمًا، وكلما التقى بإنسان, يقول: كنا بالأمس معًا في سهرة لعله إنسان لا قيمة له عند الله أبداً، فكيف إذا كانت لك مودة مع خالق الكون؟ .
 على كل؛ وكما كنت أقول هذا لكم كثيراً: مهما يكن وضعك الصحي، أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو العلمي، أو الطبقي، أو العرقي، فلا شيء يحول بينك وبين أن تكون بطلاً عند الله عز وجل, من أي منبت كنتَ، من أي مشرب، من أي طبقة، من أي عرق، من أي جنس، من أي أمة، من أي لون، من أي شكل، من أي وراثة، من أي أسرة، من أي منطقة، أبداً, لأن هذا الدين دين الله عز وجل، وليس هناك عقبة إلا منك، لذلك ترون مِن الصحابة مَن هم في قمم النسب القريشي؟ ومن الصحابة من هم دخلاء على قريش، فسلمان وبلال وصهيب دخلاء على قريش، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟:

((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ))

[أخرجه الطبراني في الكبير]

 النبي عليه الصلاة والسلام ألغى النسب كله، قال:

((أنا جد كل تقي, ولو كان عبداً حبشياً))

 هذا هو الإسلام، وما سوى ذلك جاهلية، فأيُّ إنسان يعتد بنسبه إن لم يكن مستقيماً فلا شأن له ، لكن النسب مع الاستقامة فهو على العين والرأس، تاج يُتوَّج الإنسان به، أما نسب بلا استقامة فكلام فارغ، قال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

 هذا شعار من يفتخرون بالأنساب دون أن يستقيموا على أمر الله، قال تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

 فأيُّ إنسان يعتد بأسرته، بوسامته، بذكائه، بقومه، بأمته, فهو اعتداد أعمى, إنْ لم يقدم شيئًا يرفعه، فهذا سلوك جاهلي، وتفكير جاهلي، ونمط جاهلي، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ))

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن المعرور بن سويد]

 كل إنسان عنصري فهو جاهلي، كل إنسان يحابي إنسانًا لا لأخلاقه، ولا لعلمه، ولكن لنسبه، أو لاتصاله بقومه، أو لعشيرته، أو أسرته, فهو إنسان جاهلي عنصري، لذلك في هذا الدرس ترون أن هذا الصحابي الجليل كان من أطراف المدينة، وادٍ من الوديان التي تصل مكة بالعالم الخارجي .
 تعرفون الوديان ممرات إجبارية، فهناك وادٍ يعد ممراً إجبارياً بين مكة والعالم الخارجي، في هذا الوادي الذي اسمه (ودان) كانت تنزل قبيلة غفار، وقد تسألون لماذا في الوادي؟ لأن الوادي مسيل الماء، وفي قعر الوادي قد تتجمع المياه، وقد ينبت الكلأ، لذلك هذه القبيلة، قبيلة غفار كانت تنزل في قعر الوادي الذي يصل مكة بالعالم الخارجي، يعني على الطريق، وكانت غفار قبيلة فقيرة جداً، تعيش من ذلك النزر اليسير الذي تبذله لها القوافل، أيْ تعيش على فتات القوافل .
 ربنا سبحانه وتعالى نوَّع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الغني, ومنهم الفقير، فمنهم القريب, ومنهم البعيد، ومنهم الحضري, ومنهم البدوي، ومنهم الذكي, ومنهم الأقل ذكاءً، ومنهم ذو العشيرة, ومنهم من كان دخيلاً على مكة .

من هو أبو ذر الغفاري, وما هي الميزات التي كان يتمتع بها, وعلام يبحث ؟

 كان جندب بن جنادة المكنى بأبي ذر واحداً من أبناء هذه قبيلة غفار, وكان واحداً من هذه القبيلة التي تعيش في ذلك المكان، وعلى فتات القوافل، أو على قطع الطريق .
 الإسلام أيها الأخوة, يصبغ الإنسان، وكنت أقول هذه الكلمة: لا يمكن أن يُضاف إلى كلمة مؤمن كلمة أخرى، فأي كلمة تضاف إلى المؤمن كلمة باطلة، لأن الإيمان يصبغ نفسية الإنسان بصبغة الكمال، قال تعالى:

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 138]

 لكن هذا الصحابي الجليل كان يمتاز بجرأة القلب، ورجاحة العقل، وبُعْدِ النظر .
 اليوم زارني إنسان يتمتع بقدرات فكرية عالية جداً، قلت له: إنّ النبي عليه الصلاة والسلام عجب لا من إسلام خالد، ولكن عجب من تأخر إسلام خالد، قال له:

((عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً))

 معناها الإسلام متوافق توافقاً تاماً مع العقل، كل من كان له عقل راجح يجب أن يستسلم لله عز وجل، هذا التلازم بين العقل الراجح وبين التدين، هذا تلازم ضروري، وتلازم ثابت وحتمي، فالنبي لما رأى سيدنا خالدًا، وقد أسلم قبل عام الفتح بقليل، قال له:
((عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً))

 إذاً: سيدنا أبو ذر كان يمتاز بجرأة القلب، ورجاحة العقل، وبُعْدِ النظر، وفطرته كانت تأبى أن يعبد الأصنام، كان يضيق أشد الضيق بهذه الأوثان التي تُعبد من دون الله، ويستنكر على قومه، يستنكر فساد دينهم، وتفاهة معتقدهم .
كان عندنا درس للدعاة يوم السبت، فأحد أخواننا الكرام ألقى محاضرة مِن مقرر تاريخ الأديان، وفي هذه المحاضرة حديث عن الديانات في الهند، وقرأ لنا مقتطفات من قول رجل راجح العقل هناك، وله مكانة كبيرة جداً، يفضل البقرة على أمه، ويرى أن هذه البقرة يجب أن تُعبد من دون الله .
 فالإنسان حين يرى تفاهة عقل الآخرين، فذاك الرجل له عقل راجح، والدليل وصل إلى قمة المجتمع الهندي، ومع ذلك حين تحدث عن دينه الهندوسي، وتحدث عن البقرة، وكيف أنها أفضل من أمه, وقال: هو يرضع من أمه سنتين فقط ، لكنه يشرب الحليب من البقرة طوال حياته ، إذاً: البقرة أفضل من أمه؟ هذا ما سمعناه منقول بنصه الحرفي .
 فكان أبو ذر رضي الله عنه يضيق أشد الضيق بقومه، ويتطلع إلى ظهور نبي جديد، يملأ على الناس عقولهم وأفئدتهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور .
ما هو الغرض الذي أرسل به أبو ذر أخاه أنيس إلى مكة ؟

 أيها الأخوة, الإنسان قد يبحث بهذا المجلس أو بذاك، بهذا المكان أو بغيره، ثم يقول لك: ما ارتويت، عندي فراغ ما مُلِئ، عندي حاجة عقلية ما ارتوت، عندي تطلع ما وجدته، إلى أن يهديه الله إلى جهة يرتاح لها تسد فراغ عقله، وتسد حاجة نفسه .
 سيدنا أبو ذر كان عنده فراغ، كان عنده بحث دائم، ثم تناهت إلى أبي ذر وهو في باديته أخبارُ النبي عليه الصلاة والسلام الذي ظهر في مكة، وقال لأخيه أنيس:

((انطلق إلى مكة ، وقِفْ على أخبار هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وأنه يأتيه وحي من السماء، واسمع شيئاً من قوله واحمله إلي .
ذهب أنيس إلى مكة، والتقى بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وسمع منه، ثم عاد إلى البادية، فتلقاه أبو ذر باللهفة، وسأله عن أخبار النبي الجديد بشغف, فقال: لقد رأيت واللهِ رجلاً يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر, فقال: وماذا يقول الناس عنه؟, قال: يقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر, فقال أبو ذر:والله ما شفيت لي غليلاً، ولا قضيت لي حاجة ، فهل أنت كافٍ عيالي حتى انطلق فأنظر في أمره؟ قال: نعم، ولكن كنْ من أهل مكة على حذر, لأن الرجل مُحارَب هناك، فإذا علموا أنك جئته ربما قتلوك))

إليكم قصة إسلام أبي ذر الغفاري :

 أيها الأخوة, فتزود أبو ذر لنفسه، وحمل معه قربة ماء صغيرة، واتجه من غده إلى مكة يريد لقاء النبي عليه الصلاة والسلام، والوقوف على خبره بنفسه .
 بلغ أبو ذر مكة المكرمة، وهو متوجس خيفة من أهلها، فقد تناهت إليه أخبار غضبة قريش لآلهتهم، وتنكيلهم بكل من تحدثه نفسه باتباع محمد، لذا كره أن يسأل أحداً عن محمد، لأنه ما كان يدري أيكون هذا المسؤول من شيعته أم من عدوه؟ لا يعرف .
 لما أقبل الليل اضطجع في المسجد، فمر به رجل هو سيدنا علي بن أبي طالب، فعرف أنه غريب، فقال:

((هلم إلينا أيها الرجل، فمضى معه، وبات ليلته عنده، وفي الصباح حمل قربته ومزوده، وعاد إلى المسجد دون أن يسأل أحدًا عن شيء .

 -أحياناً أيها الأخوة, قد يوجه الإنسان أسئلة محرجة، كأنْ يمشي مع شخص، يقول له: أراك هنا، أين ذاهب؟ لا تحرجه، ربما لا يحب أن يقول: أين هو ذاهب؟ فكل إنسان يكثر الأسئلة، يضيق على صاحبه-
ثم قضى أبو ذر يومه الثاني دون أن يتعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أمسى أخذ مضجعه من المسجد، فمر به علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ ثم اصطحبه معه فبات عنده ليلته الثانية، ولم يسأل أحدٌ منهما صاحبه عن شيء, فلما كانت الليلة الثالثة، قال علي لصاحبه: ألا تحدثني عما أقدمك إلى مكة؟ فقال أبو ذر: إن أعطيتني ميثاقاً أن ترشدني إلى ما أطلب فعلت، فأعطاه عليٌّ ما أراد من ميثاق, فقال أبو ذر:لقد قصدت مكة من أماكن بعيدة أبتغي لقاء النبي الجديد، وسماع شيء مما يقوله, فانفرجت أسارير سيدنا علي، وقال: والله إنه لرسول الله حقاً,-هذه على حد قوله تعالى:

﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾

[سورة طه الآية: 40]

 هذه اللقاءات العابرة، اللقاءات التي يظن أنها صدفة، فليست هي صدفة، ولكنها بقدر, قال تعالى:

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة الأنفال الآية: 17]

﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾

[سورة طه الآية: 40]

 فالله عز وجل علم صدقه، فجمعه بصاحبي جليل، ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام-

قال: والله إنه لرسول الله حقاً, وإنه وإنه وإنه, وحدثه عن النبي، فإذا أصبحنا فاتبعني حيثما سرت, قال له: سر ورائي، فإن رأيت شيئاً أخافه عليك، وقفتُ كأني أريق الماء

 - اتفقوا على إشارة - فانتبه وارجع، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي، فلم يقر لأبي ذر مضجعه طوال ليلته شوقاً إلى النبي ورؤيته، ولهفة إلى استماع شيء مما يوحى إليه .
وفي الصباح مضى عليٌّ بضيفه إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى أبو ذر وراءه يقفو أثره، وهو لا يلوي على شيء، حتى دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم .

 -يقولون: إنّ أول صحابي سلَّم على النبي بسلام الإسلام هو أبو ذر الغفاري، أما كان راجح العقل؟ بلى- حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم, قال: السلام عليك يا سول الله .
 -لنا هنا كلام جميل، فحين يتكلم الإنسانُ فإمّا أنْ يعلو أو يسقط، قال زهير بن أبي سلمى في معلقته:
وكائِنْ ترَى مِنْ صَامِتٍ لكَ مُعجِبٍ  زِيادَتُهُ أوْ نَقصُهُ فِي التّكَلُّـــمِ

 سيدنا عمر كان مرةً ماشيًا في الطريق، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء, ولم يَقُلْ: السلام عليكم يا أصحاب النار, يعني اللغة شيء ثمين، مرة منشئ الأخبار صاغ الخبر التالي: يُسمح باستيراد العلف للمواطنين، هذا غير صحيح، يجب أن يقول يُسمح للمواطنين باستيراد العلف- .
 فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك سلام الله ورحمته وبركاته, -فعندما تقول: السلام عليكم ، يعني أنني إنسان خيَّر فلا تخف مني، الإنسان عليه أن يكثر السلام، حتى إذا دخل على أهل بيته، حتى إذا دخل إلى محل ما فليبدأ بالسلام- .
كان أبو ذر أول من حيَّا الرسول بتحية الإسلام، ثم شاعت وعمَّت بعد ذلك .
أقبل النبي عليه الصلاة والسلام على أبي ذر يدعوه إلى الإسلام، ويقرأ عليه القرآن، فما لبث أن أعلن كلمة الحق، ودخل في الدين الجديد قبل أن يبرح مكانه، فكان رابع ثلاثة أسلموا أو خامس أربعة))

 بعض الصحابة يقولون: كنت في وقت وأنا ثلث الإسلام، الثلث أي سبقه اثنان، الآن أنت كم سبقكم من واحد؟ ألف ومائتا مليون، أنت واحد على ألف مليون ومائتي مليون، سيدنا أبو ذر واحد على أربعة، يعني حينما دخل في الإسلام كان رابع خمسة أو ثالث أربعة .
ماذا فعلت قريش حينما علمت بإسلام أبي ذر, وكيف نجى من القتل, وبماذا أمره النبي ؟

 قال أبو ذر:

((أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فعلمني الإسلام، وأقرأني شيئاً من القرآن، ثم قال لي: لا تخبر بإسلامك أحداً في مكة، فإني أخاف عليك أن يقتلوك, فقلت: والذي نفسي بيده لا أبرح مكة حتى آتي المسجد، وأصرخ بدعوة الحق بين ظهراني قريش، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 -الحقيقة التفسير سهل، من شدة انبهاره بالدعوة، من شدة سعادته بالإسلام، فهل من المعقول أنّ في الناس مَن لا يعرف الإسلام؟ فتطوع أن يخرج إليهم، وأن يصرخ في وجههم بكلمة الحق, مع أنّ النبي نصحه ألاّ يفعل- .
قال: فجئت المسجد، وقريش جلوس يتحدثون، فتوسطتهم، وناديت بأعلى صوتي، يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فما كادت كلماتي تلامس آذان القوم حتى ذعروا جميعاً، وهبوا من مجالسهم، وقالوا: عليكم بهذا الصابئ، وقاموا إليَّ، وجعلوا يضربونني لأموت، فأدركني العباس بن عبد المطلب عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وأكب عليَّ ليحميني منهم، ثم أقبل عليهم، وقال: ويلكم, ويلكم، أتقتلون رجلاً من غفار، وممر قوافلكم عليهم؟ انتبهوا .

 -انظر إلى الذكاء، لو قال: أتقتلون إنسانًا مؤمنًا لقتلوه، فهمْ يريدون قتله، لكنّهم خاطبهم بلغتهم، أحياناً الإنسان يُوفق ويخاطب الآخرين باللغة التي يفهمونها، ليس بحكيم من خاطب أناساً بلغة لا يفهمونها، أحياناً تخاطب إنسانًا قويًا، وتقول: والله يجب أن تفعل هكذا، ألاَ تخاف اللهَ، يظن الإنسان العاقل أنَّ أعظم شيء أن يخاف الإنسانُ من الله، فالمتغطرس لا يخاف الله إطلاقاً، فكل إنسان يجب أن يُخاطَب بلغة يفهمها، وهذه من الحكمة- .
قال: ولما أفقت من غيبوبتي بعد أن ضُربت ضرباً مبرحاً، جئت النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى ما بي قال: يا أبا ذر, ألم أنهك عن إعلان إسلامك؟ فقلت: يا رسول الله, كانت حاجة في نفسي فقضيتها, فقال: الحقْ بقومك، وأخبرهم بما رأيت وما سمعت، وادعُهم إلى الله، لعل الله ينفعهم بك، ويأجرك فيهم, قال: فإذا بلغك أني ظهرت فتعال إلي))

 ما معنى ظهرت؟ يعني نصرني الله، الآن النبي مستضعف متخف .
هل استجابت قبيلة أبي ذر إلى دعوته, ومتى أقام بالمدينة, ومتى فارقها, وأين أقام ؟

 قال أبو ذر:

((فانطلقت حتى أتيت منازل قومي، فلقيني أخي أنيس، فقال: ما صنعت؟ قلت: لقد أسلمتُ وصدَّقتُ, فما لبث أن شرح الله صدره، وقال: مالي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت أيضاً, ثم أتينا أمَّنا فدعوناها للإسلام، -والمرأة لها قيمة وشأن، فهي أمٌّ, وزوجة- فقالت: مالي رغبة عن دينكما، وأسلمتْ أيضاً .
منذ ذلك اليوم انطلقت الأسرة المؤمنة تدعو إلى الله، لا تكلُّ عن ذلك، ولا تملّ منه، حتى أسلم من غفار خلق كثير، وأقيمت الصلاة فيهم, -ما معنى قوله تعالى؟:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

[سورة النحل الآية: 120]

 أنت ممكن أن تكون أمة، إذا كان عند الإنسان صدق شديد، ودعا إلى الله يصبح وحده أمةً-.
 أيها الأخوة, لكنّ فريقًا منهم, قال: نبقى على ديننا، حتى إذا قدم النبيُّ المدينة أسلمنا، فلما قدم النبي المدينة أسلموا- فعَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتْ اللَّهَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح عن ابن عمر]

 وقبيلة أخرى أسلمتْ .
 أقام أبو ذر في باديته حتى مضت بدرٌ وأحدٌ والخندقُ، ثم قدم إلى المدينة، وانقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذنه أن يقوم في خدمته، فأذن له، ونَعِمَ بصحبته، وسَعِدَ بخدمته، وظلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثره ويكرمه، فما لقيه مرةً إلا صافحة، وهشَّ في وجهه وبشَّ .
 لما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى لم يُطِق أبو ذر صبراً على الإقامة في المدينة، بعد أن خلت من سيدها، وأقفرت من هدي مجلسه، فرحل إلى بادية الشام، وأقام فيها مدة خلافة الصديق والفاروق رضي الله عنهم جميعا .
 وفي خلافة عثمان نزل في دمشق، فرأى من إقبال المسلمين على الدنيا وانغماسهم في الترف ما أذهله، ودفعه إلى استنكار ذلك، فاستدعاه عثمان إلى المدينة، فقدم إليها، لكن ما لبث أن ضاق برغبة الناس في الدنيا، وضاق الناس بشدته عليهم، وتنديده بهم، فأمره عثمان بالانتقال إلى الربذة، وهي قرية صغيرة من قرى المدينة، فرحل إليها، وأقام فيها بعيداً عن الناس، زاهداً بما في أيديهم من عرض الدنيا، مستمسكاً بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من إيثار الباقية على الفانية))
إليكم زهده في الدنيا :

 دخل عليه رجلٌ ذات مرة، فجعل يقلب الطرف في بيته، فلم يجد فيه متاعاً، فقال:

((يا أبا ذر, أين متاعكم؟ فقال:لنا بيت هناك، نرسل إليه صالح متاعنا، ففهم الرجل مراده، -أنّه يعني الدار الآخرة- وقال: ولكن لا بد لك من متاع ما دمت في هذه الدار، فأجاب: ولكن صاحب المنزل لا يدعنا فيه))

 بعث إليه أمير الشام بثلاثمئة دينار، وقال له:
((استعن بها على قضاء حاجتك، فردها إليه ، وقال:أما وجد أمير الشام عبداً لله أهون عليه مني))

 وفي السنة الثالثة والثلاثين للهجرة استأثرت يد المنون بالعابد الزاهد، الذي قال فيه النبي صلوات الله عليه:
((مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ, وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ, -الغبراء الأرض، والخضراء السماء - مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ, وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 يعني أصدق مع ربه، وأصدق في طلب الحق، وأصدق في الزهد في الدنيا .

مغزى القصة :

 أردت من هذه القصة ذكرَ إنسان يعيش في وادٍ منقطع، وتعيش قبيلته على قطع الطريق أحياناً، وعلى فتات القوافل أحياناً، يصبح سيدنا، ويصبح صحابياً جليلاً، ويصبح في أعلى قمم التقوى والصلاح .
 مرةً ثانية، أيّ وضع أنت فيه؟ من أي انتماء أنت؟ من أي عرق كنت؟ من أي لون؟ من أي طبيعة؟ من أي مستوى؟ من أي أصل؟ لا شيء في الأرض يمنعك من أن تكون مؤمناً وبطلاً قريباً من الحق .

رجال حول الرسول = أبو موسى الأشعري - الاخلاص.. وليكن ما يكون

أبو موسى الأشعري - الاخلاص.. وليكن ما يكون

عندما بعثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الى البصرة، ليكون أميرها وواليها، جمع أهلها وقام فيهم خطيبا فقال:
" ان أمير المؤمنين عمر بعثني اليكم، أعلمكم كتار بكم، وسنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم"..!!
وغشي الانس من الدهش والعجب ما غشيهم، فانهم ليفهمون كيف يكون تثقيف الناس وتفقيههم في دينهم من واجبات الحاكم والأمير، أما أن يكون من واجباته تنظيف طرقاتهم، فذاك شيء جديد عليهم بل مثير وعجيب..
فمن هذا الوالي الذي قال عنه الحسن رضي الله عنه:
" ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه"..؟

**

انه عبد الله بن قيس المكنّى بـ أبي موسى الأشعري..
غادر اليمن بلده ووطنه الى مكة فور سماعه برسول ظهر هناك يهتف بالتوحيد ويدعو الى الله على بصيرة، ويأمر بمكارم الأخلاق..
وفي مكة، جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
وعاد الى بلاده يحمل كلمة الله، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
وعاد الى بلاده يحمل كلمة الله، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثر فراغه من فتح خيبر..
ووافق قدومه قدوم جعفر بن أبي طالب مقبلا مع أصحابه من الحبشة فأسهم الرسول لهم جميعا..
وفي هذه المرّة لم يأت أبو موسى الأشعري وحده، بل جاء معه بضعة وخمسون رجلا من أهل اليمن الذين لقنهم الاسلام، وأخوان شقيقان له، هم، أبو رهم، وأبو بردة..
وسمّى الرسول هذا الوفد.. بل سمّى قومهم جميعا بالأشعريين..
ونعتهم الرسول بأنهم أرق الناس أفئدة..
وكثيرا ما كان يضرب المثل الأعلى لأصحابه، فيقول فيهم وعنهم:
" ان الأشغريين اذا أرملوا في غزو، أو قلّ في أيديهم الطعام، جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموا بالسويّة.
" فهم مني.. وانا منهم"..!!
ومن ذلك اليوم أخذ أبو موسى مكانه الدائم والعالي بين المسلمين والمؤمنين، الذين قدّر

لهم أن يكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلامذته، وأن يكونوا حملة الاسلام الى الدنيا في كل عصورها ودهورها..

**

أبو موسى مزيج عجيب من صفات عظيمة..
فهو مقاتل جسور، ومناضل صلب اذا اضطر لقتال..
وهو مسالم طيب، وديع الى أقصى غايات الطيبة والوداعة..!!
وهو فقيه، حصيف، ذكي يجيد تصويب فهمه الى مغاليق الأمور، ويتألق في الافتاء والقضاء، حتى قيل:
" قضاة هذه الأمة أربعة:
" عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت"..!!
ثم هو مع هذا، صاحب فطرة بريئة، من خدعه في الله، انخدع له..!!
وهو عظيم الولاء والمسؤولية..
وكبير الثقة بالناس..
لو أردنا أن نختار من واقع حياته شعارا، لكانت هذه العبارة:
" الاخلاص وليكن ما يكون"..
في مواطن الجهاد، كان الأشعري يحمل مسؤولياته في استبسال مجيد مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلمي يقول عنه:
" سيّد الفوارس، أبو موسى"..!!
وانه ليرينا صورة من حياته كمقاتل فيقول:
" خرجنا مع رسول الله في غزاة، نقبت فيها أقدامنا، ونقّبت قدماي، وتساقطت أظفاري، حتى لففنا أقدامنا بالخرق"..!!
وما كانت طيبته وسلامة طويته ليغريا به عدوّا في قتال..
فهو في موطن كهذا يرى الأمور في وضوح كامل، ويحسمها في عزم أكيد..

ولقد حدث والمسلمون يفتحون بلاد فارس أن هبط الأشعري يجيشه على أهل أصبهان الذين صالحوه على الجزية فصالحهم..
بيد أنهم في صلحهم ذاك لم يكونوا صادقين.. انما ارادوا أن يهيئوا لأنفسهم الاعداد لضربة غادرة..
ولكن فطنة أبي موسى التي لا تغيب في مواطن الحاجة اليها كانت تستشف أمر أولئك وما يبيّتون.. فلما همّوا بضربتهم لم يؤخذ القائد على غرّة، وهنالك بارزهم القتال فلم ينتصف النهار حتى كان قد انتصر انتصارا باهرا..!!

**

وفي المعارك التي خاضها المسلمون ضدّ امبراطورية الفرس، كان لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، بلاؤه العظيم وجهاده الكريم..
وفي موقعة تستر بالذات، حيث انسحب الهرزمان بجيشه اليها وتحصّن بها، وجمع فيها جيوشا هائلة، كان أبو موسى بطل هذه الموقعة..
ولقد أمدّه أمير المؤمنين عمر يومئذ بأعداد هائلة من المسلمين، على رأسهم عمار بن

ياسر، والبراء بن مالك، وأنس بن مالك، ومجزأة البكري وسلمة بن رجاء..
واتقى الجيشان..
جيش المسلمين بقيادة أبو موسى.. وجيش الفرس بقيادة الهرزمان في معركة من أشد المعارك ضراوة وبأسا..
وانسحب الفرس الى داخل مدينة تستر المحصنة..
وحاصرها المسلمون أياما طويلة، حتى أعمل أبو موسى عقله وحيلته..
وأرسل مائتي فارس مع عميل فارسي، أغراه أبو موسى بأن يحتال حتى يفتح باب المدينة، أمام الطليعة التي اختارها لهذه المهمة.
ولم تكد الأبواب تفتح، وجنود الطليعة يقتحمون الحصن حتى انقض أبو موسى بجيشه انقضاضا مدمدما.
واستولى على المعقل الخطير في ساعات. واستسلم قادة الفرس، حيث بعث بهم أبو موسى الى المدينة ليرى أمير المؤمنين فيهم رأيه..

**
على أن هذا المقاتل ذا المراس الشديد، لم يكن يغادر أرض المعركة حتى يتحوّل الى أوّاب، بكّاء وديع كالعصفور ...
يقرأ القرآن بصوت يهز أعماق من سمعه.. حتى لقد قال عنه الرسول:
" لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود"..!
كان عمر رضي الله عنه كلما رآه دعاه ليتلو عليه من كتاب الله.. قائلا له:
" شوّقنا الى ربنا يا أبا موسى"..
كذلك لم يكن يشترك في قتال الا أن يكون ضد جيوش مشركة، جيوش تقاوم الدين وتريد أن تطفئ نور الله..
أما حين يكون القتال بين مسلم ومسلم، فانه يهرب منه ولا يكون له دور أبدا.
ولقد كان موقفه هذا واضحا في نزاع عليّ ومعاوية، وفي الحرب التي استعر بين المسلمين يومئذ أوراها.
ولعل هذه النقطة من الحديث تصلنا بأكثر مواقف حياته شهرة، وهو موقفه من التحكيم بين الامام علي ومعاوية.
هذا الموقف الذي كثيرا ما يؤخذ آية وشاهدا على افراط أبي موسى في الطيبة الى حد يسهل خداعه.
بيد أن الموقف كما سنراه، وبرغم ما عسى أن يكون فيه تسرّع أو خطأ، انما يكشف

عن عطمة هذا الصحابي الجليل، عظمة نفسه، وعظمة ايمانه بالحق، وبالناس، ان راي أبي موسى في قضية التحكيم يتلخص في أنه وقد رأى المسلمين يقتل بعضهم بعضا، كل فريق يتعصب لامام وحاكم.. كما رأى الموقف بين المقاتلين قد بلغ في تأزمه واستحالة تصفيته المدى الذي يضع مصير الأمة المسلمة كلها على حافة الهاوية.
نقول: ان رأيه وقد بلغت الحال من السوء هذا المبلغ، كان يتلخص في تغيير الموقف كله والبدء من جديد.
ان الحرب الأهلية القائمة يوم ذاك انما تدور بين طائفتين من المسلمين تتنازعان حول شخص الحاكم، فليتنازل الامام علي عن الخلافة مؤقتا، وليتنازل عنها معاوية، على أن يرد الأمر كله من جديد الى المسلمين يختارون بطريق الشورى الخليفة الذي يريدون.
هكذا ناقش أبو موسى القضية، وهكذا كان حله.
صحيح أن عليّا بويع بالخلافة بيعة صحيحة.
وصحيح أن كل تمرد غير مشروع لا ينبغي أن يمكّن من غرضه في اسقاط الحق المشروع. بيد أن الأمور في النزاع بين الامام ومعاوية وبين أهل العراق وأهل الشام، في رأي أبي موسى، قد بلغت المدى الذي يفرض نوعا جديدا من التفكير والحلول.. فعصيان معاوية، لم يعد مجرّد عصيان.. وتمرّد أهل الشام لم يعد مجرد تمرد.. والخلاف كله يعود مجرد خلاف في الرأي ولا في الاختيار..
بل ان ذلك كله تطوّر الى حرب أهلية ضارية ذهب ضحيتها آلاف القتلى من الفريقين.. ولا تزال تهدد الاسلام والمسلمين بأسوأ العواقب.
فازاحة أسباب النزاع والحرب، وتنحية أطرافه، مثّلا في تفكير أبي موسى نقطة البدء في طريق الخلاص..
ولقد كان من رأي الامام علي حينما قبل مبدأ التحكيم، أن يمثل جبهته في التحكيم عبد الله بن عباس، أو غيره من الصحابة. لكن فريقا كبيرا من ذوي البأس في جماعته وجيشه فرضا عليه أبا موسى الأشعري فرضا.
وكانت حجتهم في اختيار أبا موسى أنه لم يشترك قط في النزاع بين علي ومعاوية، بل اعتزل كلا الفريقين بعد أن يئس من حملهما على التفاهم والصلح ونبذ القتال. فهو بهذه المثابة أحق الناس بالتحكيم..
ولم يكن في دين أبي موسى، ولا في اخلاصه وصدقه ما يريب الامام.. لكنه كان يدرك موايا الجانب الآخر ويعرف مدى اعتمادهم على المناورة والخدعة. وأبو موسى برغم فقهه وعلمه يكره الخداع والمناورة، ويحب أن يتعامل مع الناس بصدقه لا بذكائه. ومن ثم

خشي الامام علي أن ينخدع أبو موسى للآخرين، ويتحول التحكيم الى مناورة من جانب واحد، تزيد الأمور سوءا ...

**

بدأ التحيكم بين الفريقين..
أبو موسى الأشعري يمثل جبهة الامام علي..
وعمرو بن العاص، يمثل جانب معاوية.
والحق أن عمرو بن العاص اعتمد على ذكائه الحاد وحيلته الواسعة في أخذ الراية لمعاوية.
ولقد بدأ الاجتماع بين الرجلين، الأشعري، وعمرو باقتراح طرحه أبو موسى وهو أن يتفق الحكمان على ترشيح عبد الله بن عمر بل وعلى اعلانه خليفة للمسلمين، وذلك لما كان ينعم به عبد الله بن عمر من اجماع رائع على حبه وتوقيره واجلاله.
ورأى عمرو بن العاص في هذا الاتجاه من أبي موسى فرصة هائلة فانتهزها..
ان مغزى اقتراح أبي موسى، أنه لم يعد مرتبطا بالطرف الذي يمثله وهو الامام علي..
ومعناه أيضا أنه مستعد لاسناد الخلافة الى آخرين من أصحاب الرسول بدليل أنه اقترح عبد الله بن عم..
وهكذا عثر عمرو بدهائه على مدخل فسيح الى غايته، فراح يقترح معاوية.. ثم اقترح ابنه عبد الله بن عمرو وكان ذا مكانة عظيمة بين أصحاب رسول الله.
ولك يغب ذكاء أبي موسى أمام دهاء عمرو.. فانه لم يكد يرى عمرا يتخذ مبدأ الترشيح قاعدة الترشيح للحديث والتحكيم حتى لوى الزمام الى وجهة أسلم، فجابه عمرا بأن اختيار الخليفة حق للمسلمين جميعا، وقد جعل الله أمرهم شورى بينهم، فيجب أن يترك الأمر لهم وحدهم وجميعهم لهم الحق في هذا الاختيار..
وسوف نرى كيف استغل عمرو هذا المبدأ الجليا لصالح معاوية..
ولكن قبل ذلك لنقرأ نص الحوار التاريخي الذي دار بين أبي موسى وعمرو بن العاص في بدء اجتماعهما:
أبو موسى: يا عمرو، هل لك في صلاح الأمة ورضا الله..؟
عمرو: وما هو..؟
أبو موسى: نولي عبد الله بن عمر، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحرب.
عمرو: وأين أنت من معاوية..؟

أبو موسى: ما معاوية بموضع لها ولا يستحقها.
عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلموا..؟
أبو موسى: بلى..
عمرو: فان معاوية وليّ دم عثمان، وبيته في قريش ما قد علمت. فان قال الناس لم أولي الأمر ولست سابقة؟ فان لك في ذلك عذرا. تقول: اني وجدته ولي عثمان، والله تعالى يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) .. وهو مع هذا، اخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أصحابه..
أبو موسى: اتق الله يا عمرو..
أمّا ما ذكرت من شرف معاوية، فلو كانت الخلافة تستحق بالشرف لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصبّاح فانه من أبناء ملوك اليمن التباعية الذين ملكوا شرق الأرض ومغربها.. ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن أبي طالب..؟؟
وأما قولك: ان معاوية ولي عثمان، فأولى منه عمرو بن عثمان..
ولكن ان طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره، بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر..
عمرو: فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته..؟
أبو موسى: ان ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، فهلم نجعلها للطيّب بن الطيّب.. عبد الله بن عمر..
عمرو: يا أبا موسى، انه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل له ضرسان يأكل بأحدهما، ويطعم بالآخر..!!
أبو موسى: ويحك يا عمرو.. ان المسلمين قد أسندوا الينا الأمر بعد أن تقارعوا السيوف، وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنة.
عمرو: فماذا ترى..؟ أبو موسى: أرى أن نخلع الرجلين، عليّا ومعاوية، ثم نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من يحبوا..
عمرو: رضيت بهذا الرأي فان صلاح النفوس فيه..
ان هذا الحوار يغير تماما وجه الصورة التي تعوّدنا أن نرى بها أبا موسى الأشعري كلما ذكرنا واقعة التحكيم هذه..
ان أبا موسى كان أبعد ما يكون عن الغفلة..
بل انه في حواره هذا كان ذكاؤه أكثر حركة من ذكاء عمرو بن العاص المشهور بالذكاء والدهاء..

فعندما أراد عمرو أن يجرّع أبا موسى خلافة معاوية بحجة حسبه في قريش، وولايته لدم عثمان، جاء رد أبي موسى حاسما لامعا كحد السيف..
اذا كانت الخلافة بالشرف، فأبرهة بن الصباح سليل الملوك أولى بها من معاوية..
واذا كانت بدم عثمان والدفاع عن حقه، فابن عثمان رضي الله عنه، اولى بهذه الولاية من معاوية..

**

لقد سارت قضية التحيكم بعد هذا الحوار في طريق يتحمّل مسؤليتها عمرو بن العاص وحده..
فقد أبرأ أبو موسى ذمته بردّ الأمر الى الأمة، تقول كلمتها وتخنار خليفتها..
ووافق عمرو والتزم بهذا الرأي..
ولم يكن يخطر ببال أبي موسى أن عمرو في هذا الموقف الذي يهدد الاسلام والمسلمين بشر بكارثة، سيلجأ الى المناورة، هما يكن اقتناعه بمعاوية..
ولقد حذره ابن عباس حين رجع اليهم يخبرهم بما تم الاتفاق عليه..
حذره من مناورات عمرو وقال له:
" أخشى والله أن يكون عمرو قد خدعك، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم أنت بعده"..!
لكن أبا موسى كان يرى الموقف أكبر وأجل من أن يناور فيه عمرو، ومن ثم لم يخالجه أي ريب أوشك في التزام عمرو بما اتفقنا عليه..
واجتمعا في اليوم التالي.. أبو موسى ممثلا لجبهة الامام علي، وعمرو بن العاص ممثلا لجبهة معاوية..
ودعا أبو موسى عمرا ليتحدث.. فأبى عمرو وقال له:

" ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا.. وأقدم هجرة.. وأكبر سنا"..!!
وتقد أبو موسى واستقبل الحشود الرابضة من كلا الفريقين.
وقال:
" أيها الناس.. انا قد نظنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة، ويصلح أمرها، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين علي ومعاوية، وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها..
واني قد خلعت عليا ومعاوية..
فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم" ...
وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية، كما خلع أبو موسى عليا، تنفيذا للاتفاق المبرم بالأمس ...
وصعد عمرو المنبر، وقال:
" أيها الناس، ان أبا موسى قد قال كما سمعتم وخلع صاحبه،
ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فانه ولي أمير

المؤمنين عثمان والمطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه.."!!
ولم يحتمل أبو موسى وقع المفاجأة، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة..
وعاد من جديد الى عزلته، وأغذّ خطاه الى مكة.. الى جوار البيت الحرام، يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام..
كان أبو موسى رضي الله عنه موضع ثقة الرسول وحبه، وموضع ثقة خلفائه واصحابه وحبهم ...
ففيحياته عليه الصلاة والسلام ولاه مع معاذ بن جبل أمر اليمن..
وبعد وفاة الرسول عاد الى المدينة ليجمل مسؤولياته في الجهاد الكبير الذي خاضته جيوش الاسلام ضد فارس والروم..
وفي عهد عمر ولاه أمير المؤمنين البصرة..
وولاه الخليفة عثمان الكوفة..

**

وكان من أهل القرآن، حفظا، وفقها، وعملا..
ومن كلماته المضيئة عن القرآن:
" اتبعوا القرآن..
ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن"..!!
وكان من اهل العبادة المثابرين..
وفي الأيام القائظة التي يكاد حرّها يزهق الأنفاس، كنت تجد أبا موسى يلقاها لقاء مشتاق ليصومها ويقول:
" لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريّا يوم القيامة"..

**

وذات يوم رطيب جاءه أجله..
وكست محيّاه اشراقة من يرجو رحمة الله وحسن ثوابه. ز
والكلمات التي كان يرددها دائما طوال حياته المؤمنة، راح لسانه الآن وهو في لحظات الرحيل يرددها. ز
تلك هي:
" اللهم أنت السلام..ومنك السلام" ...

::: سلسلة أعلام النساء ::: الحلقة (8) ست الركب بنت علي العسقلانية

ست الركب بنت علي العسقلانية


"معلمة أمير الحفاظ"



علم وفير، وعمر قصير، هكذا كانت حياة ست الركب بنت علي بن محمد العسقلانية، التي وُلدت في النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة، وبالتحديد سنة سبع وسبعمائة من الهجرة.

وكان لتسميتها بهذا الاسم الغريب قصة طريفة، إذ عزم والداها على الحج فخرجا من مصر في ركب الحجاج، وأثناء مسيرهم فاجأ المخاض والدتها، فوضعتها، وسمّاها والدها ست الركب، وكنّاها بأم محمد، وقد نشأت ست الركب في كنف أبوين كريمين محبَيْن للعلم وأهله، فكان والدها نور الدين علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلاني، أحد المهتمين بالعلم والمشتغلين فيه، لذا فقد حرص على تعليم ابنته، فكان كثيراً ما يصحبها إلى حلقات العلم والعلماء، وهي بعد بُنية صغيرة.

إلا أن الله شاء لهذا المربي العالم أن يترك ابنته وهي ما زالت متعطشة إلى علمه وبره، فوافته المنية، وهي لا تزال في السابعة من عمرها.

ولكن حبها للعلم الذي غرسه فيها ذلك الأب الفاضل جعلها تُقبل على حفظ القرآن وتدارسه، وتهفو إلى مختلف العلوم تنهل من معينها كالظامئ الذي لا يرتوي، وما لبث لهذا الشغف العميق بالعلم إلا أن انتقل إلى شقيقها الصغير أحمد الذي لم يكن يتجاوز الرابعة من عمره حين توفي عنه والده، فاهتمت به تلك الفتاة الصغيرة اهتماماً كبيراً، وأخذت على عاتقها أن تغرس فيه حب العلم أسوة بأبيهما حتى غدا هذا الصبي الصغير علماً من أعلام الدين، وأضحى إمام الحفاظ والمحدثين، إنه الإمام ابن حجر العسقلاني الذي كان كثيراً ما يشيد بدور أخته في تربيته وتعليمه، فكان يقول عنها:" وهي أمي بعد أمي ... كانت بي بره، رفيقة محسنة، فلقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنّها".

وكانت إلى جوار علمها معروفة بالذكاء، وسرعة البديهة، وكثرة القراءة والمطالعة في أمهات الكتب التي اُشتهر بها عصرها، حتى قال عنها أخوها الإمام :"كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء"وكما أنها كانت المربية الفاضلة والمعلمة الماهرة في بيت أبيها، فإنها كانت كذلك في بيت زوجها شمس الدين محمد بن السراج بن عبد العزيز الخروبي الذي رُزقت منه بمحمد وفـوز ، فأحسنت إليهما، واهتمّت بتثقيفهما، فنشآ على حبذ العلم ومعرفة فضله وبرعا فيه وأجاز لهما جماعة من أعيان عصرهما .

لكن هذا الذكاء كان يأكل من شباب ست الركب كما يأكل السيف من الغمد، فوافتها المنية، وهي في ريعان الشباب لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها، وذلك سنة تسع وثمانين وسبعمائة من الهجرة(1) .



نبذة مختصرة عن فضيلة شيخنا الكريم أبي الحسن السليماني حفظه الله ورعاه

اسمه وكنيته:

هو أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل بن سيد أحمد السليماني.

نشأته وبداية تلقِّيه للعلم الشرعي:

ولد في جمهورية مصر العربية ـ محافظة المنصورة في إحدى القرى، وذلك في تاريخ 14/1/1958م، ونشأ في أسرة تحب الدين، وحفِظ كثيرًا من القرآن الكريم في صغره، في أول دراسته الابتدائية، ودرس الدراسة النظامية، ولم يكن تخصّصه في العلوم الشرعية، وسافر من مصر إلى اليمن في عام 1400هـ، وعمل مُدَرِّسًا في منطقة خولان، قبيلة بني بهلول لمدة ثلاثة أشهر، ودعا أثناء وجوده هناك إلى السُّنَّة، وأنكر على بعض الناس عادات مخالفة للشرع، وتعصبهم لبعض الآراء المخالفة للأدلة، فتبعه عدد من طلاب المدرسة وفقيه القرية وآخرون، فحدث خلاف بين الناس بسبب التعصب المذهبي، فنجح في تهدئة الحال بينهم، ثم سافر إلى محافظة مأرب، ووافق وصوله إليها افتتاح مدارس أهلية تابعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ رحمه الله ـ في مأرب وادي عبيدة للعلوم الشرعية وتحفيظ القرآن الكريم، وعددها قرابة ثلاثين مدرسة، فعمل مدرِّسًا فيها عدَّة سنوات، ثم موجِّهًا لإخوانه المدرسين في أمورهم الدعوية مع ملازمته للتدريس، ثم تفرَّغ لطلب العلوم الشرعية، واعتنى بعلوم الحديث والفقه وأصوله، وفي سنة 1406هـ زار الشيخُ المحدِّث أبو عبد الرحمن مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ محافظة مأرب، وسأله شيخنا أبو الحسن أسئلة مهمة في علم الحديث، وطبعت في كتاب "المقترح في الإجابة عن أسئلة المصطلح" للشيخ مقبل ـ رحمه الله تعالى ـ وفي عام 1409هـ سافر شيخنا أبو الحسن إلى دار الحديث بدمَّاج بمحافظة صعدة، وبقى عند فضيلة شيخنا العلامة الوالد أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ ثلاثة أشهر، واظب فيها على دروسه، وجالسه جلسات عامة وخاصة في أمور الدعوة العامة والخاصة، وطبع كتابه " شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل " آنذاك، ثم رجع إلى مأرب، واستمر في الدعوة إلى الله والتأليف والتدريس في دار الحديث بمأرب، ثم توسّعت دعوته المباركة نحو شبوة وحضرموت والجوف، وهي محافظات مجاورة لمأرب، ثم اتَّسعت الدار وزاد طلابها، وانتشرت الدعوة في أنحاء اليمن بفضل الله تعالى، ونسأل الله عز وجل أن يتم هذا الأمر على خير وستر وبركة.

وقد أكرمه الله تعالى في اليمن بشيخنا المبارك أبي عبد الرحمن مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ فكان التزاور والتواصل والتشاور في أمور الدعوة أولاً بأول بينهما ـ وإن كان قد يخالف الشيخ مقبلاً في بعض أطروحاته، لكن ليس كل خلاف يوجب التفرُّق ـ ثم سافر في عام 1417هـ إلى الرياض، وجالس سماحة الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ عدة أشهر، وحضر دروسه في الجامع الكبير، وكذا بعض دروس الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ـ حفظه الله ـ ودروس العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ عند تواجده في الرياض ومكة، وقبل ذلك في عام 1410هـ التقى بمحدِّث العصر الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في المدينة النبوية، وسجَّل معه شريطًا علميًّا في علم الحديث، وكذا جالسه بمكة المكرمة، ثم في عام 1416هـ سافر إلى الأردن، وجالس الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ وألقى عليه أسئلة في نحو اثني عشر مجلسًا، كل مجلس من العصر إلى العشاء تقريبًا، وسُجلت هذه المجالس في أشرطة معروفة سائرة بين طلاب العلم، ثم رجع إلى مأرب، واستمرت دعوته ـ ولله الحمد ـ في سداد وزيادة، والفضل في ذلك لله وحده.

أولاده وزوجاته وأحواله الشخصية:

يرى شيخنا أن الإطالة في هذا ليس فيها كثير فائدة لطالب العلم، ولكن باختصار فشيخنا أبو الحسن ـ زاده الله من فضله ـ والدٌ لعشرة أبناء، وثمان بنات، وزوج لثلاث زوجات، نسأل الله تعالى أن يصلحنا ويصلحهم وجميع المسلمين، وأن يجعل له لسان صدْق في الآخرين، وأن يجعل له في ذريته قرة عين وذِكْرًا حسنًا في الدارين.

مؤلفاته:

لقد برع الشيخ ـ وفّقه الله ـ في باب التأليف والتصنيف، فوفقه الله تعالى بكتابة عدد من الكتب والرسائل والأبحاث في عدّة فنون، منها المطبوع ومنها ما هو تحت الطبع، ومنها ما هو في طريقه للطباعة بإذن المولى تعالى، فأما مؤلفاته المطبوعة فمنها:

1- " شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل" الجزء الأول.

2- "كشف الغمة ببيان خصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأمة".

3- "إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل": الجزء الأول والثاني.

4- "سلسلة الفتاوى الشرعية": الجزء الأول من العدد الأول إلى الثالث عشر.

5- "تنوير العينين بأحكام الأضاحي والعيدين".

6- "سبيل النجاة في بيان حكم تارك الصلاة".

7- "الدفاع عن أهل الاتباع": مجلدان.

8- "السراج الوهاج في صحيح المنهاج".

9- "فتنة التفجيرات والاغتيالات: الأسباب والآثار والعلاج".

10- "المتعة في تعيين ساعة الإجابة يوم الجمعة".

11- "الجواهر السليمانية بشرح المنظومة البيقونية".

12- "إكمال الفرح بدروس المصطلح".

وهناك مؤلفات في طريق إتمامها أو إعدادها للطبع، ومنها:

1- "كشف الغطاء بتحقيق أحاديث وآثار الداء والدواء" 3 مجلدات.

2- "منحة المعبود في أحكام العقيقة والمولود".

3- "كشف الستر عن أحكام زكاة الفطر".

4- "جامع التحصيل بجواز البيع بالزيادة مع التأجيل".

5- "البرهان الثبت في جواز صيام يوم السبت".

6- "التوضيح لأحكام القنوت والاعتكاف والوتر والتراويح".

7- "القراءة خلف الإمام" مع تحقيق كتاب البخاري وابن خزيمة والبيهقي في ذلك.

8- "عمدة القارئ بدارسة وتحقيق فتح الباري" انتهى من المجلد الأول منه في ثلاثة مجلدات، ثم شُغل بغيره، فلم ينشط لإكماله.

9- "كشف المخبوء في استحباب التسمية على الوضوء".

10- "القول المسفر في وقت إمساك الصائم عن المفْطِر".

11- "التبيان لما ورد في ليلة نصف من شعبان" جزء حديثي.

12- "فوائد من علل ابن أبي حاتم والدارقطني".

13- "التعليق على أحكام الحافظ في التقريب" انتهى فيه إلى حرف السين.

14- "فوائد حديثية من تهذيب التهذيب".

15- "نقض شبهات الرافضة".

16- "رسالة في معالم الوسطية والاعتدال".

17- "شرح الباعث الحثيث".

18- "شرح الموقظة للذهبي".

19- "شرح النزهة للحافظ ابن حجر".

20- "شرح القواعد الفقهية لابن سعدي".

21- "شرح أصول السنة للإمام أحمد ـ رواية عبدوس العطار".

22- "شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام".

23- "تفسير جزء عم".

أما دروسه العلمية، وفتاواه، وخطبه ومواعظه فهي في أشرطة كثيرة، وبعضها منشور على الشبكة، وبعضها في طريقها لذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ.

منهجه في التأليف:

وأما المنهج العام في التأليف: فإن كان في الحديث وتخريجه والحكم عليه: فإنه يجمع طرق الحديث من مظانها، ثم يعمل لكل طريق دراسة مستقلة، ثم ينظر في هذه الطريق مقارنة بغيرها، فإن كان مَخْرَجُها واحدًا؛ أطال النفس في البحث خشية وجود علة خفية، كما أنه يرجح بين الطرق حسب قواعد أهل العلم في ذلك، ويحتفى حفاوة بالغة بأحكام المتقدمين من الأئمة على الأحاديث، ولا يزدري جهود الأئمة المتأخرين بل يعتني بها، ويقرر دائمًا أن المتأخرين هم الذين خدموا علم المتقدمين، ولم يهدموه، ومع ذلك ففي المتقدمين والمتأخرين من هو معتدل،ومنهم المتشدد، والمتساهل، وللمتقدمين وسائل ومؤهلات يُعِلّون بها الحديث، ولا يتأتى للمتأخرين اللحاق بهم في ذلك، ولذا فقول المتقدمين في الإعلال بمثل هذا مقدم على مجرد تصحيح متأخر أو معاصر لمجرد ظاهر السند، وهذا المنهج واضح في الكتب التي حققها وخرّج أحاديثها.

وإن كان في الفقه والأحكام الشرعية: فيحرر المسألة، ثم يذكر الخلاف فيها، ويذكر قول كل طائفة، ثم يذكر أدلة كل طائفة، ويزنها بميزان القواعد الحديثية والأصولية، ثم يرجح الراجح من الأقوال، كما هو واضح من منهجه في كتابه المبارك "تنوير العينين في أحكام الأضاحي والعيدين" ولا يستجيز القول بمسألة لم يسبقه أحد الأئمة إليها، وينظر إلى خلافات الفقهاء بأن منها ما يسع كُلاًّ من المجتهدين قوله، ومنها مسائل خلافية الحق فيها واضح مع طائفة ما، والقول الآخر شبه مهجور أو شاذ أو زلَّة من زلات العلماء، ففي الحالة الأولى يسع كل مجتهد أن يبقى على قوله، ولا يُلزم بترك قوله لقول غيره، ويسع من بعده من العوام أن يقلده، وأما في الحالة الثانية فلا يسع أحدًا تقليد العالم في زلته، ومع ذلك فلا يُكفَّر ولا يُبدَّع ولا يُضلَّل المخالف، وأما العالم المجتهد فلا يُحرم من أجر وإن زلّ، وأما من خالف الإجماع المتيقَّن فهو على خطر عظيم، ويرى أن خلافات العلماء في المسائل الاجتهادية من الرحمة والسعة، ولا يوالي ويعادي عليها إلا من تأثر بمنهج أهل الأهواء، وهذا كله قد بيَّنه في كتابه المبارك: "السراج الوهاج في صحيح المنهاج" وكتابه "الدفاع عن أهل الاتباع".

المرتبة العلمية التي وصل إليها:

لم يحصل شيخنا أبو الحسن ـ وفقه الله ـ على شهادة في العلوم الشرعية من الجامعات المتخصصة في ذلك، لأن دراسته النظامية كانت في كلية التجارة، وسافر إلى اليمن في عام1400هـ وهو في السنة الرابعة، قبل إتمامه الدراسة، لكن تحصيله للعلوم الشرعية بتوفيق الله له، ثم باجتهاده في التحصيل، وتلخيصه للفوائد، وتجميعه لما أُشكل عليه من أسئلة ومبهمات، بُغية تحصيل فرصة لعرضها على المتخصصين من أهل العلم، وقد سُجلتْ أشرطة في ذلك مع سماحة الشيخ ابن باز، والعلامة ابن عثيمين ومحدث العصر الألباني، وفضيلة الشيخ الوادعي ـ رحمهم الله جميعًا ـ وقد استفاد من مجالسة عدد من كبار علماء العصر، ومناقشتهم وتوجيهاتهم، وهذا كله لا يترجم بشهادة عصرية.

مذهبه الفقهي، ومدى تعصّبه له:

لقد نشأ شيخنا أبو الحسن في مصر، وهي بلد يغلب عليها المذهب الشافعي، وجاء إلى اليمن في بلاد شافعية أيضًا، لكنه اعتنى بدراسة الفقه من جميع كتب المذاهب وغيرها، وترجيح ما ترجَّح منها، فلا يلتزم بمذهب معين، فضلاً عن أن يتعصب له، ويرى أن من لم يستفد من كتب المذاهب والفروع؛ فقد حَرَمَ نفسه خيرًا كثيرًا، فلا جمود ولا جحود.

وإذا كان شيخنا الكريم وفقه الله لا يتعصب لأقوال الأئمة الكبار المتقدمين، إنما ينصرها بالدليل؛ فمن باب أولى أن لا يتعصب إلى أقوال الشيوخ المعاصرين.

مواقفه السياسية:

معلوم أن السياسة الشرعية جزء عظيم من الدين، وأن الدين قد ساس الأمم شرقًا وغربًا قرونًا طويلة، لكن السياسة العصرية عليها مؤاخذات كثيرة، ولذا فليس لشيخنا موقف واحد في الدعوة إلى المشاركة في السياسة العصرية أو اعتزالها، فقد يترجح له هذا أو ذاك في موقف ما، وفي زمن ما، ومع شخص ما، أو طائفة ما، وقد لا يترجح له ذلك، ومناط الترجيح عنده ما يمكن تحقيقه بقدر المستطاع من مقاصد الشريعة، التي جاءت بتكميل المصالح وتحصيلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، لكنه يدعو إلى السمع والطاعة لولاة الأمور المسلمين في المعروف، فمن ثبت اختياره منهم من أهل الحل والعقد، أو غلب عليها بشوكته، أو أخذها بالانتخابات ـ على ما فيها ـ طالما خضع الناس له، وسمي أميرًا لهم؛ فله السمع والطاعة في المعروف، خشية إهلاك الحرث والنسل، ويحذِّر شيخنا أبو الحسن من الخروج المسلَّح على ولي الأمر، والكلام المهيِّج المثير الذي يؤول إلى احتقانات، ومن ثم الفوضى والدمار، ويرى أن الحفاظ على ما بقى من بقايا الأمن موافق لمقاصد الشريعة، وحنانيك بعض الشر أهون من بعض، ويضرب مثلاً بالعراق وغيرها من الدول، على ما كانت عليه تلك البلاد من فساد عظيم في حكامها، فلما سقطوا لا دينًا أُقيم، ولا دنيا بقيت، ويرى أن الخروج جرَّ على الأمة مفاسد كثيرة، إلا في حالات ضيقة جدًّا، ويرى أن آخر الأمة لا يصلح إلى بما صلح به أولها، وأن ضرر الديمقراطية في كثير من البلاد الإسلامية أكثر من نفعها، ومع ذلك لما صارت واقعًا لا طاقة لنا بتغييره الآن، فيبقى النظر في الحال والمآل والمصالح والمفاسد بنظرة شرعية دقيقة متجردة، وقد يترجح الإقدام تارة، وتارة يترجح الإحجام، وفي الجملة فهي مسألة اجتهادية، لأنها راجعة إلى تحقيق المناط، وترجح المصلحة أو المفسدة، وهذا باب للاجتهاد فيه مجال، فلا يجوز جعلها بذاتها مسائل الولاء والبراء، وكل هذا واضح لمن له أدنى مطالعة لكتابات الشيخ أو سماع شيء من أشرطته، أو مجالسه.

هذا وللشيخ ـ حفظه الله ـ عِدَّة فتاوى ورسائل مطوّلة ومختصرة في عدة أحداث عامة في الأمة أو خاصة في اليمن، كأحداث غزَّة، وفتنة الرافضة في اليمن، وأحداث جنوب لبنان، وعدَّة مظاهرات في اليمن بسبب غلاء المحروقات، والانتخابات الرئاسية والمحلية، وهيئة الفضيلة في اليمن، وغير ذلك، وهي رسائل مطبوعة ومنشورة على شبكة النت وغيرها.

الاتهامات التي وُجِّهَتْ إليه، ومن هم الذين اتهموه، وموقفه مع مخالفيه:

الاتهامات التي وجِّهت إلية أغلبها صدرت من قوم مقلِّدة للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وحملهم على تقليدهم إياه زيادة الخوف من سلاطة لسانه لا القناعة بصحة برهانه، ويجمعهم جميعًا الغلو في الدين، وقد تجاوزوا الحد، فردّ عليهم شيخنا أبو الحسن في عدَّة رسائل علمية، جُمعت في مجلدين بعنوان: " الدفاع عن أهل الإتباع " أتى فيه على شبهاتهم، وفنَّدها، وأظهر عوار منهجهم الغالي المفرط، وبَيَّنَ تناقضهم، وتقليدهم، ومخالفتهم لخط الدعوة السلفية في عدة نقاط، وتَبيَّن أن أكثر ما عابوه عليه كان مما يُمدح به الشيخ ـ حفظه الله ـ وأن الحق معه في ذلك، وأنهم تَخبَّطوا بلا أصول، بل بدَّلوا بعض أصولهم التي كانوا عليها، والحامل على هذا كله الخوف والتقليد.

ومع ذلك فقد ردَّ عليهم شيخنا أبو الحسن ـ وفقه الله ـ بأدب وإنصاف، وما كان في كلامهم من وجه حق ـ وإن دقَّ ـ قبله منهم، وشكرهم، ولم يتجاوز الحد معهم، وعاملهم بالفضل قبل العدل، وعفا عنهم ودعا لهم، وذلك فيما هو في حقه، أما جنايتهم على الدعوة؛ فلم يترك لهم فيها شاذَّة ولا فاذّة إلا أظهرها بالبرهان والعلم والحلم.

ومن أشهر مخالفية من مدرسة الغلو والتشهير بالمخالف: الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وهو كبيرهم الذي أفسد عليهم تَدَيُّنهم وسَيْرَهم إلى الله تعالى بهذه الأفكار الضالة المنحرفة ـ هذا على ما عند الشيخ ربيع وحزبه من الخير وحب السنة حسب فهمهم ـ وقد اعتنى شيخنا أبو الحسن بالرد على الشيخ ربيع في أكثر ما صدر عنه، وممن تبع الشيخ ربيعًا على إسرافه من أهل اليمن: محمد بن عبد الوهاب الوصابي، ويحيى الحجوري، ومحمد بن عبد الله الإمام، وعبد العزيز البرعي وغيرهم، مما جعل شيخنا ـ سدده الله ـ يرد على هؤلاء جميعًا وغيرهم في الكتاب المذكور، وفي عشرات الأشرطة التي ناقشت كلامهم وشبههم جملة جملة، ومن اتهامات هؤلاء للشيخ، مالا يصدقها عاقل: كقولهم: أن أبا الحسن يسب الصحابة، ويسب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والقوم في هذا قوم بهت وأهواء، وقد رجع القوم على أنفسهم، وانقلب السحر على الساحر، وهذا جزاء الجهل والبغي، وكذا اتهموه بأنه حزبي مميّع لما راوه يدعو إلى وحدة صف أهل السنة، وان الولاء والبراء لا ينعقدان من أجل مسائل اجتهادية، ولا بد من التفرقة بين ثوابت أهل السنة ومسائل الإجماع عندهم، وبين مسائل الاجتهاد والنزاع.

ومن مخالفيه أيضًا الجماعات التي تغلوا في التكفير، أو تثير القلاقل بالاغتيال والتفجير، أو الإثارة والتهييج، وقد حصلت عدة مواقف حوارية بينه وبينهم، وبعضها مسجَّل في اليمن، وفي بريطانيا وغيرهما، كما كتب وألف في الرد عليهم عددًا من الفتاوى والكتب، أشهرها كتابه الماتع "فتنة التفجيرات والاغتيالات: الأسباب، الآثار، العلاج"، على أن شيخنا أبا الحسن يحاول مَدَّ يده لجميع العاملين باسم السنة ـ وإن خالفوه ـ ويحرص على إحياء الثوابت المتفق عليها بين أهل السنة، ويحذر من طغيان الفروع على الأصول، وطمس المتغيرات للثوابت، إلا أن كثيرًا من المخالفين لا يريد إلا أن يُوَافَق على قوله ـ وإن انحرف ـ حذو القذة بالقذة، وهذا باب فتنة وضلال.

موقفه من القضايا المستجدة في العصر الحاضر:

موقف شيخنا ـ حفظه الله تعالى ـ من القضايا المستجدة، أنه لا يرفضها مطلقًا، ولا يقبلها مطلقًا، بل ينظر إليها بالميزان الشرعي على النحو التالي:

1- ما كان منها موافقًا للشرع سواء وافق النص أو الإجماع أو القياس ونحوه فهو مقبول إيجابًا أو استحبابًا.

2- ما كان منها مصادمًا لنص صريح أو إجماع متيقن فمردود ولا كرامة، إلا لضرورة، وكذا يُرد ما خالف القياس الجلي أو مقاصد الشريعة.

3- ما كان منها مسكوتًا عنه فالأصل فيه الإباحة، فإن زادت مفسدته على مصلحتة رُدَّ وأُلْحِقَ بالقسم الثاني، وإن زادت مصلحته على مفسدته قُبِلَ وأُلْحِق بالقسم بالأول، فلا ابتلاع لكل جديد، ولا فرار من كل جديد، وقد أطال في الجواب على هذا أثناء جوابه على أسئلة صحيفة "الجمهور" اليمنية.

أعماله ونشاطه الدعوي:

إن شيخنا أبا الحسن السليماني ـ زاده الله توفيقًا وسدادًا ـ قائم على دار الحديث بمأرب إدارة وتدريسًا، وتضم الدار نحو (500) طالب وطالبة، ومن جملتهم مائة وعشرون طالبًا بعائلاتهم، وقد تفرّع عن هذه الدار فروع بواسطة كبار الطلاب الذين تخرّجوا منها أو تأثروا بمنهجها المعتدل، وانتقلوا إلى أماكنهم في المحافظات الأخرى، في صنعاء، وذمار، وإب، وتعز، وعدن، وأبين، ولحج، وشبوة، وحضرموت، وعمران، وصعدة، والجوف، وتعاونوا مع القائمين على منهج الاعتدال والوسطية في أكثر المحافظات اليمنية، فزادهم الله علمًا وحلمًا وصبرًا ويقينًا.

ومع هذا فشيخنا ـ وفقه الله ـ مشتغل بالتأليف، ويفتي الناس الزائرين له، والمتصلين به في الهاتف، ويستقبل أعدادًا كبيرة من الضيوف من طلاب العلم والقبائل، ويبذل وقتًا طويلاً في مناصحتهم وتوجيههم لنصرة التوحيد والسنة، ويخطب في مساجد مأرب وغيرها من المحافظات، ويقضي بشرع الله بين القبائل المتنازعة، ويحذرهم من الأفكار الضالة الوافدة على أهل اليمن، وكان لقضائه بين القبائل وتدخله في مشاكلهم ـ على ما في ذلك من أمور ومنغّصات ـ أثر كبير في نظرته المعتدلة في كثير من الأمور، وفي اتساع رقعة الدعوة، وتأثيرها على عدة شرائح في المجتمع.

كما أنه يتابع أخبار الطلاب في المحافظات، ويتفقد أنشطتهم، ويراجع لكبارهم مؤلفاتهم سواء كانوا مقيمين في الدار أو خارجها.

موقفه من الجمعيات الخيرية، والجمعيات التي ساهم في تأسيسها:

لقد ظهر موقفه بجلاء من ذلك، وخلاصته أن الجمعيات الخيرية تقوم ـ في الجملة ـ بدور عظيم في باب التعاون على البر والتقوى، مع نصحه القائمين عليها بعدة نصائح ـ ليس هذا موضعها ـ وقد وقف ضد من حارب الجمعيات باسم أنها بدعة، أو حزبية، أو تمييع للدين ونحو ذلك، بل إنه قد استصدر للدار عنده تصريحًا باسم جمعية التقوى للأعمال الخيرية والعلوم الشرعية، وسعى في إنشاء كثير من مشاريع السقيا، وكفالة الدعاة، والأيتام، والأنشطة الموسمية في الدار وغيرها، وقد حثَّ عددًا من طلابه ومحبيه على عمل جمعيات خيرية في عدة محافظات، وبيّن له نفْع ذلك في الحاضر والمستقبل، فنفع الله بهذه النصائح.

منهجه في الدعوة، ومن تأثر به من العلماء:

قد عُرف عن شيخنا ـ حفظه الله تعالى ـ منافحته عن منهج الوسطية والاعتدال، ودعوته منذ سنوات واضحة في ذلك، ويسعى للتأليف بين دعاة السنة وفصائلها، وكان له أثره الملموس في إطفاء كثير من المهاترات بين التيارات السلفية، ولا زال ساعيًا في توسيع دائرة الوفاق والائتلاف بين فصائل السنة على أصول وثوابت أهل السنة والجماعة، ويرى أن الدعوة قائمة على شقين: سنة وجماعة، أي إتباع واجتماع، أو تمسُّك وتماسك، فلكل شق من ذلك واجبات على الداعية يجب عليه أن يقوم بها، وقد يحتاج المسلم إلى ترجيح أحدهما على الآخر حسب الأحوال التي تمر بها الدعوة، وشيخنا أبو الحسن يُحَذِّر من الاهتمام بواجب مع تضييع ما هو أوجب منه، لكن يجب أن يكون تقدير ذلك بميزان العلم الشرعي المتجرد من الأهواء والحزبية، وأكثر من تأثر به شيخنا من العلماء المتقدمين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه وابن القيم ـ رحمة الله عليهما ـ ومن المعاصرين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ رحمه الله ـ في آفاقه الدعوية الواسعة، ورحمته بأهل السنة وسواء كانوا علماء أو عامة، وحرصه على الجمع والتأليف على أصول السنة، لا تمزيق الصفوف، مع رده على الباطل ودحر أهله بالحجج والبراهين، وقد أبى الله العصمة لأحد من البشر في هذه الأمة غير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما تأثره في الدقّة علم الحديث فبالعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، ومحدِّث العصر ناصر الدين الألباني ـ رحمهما الله تعالى ـ وأما تأثره في الفقه وأصوله ومسائل المعتقد وغير ذلك فبمجموع علماء السنة ـ رحمهم الله جميعًا ـ.

سمات دار الحديث الذي يُدَرِّس فيها، ومدى تأثر طلابه به في الاتزان والاعتدال:

أهم سمات الدار:

1- الوسطية والاعتدال.

2- الإنصاف من النفْس قبل مطالبة الغير به.

3- معرفة مراتب المسائل إجماعًا أو نزاعًا، حتى لا تعطى مسألة فوق حجمها.

4- عدم إدخال الولاء والبراء في المسائل الاجتهادية، فإن هذا حال أهل البدع.

5- فتح باب الحوار الهادف، مع الشفقة بالمخالف، والرغبة في الوصول إلى الحق لا مجرد نصرة الرأي.

6- التعاون مع جميع دعاة السنة على البر والتقوى، بل التعاون مع من ليس سنيًّا ضد من هو أشد ضررًا منه، كالتعاون مع بعض الزيدية في حدود الحق ضد الفكر الرافضي الإمامي الذي هو ضد السنة والزيدية.

7- إقالة عثرة الدعاة العاملين على أصول السنة في أنحاء المعمورة، وسد خَلَّتهم، ونشر مناقبهم، والدعاء لهم بالتوفيق والسداد والحفظ من شر كل ذي شر، مع نصحهم، والتحذير من الخطأ لا من الشخص إلا في حالات معروفة.

8- الفهم الصحيح لمصطلح أهل السنة والجماعة، فلا يُخْرَج السني من دائرة السنة بأي مخالفة، بل لا بُدَّ من أن تكون المخالفة في أصول أهل السنة المجمع عليها عندهم، مع التفرقة بين الحكم العام والحكم على المعين، وبين القول وقائله، والقول ولازمه ....الخ.

9- الاهتمام بتوعية العامة بأمر دينهم، حتى لا يكونوا فريسة لأفكار الضلال، مع الشفقة عليهم، وعرْض الدعوة لهم بما يقرّبهم لا ينفرهم، والشعور بأن العامة رصيد وذُخْر للخير إن سبق إليهم الدعاة.

10- الاهتمام بتنمية مواهب الدعاة، وتصفية مشاربهم، والربط بين أقوال السلف وواقعهم، حتى يسلم الداعية من الاضطراب والقول على السلف بغير علم.

11- الاهتمام بالعلوم الشرعية، والناظر في مؤلفات الطلاب يجد أنها تدل على عمق مستواهم العلمي، واضطلاعهم فيما تصدوا له من مصنفات، سواء على مستوى الرجال أو النساء.

12- ومن نشاطاتها إصدار بعض المجلات والمطويات التي تساهم في توعية المجتمع بجميع شرائحه.

13- الاهتمام بمراعاة أدب الخلاف بين الدعاة والعاملين لخدمة الدين، والدعوة إلى تصحيح التصور عن المخالف، فلا يقال عنه ما لم يقل، ومن ثم تصحيح الحكم عليه، وفي النهاية تصحيح التعامل معه.

14- الاهتمام بدراسة السيرة والتاريخ، لما لذلك من أثر في تسلية الدعاة، وطرد الإياس والقنوط من النصر والتمكين، والثقة بوعد الله ووعيده.

ولا شك أن طلاب ومحبِّي شيخنا الكريم أبي الحسن ـ حفظه الله ورعاه ـ قد تأثروا به في الجملة وسلكوا مسلكه بعد أن أبان لهم الأدلة القاطعة على صحة هذا المسلك، وعُرف طلابه بالاعتدال، والاتزان، والنظر في الحال والمآل، ومراعاة مقاصد الشريعة في مواقفهم، ومن ثم فإنهم ضد الإفراط والتفريط، وهذا من فضل الله تعالى على الجميع، ومن انحرف منهم فلا يضر الثابتين على الحق، كما لم يضر عليًّا ـ رضي الله عنه ـ.

هذا، وبقية سمات دعوة شيخنا أبي الحسن وطلابه موجودة في كتابه: " السراج الوهاج " وكتابه: " الدفاع عن أهل الاتباع" زادنا الله وإياه من واسع فضله .


وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما

الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما


 بلغ قمة الكمال والسمو من الرجال عدد كثير لكن لم يبلغها من النساء إلا قلة ومنهن عائشة بنت أبي بكر الصديق

هذه المرأة العجيبة التي فاقت علماً وحلماً وخلقاً وأدباً وفصاحة وشجاعة كثيراً من الرجال فضلاً عن بنات جنسها.

لن يوفيها الكلام مهما ارتقى به البيان، ولن توفيها الصفحات مهما بلغت من الأعداد، لكن سنعرض نماذج من حياتها هي كفيلة في الدلالة على ما وراءها من الجلال والعظمة.

أما أبوها فهو أبو بكر الصديق خير البشرية بعد النبيين والمرسلين، صاحب رسول الله ورفيقه في الغار لا ثالث لهما إلا الله، الذي واسى رسول الله بنفسه وأهله وماله، الرجل الذي لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من الخلق خليلاً لا تخذه خليلاً.

هذا أبوها

فما ظنك بفتاة نجيبة عبقرية تنشأ في بيت أبي بكر بيت العلم والفصاحة والتقوى والعفة وكل خصلة طيبة حميدة.



قصة زواجها:

جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ثلاث ليال وفي يده خرقة من حرير وفي كل مرة يكشفها النبي صلى الله عليه وسلم فيجد فيها صورة عائشة ويقول له الملك: هذه امرأتك. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم إن يك هذا من عند الله يمضه أي سيكون.

و لما توفيت خديجة ولم يكن عنده غيرها عُرضت عليه امرأتان ثيب وبكر أما الثيب فسودة بنت زمعة إحدى السابقات إلى الإيمان وأما البكر فعائشة وكانت صبية بنت ست سنين فقط فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على العرض أما سودة فتزوج بها ودخل بها وأما عائشة فعقد عليها ولم يدخل بها لصغر سنها. و لما هاجر إلى المدينة وبلغت من العمر تسع سنين دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة بدر غالباً منتصراً، وكانت عائشة تلعب على أرجوحة لها فجاءها النساء فزينّها وأصلحنها له ثم أهدينها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فعاش معها النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين حيث توفاه الله إليه ولها من العمر ثمان عشرة سنة فقط.



حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة:

أحب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حباً عظيماً ما أحب واحدة من نسائه كما أحبها إلا أن تكون خديجة رضي الله عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن عن حبه لها ولا يسره ويظهره ولا يكتمه حتى شاع أمره بين ضراتها وبين أهل المدينة رجالها ونسائها فهذا عمرو بن العاص يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيقول من أحب الناس إليك؟ فيقول: عائشة قال من الرجال؟ قال: أبوها.

وكان الناس يهدون النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا ولكنهم كانوا يختارون يوم عائشة الذي يكون فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عندها لعلمهم بحب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة فكان ذلك يغيظ بقية نسائه ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتغيير عادتهم تلك.

وكان يقبّل عائشة وهو صائم وحين سئلت أم سلمة عن ذلك قالت : لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا.

ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرض الموت وكان يدور على نسائه مع شدة المرض فكان يقول أين أنا غداً أين أنا غداً؟ يستعجل يوم عائشة فأذنّ له أن يمرض عندها لما علمن من حبه لها رضوان الله عليهن أجمعين.

وكان من أسباب شدة حبه لها ما كانت عليه من الخير والصلاح والكمال وقد أشار إلى شيء من ذلك حين قال لبعض نسائه ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها. وأقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سلام جبريل عليها، وقد ظهر شيء كثير من فضلها بعد موته صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إلا نشرها للعلم نشراً لا يشاركها فيه غيرها من النساء لكفى به فضلاً.



لطف النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة:

عاشت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم عيشة هنيئة ملؤها العطف والحنان والرحمة ولا عجب فمحمد صلى الله عليه وسلم خير الناس خلقاً مع أعدائه فما ظنك بخلقه مع أوليائه فما ظنك بخلقه مع أهله فما ظنك بخلقه مع أحب أزواجه إليه.

فمن تلطفه صلى الله عليه وسلم معها أنه كان يعطيها العظم تتعرقه ثم يأخذه منها فيديره حتى يضع فاه على موضع فمها.

وكانت معه في سفر فتأخر عن الجيش وأخذ يسابقها فسبقته، ثم بعد مدة كانت معه فسابقها فسبقها فقال هذه بتلك.

وفي يوم عيد أخذ الحبشة يلعبون بالحراب في المسجد فسترها بردائه، وبقي واقفاً من أجلها حتى سئمت هي.

وكان لها لعب تلعب بها فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فرأى لعبها فيسألها: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت فرس قال وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان . قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟! قالت: فضحك حتى بدت نواجذه.

وحبس النبي صلى الله عليه وسلم الجيش مرة من أجلها ولا ماء معهم وذلك أنها أضاعت عقداً لها ولما حضرت الصلاة ولا ماء مع القوم أنزل الله آية التيمم ببركتها فجعل الله بسببها للمسلمين خيراً كثيراً.



عائشة وحادثة الإفك:

امتحنت عائشة محنة عظيمة طال أمدها ولكن جاءت العاقبة حميدة والحمد لله فقد اتهمت هذه العفيفة الطاهرة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضها وشاعت التهمة وصارت الألسن تلوكها وملخص القصة أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وفي مرجعهم وقد قربوا من المدينة ذهبت للخلاء بعيداً عن الجيش فلما أتت رحلها وإذا بها قد فقدت عقداً لها فرجعت مرة أخرى تلتمسه وتأخرت فلم ترجع إلا وقد ارتحل الجيش ولم يبق أحد فجلست في مكانها حتى غلبها النوم ولم تقم إلا على صوت رجل يقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) فاستيقظت وخمرت وجهها وعرفها لأنه كان رآها قبل نزول الحجاب فأناخ راحلته فركبت وقاد الراحلة وما كلمها ولا كلمته حتى وصلا المدينة فلما رأى بعض المنافقين هذا المنظر وجدوها فرصة للطعن فيها من أجل أن يطعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة فلم يخبرها أهلها بالشائعة، ولم يكلمها النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لكنها شعرت بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلاطفها كسابق عهده،وبعد شهر بلغها الخبر فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تذهب إلى أهلها فأذن لها فسألت أمها فأكدت لها الخبر فبكت تلك الليلة وما نامت ثم أصبحت وظلت يومها باكية ودخل عليها الليل وهي تبكي حتى كاد كبدها أن ينفلق وجاءتها امرأة من الأنصار تبكي معها وأبوها وأمها جالسان عندها فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم جلس عندها وما جلس عندها منذ تكلم الناس وقال لها فيما قال (إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) فجف دمعها وقالت: لئن قلت لكم إني بريئة _ والله يعلم أني بريئة _ لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) ثم اضطجعت على فراشها، عند ذلك جاء الله بالفرج ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفصل عنه الوحي ضحك صلى الله عليه وسلم وكان أول ما قال (يا عائشة أما والله لقد برأك الله) فقالت أمي : قومي إليه فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وأنزل الله فيها الآيات من سورة النور (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم) آيات تتلى ببراءتها إلى قيام الساعة رضي الله عنها وأرضاها وجزاها على ما أوذيت فصبرت خير الجزاء.



عائشة المرأة الصالحة:

لم تبلغ عائشة ما بلغته بعد فضل الله عليها وتوفيقه لها إلا بخصال حميدة قل من تتهيأ له فقد رزقها الله علماً واسعاً فكانت أعلم نساء هذه الأمة دون منازع، حتى كانت مرجعاً لكبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عمن دونهم، والعلم لا ينال براحة الجسد إنما ينال بالنصب والتعب وبذل الجهد، فنشرت علماً جماً لا يزال يروى ويستفاد منه إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.

وكانت من أتقى الناس لله وأخوفهم له كانت تذكر بعض أمورها فتبكي حتى تبل دموعها خمارها خوفاً من الله وخشية منه وما هي تلك الأمور؟ أهي كذنوبنا وسيئاتنا؟ لا والله ولكن تبكي لأشياء لا نعدها اليوم ذنباً فقد نذرت مرة ألا تكلم ابن أختها حتى يفرق بينهم الموت بسبب إساءة نالتها منه ثم قبلت شفاعة بعض الناس فكلمته وأعتقت لعدم وفائها بنذرها أربعين رقبة وبقيت إذا ذكرت ذلك بكت بكاء يرحمها له من عندها.

وخرجت تصلح بين المسلمين في الفتنة التي حصلت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فحصلت وقعة الجمل بغير إذنها ولا مشورتها وما أرادت بخروجها إلا الخير والاستجابة لمشورة بعض خيار الصحابة فكانت إذا ذكرت خروجها وما حصل بسببه من الدماء بكت رضي الله عنها بكاء شديداً.

وكانت امرأة محسنة تحب البذل والصدقة ومد يد العون للفقراء والمساكين جاءتها مرة مائة ألف وكانت صائمة ففرقتها من يومها وليس في بيتها شيء يذكر تأكله فأفطرت على خبز وزيت فقالت لها الجارية لو أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تأكلينه ونأكل فقالت لو ذكرتني لفعلت. فهل سمعت بمن يذكر الفقراء والمساكين والمحتاجين وينسى نفسه؟ إنها عائشة.

وكانت تأتيها الأموال العظيمة فتفرقها وإنها لترقع ثوبها رضي الله عنها.

وكانت إذا شبعت من طعام بعد رسول الله تذكرت ما كانوا عليه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد فتبكي رضي الله عنها. وأكثرت من الصوم جداً في سفرها وحضرها حتى أثر ذلك فيها أثراً بينا.

وتجلى عظم خوف من ربها يوم حضرتها المنية فقد قالت هذه المرأة الصالحة التي عمرت حياتها بفعل الخيرات (ليتني كنت نسياً منسيا) تتمنى أنها لم تكن شيئاً خوفاً من البعث والجزاء والحساب وهكذا الإيمان إذا كمل أورث الخشية من الله تعالى.



النهاية:

بعد حياة حافلة بالتقوى والصلاح ونشر العلم وبذله معمورةٍ بالعبادة والقدوة الصالحة مرضت مرض الموت في المدينة النبوية وعمرها ثلاث وستون سنة وأشهر، قبضها الله إليه راضية مرضية وذلك في السابع عشر من شهر رمضان سنة 57هـ ودفنت بمقبرة البقيع في الليل.

وبذلك طويت صفحة من صفحات المجد والمثل العليا التي قل أن تتكرر في تاريخ البشرية، ماتت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجته في الجنة ولكن علمها لم يمت وسيرتها لم تدفن.

لا تزال سيرتها نموذجاً يحتذى، ولا زال علمها ميراثاً يروى، فأين فتيات الإسلام عن أمهن عائشة؟



يا فتيات الإسلام:

يا فتيات الإسلام اقتدين بعائشة في إيمانها الراسخ رسوخ الجبال الراسيات بالله رباً و بالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً.

اقتدين بعائشة يا فتيات الإسلام في الحرص على طلب العلم النافع الذي يستقى من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكل علم نافع تحتاجه الأمة من لغة وأدب وطب وغيرها مع  الحياء والحشمة والمحافظة التامة على الحجاب والقرار في البيوت والبعد عن مخالطة الرجال كما أمر الله تعالى بذلك كل مسلمة مؤمنة.

اقتدين بعائشة في الاجتهاد في الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة فنعم الزاد هي للسفر إلى دار الآخرة.

اقتدين بها في حسن التبعل للزوج والقيام بحقوقه وشؤونه على أكمل الوجوه وأحسنها.

اقتدين بها في التواضع والبعد عن غرور الدنيا وبهرجها وزخرفها الزائل الفاني.

اقتدين بها في الصبر عند المحن والابتلاء فكم هي الفتن التي تمر بها المسلمة اليوم فما لم تعتصم بربها وتستمسك بدينها جرفتها تلك الفتن وهوت بها في مكان سحيق.



 إن أم المؤمنين عائشة وبقية أخواتها من أمهات المؤمنين و غيرهن من الصالحات كمريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوج فرعون وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهن لا سيما من نساء الصحابة هن القدوة الحقيقية للمرأة المسلمة التي تتمثل فيهن الصفات التي أراد الله أن تتحلى بها المرأة لتنال رضاه، وتفوز بجنته فالحذر الحذر أن يزهدك الشيطان في الاقتداء بهن ويزين لك الاقتداء بغيرهن ممن لا يقمن للدين ولا للحياء ولا للعفة وزنا ولا يرفعن بها رأساً فتهلكين وفي الحديث (المرء مع من أحب).

اللهم ارض عن أمنا عائشة بنت أبي بكر واجزها خير ما جزيت به عبادك الصالحين اللهم إنا نشهدك على حبنا لها في جلالك وعلى بغض من يبغضها، والبراءة ممن يطعن فيها، اللهم وفق نساء المسلمين للاقتداء بها في فعل الصالحات، وترك المنكرات والحرص على ما ينفع، اللهم جنبهن سبل الفساد وأسباب الشر، اللهم احفظهن بحفظك واكلأهن برعايتك، و تجاوز عن سيئاتهن برحمتك أنت أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين

زياد علي

زياد علي محمد