الأحد، 8 سبتمبر 2019

الزبير بن العوام رضي الله عنه


1- *** اسمه ونسبه :
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب رضي الله عنه .
يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في : قصي بن كلاب .
أسلم مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعاً أو خامساً بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين .
أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها .
زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .
أولاده : كان له من الولد : عبد الله وبه يُكنى ، وعروة ، والمنذر ، وعاصم ، والمهاجر ، وخديجة الكبرى ،

وأم الحسن ، وعائشة ، وأمهم أسماء بنت أبي بكر .
وخالد ، وعمرو ، وحبيبة ، وسودة ، وهند ، وأمهم أم خالد : وهي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص .
ومصعب ، وحمزة ، ورملة ، وأمهم الرَّباب بنت أُنيف بن عبيد .
وعبيدة ، وجعفر ، وأمهما زينب .
وزينت ، وأمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .
وخديجة الصغرى ، وأمها الحلال بنت قيس .
صفته : كان أبيض ، طويلاً ، وقيل : لم يكن بالطويل ولا بالقصير ، خفيف اللحم ، أشعر ، خفيف العارضين .
2- *** نعته :
الزبير بن العوام ، الثابت القوام ، صاحب السيف الصارم ، والرأي الحازم ، كان لمولاه مستكيناً ،

وبه مستعيناً ، قاتل الأبطال ، وباذل الأموال ، صاحب الوفاء والثبات ، والتسامح بالمال والجدات .
3- *** إسلامه :
أسلم الزبير بن العوام وهو بن ثماني سنين ، وهاجر وهو بن ثمان عشرة سنة .
4- *** تعذيبه :
كان عم الزبير يلف الزبير في حصير ، ويدخن عليه بالنار حتى تزهق أنفاسه ، وهو يقول له : اكفر برب محمد ، أدرأ عنك العذاب ،

فيقول الزبير: " لا أعود للكفر أبداً " ، ويهاجر الزبير للحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
5- *** مجاهداً مغواراً :
الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أول رجل سل سيفه في الإسلام ، فبينما هو بمكة ،

إذ سمع صوتاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ،

فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، فتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مكة ،

فقال له ما لك يا زبير ؟ قال : سمعت أنك قد قتلت ، قال : فما كنت صانعاً ؟ قال : أردت والله أن أستعرض أهل مكة ،

قال : فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير ، ولسيفه بالغلب .
وعن عمرو بن مصعب بن الزبير رضي الله عنهم قال : قاتل الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ،

فكان يحمل على القوم : أي يتقدم ويكون في مقدمة من يقاتلون ، وذلك لشجاعته وقوته وإقدامه وبسالته .
وقد شهد موقعة اليرموك ، وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين ،

ويخرج من الجانب الآخر سالماً ، لكن جرح في قفاه بضربتين رضي الله عنه . وقد كان جسده معلماً من آثار السيوف في المعارك ،

فلما سئل عن هذه الآثار قال : أما والله ما منها جراحة ، إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله .
وقال من رأي الزبير : وإن في صدره لأمثال العيون ، من الطعن والرمي .
كانت على الزبير بن العوام يوم بدر عمامة صفراء ، يقال : فنزلت الملائكة وعليهم يوم بدر على سيماء الزبير ، عليهم عمائم صفر .
6- *** منقبة للزبير :
تفداه النبي صلى الله عليه وسلم بأبويه ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ ،

فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ : يَا أَبَتِ ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ ،

قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ " ،

فَانْطَلَقْتُ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ فَقَالَ : " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " [ متفق عليه ] .
7- *** الحواري :
الزبير بن العوام هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحواري هو خاصة الإنسان وناصره ،

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
واسمع إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران ، إذ قال سبحانه : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ

قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران52 ] .
فلما علم عيسى منهم الكفر وأرادوا قتله قال : من أنصاري ؟ أي : من أعواني ؟

قال الحواريون : أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص

وقيل كانوا قصّارين يحورون الثياب : أي يبيّضونها ، قالوا : نحن أنصار الله ، آمنا به وصدقنا ، واشهد يا عيسى بأنا مسلمون .
8- *** الزبير تاجراً :
كان الزبير بن العوام رضي الله عنه ، من التجار الأغنياء المنفقين في سبيل الله عز وجل ،

وكان يقول : من استطاع منكم أن يكون لهو جَنى _ ثمر وشيء يجده عند الله تعالى _ من عمل صالح فليفعل .
باع الزبير داراً له بستمائة ألف ، فقيل له : يا أبا عبد الله غبنت ؟ قال : كلا والله ، لتعلمن أني لم أُغبن ، هي في سبيل الله .
وكان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة ، لا يدخل بيت ماله منها درهم ، كان يتصدق بها ،

وقيل : كان يقسمه كل ليلة ، ثم يقوم إلى منزله ، ليس معه منه شيء . = = = حال الزبير وحال كثير من أغنياء اليوم .
9- *** حبه للشهادة :
كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول : " إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ،

وقد علم أن لا نبي بعد محمد ، وإني أسمي بني بأسماء الشهداء ، لعلمهم أن يستشهدوا ،

فسمى عبد الله بعبد الله بن جحش ، والمنذر بالمنذر بن عمرو ، وعروة بعروة بن مسعود ،

وحمزة بحمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بجعفر بن أبي طالب ، ومصعب بمصعب بن عمير ،

وعبيدة بعبيدة بن الحارث ، وخالد بخالد بن سعيد ، وعمر بعمرو بن سعيد بن العاص ، قتل يوم اليرموك .
  10- *** الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة ، أصحاب الشورى ،

الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض .
 11- *** وفاته رضي الله عنه :
توفي يوم الجمل ، وذلك أنه كر راجعاً عن القتال ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ،

ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ، بمكان يقال له وادي السباع قريب من البصرة ،

بينه وبين البصرة خمسة أميال ، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله ،

وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى ، سنة ست وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة .
ويقال : بل قام من آثار النوم وهو دهش ، فركب وبارزه ابن جرموز ،

فلما صمم عليه الزبير _ على قتله _ أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه ، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه ،

فلما دخل بهما على علي رضي الله عنه قال : علي رضي الله عنه لما رأى سيف الزبير :

إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ : " بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ " ،

ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه .
والصحيح أنه عُمِّرَ بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير _ عبد الله _ فاستناب أخاه مصعباً على العراق ،

فاختفى عمرو بن جرموز خوفاً من سطوته أن يقتله بأبيه .
فقال مصعب : أبلغوه أنه آمن ، أيحسب أني أقتله بأبي عبدالله ؟ كلا والله ليسا سواء .
وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته .
وقد روى الزبير بن العوام رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها .
12- *** وصيته :
عن عبد الله بن الزبير قال : جعل الزبير يوم الجمل يوصيني دينه ، ويقول : إن عجزت عن شيء منه ،

فاستعن عليه بمولاي ، قال : فوالله ما دريت ما أراد ، حتى قلت : يا أبت من مولاك ؟ قال : الله .

قال : ما وقعت في كربه من دينه ، إلا قلت : يا مولى الزبير اقض عنه ، فيقضيه ، وإنما دينه الذي كان عليه ،

أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير : لا ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة .
قال : فحسب ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف ، فقتل ولم يدع ديناراً ولا درهماً

_ يعني نقداً _ إلا أرضين فبعتهما يعني وقضيت دينه ، فقال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ؟

فقلت : والله لا أقسم بينكم ، حتى أنادى بالموسم أربع سنين ، ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه .
فجعل كل سنة ينادي بالموسم ، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم .
= = = أين الأبناء عن تسديد ديون الآباء اليوم ؟
13- *** تركته :
خَلَّفَ رضي الله عنه بعده تركة عظيمة ، فأوصى من ذلك بالثلث ، بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينار ديناً عليه ،

فلما قُضي دينه ، وأُخرج ثلث ماله ، قُسم الباقي على ورثته ، فنال كل امرأة من نسائه

_ وكن أربعاً _ ألف ألف ومائتا ألف _ مليون ومائتي ألف دينار _ فمجموع ما تركه رضي الله عنه تسعة وخمسون ألف ألف ،

وثمانمائة ألف دينار ، أي : تسعة وخمسون مليون وثمانمائة ألف دينار .
قال ابن كثير رحمه الله : وهذا كله من وجوه حلٍ نالها في حياته ، مما كان يصيبه من الفيء والمغانم ،

ووجوه متاجر الحلال ، وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها ، والصلات البارعة الكثيرة لأربابها ، في أوقات حاجاتها .
14- *** موقعة الجمل :
بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه ، أتم الزبير وطلحة المبايعة لعلي رضي الله عنهم أجمعين ،

وخرجوا إلى مكة معتمرين ، ومن هناك إلى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت موقعة الجمل سنة 36 هجرية .
وكان طلحة والزبير في فريق ، وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي ، وبكى بكاءً غزيراً ،

عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله ، وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير ،

حوراييّ رسول الله ، فقال للزبير: " يا زبير ، نشدتك الله ،

أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، ألا تحبّ عليّا ؟

فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه ،

وأنت له ظالم " ، قال الزبير رضي الله عنه : نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لا أقاتلك ،

وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب ، أقلعا فور تبيّنهما الأمر ،

وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ ، تذكرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّار : " تقتلك الفئة الباغية " ،

فان قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها الزبير طلحة ، فسيكون الزبير باغياً .
فانسحب طلحة والزبير من القتال ، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما ، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .
أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدراً .
وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته .
15- *** الشهادة :
ولما فرغ علي رضي الله عنه من دفن طلحة ، والزبير ، وقف يودعهما بكلمات جليلة ،

اختتمها قائلاً : " إني لأرجو أن أكون أنا ، وطلحة ، والزبير ، وعثمان من الذين قال الله فيهم :

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر47 ] ،

ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال : " سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" طلحة والزبير ، جاراي في الجنّة " [ رواه الترمذي وغيره وضعفه الألباني ] .
= = = رضي الله عن الزبير بن العوام وأرضاه ، وجعل جنات الفردوس مثواه ! فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ،

ورسول رب العالمين بالجنة ، فلله الحمد والمنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

" أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ

فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ " [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] 

أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان

م المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان




 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : ــ
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة القرشية ، أم حبيبة - رضي الله عنها - .
اسمها ، ونسبها : هي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .
كنيتها : " أم حبيبة " وهي ابنتها من زوجها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنجبتها في مكة ، وبها كانت تُكنَّي . [ أخرجه ابن سعد 8 / 97 من طريق الواقدي ]
أسم أمها : صفية بنت أبي العاص بن أميّة ، عمة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وهي من بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس في أزواجه من هي أقرب نسبا إليه منها . [ قاله الإمام الذهبي في السير 2 / 219 ] .
أخوها : كاتب الوحي ، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليفة الراشد معاوية بن أبى سفيان - رضي الله عنه – ، ولمكانه منها كان يقال له : " خال المؤمنين " .
زوجها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت زوجة لعُبيد اللَّه بن جحش بن رباب الأسدي " أسد خزيمة " ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، وترك عبادة الأصنام ، ثم أسلم وزوجه السيدة أم حبيبة - رضي الله عنها – وخرج مهاجرا بها من مكة إلى الحبشة في الهجرة الثانية ، وفى الحبشة ارتد عبيد اللَّه بن جحش عن الإسلام ، واعتنق النصرانية ، ومات مرتدا متنصرا .
ذكر [ ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق ] و [ ابن سعد في الطبقات 8 / 97 ] و [المستدرك 4 / 20 – 22 ] قصة ارتداده بقولهم : قالت السيدة أم حبيبة - رضي الله عنها – : [ رأيت في النوم كأن عبيد اللَّه بن جحش زوجى بأسوأ صورة وأشوهها ، ففزعتُ ، فقلت : تغيرتْ واللَّه حاله ! ، فإذا هو يقول حيث أصبح : يا أم حبيبة ، إنى نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية ، وكنت قد دِنتُ بها ، ثم دخلت في دين محمد ، وقد رجعتُ . فأخبرتُهُ بالرؤيا ، فلم يحفِـل ( يهتم ) بها ، وأكبّ على الخمر ، قالت : فأريت قائلا يقول : يا أم المؤمنين ، ففزعت فأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني ] . وذكرت القصة بطولها وهي منكرة . انظر : [ سير اعلام النبلاء جـ 2 ص 221 ] .
وثبتت السيدة أم حبيبة - رضي الله عنها – على دينها في غربتها ، واستمسكت بعقيدتها ... فنجاها اللَّه تعالى بصبرها ، وأعقبها زوجًا خيرًا من زوجها ، أبدلها به خير البرية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي نائية الدار ، بعيدة عنه في الحبشة ، فُقدَ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضّمْري إلى النجاشي ملك الحبشة يخطب عليه أم حبيبة ، فتولّى أمر تزويجها ، وجهازها ، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار ، وأجرى العقد خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة ] أخرجه أبو داود ( 2107 ) في النكاح : باب الصداق بإسناد صحيح . والنسائي [ 6 / 119 ] في النكاح : باب القسط في الأصدقة ، وأحمد ( 6 / 427 ) .
وعُقدّ عليها للنبي صلى الله عليه وسلم سنة ست للهجرة ، كان الوليّ عثمان بن عفان - رضي الله عنه - . انظر : المستدرك [ 4 / 20 ] و
[ الإستيعاب 13 / 4 ] أخرجه [ ابن سعد في الطبقات 8 / 98 – 99 ] و [ سير أعلام النبلاء جـ 2 / 220 - 221 ] .
وروى ابن سعد في الطبقات [ 8 / 99 ] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالي : (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً) [ الممتحنة : 7 ] حين تزوج السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنها – .
وقد أورده ابن كثير في تفسيره عن مقاتل بن حيان ثم قال : [ وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح ، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف ] انظر : [ تفسير القرآن العظيم جـ 4 ص 448 ] .
وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في السنة السابعة للهجرة بعد صلح الحديبية ، وكان لها من العمر يوم قدمت إلى المدينة بضع وثلاثون سنة . أخرجه [ ابن سعد في الطبقات 8 / 99 ] و [ سير أعلام النبلاء جـ 2 / 220 ] .
ولما بلغ أبا سفيان بن حرب خبر زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته وقد كان مشركا قال : [ ذلك الفحل لا يُقرع أنفه ] .
أي : ذاك الرجل الصالح الكفء الكريم الذي لا يُرد نكاحه ) .
وأورد ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن الزهري قال : [ لما قدم أبو سفيان من المدينة ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة ، فكلّمه أن يزيد في هدنة الحديبية ، فلم يُقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام ودخل على ابنته السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنها – فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه ، فقال : يا بنية أرغبتِ بهذا الفراش عنى ؟ ، أم بي عنه ؟ فقالت : بل هو فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وأنت امرؤ نجس مشرك ، قال : يا بنية لقد أصابك بعدى شر ] . انظر :
[ صفوة الصفوة 2 / 46 ] و [ طبقات ابن سعد في 8 / 99 - 100 ] و [ سير أعلام النبلاء جـ 2 / 220 - 221 ] .
هذا وقد أسلم أبوها أبو سفيان - رضي الله عنه - في فتح مكة ، وحسن إسلامه ، وأعطى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن دخل داره الأمان ، فقال : " ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " .
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنها – يوما تقول : اللهم متعني بزوجي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم موجها - بأبي هو وأمي - في الحديث الصحيح الذي رواه المعرور بن سويد عن عبدالله بن مسعود قال : قالت أم حبيبة بنت أبي سفيان : اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد سألت الله لآجال مضروبة ، وآثار معدودة ، وأرزاق مقسومة ، لن يعجل شيئا قبل محله ، أو يؤخر شيئا عن أجله ، ولو سألت الله يعيذك من عذاب النار أو من عذاب في القبر كان خيرا وأفضل ) قال : وذكره عنده القردة والخنازير هن مسخ قال : إن الله تعالى لم يمسخ شيئا فجعل له نسلا ولا عقبا وكانت القردة والخنازير قبل ذلك ) والحديث أخرجه مسلم وإسناده صحيح طريق أخرى في المسند عن ابن مسعود بقصة المسخ فقط . انظر : [ ظلال الجنة 1 / 262 ] .
روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمرو بن أوس عن قال : حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارّ إليه ، قال : سمعت أم حبيبة تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى له بهنّ بيت في الجنة ) رواه مسلم يرقم 728 / 104 .
وروى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن زينب بنت أبي سلمة قالت : [ دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفّي أبوها أبو سفيان بن حرب ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة ، خلوف أو غيره فدهنت منه جارية ثم مسّت بعارضيها ، ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل لامرأة ت ؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) صحيح البخاري 5024 .

روت أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رضي الله عنها 65 حديثا . اتفق البخاري ومسلم لها على حديثين ، وتفرّد مسلم بحديثين . وروى عنها كثير من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - .
وكانت السيدة أم حبيبة - رضى اللَّه عنها – ورعة تقية ، تحرص دائمًا على مراقبة اللَّه - عز وجل - ابتغاء مرضاته ، فقد قالت السيدة عائشة - رضى اللَّه عنها - : [ دعتنى أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها ، فقالت : قد كان يحدث بيننا ما يكون بين الضرائر ، فغفر اللَّه لي ولك ما كان من ذلك . فقلت : غفر الله لكِ ذلك كله وتجاوزه ، وحلَّك من ذلك كله . فقالت : سررتِنى سركِ الله، وأرسلتْ إلى أم سلمة - رضى اللَّه عنها - فقالت لها مثل ذلك ] أخرجه الحاكم [ 4 / 22 - 23 ] و ابن الجوزي في [ صفوة الصفوة 2 / 46 ] و [ طبقات ابن سعد [ 8 / 100 ] .
وامتد العمر بأم حبيبة - رضى اللَّه عنها – إلى عَهْدِ أخيها معاوية بن أبى سفيان - رضى اللَّه عنه ، وتوفيت في سنة أربع وأربعين للهجرة وقبرها بالمدينة .

رضي الله عنها وأرضاها ، وجعل الفردوس الأعلى مأواها ، وجمعنا بها في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

رجال حول الرسول = عمرو بن العاص - محرّر مصر من الرومان

عمرو بن العاص - محرّر مصر من الرومان

كانوا ثلاثة في قريش، اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنف مقاومتهم دعوته وايذائهم أصحابه..
وراح الرسول يدعو عليهم، ويبتهل الى ربه الكريم أن ينزل بهم عقابه..
واذ هو يدعو ويدعو، تنزل الوحي على قلبه بهذه الآية الكريمة..
(ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فانهم ظالمون) ..
وفهم الرسول من الآية أنها أمر له بالكف عن الدعاء عليهم، وترك أمرهم الى الله وحده..
فامّا أن يظلوا على ظلمهم، فيحلّ بهم عذابه..
أو يتوب عليهم فيتوبوا، وتدركهم رحمته..
كان عمرو بن العاص أحد هؤلاء الثلاثة..
ولقد اختار الله لهم طريق التوبة والرحمة وهداهم الى الاسلام..
وتحول عمرو بن العاص الى مسلم مناضل. والى قائد من قادة الاسلام البواسل..
وعلى الرغم من بعض مواقف عمرو التي لا نستطيع أن نقتنع بوجهة نظره فيها، فان دوره كصحابيّ جليل بذل وأعطى، ونافح وكافح، سيظل يفتح على محيّاه أعيننا وقلوبنا..
وهنا في مصر بالذات، سيظل الذين يرون الاسلام دينا قيما مجيدا..
ويرون في رسوله رحمة مهداة، ونعمة موجاة، ورسول صدق عظيم، دعا الى الله على بصيرة، وألهم الحياة كثيرا من رشدها وتقاها..
سيظل الذين يحملون هذا الايمان مشحوذي الولاء للرجل الذي جعلته الأقدار سببا، وأي سبب، لاهداء الاسلام الى مصر، واهداء مصر الى الاسلام.. فنعمت الهداية ونعم مهديها..
ذلكم هو: عمرو بن العاص رضي الله عنه..
ولقد تعوّد المؤرخون أن ينعتوا عمرا بـ فاتح مصر..
بيد أنا نرى في هذا الوصف تجوزا وتجاوزا، ولعل أحق النعوت بعمرو أن ندعوه بـ محرر مصر..
فالاسلام لم يكن يفتح البلاد بالمفهوم الحديث للفتح، انما كان يحررها من تسلط امبراطوريتين سامتا العباد والبلاد سوء العذاب، تانك هما:
امبراطورية الفرس. ز وامبراطورية الروم..

ومصر بالذات، يوم أهلت عليها طلائع الاسلام كانت نهبا للرومان وكان أهلها يقاومون دون جدوى..
ولما دوّت فوق مشارف بلادهم صيحات الكتائب المؤمنة أن:
" الله أكبر..
الله أكبر"..
سارعوا جميعا في زحام مجيد صوب الفجر الوافد وعانقوه، واجدين فيه خلاصهم من قيصر ومن الرومان..
فعمرو بن العاص ورجاله، لم يفتحوا مصر اذن.. انما فتحوا الطريق أمام مصر لتصل بالحق مصايرها.. وتربط بالعدل مقاديرها.. وتجد نفسها وحقيقتها في ضوء كلمات الله، ومبادئ الاسلام..
ولقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة، ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان الين يحتلون البلاد ويسرقون أرزاق أهلها..
من أجل ذلك نجده يتحدث الى زعماء النصارى يومئذ وكبار أشاقفتهم، فيقول:
" ... ان الله بعث محمدا بالحق وأمره به..
وانه عليه الصلاة والسلام، قد أدّى رسالته، ومضى بعد أن تركنا على الواضحة أي الطريق الواضح المستقيم..
وكان مما أمرنا به الاعذار الى الناس، فنحن ندعوكم الى الاسلام..
فمن أجابنا، فهو منا، له ما لنا وعليه ما علينا..
ومن لم يجبنا الى الاسلام، عرضنا عليه الجزية أي الضرائب وبذلنا له الحماية والمنعة..
ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا، وأوصانا بأهلها خيرا فقال: " ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لهم ذمّة ورحما"..
فان أجبتمونا الى ما ندعوكم اليه كانت لكم ذمة الى ذمة" ...
وفرغ عمرو من كلماته، فصاح بعض الأساقفة والرهبان قائلا:
" ان الرحم التي أوصاكم بها نبيّكم، لهي قرابة بعيدة، لا يصل مثلها الا الأنبياء"..!!
وكانت هذه بداية طيبة للتفاهم المرجو بين عمرو أقباط مصر.. وان يكن قادة الرومان قد حاولوا العمل لاحباطها..

**

وعمرو بن العاص لم يكن من السابقين الى الاسلام، فقد أسلم مع خالد بن الوليد قبيل فتح مكة بقليل..
ومن عجب أن اسلامه بدأ على يد النجاشي بالحبشة وذلك أن النجاشي يعرف عمرا ويحترمه بسبب تردده الكثير على الحبشة والهدايا الجزيلة التي كان يحملها للنجاشي، وفي زيارته الأخيرة لتلك البلاد جاء ذكر لرسول الذي يهتف بالتوحيد وبمكارم الأخلاق في جزيرة العرب..
وسأل عاهل الحبشة عمرا، كيف لم يؤمن به ويتبعه، وهو رسول من الله حقا..؟؟
وسأل عمرو النجاشي قائلا:
" أهو كذلك؟؟ "
وأجابه النجاشي:
" نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فانه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه"..؟!
وركب عمرو ثبج البحر من فوره، عائدا الى بلاده، وميمّما وجهه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين..
وفي الطريق المقضية الى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادما من مكة ساعيا الى الرسول ليبايعه على الاسلام..
ولك يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه:
" لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها"..
وتقدم خالد فبايع..
ثم تقدم عمرو فقال:
" اني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي"..
فأجابه الرسول عليه السلام قائلا:
" يا عمرو..
بايع، فان الاسلام يجبّ ما كان قبله"..
وبايع عمرو ووضع دهاءه وشجاعته في خدمة الدين الجديد.
وعندما انتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، كان عمرو واليا على عمان..
وفي خلافة عمر أبلى بلاءه المشهود في حروب الشام، ثم في تحرير مصر من حكم الرومان.

**

وياليت عمرو بن العاص كان قد قاوم نفسه في حب الامارة..
اذن لكان قد تفوّق كثيرا على بعض المواقف التي ورّطه فيها الحب.
على أن حب عمرو الامارة، كان الى حد ما، تعبيرا تلقائيا عن طبيعته الجياشة بالمواهب..
بل ان شكله الخارجي، وطريقته في المشي وفي الحديث، كانت تومي الى أنه خلق للامارة..!! حتى لقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رآه ذات يوم مقبلا، فابتسم لمشيته وقال:

" ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض الا أميرا"..!
والحق أن أبا عبد الله لم يبخس نفسه هذا الحق..
وحتى حين كانت الأحداث الخطيرة تجتاح المسلمين.. كان عمرو يتعامل مع هذه الأحداث بأسلوب أمير، أمير معه من الذكاء والدهاء، والمقدرة ما يجعله واثقا بنفسه معتزا بتفوقه..!!
ولكن معه كذلك من الأمانة ما جعل عمر بن الخطاب وهو الصارم في اختيار ولاته، واليا على فلسطين والأردن، ثم على مصر طوال حياة أمير المؤمنين عمر ...
حين علم أمير المؤمنين عمر أن عمرا قد جاوز في رخاء معيشته الحد الذي كان أمير المؤمنين يطلب من ولاته أن يقفوا عنده، ليظلوا دائما في مستوى، أو على الأقل قريبين من مستوى عامة الناس..
نقول: لو علم الخليفة عن عمرو كثرة رخائه، لم يعزله، انما أرسل اليه محمد بن مسلمة وأمره أن يقاسم عمرا جميع أمواله وأشيائه، فيبقي له نصفها ويحمل معه الى بيت المال بالمدينة نصفها الآخر.
ولو قد علم أمير المؤمنين أن حب عمرو للامارة، يحمله على التفريط في مسؤولياته، لما احتمل ضميره الرشيد ابقاءه في الولاية لحظة.

**

وكان عمرو رضي الله عنه حادّ الذكاء، قوي البديهة عميق الرؤية..
حتى لقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، كلما رأى انسانا عاجز الحيلة، صكّ كفيّه عجبا وقال:
" سبحان الله..!!
ان خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص اله واحد!!
كما كان بالغ الجرأة مقداما
ولقد كان يمزج جرأته بدهائه في بعض المواطن، فيظن به الجبن أو الهلع.. بيد أنها سعة الحيلة، كان عمرو يجيد استعمالها في حذق هائل ليخرج نفسه من المآزق المهلكة..!!
ولقد كام أمير المؤمنين عمر يعرف مواهبه هذه ويقدرها قدرها، من أجل ذلك عندما أرسله الى الشام قبل مجيئه الى مصر، قيل لأمير المؤمنين: ان على رأس جيوش الروم بالشام أرطبونا أي قائدا وأميرا من الشجعان الدهاة، فكان جواب عمر:
" لقد رمينا أرطبون الروم، بأرطبون العرب، فلننظر عمّ تنفرج الأمور"..!!
ولقد انفرجت عن غلبة ساحقة لأرطبون العرب، وداهيتهم الخطير عمرو ابن العاص، على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا الى مصر، التي سيلحقه بها عمرو بعد قليل، ليرفع فوق ربوعها الآمنة راية الاسلام.

**

وما أكثر المواقف التي تألق فيها ذكاء عمرو ودهاؤه.
وان كنا لا نحسب منها بحال موقفه من أبي موسى الأشعري في واقعة التحكيم حين اتفقا على أن يخلع كل منهما عليا ومعاوية، ليرجع الأمر شورى بين المسلمين، فأنفذ أبو موسى الاتفاق، وقعد عن انفاذه عمرو.
واذا اردنا أن نشهد صورة لدهائه، وحذق بديهته، ففي موقفه من قائد حصن بابليون أثناء حربه مع الرومان في مصر وفي رواية تاريخية أخرى أنها الواقعة التي سنذكرها وقعت في اليرموك مع أرطبون الروم..
اذ دعاه الأرطبون والقائد ليحادثه، وكان قد أعطى أمرا لبعض رجاله بالقاء صخرة فوقه اثر انصرافه من الحصن، وأعدّ كل شيء ليكون قتل عمرو أمرا محتوما..
ودخل عمرو على القائد، لا يريبه شيء، وانفض لقاؤهما، وبينما هو في الطريق الى خارج الحصن، لمح فوق أسواره حركة مريبة حركت فيه حاسة الحذر بشدّة.
وعلى الفور تصرّف بشكل باهر.
لقد عاد الى قائد الحصن في خطوات آمنة مطمئنة وئيدة ومشاعر متهللة واثقة، كأن لم يفرّعه شيء قط، ولم يثر شكوكه أمر!!
ودخل على القائد وقال له:
لقد بادرني خاطر أردت أن أطلعك عليه.. ان معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين الى الاسلام، لا يقطع أمير المؤمنين أمرا دونمشورتهم، ولا يرسل جيشا من جيوش الاسلام الا جعلهم على رأس مقاتلته وجنوده، وقد رأيت أن آتيك بهم، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة..
وأدرك قائد الروم أن عمرا بسذاجة قد منحه فرصة العمر..!!
فليوافقه اذن على رأيه، حتى اذا عاد ومعه هذا العدد من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم وقوادهم، أجهز عليهم جميعا، بدلا من أن يجهز على عمرو وحده..
وبطريقة غير منظورة أعطى أمره بارجاء الخطة التي كانت معدّة لاغتيال عمرو..
ودّع عمرو بحفاوة، وصافحه بحرارة،
وابتسم داهية العرب، وهو يغادر الحصن..

وفي الصباح عاد عمرو على رأس جيشه الى الحصن، ممتطيا صهوة فرسه، التي راحت تقهقه في صهيل شامت وساخر.
أجل فهي الأخرى كانت تعرف من دهاء صاحبها الشيء الكثير..!!

**

وفي السنة الثالثة والأربعين من الهجرة أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر، حيث كان واليا عليها..
وراح يستعرض حياته في لحظات الرحيل فقال:
".. كنت أول أمري كافرا.. وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار..
ثم بايعت رسول الله، فما كان في الناس أحد أحب اليّ منه، ولا أجلّ في عيني منه.. ولو سئلت أن أنعته ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه اجلالا له.. فلو متّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة..
ثم بليت بعد ذلك بالسلطان، وبأشياء لاأدري أهي لي أم عليّ"..

**

ثم رفع بصره الى السماء في ضراعة، مناجيا ربه الرحيم العظيم قائلا:
" اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر،
والا تدركني رحمتك أكن من الهالكين"!!
وظل في ضراعاته، وابتهالاته حتى صعدت الى الله روحه. وكانت آخر كلماته لا اله الا الله..

وتحت ثرى مصر، التي عرّفها عمرو طريق الاسلام، ثوى رفاته..
وفوق أرضها الصلبة، لا يزال مجلسه حيث كان يعلم، ويقضي ويحكم.. قائما عبر القرون تحت سقف مسجده العتيق جامع عمرو، أول ميجد في مصر يذكر فيه اسم الله الواحد الأحد، وأعلنت بين أرجائه ومن فوق منبره كلمات الله، ومبادئ الاسلام.

علي ومعاوية رضي الله عنهما

قال عمير: ﻻ‌ تذكروا معاوية إﻻ‌ بخير, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به. رواه الإمام أحمد في المسند (4/216) و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/236)
- وقد استجاب الله دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - ففتح الله على يدي معاوية بلادا كثيرة, ودخل في الإسلام في عهده خلق لا يحصيهم إلا الله.
- روى البخاري بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :‏ ‏ أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قال الحافظ ابن حجر في " الفتح: (6/120) قال المهلب : في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر.
- قيل لأحمد بن حنبل : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي ) ؟ قال : بلى ، قلت : وهذه لمعاوية ؟ قال : نعم ، له صهر ونسب. السنة للخلال برقم ( 654 )
- ‏‏ قيل لابن عباس : هل لك في أمير الْمؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة ، قال : إنه فقيه. رواه البخاري (3765)
- سئل المعافى بن عمران: يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟! فقال : لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد ، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه على وحيه. كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة ، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة ، وهو أول الملوك ، كان ملكه ملكاً ورحمة. مجموع الفتاوى ( 4 / 478 ) .
- وقال أيضاً : فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمّره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمّر غيره ، وجاهد معه ، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي ، وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي .. وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال ، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته. منهاج السنة ( 6/ 232)
ختاما: الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان أساسه الاختلاف حول أخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه, ولم يكن خلافا على الملك, كما افترى الرافضة - هداهم الله - فالصحابة ما كانوا طلاب دنيا, فيا ليتنا نعرف لهم قدرهم, ونلتزم فيهم بهذه الوصية النبوية (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)

أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري

بسم الله الرحمن الرحيم

إياس، وقيل: عبد الله، وقيل: سهل بن ثعلبة، وقيل: ثعلبة بن عبد الله، وقيل: ابن إياس، وقيل: ثعلبة بن سهيل، وقيل: ابن عبد الرحمن الحارثي الأنصاريّ، وقيل: البَلَوِيَّ، حليف الأنصاري.
يكنى أبو أمامة؛ وهو مشهور بكنيته، وأخرجه أبو عمر، وهو ابن أخت أبي بردة بن نِيار، وقال الوَاقِدِيُّ: "له صحبة"، وذكره خليفة، والبغوي في الصحابة، ولم يشهد بَدْرًا، وروى عبد الله بن أبي أُمامة، عن أبيه أبي أُمامة بن ثعلبة، قال‏:‏ لما هَمّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بالخروج إلى بَدْرٍ أجمع الخروج معه، فقال له خاله أبو بردة بن نيار‏:‏ أقم على أُمك، قال: بل أنت فأقم على أُختك؛ فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأمر أبا أمامة بالمقام على أمّه، وخرج أبو بردة، فرجع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقد تُوفِّيت فصَلّى عليها‏.(*).
وروى عنه ابنه عبد الله بن ثعلبة قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يقول: سمعت أباك ثعلبة يقول: سمعت النبي صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "أَيُّمَا امْرِئٍ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ نِفَاقٍ فِي قَلْبِهِ لَا يُغَيِّرُهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، وفي رواية أخرى عن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال: "مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ"، قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكَ"(*).
وروى عنه أيضًا ابنه عبد اللّه، ومحمود بن لبيد عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "البَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ" ، وتوفي مُنْصَرَفَ النبي صَلَّى الله عليه وسلم من أحد، فصلى عليه، وذكر ابن الأثير: أنه لم يقتل بأحد.

أبو زرعة الرازى

نسبه وكنيته ونسبته:

هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ.

كنيته أبو زرعة وقد اشتهر بهذه الكنية.

يقال له الرازي نسبة إلى الري بزيادة زاي وهي بلده ويقال له القرشي المخزومي نسبة إلى قبيلة نسبة ولاء وهو عياش بياء مثناه من تحت وآخره شين معجمة ابن مطرّف القرشي هكذا في المنهج الأحمد وتاريخ بغداد وتهذيب التهذيب أما كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وطبقات الحنابلة ففيهما عباس بموحدة ومهملة.

ممن روى عنهم:

 رحل أبو زرعة إلى الحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر وروى عن كثيرين، فروى عن أبي عاصم وأبي نعيم وقبيصة بن عقبة ومسلم بن إبراهيم وأبي الوليد الطيالسي وأحمد بن يونس وخلاد بن يحيى والقعنبي ومحمد بن سعيد بن سابق وأبي ثابت المدني وأبي سلمة التبوذكي والحكم بن موسى ويحيى بن عبد الله بن بكير وخلق كثير سواهم.



ممن رووا عنه :

روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وإسحاق بن موسى الأنصاري وحرملة بن يحيى والربيع بن سليمان ومحمد بن حميد الرازي وعمرو بن علي ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم.



من خرج حديثه:

خرج حديثه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم كل منهم روى عنه مباشرة، والذي أخرجه مسلم في صحيحه عنه حديث واحد أخرجه في أول كتاب الرقاق وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك».

وقال النووي في شرحه (17-54) وهذا الحديث رواه مسلم عن أبي زرعة الرازي أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظاً ولم يروي مسلم في صحيحه عنه غير هذا الحديث وهو من أقران مسلم توفي بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين انتهى وقد أشار الخزرجي في الخلاصة إليه فقال: وعنه مسلم فرد حديث ونقل الحافظ بن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أن مسلماً روى عنه حديثين.



ثناء الأئمة عليه:

لأبي زرعة الرازي من ثناء الأئمة حظ وافر ونصيب كبير فقد ذكروه بخير وأثنوا عليه في دينه وورعه وقوة حفظه وسعة علمه قال فيه النسائي:"ثقة"، وقال أبو حاتم: "إمام" وقال الخطيب: "كان إماماً رزيناً حافظاً مكثراً صادقاً"، وقال عبد الله بن أحمد: "لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي وكان كثير المذاكرة له فسمعت أبي يقول يوماً: ما صليت غير الفرض استأثرت بمذاكرة أبي زرعة"، وقال عبد الله بن أحمد:"سمعت أبي يقول ما جاوز النهر أفقه من إسحاق ولا أحفظ من أبي زرعة"، وقال صالح بن محمد عن أبي زرعة: "أنا أحفظ عشرة آلاف حديث في القراءات"، وقال أيضاً: "سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف حديث"، وقال أبو يعلى الموصلي: "ما سمعت يذكر أحد في الحفظ إلاّ كان اسمه أكبر من رؤيته إلاّ أبا زرعة فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه"، وقال أبو جعفر التستري: "سمعت أبا زرعة يقول: ما سمعت أذني شيئاً من العلم إلاّ وعا قلبي وإن كنت لأمشي في السوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات فأضع أصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي"، وقال أبو حاتم: "حدثني أبو زرعة وما خلف بعده مثله علماً وفقهاً وفهماً وصيانة وصدقاً ولا أعلم في المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله"، قال: "وإذا رأيت الرازي ينتقص أبا زرعة فاعلم أنه مبتدع"، وروى البيهقي عن ابن وارة قال: "كنا عند إسحاق بنيسابور فقال رجل: سمعت أحمد يقول صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ ستمائة ألف حديث"، وقال محمد ابن جعفر بن حمكويه: "قال أبو زرعة: أحفظ ستمائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد"، وقال ابن حبان في الثقات: "كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس"، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: "الإمام حافظ العصر"، وقال: "كان من أفراد الدهر حفظاً وذكاء ًوديناً وإخلاصاً وعلماً وعملاً"، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "ما رأيت أحفظ من أبي زرعة"، وقال علي بن الجنيد: "ما رأيت أعلم من أبي زرعة"، وقال يونس بن عبد الأعلى: "ما رأيت أكثر تواضعاً من أبي زرعة"، وقال بن كثير في البداية والنهاية: "أحد الحفاظ المشهورين"، قيل أنه كان يحفظ سبعمائة ألف حديث وكان فقيهاً ورعاً زاهداً عابداً متواضعاً خاشعاً أثنى عليه أهل زمانه وشهدوا له بالتقدم على أقرانه وقال ابن الجوزي في صفة الصفوة: "كان من كبار الحفاظ وسادات أهل التقوى". وقال ابن حجر في التقريب: "إمام حافظ ثقة مشهور"، وروي عن أبي زرعة "أن رجلاً استفتاه أنه حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث فقال: تمسك بزوجتك" وقال النووي في شرح مسلم: "أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظاً".



آثاره:

لأبي زرعة الرازي مسند ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة ص64 ويوجد في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية كتاب: الضعفاء والكذابون والمتروكون من أصحاب الحديث عن أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين مما سألهم عنه وجمعه وألفه أبو عثمان سعيد بن عمرو بن عمار البرذعي الحافظ المتوفى سنة 292 وهو برقم 719 قسم التاريخ.

وفاته:

توفي أبو زرعة رحمه الله بالري سنة أربع وستين ومائتين في يوم الإثنين آخر يوم من السنة أرخ وفاته في هذه السنة الحافظ في التقريب والذهبي في العبر وابن كثير في البداية والنهاية وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ولم أقف على ما يخالف هذا القول إلاّ قولاً حكاه الحافظ في تهذيب التهذيب عن أبي حاتم أنه توفي سنة ثمان وستين أي ومائتين أما سنة ولادته فقد سئل عنها فقال: "ولدت سنة مائتين" نقل ذلك ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة وذكر بن كثير في البداية والنهاية قولاً آخر في سنة ولادته وأنها في سنة تسعين ومائة ولا شك أن الأرجح في ذلك ما ذكره هو عن نفسه ومدة عمره على هذا أربع وستون سنة رحمه الله.

وروي أنه عند وفاته اجتمع عنده عدد من العلماء الرازيين فأرادوا تلقينه فاستحيوا منه فرأوا أن يتذاكروا في حديث التلقين فشرع أحدهم بإسناد حديث ثم وقف أثناءه فقال أبو زرعة رحمه الله حدثنا بندار وساق إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلاّ الله»، وتوفي رحمه الله.

من قضاة الإسلام: كعب بن سور الأزدي

من قضاة الإسلام: كعب بن سور الأزدي

تطلب الخليفة العادل الحازم: عمر بن الخطاب فيمن يقيم أمر الله بالفصل بين الناس ثلاث خصال: لا يصانع،

ولا يضارع (أي يشبه فعله الرياء)، ولا يتبع المطامع. وقد استبان بالتجربة لعمر رضي الله عنه توافر هذه المواصفات

في كعب فولاه قضاء البصرة، وكانت أحكام كعب من دليل صحتها لا يختلف فيها أو عليها.

 فكانت الشهادة التقديرية من عمر لكعب قوله: «نعم القاضي أنت».



معالم حياته:

كعب بن سور بن بكر بن الأزدي، من قبيلة من أهل اليمن، لم تشر المصادر والمراجع الذي بين أيدينا

إلى تاريخ ولادته وإن أجمعت أن وفاته كانت في موقعة الجمل سنة 36هـ.

• كان كعب مسيحياً في الجاهلية، واعتنق الإسلام عن وعي وإدراك- واقتناع، فكان من القلة الخيرة المؤمنة من أهل الكتاب

 الموصوفة من الله بقوله ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ *

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 113 - 115].



فقد آمن كعب إيماناً صادقاً عميقاً، وكاملاً وشاملاً وانضم إلى الصف المسلم وقام بحراسة دين الإسلام.

• لم تثبت رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرو عنه أي حديث، وإن عاصر كبار الصحابة،

 وفقه آيات الأحكام والحديث ويعد كعب من كبار التابعين.

• مكث في القضاء اثني عشر عاماً فقد استقضاه عمر قاضياً على البصرة في سنة 18هـ، ولم يزل كعب قاضياً لعمر

 حتى استشهد عمر رضي الله عنه في عام 23هـ، وفي عام 29هـ ولى عثمان بن عفان عبد الله بن عامر على البصرة،

 فأعاد ابن عامر كعباً على القضاء فلم يزل حتى استشهد.

كيف ولى عمر كعباً لقضاء البصرة؟

يحدثنا الشعبي: أن كعب بن سور كان جالساً فجاءت امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين: ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي

 إنه ليبيت ليلة قائماً، ويظل نهاره صائماً في اليوم الحار ما يفطر، فاستغفر لها وأثنى عليها. وقال: مثلك أثنى الخير..

.وقال: واستحيت المرأة فقامت راجعة.فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعنت المرأة على زوجها أن جاءتك تستعديك؟

قال: أو ذاك أرادت؟ قال: نعم... فردت، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشتكين زوجك، أنه يجتنب فراشك.

قالت: أجل إني امرأة شابة، وإني أتتبع ما يتبع النساء، فأرسل إلى زوجها فجاءه. فقال لكعب: اقض بينهما،

 فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهمه. فقال كعب: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، فقال: عزمت عليك لتقضين

 بينهما قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقض له بثلاثة أيام ولياليهن، يتعبد فيهن،

ولها يوم وليلة (ليس له فيها إلا أداء الفريضة) فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة.



وفي رواية أخرى طريقة عن المدائني تتفق معها في المعنى وتنفرد بأنها تصور حجج الخصوم وأدلتهم بصياغة شعرية..

 فالمرأة التي أتت عمر بن الخطاب تثني على زوجها فقال له كعب بن سور: إنها تشكوه.فقال عمر: اقض بينهما. فتكلمت المرأة فقالت:

يا أيها القاضي الحكيم رشده *** ألهى خليلي عن فراشي مسجده

زهده في مضجعي تعبده ***  نهاره وليله ما يرقده

ولست في أمر النساء أحمده *** فأقض القضاء يا كعب لا تردده


فقال الزوج:

إني  امرؤ  أذهلني  ما  قد  نزل

في  سورة  النور  وفي السبع  الطول

زهدني  في  فرشها  ما   في الحجل

وفي  كتاب  الله  تخويف  جلل

فحثها  في ذا على حسن  البعل


فقال كعب:

إن  أحق   القاضيين  من  عقل

ثم  قضى  بالحق  جهداً  وفصل

إن  لها  حقاً  عليك  يا  بعل

نصيبها  من  أربع  لمن  عدل

فأعطها  ذاك ودع  عنك  العلل




كعب يراجع عمر في قضائه في عين ماء:

ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن صاحب عين أتى عمر، وعنده كعب ابن سور، فقال: يا أمير المؤمنين إن لي

 عيناً فاجعل لي خراج ما تسقي. فقال: هو لك. فقال كعب: يا أمير المؤمنين ليس ذاك له قال: ولم؟ قال: لأنه لا يفيض ماؤه

عن أرضه فيسقي أرض الناس، ولو حبس ماؤه في أرضه لغرقت، فلم ينتفع بمائه، ولا بأرضه، فمره،

فليحبس ماؤه عن أرض الناس إن كان صادقاً. فقال له عمر: أتستطيع أن تحبس ماءك؟

 قال: لا. قال عمر هذه لكعب مع الأولى ذلك لأن موقف كعب تطبيقاً لقاعدة إسلامية كلية «الخراج بالضمان»،

 ومعنى الخراج ما يخرج من الغلة والنتاج والمنفعة ومعنى الضمان ما يصرف من النفقات أو يتحمل من الأضرار.



تَقَيَّأ كعب الهدية لأنها سُحْتٌ ورشوة:

حدث المدائني قال قالت بنت كعب بن سور ألْطَفَنا بعض الحي بلُطف(الهدية) فدخل أبي فرآه فأدنيناه إليه،

 فأكل ثم قال: من أين هذا لكم. قلنا له: أهداه، لنا فلان فتقيأه لأن الهدية إذا دخلت بيت القاضي دفعت إلى الطمع منه

والشبهة فيه، فقد كانت تعاليم عمر بن الخطاب إلى عماله- من جراء تجربته- أن الهدايا هي الرشا. فقد

روى لنا الشعبي أن رجلاً كان يهدي إلى عمر بن الخطاب كل عام رجل جزور (صغير الناقة) خاصم إليه يوماً.

 فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلاً كما يفصل الرجل عن سائر الجزور، فشعر عمر بثقل هذا القول

 وأثره على نفس القاضي الذي قد يحيد به عن وجه الحق في الدعوى وقد قضى على الرجل لأن الحق لم يكن معه،

 وكتب إلى عماله: ألا إن الهدايا هي الرشا فلا تقبلن من أحد هدية، إنه تطبيق حي من كعب لتعاليم ولي الأمر العام.



من قضاياه واجتهاده:

اختصم إلى كعب رجلان، باع أحدهما صاحبه ورقاً على أن يقطع برضاه، فجعل يأتيه بالأديم (آلة القطع)

فيقول له: اقطع لي من وسطه ورقة ودع باقيه، فقال كعب: إما أن تقطعه كله أو لا تفسده عليه، وإلا فخذ دراهمك.

 وذلك من كعب تطبيقاً للمبدأ «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ولا يزال هذا أساس نظرية التعسف في استعمال الحق الفقه الإسلامي».

اشترى رجل من رجل أرضاً، فوجدها صخرة، فاختصما إلى كعب بن سور فقال كعب: أرأيت لو وجدتها ذهباً،

 أكنت تردها؟ قال: لا. قال فهي لك. لقد استند كعب بن سور إلى معيار الشخص العادي في تقدير العيب المألوف،

 وطبق قاعدة: «الغرم بالغنم»، يعني أن من ينال نفع شيء يتحمل ضرره.

حدث الرواة: أن امرأتين رقدتا، ومع كل واحدة ولدها، فانقلبت إحداهما على أحد الصبيين فقتلته،

وأصبحتا وكل واحدة منهما تدعي الباقي، فاختلفا إلى كعب بن سور فبعث إلى القافة فأوطوا

(القافة: من يقتفي الأثر، أوطوا: اتفقوا) فألحق الشبه بإحدى المرأتين، فقال كعب: إني لست بسليمان بن داود، ولم أجد شيئاً

أفضل من أربعة من المسلمين شهوداً، إن اجتهاد كعب في المسألة المعروضة عليه. وكل من طرفيها مدع

 ومدعى عليه في آن واحد، والتجاءه إلى خبرة رجال الأثر والإلصاق بالشبه مقرونة بتعددهم وعدالتهم هو

 دليل ظني مفضي في الغالب إلى اليقين، وما التحليل الدموي للطفل والمنسوب إليهما في العصر الحديث من الوقوف

 على الفضائل الدموية إلا إلحاقاً للشبه وبناء على الظن القريب من اليقين أيضاً.



موقف كعب بن سور من الخارجين على الخليفتين عثمان وعلي:

بعث الخليفة عثمان بن عفان إلى كعب بن سور وذوي الشوكة والولاة في الأمصار أن ينصروه ويحثوا

الرعية على طاعته، بعد ظهور الفتنة والتفاف أهل الشغب بداره مطالبينه بأن يخلع نفسه من الخلافة بمقولة أن عماله

 من أقاربه دون الكفاءة والأمانة المسندة إليهم ويستبدون بالأمر من دونه. وإن كان الواقع أن وراء هذه القوى

 أيد خفية معادية للإسلام دخلته بقصد الإفساد والقضاء على دولته ورجاله، وكانت تبث سمومها ورسائلها المزورة

 إلى الأمصار على لسان كبار الصحابة تدعوهم فيها إلى الخروج على عثمان، وفي مقدمة هؤلاء اليهودي عبد الله بن سبأ،

وكان الغرض أن يتكاثر الخارجون على عثمان وتزداد المطالبة بخلعه.

وقد قام كعب بحق ولي الأمر وحث أهل البصرة على نصرة الخليفة عثمان وطاعته...

ومضى كعب إلى عثمان بناء على طلب الأخير وأكد له أن البصرة عامة والأزد خاصة في طاعته ونصرته

وذلك في سنة 35هـ، ولكن الأحداث تصاعدت بعد ذلك وتمكن بعض رجال الشغب من اقتحام دار عثمان وقتله

والمصحف في يده، وأصبحت البلاد وقد استشهد رئيسها والثوار وأهل الشغب كادوا أن يملكوا الزمام في حاجة إلى الإمام

الذي يدرك أن- الحكم مسئولية وتضحية، وقد اتفق الجميع في الظاهر بما فيهم الثوار على بيعة علي بن أبي طالب

 وإن كان طلحة والزبير قد بايعاه كارهين لأنهما طلبا منه أن ينصبهما في ولايات معينة، وأن يبدأ بالقصاص من قتلة عثمان،

 ولم تكن الظروف لتسمح بذلك، لذلك فقد مضى طلحة والزبير إلى أم المؤمنين عائشة التي كان لها موقفاً خاصاً

من ولاية الإمام علي بن أبي طالب، ومضوا جميعاً إلى البصرة مطالبين بثأر عثمان أو خلع الإمام علي،

وقد بعث طلحة والزبير إلى كعب بن سور برسالة بقصد استقطابه نصها: «أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب،

 وشيخ أهل البصرة، وسيد أهل اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى فاغضب له من القتل والسلام «فأجابهما»:

 أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان بالأيدي والغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يكن عثمان قتل ظالماً فما لكما

وله وإن يكن قتل مظلوماً فغيركما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من شهده فهو على من غاب عنه أشكل».

وقد كان موقف كعب في البداية الاعتزال عن الحرب ويحث الناس على ذلك في المساجد ويقول: ويلكم أطيعوني،

اقطعوا هذه النطفة (الماء القليل) وكونوا من ورائها، وخلوا بين الغاوين، فو الله لا يظهر طائفة منهم إلا احتاجوا إليكم.

فتصدى له صبرة بن شيمان سيد الأزد وقال له: اسكت إنما أنت نصراني صاحب ناقوس وصليب وعصا..

 فرجع كعب إلى منزله في دار عمر ابن عوف فأمر بزاده ليخرج من البصرة، فبلغ عائشة الخبر وقيل لها إن

 اتبعك كعب بن سور خرجت الأزد كلها معك، فجاءت إليه على بعيرها ولم تزل تقنعه بأن غايتها الإصلاح دون قتال

حتى خرج معها وراية الأزد معه، ولما نشب القتال بين فريقها وفريق علي كان كعب ممسكاً بزمام جملها «عسكر»

 فكلفته عائشة بقولها: خل يا كعب عن البعير وتقدم بكتاب الله عز وجل فادعهم إليه ودفعت إليه مصحفاً،

 فمضى يحث القوم على العمل بكتاب الله بيد أن سهماً غرب فأصابه فكان أول مقتول بين يدي عائشة وأهل الكوفة.

 وقيل أنه أصيب مع كعب ثلاثة أخوة أو أربعة، فجاءت أمهم، فوجدتهم في القتلى فقالت:

زياد علي

زياد علي محمد