الأحد، 8 سبتمبر 2019

أم أنس بنت البراء بن معرور

بسم الله الرحمن الرحيم

خليدة، وقيل: السّلاف بنت البَرَاء بن مَعْرُور الأنصارية الخزرجيّة السّلمية. وهي أخت بشر بن البراء، وامرأة زيد بن حارثة. أسلمت، وبايعت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. وكانت من كبار الصّحابة. روى عنها جابر بن عبد الله. روت أمّ بشير الأنصاريّة، أنها قالت: دخل عليّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأنا في نخل لي، فقال: "من غرسه، مسلم، أو كافر؟" قلت: مسلم، قال: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان، أو طائر، أو سبع، إلاّ كان له صدقة". وروت أمّ مبشّر أيضًا أنّها سمعت النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: "لا يدخل إن شاء الله النار أحد من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها"، قالت: بلى، يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: }وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا{، [سورة مريم: 71] فقال النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم "قد قال: }ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا{ [سورة مريم: 72]. قال عبد الله بن كعب بن مالك: لما حضرت كعبًا الوفاة أتته أم أنس بنت البراء بن معرور، قالت: يا أبا عبد الرحمن إن لقيت أبي، فاقرأه مني السّلام، فقال: لعَمْرُ الله، يا أم أنس، لنحن أشغَلُ من ذلك، فقالت: أما سمعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ نَسَمَةٌ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ حَيْثُ تَشَاءُ، وَإِنَّ نَسَمَةَ الفَاجِرِ في سَجِّينٍ؟" قال: بلى، قالت: هو ذاك. وروت أم أنس بنت البراء بن معرور، أنها قالت: كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، في نَفَر من أصحابه يأكل من طعام صنعته لهم، فسألوه عن الأرواح، فذكرها بذكر منع القوم من الطّعام، ثم قال بعده: "أَرْوَاحُ المُؤْمِنِينَ في طُيُورٍ خُضْرٍ يَأْكُلُونَ مِنَ الجَنَّةِ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَعَارَفُونَ..." الحديث. وروت أم أنس بنت البراء أيضًا، أنها قالت: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الْنَّاسِ؟" قلنا: بلى، قال: "رَجُلٌ ــ وأشار بيده إلى المغرب ـــ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِه فِي سَبِيلِ الله، يَنْتَظِرُ أَنْ يُغِيرَ، أَوْ يُغَارَ عَلَيْهِ"، ثم قال: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِالَّذِي يَلِيْهِ؟" قلنا: بلى ــ فَثَنَى بيده إلى الحجاز، وقال: "رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، يُقِيْمُ الْصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الْزَّكَاةَ، وَيَعْرِفُ حَقَّ الله فِي مَالِهِ، قَدْ اعْتَزَلَ شُرُورَ الْنَّاسِ".

رجال حول الرسول = سالم مولى أبي حذيفة - بل نعم حامل القرآن

سالم مولى أبي حذيفة - بل نعم حامل القرآن

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما، فقال:
" خذوا القرآن من أربعة:
عبد الله بن مسعود..
وسالم مولى أبي حذيفة..
وأبيّ بن كعب..
ومعاذ بن جبل.."
ولقد التقينا من قبل بابن مسعود، وأبيّ، ومعاذ..
فمن هذا الصحابي الرابع الذي جعله الرسول حجّة في تعليم القرآن ومرجعا..؟؟
انه سالم، مولى أبي حذيفة..
كان عبدا رقيقا، رفع الاسلام من شأنه حتى جعل منه ابنا لواحد من كبار المسلمين كان قبل اسلامه شريفا من أشراف قريش، وزعيما من زعمائها..
ولما أبطل الاسلام عادة التبني، صار أخا ورفيقا، ومولى للذي كان يتبناه وهو الصحابي الجليل: أبو حذيفة بن عتبة..
وبفضل من الله ونعمة على سالم بلغ بين المسلمين شأوا رفيعا وعاليا، أهّلته له فضائل روحه، وسلوكه وتقواه.. وعرف الصحابي الجليل بهذه التسمية: سالم مولى أبي حذيفة.
ذلك أنه كان رقيقا وأعتق..
وآمن باله ايمانا مبكرا..
وأخذ مكانه بين السابقين الأولين..
وكان حذيفة بن عتبة، قد باكر هو الآخر وسارع الى الاسلام تاركا أباه عتبة بن ربيعة يجتر مغايظه وهموهه التي عكّرت صفو حياته، بسبب اسلام ابنه الذي كان وجيها في قومه، وكان أبوه يعدّه للزعامة في قريش..
وتبنى أبو حذيفة سالما بعد عتقه، وصار يدعى بسالم بن أبي حذيفة..
وراح الاثنان يعبدان ربهما في اخبات، وخشوع.. ويصبران أعظم الصبر على أذى قريش وكيدها..
وذات يوم نزلت آية القرآن التي تبطل عادة التبني..
وعاد كل متبني ليحمل اسم أبيه الحقيقي الذي ولده وأنجبه..

فـ زيد بن حارثة مثل، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، وعرف بين المسلمين بزيد بن محمد، عاد يحمل اسم أبيه حارثة فصار زيد بن جارثة ولكنّ سالما لم يكن يعرف له أب، فوالى أبا حذيفة، وصار يدعى سالم مولى أبي حذيفة..

ولعل الاسلام حين أبطل عادة التبني، انما أراد أن يقول للمسلمين لا تلتمسوا رحما، ولا قربى، ولا صلة توكدون بها اخاءكم، أكبر ولا أقوى من الاسلام نفسه.. والعقيدة التي يجعلكم بها اخوانا..!!
ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدا..
فلم يكن شيء أحب الى أحدهم بعد الله ورسوله، من اخزوانهم في الله وفي الاسلام..
ولقد رأينا كيف استقبل الأنصار اخوانهم المهاجرين، فشاطروهم أموالهم، ومساكنهم، وكل ما يملكون..!!
وهذا هو الذي رأينا يحدث بين أبي حذيفة الشريف في قريش، مع سالم الذي كان عبدا رقسقا، لا يعرف أبوه..
لقد ظلا الى آخر لحظة من حياتهما أكثر من اخوين شقيقين حتى عند الموت ماتا معا.. الروح مع الروح.. والجسد الى جوار الجسد..!!
تلك عظمة الاسلام الفريدة..
بل تلك واحدة من عظائمه ومزاياه..!!

**

لقد آمن سالم ايمان الصادقين..
وسلك طريقه الى الله سلوك الأبرار المتقين..
فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أي اعتبار..
لقد ارتفع بتقواه واخلاصه الى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الاسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم ...
أساس تلخصه الآية الجليلة:
" ان أكرمكم عند الله أتقاكم"..!!
والحديث الشريف:
" ليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى"..
و" ليس لابن البضاء على ابن السوداء فضل الا بالتقوى"..

**

في هذا المجتمع الجديد الراشد، وجد أبو حذيفة شرفا لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا..
بل ووجد شرفا لأسرته، أن يزوج سالما ابنه أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة..!!
وفي هذا المجتمع الجديد، والرشيد، الذي هدّم الطبقية الظالمة، وأبطل التمايز الكاذب، وجد سالم بسبب صدقه، وايمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصف الأول دائما..!!
أجل.. لقد كان امام للمهاجرين من مكة الى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء..
وكان حجة في كتاب الله، حتى أمر النبي المسلمين أن يتعلموا منه..!!
وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عليه السلام يقول له:
" الحمد لله، الذي جعل في أمتي مثلك"..!!

وحتى كان اخوانه المؤمنين يسمونه:
" سالم من الصالحين"..!!
ان قصة سالم كقصة بلال وكقصة عشرات العبيد، والفقراء الذين نفض عنهم عوادي الرق والضعف، وجعلهم في مجتمع الهدى والرشاد أئمة، وزعماء وقادة..
كان سالم ملتقى لكل فضائل الاسلام الرشيد..
كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان ايمانه العميق الصادق ينسقها أجمل تنسيق.
وكان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا..
انه لا يعرف الصمت تجاه كلمة يرى من واجبه أن يقولها..
ولا يخون الحياة بالسكوت عن خطأ يؤدها..

**

بعد أن فتحت مكة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السرايا الى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه عليه السلام، انما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين..
وكان على رأس احدى هذه السرايا خالد بن الوليد..
وحين بلغ خالد وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيوف، ويرق الدماء..
هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها، اعتذر الى ربه طويلا، وهو يقول:
" اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد"..!!
والتي ظل أمير المؤمنين عمر يذكرها له ويأخذها عليه، ويقول:
" ان في سيف خالد رهقا"..
وكان يصحب خالد في هذه السرية سالم مولى أبي حذيفة مع غيره من الأصحاب..
ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكبت..

وخالد البطل القائد، والبطل العظيم في الجاهلية، والاسلام، ينصت مرة ويدافع عن نفسه مرة ثانية ويشتد في القول مرة ثالثة وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيّب أو مداراة..
لم يكن سالم آنئذ ينظر الى خالد كشريف من أشراف مكة.. بينما هو من كان بالأمس القريب رقيقا.
لا.. فقد سوّى الاسلام بينهما..!!
ولم يكن ينظر اليه كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..
ولم يكن يصدر في معارضته خالدا عن غرض، أو سهوه، بل هي النصيحة التي قدّس الاسلام حقها، والتي طالما سمع نبيه عليه الصلاة والسلام يجعلها قوام الدين كله حين يقول:
" الدين النصيحة..
الدين النصيحة..
الدين النصيحة".

**

ولقد سأل الرسول عليه السلام، عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد..
سأل عليه السلام قائلا:
" هل أنكر عليه أحد"..؟؟
ما أجله سؤالا، وما أروعه..؟؟!!
وسكن غضبه عليه السلام حين قالوا له:
" نعم.. راجعه سالم وعارضه"..
وعاش سالم مع رسوله والمؤمنين..
لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن عبادة..
وكان اخاؤه مع أبي حذيفة يزداد مع الأيام تفانيا وتماسكا..

**
وانتقل الرسول الى الرفيق الأعلى..
وواجهت خلافة أبي كبر رضي الله عنه مؤامرات المرتدّين..
وجاء يوم اليمامة..
وكانت حربا رهبة، لم يبتل الاسلام بمثلها..
وخرج المسلمون للقتال..
وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..
وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم.. وأحسّ كل مؤمن أن المعركة معركته، والمسؤولية مسؤوليته..
وجمعهم خالد بن الوليد من جديد..
وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة..
وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة..
وقذفا نفسيهما في الخضمّ الرّهيب..!!
كان أبو حذيفة ينادي:
" يا أهل القرآن..
زينوا القرآن بأعمالكم".
وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.
وكان سالم يصيح:
" بئس حامل القرآن أنا..
لو هوجم المسلمون من قبلي"..!!
حاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..!!
وكان سيفه صوّال جوّال في أعناق المرتدين، الذين هبوا ليعيدوا جاهلية قريش.. ويطفؤا نور الاسلام..
وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب ...
ولما رأى يمناه تبتر، التقط الراية بيسراه وراح يلوّح بها الى أعلى وهو يصيح تاليا الآية الكريمة:

(وكأيّ من نبي قاتل معه ربيّون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) ...
ألا أعظم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعارا له..!!

**

وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل.. ولكن روحه ظلت تتردد في جسده

الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل نسلمة الكذاب واندحار جيش مسيلمة وانتصار المسلمين..
وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالما في النزع الأخير..
وسألهم:
ما فعل أبو حذيفة..؟؟
قالوا: استشهد..
قال: فأضجعوني الى جواره..
قالوا: انه الى جوارك يا سالم.. لقد استشهد في نفس المكان..!!
وابتسم ابتسامته الأخيرة..
ولم يعد يتكلم..!!
لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..!!
معا أسلما..
ومعا عاشا..
ومعا استشهدا..
يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..!!
وذهب الى الله، المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يموت:
" لو كان سالم حيّا، لوليته الأمر من بعدي"..!!

أم إسحاق الغنوية

بسم الله الرحمن الرحيم

أم إسحاق الغَنَويّة:
قال بشَّار بن عبد الملك المزني: حدثتني جدتي أمُّ حكيم بنت دينار المزنية عن مولاتها أم إسحاق الغنوية، أنها هاجرت من مكة تريد المدينة هي وأخوها إسحاق، حتى إذا كانت ببعض الطريق قال لها أخوها: اجلسي حتى أرجع إلى مكة فآخذ نفقة لي أُنسيتها. قالت: إني أخشى عليك الفاسق ــ تعني زوجها ــ أن يقتلك، فذهب أخوها إلى مكة وتركها، فمر بها راكب بعد ثلاث، فقال: يا أم إسحاق، ما يقعدك هاهنا؟ قالت: أنتظر أخي إسحاق. قال: لا إسحاق لكِ؛ أدركه زوجك بعدما خرج من مكة فقتله. وبشّار: ضعَّفه ابن معين. وبقية القصة: فدخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتوضّأ؛ قلتُ: يا رسول الله، وأنا أبكي: قُتِلَ إسحاق ـــ تعني أخاها ـــ فأخذ كفًّا من ماء فنضحه في وجهي؛ قالت أم حكيم بنت دينار الرواية عنها: فلقد كانت تصيبها المصيبة العظيمة فَتُرَى الدّموعُ في عينها ولا تسيل على خدّها. روت أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحاق؛ قالت: دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى بخبز ولحم، فقال: "كُلِي"، فأكلت، ثم ناولني عِرقًا فرفعتُ إلى فِيّ، فذكرتُ أني صائمة فبقيَتْ يدي لا أستطيع أنْ أرفعها إلى فمي، ولا أستطيع أن أضَعها، فقال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا لَكِ يَا أُمَّ إِسْحَاقَ؟" قلت: يا رسول الله، إني كنتُ صائمة. فقال: "أتِمّي صومكِ". فقال ذو اليدين: الآن حيث شبعتِ! فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ الله إِلَيْهَا"(*). قال ابن عبد البر: يَرْوي عنها أهلُ البصرة، وحديثُها فيمن أكل ناسيًا غريبُ الإسناد.

سلسلة من أعْلام السَّلف ( سيرة عمرو بن الجموح ) العدد 21

الحمد لله الذي خلّص قلوب عباده المتقين من ظُلْم الشهوات ، وأخلص عقولهم عن ظُلَم الشبهات

أحمده حمد من رأى آيات قدرته الباهرة ، وبراهين عظمته القاهرة ، وأشكره شكر من اعترف بمجده وكماله

واغترف من بحر جوده وأفضاله وأشهد أن لا إله إلا الله فاطرالأرض والسماوات ، شهادة تقود قائلها إلى الجنات

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، وحبيبه وخليله ، والمبعوث إلى كافة البريات ،بالآيات المعجزات

والمنعوت بأشرف الخلال الزاكي اتصلى الله عليه وعلى آله الأئمة الهداة ، وأصحابه الفضلاء الثقات

وعلى أتباعهم بإحسان ، وسلم كثيرا

أما بعد :

فإن اصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ،وشر الأمور محدثاتها،

وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار

ــــ أعاذنا الله وإياكم من النار ــــ



من أعْلام السَّلف

الشيخ أحمد فريد



أعلام السلف - عمرو بن الجموح
عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي من بني جشم بن الخزرج.

شهد العقبة واستشهد يوم أحد ودفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله في قبر واحد وكانا صهرين متصافيين.

كان من أجلاء الصحابة؛ وسيدًا من ساداتهم وأكابرهم.

روى البيهقي وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ) يَا بَنِي سَلِمَةَ مَنْ سَيِّدُكُمَ الْيَوْمَ؟ وَفِي رِوَايَةِ: مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ قَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَلَكِنَّا نُبَخِّلُهُ، قَالَ: أَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ وَلَكِنَّ سَيِّدَكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ (.

وكان من سبب إسلامه ما رواه ابن إسحاق أنه قال: وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادة بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له: "مناة" يعظمه ويطهره فلما أسلم فتيان بني سلمة: ابنه معاذ بن عمرو ومعاذ بن جبل في فتيان منهم كانوا ممن شهد العقبة فكانوا يدخلون الليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم! من عدا على آلهتنا هذه الليلة ثم يغدو فيلتمسه فإذا وجده غسله وطيبه ثم يقول: والله لو أعلم من يصنع لك هذا لأخزينه؛ فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا به ذلك؛ فيغدو فيجده فيغسله ويطيبه. فلما ألحوا عليه استخرجه فغسله وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يصنع بك ذلك فإن كان فيك خير فامتنع هذا السيف معك! فلما أمسى عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر الناس. وغدا عمرو فلم يجده فخرج يبتغيه حتى وجده مقرونًا بكلب فلما رآه أبصر رشده وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه.

وروى البيهقي وغيره: ) أن عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ كَانَ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنُونَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا غَزَا فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَوَجَّهُ إِلَى أُحُدٍ قَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللَّهَ -عز وجل- قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً فَلَو قَعَدْتَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ، فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلاَءِ يَمْنَعُونِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أُسْتَشْهَدَ فَأَطَأَ بِعُرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ وَقَالَ لِبَنِيهِ: وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ -عز وجل- يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ؟. فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا (.

الموجز الفارق من معالم ترجمة الإمام جعفر الصادق

الشيخ علي الشبل

اسمه ونسبه:
هو الإمامُ جعفرُ بنُ محمدِ بنِ علي زين العابدين بنِ الحسينِ السبط بن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوج ابنته فاطمة البتول رضي الله عنها وأرضاها.

هذا نسبهُ من جهةِ أصولهِ ، ومن جهةِ أخوالهِ فهو ابنُ أبي بكر الصديق أفضلُ أولياءِ اللهِ ، وصحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين ، حيث كان جعفرُ الصادقُ يقولُ : ولدني أبو بكر الصديق مرتين .

وذلك أن أمَهُ هي : أمُ فروة بنتُ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق . وأمها -أي جدتهُ من قِبلِ أمهِ - هي أسماءُ بنتُ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين ، فإذا كان هؤلاءِ أخوالهُ ، وهذا الصديقُ جدهُ من الجهتين فلا يتصورُ في مثلِ جعفر بن محمد وهو من هو في دينهِ وقربهِ من الأصلِ النبوي ، أن يكون شاتماً أو مبغضاً أو حاقداً على جدهِ ، إذ لا تُقرهُ مروءتُهُ وشيمتُهُ وعروبتُهُ فضلاً عن دينهِ وكمالِ علمهِ وفضلهِ .

ولد سنةَ ثمانين من الهجرةِ ، وتوفي سنةَ 148هـ وعمرهُ ثمانٌ وستون سنةٍ ، وبالمدينةِ ولادتُهُ ووفاتُهُ .

لقبه:
لقب جعفرُ بنُ محمدٍ بالصادقِ ، وغلب هذا اللقبُ عليه ، فلا يكادُ يذكرُ إلا وانصرف إليه ؛ وسببُهُ أنهُ كان صادقاً في حديثهِ وقولهِ وفعلهِ ، لا يُعرفُ عنه سوى الصدق ولم يُعرف عنه كذبٌ قط .
بأبيهِ اقتدى عديٌّ بالكرمِ * * * * ومن يُشابِهُ أباهُ فما ظلم
حيث جده هو الصديقُ الذي نزل فيه قولُهُ تعالى في آخرِ التوبةِ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [ التوبة : 119 ] .

وقد اشتهر لقبهُ هذا بين المسلمين ، وكثيراً ما يلقبُهُ به الشيخُ ابنُ تيميةَ وغيرُهُ .

ومن ألقابِهِ الإمامُ وهو جديرٌ به ، والفقيهُ . وليس هو بالمعصومِ كما يطلقهُ عليه مخالفوهُ ، لأنهُ نفاها عن نفسهِ ، وليست العصمةُ لأحدٍ إلا لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فيما بلغهُ عن ربهِ .

أولاده:

الإمامُ جعفرُ الصادق من أكثرِ آبائِهِ أولاداً ، فقد خلف من الأبناءِ :

1 - إسماعيلُ وهو أكبرُهم ، وقد مات في حياتهِ سنةَ 138 هـ ، وأرث ابناً اسمه محمدُ بنُ إسماعيل ، وله بنون كثيرون متناسلون .
2 - عبدُ اللهِ ، وبه كان يكنى .
3 - موسى الملقبُ بالكاظمِ ، وهو الإمامُ بعد أبيه عند الاثني عشريةِ . وفيه اختلفتُ الإماميةُ مع الإسماعيليةِ حول إمامتهِ : بين موسى الملقب بالكاظمِ وإسماعيل سالفُ الذكرِ .
4 - إسحاقُ .
5 - محمدُ .
6 - علي .
7 - فاطمةُ .

أهم شيوخه:

أخذ جعفرُ بنُ محمدٍ الصادق عن عاليةٍ من العلماءِ العلمَ والحديثَ ، حيث أدرك أواخرَ الصحابةِ ؛ منهم سهلُ بنُ سعدٍ الساعدي ، وأنسُ بنُ مالك رضي اللهُ عنهما .

وأكثر الروايةَ عن أبيهِ محمدِ بنِ علي الباقر وهو ثقةٌ فاضلٌ ، روى له الجماعةُ ، مات سنةَ مائة وبضعة عشرة . وأكثرُ رواياتهِ من طريقِ أبيهِ عن جدهِ الحسينِ بنِ علي أو علي بنِ أبي طالب عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وآله وسلم ، وهي أعلى مروياتهِ سنداً ، وهي أمثلُ نماذجِ روايةِ الأبناءِ عن آبائهم !

ومن شيوخهِ سيدُ التابعين عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ، وعن محمدِ بنِ شهابٍ الزهري ، وعن عروةَ بنِ الزبير ، وعن محمدِ بنِ المنكدر ، وعن عبدِ الله بنِ أبي رافع ، وعكرمةَ مولى أبنِ عباس .

كما روى عن جدهِ القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكر ، وأكثرُ شيوخهِ من علماءِ المدينةِ .

وهؤلاءِ كلهم أئمةٌ ثقاتٌ أهلُ ديانةٍ وصدقٍ وأمانةٍ وعدالةٍ رحمهم اللهُ .

أبرز تلاميذه:
أخذ عنه العلمَ روايةً وفقهاً جمعٌ كبيرٌ من العلماءِ الحفاظِ الثقاةِ من أشهرِهم :

يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاري القطان ، ويزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ الهاد الليثي المدني ، وهو أكبرُ من جعفر ، ومات قبله بعشرِ سنين ، وعبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز بنِ جريج ، وهو من أقرانهِ، وأبانُ بنُ تغلب ، وأيوبُ السختياني ، وأبو عمرو بنُ العلاء ، ومالكُ بنُ أنسٍ الأصبحي إمامُ الهجرةِ ، وسفيانُ الثوري ، وشعبةُ بنُ الحجاجِ إمامُ النقادِ ، وسفيانُ بنُ عيينةَ ، ومحمدُ بنُ ثابتٍ البناني ، وغيرهم كثيرٌ ، لكن منهم المتفقهُ عليه والراوي عنه والمجالسُ له وهم : مالك وأبوحنيفة خصوصاً .

وروى له جماعةُ الكتبِ الستةِ إلا البخاري فلم يخرج لهُ في صحيحهِ بل في غيرهِ .

وقد كان رحمهُ اللهُ ثقةً صدوقاً إماماً فقيهاً .

كرمه وسخاؤه:
بلغ في الكرمِ شأناً عظيماً ، ومبلغاً كريماً ، وليس بغريبٍ عليه وعلى بيتهِ النبوي الكريمِ ، وجدهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسلم كان أجودَ من الريحِ المرسلةِ شهدت له المواقفُ العديدةُ في المدلهماتِ والغزواتِ وغيرها بالكرمِ البالغِ الذي لا يخشى معه الفقرَ عليه الصلاة والسلام .

وأما جعفرُ بنُ محمد الصادق رحمة اللهُ عليه فمما جاء في كرمهِ وبذلهِ ما رواه تلميذهُ هياجُ بنُ بسطام التميمي قال : كان جعفرُ بنُ محمدٍ يُطعِمُ حتى لا يبقى لعيالهِ شيءٌ .

وهذا عطاءُ من لا يخشى الفقرَ .

وروي أنهُ لما سئل عن علةِ تحريمِ الربا فقال : لئلا يتمانع الناسُ المعروفَ ، وهذا يدلُ على أريحيةِ نفسٍ وسخائها.

وذكروا عنه أنه كان يمنعُ الخصومةَ بين الناسِ ، بتحملهِ الخسائر على نفسهِ وإيثارِ الصلح بينهم .

كما ذكروا عنه أنهُ شابه جدهُ علي بن الحسين زين العابدين رضي اللهُ عنه في الإنفاقِ سراً ، وذلك أنهُ إذا كان الغلسُ في الليلِ حمل جراباً فيه خبزٌ ولحمٌ ودراهمٌ على عاتقهِ ، ثم وزعهُ على ذوي الحاجاتِ من فقراءِ المدينة ، دون أن يعلموا به ، حتى مات ، وظهرت الحاجةُ فيمن كان يعطيهم بعد موتهِ .

فرحمةُ اللهِ عليه وإني لأرجو أن يكونَ فيمن يقولُ اللهُ فيهم : " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [ الحشر : 9 ] .

حكمته وسعة فهمه:

أكثر مترجموا الإمامِ جعفر الصادق من نقلِ حِكمِهِ ، وأجوبتهِ المسكتةِ للأسئلةِ المشكلةِ ، تلك الأجوبةُ التي تبينُ عن سعةِ علمهِ وبعد فهمهِ ، وما حباهُ اللهُ به من سرعةِ البديهةِ ، واللسانِ المفصحِ عن جوامعِ المعاني ، وفقههِ لمقاصدِ التشريعِ وأسرارهِ ، وهو فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ .

فقد سألهُ تلميذهُ سفيانُ الثوري بمكةَ في موسمِ الحجِ ، فقال : قَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ قَدْ أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ ، فَقُلْتُ : يَا ابْنَ رَسُوْلِ اللهِ ! لِمَ جُعِلَ المَوْقِفُ مِنْ وَرَاءِ الحَرَمِ ، وَلَمْ يُصَيَّرْ فِي المَشْعَرِ الحَرَامِ ؟ فَقَالَ : الكَعْبَةُ بَيْتُ اللهِ ، وَالحَرَمُ حِجَابُه ، وَالمَوْقِفُ بَابُه ، فَلَمَّا قَصَدَه الوَافِدُوْنَ ، أَوْقَفَهَم بِالبَابِ يَتَضَرَّعُوْنَ ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُم فِي الدُّخُولِ ، أَدْنَاهُم مِنَ البَابِ الثَّانِي وَهُوَ المُزْدَلِفَةُ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى كَثْرَةِ تَضَرُّعِهِم ، وَطُولِ اجْتِهَادِهِم ، رَحِمَهُم ، أَمَرَهُم بِتَقْرِيْبِ قُربَانِهم ، فَلَمَّا قَرَّبُوا قُربَانَهم ، وَقَضَوْا تَفَثَهُم ، وَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوْبِ الَّتِي كَانَتْ حِجَاباً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُم ، أَمَرَهُم بِزِيَارَةِ بَيْتِه عَلَى طَهَارَةٍ . قَالَ : فَلِمَ كُرِهَ الصَّومُ أَيَّامَ التَّشرِيْقِ ؟ قَالَ : لأَنَّهم فِي ضِيَافَةِ اللهِ ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الضَّيفِ أَنْ يَصُوْمَ عِنْدَ مَنْ أَضَافَه .


وروى أبو نعيم في الحليةِ بسندهِ إلى أحمدَ بنِ عمرو بنِ المقدم الرازي قال : وقع الذبابُ على المنصور - أبي جعفر الخليفةِ العباسي - فذبهُ عنهُ ، فعاد فذبهُ حتى أضجرهُ فدخل جعفرُ بنُ محمدٍ عليه ، فقال المنصورُ : يا أبا عبدِ اللهِ لِمَ خَلَقَ اللهُ الذُّبَابَ ؟ قَالَ : لِيُذِلَّ بِهِ الجَبَابِرَةَ .


وقال جعفرُ الصادق لتلميذهِ سفيانَ الثوري : لاَ يَتِمُّ المَعْرُوْفُ إِلاَّ بِثَلاَثَةٍ : بِتَعجِيْلِه ، وَتَصْغِيْرِه ، وَسَترِه .

وروى تلميذهُ عَائِذُ بنُ حَبِيْبٍ - وهو صدوقٌ رمي بالتشيعِ - أن جعفرَ الصادق قال : لاَ زَادَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقوَى ، وَلاَ شَيْءَ أَحْسَنُ مِنَ الصَّمتِ ، وَلاَ عَدوَّ أَضرُّ مِنَ الجَهْلِ ، وَلاَ دَاءَ أَدْوَأُ مِنَ الكَذِبِ .

وقال مرةً يوصي ابنهُ موسى ( الكاظم ) : يَا بُنَيَّ ! مَنْ قَنعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ ، اسْتَغْنَى ، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِه ، مَاتَ فَقِيْراً ، وَمَنْ لَمْ يَرضَ بِمَا قُسِمَ لَهُ ، اتَّهمَ اللهَ فِي قَضَائِهِ ، وَمَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ غَيْرِه ، اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ نَفْسِه ، وَمَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِه ، انكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ البَغْيِ، قُتِلَ بِهِ ، وَمَنِ احْتَفَرَ بِئْراً لأَخِيْهِ ، أَوقَعَهُ اللهُ فِيْهِ ، وَمَنْ دَاخَلَ السُّفَهَاءَ ، حُقِّرَ ، وَمَنْ خَالطَ العُلَمَاءَ، وُقِّرَ ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ ، اتُّهِمَ .

يَا بُنَيَّ ! إِيَّاكَ أَنْ تُزرِيَ بِالرِّجَالِ ، فَيُزْرَى بِكَ ، وَإِيَّاكَ وَالدُّخُوْلَ فِيْمَا لاَ يَعْنِيكَ ، فَتَذِلَّ لِذَلِكَ .

يَا بُنَيَّ ! قُلِ الحَقَّ لَكَ وَعَلَيْكَ، تُسْتَشَارُ مِنْ بَيْنِ أَقْرِبَائِكَ ، كُنْ لِلْقُرْآنِ تَالِياً ، وَللإِسْلاَمِ فَاشِياً ، وَللمَعْرُوْفِ آمِراً ، وَعَنِ المُنْكرِ نَاهِياً ، وَلِمَنْ قَطَعَكَ وَاصِلاً ، وَلِمَنْ سَكَتَ عَنْكَ مُبتَدِئاً ، وَلِمَنْ سَألَكَ مُعطِياً ، وَإِيَّاكَ وَالنَّمِيْمَةَ ، فَإِنَّهَا تَزرَعُ الشَّحْنَاءَ فِي القُلُوْبِ ، وَإِيَّاكَ وَالتَّعَرُّضَ لِعُيُوْبِ النَّاسِ ، فَمَنْزِلَةُ المُتَعَرِّضِ لِعُيُوبِ النَّاسِ ، كَمَنْزِلَةِ الهَدَفِ ، إِذَا طَلَبْتَ الجُوْدَ ، فَعَلَيْكَ بِمَعَادِنِهِ ، فَإِنَّ لِلْجُوْدِ مَعَادِنَ ، وَللمَعَادِنِ أُصُوْلاً ، وَللأُصُوْلِ فُرُوعاً ، وَلِلفُرُوعِ ثَمَراً ، وَلاَ يَطِيْبُ ثَمَرٌ إِلاَّ بِفَرعٍ ، وَلاَ فَرعٌ إِلاَّ بِأَصلٍ ، وَلاَ أَصلٌ إِلاَّ بِمَعدنٍ طَيِّبٍ ، زُرِ الأَخْيَارَ ، وَلاَ تَزُرِ الفُجَّارَ ، فَإِنَّهُم صَخْرَةٌ لاَ يَتَفَجَّرُ مَاؤُهَا، وَشَجَرَةٌ لاَ يَخضَرُّ وَرَقُهَا ، وَأَرْضٌ لاَ يَظْهَرُ عُشْبُهَا .


ومن سرعةِ بديهتهِ وموفورِ حكمتهِ أن أصحابَهُ سألوهُ مرةً : لِمَ حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا ؟ قَالَ : لِئَلاَّ يَتَمَانعَ النَّاسُ المَعْرُوْفَ .

وهذا في الحقيقةِ من فواتحِ اللهِ له في معرفةِ مقاصدِ الشرائعِ . وهذا لا يحصلُ بالتكسبِ والتعليمِ - لكنه فضلٌ يهبهُ اللهُ لمن شاءَ من عبادهِ ، وربنا ذو فضلٍ عظيمٍ .

ومن النوادرِ في أجوبتهِ المسكتةِ الحاضرةِ ما نقلهُ صاحبُ ربيعِ الأبرارِ : أن رجلاً قال لجعفر الصادق بن محمد : ما الدليلُ على اللهِ ؟ ولا تذكر لي العالمَ والعرضَ والجوهرَ ، فقال له : هل ركبت البحر ؟ قال : نعم ، قال : هل عصفت بكم الريحُ حتى خفتم الغرق ؟ قال : نعم ، قال : فهل انقطع رجاؤك من المركبِ والملاحين ؟ قال : نعم ، قال : فهل تتبعت نفسك أن ثَمّ من ينجيك ؟ قال : نعم ، قال : فإن ذاك هو اللهُ ، قال الله تعالى : " وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ " [ الإسراء : 67 ] ، " وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ " [ النحل : 53 ] .

ولذا نص أبو حنيفة على أنه لم ير أفقه من جعفر بن محمد .

هيبته:
رزق اللهُ الإمامَ الصادقَ مع كريمِ سجاياه وتواضعهِ هيبةً ووقاراً ، خضع له به أكبرُ ملوكِ الأرضِ في وقتهِ وهو الخليفةُ العباسي أبو جعفر المنصور ؛ حيث روى شمسُ الدين الذهبي بسندهِ إلى الفضلِ بنِ الربيع عن أبيهِ قال : دعاني المنصور فقال : إِنَّ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ يُلحِدُ فِي سُلْطَانِي، قَتَلَنِي اللهُ إِنْ لَمْ أَقتُلْهُ . فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : أَجِبْ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ . فَتَطَهَّرَ ، وَلَبِسَ ثِيَاباً - أَحْسِبُهُ قَالَ : جُدُداً - فَأَقبَلْتُ بِهِ ، فَاسْتَأْذَنتُ لَهُ ، فَقَالَ : أَدخِلْهُ ، قَتَلنِي اللهُ إِنْ لَمْ أَقتُلْهُ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُقْبِلاً ، قَامَ مِنْ مَجْلِسِه ، فَتَلَقَّاهُ ، وَقَالَ : مَرْحَباً بِالنَّقِيِّ السَّاحَةِ ، البَرِيْءِ مِنَ الدَّغَلِ وَالخِيَانَةِ ، أَخِي وَابْنِ عَمِّي . فَأَقعَدَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيْرِه ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ ، وَسَأَلَه عَنْ حَالِه ، ثُمَّ قَالَ : سَلْنِي عَنْ حَاجَتِكَ . فَقَالَ : أَهْلُ مَكَّةَ وَالمَدِيْنَةِ قَدْ تَأَخَّرَ عَطَاؤُهُم ، فَتَأْمُرَ لَهُم بِهِ . قَالَ : أَفْعَلُ . ثُمَّ قَالَ : يَا جَارِيَةُ ! ائْتِنِي بِالتُّحْفَةِ . فَأَتَتْهُ بِمُدْهنٍ زُجَاجٍ فِيْهِ غَالِيَةٌ ، فَغَلَّفَه بِيَدِهِ ، وَانْصَرَفَ . فَاتَّبَعْتُه ، فَقُلْتُ : يَا ابْنَ رَسُوْلِ اللهِ ! أَتَيْتُ بِكَ وَلاَ أَشُكُّ أَنَّهُ قَاتِلُكَ ، فَكَانَ مِنْهُ مَا رَأَيْتَ ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ بِشَيْءٍ عِنْدَ الدُّخُولِ ، فَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُمَّ احرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لاَ تَنَامُ ، وَاكْنُفْنِي بِرُكنِكَ الَّذِي لاَ يُرَامُ ، وَاحْفَظْنِي بِقُدرَتِكَ عَلَيَّ ، وَلاَ تُهلِكْنِي وَأَنْتَ رَجَائِي ، رَبِّ كَمْ مِنْ نَعمَةٍ أَنْعَمتَ بِهَا عَلَيَّ قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا شُكرِي ، وَكَم مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بِهَا قَلَّ لَهَا عِنْدَك صَبْرِي ؟ فَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعمَتِه شُكرِي ، فَلَمْ يَحرِمْنِي ، وَيَا مَنْ قَلَّ عِنْدَ بَلِيَّتِهِ صَبْرِي ، فَلَمْ يَخْذُلْنِي ، وَيَا مَنْ رَآنِي عَلَى المَعَاصِي ، فَلَمْ يَفضَحْنِي ، وَيَا ذَا النِّعَمِ الَّتِي لاَ تُحصَى أَبَداً ، وَيَا ذَا المَعْرُوْفِ الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ أَبَداً ، أَعِنِّي عَلَى دِيْنِي بِدُنْيَا ، وَعَلَى آخِرَتِي بِتَقْوَى ، وَاحفَظْنِي فِيْمَا غِبتُ عَنْهُ ، وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فِيْمَا خَطَرتُ ، يَا مَنْ لاَ تَضُرُّه الذُّنُوبُ ، وَلاَ تَنقُصُه المَغْفِرَةُ ، اغْفِرْ لِي مَا لاَ يَضُرُّكَ ، وَأَعْطِنِي مَا لاَ يَنْقُصُكَ ، يَا وَهَّابُ ! أَسْأَلُك فَرَجاً قَرِيْباً ، وَصَبراً جَمِيْلاً ، وَالعَافِيَةَ مِنْ جَمِيْعِ البَلاَيَا ، وَشُكرَ العَافِيَةِ . اهـ.

وهذا الذي وقع له - فأبدل اللهُ قلبَ خصمهِ من السخطِ حباً ، والبعدَ قرباً - هو كرم اللهُ وعنايتهُ ولطفهُ بأوليائهِ ، مع ما كان بين العباسِ وآلِ علي بنِ أبي طالب من الأمورِ العظامِ التي لا يناسبها هذا التكريم لأحدِ كبرائهم، فسبحان من جعل القلوبَ بين إصبعين من أ صابعهِ يقلبها كيف يشاءُ .

ثناء العلماء عليه:
حسبُك أن تعلمَ من ذلك أنهُ روى له جماعةُ الكتبِ الستِ في كتبهم خلا الإمام البخاري فلم يخرج له في الصحيح ولكن في بقيةِ كتبهِ .

ولذا قال ابنُ حجرٍ في ترجمتهِ في " التقريبِ " : " صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ ... " .

وقد أكثر العلماءُ - علماءُ الحديثِ والنقدِ - من الثناءِ عليه ، ومدحهِ ووصفهِ بالأوصافِ اللائقةِ بهِ .

فقال أبو حاتم الرازي : " ثِقَةٌ ، لاَ يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ " ، كما في الجرح (2/487) ، ووثقهُ الشافعي وابنُ معين وغيرهما. وقال ابنُ حبان : هو من ساداتِ أهلِ البيتِ ، وعبادِ أتباعِ التابعين ، وعلماءِ أهلِ المدينةِ .

وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في " المنهاج " (2/245) : " ... فإن جعفرَ بنَ محمدٍ من أئمةِ الدينِ باتفاقِ أهلِ السنةِ ..." ، ونص على ذلك في موضعٍ آخر (4/108-110) : " وإمامتهم فيما دلت الشريعةُ على الائتمامِ بهم فيه ..." .

وقال أبو حنيفةَ النعمانُ بنُ ثابتٍ الكوفي - لما سُئل عنهُ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَفْقَهَ مِنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ ، لَمَّا أَقدَمَهُ المَنْصُوْرُ الحِيْرَةَ ، بَعَثَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : يَا أَبَا حَنِيْفَةَ ! إِنَّ النَّاسَ قَدْ فُتِنُوا بِجَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ ، فَهَيِّئْ لَهُ مِنْ مَسَائِلِكَ الصِّعَابِ . فَهَيَّأْتُ لَهُ أَرْبَعِيْنَ مَسْأَلَةً ، ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَجَعْفَرٌ جَالِسٌ عَنْ يَمِيْنِه ، فَلَمَّا بَصُرتُ بِهِمَا ، دَخَلَنِي لِجَعْفَرٍ مِنَ الهَيْبَةِ مَا لاَ يَدْخُلُنِي لأَبِي جَعْفَرٍ ، فَسَلَّمتُ ، وَأَذِنَ لِي ، فَجَلَستُ . ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جَعْفَرٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ! تَعْرِفُ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هَذَا أَبُو حَنِيْفَةَ . ثُمَّ أَتْبَعَهَا : قَدْ أَتَانَا . ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا حَنِيْفَةَ ! هَاتِ مِنْ مَسَائِلِكَ ، نَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللهِ . فَابتَدَأْتُ أَسْأَلُه ، فَكَانَ يَقُوْلُ فِي المَسْأَلَةِ : أَنْتُم تَقُوْلُوْنَ فِيْهَا كَذَا وَكَذَا ، وَأَهْلُ المَدِيْنَةِ يَقُوْلُوْنَ كَذَا وَكَذَا ، وَنَحْنُ نَقُوْلُ كَذَا وَكَذَا ، فَرُبَّمَا تَابَعَنَا ، وَرُبَّمَا تَابَعَ أَهْلَ المَدِيْنَةِ ، وَرُبَّمَا خَالَفَنَا جَمِيْعاً ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى أَرْبَعِيْنَ مَسْأَلَةً ، مَا أَخْرِمُ مِنْهَا مَسْأَلَةً . ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ : أَلَيْسَ قَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَعْلَمُهم بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ ؟

هذا نزرُ يسيرٌ من ثناءِ الأئمةِ عليهِ . وللشيخِ ابنِ تيميةَ من الثناءِ عليه لوحده ومع آبائهِ من آلِ البيت ما لو جُمع لكفى عن غيرهِ . وإنما في التنويعِ فوائدٌ .

موقفه من الشيخين أبي بكر وعمر:
الأولُ جدهُ من جهتينِ من ناحيةِ أخوالهِ ، وكلاهما وزيرا جدهِ ، محمد صلى اللهُ عليه وآله وسلم .

فقد كان محباً لهما ومعظماً ومزكياً لهما ، مبغضاً لمن أبغضهما ، فلأجله كان يبغضُ الرافضةَ ويمقتها لموقفهم من جدهِ أبي بكر وصاحبهِ الفاروق .

قال عَبْدُ الجَبَّارِ بنُ العَبَّاسِ الهَمْدَانِيُّ : أَنَّ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ أَتَاهُم وَهُم يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنَ المَدِيْنَةِ ، فَقَالَ : إِنَّكُم - إِنْ شَاءَ اللهُ - مِنْ صَالِحِي أَهْلِ مِصرِكُم ، فَأَبلِغُوهُم عَنِّي : مَنْ زَعَمَ أَنِّي إِمَامٌ مَعصُومٌ ، مُفتَرَضُ الطَّاعَةِ ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيْءٌ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنِّي أَبْرَأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيْءٌ .

وروى ابنُ أبي عمر العدني ، عن جعفرِ بنِ محمد الصادق ، عن أبيه : كَانَ آلُ أَبِي بَكْرٍ يُدْعَونَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلَ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وقَالَ زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ : قَالَ أَبِي لِجَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ : إِنَّ لِي جَاراً يَزْعُمُ أَنَّكَ تَبرَأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . فَقَالَ جَعْفَرٌ : بَرِئَ اللهُ مِنْ جَارِكَ ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَنْفَعَنِي اللهُ بِقَرَابَتِي مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَقَدِ اشْتكَيتُ شِكَايَةً ، فَأَوصَيتُ إِلَى خَالِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ .

وقال مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ : عَنْ سَالِمِ بنِ أَبِي حَفْصَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَابْنَه جَعْفَراً عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : يَا سَالِمُ ! تَوَلَّهُمَا ، وَابْرَأْ مِنْ عَدُوِّهِمَا ، فَإِنَّهُمَا كَانَا إِمَامَيْ هُدَىً . ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ : يَا سَالِمُ ! أَيَسُبُّ الرَّجُلُ جَدَّه ، أَبُو بَكْرٍ جَدِّي ، لاَ نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ القِيَامَةِ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَتَوَلاَّهُمَا ، وَأَبرَأُ مِنْ عَدوِّهِمَا .

وَقَالَ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ : سَمِعْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ ، يَقُوْلُ : مَا أَرْجُو مِنْ شَفَاعَةٍ عَلَيَّ شَيْئاً ، إِلاَّ وَأَنَا أَرْجُو مِنْ شَفَاعَةِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَه ، لَقَدْ وَلَدَنِي مَرَّتَيْنِ .

وقد روى تلميذهُ المتقنُ الثقةُ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلاَئِيُّ ، سَمِعْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ يَقُوْلُ : بَرِئَ اللهُ مِمَّنْ تَبَرَّأَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ .

فهذهِ النصوصُ من جعفرٍ الصادق رحمهُ اللهُ صريحةٌ في محبتهِ للشيخين وتوليهِ لهما ، وتقربهِ إلى اللهِ بذلك ، كما تدلُ أيضاً على بغضهِ لمن أبغضهما ، وبراءته ممن تبرأ منهما ، أو ادعى عصمتَهُ هو في نفسهِ . كما دعا اللهَ بأن يتبرأَ ممن تبرأَ منهما.

وهذا يهدمُ أصلاً عظيماً من أصولِ القومِ الذي يعتقدونهُ في وزيري نينا محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم ، ومن ثم بقيةُ جماهيرِ صحابةِ جدهِ صلى اللهُ عليه وآله وسلم .

وأيضاً شهد لهما بالجنة ، وأولئك الأباعدُ يشهدون عليهما بالنارِ والخلودِ فيها ؛ فقد روى الدارقطني بإسنادهِ إلى حَنَانَ بنِ سَدِيْرٍ ، سَمِعْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ ، وَسُئِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : إِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلَيْنِ قَدْ أَكَلاَ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ .

أي إن أرواحهما في الجنة تغدو وتروحُ كما تشاءُ ، وليس وراءَ ذلك شيءٌ إلا التقيةَ المحضةَ ، وهي النفاقُ المحضُ ، نعوذ بالله .

موقفه من الجدال والقياس في الدين:

درج الإمامُ جعفرُ بنُ محمدٍ رحمةُ اللهِ عليه على ما درج عليه أجدادُهُ - من النبي عليهِ السلامُ ، والصديقِ ، وعلي بنِ أبي طالبٍ ، وعمومِ الصحابةِ والتابعين وتابعيهم - من التحذيرِ من الجدالِ والمراءِ في الدينِ وفي كتابِ اللهِ وشرائعهِ . وهذا الأمرُ - أعني التحذيرَ من الجدالِ وتوابعهِ وآثارهِ على الدينِ والقلوبِ - من الأمورِ المسلمةِ عند المسلمين ، مضى على التحذيرِ منهُ والتشديدِ فيه صدرُ الأمةِ وسلفُها الصالحُ في كل قرنٍ إلى عصرنا هذا ممن تبع السلفَ في مذهبهم ، ومضى على منهجهم ومنوالهم.

ومن أقوالِ الإمامِ الصادقِ في هذا ، مارواهُ الذهبي بسندهِ إلى عَنْبَسَةَ الخَثْعَمِيُّ - وَكَانَ مِنَ الأَخْيَارِ - سَمِعْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ ، يَقُوْلُ : إِيَّاكُم وَالخُصُومَةَ فِي الدِّيْنِ ، فَإِنَّهَا تَشغَلُ القَلْبَ ، وَتُورِثُ النِّفَاقَ .

وهذه العبارةُ تواترت في الحقيقةِ عن جمعٍ كبيرٍ من أئمةِ السلفِ رحمهم اللهُ ، تناقلها العلماءُ في كتبِ أصولِ السنةِ في هذا البابِ .

فهذا نموذجٌ في ذمِ الجدالِ ؛ وهو المراءُ وطلبُ المغالبةِ ، ومستلزمٌ للخصومةِ في الدينِ .

ومن ذمهِ للقياسِ قصةٌ رواها أبو نعيمٍ في " الحلية " بسنده إلى عمرو بنِ جميعٍ ، قال : دخلتُ على جعفرِ بنِ محمدٍ أنا وابنُ أبي ليلى وأبو حنيفة ، وقال عبدُ اللهِ بنُ شُبرمةَ الكوفي - وهو ثقةٌ فقيهٌ من أقرانِ الصادقِ - قال : دخلتُ أنا وأبو حنيفة على جعفرِ بنِ محمدٍ ، فقال لابنِ أبي يعلى : من هذا معك ؟ قال : هذا رجلٌ له بصرٌ ونفاذٌ في أمرِ الدينِ . قال: لعلهُ يقيسُ أمرَ الدينِ برأيهِ . قال: نعم ، قال : فقال جعفرُ لأبي حنيفةَ : ما اسمك ؟ قال: نعمان . قال : يا نعمانُ ، هل قست رأسَك بعدُ ؟ قال : كيف أقيسُ رأسي ؟! ، قال : ما أراك تحسنُ شيئاً ، هل علمت ما الملوحة في العينين ، والمرارة في الأذنين ، والحرارة في المنخرين ، والعذوبة في الشفتين ؟ قال : لا ! ، قال : ما أراك تحسنُ شيئاً. قال : فهل علمت كلمةً أولها كفرٌ وآخرُها إيمانٌ ؟ فقال ابنُ أبي ليلى : يابنَ رسولِ الله ، أخبرنا بهذهِ الأشياءِ التي سألتُهُ عنها . فقال : أخبرني أبي عن جدي أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال : " إن اللهَ تعالى بمنهِ وفضلهِ جعل لابنِ آدمَ الملوحةَ في العينينِ ؛ لأنهما شحمتان ولولا ذلك لذابتا، وإن اللهَ تعالى بمنهِ وفضلهِ ورحمتهِ على ابنِ آدم جعل المرارةَ في الأذنين حجاباً من الدوابِ ؛ فإن دخلت الرأسَ دابةٌ والتمست إلى الدماغِ ، فإذا ذاقت المرارةَ التمست الخروجَ ، وإن اللهَ بمنهِ وفضلهِ ورحمتهِ على ابنِ آدم جعل الحرارةَ في المنخرين يستنشقُ بهما الريحَ ولولا ذلك لأنتن الدماغُ ، وإن اللهَ تعالى بمنهِ وفضلهِ ورحمتهِ على ابنِ آدم جعل العذوبةَ في الشفتينِ ؛ يجدُ بهما استطعامَ كلِ شيءٍ ويسمعُ الناسُ بها حلاوةَ منطقهِ . فقال : فأخبرني عن الكلمةِ التي أولها كفرٌ وآخرُها إيمانٌ . فقال : إذا قال العبدُ : لا إله ، فقد كفر ، فإذا قال : إلا الله ، فهو إيمانٌ . ثم أقبل على أبي حنيفةَ فقال : يا نعمانُ ، حدثني أبي عن جدي أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال : " أولُ من قاس أمرَ الدينِ برأيهِ إبليسُ . قال اللهُ تعالى لهُ : اسجد لآدمَ ، فقال : " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " [ الأعراف : 12 ] فمن قاس الدينَ برأيهِ قرنهُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ بإبليسَ ؛ لأنه اتبعهُ بالقياسِ .

زاد ابنُ شبرمةَ في حديثهِ : ثم قال جعفرُ : أيهما أعظمُ : قتلُ النفسِ أو الزنا ؟ قال : قتلُ النفسِ . قال : فإن اللهَ عز وجل قبل في قتلِ النفسِ شاهدين ، ولم يقبل في الزنا إلا أربعةً . ثم قال : أيهما أعظمُ : الصلاةُ أم الصومُ ؟ قال : الصلاةُ ، قال : فما بال الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ ؟ فكيف - ويحك - يقومُ لك قياسك ؟!. اتقِ اللهَ ولا تقسِ الدينَ برأيك !

من أقواله في صفات الله تعالى:

وأكثرُ ما نقل عنه نموذجٌ من الصفاتِ الإلهيةِ المقدسةِ ، في كلامِ اللهِ تعالى ، لا سيما وزمنهُ زمن بدعةِ الجعدِ بنِ درهم ، وتلقي الجهمُ بنُ صفوان السمرقندي لها.


حيثُ روى عنهُ تلميذهُ مُعَاوِيَةُ بنُ عَمَّارٍ الدهني - وهو صدوقٌ - قال : سَأَلْتُ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ عَنِ القُرْآنِ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِخَالِقٍ ، وَلاَ مَخْلُوْقٍ ، وَلَكِنَّهُ كَلاَمُ اللهِ .

وقد أسندها عنهُ ابنُ جريرٍ الطبري في عقيدتهِ " صريح السنة " ، أي أن كلامَ اللهِ الذي هو صفتُهُ ، ليس قائماً بذاتهِ فيخلقُ ويبدعُ ؛ لأنهُ صفةٌ والصفةُ لا تقومُ بنفسها أبداً فلا بد من قيامها بموصوفٍ .

وليس كلامُ اللهِ مخلوقاً ؛ إذ لو كان كذلك لامتنع عن الاتصافِ بالكلامِ . فعُطل عنه . وهذا القولُ من الإمامِ الصادقِ خالف فيه شيعتُهُ ومتأخريهم ؛ الذين وافقوا المعتزلةَ في قولهم بأن القرآنَ مخلوقٌ ، ومع هذا خالفوا إمامَهم المعصوم ؟!

ونقل ابنُ تيميةَ عن جعفرٍ الصادق - وعن غيرهِ ممن قبلهُ من الصحابةِ ومعاصريهِ - ومن بعده : أن اللهَ لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء ، وأن الفعلَ من لوازمِ الحياةِ ، والربُ لم يزل حياً ، فلم يزل فعالاً . ذكر ذلك في المنهاج (1/215) و(2/386) .

وفي بابِ القضاءِ والقدرِ ، وافق الإمامُ جعفرُ الصادق أئمةَ أهلِ السنةِ في إثباتِ إرادةٍ للهِ خاصةٍ شاملةٍ ، وإرادةٍ للمخلوقِ خاصةٍ بهِ ؛ كما قالهُ ابنُ تيميةَ في " المنهاج " (3/169) : " لكن التحقيق إثباتُ النوعين - أي من الإرادتين - كما أثبت ذلك السلفُ والأئمةُ ؛ ولهذا قال جعفر : " أراد بهم وأراد منهم " فالواحدُ من الناسِ يأمرُ غيرهُ وينهاهُ مريداً النصيحةَ ، وبياناً لما ينفعهُ ، إن كان مع ذلك لا يريدُ أن يعينهُ على ذلك الفعل ..." . وقال عن القدرِ : هو أمرٌ بين أمرينِ لا جبرٌ ولا تفويضٌ .

وقال أيضاً : إن اللهَ أراد بنا شيئاً ، وأراد منا شيئاً ، فما أرادهُ بنا طواهُ عنا. وما أرادهُ منا أظهرهُ لنا، فما بالنا نشتغلُ بما أرادهُ بنا عما أرادهُ منا. اهـ. من لوامع الأنوار (2/251) .

وهذا معنى قولِ جدهِ على بنِ أبي طالب رضي اللهُ عنه : القدرُ سرٌ من أسرارِ اللهِ فلا نكشفهُ ! .

والمقصودُ أن أصولَ جعفرٍ الصادق وآبائِهِ هي أصولُ السنةِ وأئمةِ الدينِ في صفاتِ اللهِ ؛ بإثباتِ ما يجبُ له من صفاتِ الكمالِ مما أثبتهُ لنفسهِ أو أثبتهُ لهُ رسولهُ صلى اللهُ عليه وسلم ، ونفي ما نفاهُ اللهُ عن ذاتهِ ، أو نفاهُ عنهُ رسولهُ صلى اللهُ عليه وآله وسلم ، وإن خالفهم الرافضةُ .

قال ابنُ تيميةَ في " المنهاج " (2/368) : " ولكن الإمامية تخالفُ أهلَ البيتِ في عامةِ أصولِهم ، فليس في أئمةِ أهلِ البيتِ - مثل : علي بنِ الحسين ( زين العابدين ) وأبي جعفر الباقر، وابنه جعفرِ بنِ محمدٍ الصادق ، - ومن كان ينكرُ الرؤيةَ أو يقولُ بخلقِ القرآنِ ، أو ينكرُ القدرَ ، أو يقولُ بالنصِ على علي ، أو بعصمةِ الأئمةِ الاثني عشر أو يسبُ أبا بكر وعمرَ .

والمنقولاتُ الثابتةُ والمتواترةُ عن هؤلاءِ معروفةٌ موجودةٌ ، وكانت مما يعتمدُ عليه أهلُ السنةِ .

وشيوخُ الرافضةِ معترفون بأن هذا الاعتقادَ في التوحيدِ والصفاتِ والقدرِ لم يتلقوهُ ، لا عن كتابٍ ولا سنةٍ ولا عن أئمةِ أهلِ البيتِ ، وإنما يزعمون أن العقلَ دلهم عليه ، كما يقولُ ذلك المعتزلةُ . وهم في الحقيقةِ إنما تلقوهُ عن المعتزلةِ وهم شيوخُهم في التوحيدِ والعدلِ " .ا.هـ.

وعليه فلا يُعرفُ عن الإمامِ الصادقِ ولا أحدٍ ممن قبلهُ - من أئمةِ أهلِ البيتِ خصوصاً- ما يتناقلهُ عنهم الغالون فيهم ، بل كلُ ما ينقلونهُ عنهم كذبٌ وافتراءٌ على ألسنةِ أؤلئك الأئمةِ .

فهذه الاعتقاداتُ التي يتصورها الرافضةُ وغيرُهم - مما يحكونهُ عن الصادقِ خصوصاً ومن قبلهُ من آلِ البيتِ - إنما هي أساطيرٌ نسجوها هم حول أولئك الأئمةِ ، وأقاويلٌ تقولوها عليهم وأجروها على ألسنتهم كذباً وزوراً .

كذب الرافضة عليه:
مع ما تبوأ الإمامُ جعفرُ الصادق من المنزلةِ عند الشيعةِ ؛ إذ هو الإمامُ السادسُ من سلالةِ الحسينِ بنِ علي عندهم . ولكنهم مع هذا افتروا عليه كذباً مستطيراً لم يفتروهُ على مثلهِ من أئمتهم .

- وأولُ ذلك : ما حكاهُ شيخُهم أبو محمد الحسينُ النوبختي (310 هـ) في كتابهِ " فرق الشيعة " ؛ حيث ذكر عن الذين قالوا بإمامةِ جعفرٍ الصادق على محمد بن عبد الله بن الحسين ذى النفس الزكية ، حيث ذاع منهم من قال : إن جعفراً لما أشار إلى إمامةِ إسماعيلَ ابنه ثم مات في حياةِ أبيهِ ، أنهُ كذبهم ، ولم يكن بذلك إماماً عليهم ؛ لأن الإمامَ لا يكذبُ ولا يقولُ ما لا يكونُ ...

حتى حاولوا تسديدَ قولهِ هذا ؛ فقالوا بالبداءةِ على اللهِ ؛ أي أنه قد يبدو للهِ شيىءٌ لم يكن قبلُ في سابقِ علمهِ أن يكونَ . وإن أنكرَ البداءةَ نفر منهم .

- فهذا أولُ كذبٍ عليه في حياتهِ ، كما كذبوا عليه بادعاءِ الإمامةِ المعصومةِ له ، وسبق لنا في موقفهِ من الشيخين قوله لعبدِ الجبارِ الهمداني : مَنْ زَعَمَ أَنِّي إِمَامٌ مَعصُومٌ ، مُفتَرَضُ الطَّاعَةِ ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيْءٌ .

- وأيضاً الكذبُ على الإمامِ جعفر بأنهُ قال : " التقيةُ ديني ودينُ آبائي " . واعتمدوها أصلاً من أصولهم ، لا ينفكون عنهُ ، ويحرفون آيةَ آلِ عمران إليهِ .

- وأشنعُ ما افتراهُ غلاةُ الشيعةِ من الرافضةِ على الإمامِ الصادقِ : القولُ بألوهيتهِ كما صرحت به طائفةٌ البزيغية ، وهم أتباعُ بزيغِ بنِ موسى الحائك من أصحابِ جعفر ، وإن كان عامةُ الرافضةِ يلعنونهم كما في " رجال الكشي " ( ص257-258 ) ، و " أعيان الشيعة " للعاملين (13/231) ، و " رجال الطوسي " ( ص159 ) .

- ومن كذبهم عليه اعتقادُ بقائهِ وعدمِ موتهِ ، وبعضهم يعتقدُ ذلك في ابنِ موسى الكاظم ، ومنهم من يعتقدُ ذلك في غيرهِ من متقدمي آلِ البيتِ .

وهو خطأٌ بينٌ ؛ إذ الموتُ لابد منهُ ، ولم يختص أحدٌ من آلِ البيتِ لا علي ولا غيرهُ دوامَ أو بقاءَ زيادةٍ على غيرهِ ، فأعمارُهم أعمارُ غيرهم ، بل النادرُ منهم من يتجاوزُ المائةَ سنةٍ عمراً .

- وأيضا كذبهم عليه وعلى أبيهِ فيما ينقلونهُ عنه من أصولِ الدينِ وفروعهِ ، وينقلون عنهم بدونِ إسنادٍ ، أو بإسنادٍ موضوعٍ أو ضعيفٍ أو مقطوعٍ ؛ لا يتوفرُ فيه أسبابُ القوةِ في نسبةِ القولِ إليهم ، بل تتوفرُ فيه أسبابُ طعنِ نسبتهِ إلى أحدٍ من أولئك الأئمةِ .

قال ابنُ تيميةَ في " المنهاج " (5/162) : " وأما شرعياتهم فعمدتُهم فيها على ما ينقلُ عن بعضِ أهلِ البيتِ مثل : أبي جعفر الباقر، وجعفرِ بنِ محمدٍ الصادق ، وغيرهما.

ولا ريب أن هؤلاءِ من ساداتِ المسلمين ، وأئمةِ الدينِ ، ولأقوالهم من الحرمةِ والقدرِ ما يستحقهُ أمثالُهم ، لكن كثيرٌ مما ينقلُ عنهم كذبٌ ، والرافضةُ لا خبرةَ لهم بالأسانيدِ والتمييزِ بين الثقاتِ وغيرهم ؛ بل هم في ذلك من أشباهِ أهلِ الكتابِ ؛ كل ما يجدونه في الكتبِ منقولاً عن أسلافهم قبلوه ، بخلافِ أهلِ السنةِ فإن لهم من الخبرةِ بالأسانيدِ ما يمتازون به بين الصدقِ والكذبِ " . انظر نحوه في " المجموع " (11/581) .

ولئن كان الإماميةُ الرافضةُ ينقلون عن الإمام الصادقِ ذمهُ ومناظرتهُ للزنادقةِ من غلاةِ الرافضةِ ؛ وهم الباطنيون وأحزابهم ، فإن كلامه في هدمِ أصولِ الرافضةِ مثلُ ذلك ، لكنهم يخفونهُ ويخفضونهُ ولا يرفعونهُ ، ويحملونهُ على محملِ التقيةِ وغيرها . فكلا الطائفتينِ مردودٌ عليها من كلامهِ. والمقصودُ أنهُ لم يُكذب على أحدٍ مثلُ ما كُذب على جعفرٍ الصادق رحمةُ اللهِ عليه ، مع براءتهِ مما كُذب بهِ عليهِ .

مؤلفاته وآثار الصادق العلمية:

بالعطفِ على ما سبق من كثرةِ الكذبِ على الإمامِ الصادقِ رضي اللهُ عنه ، فقد افتروا على الإمامِ كتباً ورسائل قالوا : إنها من تأليفِهِ ، وهو باطلٌ نص عليه أهلُ المعرفةِ بهِ ، ومن جهةٍ أخرى لا بد من استصحابِ أن القرنَ الذي عاش فيه الإمامُ جعفرُ رضي اللهُ عنهُ ( 80 - 148 هـ ) تميز بندرةِ التأليفِ ، حتى لم يؤثر عن أهلهِ إلا أقوالٌ رويت عنهم ، وهي متفرقةٌ لم تصل إلى حدِ التأليفِ ، وكثرةِ الكتبِ والرسائلِ .

والقاعدةُ في هذا وغيرهِ : أننا لا نقبلُ قولاً عن الصادقِ ، ولا غيرهِ من أئمةِ الدينِ ومن أقلُ منهم ، إلا بالسندِ المتصلِ إليهم ، المسلسلِ بالثقاتِ والمعروفين من النقلةِ أو ما وافق الحقَ وشابههَ الدليل فيقبلُ منهُ ، ولا يردُ والحالةُ هذهِ ، وما سواهُ فلا يلتفتُ إليه أبداً .

ومن الكتبِ التي نص المحققون على أنها مكذوبةٌ عليهِ رحمهُ اللهُ :
1 - نسبوا إليهِ كذباً كتابَ " رسائل إخوانِ الصفا " ، وهو كتابٌ لم يؤلف إلا في القرنِ الثالثِ أيامَ دولةِ بني بويه .

2 - كتابُ " الْجَفْر " . وهو كتابُ تنبؤ بالحوادثِ ، وعلمِ الغيبِ المستقبلي .

3 - كتابُ " عِلمِ الْبِطَاقَةِ " .

4 - كتابُ " الْهَفْتِ " .

5 - كتابُ " اخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ " ، وهي الحركاتُ السفليةُ .

6 - كتابُ " الْجَدَاوِلِ " أو " جدولِ الهلالِ " . وقد كذبهُ عليهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ أحدُ المشهورين بالكذبِ .

7 - كتابُ " أحكامِ الرعودِ والبروقِ " ، وحركات الأفلاكِ ، وما يكونُ في العالمِ . كالذي قبلهُ .

8 - كتابُ " منافعِ القرآنِ " .

9 - كتابُ " قراءةِ القرآنِ في المنامِ " .

10 - كتابُ " تفسيرِ القرآنِ " . وكثيرٌ مما نقلهُ صاحبُ حقائقِ التفسيرِ - وهو أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي الصوفي - عن جعفر الصادق هو من الكذبِ 0

11 - كتابُ " الكلامِ على الحوادثِ " ، وموضوعُهُ كتابُ " الْجَفْر " .

12 - كتابُ " تفسيرِ قراءةِ السورةِ في المنامِ 0

13 - كتابُ " قوسِ قزح "0 ويسمى قوسُ اللهِ 0

هذا وإن كانت لهذهِ الكتبِ مخطوطاتٌ متفرقةٌ في ثنايا المكتباتِ كما حشدها بروكلمان وسزكين .

قلتُ : فإنه لا يغني عن اعتقادِ كذبها ، حيثُ تكونُ كتبت على لسانِ جعفرٍ ونسبت إليه مِن أتباعهِ والغالين فيه ، أو من الزنادقةِ والباطنيةِ 0

مع اعتبارِ أن أصحابَ المكتباتِ والمفهرسين ليس لديهم العنايةُ بتحقيقِ نسبةِ الكتبِ إلى مؤلفيها ، وإنما ما ذكرهُ المترجمون ، أو وجد مكتوباً على طرةِ المخطوطةِ منسوباً إلى رجلٍ نسبوهُ إليهِ وكفى .

وأيضاً يبرهنُ الرافضةُ على كثرةِ مؤلفاتِ الإمامِ الصادقِ بما جمعهُ أبو موسى جابرُ بنُ حيان الصوفي الطرطوسي الكيمائي الشهير ( ت200 هـ ) الفيلسوف المترجم 0

فقد قالوا : إنهُ صحب جعفرَ الصادق ، وكتب عنهُ رسائلهُ وعددها خمسمائة في ألفِ ورقةٍ كما ذكرهُ ابنُ خلكان0 وهو موضوعُ شكٍ كبيرٍ ، لأن جابراً هذا متهمٌ في نفسهِ اتهاماً بليغاً ، في دينهِ وأمانتهِ ، وأيضاً في صحبتهِ للإمامِ الصادقِ المتوفى سنة ( 148 هـ ) ، إذ المشهورُ صحبتهُ لجعفرِ بنِ يحيى البرمكي لا لجعفرٍ الصادق ، وهذا بالمدينةِ وذاك ببغداد ، وأيضاً انشغالُ جابرٍ بعلومهِ الطبيعيةِ ، ولعل هذا ما يفيدُ الربط بينهُ وبين جعفرٍ الصادق ، الذي تنسبُ إليه تلك المؤلفاتُ والآراءُ في علومِ الطبيعةِ والفلكِ والكيمياءِ والجداولِ .

وعلى كلِ حالٍ ؛ هذهِ الرسائلُ لا يمكننا اعتقادُ نسبتها إلى الإمامِ الصادقِ والحالةُ هذهِ - انظر : " الأعلام للزركلي " (2/103-104) - ولو كانت صحيحةَ النسبةِ لتلقاها أبناؤُهُ وتلاميذُهُ عنهُ ، وذاع انتشارها عن مثلهِ . كذلك بعد حصولِ هذا الكمِ من التأليفِ في أولِ القرنِ الثاني . إلى أمورٍ كثيرةٍ تَردُ في التشكيكِ بهذهِ النسبةِ .

مصادر ترجمته:
- تهذيبُ الكمالِ للمزي ص202 .
- تهذيبُ التهذيبِ لابنِ حجرٍ (2/103-105) .
- تقريبُ التهذيبِ لابنِ حجرٍ رقم 950 .
- التاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاري (2/198) .
- التاريخُ الصغيرِ للإمامِ البخاري (2/91) .
- تاريخُ خليفة بنِ خياطٍ ص 424 .
- طبقاتُ خليفة بنِ خياطٍ ص 269 .
- تاريخُ ابنِ جريرٍ الطبري في حوادث سنةِ 145 هـ .
- تاريخُ ابنِ كثيرٍ - البداية والنهاية - (10/108) .
- تذكرةُ الحفاظِ للذهبي (1/166) .
- تذهيبُ التهذيبِ للذهبي ، عند اسمهِ جعفر بن محمد .
- خلاصةُ التذهيبِ للزركشي 63 .
- الجمعُ بين كتابي الكلاباذي والأصبهاني في رجالِ البخاري ومسلم ص 70 .
- حليةُ الأولياءِ لأبي نعيمٍ (3/192-206) .
- الجرحُ والتعديلُ لابنِ أبي حاتمٍ (2/487) .
- تاريخُ الإسلامِ للذهبي (6/45) .
- صفةُ الصفوةِ لابنِ الجوزي (2/94) .
- تاريخُ التراثِ العربي لسزكين (3/276-273) .
- طبقاتُ الحفاظِ للسيوطي ص 79 .
- شذراتُ الذهبِ لابنِ العمادِ الحنبلي (1/20) .
- الكاملُ في التاريخِ لابنِ الأثيرِ حوادث سنة 145 هـ .
- الكاملُ لابنِ عدي (2/131-134) .
- مشاهيرُ علماءِ الأمصارِ لابنِ حبان 127 .
- وفياتُ الأعيانِ لابنِ خلكان (1/327-328) .
- سيرُ أعلامِ النبلاءِ للذهبي (6/255-270) .
- طبقاتُ القراءِ لابنِ الجوزي (1/196) .
- دولُ الإسلامِ للذهبي (1/102) .
- طبقاتُ علماءِ الحديثِ لابنِ عبدِ الهادي رقم 152 .
- الثقاتُ للعجلي ص 98 .
- فرقُ الشيعةِ للنوبختي ص 55 - 66 .
- المعارفُ لابنِ قتيبةَ ص 87 - 110 .
- الأعلامُ للزركلي (1/126) .
- معجمُ المؤلفين لكحالة (1/495) .
- ميزانُ الاعتدالِ للذهبي (1/414-415) .
- ومواضعُ من منهاجِ السنةِ النبويةِ ومجموعِ الفتاوى ورد بعضها خلال الترجمةِ .
- الأنسابُ للسمعاني (8/8) .
- اللبابُ في تهذيبِ الأنسابِ لابنِ الأثير (2/299) .
- العبرُ في خبرِ من غبر الذهبي (1/209) .
- الإمامُ الصادقُ حياتهُ وعصرهُ وآراؤهُ وفقههُ لمحمد أبي زهرة ، وهو أوسعُ الدراساتِ المعاصرةِ .
- جعفرُ بنُ محمدٍ الصادق لعبدِ العزيزِ الأهل .
- بروكلمان (1/181) 

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد قدوة صالحة وسيرة عطرة



خديجة بنت خويلد رضي الله عنها  اسم يتلألأ في تاريخ الإسلام كما يتلألأ القمر ليلة البدر في أفق السماء.

"خديجة بنت خويلد" رمز الوفاء والصدق، والحكمة والعقل، والصبر والثبات.

تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت نعم الزوج لزوجها، ملأت عليه كل حياته، إذ كانت دائمة المبادرة إلى مرضاته، لا ترى له رغبة في شيء إلا وأسرعت بما يعينه على تحقيقها، رأت إعجابه بغلامها زيد بن حارثة فوهبته له، رأت تعلق قلبه بالخلوة في غار حراء الليالي الطويلة قبيل البعثة، فكانت تهيئ له الزاد وترسل معه من يقوم برعايته دون أن يفسد خلوته، تفعل ذلك بنفس راضية، مع أن في خلوته بعيداً عنها إضراراً بها فالزوجة تحب قرب زوجها منها ، ولا سيما حين يرخي الليل سدوله ، لتأنس به ، وتطمئن إليه.

وجاء الملك فجأة ونزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فظنه الموت أو الجنون أو إحدى الدواهي العظيمة، فرجع إلى بيته مسرعاً، هلعا،ً خائفاً، تلقته خديجة وهو على ذلك الحال من الفزع فما كان موقفها ؟ هل وجدتها فرصة للتشفي والانتقام من هذا الزوج كثير البيات خارج المنزل ؟ من هذا الزوج المنشغل عن زوجه وبيته وبناته بتأملاته ؟ أليس هذا ما ستفعله عامة النساء لو كن في مكان خديجة ؟.

أما خديجة فكانت طرازاً آخر من النساء لا تشبههن في نقصهن ، ولا يشبهنها في كمالها، كانت تنظر بعين بعيدة المدى ، واسعة الأفق، كانت ذات صفاء نفسي، وشفافية بالغة ، كأنما تنظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، كانت واثقة من زوجها وصواب تصرفاته ، تتنبأ له بنبأ عظيم ، فأدركت سريعاً أن عليها أن تحسم الأمر بسرعة، أن عليها مهمة عظيمة، وهو طمأنة زوجها، وتسكينه، وتهدئة روعه ، فقالت مستدلة بالماضي على المستقبل : (كلا والله ، لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر). لم تكتف بذلك، بل أخذت بيده وذهبت به إلى عالم مكة بالكتاب الأول إلى ابن عمها

(ورقة بن نوفل) فقص عليه خبره فقام ورقة وقبل رأس محمد صلى الله عليه وسلم وبشره أنه نبي هذه الأمة..

وجاءت الرسالة ، وأخذ صلى الله عليه وسلم يدعو قومه إلى عبادة الله وحده فطاشت أكبر العقول، وأذكاها. لكن خديجة بادرت إلى الإيمان فكانت أول من آمن. صدقت به حين كذبه الناس، وآمنت به حين كفر به الناس.

وانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم ماضياً في دعوته قد أخذت عليه كل همه، لا يفتأ عنها ليلاً ولا نهاراً. وزوجه خديجة إلى جواره شامخة شموخ جبال مكة الشماء ، لا تزعزعها الأهوال ، ولا يميل بها خوف ولا رجاء.

 وجاء الحصار الآثم الغاشم حصار (الشِّعب) الذي استمر ثلاث سنوات، وتنتقل خديجة مع زوجها مع أنها ليست من بني هاشم ، وهي عجوز جاوزت ستين عاماً، قد شاب شعرها ووهن عظمها، وخارت قوتها ، لكن إيمانها لا يزداد كل يوم إلا شباباً، وثباتها لا يزداد إلا صلابة. هاهي تبذل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم كل ما تقدر، بذلت شبابها ولسانها ومالها وعمرها وكل شيء في سبيل مرضاة الله وفي سبيل إتمام النبي صلى الله عليه وسلم مسيرة دعوته.

انتهى الحصار الغاشم ولكن بدأت رحلتها مع المرض مرض الموت ، وتأتيها البشارة من ربها قبل موتها كالجوائز التي تمنح للعظماء في أواخر أدوارهم. هذا جبريل عليه السلام يبلغها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام من الله ، والسلام منه، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب ـ أي من ذهب ـ لا صخب فيه ولا نصب" .

بيت من ذهب، لا صخب فيه ولا ضجيج مقابل ما تحملته من صخب المشركين والمستهزئين من رجال قريش ونسائها.

وميزة أخرى في هذا القصر أن لا نصب عليها فيه، راحة تامة مقابل ما تعبت في أيامها الخالية، لقد شاركت رسول الدعوة فدفعت ثمن شراكتها كثيراً من الجهد والسهر والبذل والعطاء فعوضها ربها خير عوض.

ثم جاء ملك الموت فقبض روحها الطاهر، وحزن النبي صلى الله عليه وسلم على فقدها حزناً عظيماً، وحق له حيث فقد فيها الزوج الحنون، ورفيقة درب مدة ربع قرن، فقد العضد والنصير الداخلي الذي كان يخفف من أحزانه، ويمسح عنه غمومه، وما أكثرها علي النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة حتى قال له ربه "لعلك باخع نفسك" أي لعلك مهلك نفسك حزناً على عدم إيمان قومك.

مرت السنون برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة، لكنه لم ينسها ، لم يشغله عن ذكراها أعباء الدعوة ، ولا هول الحروب، ولا الانشغال بتدبير بيوت عشر زوجات في وقت واحد ، كان معها على غاية الوفاء، ومن صور وفائه إكرامه لصديقاتها ، فما ذبح شاة إلا وأرسل إليهن إكراماً لذكرى خديجة.

وجاءته مرة عجوز فهش لها وأقبل عليها ، وأكرمها فتعجبت عائشة من هذه الحفاوة فقال صلى الله عليه وسلم إنها صديقة خديجة.

وكان قلبه يخفق حين يفجؤه ما يذكره بخديجة. ها هي هالة بنت خويلد تستأذن عليه فجأة فسمع صوتها وذكر فيه صوت خديجة فهب قائماً وقال اللهم هالة اللهم هالة. ـ أي اللهم اجعلها هالة ـ

ويتوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بتيجان لا تبليها الأيام ، لقد جعلها صلى الله عليه وسلم في مصاف مريم بنت عمران حيث يقول (خير نسائها ـ يعني الجنة ـ مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد). ويقول مبيناً بلوغها قمة في الكمال لم تبلغه من نساء العالمين إلا القليل (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، و خديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم).

وسمع مرة فيها بعض ما يكره بدافع الغيرة من بعض زوجاته بعد موتها بزمن ، فهب مدافعاً عنها ذاكراً لجميلها، محيياً لبعض فضائلها "صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وكانت ، وكانت .. وكان لي منها ولد".

فرضي الله عن خديجة ، وأخذ بنواصي نساء الإسلام ليتخذن منها قدوة وأسوة، وصلى الله وسلم على هذا النبي الوفي الكريم.

الزبير بن العوام رضي الله عنه


1- *** اسمه ونسبه :
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب رضي الله عنه .
يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في : قصي بن كلاب .
أسلم مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعاً أو خامساً بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين .
أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها .
زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .
أولاده : كان له من الولد : عبد الله وبه يُكنى ، وعروة ، والمنذر ، وعاصم ، والمهاجر ، وخديجة الكبرى ،

وأم الحسن ، وعائشة ، وأمهم أسماء بنت أبي بكر .
وخالد ، وعمرو ، وحبيبة ، وسودة ، وهند ، وأمهم أم خالد : وهي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص .
ومصعب ، وحمزة ، ورملة ، وأمهم الرَّباب بنت أُنيف بن عبيد .
وعبيدة ، وجعفر ، وأمهما زينب .
وزينت ، وأمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .
وخديجة الصغرى ، وأمها الحلال بنت قيس .
صفته : كان أبيض ، طويلاً ، وقيل : لم يكن بالطويل ولا بالقصير ، خفيف اللحم ، أشعر ، خفيف العارضين .
2- *** نعته :
الزبير بن العوام ، الثابت القوام ، صاحب السيف الصارم ، والرأي الحازم ، كان لمولاه مستكيناً ،

وبه مستعيناً ، قاتل الأبطال ، وباذل الأموال ، صاحب الوفاء والثبات ، والتسامح بالمال والجدات .
3- *** إسلامه :
أسلم الزبير بن العوام وهو بن ثماني سنين ، وهاجر وهو بن ثمان عشرة سنة .
4- *** تعذيبه :
كان عم الزبير يلف الزبير في حصير ، ويدخن عليه بالنار حتى تزهق أنفاسه ، وهو يقول له : اكفر برب محمد ، أدرأ عنك العذاب ،

فيقول الزبير: " لا أعود للكفر أبداً " ، ويهاجر الزبير للحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
5- *** مجاهداً مغواراً :
الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أول رجل سل سيفه في الإسلام ، فبينما هو بمكة ،

إذ سمع صوتاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ،

فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، فتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مكة ،

فقال له ما لك يا زبير ؟ قال : سمعت أنك قد قتلت ، قال : فما كنت صانعاً ؟ قال : أردت والله أن أستعرض أهل مكة ،

قال : فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير ، ولسيفه بالغلب .
وعن عمرو بن مصعب بن الزبير رضي الله عنهم قال : قاتل الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ،

فكان يحمل على القوم : أي يتقدم ويكون في مقدمة من يقاتلون ، وذلك لشجاعته وقوته وإقدامه وبسالته .
وقد شهد موقعة اليرموك ، وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين ،

ويخرج من الجانب الآخر سالماً ، لكن جرح في قفاه بضربتين رضي الله عنه . وقد كان جسده معلماً من آثار السيوف في المعارك ،

فلما سئل عن هذه الآثار قال : أما والله ما منها جراحة ، إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله .
وقال من رأي الزبير : وإن في صدره لأمثال العيون ، من الطعن والرمي .
كانت على الزبير بن العوام يوم بدر عمامة صفراء ، يقال : فنزلت الملائكة وعليهم يوم بدر على سيماء الزبير ، عليهم عمائم صفر .
6- *** منقبة للزبير :
تفداه النبي صلى الله عليه وسلم بأبويه ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ ،

فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ : يَا أَبَتِ ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ ،

قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ " ،

فَانْطَلَقْتُ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ فَقَالَ : " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " [ متفق عليه ] .
7- *** الحواري :
الزبير بن العوام هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحواري هو خاصة الإنسان وناصره ،

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
واسمع إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران ، إذ قال سبحانه : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ

قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران52 ] .
فلما علم عيسى منهم الكفر وأرادوا قتله قال : من أنصاري ؟ أي : من أعواني ؟

قال الحواريون : أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص

وقيل كانوا قصّارين يحورون الثياب : أي يبيّضونها ، قالوا : نحن أنصار الله ، آمنا به وصدقنا ، واشهد يا عيسى بأنا مسلمون .
8- *** الزبير تاجراً :
كان الزبير بن العوام رضي الله عنه ، من التجار الأغنياء المنفقين في سبيل الله عز وجل ،

وكان يقول : من استطاع منكم أن يكون لهو جَنى _ ثمر وشيء يجده عند الله تعالى _ من عمل صالح فليفعل .
باع الزبير داراً له بستمائة ألف ، فقيل له : يا أبا عبد الله غبنت ؟ قال : كلا والله ، لتعلمن أني لم أُغبن ، هي في سبيل الله .
وكان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة ، لا يدخل بيت ماله منها درهم ، كان يتصدق بها ،

وقيل : كان يقسمه كل ليلة ، ثم يقوم إلى منزله ، ليس معه منه شيء . = = = حال الزبير وحال كثير من أغنياء اليوم .
9- *** حبه للشهادة :
كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول : " إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ،

وقد علم أن لا نبي بعد محمد ، وإني أسمي بني بأسماء الشهداء ، لعلمهم أن يستشهدوا ،

فسمى عبد الله بعبد الله بن جحش ، والمنذر بالمنذر بن عمرو ، وعروة بعروة بن مسعود ،

وحمزة بحمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بجعفر بن أبي طالب ، ومصعب بمصعب بن عمير ،

وعبيدة بعبيدة بن الحارث ، وخالد بخالد بن سعيد ، وعمر بعمرو بن سعيد بن العاص ، قتل يوم اليرموك .
  10- *** الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة ، أصحاب الشورى ،

الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض .
 11- *** وفاته رضي الله عنه :
توفي يوم الجمل ، وذلك أنه كر راجعاً عن القتال ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ،

ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ، بمكان يقال له وادي السباع قريب من البصرة ،

بينه وبين البصرة خمسة أميال ، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله ،

وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى ، سنة ست وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة .
ويقال : بل قام من آثار النوم وهو دهش ، فركب وبارزه ابن جرموز ،

فلما صمم عليه الزبير _ على قتله _ أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه ، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه ،

فلما دخل بهما على علي رضي الله عنه قال : علي رضي الله عنه لما رأى سيف الزبير :

إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ : " بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ " ،

ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه .
والصحيح أنه عُمِّرَ بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير _ عبد الله _ فاستناب أخاه مصعباً على العراق ،

فاختفى عمرو بن جرموز خوفاً من سطوته أن يقتله بأبيه .
فقال مصعب : أبلغوه أنه آمن ، أيحسب أني أقتله بأبي عبدالله ؟ كلا والله ليسا سواء .
وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته .
وقد روى الزبير بن العوام رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها .
12- *** وصيته :
عن عبد الله بن الزبير قال : جعل الزبير يوم الجمل يوصيني دينه ، ويقول : إن عجزت عن شيء منه ،

فاستعن عليه بمولاي ، قال : فوالله ما دريت ما أراد ، حتى قلت : يا أبت من مولاك ؟ قال : الله .

قال : ما وقعت في كربه من دينه ، إلا قلت : يا مولى الزبير اقض عنه ، فيقضيه ، وإنما دينه الذي كان عليه ،

أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير : لا ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة .
قال : فحسب ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف ، فقتل ولم يدع ديناراً ولا درهماً

_ يعني نقداً _ إلا أرضين فبعتهما يعني وقضيت دينه ، فقال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ؟

فقلت : والله لا أقسم بينكم ، حتى أنادى بالموسم أربع سنين ، ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه .
فجعل كل سنة ينادي بالموسم ، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم .
= = = أين الأبناء عن تسديد ديون الآباء اليوم ؟
13- *** تركته :
خَلَّفَ رضي الله عنه بعده تركة عظيمة ، فأوصى من ذلك بالثلث ، بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينار ديناً عليه ،

فلما قُضي دينه ، وأُخرج ثلث ماله ، قُسم الباقي على ورثته ، فنال كل امرأة من نسائه

_ وكن أربعاً _ ألف ألف ومائتا ألف _ مليون ومائتي ألف دينار _ فمجموع ما تركه رضي الله عنه تسعة وخمسون ألف ألف ،

وثمانمائة ألف دينار ، أي : تسعة وخمسون مليون وثمانمائة ألف دينار .
قال ابن كثير رحمه الله : وهذا كله من وجوه حلٍ نالها في حياته ، مما كان يصيبه من الفيء والمغانم ،

ووجوه متاجر الحلال ، وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها ، والصلات البارعة الكثيرة لأربابها ، في أوقات حاجاتها .
14- *** موقعة الجمل :
بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه ، أتم الزبير وطلحة المبايعة لعلي رضي الله عنهم أجمعين ،

وخرجوا إلى مكة معتمرين ، ومن هناك إلى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت موقعة الجمل سنة 36 هجرية .
وكان طلحة والزبير في فريق ، وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي ، وبكى بكاءً غزيراً ،

عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله ، وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير ،

حوراييّ رسول الله ، فقال للزبير: " يا زبير ، نشدتك الله ،

أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، ألا تحبّ عليّا ؟

فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه ،

وأنت له ظالم " ، قال الزبير رضي الله عنه : نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لا أقاتلك ،

وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب ، أقلعا فور تبيّنهما الأمر ،

وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ ، تذكرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّار : " تقتلك الفئة الباغية " ،

فان قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها الزبير طلحة ، فسيكون الزبير باغياً .
فانسحب طلحة والزبير من القتال ، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما ، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .
أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدراً .
وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته .
15- *** الشهادة :
ولما فرغ علي رضي الله عنه من دفن طلحة ، والزبير ، وقف يودعهما بكلمات جليلة ،

اختتمها قائلاً : " إني لأرجو أن أكون أنا ، وطلحة ، والزبير ، وعثمان من الذين قال الله فيهم :

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر47 ] ،

ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال : " سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" طلحة والزبير ، جاراي في الجنّة " [ رواه الترمذي وغيره وضعفه الألباني ] .
= = = رضي الله عن الزبير بن العوام وأرضاه ، وجعل جنات الفردوس مثواه ! فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ،

ورسول رب العالمين بالجنة ، فلله الحمد والمنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

" أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ

فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ " [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] 

زياد علي

زياد علي محمد