الاثنين، 9 سبتمبر 2019

الإمام أحمد بن حنبل مناظراً

الإمام أحمد بن حنبل مناظراً

حينما قام النزاع بين أهل الرأي وأهل الحديث؛ وذلك بسبب اختلافهم في كثير من الآراء والمعتقدات، فقد أطلق أهل الرأي من المعتزلة وغيرهم ألسنتهم على أهل الحديث ورموهم بالنقائص والكذب، ولكن ظل أهل الحديث والأثر سائرين في طريقهم المنشود يدافعون عن الحق، متخذين منهج التثبت والحيطة شعاراً ودثاراً لهم، شعارهم في ذلك قول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6) سورة الحجرات)، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " يأمر الله تعالى- بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كذابا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهي الله - عز وجل - عن اتباع سبيل المفسـدين، ومن هنا امتنع طوائف من العلـماء عن قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه"(ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج4 ص 210).

وقال " الخطيب " تعليقا على هذه الآية: " أمر الله بالتثبت في خبر الفاسق، وبين ذلك لئلا يصاب قوم بجهالة، فيصبح من قضى بخبر الفاسق نادما، وفي ذلك دلالة واضحة على امضاء خبر العدل والفرق بينه وبين خبر الفاسق فلو كانا سببين في التثبت لبينه الله - عز وجل -" (الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه ج1ص97).

ودثارهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ".. من كذب علىَّ فليتبوأ مقعده من النار" (أخرجه البخاري 1/178، ومسلم برقم 322.وأبو داود برقم 3651).

لذا فقد قاموا بنقد الرواة والوقوف على أحوالهم، وتمييز الصحيح من المكذوب، والمجرح من المعدل.

أنشد: عبدة ين زياد:

ديـــن النبي مـحمــد أخبار *** نـعم المطية للفتى الآثار

لا تـخــدعن عـن الحديث وأهله *** فالرأي ليل والحديث نهــار

ولربـمـا غـلط الفتى سبل الهدى *** والشمس بـازغـة لهـا أنـوار

قال القاضي عياض في (الإلماع ص 38): " لو أن صاحب الرأي المذموم شغل نفسه بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين واقتفى آثار الفقهاء، والمحدثين؛ لوجد في ذلك ما يغنيه عما سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه؛ لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين - تعالى - عن مقالات الملحدين، والأخبار عن صفات الجنة والنار، وما أعد الله - تعالى - فيها للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضيين والسماوات في صنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين، ونعت الصافيين والمسبحين، وفى الحديث قصص الأنبياء وأخبار الزهاد والأولياء، ومواعظ البلغاء، وكلام الفقهاء - وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسراياه، وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه وعظاته، وأعلامه ومعجزاته، وعدة أزواجه وأولاده، وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم، وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم من الأئمة الخالصين، والفقهاء المجتهدين.

ولقد كان على رأس هؤلاء المدافعين عن الحديث وأهله، إمام أهل الســنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - (164 241 هـ) والذي وقف بشجاعة نادرة يدافع عن الدين ضد انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فكان - رحمه الله - يكره الجدل في الدين ويرفض تقديم الرأي على الأثر، وهو الذي قال: " (إنه لا يفلح صاحب كلام أبداً ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) (ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله (245).

قال عبيد الله بن حنبل: "حدثني أبي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يُفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلا خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال والكلام وأهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير، أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة" (اعتقاد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، للدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس، ص 37).

ومع تحوطه وموقفه المعارض من علم الكلام والجدل إلا أنه تعلم علم المناظرة وأتقن فنونه وأصوله حتى يقيم الحجة على المتكلمين ويرد الشبه عن الدين، ويجعل ذلك وسيلة إلى الدفاع عن تعاليم الإسلام.

قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نأمر بالسكوت فلما دُعينا إلى أمرٍ، ما كان بدٌ لنا أن ندفع ذلك ونبيِّن من أمره ما ينفي عنه ما قالوه. ثم استدل لذلك بقوله - تعالى -: "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " (ابن مفلح: الآداب الشرعية: 1/207).

ولقد أخذ الإمام أحمد أصول المناظرة من شيخه الشافعي - رحمه الله -، والذي كان دائما ما يقول: " ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق، ويسدد، ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدا إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه.

وكان يقول أيضا: " ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة" (الحلية لأبي نعيم 9/118).

فصار أحمد على هذا النهج فكان يذعن للحق، ويتخلق بأخلاق العلماء العاملين، قال محمد بن عتاب بن المربع قال سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري قال كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبا على دابة قال فتناظرا في الشهادة وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء وكان أحمد يرى الشهادة وعلي يأبى ويدفع فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه وسمعت أحمد في ذلك المجلس يقول لا ننظر بين أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما شجر بينهم ونكل أمرهم إلى الله (ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 2/107).

ومناظراته مع ابن أبي دؤاد في قضية خلق القرآن شاهد على التزامه بآداب الإسلام في المناظرة والجدل، فحينما تولى المعتصم الخلافة بعد المأمون، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد، والاستمرار بالقول بخلق القرآن، وأخذ الناس بذلك، وكان الإمام أحمد في السجن، فاستحضره المعتصم من السجن، وعقد له مجلساً مع ابن أبي دؤاد وغيره من علماء السوء، وجلسوا يناقشونه في خلق القرآن، والإمام أحمد يستدل عليهم بالنصوص الواردة، ويقول لهم: أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء، وأمر المعتصم برده إلى السجن، وفي اليوم التالي أحضر من السجن وعقد المجلس، وكان موقفه رائعاً جليلاً كموقفه في الأمس، ورغم المحاولات والمناقشات، صمم الإمام أحمد على كلامه، وفشل القوم كفشلهم بالأمس، وانفض الاجتماع ورُد الإمام أحمد إلى السجن، وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس، وأُحضر الإمام أحمد من السجن، وأعيدت المناقشة، وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة، قد بسط بمجلسه بساطاً، ونصب كرسياً جلس عليه، وازدحم الناس إذ ذاك، كازدحامهم أيام الأعياد، وكان مما دار بينهم، أن قال للإمام أحمد، ما تقول في القرآن، فقال كلام الله غير مخلوق، قال الله - تعالى -: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) قال هل عندك حجة غير هذا؟، قال: نعم، قول الله - تعالى -: (الرحمن * علم القرآن) ولم يقل: خلق القرآن، وقال - تعالى -: (يس * والقرآن الحكيم) ولم يقل: والقرآن المخلوق.

فقال المعتصم: أعيدوه للحبس وتفرقوا، فلما كان من الغد، جلس المعتصم مجلسه ذلك وقال: هاتوا أحمد بن حنبل، فاجتمع الناس، وسمعت لهم ضجة ببغداد، فلما جيء به وقف بين يديه، والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فسأله المعتصم، عما تقول بالقرآن، قال أقول غير مخلوق، واستدل بقوله - تعالى -: (ولكن حق القول مني) قال فإن يكن القول من الله - تعالى -، فإن القرآن كلام الله، وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة، فناظروه بحضرته ثلاثة أيام، وهو يناظرهم ويظهر عليهم بالحجج القاطعة، ويقول أعطوني دليلاً من كتاب الله أو كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال المعتصم: قهرنا أحمد، وتحدث الوشاة عنده من علماء السوء، أنه قد غلب خليفتين، فأخذته العزة بالإثم، فشتمه وهدده بالقتل، فقال الإمام أحمد: يا أمير المؤمنين: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحل دمُ امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث)) فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئاً من هذا، يا أمير المؤمنين، تذكر وقوفك بين يدي الله - عز وجل -، كوقوفي بين يديك، فلما رأى المعتصم ثبوت الإمام أحمد وتصميمه، لان، فخشى ابن أبي دؤاد من رأفته عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته قِيل: إنك تركت مذهب المأمون، أو أن يقال، غلب خليفتين، فهاجه ذلك، ثم أعيد إلى السجن مرة أخرى، وأخرج في رمضان وهو صائم وجعلوا والعياذ بالله يضربونه، وأتى المعتصم بجلادين كلما ضرب أحدهم الإمام أحمد سوطين، تأخر وتقدم الآخر، والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب، وهو يقول شدوا عليه قطع الله أيديكم، ثم نزل المعتصم من كرسيه وجاء للإمام أحمد، وهو يقول له: قل بما قلت لك بأن القرآن مخلوق، فيقول الإمام أحمد: أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به (راجع: تاريخ الطبري 7/332).

وهذه الآداب سار عليها الإمام أحمد حتى وهو يناظر المعتزلة في قضية " خلق القرآن "حتى قال علي بن المديني: " إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة " (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (4 / 418).

بلال بن رباح رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم


1- *** بلال بن رباح المؤذن يكنى أبا عبد الله ، وقيل : أبا عبد الكريم ، وقيل : أبا عبد الرحمن ، وقال بعضهم يكنى : أبا عمرو .
وهو مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، اشتراه بخمس أواق ، وقيل بسبع أواق ، وقيل بتسع أواق ، وقيل اشتراه بعبد مكانه ، أعطاه أمية بن خلف مقابل بلال ، ثم أعتقه ، وكان له خازناً ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً ، شهد بدراً ، وأحداً ، وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2- *** وكان أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمار وأمه سمية ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد وقيل : خباب .
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب .
وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه .
وأما سائرهم فأخذهم المشركون ، فألبسوهم أدرع الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم إنسان إلا وقد أتاهم على ما أرادوا ، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله ، وهان على قومه ، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة ، وهو يقول أحد أحد .

3- *** وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة بمكة المكرمة ، واشتد حرها ، وعظم لهبها ، فيطرحه على ظهره ، ثم يأمر بصخرة عظيمة ، فتوضع على صدره ثم يقول له : " لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى " ، وبلال في ذلك البلاء والكرب الشديد يقول : " أحد ، أحد " .
وكان صادق الإسلام ، طاهر القلب .
قال سعيد بن المسيب : كان بلال شحيحاً على دينه ، وكان يعذب على دينه ، فإذا أراد المشركون أن يوافقه على كفرهم قال : الله ، الله .

4- *** أين نحن من بلال ، بلال يتعرض للعذاب والقتل حتى يترك الإسلام ، وله في ذلك دليل من كتاب الله لكنه يصبر على الأذى والعذاب في سبيل الله تعالى ، نعم يتقرب إلى الله بالصبر على العذاب ، ولا يترك دينه .
ومنا اليوم من يفسد ويفسق ويفعل المعاصي ، ويقترف الإثم ، ويأتي الذنوب ، وهو يتنعم بنعم الله عليه ، فشتان بين الاثنين .
الرعيل الأول يتقربون إلى الله بفعل الطاعات ، والخير والبر والقربات ، ومنا اليوم من يتقرب إلى الله بالمعاصي ، لأنه واقع فيها لا محالة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

5- *** وتمضي الأيام ويعتقد بلال ، ويهاجر إلى المدينة ، ويخرج مع المسلمين إلى غزوة بدر ، ويرى من بين جموع المشركين أمية ابن خلف ، فيهتف بلال قائلاً : " لا نجوت إن نجا " ، ويهجم عليه هجوم الأسد الجريح المنتقم ، ويمكنه الله منه ، فيقتله بيده التي كان يوثقها أمية ، ويهتف المسلمون ببدر : " أحد ، أحد " .
فقال فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبياتاً :
هنيئاً زادك الرحمن خيراً ... فقد أدركت ثأرك يا بلال .

6- *** عن جابر بن عبد الله أن عمر رضي الله عنه كان يقول : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا ، يعني بلالاً .

7- *** ونزل في بلال وغيره قوله تعالى : " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار " ، كان يقول أبو جهل : أين بلال أين فلان كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار فلا نراهم في النار أم هم في مكان لا نراهم فيه أم هم في النار لا نرى مكانهم ؟

8- *** وكان بلال إذا فرغ من الأذان فأراد أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أذن ، وقف على الباب وقال : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، الصلاة يا رسول الله .
فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرآه بلال ابتدأ في الإقامة .

9- *** وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة مؤذنين :
بلال بن رباح ، وابن أم مكتوم [ بالمدينة ] ، وسعد القرظ [ بقباء ] ، وأبو محذورة [ بمكة ] .

10- *** حكم وصفات الأذان :
أولاً : حكم الأذان والإقامة : أنهما فرض كفاية ، وهو ما يلزم جميع المسلمين إقامته ، فإذا قام به من يكفي ، سقط الإثم عن الباقين .
وهما مشروعان في حق الرجال حضراً وسفراً للصلوات الخمس ، وإن تركهما أهل بلد فإن على الإمام أن يقاتلهم ، لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة ، فلا يجوز تعطيلهما .
ثانياً : صفات الأذان :
إذا جاءت السنة بتنوع مشروع صحيح في ذكر معين ، فينبغي أن يؤتى بهذا مرة ، وهذا مرة ، والفائدة من ذلك ، أن السنن لا تُنسى ، لأننا لو أهملنا إحدى الصفات ، نُسيت الأخريات .
ولهذا أكثر الناس اليوم لا يعرفون إلا أذان بلال رضي الله ، بينما يجهلون أذان وإقامة أبو محذورة وهو أذان مشهور عمل به الشافعي وغيره .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : " فإذا اتبع الرجل المشروع المسنون ، واستعمل الأنواع المشروعة ، هذا تارة ، وهذا تارة ، كان ممن حفظ السنة علماً وعملاً " [ مجموع الفتاوى 24/250 ] .
وقال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله في الشرح الممتع على زاد المستقنع 2 / 45 : " كلُّ ما جاءت به السُّنَّة من صفات الأذان فإنه جائز، بل الذي ينبغي: أنْ يؤذِّنَ بهذا تارة، وبهذا تارة إن لم يحصُل تشويش وفتنةٌ.
فعند مالك سبعَ عَشْرةَ جملة، بالتكبير مرتين في أوَّله مع الترجيع _ وهو أن يقول الشهادتين سِرًّا في نفسه ثم يقولها جهراً _ .
وعند الشافعي تسعَ عَشْرَة جملة ، بالتكبير في أوَّله أربعاً مع الترجيع ، وكلُّ هذا مما جاءت به السُّنَّة ، فإذا أذَّنت بهذا مرَّة ، وبهذا مرَّة كان أولى .
والقاعدة : " أن العبادات الواردة على وجوه متنوِّعة، ينبغي للإنسان أن يفعلها على هذه الوجوه " ، وتنويعها فيه فوائد :
أولاً : حفظ السُّنَّة، ونشر أنواعها بين النَّاس.
ثانياً : التيسير على المكلَّف، فإن بعضها قد يكون أخفَّ من بعض فيحتاج للعمل.
ثالثاً : حضور القلب، وعدم مَلَله وسآمته.
رابعاً : العمل بالشَّريعة على جميع وجوهها. فإذا علمنا هذا فإنه قد ثبت للأذان ثلاث صفات ، وللإقامة صفتان :
الصفة الأولى :
الأذان : خمس عشرة كلمة :
جاءت في حديث عبد الله بن زيد في الرؤيا التي رآها وهي :
الصفة المعروفة اليوم ، وعدد كلماتها ، خمس عشرة كلمة .
والإقامة : إحدى عشرة كلمة ، وهي الإقامة المعروفة اليوم ، وهي التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وفاته .
الصفة الثانية :
الأذان : تسع عشرة كلمة :
وهي مثل الأذان الأول ، مع ترجيع الشهادتين ، والترجيع : أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يذكرهما في نفسه ، ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته .
والإقامة : سبع عشرة كلمة ، التكبير أربعاً ، وعدم الترجيع في الشهادتين .
الصفة الثالثة :
الأذان : سبع عشرة كلمة :
كالصفة الثانية ، لكن مع الاقتصار على تكبيرتين في أوله .
والإقامة : سبع عشرة كلمة ، كما سبق في الصفة الثانية .

11- *** عن الشعبي قال: خطب بلال وأخوه إلى أهل بيت من اليمن فقال: أنا بلال وهذا أخي ، عبدان من الحبشة كنا ضالين فهدانا الله ، وكنا عبدين فأعتقنا الله ، إن تنكحونا فالحمد لله ، وإن تمنعونا فلا حول ولا قوة إلا بالله ، فزوجهما والحمد لله .

12- *** البشرى بالجنة :
عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبِلاَلٍ : " يَا بِلاَلُ ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلاَمِ ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ _ حركة النعل وصوته على الأرض _ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ " قَالَ : مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أرْجَى عِنْدي مِنْ أَنِّي لَمْ أتَطَهَّرْ طُهُوراً فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أنْ أُصَلِّي " [ متفقٌ عَلَيْهِ ، وهذا لفظ البخاري ] .
عن بريدة رضي الله عنه قال : : أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم يوماً فدعا بلالاً فقال : " يا بلال ! بم سبقتني إلى الجنة البارحة ، سمعت خشخشتك _ الصوت والحركو _ أمامي ، فأتيت على قصر من ذهب مربع مشرف فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لرجل من قريش ، فقلت : أنا قرشي ؟ لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فقال بلال : يا رسول الله ، ما أذنت قط ، إلا صليت ركعتين ، وما أصابني حدث إلا توضأت ، عندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بهذا " [ رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وكذا قال الذهبي في التلخيص ] .

13- *** قال بلال رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أصبحوا بالصبح ، فإنه أعظم للأجر " [ رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والطحاوي والبيهقي بسند صحيح ] ، ومعنى الحديث كما قال الطحاوي : أن يدخل في الفجر وقت التغليس _ في الليل _ ويطول القراءة ، حتى ينصرف عنها مسفراً .

14- *** عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : قال : كُنَّا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ نفرٍ ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطْرُدْ هؤلاءِ لا يَجْتَرئون علينا ، قال : وكنتُ أَنا وابُن مسعودٍ ، ورجل من هُذَيْل ، وبلالٌ ورَجُلاَن _ لستُ أَسمِّيهمِا _ فوَقَعَ في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقعَ ، فحدَّثَ نفسَه _ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يطمع في إسلام صناديد قريش _ فأنزل اللّه تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }[ الأنعام52 ] [ أخرجه مسلم ] .

15- *** وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً وقت الفتح ، فأذن فوق الكعبة ، وحطم الأصنام وعدده ثلاثمائة وستين صنماً ، فأخرج الناس من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد .

16- *** وقيل : أن النجاشي بعث بثلاث عنزات _ عصا قصيرة ، تستخدم كسترة في الصلاة _ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطى علياً واحدة ، وعمر واحدة ، وأمسك واحدة ، فكان بلال يمشي بها بين يديه في العيدين حتى يأتي المصلى ، فيركزها بين يديه ، فيصلي إليها ، ثم كان يمشي بها بين يدي أبي بكر ، ثم كان سعد القُرَظَ يمشي بها بين يدي عمر وعثمان .
خلاف العلماء في حكم السترة .

17- *** فضل الأذان .

18- *** الجهاد في سبيل الله وأنواعه :
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء بلال يريد الجهاد إلى أبي بكر الصديق ، فقال له : يا خليفة رسول الله ! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله ".
فقال أبو بكر : فما تشاء يا بلال ؟
قال : أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت .
قال أبو بكر : أنشدك بالله يا بلال ! وحرمتي وحقي ، فقد كبرت ، وضعفت ، واقترب أجلي ، فأقام معه حتى توفي رضي الله عنه ، ثم أتى عمر ، فرد عليه ، فأبى بلال ، فقال : إلى من ترى أن أجعل النداء ؟ قال : إلى سعد ، فقد أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعله عمر إلى سعد وعقبه .

19- *** رؤيا بلال وهو بالشام :
رأى بلال النبي صلى الله عليه وسلم ، في منامه وهو يدعوه لزيارة المدينة ، وزيارة المسجد النبوي ، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتبه حزيناً ، وركب راحلته ، وقصد المدينة ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل يبكي عنده ، ويمرغ وجهه عليه ، فأقبل الحسن والحسين ، فجعل يضمهما ويقبلهما ، فقالا له : يا بلال ! نريد أن نسمع أذانك .
ففعل وعلا السطح ، ووقف ، فلما أن قال : الله أكبر ، الله أكبر ، ارتجت المدينة ، فلما أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ازداد رجتها ، فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله ، خرجالناس رجالاً ونساءً ، صغاراً وكباراً ، وقالوا : بعث رسول الله ، فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ذلك اليوم .

20- *** بعد تلك الليلة الباكية المشهودة ، شد بلال رحاله عائداً إلى الشام مرابطاً فيها ، متفائلاً ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعه لدف نعليه في الجنة .
ولما احتضر بلال رضي الله عنه قال : غدا نلقى الأحبة محمداً وحزبه .
فقالت امرأته : واويلاه ! فقال : وافرحاه !.
وتأتي لحظة الرحيل التي لابد لكل حي منها ، مصداقاً لقوله تعالى : " إنك ميت وغنهم ميتون " ، " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام " ، " كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " ويموت بلال رضي الله عنه ، ويدفن في الشام ، سنة عشرين بدمشق ، وهو ابن بضع وستين سنة .
ويلحق بالرفيق الأعلى ، ليتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، كما كان يتقدم بين يديه في الدنيا يفسح له الطريق ، ويسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خشخشة نعليه في الجنة ، فرضي الله عن بلال ، وعن سائر الصحب والآل ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل .

~ قصة سارة زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام ~

~ قصة سارة زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام ~
***

خرجتْ مهاجرة فى سبيل الله مع زوجها وابن أخيه لوط -عليهما السلام- إلى فلسطين.
ولما اشتد الجفاف فى فلسطين هاجرت مع زوجها مرة أخرى إلى مصر.
وسرعان ما انتشر خبرهما عند فرعون مصر الذى كان يأمر حراسه بأن يخبروه بأى امرأة جميلة تدخل مصر.
وذات يوم، أخبره الجنود أن امرأة جميلة حضرتْ إلى مصر، فلما علم إبراهيم بالأمر قال
لها: "إنه لو علم أنك زوجتى يغلبنى عليكِ، فإن سألك فأخبريه بأنك أختي، وأنت أختى فى الإسلام،
فإنى لا أعلم فى هذه الأرض مسلمًا غيرك وغيري".
وطلب فرعون من جنوده أن يحضروا هذه المرأة،
ولما وصلت إلى قصر فرعون دعت اللَّه ألا يخذلها، وأن يحيطها بعنايته، وأن يحفظها من شره،
وأقبلت تتوضأ وتصلى وتقول: "اللهم إن كنتَ تعلم أنى آمنتُ بك وبرسولك، وأحصنتُ فرجى إلا على زوجي،
فلا تسلط على هذا الكافر".فاستجاب اللَّه دعاء عابدته المؤمنة فشَلّ يده عنها -حين أراد أن يمدها إليها بسوء-
فقال لها : ادعى ربك أن يطلق يدى ولا أضرك.
فدعت سارة ربها؛ فاستجاب الله دعاءها، فعادت يده كما كانت، ولكنه بعد أن أطلق اللَّه يده أراد
أن يمدها إليها مرة ثانية؛ فَشُلّت،
فطلب منها أن تدعو له حتى تُطْلق يده ولا يمسها بسوء، ففعلت، فاستجاب الله دعاءها،
لكنه نكث بالعهد فشُلّت مرة ثالثة. فقال لها : ادعى ربك أن يطلق يدي، وعهدٌ لا نكث فيه ألا أمسّك بسوء،
فدعت اللَّه فعادت سليمة، فقال لمن أتى بها: اذهب بها فإنك لم تأتِ بإنسان،
وأمر لها بجارية، وهى "هاجر" -رضى الله عنها- وتركها تهاجر من أرضه بسلام.
ورجع إبراهيم وزوجه إلى فلسطين مرة أخري،
ومضى "لوط" -عليه السلام- فى طريقه إلى قوم سدوم وعمورة (الأردن الحالية)
يدعوهم إلى عبادة اللَّه، ويحذرهم من الفسوق والعصيان.
ومرت الأيام والسنون ولم تنجب سارة بعد ابنًا لإبراهيم، يكون لهما فرحة وسندًا،
فكان يؤرقها أنها عاقر لا تلد، فجاءتها جاريتها هاجر ذات مرة؛
لتقدم الماء لها، فأدامت النظر إليها، فوجدتها صالحة لأن تهبها إبراهيم،
لكن التردد كان ينازعها؛ خوفًا من أن يبتعد عنها ويقبل على زوجته الجديدة،
لكن بمرور الأيام تراجعت عنها تلك الوساوس، وخفَّت؛
لأنها تدرك أنّ إبراهيم - عليه السلام - رجل مؤمن، طيب الصحبة والعشرة،
ولن يغير ذلك من أمره شيئًا.
وتزوَّج إبراهيم -عليه السلام- "هاجر"، وبدأ شيء من الغيرة يتحرك فى نفس سارة،
بعد أن ظهرت علامات الحمل على هاجر، فلمّا وضعت هاجر طفلها إسماعيل - عليه السلام -
طلبت سارة من إبراهيم أن يبعدها وابنها،
ولأمر أراده اللَّه أخذ إبراهيم هاجر وابنها الرضيع إلى وادٍ غير ذى زرع من أرض مكة عند بيت الله الحرام،
فوضعهما هناك مستودعًا إياهما اللَّه، وداعيا لهما بأن يحفظهما الله ويبارك فيهما، فدعا إبراهيم -عليه السلام-
ربه بهذا الدعاء: (رَّبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم :37] .
لكن آيات الله لا تنفد، فأراد أن يظهر آية أخرى معها. وذات يوم، جاء نفرٌ لزيارة إبراهيم عليه السلام؛
فأمر بذبح عجل سمين، وقدمه إليهم، لكنه دهش لما وجدهم لا يأكلون، وكان هؤلاء النفر ملائكة جاءوا إلى إبراهيم -عليه السلام- فى هيئة تجار، ألقوا عليه السلام فرده عليهم . قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط) [هود: 69-70] .
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود : 47-48]
وأخبرت الملائكة إبراهيم - عليه السلام- أنهم ذاهبون إلى قوم لوط؛ لأنهم عصوا نبى الله لوطًا، ولم يتبعوه.
وقبل أن تترك الملائكة إبراهيم -عليه السلام- بشروه بأن زوجته سارة سوف تلد ولدًا اسمه إسحاق،
وأن هذا الولد سيكبر ويتزوج، ويولد له ولد يسميه يعقوب.

ولما سمعت سارة كلامهم، لم تستطع أن تصبر على هول المفاجأة، فعبَّرت عن فرحتها، ودهشتها كما تعبر النساء؛
فصرخت تعجبًا مما سمعت، وقالت: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ
عَجِيبٌ. قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)[هود: 72-73] .

وحملت سارة بإسحاق - عليه السلام - ووضعته، فبارك اللَّه لها ولزوجها فيه ؛
ومن إسحاق انحدر نسل بنى إسرائيل .
هذه هى سارة زوجة نبى اللَّه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- التى كانت أول من آمن بأبى الأنبياء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - حين بعثه اللَّه لقومه يهديهم إلى الرشد، ثم آمن به لوط ابن أخيه - عليه السلام -، فكان هؤلاء الثلاثة هم الذين آمنوا على الأرض فى ذلك الوقت. وماتت سارة ولها من العمر 127 عاما0

الإمام الحسن البصري

دخل رجل على الإمام الحسن البصري فقال:" يا إمام إنّ السّماء لا تمطر "؟فقال: " استغفر الله "ثمّ دخل رجل آخر .فقال:" إن زوجتي لا تنجب "؟فقال:" استغفر الله ".ثمّ دخل رجل ثالث فقال:" إني أشكو الفقر" ؟فقال:" استغفر الله ".قال أحد الجالسين:"عجبنا لكـ يا إمام أكلما دخل عليكـ رجل يسألكـ حاجة تقول له استغفر الله " !!فقال له:"ألم تقرأ قوله تعالى :{*فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّارا*يرسل السّماء عليكم مدرارا*ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهارا*}.

إمام دار الهجرة -مالك ابن أنس-

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المصطفى وعلى آله وصحبه ومن وفى

ثم أما بعد=
قال النبي =(يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة)رواه الترمذي واحمد وغيرهما من حديث ابي هريرة رضي الله عنه
إنه إمام مالك وما أدراك ما مالك قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم
وقال: "مالك وسفيان قرينان، ومالك النجم الثاقب الذي لا يلحق"
ترجمة الامام مالك ابن انس =
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر أنس بن الحارث بن غيمان الأصبحي المدني وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان. جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلا إلى قبره كما ذكر ذلك القشيري، ووالد جده هو الصحابي أبو مالك الذي شهد المغازي كلها مع رسول الله ما خلا بدرًا، وأما والدة الإمام مالك رضي الله عنه فهي العالية بنت شريك بن عبد الرحمـٰن الأسدية، والإمام مالك هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المدونة المعروفة والمشهورة في بلاد المسلمين.
ولد في المدينة المنورة سنة 95 للهجرة وقيل 93 للهجرةوهو العام الذي مات فيه خادم رسول الله انس بن مالك
نشأ مُجدًا في التحصيل والرواية وقد أخذ العلم وروى عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم الذين يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبا الزناد وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
أبناءه=
ولد للإمام مالك رحمه الله تعالى أربعة وأبناؤه هم: يحيى ومحمد وحماد. أبناء وبنت هي أم البهاء وكانت ممن يحفظون علمه.
علمه=
ونشأ في بيت اشتغل بعلم الحديث. وكان أكثرهم عناية عمه نافع المكنى بـ "أبي سهيل", ولذا عد من شيوخ ابن شهاب. وكان أخوه النضر مشتغلا بالعلم وملازما للعلماء حتى أن مالك كان يكنى بأخي النضر لشهرة أخيه.
حفظ القرآن الكريم، ثم اتجه لحفظ الحديث، وكان لابد لكل طالب علم من ملازمة عالم من العلماء، فلازم في البداية ابن هرمز المتوفى سنة 148 هـ سبع سنين لم يخلطه بغيره,عرف عن الإمام مالك بأنه قوي الحافظة كان يحفظ أكثر من 40 حديثا في مجلس واحد.
سئل مالك رحمه الله عن طلب العلم فقال: «حسن جميل ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه». وكان رحمه الله في تعظيم علم الدين على درجة عالية، حتى إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظِـّم حديث رسول الله ، وإرادته وجه الله تعالى بالعلم، فقد جاء عن مالك رضي الله عنه أنه سئل ثمانية وأربعين سؤالًا فأجاب عن ستة وقال عن البقية لا أدري.
ولقد كان رحمه الله إمام دار الهجرة، فانتشر علمه في الأمصار واشتهر في سائر الأقطار وضربت إليه أكباد الإبل وارتحل الناس إليه من شتى الأنحاء، فكان يدرّس وهو ابن سبع عشرة سنة، فمكث يُفتي ويعلم الناس، حتى إن كثيرًا من مشايخه رووا عنـه كمحمد بن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمـٰن فقيه أهل المدينة، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة وروى عنه كثير من الرواة حتى إن القاضي عياضًا ألف كتابًا عدَّ فيه ألفًا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام رضي الله عنه، أشهرهم سفيان الثوري والإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
ومن أقرانه الأوزاعي والثوري والليث بن سعد. وقد بلغ عدد شيوخه على ما قيل ثلاثمائة من التابعين وستمائة من أتباع التابعين ، تحلق الناس عنده لطلب العلم وهو ابن سبع عشرة سنة ولم يفتي إلا بعدما استشار سبعون عالما من علماء المدينة وهو ابن اربعين سنة.
مناقبه=
ولقد كان الإمام مالك بن أنس معظمًا للعلم حتى إنه إذا أراد أن يحدث توضأ وصلى ركعتين وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ولا أحدث به إلا متمكنًا على طهارة.
وكان الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه معظمًا للنبي موقرًا له، فقد قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك فقال: «لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد كان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي اصفر وما رأيته يحدث عن رسول الله إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرءان، ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان مِن العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل.

يروى من أن الخليفة هارون الرشيد قدم إلى المدينة المنورة وكان قد بلغه أن الإمام مالكًا يقرأ الموطأ على الناس، فأرسل إليه البرمكي وقال له: اقرأ عليه السلام وقل له يحمل إليَّ الكتاب فيقرأه عليَّ، فأتاه البرمكي فأخبره فقال الإمام رضي الله عنه: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إن العلم يُزَار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي، فقصد الرشيد منزل الإمام واستند إلى الجدار فقال له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين، من إجلال رسول الله إجلال العلم.
ولم يكن هذا الفعل من الإمام تكبرًا على الخليفة، بل كان ذلك لمصلحة شرعية هي بيان فضل العلم والعلماء وتعليم الناس سواء كانوا حكامًا أو محكومين أن يُجلّوا العلم ويوقروه ويكون له في نفوسهم رهبة وهيبة، وإلا فالإمام مالك رضي الله عنه كان من أشد أهل عصره تواضعًا ولينًا.
وكان الناس إذا أتوا الإمام مالكًا خرجت إليهم جارية له فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل فإن قالوا المسائل خرج إليهم، وإن قالوا الحديث دخل مغتسله واغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ولبس ساجه وتعمم ووضع رداءه وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله وكان رحمه الله لا يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله وقيل في ذلك لمالك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا.
قال الدراوردي رحمه الله: رأيت في المنام أني دخلت مسجد رسول الله فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يعظ الناس إذ دخل عليه مالك فلما رءاه النبي قال=-إليَّ إلي-فأقبل حتى دنا منه فنزع النبي خاتمه من أصبعه فوضعه في خنصر مالك رضي الله عنه فأولته بالعلم وكان العلماء يقتدون بعلمه والأمراء يستضيئون برأيه، والعامة منقادين إلى قوله، فكان يأمر فيمتثل بأمره بغير سلطان. ولقد قال الإمام ابن حبان في *الثقات*=كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث ، ولم يروِ إلا ما صح ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك.
ثم إن أقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الإمام الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حُجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد: كان مالك ثقة مأمونًا ثبتًا ورعًا فقيهًا عالمًا حجة.

عقيدته=
كان الإمام رضي الله عنه مقتديًا بالسنة المطهرة التي كان عليها النبي وصحابته الكرام وأهل بيته، وكان مولده بالمدينة المنورة وتفقهه على علمائها سببًا في اطلاعه بالسنة النبوية المطهرة وأحوال أهل مهاجر النبي فكان على عقيدة التنزيه لله عن مشابهة الخلق وعن المكان وعن الهيئة والصورة والحركة والانتقال والتغير.
اشتهر ب=
هو أول كتاب وُضعت فيه الأحاديث مصنفة ومبوبة، ومعناه الممهد كما أنه أول كتاب أُلّف في الحديث والفقه معًا، واستغرق تأليفه أربعين سنة. وقد اشتمل على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأحاديث.
وقال عن موطأهدعوهم، فلن يبقى إلا ما أريد به وجه الله لأن غير واحد من العلماء قد صنع موطأ كموطئه.
وقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر كتاب على الأرض بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وفي عصره قيل فيه =( أيفتى ومالك في المدينة).



وفاة إمام عظيم=
كانت وفاته في المدينة المنورة لعشر خلون من ربيع الأول سنة مائة وتسعة وسبعين للهجرة، ودفن في البقيع بجوار إبراهيم ولد النبي ورثاه العديد من الشعراء منهم جعفربن أحمد السراج بقوله:
سقى جَدَثًا ضمَّ البقيعُ لمالك من المزن مرعاد السحائب مبراقُ
إمام موطاه الذي طبقت به أقاليم في الدنيا فساح وءافاقُ
أقام به شرع النبي محمد له حذر من أن يضام وإشفاقُ
له سند عال صحيح وهيبة فللكل منه حين يرويه إطراقُ
وأصحاب صدق كلهم علم فسل بهم إنهم إن أنت ساءلت حذاق
ولو لم يكن إلا ابن إدريس وحده كفاه ألا إن السعادة أرزاق
فرحم الله الإمام مالك بن أنس رحمة واسعة وجزاه خير الجزاء على ما قدم من علم وفقه وحديث ونفعنا بعلمه.

قصص الأنبياء == ذِكْرُ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ 1-4

ذِكْرُ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبيا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا (1) " فَإِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ، وَهُوَ خَنُوخُ هَذَا.
وَهُوَ فِي عَمُودِ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ.
وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أَعْطِيَ النُّبُوَّةَ بَعْدَ آدَمَ وَشِيثَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَقَدْ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ آدَمَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَثَمَانِي سِنِينَ.
وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَطِّ بِالرَّمْلِ فَقَالَ: " إِنَّهُ كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ بِهِ فَمَنْ وَافق خطه فَذَاك ".
يويزعم كثير من عُلَمَاء التَّفْسِير وَالْأَحْكَامِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَيُسَمُّونَهُ هَرْمَسَ الْهَرَامِسَةِ، وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَمَا كَذَبُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا " هُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ.
وَقد روى ابْن جرير عَن يُونُس عَن عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ،
عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَال بن يسَاف
__________
(1) من سُورَة مَرْيَم 57، 58 (*)

قَالَ: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا وَأَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ: مَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا "؟ فَقَالَ كَعْبٌ: أَمَّا إِدْرِيسُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ: أَنِّي أَرْفَعُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ جَمِيعِ عَمَلِ بَنِي آدَمَ - لَعَلَّهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ - فَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ عَمَلًا، فَأَتَاهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَكلم ملك [الْمَوْت (1) ] حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا، فَكَلَّمَ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ، فَقَالَ: وَأَيْنَ إِدْرِيسُ؟ قَالَ هُوَ ذَا عَلَى ظهرى، فَقَالَ ملك الْمَوْت: يَا للعجب (2) ! بُعِثْتُ وَقِيلَ لِي اقْبِضْ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ؟ ! فَقَبَضَ روحه هُنَاكَ.
فَذَلِك قَول الله عزوجل " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا ".
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا.
وَعِنْدَهُ فَقَالَ لِذَلِكَ الْمَلَكِ: سَلْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي؟ فَسَأَلَهُ وَهُوَ مَعَهُ: كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَنْظُرَ، فَنَظَرَ فَقَالَ إِنَّكَ لِتَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلٍ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا طَرْفَةُ عَيْنٍ، فَنَظَرَ الْمَلَكُ إِلَى تَحْتِ جَنَاحِهِ إِلَى إِدْرِيسَ فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله: " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا "
__________
(1) سَقَطت من المطبوعة.
(2) ا: فالعجب (*)

قَالَ: إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ كَمَا رُفِعَ عِيسَى.
إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ إِلَى الْآنِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رُفِعَ حَيًّا إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قُبِضَ هُنَاكَ.
فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا ": رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا، وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ.
وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عليا " قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ قَائِلُونَ رُفِعَ فِي حَيَاة أَبِيه يرد بن مهلاييل وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ إِدْرِيسَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُوحٍ بَلْ فِي زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ، وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِي الْإِسْرَاءِ: أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ آدَمُ وَإِبْرَاهِيمُ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ.
قَالُوا: فَلَوْ كَانَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَا (1) لَهُ.
وَهَذَا لَا يدل وَلَا بُد، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ الرَّاوِي حَفِظَهُ جَيِّدًا، أَو لَعَلَّه قَالَه عَلَى سَبِيلِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، وَلَمْ يَنْتَصِبْ لَهُ فِي مَقَامِ الْأُبُوَّةِ كَمَا انْتَصَبَ لِآدَمَ أَبِي الْبشر، وَإِبْرَاهِيم الذى هُوَ خَلِيل الرَّحْمَن وأكبر أُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
__________
(1) ط: قَالَ.
وَهُوَ تَحْرِيف (*)

قصَّة نوح عَلَيْهِ السَّلَام
هُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خنوخ - وَهُوَ إِدْرِيس - بن يرد بن مهلاييل بْنِ قَيْنَنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدم أَبى الْبشر عَلَيْهِ السَّلَام.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ.
وَعَلَى تَارِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ يَكُونُ بَيْنَ مَوْلِدِ نُوحٍ وَمَوْتِ آدَمَ مِائَةٌ وَسِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ قُرُونٍ كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو حَاتِم ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَن أَخِيه زيد بن سَلام، سَمِعْتُ أَبَا سَلَّامٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ مُكَلِّمٌ.
قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَرْنِ مِائَةَ سَنَةٍ - كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ - فَبَيْنَهُمَا أَلْفُ سَنَةٍ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ بِاعْتِبَارِ مَا قَيَّدَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْإِسْلَامِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا قُرُونٌ أُخَرُ مُتَأَخِّرَةٌ

لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِي عَشَرَةِ قُرُونٍ، وَزَادَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ:
أَنَّ قَابِيلَ وَبَنِيهِ عَبَدُوا النَّارَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَرْنِ الْجِيلَ مِنَ النَّاسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ من بعد نوح " وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ " وَقَالَ تَعَالَى: " وقرونا بَين ذَلِك كثيرا " وَقَالَ: " وَكم أهلكناه قبلهم من قرن " وَكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ... " الْحَدِيثَ، فَقَدْ كَانَ الْجِيلُ قَبْلَ نُوحٍ يُعَمِّرُونَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ أُلُوفٌ مِنَ السِّنِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ وَالطَّوَاغِيتُ، وَشَرَعَ النَّاسُ فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ، فَبَعْثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بُعِثَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَكَانَ قَوْمُهُ يُقَالُ لَهُم بَنو راسب فِيمَا ذكره ابْن جُبَير وَغَيْرُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ سِنِّهِ يَوْمَ بُعِثَ، فَقِيلَ كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ابْنَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ابْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سنة حَكَاهَا ابْن جرير، وَعزا الثَّالِثَة مِنْهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
* * *

وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّتَهُ وَمَا كَانَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَا أَنْزَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ بِالطُّوفَانِ، وَكَيْفَ أَنْجَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ، فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ; فَفِي الْأَعْرَافِ وَيُونُسَ وَهُودٍ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالشُّعَرَاءِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالصَّافَّاتِ وَاقْتَرَبَتْ، وَأَنْزَلَ فِيهِ سُورَةً كَامِلَةً.
فَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: " لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ
اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إيا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ، وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ من الله مَا لَا تعلمُونَ * أَو عجبتم أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُوا قوما عمين (1) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (2) ".
__________
(1) الْآيَات: 59 - 64.
(2) الْآيَات: 72 - 74.
(*)

وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ.
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا من فضل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ.
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ
عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَمَا أَنا بطارد الَّذين آمنُوا إِنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ، وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إنى إِذا لمن الظَّالِمين.
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجرامي وَأَنا برِئ مِمَّا تُجْرِمُونَ.
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا، وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، قَالَ: إِنْ

تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ.
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل.
وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله مجريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ
يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرض ابلعى ماءك وياسماء أَقْلِعِي، وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالح، فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ من الخاسرين * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثمَّ يمستهم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتقين " (1) .
__________
(1) الْآيَات: 26 - 50.
(*)

وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الانبياء: " ونوحا إِذْ نَادَى من قبل فاستجبنا لَهُ فنجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ (1) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيره أَفلا تَتَّقُون * فَقَالَ الملا الذى كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ *
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ، وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لمبتلين (2) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: " كَذَّبَتْ قَوْمُ نوح الْمُرْسلين * إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم نوح أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِن أجْرى إِلَّا على رب الْعَالمين * فَاتَّقُوا الله وأطيعون * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِن أَنا إِلَّا نَذِير مُبين * قَالُوا لثن لم تَنْتَهِ يَا نوح

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم


1*** عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضَبة بن الحارث بن فِهْر [ ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه في فهر ] بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي .
2*** شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة :
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ " [ رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني واللفظ لأحمد ] .

3*** مكانته . . . أمين الأمة :
قدم أهل نجران على النبي-صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه ان يرسل اليهم واحدا ، فقال عليه الصلاة والسلام :( لأبعثن -يعني عليكم- أمينا حق امين ) . فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الامارة أو يطمعون فيها ، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي -صلى الله عليه و سلم : " أمينا حق امين" وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الامارة لهذا آنذاك ، بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي صلى الله عليه وسلم- حرصا منه _ رضي الله عنه _ أن يكون أمينا حق أمين ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم- تجاوز جميع الصحابة وقال :( قم يا أباعبيدة ) .
كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه : ( لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فإن سألني ربي عنه ، قلت : استخلفت أمين الله ، وأمين رسوله ) .

4*** لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بأمين هذه الأمة :
عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ " [ متفق عليه ] .
قَالَ الْحَافِظُ رحمه الله " صِفَةُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ وَالْقَضَاءَ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ " . [ تحفة الأحوذي ] .

5*** الأمانة أساس الإيمان ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ قَالَ : " لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ " [ رواه أحمد ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7179 ] .

6*** من أعظم الأمانة ، أمانة الدين ، فالدين أمانة في عنقك تسأل عنه يوم القيامة ، هل أنت أمين في دينك ، في تعاملك ، في أخلاقك ، في أسرتك ، في كل حياتك ، حياتك كلها أمانة ، ولا يعتقد أحد أن الأمانة محصورة في الودائع فقط ، فهذا مفهوم قاصر ، بل الأمانة تشمل جميع مناحي حياتك :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ ، فَكَرِهَ مَا قَالَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ : " أَيْنَ _ أُرَاهُ _ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ " قَالَ : هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ : " إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " [ رواه البخاري ] .
عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا " [ رواه مسلم ] .
عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة " [ رواه الطبراني ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2570 ] .
عَنِ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا " [ رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة1/196 ].
هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته .

7*** كان رجلاً نحيفاً ، معروق الوجه ، خفيف اللحية ، طُوالاً ، أحنى _ منعطف نحو الصدر _ أثرم الثنيتين ، ووصف بحسن الخلق ، وبالحلم الزائد والتواضع .
أتدرون لماذا كان أثرماً ، دعونا نستمع لهذه القصة التي رواها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه :" لما كان يوم أحد ، ورمي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر ، أقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت : اللهم اجعله طاعة ، حتى إذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال : ( أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فتركته ، فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر ، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت ، فكان أبوعبيدة في الناس أثرم ) وكانت هذه الثرمة جعلت من ثغره أحسن ثغر .

8*** قصة الحوت :
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً - قَالَ - فَقُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا قَالَ نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِىُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ قَالَ وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِىَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ لاَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ فِى وَقْبِ عَيْنِهِ وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا ؟ " قَالَ : فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ فَأَكَلَهُ " [ رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم ] .

9*** كان من السابقين إلى الإسلام ، وكان ممن هاجر إلى الحبشة ، وكان ممن جمع القرآن .

10*** كان من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ _ رضي الله عنها _ أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَرُ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : فَسَكَتَتْ " [ رواه الترمذي وغيره وقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وصححه الألباني ] .

11*** أما غزواته ، فقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم جميع المعارك ، بدءاً بغزوة بدر ، حيث قيل أنه قتل أباه ، فنزل فيه قول الله تعالى : { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ المجادلة22 ] .

12*** فتح الله على يديه الفتوح ، وكان بطلاً مغواراً رضي الله عنه وأرضاه .

13*** عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا : لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَرْغَ حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيداً ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ ، فَقُلْتُ : إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللَّهُ : لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ؟ قُلْتُ : " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِيناً ، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ " فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : مَا بَالُ عُلْيَا قُرَيْشٍ يَعْنُونَ بَنِي فِهْرٍ ؟ ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ : لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ ؟ قُلْت : " سَمِعْتُ رَسُولَكَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَي الْعُلَمَاءِ نَبْذَةً وفي رواية رتوة _ يعني يسبقهم بمد البصر _ " [ رواه أحمد ] .

14*** معركة اليرموك :
في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- ، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه- ، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد ، وصل الخطاب الى أبىعبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة ، ثم أخبر خالدا بالأمر ، فسأله خالد :( يرحمك الله أباعبيدة ، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟) ، فأجاب أبو عبيدة :( إني كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة ) ، وأصبح أبو عبيدة أمير الأمراء بالشام .

15*** تواضعه :
ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه ، وانبهارهم بأمير الأمراء ، فجمعهم وخطب فيهم قائلا : ( يا أيها الناس ، إني مسلم من قريش ، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود ، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه !!) .
وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه ، فقالوا له :( من ؟) قال : " أبوعبيدة بن الجراح " ، وأتى أبو عبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره ، فلم يجد فيها من الأثاث شيئاً ، إلا سيفه وترسه ورحله ، فسأله عمر وهو يبتسم : ( ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس ؟) ، فأجاب أبو عبيدة :( يا أمير المؤمنين ، هذا يبلغني المقيل ) .

16*** طاعون عمواس :
حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس" وكان أبو عبيدة أمير الجند هناك ، فخشي عليه عمر من الطاعون ، فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلا : (إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجها إلي ، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجها إلي ، فإن لي حاجة إليك ، وفَهِمَ أبو عبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون ، فكتب إلى عمر رضي الله عنه متأدباً
معتذراً عن عدم الحضور إليه وقال : ( لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك ، وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم ، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين ) ولما وصل الخطاب إلى عمر بكى ، فسأله من حوله : (هل مات أبو عبيدة ؟) فقال : (كأن قد) ، والمعنى : أنه إذا لم يكن قد مات بعد ، وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة ، إذ لا خلاص من الطاعون .
وكان أبو عبيـدة _ رضي الله عنه _ في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند ، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا . ومات أبو عبيـدة _ رضي الله عنه _ سنة 18 ثماني عشرة للهجرة ، في طاعون عمواس ، وقيل أن قبره في غور الأردن .

زياد علي

زياد علي محمد