الاثنين، 9 سبتمبر 2019

قصة طالوت وجالوت وما فيها من عبر

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فتبدأ هذه القصة بذكر ما جرى في بني إسرائيل، وكانوا قد طلبوا من نبيهم القتال، وأن يبعث لهم ملكًا يُقاتلون معه؛ لرفع الظلم الواقع عليهم، وفي ذلك يقول - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: 246].
والملأ: هم الأشراف من الناس كأنهم ممتلئون شرفًا، والملأ في هذه الآية القوم، وتأتي بمعنى حسن الخلق، ومنه الحديث: ((أحسنوا الملأ فكلكم سَيروَى)) [رواه مسلم].
وهذه القصة حدثت بعد وفاة موسى - عليه السلام -، والنَّبيّ الذي سألوه أن يبعث لهم ملكًا هو شمويل بن بال بن علقمة، ويُعرف بابن العجوز، ويُقال فيه شمعون قاله السدي، وإنما قيل: ابن العجوز؛ لأن أمه كانت عجوزًا، فسألت الله الولد وقد كبِرت وعَقَمَت فوهبه الله - تعالى –لها، ويُقال له أيضًا: شمعون؛ لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلامًا فسمته "سمعون"، تقول: سمع الله دعائي، والسين تصير شينًا باللغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب.
وقد أخطأ من ذكر أن النَّبيّ هو يوشع بن نون، فيوشع هو فتى موسى، وهو النبي بعد نبي الله موسى - عليه السلام -، أما مدة داود فهي من بعد موسى بقرون، وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذِلّة وغَلَبةُ عدوّ فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يُؤمروا به، فلما أُمروا تراجع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله، وفي الخبر: أن هؤلاء المذكورين هم الذين أُميتوا ثم أُحيوا والله أعلم.
وهذا يدل على أنَّ الجهاد كان مشروعًا في الأمم السابقة، وقد أمر به الأنبياء السابقون ولم يقتصر على هذه الأمة، وهذا الجهاد لابد وأن يكون في سبيل الله، لا بغية إظهار الشجاعة أو الحمية أو الرياء، وشأن الجهاد في ذلك كشأن بقية الطاعات والقربات، لابد فيه من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110].
فالنية لابد وأن تكون خالصة لله، وإلاَّ فمن أوائل من تسعر بهم النار رجل قاتل حتّى قُتل، يُؤتى به يوم القيامة، ويعرفه الله نعمه فيعرفها ويُسئل ما عملت فيها فيقول: يا رب، قاتلت في سبيلك حتَّى قُتلت، فيُقال له: كذبت، ولكن ليقال عنك أنك شهيد، وقد قيل، ويُؤمر فيُسحب على وجهه في النار، وهذا أحد الثلاثة الذين هم أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة، فالرب - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عملاً عملاً أشرك فيه معه غيره تركه وشركه.
ولا يجوز أن يكون القتال لنشر الديمقراطية أو الاشتراكية أو القومية، أو تحت راية عمية يغضب لعصبة أو ينتصر لها، كما لا يجوز القتال على الملك أو في الفتنة، فالقتال له سبيله وصراطه، ولما رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة في الغزو قال: ((ما كانت هذه لتُقاتل))، فلا يُكتفى في القتال بمجرد الحماسات، بل لابد من إذن الشرع، وهذا المعنى يُشير إليه قوله - تعالى -: (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالأنبياء هم أعرف الخلق بالله، وبما يُقرب من رضوانه، فلابد من متابعة سبيلهم وطريقهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 09].
وكل الطرق مسدودة إلاَّ من طريقه صلوات الله وسلامه عليه، فلما طلب هؤلاء القوم القتال، قال لهم نبيهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) وليس الخبر كالمعاينة، والأماني شيء والوقوف على أرضية الواقع شيء آخر، ولعل النَّبي تخوف من التولي والفرار لما علمه من حالة القوم وضعفهم وسيرتهم قبل ذلك، أو أراد وعظهم وتذكيرهم بحرمة النكوص على العقب إذا حضروا الصف، وكان اللقاء وفُرض الجهاد، فما كان منهم إلاَّ أن (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) أي وأي شيء لنا في ألاَّ نُقاتل في سبيل الله، وعللوا بأنهم أُخرجوا من ديارهم دون وجه حق، وأيضًا بسبب ذراريهم، وكل واحدة من هذه تصلح سببًا للجهاد.
وقد دلت النصوص على مشروعية جهاد الدفع وجهاد الطلب، والطلب بمعنى طلب الكفار في عقر دارهم؛ لدعوتهم ونشر دين الله فيهم، وهذا واجب على الكفاية إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الباقين، أما جهاد الدفع فمعناه دفع الكفار عن ديار المسلمين، وهو فرض عين، يجب على الولد أن يخرج دون استئذان والديه، والمرأة دون استئذان زوجها، والمدين دون استئذان صاحب الدين.
وجهاد الدفع هذا تُقره جميع الشرائع والمؤسسات الدولية، ومن عجيب الأمر أن يُطلق وصف الإرهاب على من يدفع الأعداء عن أرضه وعرضه ودينه!، وفي المقابل نجد الكفار يغزون ديار المسلمين لنشر دينهم وديمقراطيتهم، فهل اتعظ من خيّل عليهم الأعداء، وعاشوا حياة الهزيمة النفسية إذا ذُكرت كلمة الجهاد في سبيل الله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76].
والقتال لا يُطلب لذاته، وإنما الغاية هي رد الحق لنصابه، والقيام لله بحقه، فإن تمّ ذلك بلا قتال فهو المطلوب (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال: 16].
وكم من بلد فُتحت بالقرآن، وكم من بلد فُتحت بالسيف والسنان، ولا حجر على سعة رحمة الله، وأحكام الجهاد كثيرة والآيات بشأنه عديدة، ونحن نترك الواقع يُفسر لنا أي هذه الآيات يُعمل بها، بحيث يتساوى الحكم مع الواقع ونحتاج في ذلك للرجوع لعلماء الأمة المعتبرين (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83].
يقول - تعالى -عن حالة هؤلاء القوم: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) أي أنه لما فُرض عليهم القتال، ورأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأن نفوسهم ربما قد تذهب، اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة؛ تتمنى الحرب أوقات الأنفة والسعة، فإذا حضرت الحرب ركعت وتراجعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا)) [رواه الأئمة]، ثم أخبر الله - تعالى -عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى، واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله - تعالى -.
ومن الملاحظ أن أرباب الدنيا والماديين من الاشتراكيين والديمقراطيين والقوميين والبعثيين.. يغلب عليهم الفرار والتولي، فبيت العنكبوت هو أوهى البيوت، بعكس من غلب على قلبه حب الله والدار الآخرة فهذا هو الذي يثبت عند اللقاء؛ فالمعصية سبب الفشل، والروم تخونهم أجسادهم عند اللقاء رغم أنهم ضخام الأجسام، وهذه حقيقة نطق بها الشرع والواقع، ثم الكثرة ليست عنوانًا للحق دائمًا، بل كثيرًا ما تُذكر في موضع الذم (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: 116] (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: 301] (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: 106].
فاعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه، واسلك طريق الهدى ولا يضرك قلّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، ودين الله ليس دين ديمقراطية ولا أكثرية، فالحق ما وافق الكتاب والسُّنَّة، وأهل السُّنَّة والجماعة من كان على الحق حتى وإن كان وحده، ومع الدواعي والدوافع المشروعة للجهاد وإلحاحهم بذلك إلاَّ أنهم تولوا إلاَّ قليلاً منهم، فالحذر من فتور الهمة، فالفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء، والإقدام والإحجام ينبغي أن يكون وفق الشرع، فلكل عمل شرة، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت شِرّته وفترته إلى السُّنَّة فقد اهتدى، وكان عمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ديمة، وكان يقول: ((أَحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ))، وكان السلف الصالح إذا عملوا عملاً أثبتوه، فإياكم والهوى وطول الأمل كما قال عليٌّ رضي الله عنه، أما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة، وقد حذرنا - سبحانه - من طول الأمد فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16]، فهذا هو شأن الكثرة إذا غلبت عليهم الراحة والدعة وطال عليهم الأمد، فاخشوشنوا فإنّ النعمة لا تدوم، وإياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
تنتقل بنا الآيات إلى المشهد الثاني، وهو إجابتهم إلى ما سألوا (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247].
قال وهب بن منبه: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا، سأل الله - تعالى -أن يبعث إليهم ملكًا ويُدله عليه، فقال الله - تعالى -له: انظر إلى القَرَن الذي فيه الدُهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنشَّ الدهن الذي في القرَن، فهو مَلِك بني إسرائيل فادهنْ رأسه منه وملكه عليهم.
قال: وكان طالوت دبّاغًا فخرج في ابتغاء دابة أضلها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجًا، فنش الدهن على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله - تعالى -بتقديمه.
ثم قال لبني إسرائيل: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)، وكان طالوت من سِبط بنيامين، ولم يكن من سِبط النبوة، ولا من سبط المُلك، وكانت النبوة في بني لاوي، والملك في سبط يهوذا، فلذلك أنكروا وقالوا: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) –أي: كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟!، جَروا على طريقتهم في التعنت مع الأنبياء، والانحراف عن أمر الله - تعالى -، وتعجبوا كيف يكون له الملك، وهم من سِبط الملوك وهو ليس كذلك، هم أغنياء وهو فقير؟، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله - تعالى -وقضاؤه السابق، فالأمر أمره والعبد عبده، والحلال ما أحل، والحرام ما حرّم، والدين ما شرع، وليس للعبد إلاَّ أن يستسلم ويقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنبيهم قد صرح لهم وقال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)، فساروا على درب إبليس عندما اعترض على الأمر المباشر بالسجود لآدم، وكان أول من قاس قياسًا فاسدًا في مواجهة النص، وقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [ص: 76].
لقد تصور القوم أن المُلك حكر عليهم، وأنّ التقديم والتأخير تبعًا للغنى والفقر، و صادموا الوحي بذلك، وهم أهل تعنت؛ فقد صنعوا ذلك من قبل مع نبيّ الله موسى - عليه السلام - عندما أمرهم بذبح بقرة، فأكثروا وشددوا؛ فشدد الله عليهم كما يقول ابن عباس رضي الله عنه: لو أخذوا بقرة فذبحوها لأجزأتهم.
وحرص بني إسرائيل على المال قديم، وتقييمهم الخلق به لم ينتهِ (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)، وهذا الموقف جعل نبيهم يحتج عليهم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاه ٍ) أي: اختاره وهو الحجة القاطعة، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو مِلاك الإنسان، والجسم الذي هو مُعينه في الحرب، وعدّته عند اللقاء، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل، وأجمله، وأتمه، وزيادة الجسم مما يَهيب العدو، وقيل: سُميَ طالوت لطوله.
والواجب على العباد أن ينقادوا لأمر ربهم حتى وإن خفيت الحكمة (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 1-3]، ومع ذلك أوضح لهم نبيهم سبب اختيار طالوت، وبغض النظر عن حرفته وصنعته وغناه وفقره، فهو قد تأهل للملك بالعلم والجسم، والقوة والأمانة لابد منهما في كل ولاية (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 62].
والخلافة والحكم موضوعة لإقامة الدين وسياسة الدنيا به، فإذا توافرت الشروط في غير القُرشي، قدّمناه على القرشي العاري من شروط الإمامة، ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه، ولا يجعل الله عبدًا سارع إليه كعبد أبطأ عنه، ولا يزال العبد يتأخر حتى يؤخره الله.
وقد تضمنت الآيات بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة: بالعلم، والدين، والقوة لا بالنسب، فلا حظَّ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس، وأنها متقدمة عليه؛ لأن الله - تعالى -أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف نسبًا (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)، قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه، فالله هو مالك المُلك وملك الملوك، يُؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعز من يشاء ويُذل من يشاء، فضلاً وعدلاً ولا ظلم بين العباد.
ثم قال على جهة التنبيه من غير سؤال منهم (إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ)، ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) قال ابن عطية: والأول أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبري.
والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم - عليه السلام -، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب - عليه السلام -، فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتّى عَصَوا فغُلبوا على التابوت، غلبهم عليه العمالقة -جالوت وأصحابه- في قول السدي، وسلبوا التابوت منهم.
قال القرطبي -بتصرف يسير-: "وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، وهذا بيِّن.
قال النحاس: والآية في التابوت على ما رُوي أنه كان يسمع فيه أنِينٌ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، وإذا هَدأَ الأنين لم يسيروا، ولم يسِر التابوت، وقيل: كانوا يضعونه في مأزق الحرب، فلا تزال تَغلِب حتى عصوا فغُلبوا وأُخِذ منهم التابوت، وذلَّ أمرهم؛ فلما رأوا آية الاصْطِلام وذهاب الذكر، أنِفَ بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبيّ الوقت: ابعث لنا ملكًا؛ فلما قال لهم: ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم؛ فلما قطعهم بالحجة سألوه البيِّنة على ذلك، في قول الطبريّ. فلما سألوا نبيهم البيّنة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داءٌ بسببه، على خلاف في ذلك، قيل: وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة، وقيل: وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير، فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدّوه إلى رجليه، فأصبحوا وقد قُطعت يدا الصنم ورجلاه، وأُلقيت تحت التابوت؛ فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم، وقيل: جعلوه في مَخْرأة قوم فكانوا يُصيبهم الباسور.
فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا: ما هذا إلاَّ لهذا التابوت! فلنردّه إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين، وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية، ورُوي أن الملائكة جاءت به تحمله، وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فرويَ أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم، قاله الربيع بن خيثم.
وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقال الكلبي: وكان من عود شمسار الذي يتخذ منه الأمشاط، وقرأ زيد بن ثابت (التابوه) وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء، وروي عنه (التيبوت) ذكره النحاس، وقرأ حميد بن قيس (يحمله) بالياء.
قوله - تعالى -: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
قوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ) أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) [التوبة: 40] أي: أنزل عليه ما سكن به قلبه، وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفرّوا من التابوت إذا كان معهم في الحرب، وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم، وقال عليّ بن أبي طالب: هي ريح هَفّافة لها وجهٌ كوجه الإنسان، وروي عنه أنه قال: هي ريح خَجُوج لها رأسان، وقال مجاهد: حيوان كالهِرّ له جناحان وذَنَب ولِعَيْنَيْه شُعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال ابن عباس: طَسْت من ذهب من الجنة، كان يُغسل فيه قلوب الأنبياء، وقاله السديَّ. وقال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به وتقْوَى.
قلت: وفي صحيح مسلم عن البَرَاء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن، فتغشّته سحابةٌ فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسُه ينفِر منها، فلما أصبح أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ((تلك السَّكينة تنزّلت للقرآن))، وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أُسَيد بن الحُضَير بينما هو ليلة يقرأ في مِربَده الحديث... وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأتَ لأصبحتْ يراها الناس ما تستتر منهم)) [خرجه البخاري ومسلم]، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدلّ على أنّ السكينة كانت في تلك الظُّلة، وأنها تنزل أبدًا مع الملائكة، وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلاَّ لمن يعقل، والله أعلم.
قوله - تعالى -: (وَبَقِيَّةٌ) قيل: عصا موسى وعصا هارون ورُضَاض الألواح؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس.
زاد عِكرمة: التوراة.
وقال أبو صالح: البقية عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة.
وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورُضاض الألواح.
وقال الثوريَّ: من الناس من يقول البقية قفيزا مَنٍّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون ورضاض الألواح.
ومنهم من يقول: العصا والنعلان، ومعنى هذا ما رويَ من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العِجْل، ألقى الألواح غضبًا فتكسّرت، فنزع منها ما كان صحيحًا وأخذ رُضَاض ما تكسر فجعله في التابوت.
وقال الضحاك: البقية: الجهاد وقتال الأعداء.
قال ابن عطية: أي الأمر بذلك في التابوت، إمّا أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأُسند الترك إلى آل موسى وآل هارون من حيث كان الأمر مندرجًا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون، وآل الرجل قرابته.
قوله - تعالى -: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قوله - تعالى -: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُود) (فَصَلَ) معناه: خرج بهم، قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت قالوا له: إن المياه لا تحملنا فادعُ الله أن يُجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: إنَّ الله مُبتليكم بنهر، وكان عدد الجنود - في قول السديّ - ثمانين ألفًا، وقال وهب: لم يتخلف عنه إلاَّ ذو عذر من صغر، أو كبر، أو مرض، والابتلاء الاختبار.
والنَّهَر والنّهْر لغتان، واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدَّم، قال قتادة: النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين.
ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِمَ أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فعصيانه في الشدائد أحرى، فرُوي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، فلذلك رُخِّص للمطيعين في الغَرْفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليَكْسِروا نزاع النفس في هذه الحال، وبين أن الغَرْفة ليرتفع عنهم أذى العطش عند الحَزَمة الصابرين على شَظَف العَيْش الذين هَمُّهم في غير الرفاهية، كما قال عروة:
وأحْســوا قَـرَاح المــاءِ والمـاءُ بــاردُ
قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((حسْب المرء لُقيْمات يُقِمْن صلبه)).
الثانية: استدلّ من قال أن طالوت كان نبيًا بقوله: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)، وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، ومن قال لم يكن نبيًا قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوتُ قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء؛ ليتميّز الصادق من الكاذب، وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حُذافة السَّهْمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم.
الثالثة: قوله - تعالى -: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) (شَرِبَ) قيل معناه: كَرَع، ومعنى (فَلَيْسَ مِنِّي) أي: ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، قال السدّي: كانوا ثمانين ألفًا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمُجِدّ والكسلان، وفي الحديث: ((من غشنا فليس منّا)) أي: ليس من أصحابنا، ولا على طريقتنا وهَدْينا، وهذا كثير في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست مِنِّي.
الرابعة: قوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) يُقال: طعِمت الشيء أي: ذقته، وأطعمته الماء أي: أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه؛ لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئًا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عِبرة بقدح من يقول: لا يُقال طعمت الماء.
الخامسة: استدلّ علماؤنا بهذا على القول بسدّ الذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم؛ ولهذه المبالغة لم يأتِ الكلام "ومن لم يشرب منه".
السادسة: لما قال - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) دلَّ على أن الماء طعام وإذا كان طعامًا كان قوتًا لبقائه، واقتيات الأبدان به، فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي: وهو الصحيح من المذهب.
قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ببيع الماء على الشَّطّ بالماء متفاضلاً وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بن الحسن: هو مما يُكال ويُوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن، وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء متفاضلاً ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولاً جنسًا.
السابعة: قال ابن العربيّ: قال أبو حنيفة: من قال: إن شرِب عبدي فلان من الفُرَات فهو حُرّ فلا يعتق إلاَّ أن يكْرَع فيه -والكرع أن يشرب الرجل بفِيه من النهر-، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق؛ لأن الله - سبحانه - فرَّق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد، قال: وهذا فاسد؛ لأن شرب الماء يطلق على هيئة وصفة في لسان العرب من غَرْفٍ باليد أو كَرْع بالفم انطلاقًا واحدًا، فإذا وُجِدَ الشّرب المحلوفُ عليه لغة وحقيقة حَنَث، فاعلمه.
قلت: قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرَّقوا بينهما كما فرَّق الكتاب والسُّنَّة، قال الجوهري وغيره: وكَرَع في الماء كُروعًا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لُغة أخرى: كرِع بكسر الراء يكرع كَرَعًا، والكَرَع: ماء السماء يكرع فيه.
وأما السنَّة: فذكر ابن ماجه في سننه: عن ابن عمر قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَكْرَعوا، ولكن اغسلوا أيديكم، ثم اشربوا فيها؛ فإنه ليس إناء أطيب من اليد))، وهذا نص، وليث بن أبي سليم خرَّج له مسلم وقد ضُعِّف.
الثامنة: قوله - تعالى -: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرَفة، والغَرْف مثل الاغتراف، وقُرئ: (غَرْفة) بفتح الغين، والغَرْفة المرة الواحدة، وقرئ: (غُرْفَة) بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ، وقال بعض المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرفة بالكفّين.
وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد، وقال عليّ رضي الله عنه: الأكُفّ أنْظَفُ الآنية، ومنه قول الحسن:
لا يَدلِفون إلى ماء بآنية إلاَّ اغترافًا من الغُدران بالراح
الدليف: المشي الرويد.
قلت: ومن أراد الحلال الصِّرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب؛ فليشرب بكفّيْه الماء من العيون، والأنهار المسخّرة بالجَرَيَان آناء الليل وآناء النهار، مُبتغيًا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار، واللُّحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع؛ كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى ابن مريم - عليهما السلام - إذا طرح القدح فقال: أفّ هذا مع الدنيا)) [خرّجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكَرْع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: ((لا يلِغ أحدكم كما يلِغ الكلب، ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخِط الله عليهم، ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلاَّ أن يكون إناء مُخَمَّرًا، ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء...)) الحديث، وفي إسناده بَقيَّة بن الوليد، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو زرعة: إذا حدَّث بَقِيَّة عن الثقات فهو ثقة.
التاسعة: قوله - تعالى -: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) قال ابن عباس: شرِبوا على قدر يقينهم، فشريِبَ الكفار شرب الهيم، وشرِبَ العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا، وبقيَ بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما من شرب فلم يَرْوَ، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسُنت حاله وكان أجْلَد ممن أخذ الغُرفة.
العاشرة: قوله - تعالى -: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ) الهاء تعود على النهر، قال ابن عباس والسديّ: جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مئة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون؛ فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله - تعالى -عند ذلك وهم عدَّة أهل بدر: (كّم مٌَن فٌئّةُ قّلٌيلّةُ غّلّبّتً فٌئّةْ كّثٌيرّةْ بٌإذًنٌ اللهٌ)، وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدوّ مع كثرتهم! فقال أُولو العَزْم منهم: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، قال البراء بن عازِب: كنّا نتحدّث أن عدّة أهل بدر كعدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلاً - وما جاز معه إلاَّ مؤمن.
الحادية عشرة: قوله - تعالى -: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) والظن: هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شَكّاً لا علمًا -أي قال الذين يتوهّمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل-.
قوله - تعالى -: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) الفئة: الجماعة من الناس والقطعة منهم؛ من فأوْتُ رأسه بالسيف وفأيته أي: قطعته، وفي قولهم: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ...) الآية، تحريض على القتال، واستشعارٌ للصبر، واقتداءٌ بمن صدَّق ربه.
قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منّا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا!، وفي البخاري: قال أبو الدرداء: "إنما تقاتلون بأعمالكم"، وفيه أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((هل تُرزقون وتُنصرون إلاَّ بضعفائكم))، فالأعمال فاسدة، والضعفاء مُهْمَلون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة! قال الله - تعالى -: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) [آل عمران: 200]، وقال: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) [المائدة: 23]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]، وقال: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) [الحج: 40] وقال: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال: 45].
فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا!، بل لم يبق من الإسلام إلاَّ ذكره، ولا من الدِّين إلاّ رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطغيان، وقلّة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقًا وغربًا برًا وبحرًا، وعَمَّت الفتن، وعظُمت المحَن، ولا عاصم إلاَّ من رحم!.
قوله - تعالى -: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
(بَرَزُوا) صاروا في البَرَاز وهو: الأفيح من الأرض المتسع، وكان جالوت أمير العمالقة وملِكهم، ظلُّه مِيل، ويُقال: إن البربر من نسله، وكان فيما رويَ في ثلاثمائة ألف فارس، وقال عكرمة: في تسعين ألفًا، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوّهم تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) [آل عمران: 146] إلى قوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) [آل عمران: 147]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقِيَ العدو يقول في القتال: ((اللهم بك أصول وأجول))، وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقيَ العدوّ: ((اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم))، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجِز الله وعده.
قوله - تعالى -: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).
قوله - تعالى -: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فأنزل الله عليهم النصر، (فَهَزَمُوهُمْ) فكسروهم، والهزم: الكسر، ومنه سِقاء مُتهَزِّم، أي: انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هَزْمَةُ جبريل، أي: هزمها جبريل برجله، فخرج الماء، والهزم: ما تكسّر من يابس الحطب.
قوله - تعالى -: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلاً قصيرًا مِسقامًا مِصفارًا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده، وهو داود بن إيشي - بكسر الهمزة، ويقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوّة والملك بعد أن كان راعيًا، وكان أصغر إخوته، وكان يرعى غنمًا، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبنّ إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مرَّ بحجر فناداه: يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حَجَر آخر، ثم آخر، فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزًا، فكعَّ الناس عنه، حتى قال طالوت: من يَبْرُز إليه ويقتله، فأنا أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي؛ فجاء داود - عليه السلام - فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سِنّه وقصره فردّه، و كان داود أزرق قصيرًا.
ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له: هل جرّبت نفسك بشيء؟ قال: نعم؛ قال: بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي، فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده، قال طالوت: الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتهما؛ أفترى هذا أشدّ من الأسد؟ قال: لا؛ وكان عند طالوت دِرْعٌ لا تستوي إلاَّ على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه، فاستوت؛ فقال طالوت: فاركب فرسي وخذْ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلاً رجع فقال الناس: جَبُنَ الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي، ويُعِنِّي عليه، لم ينفعني هذا الفرس، ولا هذا السلاح، ولكنِّي أحب أن أقاتله على عادتي.
قال: وكان داود من أَرْمى الناس بالمِقلاع، فنزل وأخذ مِخْلاته فتقلّدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ في سلاحه، على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره؛ فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إليّ!، قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمنّ لحمك اليوم للطّير والسِّباع، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافًا به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فرُوي أنها التأَمَتْ فصارت حجرًا واحدًا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله، وأداره ورماه، فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحزّ رأسه وجعله في مِخلاته، واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة.
وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم، وقيل: إن الحجر تفتّت حتّى أصاب كل من في العسكر شيء منه، وكان كالقَبْضة التي رمَى بها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم هَوَازن يوم حُنَيْن، والله أعلم، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود.
قلت: وفي قول طالوت: "من يبرز له ويقتله، فإني أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي"، معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا، وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الإمام كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما، واختلف فيه عن الأوزاعي فحكيَ عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلاَّ بإذن إمامه، وحكي عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهي الإمام عن البَرَاز فلا يبارز أحد إلاَّ بإذنه، وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه هذا قول مالك، سُئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟، فقال: ذلك إلى نيّته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألاَّ يكون به بأس، قد كان يُفعَل ذلك فيما مضى، وقال الشافعيّ: لا بأس بالمبارزة، قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه؛ لأني لا أعلم خبرًا يمنع منه.
(وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) قال السدي: أتاه الله ملك طالوت ونبوّة شمعون، والذي علَّمه هو صنعة الدروع، ومنطق الطير، وغير ذلك من أنواع ما علمه، وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفَلَك، ورأسها عند صومعة داود؛ فكان لا يحدث في الهواء حدث إلاَّ صلصلت السلسلة، فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلاَّ برئ؛ وكانت علامة دخول قومه في الدِّين أن يمسوها بأيديهم، ثم يمسحون أكفّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود - عليه السلام - إلى أن رُفعت.
قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) كذا قراءة الجماعة إلاَّ نافعًا فإنه قرأ (دِفَاعُ).
قال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين؛ لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين، وخرَّبوا البلاد والمساجد، وقال سفيان الثوريّ: هم الشهود الذين تُستخرج بهم الحقوق، وحكى مكيّ أن أكثر المفسرين على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمن لا يصلِّي، وبمن يتقي عمَّن لا يتقي؛ لأهلك الناس بذنوبهم.
قال الثعلبي وقال سائر المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار؛ لفسدت الأرض –أي: هلكت-، وذكر حديثًا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يدفع العذاب بمن يصلِّي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكِّي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمّن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين -ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم – (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، وعن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله ملائكة تنادي كل يوم: لولا عباد رُكّعٌ، وأطفال رُضّع، وبهائم رُتّع لصبَّ عليكم العذاب صبًا)) خرّجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض، وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا فيكم رجال خُشّع، وبهائم رُتَّع، وصبيان رضّع لصبّ العذاب على المؤمنين صبًا)) أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
لــولا عـبــادٌ لـلإلــه رُكّــع
وصِبيَـة مــن اليتـامى رُضّـــع
ومُهمــلات في الـفـــلاة رُتـــع
صــُبَّ عـلـيـكم الـعذاب الأوْجـع
وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم))، وقال قتادة: يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن.
وقال ابن عمر: قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مئة من أهل بيته وجيرانه البلاء)) ثم قرأ ابن عمر (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألسِنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس، وتناهبوا، وهلكوا، وهذا قول حسن؛ فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمّله.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) بيّن - سبحانه - أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضلٌ منه ونعمة.
وخُتمت القصة بقوله - تعالى -: (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، نبّه الله - تعالى -نبيّه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلاَّ نبيّ مرسل.
لقد ذُكرت قصة طالوت وجالوت في التحريض على القتال، وذُكرت قبل قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، وهذا القصص كله للتوطئة بين يدي الأمر بالقتال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244]. ولما أمر الله - تعالى -بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شيء من الشريعة إلاَّ ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام، كما قال مالك: حرَّض على الإنفاق في ذلك (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245].
والجهاد يتم بالنفس والمال، وقد جهّز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة بماله رجاء الثواب، والنفس إلى موت، والمال إلى فوت، فكيف يبخل العبد بما يُسلب منه رغم أنفه، والله هو المالك للنفس، والمال على الحقيقة، ولن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، وأحسنوا المسير إلى ربكم، واعلموا أنه لا ينفع حذر من قدر، فهؤلاء الذين خافوا الموت بالقتل في الجهاد وخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد؛ ليَروا هم وكل من خَلَف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله - تعالى -لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر، وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، هذا قول الطبري.
وهكذا تناسبت الآيات وارتبط القصص بعضه ببعض، وكل ذلك كان بمثابة العظة والعبرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولكل من جاء بعدهم، فهذه الأمة تنتصر بالطاعة وتهزم بالمعصية، وما ترك قوم الجهاد إلاَّ ذلوا، ومن تخاذل وجَبُن فلن يضر إلاَّ نفسه، ولن يضر الله شيئًا، فشتان بين من يموت حتف أنفه على سريره كما تموت العير، وبين من يموت مجاهدًا في سبيل الله، فلا نامت أعين الجبناء (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]، هؤلاء الرجال لا ترهبهم صولة الباطل ولا عنفوان الكفر (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، وما النصر إلاَّ من عند الله، فوثقوا صلتكم به - سبحانه -، فمن كان الله معه فمن عليه، معه الفئة التي لا تُغلب والحارس الذي لا يضل، والهادي الذي لا ينام، نصبر لهم كما يصبرون لنا، والشجاعة صبر ساعة، وأن النصر مع الصبر، والأيام دول، وكما انتصر طالوت على جالوت، وانتصر المسلمون بنفس العدد على المشركين، كذلك ينصركم - سبحانه - -إن تشبهتم بمن مضى بإحسان- على جحافل التتار الجدد الذي خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، يُحاربون الله ورسوله، ولا طاقة لأحد بحربه - سبحانه – (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]، (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [سورة يوسف:21].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الشيخ عبد المجيد سليم




يحفل تاريخ مصر بكوكبة من العلماء الذين عرفوا بمواقفهم الصريحة القاطعة ودفاعهم المخلص والمستميت عن الدين، والتصدي بكل حزم لأي مساس بالشريعة الإسلامية، ومن هؤلاء العلماء الاجلاء فضيلة الإمام الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم وهو واحد من أهم الأئمة الذين شرفوا بتولي مشيخة الأزهر وشرفت بهم.

وكان للإمام عبد المجيد سليم بصماته التي لا تنسى في خدمة الإسلام والمسلمين، حيث كا يعمل مدرسًا بالمعاهد الدينية ومدرسة القضاء الشرعي، ويمتاز بغزارة العلم ومداومة البحث والإطلاع وبراعة الأداء، وقاضيًا شرعيًا يمتاز بدقة البحث وتحري الحق. ومفتيًا لمصر يستقصي البحث في موضوع الفتوى، لا يكتفي برأيه هو، وإنما يحرص على ذكر آراء الفقهاء، ويرجح بينها ويستنبط منها ما يراه صحيحًا، ثم يدعم رأيه بالأدلة العقلية والبراهين النقلية

ولد الإمام الشيخ في 13 أكتوبر سنة 1882م في قرية ميت شهالة بمحافظة المنوفية، تعلم مبادئ القراءة والحساب بكتاب القرية، ثم التحق بالأزهر، وحصل على الشهادة العالمية من الدرجة الأولي عام 1908

تأثر الإمام الشيخ عبد المجيد سليم بالشيخ حسن الطويل وعرف منه أساليب عديدة في فنون الجدل والقياس، وكان الشيخ يرعاه ويوجهه ويرشده، وقد تنبأ له أن يصبح شيخًا للأزهر، كما درس الشيخ عبد المجيد سليم الفقه على العالم الجليل الشيخ أحمد أبي خطوة.

وكان فضيلته يحضر دروس الإمام محمد عبده في الرواق العباسي وظل مواظبًا على حضورها على مدى خمس سنوات، تلقي خلالها عنه أسرار البلاغة، كما تلقي عنه دروسًا في تفسير القرآن الكريم والمنطق والفلسفة.

وكان تأثير الإمام محمد عبده والشيخ أبي خطوة قويًا واضحًا في فتاوي الإمام عبد المجيد سليم وأرائه، مع التحرر المطلق من التقيد برأي معين أو مذهب خاص.

اشتغل الشيخ بالتدريس في المعاهد الدينية ومدرسة القضاء الشرعي، حيث كان يدرس للطلاب مادتي الفقه وأصوله، ثم ولي القضاء قبل أن يصبح مفتيًا للبلاد، وفاز بعضوية جماعة كبار العلماء، ثم أصبح وكيلًا لها، قبل أن يعهد إليه بالإشراف على الدراسات العليا بالأزهر ورئاسة لجنة الفتوى.

في 2 من ذي الحجة 1346هـ الموافق 22 مايو 1928م عين مفتيا للديار المصرية، وقضى الشيخ عبد المجيد سليم في منصب المفتي قرابة عشرين عامًا، وهي أكبر مدة قضاها عالم من علمائنا في منصب المفتي، وقد كان تمسكه بالحق ودقته في الفتوى وراء هذه الفترة الطويلة في المنصب، وبلغ إجمالي القضايا التي أفتي فيها 15792 فتوى، وهي ثروة فقهية عالية القيمة.

وشجاعة الشيخ عبد المجيد في فتواه، لم تكن وليدة شغله منصب الإفتاء، وإنما كانت جزءًا من شخصيته، حتى وهو طالب في المعاهد الأزهرية، ثم وهو قاض شرعي بعد تخرجه من مدرسة القضاء الشرعي.

وفي السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 1369هـ المواقف 8 أكتوبر عام 1950م صدر قرار تعيينه شيخًا للأزهر، حيث كان الإمام الثالث والثلاثين في تاريخ الأزهر.

وأثناء توليه مشيخة الأزهر عمل فضيلة الإمام على إصلاح مناهج التدريس بهذه الجامعة العريقة، فقد كان يري أن مهمة الأزهر تشمل تعليم أبناء الأمة الإسلامية دينهم ولغتهم بما يؤهلهم ليكونوا حملة شريعة الإسلام وأئمة الدين واللغة. وحُفاظًا حراسًا لكتاب الله وسنة رسوله - صلي الله عليه وسلم، وعمل على تشجيع حركة التأليف والتجديد عن طريق الجوائز العلمية ، وعمل على توجيه العلماء إلى وضع بحوث في الفقه والتشريع تساير الروح العلمية الحاضرة.

واشتمل منهجه الإصلاحي أيضًا على إعداد جيل قوي من أبناء الأزهر يستطيع أن يحمل الرسالة، إضافة إلى مراجعة الكتب الدراسية، وإبقاء الصالح منها ، وتشجيع حركة البعوث العلمية إلى جامعات أوروبا للتزود من شتي العلوم والمعرفة.

وتنظيم الجامعة الأزهرية تنظيمًا يتفق مع رسالتها، ويساعدها على أدائها، الى جانب أداء رسالتها الإسلامية، وذلك بإنشاء مكتبة كبرى ودار طباعة حديثة، تخرج مؤلفات باللغة الأجنبية والعربية للرد على مزاعم المبشرين، وتفسير القرآن إلى اللغات الأجنبية.

وكان دائمًا ينصح طلاب الأزهر قائلًا لهم: نصيحتي لكم أن تعلموا أنكم مجندون في سبيل الله، فاقبلوا على دراستكم، وتجملوا بالفضيلة بينكم وبين الناس، لتحقيق آمال آلالاف فيكم، وإعلاء كلمة الدين والعلم بكم .

مواقف جريئة للشيخ عبد المجيد سليم:
ومن قضائه الشجاع قضية وقف كان ناظره الملك فؤاد ملك مصر، وقد رفعت القضية لإقصاء الملك عن هذه النظارة للوقف، وقال المدعي في دعواه:

إنه لا يجوز للملك أن ينظر وقفًا بشخصه؛ لأنه صاحب وضع دستوري لا يجيز له القيام بأعمال مثل نظارة الوقف، فهو يدير أملاكه بنفسه أو بأجهزته الخاصة الملكية، أما كونه ناظرًا للوقف فهذا يجعله محل المساءلة إذا أخطأ، والوقف تتعلق به حقوق خيرية كثيرة، منها ما يصيب الأشخاص، ومنها ما يصيب الهيئات، وكل صاحب حق له وجهة نظره في قدر ما يؤدي إليه ريع الوقف، فإذا وجد خطأ كان من واجبه أن يشير إليه وأن يقتضيه، وهذا يجعل موقف الملك حرجًا، فإما أن تضيع حقوق الموقوف عليهم، وإما أن تضيع هيبة ولي الأمر.

وعلى الناحية الأخرى من الدعوى كان محامي الملك فؤاد يدافع عن نظارة الملك للوقف، ويطالب برفض الدعوى، لكن القضية ينظرها قاض شجاع، لا يتحرج من الحكم بالحق، فقضى بعزل الملك فؤاد عن نظارة الوقف، وتم تنفيذ الحكم.

وبرغم هذا الحكم الشجاع، فإن الملك فؤاد عندما عُرض عليه تعيين الشيخ سليم في منصب الإفتاء وافق على الفور، ولم يحاول الانتقام منه، وإنما أصدر المرسوم الملكي بالتعيين، وبالرغم من أنه لم يكن عضوًا في المحكمة الشرعية العليا، وكان التقليد أن يُختار المفتي من بين أعضائها، إن لم يكن رئيسها.

وفي منصب الإفتاء واجه الشيخ تحديًا آخر، ولكن ضد الملك فاروق، الذي تولى الملك بعد وفاة أبيه الملك فؤاد.
فقد وصل إلى الشيخ سؤال من إحدى المجلات عن مدى شرعية إقامة الحفلات الراقصة في قصور الكبار، وقد حمل رسالة المجلة إليه أحد أمناء الفتوى في دار الإفتاء، ولفت نظره إلى أن المجلة التي طلبت الفتوى من المجلات المعارضة للملك، وأن الملك قد أقام حفلاً راقصًا في قصر عابدين، فالفتوى إذن سياسية، وليس مقصودًا بها بيان الحكم الديني ولكن للمجلة هدف آخر وهو الوقيعة بينه وبين الملك، إلى جانب التعريض بالتصرف الملكي وصولاً إلى هدف سياسي.

فقال فضيلته: وماذا في ذلك؟ إنَّ المفتي إذا سُئل لابد أن يجيب ما دام يعلم الحكم، فإن لم يكن يعلمه بحث عنه بوسائله المتاحة من اطلاع على القرآن والسنة، وعلى كتب الأقدمية، وبواسطة جهاز الأمناء في دار الإفتاء، فإذا أعجزته الوسائل قال لا أدري.

وأصدر المفتي فتواه بحرمة هذه الحفلات، ونشرت المجلة الفتوى مؤيدة بالأدلة الشرعية، وحدثت الأزمة بين الملك والمفتي

وبعد أن عُين الشيخ عبد المجيد سليم شيخًا للأزهر، ضغطت الحكومة ميزانية الأزهر، ثار الإمام الأكبر ثورة عارمة، وقال عبارته المشهورة: "قصد هنا - تقتير - وإسراف هناك"، وكان الملك وقتها يقضي عطلة الصيف باستراحته في كابري بإيطاليا، وعندما علم بما قاله الشيخ عبد المجيد سليم غضب، وأمر بعزل شيخ الأزهر من منصبه في سبتمبر سنة 1951م. ثم أعيد إليه مرة أخرى في فبراير 1952م. ولكنه استقال من المنصب في سبتمبر 1952م.

مؤلفات الشيخ عبدالمجيد سليم ومصنفاته
ولقد كتب عن الشيخ عبد المجيد سليم كبارُ العلماء والأدباء والمفكِّرين، يثنون على علمه وجرأته، ولم يترك الشيخ عبدالمجيد سليم ثروة علمية في مؤلفات مكتوبة، بل ودع علمه صدور طلابه، كما فعل بعض الأئمَّة السابقين، فكان علمه من السعة بمكانٍ من مقالات ومحاضرات والفتاوى التي جاوزت الخمس عشرة ألفًا.

ومن أعماله التي لا تُنسى محاولةُ التقريب بين المذاهب، فقد كان على قناعة بأنَّ تعاون المسلمين وتضامُنهم هو السبيل إلى قهر أعدائهم، ونشير إلى بعض أسماء المقالات التي ذكرها ونشرتها الصحف:

- "أيها المسلمون.. ثقوا بأنفسكم"، في هذا المقال صوَّر عيبًا متفشيًا في الدول الإسلاميَّة، وهو ضعف ثقتهم بأنفسهم، ومغالاتهم في تقديس الغربيين، والمقال طويل.

- "خواطر حول التعصُّب ومجاراة الفكر الغربي"، والبحث يُعالج مشكلة كبيرة وخطيرة، وأخطاء الباحثين في هذه المشكلة.

- "القطعيات والظنيات"، وضَّح فيه معالم الاجتهاد في الدراسات الدينيَّة، وهذا البحث يدلُّ دلالةً قاطعة على طول باع الرجل في علوم الفقه وأصوله، والمنطق، وأهمية الاجتهاد، والاعتماد على الدليل والحجة والبرهان.

- "جماعة التقريب" بيَّن فيه أنَّ الإسلام هو دِين الوحدة، ويصبحُ المسلمون في ظلِّها كالبنيان المرصوص، وحريَّة الفكر في الإسلام مكفولة ما دامت لا تعارضُ أساسًا أو ركنًا من أركان العقيدة، كما أصدرت "جماعة التقريب" مجلة "رسالة الإسلام" ولقد كان الشيخ عبدالمجيد سليم لسان هذه الجماعة كما ذكرنا في ذلك سابقًا، وأهم ما تركه الشيخ الإمام من آثار علميَّة هي فتاوى، وقد ذكر بعض الباحثين أنها تبلغ خمس عشرة ألف فتوى كما ذكر، وهي ثروة فقهيَّة يجبُ نشرها؛ لينتفع بها علماء المسلمين، ولقد فكَّر المسؤولون في نشرها، وعهدوا إلى الشيخ فرج السنهوري للقيام بهذا، وقامت عقبات حالت دون تنفيذ المشروع، ولعلَّ أحد الباحثين من علماء الأزهر يتفرَّغ لكتابة "رسالة دكتوراه في فتاوى الإمام"، كما أنَّ الشيخ نشر كثيرًا من آرائه ودراساته في الصحف والمجلات، بخاصَّة مجلة "رسالة الإسلام"، وهي لسان حال "جماعة التقريب"، ولقد ورد في كتاب "الأزهر في اثني عشر عامًا" أنَّ الأستاذ الإمام كانت له مراسلات علمية عديدة دارت بينه وبين كبار علماء المسلمين في شتَّى أنحاء العالم، كما ورد أنَّ له مؤلفات ما زالت محفوظة.

وفاة الشيخ عبدالمجيد سليم
كان الشيخ عبدالمجيد سليم مع تواضُعه الجمِّ يعتزُّ بكرامته اعتزازًا كبيرًا، وكان يجهرُ بكلمة الحق، ولا يُبالي بما يترتَّب على ذلك من آثار، وقبل وفاته كانت الخلافات الحزبية قد اتَّسع خطرها، وأصبحت شرًّا وبيلاً في تمزيق الأمَّة المصريَّة شرَّ ممزَّق، هذا إلى جانب ألوان الفساد التي بثَّها الاستعمار وزعماء الطغيان والاستبداد من حاشية الملك ومَن حوله، وتسلَّلت شرور الحزبيَّة إلى الأزهر الشريف؛ فقاوَمَها الإمام مقاومةً عنيفة ولقد لقي إزاء ذلك عنتًا وتعنُّتًا شديدًا، وتعرَّض لحملات مسعورة، شنَّها عليه أعوان القصر وأتباع الأحزاب، لكنَّه صمد أمامها كالطود الشامخ، وأبى أنْ يُهادن أو يَلين، وكثُرت عليه الهموم، فهاجمه المرض، ومع هذا قدَّم استقالته بكلِّ شجاعةٍ في سبيل كلمة الحق، ولقد حاولت الحكومة إرجاعَه عن هذه الاستقالة لكنَّه أصرَّ على موقفه كما ذكر، حتى وافاه أجلُه في صباح يوم الخميس السابع من شهر أكتوبر سنة 1954م، وشُيِّعَت جنازته في اليوم التالي.

فارس للميدان يا فارس الميدان

صلاح الدين الأيوبى أشهر من نار على علم أذاق الفرنج – وغيرهم- حسرة ومرارة عبر عنها أحد قادتهم حين وقف على قبره فى عشرينيات القرن الماضى قائلا هانحن قد عدنا يا صلاح الدين، ولد صلاح الدين سنة 532هـ بتكريت في العراق ونشأ وتعلم العلم بدمشق والقاهرة، وصلاح الدين هو فارس موقعة حطين الذى استعاد بفضلها بيت المقدس بعد إذ سقط أسيراً في يد الصليبيين لأكثر من تسعين عاماً، وصلاح الدين هو فارس الميدان حتى الآن بلا منازع، وفى دراسة سيرته ملامح مهمة منها أن صخرة أعداء الأمة تتحطم على بوابة مصر، وقد تأكد ذلك عبر سيف الدين قطز، وفى سيرته ملمح آخر شديد الأهمية وهو أن التغيير لا محالة قادم ولكن بقوانين لا تعرف المحاباة ولا الاستثناء، وَلَتغيير واضح مرن واع خير من هياج وصراخ لا ثمرة له... نفهم ذلك حين وحّد صفوفه وأحيا تراث أمته وأمّن جبهته الداخلية ضد خصوم الأمة وأغبيائها الذين ينعقون بما لا يعرفون.

اختزال معيب

ورغم ذلك فإني أقول إن أمتنا الإسلامية ليست فى حاجة إلى اختزال قادتها فى أمثال صلاح الدين فلله فضل أن جعل هذه الأمة ولادة للمجاهدين والمخلصين وما أبطال فلسطين عنا ببعيد، فضلا عن أن كل زمان لمن فيه... فصلاح الدين ابن زمنه كما أحمد ياسين ابن زمنه.

صحيح أنه كلما ازدادت أوضاعنا المقلوبة هذى سوء، وكلما استغرق الناس فى الشعور بالإحباط، وكلما ازداد شعور الناس بالعجز بسبب بطش الحكام وسطوة الفساد، وتعالى أهل الباطل، ومحاصرة أهل الحق من كل جانب...كلما حدث ذلك كلما استغرق الناس فى البحث عن مخلص، عن منقذ، عن رجل كصلاح الدين رمز التغيير، ولكن لمَ لمْ يفكر أحدنا أن يكون هو صلاح الدين أو أن يكون هو ذلك المنقذ أو ذلك المخلص أو على أحسن تقدير أن يربى فى أبنائه تلك النزعة إن هو عجز عنها أو أن يفعل ما ينبغي عليه فعله كجندي بله كقائد!!

انتظار بلا صناعة مضيعة للوقت

إن الأمم التى تنتظر قادة مخلّصين ولا تصنعهم أمة بعيدة عن النصر، والأمم التى تنتظر تغييرا فوقيا دون أن تصنعه من قاعدة الهرم السكاني لا يرجى لها نصر أو نهضة، والأمم التى تنتظر صلاح الدين كفرد واحد دون استنبات جيد للقادة أمة لا تستقيم لها نهضة ولا يرجى لها سوى استمرار الكسل.

لكن حين تبنى الأمم أفرادها ليكونوا أبطالا بمجموعهم وليكون كل فرد فيهم بطلا رغم أنفه وحين تزكى فيه موروثاتنا الطيبة والجيدة روح البطولة والجهاد والحركة فإن الأمل معقود على هذا الجيل...أما إذا جفت منابع استنبات القادة، وإذا عدمت أمتنا صنع رجال يقودون العمل بتناغم واقتدار، فإن أمتنا على خطر عظيم.

خطوط عريضة

عوامل التمكين – وهى غير عوامل النصر بداهة – وصناعة النهضة تحتاجان إلى أناس قادرين يستمدون قدرتهم من خيريتهم وأقصد بها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفعل الخيرات بمعنى شمولى تقتضيه مهمة النهضة والبناء يقول تعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج 41، ولا تستقيم سنة تمكين بلا قادة فاقهين.

وهذه وسائل -عند التحقيق- تنهض بها الأمم بله تُسقط به استبداد الطغاة،" ولا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض" بيد أن هذه الوسائل لا يفقهها العجزة الذين استلب الغرب همتهم لكن يعيها رجال اعتصموا بدين ربهم، واستنهضوا أنفسهم بقوة ما يحملونه من نور الوحى " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور".

ما زلنا نرجو أن نجتمع – كأمة- على هدف واحد وإن اختلفنا فى الفروع، وليكن صناعة القادة مثلا، ولذلك آليات ووسائل يرجى الحديث عنها لاحقا، كما نرجو أن نقرأ التاريخ بصورة جديدة تدعونا لأن نستخلص منه قوانين السير فى التاريخ وقواعد للتعامل مع الغرب الصليبى بهدوء وبدون تشنج وفى يقينى أن وسيلة خلت من الله لن يكتب لها النجاح.

وسيلة خلت من الله لن يكتب لها النجاح

لقد راقبت عن كثب : من الذى رفع راية مقاومة أعداء الأمة عبر التاريخ حتى الآن فوجدت أنهم المجاهدون الذين رفعوا راية الله أكبر...وسلوا عن الحروب الصليبية وصلاح الدين وطفوا بالتتار وقطز، واعرجوا على فلسطين وحماس والجهاد، وفى نموذجى الشيشان وأفغانستان إبان الغزو الروسى نماذج واضحة للعيان، وما كوسوفا والبوسنة والهرسك عنا ببعيد.

فمعظم المقاومة فى بلاد المسلمين التى تتعرض لاحتلال واغتصاب- يغض الطرف عن الحديث فيه أغبياء الطابور الخامس- ترجع إلى المقاومة بصبغتها الإسلامية... فمثلا : فلسطين، جنوب لبنان، الشيشان، البوسنة والهرسك، كشمير، إرتيريا، هذى نماذج واضحة للعيان فالإسلام يعد أكبر حافز لتعبئة الجماهير ولعله وحده تاريخيا القادر على ذلك.

ومن هنا نقول إن فارس الميدان هو أنت بأخلاق الإسلام فى ميدان عملك، وفى تنشئتك لأطفالك، وفى استنبات قادة للأمة، وفى مد يد العون للعاملين مع عدم تثبيط همتهم، وفى إنبات بيئة تسمح للفرسان أن يظهروا ويقودوا...وفى الأمل بعض تحقيق الممكن.

أبو عبد الله الذهبي (673 - 748 هـ).

نسبه :
هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي شمس الدين الذهبي .

نشأته:
ولد الإمام الذهبي في اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (673)ه- بدمشق وسمع بعد التسعين وستمائة وأكثر عن ابن غدير وابن عساكر ويوسف الغسولي وغيرهم ثم رحل إلى القاهرة وأخذ عن الأبرقوهي والدمياطي وابن الصواف والقرافي وغيرهم وشيوخه في السماع والإجازة في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتي نفس .

ثناء العلماء عليه:
الإمام الذهبي يعتبر مؤرخ الإسلام وقد لقب بذلك كما أنه أحد أعلام الحفاظ الذين برزوا في علم الحديث رواية ودراية فلا عجب أن يكون محل ثناء الخاص والعام ولا غرو أن تنطلق الألسنة بذكره بالجميل وقد أتى بالجميل الجليل .. وقد قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية:
"الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين وقال: وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه" .. وقال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات : الشيخ الإمام العلامة الحافظ حافظ لا يجارى ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاه ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس .
جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقال أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ: "الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين وقدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده" .
وقال: "وخرج لجماعة من شيوخه وجرح وعدل وفرع وصحح وعلل واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيراً من تأليف المتقدمين والمتأخرين وكتب علماً كثيراً وصنف الكتب المفيدة " . وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية:
"شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ محدث العصر" ، وقال الشوكاني في البدر الطالع: "الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار" .
وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: "ومهر في الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفً وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصاً".
وقال البدر النابلسي: "كان علامة زمانه بالرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهن وشهرته تغني عن الإطناب فيه".
وقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: "الإمام الحافظ محدث العصر خاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة" وقال: "والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر.."
قال أبو المحاسن الحسيني: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين".

آثاره:
وقد خلف الحافظ الذهبي للأمة الإسلامية ثروة هائلة من المصنفات القيمة النفيسة التي هي المرجع في بابها وعظمت الفائدة بهذه المؤلفات ونالت حظاً كبيراً من الثناء وكان لها القبول التام لدى الخاص والعام.
قال الشوكاني في وصفها: وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها رحل الناس لأجلها وأخذوها عنه وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته.. وطارت وقرأوها في جميع بقاع الأرض وله فيها تعبيرات رائعة وألفاظ رشيقة غالباً لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره ولا من قبله ولا قبلهم ولا أحد بعدهم .. وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه ولا حرره كتحريره، قال الحافظ ابن حجر: ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعاً.
وقال أبو المحاسن الحسيني: وصنف الكتب المفيدة فمن أطولها تاريخ الإسلام ومن أحسنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال .. وقال: مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان انتهى.

ومن أشهر مؤلفاته المطبوعة:
كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) وكتاب (المشتبه في الأسماء والأنساب) وكتاب (العبر في خبر من غبر) وكتاب (تذكرة الحفاظ) وكتاب (طبقات القراء).

وفاته:
توفي الحافظ الذهبي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة .. وصلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير أرخ وفاته بهذا ابن كثير في البداية والنهاية وابن السبكي في طبقات الشافعية.

قصص الأنبياء == ذِكْرُ وَصيته لوَلَده عَلَيْهِ السَّلَام 4-5

جَهَدَهُمْ أَمْرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ الْفَرَجَ مِنْهُ إِنَّمَا يَطْلُبُونَهُ بِحَرَمِهِ وَمَكَانِ بَيْتِهِ.
وَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَبِهِ الْعَمَالِيقُ مُقِيمُونَ، وَهُمْ مِنْ سُلَالَةِ عِمْلِيقَ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَ سَيِّدُهُمْ إِذْ ذَاكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ قَوْمِ عَادٍ وَاسْمُهَا جَلْهَدَةُ ابْنَةُ الْخَيْبَرِيِّ.
قَالَ: فَبَعَثَ عَادٌ وَفْدًا قَرِيبا من سبعين رجلا ليستسقوا لَهُمْ عِنْدَ الْحَرَمِ، فَمَرُّوا بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ [بِظَاهِرِ مَكَّةَ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَأَقَامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا، يشربون الْخمر، وتغنيهم الجرادتان، قَيْنَتَانِ لِمُعَاوِيَةَ (1) ] وَكَانُوا قَدْ وَصَلُوا إِلَيْهِ فِي شَهْرٍ.
فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَخَذَتْهُ شَفَقَةٌ عَلَى قَوْمِهِ، وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ - عمل شعرًا يعرض لَهُم فِيهِ (2) بِالِانْصِرَافِ، وَأَمَرَ الْقَيْنَتَيْنِ أَنْ تُغَنِّيَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: أَلَّا يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ * لَعَلَّ الله يصحبنا (2) غَمَامًا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا * قَدَ أمْسَوْا لَا يُبِينُونَ اَلْكَلَامَا مِنَ الْعَطَشِ اَلشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو * بِهِ اَلشَّيْخَ اَلْكَبِيرَ وَلَا اَلْغُلَامَا وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمْ بِخَيْرٍ * فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمْ أيامى وَإِنَّ اَلْوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهَارًا * وَلَا يَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامًا وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اِشْتَهَيْتُمْ * نَهَارَكُمْ وَلَيْلَكُمُ تَمامًا (3)
فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ * وَلَا لُقُّوا اَلتَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَا قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَنَبَّهَ الْقَوْمُ لِمَا جَاءُوا لَهُ، فَنَهَضُوا إِلَى الْحَرَمِ وَدَعَوْا لقومهم، فَدَعَا داعيهم وَهُوَ قيل بن عنز، فَأَنْشَأَ الله سحابات ثَلَاثًا:
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ط: يمنحنا.
(3) ا: التماما.
ولعلها: نياما.
(*)

بَيْضَاءَ وَحَمْرَاءَ وَسَوْدَاءَ، ثُمَّ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاء: اختر لنَفسك أَو لقَوْمك مِنْ هَذَا السَّحَابِ، فَقَالَ: اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ السَّحَابِ مَاءً، فَنَادَاهُ مُنَادٍ: اخْتَرْتَ رماد رِمْدَدًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا، لَا والدا يتْرك وَلَا وَلَدًا إِلَّا جَعَلَتْهُ هَمِدَا إِلَّا بَنِي اللوذية الهمدا.
قَالَ: وهم بَطْنٌ مِنْ عَادٍ كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ قَوْمَهُمْ.
قَالَ: وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَنْسَابِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ هُمْ عَادٌ الْآخِرَةُ.
قَالَ: وَسَاقَ اللَّهُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ الَّتِي اخْتَارَهَا قَيْلُ بن عنز بِمَا فِيهَا مِنَ النِّقْمَةِ إِلَى عَادٍ، حَتَّى تَخَرَّجَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا، وَقَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا، فَيَقُولُ تَعَالَى: " بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم * تدمر كل شئ بِأَمْر رَبهَا " أَي [تهْلك (1) ] كل شئ أُمِرَتْ بِهِ.
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَبْصَرَ مَا فِيهَا وَعرف أنهغا رِيحٌ فِيمَا يَذْكُرُونَ امْرَأَةً مِنْ عَادٍ يُقَالُ لَهَا " مَهْدٌ "، فَلَمَّا تَبَيَّنَتْ مَا فِيهَا صَاحَتْ ثُمَّ صَعِقَتْ.
فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَالُوا مَا رَأَيْتِ يَا مهد؟ قَالَت رَأَيْت ريحًا فِيهَا شبه (2) النَّارِ أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا، فَسَخَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما، وَالْحُسُومُ الدَّائِمَةُ ; فَلَمْ تَدَعْ مِنْ عَادٍ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ.
قَالَ: وَاعْتَزَلَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - فِي حَظِيرَةٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُصِيبُهُمْ إِلَّا مَا تلين عَلَيْهِ الْجُلُود، وتلذ (3) الانفس، وَإِنَّهَا
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: كشهب النَّار (3) ا: ويلبد.
(*)

التَّمْر عَلَى عَادٍ بِالظَّعْنِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَتَدْمَغُهُمْ بِالْحِجَارَةِ.
وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثًا فِي مُسْنَدِهِ يُشْبِهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْمُنْذِرِ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عَاصِم ابْن أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - وَيُقَالُ ابْنُ يَزِيدَ الْبَكْرِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَشْكُو الْعَلَاءَ [بْنَ (1) ] الْحَضْرَمِيَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَقَالَتْ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا الْمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ تخفق، وَإِذا بِلَال مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالُوا يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا.
قَالَ: فَجَلَسْتُ، قَالَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ - أَوْ قَالَ رَحْلَهُ - فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ: " هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي تَمِيم شئ "؟ فَقلت: نعم.
وَكَانَت لنا الدَّائِرَةُ (2) عَلَيْهِمْ وَمَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٍ بهَا، فسألتني أَن أحملها إِلَيْك وهامى بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بنى تَمِيم حاجزا، فَاجْعَلْ الدهناء (3) [فَإِنَّهَا كَانَت لنا، قَالَ (4) ] فحميت الْعَجُوز واستوفزت وَقَالَت
__________
(1) سَقَطت من ا.
(2) ا: الدبرة (3) ط: الدهماء.
وَهُوَ تَحْرِيف.
(4) لَيست فِي ا (*)

يَا رَسُول الله فَإلَى أَيْن يضْطَر مضطرك؟ قَالَ: فَقلت: إِنَّ مِثْلِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ: " مِعْزًى حَمَلَتْ حَتْفَهَا " حملت هَذِه الامة [وَلَا (1) ] أَشْعُرُ أَنَّهَا كَانَتْ لِي خَصْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [أَنْ أَكُونَ (1) ] كَوَافِدِ عَادٍ، قَالَ: [هِيهِ (1) ] وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ منى (2) وَلَكِنْ يَسْتَطْعِمُهُ.
قُلْتُ: إِنَّ عَادًا قَحَطُوا فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ قَيْلٌ، فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ ابْن بَكْرٍ فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا الْجَرَادَتَانِ، فَلَمَّا مَضَى الشَّهْرُ خَرَجَ إِلَى جِبَالِ تِهَامَةَ (3) ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ.
فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ فَنُودِيَ: مِنْهَا اخْتَرْ.
فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدَدًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا.
قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ بَعَثَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي هَذَا مِنَ الرِّيحِ حَتَّى هَلَكُوا.
قَالَ أَبُو وَائِلٍ: وَصَدَقَ، وَكَانَتِ الْمَرْأَة وَالرجل إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا (4) لَهُمْ قَالُوا: لَا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ بِهِ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث سَلام أَبى الْمُنْذر عَن عَاصِم بن بَهْدَلَةَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَهَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَهَذِهِ الْقِصَّةَ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِه الْقِصَّة غير وَاحِد من الْمُفَسّرين كاين جرير وَغَيره.
__________
(1) سَقَطت من ا.
(2) ا: بِالْحَدِيثِ فِيهِ.
(3) ا: جبال مهرَة.
(4) ط: وَفْدًا.
(*)

وَقَدْ يَكُونُ هَذَا السِّيَاقُ لِإِهْلَاكِ عَادٍ الْآخِرَةِ ; فَإِن فِيمَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره ذكر لِمَكَّةَ، وَلَمْ تُبْنَ إِلَّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، حِينَ أَسْكَنَ فِيهَا هَاجَرَ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَنَزَلَتْ جُرْهُمٌ عِنْدَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي، وَعَادٌ الْأُولَى قَبْلَ الْخَلِيلِ، وَفِيهِ ذِكْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وَشِعْرُهُ، وَهُوَ مِنَ الشِّعْرِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ زَمَانِ عَادٍ الاولى، وَلَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَفِيهِ أَنَّ فِي تِلْكَ السَّحَابَةِ شَرَرُ نَارٍ، وَعَادٌ الْأَوْلَى إِنَّمَا أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: هِيَ الْبَارِدَة، والعاتية الشَّديد الْهُبُوبِ.
" سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حسوما " أَيْ كَوَامِلَ مُتَتَابِعَاتٍ.
قِيلَ كَانَ أَوَّلَهَا الْجُمُعَةُ، وَقِيلَ الْأَرْبِعَاءُ.
" فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية " شبههم بأعجاز النّخل الَّتِى لارءوس لَهَا، وَذَلِكَ لَان الرّيح كَانَت تجئ إِلَى أَحَدِهِمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَرْفَعُهُ فِي الْهَوَاءِ ; ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ فَيَبْقَى جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ، كَمَا قَالَ: " إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ ريحًا صَرْصَرًا فِي يَوْم نحس مُسْتَمر [أَيْ فِي يَوْمِ نَحْسٍ عَلَيْهِمْ، مُسْتَمِرٌّ (1) ] عَذَابُهُ عَلَيْهِمْ.
" تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ " وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْيَوْمَ النَّحْسَ الْمُسْتَمِرَّ هُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ وَتَشَاءَمَ بِهِ لِهَذَا الْفَهْمِ، فَقَدْ أَخْطَأَ وَخَالَفَ الْقُرْآنَ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نحسات " وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، فَلَوْ كَانَتْ نحسات فِي أَنْفسهَا لكَانَتْ
__________
(1) سَقَطت من ا.
(*)

جَمِيعُ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِيهَا (1) مَشْئُومَةً، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ، أَيْ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: " وَفِي عَادٍ إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم " أَيِ الَّتِي لَا تُنْتِجُ خَيْرًا، فَإِنَّ الرِّيحَ المفردة لَا تثير سَحَابًا وَلَا تُلَقِّحُ شَجَرًا، بَلْ هِيَ عَقِيمٌ لَا نَتِيجَةَ خَيْرٍ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: " مَا تذر من شئ أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم " أَي كالشئ الْبَالِي الْفَانِي الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَادًا هَذِهِ هِيَ عَادٌ الْأُولَى ; فَإِنَّ سِيَاقَهَا شَبِيهٌ بِسِيَاقِ قَوْمِ هُودٍ وَهُمُ الْأُولَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُمْ عَادٌ الثَّانِيَةُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا وَمَا سَيَأْتِي مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا " فَإِنَّ عَادًا لَمَّا رَأَوْا هَذَا الْعَارِضَ وَهُوَ النَّاشِئُ فِي الْجَوِّ كَالسَّحَابِ ظَنُّوهُ سَحَابَ مَطَرٍ، فَإِذَا هُوَ سَحَابُ عَذَابٍ.
اعْتَقَدُوهُ رَحْمَةً فَإِذَا هُوَ نقمة
__________
(1) ا: المندرجة فِي الثَّمَانِية (*)

رَجَوْا فِيهِ الْخَيْرَ فَنَالُوا مِنْهُ غَايَةَ الشَّرِّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ " [أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (1) ] : " رِيحٌ فِيهَا عَذَاب
أَلِيم " يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ هُوَ مَا أَصَابَهُمْ من الرّيح الصرصر العاتية الْبَارِدَة الشَّدِيدَة الهبوط، الَّتِي اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِمْ سَبْعُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا الثَّمَانِيَةِ فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، بَلْ تَتَبَّعَتْهُمْ حَتَّى كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُهُوفَ الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ فَتَلُفُّهُمْ وَتُخْرِجُهُمْ وَتُهْلِكُهُمْ، وَتُدَمِّرُ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ الْمُحْكَمَةَ وَالْقُصُورَ المشيدة، فَكَمَا منوا بشدتهم وبقوتهم (2) وَقَالُوا: من أَشد منا قُوَّة؟ ! سلط الله عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَأَقْدَرُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الرِّيحُ الْعَقِيمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّيحَ أَثَارَتْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ سَحَابَةً، ظَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَنَّهَا سَحَابَةٌ فِيهَا رَحْمَةٌ بِهِمْ وَغِيَاثٌ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ شَرَرًا وَنَارًا.
[كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَيَكُونُ هَذَا (1) ] كَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ الظُّلَّةِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الرِّيحِ الْبَارِدَةِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَذَابِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَضَادَّةِ، مَعَ الصَّيْحَةِ الَّتِي ذكرهَا فِي سُورَة قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى [بْنِ] (1) الضَّرِيسِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: " مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا بِهَا إِلَّا مِثْلَ [مَوْضِعِ (1) ] الْخَاتَمِ، فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمَلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ (1) ] بَيْنَ السَّمَاءِ والارض، فَلَمَّا رأى ذَلِك أهل الْحَاضِرَة
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ط: بقوتهم وشدتهم (2) لَيست فِي ا.
(*)

مِنْ عَادٍ، الرِّيحَ وَمَا فِيهَا " قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا " فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدَانَ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا الْكُوفِيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: مَا فتح الله عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا مِثْلُ مَوْضِعِ الْخَاتم، ثمَّ أرْسلت عَلَيْهِم الْبَدْوَ إِلَى الْحَضَرِ، فَلَمَّا رَآهَا أَهْلُ الْحَضَرِ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا مُسْتَقْبل أَو ديتنا.
وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي فِيهَا، فَأُلْقِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ حَتَّى هَلَكُوا ".
قَالَ: عَتَتْ على حزانها (1) حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ خِلَالِ الْأَبْوَابِ.
قُلْتُ: وَقَالَ غَيْرُهُ: خَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
[وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ، وَفِيهِ نَوْعُ اضْطِرَابٍ (2) ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْا عَارِضًا وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ لُغَةً السَّحَابُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِيِّ، إِنْ جَعَلْنَاهُ مُفَسِّرًا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو [بكر (2) ] الطَّاهِر، حَدثنَا ابْن وهب قَالَ: سَمِعت ابْن جريج حَدثنَا
__________
(1) ط: عَن خزائنها.
وَلَعَلَّه تَحْرِيف (2) سقط من ا (3) ط: لمْعَة.
وَهُوَ تَحْرِيف.
(*)

عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أرْسلت بِهِ " قَالَت: " وَإِذا غيبت السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ
وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ.
فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: " لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: " فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدثنَا هرون بْنُ مَعْرُوفٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنْبَأَنَا عَمْرٌو -[وَهُوَ (1) ] ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ (2) ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ وَقَالَتْ: كَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ يَا رَسُولَ الله: [إِن (1) ] النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ! قَدْ عُذِّبَ قَوْمُ نُوحٍ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارض مُمْطِرنَا " [فَهَذَا الْحَدِيثُ كَالصَّرِيحِ فِي تَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوَّلًا.

الفطنة .. روائع القصص

غضب المأمون على طاهر بن عبد الله، فأراد طاهرٌ أن يقصده، فورد كتابٌ له من صديقٍ له ليس فيه إلا السلام، وفي حاشيته يا موسى، فجعل يتأمَّله ولا يعلم معنى ذلك، وكانت له جارية فطنةٌ، فقالت: إنه يقول: {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20]. فتثبط عن قصد المأمون[1].


- قال أبو بكر بن عيَّاش: كان بالكوفة رجلٌ قد ضاق معاشه، فسافر وكسب ثلاثمائة درهم، فاشترى بها ناقةً فارهةً وكانت زعرةً، فأضجرته واغتاظ منها، فحلف بالطلاق ليبيعنَّها يوم يدخل الكوفة بدرهم، ثمَّ ندم، فأخبر زوجته بالحال، فعمدت إلى سنَّور فعلَّقتها في عنق النَّاقة، وقالت: نادِ عليها مَنْ يشتري هذا السنور بثلاثمائة درهم والنَّاقة بدرهم، ولا أفرق بينهما. ففعل، فجاء أعرابيٌّ فقال: ما أحسنكِ!! لولا هذا البتيارك الذي في عنقك[2].


- انفرد الحجَّاج يومًا عن عسكرهِ، فلقي أعرابيًّا، فقال له: كيف الحجَّاج؟
قال: ظالمٌ غاشم. قال: فهلاَّ شكوتموه إلى عبد الملك.
قال: هو أظلم وأغشم. فأحاط به العسكر، قال: أركبوا البدوي. فلما ركب سأل عنه، فقيل له: هذا الحجَّاج. فركض خلفه وقال: يا حجَّاج.
قال: ما لك؟ قال: السرُّ الذي بيني وبينك لا يطَّلع عليه أحد. فضحك منه وأطلقه[3].


- رأى المعتصم أسدًا، فقال لرجلٍ قد أعجبه قوامه وسلاحه: أفيك خيرٌ؟ فعلم أنَّه يريد أن يقدِّمه إلى الأسد، فقال: لا يا أمير المؤمنين. فضحك[4].
-وقف المهديُّ على عجوزٍ من العرب، فقال: ممَّن أنتِ؟
قالت: من طيِّئ.
قال: ما منع طيِّئًا أن يكون فيهم مثل حاتم؟
فقالت: الذي منع الملوك أن يكون فيهم مثلك. فعجب من جوابها ووصلها[5].


- أراد شعيب بن حربٍ أن يتزوَّج امرأةً، فقال لها: إني سيِّئ الخُلُقِ. فقالت: أسوأ خُلُقًا منك مَنْ يحوجك إلى أن تكون سيِّئ الخلق[6].


-قال أبو عاصم النبيل: رأيت أبا حنيفة في المسجد الحرام يُفْتِي وقد اجتمع النَّاس عليه وآذَوْه، فقال: ما هاهنا أحدٌ يأتينا بشرطيٍّ؟ فقلت: يا أبا حنيفة، تريد شرطيًّا؟ قال: نعم. فقلت: اقرأ عليَّ هذه الأحاديث التي معي. فقرأها، فقمتُ عنه، ووقفتُ بحذائه، فقال لي: أين الشرطيُّ؟ فقلت له: إنَّما قلتُ تريد، لم أقل لك أجيء به!! فقال: انظروا، أنا أحتال للنَّاس منذ كذا وكذا، وقد احتال عليَّ هذا الصبيُّ[7].


- قال الأصمعي: بينا أنا في بعض البوادي إذا أنا بصبي -أو قال: صبيةٍ- معه قربةٌ قد غلبته، فيها ماء، وهو ينادي: يا أبةِ، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. قال: فوالله قد جمع العربية في ثلاث[8].


- قال الحميدي: كنا عند سفيان بن عيينة فحدَّثنا بحديث زمزم؛ أنه لما شرب له فقام رجلٌ من المجلس، ثمَّ عاد، فقال له: يا أبا محمدٍ، أليس الحديث الذي حدثتنا في زمزم صحيحًا؟ فقال: نعم. قال: فإني قد شربت الآن دلوًا من زمزم على أنك تحدثني بمائة حديثٍ. فقال سفيان: اقعد. فحدَّثه بمائة حديثٍ[9].


- عن الرشيد أنه كان في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ فقال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين. ولم يُرِدْ أن يقول الخيزران، لموافقته اسم أُمِّ الرشيد[10].


- عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: لما تزوَّج داود بتلك المرأة، وولدت له سليمان بن داود بعدما تاب الله عليه، غلامًا طاهرًا نقيًّا، فَهِمًا، عاقلاً، عالمًا، وكان من أجمل الناس وأعظمه وأطوله، فبلغ مع أبيه حتى كان يشاوره في أموره، ويُدْخِله في حُكْمِه، فكان أول ما عَرَف داودُ من حكمته وتفرَّس فيه النبوة أن امرأة كانت كُسِيَتْ جمالاً، فجاءت إلى القاضي تخاصم عنده، فأعجبته، فأرسل إليها يخطبها، فقالت: ما أريد النكاح. فراودها على القبيح، فقالت: أنا عن القبيح أبعد. فانقلبت منه إلى صاحب الشرطة، فأصابها منه مثل الذي أصابها من القاضي، فانقلبت إلى صاحب السوق فكان منه مثل ذلك، فانقلبت منه إلى حاجب داود فأصابها منه ما أصابها من القوم، فرفضت حقَّها ولزمت بيتها.
فبينا القاضي، وصاحب الشرطة، وصاحب السوق، والحاجب، جلوس يتحدَّثون فوقع ذِكْرُهَا، فتصادق القوم بينهم، وشكا كل واحد منهم إلى صاحبه ما أصابه من العجب بها، قال بعضهم: وما يمنعكم وأنتم ولاة الأمر أن تتلطفوا بها حتى تستريحوا منها، فاجتمع رأي القوم على أن يشهدوا أن لها كلبًا وأنها تضطجع فترسله على نفسها حتى ينال منها ما ينال الرجل من المرأة، فدخلوا على داود، فذكروا له أن امرأة لها كلب تسمنه وترسله على نفسها حتى يفعل بها ما يفعل الرجل بالمرأة، فكرهنا أن نرفع أمرها إليك حتى تتحقَّق، فمشينا حتى دخلنا منزلاً قريبًا منها في الساعة التي بلغنا أنها تفعل ذلك، فنظرنا إليها كيف حلَّته من رباطه، ثم اضطجعت له حتى نال منها ما ينال الرجل من المرأة، ونظرنا إلى المِيلِ يدخل في المُكْحُلَةِ ويخرج منها، فبعث داود، فأتي بها فرجمها.
فخرج سليمان يومئذ وهو غلام حين ترعرع ومعه الغلمان ومعه حصانه يلعب، فجعل منهم صبيًّا قاضيًّا، وآخر على الشرطة، وآخر على السوق، وآخر حاجبًا، وآخر كالمرأة، ثم جاءوا يشهدون عند سليمان مثل ما شهد أولئك عند داود، يريدون رجم ذلك الصبي كما رجمت المرأة، قال سليمان عند شهادتهم: فَرِّقُوا بينهم. ثم دعا بالصبي الذي جعله قاضيًّا، فقال: أيقنت الشهادة؟ قال: نعم. قال: فما كان لون الكلب؟ قال: أسود. قال: نَحُّوه.
ونادى بالذي جعل على الشرطة، فقال له: أيقنت الشهادة؟ قال: نعم. قال: فما كان لون الكلب؟ قال: أحمر. قال: نَحُّوه. ثم دعا بصاحب السوق، فقال: أيقنت الشهادة؟ قال: نعم. قال: فما كان لون الكلب؟ قال: أبيض. قال: نَحُّوه. ثم دعا بالذي جعله حاجبًا، فقال: أيقنت الشهادة؟ قال: نعم. قال: فما كان لون الكلب؟ قال: أغبش[11]. قال: أردتم أن تغشُّوني حتى أرجم امرأة من المسلمين. فقال للصبيان: ارجموهم. وخلَّى سبيل الصبي الذي جعله امرأة ورجع إلى حصانه.
فدخلوا على داود فأخبروه الخبر، فقال داود: عليَّ بالشهود الساعةَ واحدًا واحدًا. فأُتِيَ بهم، فسألَ القاضيَ: ما كان لون الكلب؟ قال: أسود. ثم أتى بصاحب الشرطة، فسأله، فقال: أبيض. ثم أتى بصاحب السوق، فسأله، فقال: كان أحمر. ثم أتى بالحاجب، فسأله، فقال: كان أغبش. فأمر بهم داود فقُتِلُوا مكان المرأة، فكان هذا أول ما استبان لداود من فهم سليمان[12].


- قال ثمامة: دخلت إلى صديق أعوده، وتركتُ حماري على الباب، ولم يكن معي غلامٌ يحفظه، ثم خرجت، وإذا فوقه صبيٌّ، فقلتُ: أركبتَ حماري بغير إذني؟ قال: خفت أن يذهب فحفظته لك. قلت: لو ذهب كان أحب لي من بقائه. قال: إن كان هذا رأيك فيه، فاعمل على أنه قد ذهب، وهبه لي، واربح شكري. فلم أَدْرِ ما أقول[13].


- قال الأصمعي: وقلت لغلامٍ حدثٍ من أولاد العرب: أَيَسُرُّك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمقٌ؟! قال: لا والله. قلت: لِمَ؟ قال: أخاف أن يجني عليَّ حمقي جنايةً تذهب مالي، وتبقي عليَّ حمقي[14].


- رُوِيَ أنَّ رجلاً خطب امرأة، وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوِّجك حتى تطلِّق. فقال: اشهدوا أني قد طلقتُ ثلاثًا. فزوَّجُوه، فأقام على امرأته، فادَّعى القوم الطلاق، فقال: أما تعلمون أنه كانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلَّقْتُها؟ قالوا: بلى. وكانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلَّقْتُها؟ قالوا: بلى. وكانت تحتي فلانةٌ فطلَّقْتُها؟ قالوا: بلى. قال: فقد طلَّقْتُ ثلاثًا. فبلغ إلى عثمان فجعلها نيِّته[15].


- قال المبرِّد: سأل المأمونُ يحيى بن المبارك عن شيءٍ، فقال: لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. فقال: لله دَرُّك، ما وُضِعَتْ واوٌ قطُّ وضعًا أحسن منها في هذا الموضع. ووصله وحمله[16].


- قال إبراهيم بن المنذر الحزاميُّ: قدم أعرابيُّ من أهل البادية على رجلٍ من أهل الحضر، فأنزله، وكان عنده دجاجٌ كثيرٌ، وله امرأة وابنان وبنتان، قال: فقلت لامرأتي: اشوي دجاجةً، وقدميها إلينا؛ نتغدى بها. وجلسنا جميعًا ودفعنا إليه الدجاجة، فقلنا: اقسمها بيننا. نريد بذلك أن نضحك منه، قال: لا أُحْسِن القسمة، فإن رضيتم بقسمتي قسمت بينكم. قلنا: نرضى.
فأخذ رأس الدجاجة فقطعه، فناولينه، وقال: الرأس للرئيس. ثم قطع الجناحين، وقال: الجناحان للابنين. ثم قطع الساقين، وقال: الساقان للابنتين. ثم قطع الزَّمِكَّى، وقال: العجز للعجوز. ثم قال: والزَّوْر للزائر. فلمَّا كان من الغد، قلت لامرأتي: اشوي لي خمس دجاجاتٍ. فلمَّا حضر الغداء، قلنا: اقسم بيننا. قال: شفعًا أو وترًا؟ قلنا: وترًا. قال: أنت وامرأتك ودجاجةٌ ثلاثةٌ. ثم رمى بدجاجةٍ، وقال: وابناك ودجاجةٌ ثلاثةٌ. ورمى إليهما بدجاجةٍ، وقال: وابنتاك ودجاجةٌ ثلاثةٌ. ثم قال: وأنا ودجاجتان ثلاثةٌ. فأخذ الدجاجتين، فرآنا ننظر إلى دجاجتيه، فقال: لعلَّكم كرهتم قسمتي الوتر. قلنا: اقسمها شفعًا.
فقبضهن إليه، ثم قال: أنت وابناك ودجاجةٌ أربعةٌ. ورمى إلينا دجاجة، ثم قال: والعجوز وابنتاها ودجاجةٌ أربعة. ورمى إليهنَّ دجاجةٌ، ثم قال: وأنا وثلاث دجاجات أربعةٌ. وضمَّ ثلاث دجاجاتٍ، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: الحمد لله أنت فهَّمْتَنِيهَا[17].






[1] ابن الجوزي: أخبار الظراف والمتماجنين ص149.
[2] المصدر السابق ص150.
[3] السابق نفسه ص131.
[4] السابق ص139.
[5] ابن الجوزي: أخبار الظراف والمتماجنين ص146.
[6] المصدر السابق ص147.
[7] السابق نفسه ص156.
[8] السابق ص157.
[9] ابن الجوزي: أخبار الظراف والمتماجنين ص121.
[10] السابق نفسه ص82.
[11] أسود يخالطه بياض، يقال: غَبِشَ الليلُ وأغْبَش إذا أظْلم ُظْلمةً يُخالِطُها بياض. انظر: ابن منظور: اللسان 6/322.
[12] المعافى بن زكريا: الجليس الصالح والأنيس الناصح ص113.
[13] ابن الجوزي: أخبار الظراف والمتماجنين ص156.
[14] المصدر السابق ص157.
[15] السابق نفسه ص72.
[16] السابق ص74.
[17] السابق ص112، 113.

قصص الأنبياء == ذِكْرُ وَصيته لوَلَده عَلَيْهِ السَّلَام 3-5

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب * إِن رَبك لبالمرصاد ".
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَصِ فِي أَمَاكِنِهَا مِنْ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ جَرَى ذِكْرُ عَادٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْفَرْقَانِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَفِي سُورَةِ ص، وَفِي سُورَةِ ق.
* * *
وَلْنَذْكُرْ مَضْمُونَ الْقِصَّةِ مَجْمُوعًا مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ، مَعَ مَا يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ أَوَّلُ الامم الَّذين عَبَدُوا الْأَصْنَامَ بَعْدَ الطُّوفَانِ.
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: " وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً " أَيْ جَعَلَهُمْ أَشَدَّ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فِي الْخِلْقَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ.
وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنُونَ: " ثُمَّ أَنْشَأْنَا من بعدهمْ قرنا آخَرين " وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُمْ ثَمُودُ لِقَوْلِهِ: " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غثاء ".
قَالُوا: وَقَوْمُ صَالِحٍ هَمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ " وَأما عَاد فاهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة ".
وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنِ اجْتِمَاعِ الصَّيْحَةِ وَالرِّيحِ الْعَاتِيَةِ عَلَيْهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ أَهْلِ مَدْيَنَ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ عَادًا قَبْلَ ثَمُودَ.

وَالْمَقْصُود أَن عادا كَانُوا جُفَاةً كَافِرِينَ، عُتَاةً مُتَمَرِّدِينَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ وَتَنَقَّصُوهُ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَغَّبَهُمْ فِي طَاعَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لنراك فِي سفاهة " أَي هَذَا الامر الذى تدعونا إِلَيْهِ سفه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا نَحن عَلَيْهِ من عبَادَة هَذِه الاصنام الَّتِى يرتجى مِنْهَا النَّصْر والرزق، وَمَعَ هَذَا نظن أَنَّك تكذب فِي دعواك
أَن الله أرسلك.
" قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين "، أَي لَيْسَ الامر كَمَا تظنون وَلَا كَمَا (1) تَعْتَقِدُونَ " أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِين " وَالْبَلَاغُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْكَذِبِ فِي أَصْلِ الْمُبَلِّغِ، وَعدم الزِّيَادَة فِيهِ وَالنَّقْص مِنْهُ، ويستلزم أداءه (2) بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ وَجِيزَةٍ جَامِعَةٍ مَانِعَةٍ لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ وَلَا اضْطِرَابَ.
وَهُوَ مَعَ هَذَا الْبَلَاغِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي غَايَةِ النُّصْحِ لِقَوْمِهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْحِرْصِ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، لَا يَبْتَغِي مِنْهُمْ أَجْرًا وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ جعلا ; بل هُوَ مخلص لله عزوجل فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَالنُّصْحِ لِخَلْقِهِ، لَا يَطْلُبُ أَجْرَهُ إِلَّا مِنَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، فَإِنَّ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلَّهُ فِي يَدَيْهِ وَأَمْرُهُ إِلَيْهِ
__________
(1) ا: وَلَا مَا تعتقدون.
(2) ط: إبلاغه.
(*)

وَلِهَذَا وَقَالَ: " يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أَي أما لَكُمْ عَقْلٌ تُمَيِّزُونَ بِهِ وَتَفْهَمُونَ أَنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ فِطَرُكُمُ الَّتِي خُلِقْتُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نُوحًا وَأَهْلَكَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْخَلْقِ.
وَهَا أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَلَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا عَلَيْهِ، بَلْ أَبْتَغِي ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَالِكُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ.
وَلِهَذَا قَالَ مُؤْمِنُ " يس ": " اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * ومالى لَا أعبد الذى فطرني وَإِلَيْهِ ترجعون؟ " وَقَالَ قوم هود لَهُ فِيمَا قَالُوا: " يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتنَا بِسوء "، يَقُولُونَ مَا جِئْتَنَا بِخَارِقٍ يَشْهَدُ لَكَ بِصِدْقِ
ماجئت بِهِ، وَمَا نَحْنُ بِالَّذِينِ نَتْرُكُ عِبَادَةَ أَصْنَامِنَا عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِكَ ; بِلَا دَلِيلٍ أَقَمْتَهُ وَلَا بُرْهَانٍ نَصَبْتَهُ، وَمَا نَظُنُّ إِلَّا أَنَّكَ مَجْنُونٌ فِيمَا تزعمه.
وَعِنْدنَا أَنه إِنَّمَا أَصَابَك هَذَا لَان بَعْضَ آلِهَتِنَا غَضِبَ عَلَيْكَ فَأَصَابَكَ فِي عَقْلِكَ فَاعْتَرَاكَ جُنُونٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ".
" قَالَ إنى أشهد الله واشهدوا أَنى برِئ مِمَّا تشكرون مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ".
وَهَذَا تحد مِنْهُ لَهُم، وتبرأ من آلِهَتهم وتنقص مِنْهُ لَهَا، وَبَيَان أَنَّهَا لَا تَنْفَع شَيْئا وَلَا تضر، وَأَنَّهَا جماد حكمهَا حكمه وفعلها فعله.
فَإِن كَانَت كَمَا تَزْعُمُونَ من أَنَّهَا تنصر وَتَنْفَع وتضر فها أَنا برِئ مِنْهَا

لَا عَن لَهَا " فكيدوني ثمَّ لَا تنْظرُون " أَنْتُم جَمِيعًا بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَصِلُوا إِلَيْهِ وَتَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا تُؤَخِّرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكُمْ وَلَا أُفَكِّرُ فِيكُمْ، وَلَا أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ.
" إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " أَيْ أَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ وَمُتَأَيِّدٌ بِهِ، وواثق بجنابه الذى لَا يضيع من لاذبه واستند إِلَيْهِ، فلست أبالى مخلوقا سواهُ، لست أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا أَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ.
وَهَذَا وَحْدَهُ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ هُودًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُمْ عَلَى جَهْلٍ وَضَلَالٍ فِي عِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِسُوءٍ وَلَا نَالُوا مِنْهُ مَكْرُوهًا.
فَدَلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَفَسَادِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: " يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (1) ".
وَهَكَذَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئا، وسع ربى كل شئ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يلبسوا
__________
(1) من الْآيَة: 71 من سوره يُونُس (م 9 - قصَص الانبياء 1) (*)

إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (1) " " وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخرجون (2) ".
اسْتَبْعَدُوا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا بَشَرِيًّا.
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ أَدْلَى بِهَا كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْكَفَرَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أنذر النَّاس (3) " وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاء
ملكا رَسُولا (4) ".
وَلِهَذَا قَالَ لَهُم هود عَلَيْهِ السَّلَام: " أَو عجبتم أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُم لينذركم " أَيْ لَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ ; فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: " أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحن لَهُ بمؤمنين *
__________
(1) سُورَة الانعام: 80: 83 (2) سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: 33: 35.
(3) أول سُورَة يُونُس.
(4) الْآيَتَانِ: 94، 95 من سُورَة الاسراء.
(*)

قَالَ ربى انصرني بِمَا كذبون " استبعدوا الميعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها تُرَابا وعظاما، وَقَالُوا: هَيْهَات هَيْهَات، أَي بعيد بعيد هَذَا الْوَعْد، " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين " أَيْ يَمُوتُ قَوْمٌ وَيَحْيَا آخَرُونَ.
وَهَذَا هُوَ اعْتِقَادُ الدَّهْرِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ: أَرْحَامٌ تَدْفَعُ وَأَرْضٌ تَبْلَعُ.
وَأَمَّا الدُّورِيَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ بَعْدَ كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ وَكُفْرٌ وَجَهْلٌ وَضَلَالٌ، وَأَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ وَخَيَالٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ، يَسْتَمِيلُ عَقْلَ الْفَجَرَةِ الْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون ".
(2) وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا وَعَظَهُمْ بِهِ: " أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ
مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ".
يَقُولُ لَهُمْ: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ بَنَاءً عَظِيمًا هَائِلًا كَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا، تَعْبَثُونَ بِبِنَائِهَا لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " ألم تركيف فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد " فَعَادُ إِرَمَ هُمْ عَادٌ الْأُولَى الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَعْمِدَةَ الَّتِي تَحْمِلُ الْخِيَامَ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ " إِرَمَ " مَدِينَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَهِيَ تنْتَقل فِي الْبِلَاد، فقد غلط وَأَخْطَأ، وَقَالَ مَالا دَلِيل عَلَيْهِ.
__________
(1) الْآيَة: 113 من سُورَة الانعام (*)

وَقَوله: " وتتخذون مصانع " قِيلَ هِيَ الْقُصُورُ، وَقِيلَ بُرُوجُ الْحَمَامِ وَقِيلَ مآخذ المَاء " لَعَلَّكُمْ تخلدون " أَيْ رَجَاءً مِنْكُمْ أَنْ تُعَمِّرُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَعْمَارًا طَوِيلَةً " وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم ".
وَقَالُوا لَهُ مِمَّا قَالُوا: " أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كنت من الصَّادِقين " أَي أجئتنا لنعبد الله وَحده، وَنُخَالِف آبَاؤُنَا وَأَسْلَافَنَا وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ؟ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا جِئْتَ بِهِ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا نَتْبَعُكَ وَلَا نُصَدِّقُكَ.
كَمَا قَالُوا: " سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَو عظت أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خلق الاولين * وَمَا نَحن بمعذبين ".
أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْخَاءِ، فَالْمُرَادُ بِهِ اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ أَنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَّا اخْتِلَاق
مِنْك، أَخَذته مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ.
هَكَذَا فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ - فَالْمُرَادُ بِهِ الدِّينُ ; أَيْ إِنْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا دِينُ [الاولين (1) ] الْآبَاء والاجداد من الاسلاف (2) ، وَلَنْ نَتَحَوَّلَ عَنْهُ وَلَا نَتَغَيَّرَ، وَلَا نَزَالُ مُتَمَسِّكِينَ بِهِ.
وَيُنَاسِبُ كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَوْلهم: " وَمَا نَحن بمعذبين "
__________
(1) من ا (2) ط: من أسلافنا.
(*)

قَالَ: " قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ، أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؟ فَانْتَظِرُوا إنى مَعكُمْ من المنتظرين " أَي قد استحققتم بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الرِّجْسَ وَالْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ، أَتُعَارِضُونَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِعِبَادَةِ أَصْنَامٍ أَنْتُمْ نَحَتُّمُوهَا وَسَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمِ؟ اصْطَلَحْتُمْ عَلَيْهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ، مَا نَزَّلَ الله بهَا من سُلْطَان.
أَيْ لَمْ يُنَزِّلْ عَلَى مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ دَلِيل وَلَا برهانا.
وَإِذ أَبَيْتُمْ قَبُولَ الْحَقِّ وَتَمَادَيْتُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَنْهَيْتُكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ أَمْ لَا، فَانْتَظِرُوا الْآنَ عَذَابَ اللَّهِ الْوَاقِعَ بِكُمْ، وَبَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَنَكَالَهُ الَّذِي لَا يُصَدُّ.
* * * وَقَالَ تَعَالَى: " قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فجعلناهم غثاء فبعدا للْقَوْم الظَّالِمين " وَقَالَ تَعَالَى: " قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا؟ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ، قَالُوا
هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَاب أَلِيم * تدمر كل شئ بِأَمْر بهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْم الْمُجْرمين ".
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَ إِهْلَاكِهِمْ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا، كَقَوْلِهِ: [" فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دابر الَّذين

كذبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤمنين (1) "] وَكَقَوْلِهِ: " وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رسله وَاتبعُوا أَمر كل جَبَّار عنيد * وأتبعوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قوم هود " وَكَقَوْلِهِ: " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فبعدا للْقَوْم الظَّالِمين " وَقَالَ تَعَالَى: " فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم ".
وَأما تَفْصِيل إهلاكهم فَكَمَا (2) قَالَ تَعَالَى: " فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم " [كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهُمُ الْعَذَابُ، أَنَّهُمْ كَانُوا مُمْحِلِينَ مُسْنِتِينَ (3) ، فَطَلَبُوا السُّقْيَا فَرَأَوْا عَارِضًا فِي السَّمَاءِ وَظَنُّوهُ سُقْيَا رَحْمَةٍ، فَإِذَا هُوَ سُقْيَا عَذَابٍ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ " أَيْ مِنْ وُقُوعِ الْعَذَابِ (4) ] وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " فَأْتِنَا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين " وَمِثْلُهَا فِي الْأَعْرَافِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ هَاهُنَا الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَق بْنِ يَسَارٍ (5) قَالَ: فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا الْكُفْرَ بِاللَّه عزوجل، أمسك
عَنْهُم الْقطر (6) ثَلَاثَ سِنِينَ، حَتَّى جَهَدَهُمْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَكَانَ النَّاس إِذا
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ط: فَلَمَّا.
وَهُوَ تَحْرِيف.
(3) ممحلين: أَصَابَهُم الْمحل وَهُوَ الشدَّة وَانْقِطَاع الْمَطَر.
ومسنتين: أَصَابَتْهُم السّنة وهى الجدب والقحط.
(4) سَقَطت من ا.
(5) المطبوعة: بشار.
وَهُوَ تَحْرِيف (6) ط: الْمَطَر.

زياد علي

زياد علي محمد