الثلاثاء، 10 سبتمبر 2019

سفير الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه

الخطبة الأولى:

عباد الله: كلما تقدم الزمان احتاج الناس إلى نماذج بشرية مشرقة تحيي فيهم الأمل، وتبعث فيهم الفأل، تستعيد الأجيال اللاحقة منها سر نهضتها وتميزها لتستنير بها في سيرها إلى المولى - سبحانه -، ولقد كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، فهيا بنا نستلهم بعضاً من العبر والدروس عن بعض أولئك القوم.

عباد الله: لما انقضت غزوة احد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الشهداء يتفقدهم، يعرج على الأجساد الطاهرة، وعلى القلوب الوفية، يقلب النظر في ثلة قدموا أرواحهم فداء لنصرة الدين، وبذلوا أنفسهم ثمناً لجنة أعدت للمتقين، مر بهم - صلى الله عليه وسلم - واحداً واحداً، فلما حاذى واحداً منهم وقف عنده ورفع يديه يدعو له ثم قرأ قوله - تعالى -: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بلدوا تبديلاً.

لقد كانت وقفة مؤثرة ودعوة معبرة، أبى التاريخ إلا أن يسطرها ويحفظها للأجيال لتتخذها نبراساً في الحياة، فيا ترى من هو ذلكم الشهيد الذي استوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعبره؟ ولمن كانت تلك الدعوات؟ ومن يا ترى ذلك الذي شرف بثناء الله عليه بكونه من الصادقين.

إنه عباد الله أبا عبد الله مصعب بن عمير - رضي الله عنه -.

أيها المسلمون: مصعب بن عمير تحدثنا عنه شوارع مكة وطرقاتها، نواديها وعرصاتها، يحدثنا عنه أريج المسك والأطياب، وناعم المسكن والثياب، ولذيذ المطعم والشراب، بل تحدثنا عنه مكة بأسرها، بشبابها الذين كانوا يغبطونه على عيشه، وبفتياتها اللاتي طالما تمنين مثله، كل أولاء يحدثوننا عن مصعب بن عمير الذي ألقاهم وراءه، وسار إلى الله - تعالى -يحدوه الشوق ويدفعه الأمل ليرقى في منازل الصادقين.

عباد الله: لقد كان مصعب بن عمير قبل إسلامه فتى مكة شباباً وجمالاً، كان أبواه يحبانه حباً عظيماً، ويغدقان عليه بما يشاء من أسباب الراحة والترف، يكسى أحسن الثياب، ويلبس أجمل اللباس شهد له بذلك أصدق الخلق - صلى الله عليه وسلم - حين قال: " ما رأيت بمكة أحسن لمة وأرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير " ومع ما كان فيه من النعيم لمن يمنعه ذلك عن البحث عن نور الحق ومصدر السعادة، سمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه يدعو إلى دين جديد يحرر العباد من عبادة العباد إلى عباده رب العباد فقدم إليه مستخفياً وهو في دار الأرقم بن أبي الأرقم فسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما انشرح به صدره وارتاح له فؤاده فأعلنها بين يديه: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، ثم مضى - رضي الله عنه - حافظاً للعهد بأن يكتم إسلامه خوفاً على نبيه وسلامة لدينه وجسده أن ينال بالأذى كما نيل بذلك من سبقه.

لقد آثر - رضي الله عنه - الآخرة على الدنيا، مع علمه بأنه سيسلب النعيم الذي هو فيه، وسوف تتبدل حاله من العز إلى الذل، ومن السعة في نظر الناس إلى الضيق، ومن النعيم إلى الجحيم، ومن الراحة إلى التعب، ولقد صدق حدسه وظنه فبرغم حرصه على كتمان إسلامه إلا أن الواشين من المشركين أبوا إلا الوشاية به عند أمه وقومه نكاية به، وصداً عن سبيل الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء ".

أيها المسلمون: حين علمت أمه بإسلامه حلفت ألا تأكل أو تشرب أو تستظل حتى يرجع عن دينه ويترك محمداً وصحبه، فكانت تقف في الشموس حتى تسقط مغشياً عليها ولم يغير ذلك من حاله - رضي الله عنه -، فأدركت أمه حينها أن سياسة السراء والاستعطاف لا تجدي، فأمرت به فحبس في ركن قصي من أركان دارها وحرمته من كل النعيم الذي تغدقه عليه، حتى تغير لونه، وذهب لحمه، وأنهك جسده، وكان - صلى الله عليه وسلم - يمر عليه وهو بتلك الحال ينظر إليه فيبكي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يعرف من حاله ونعمته.

عباد الله: مضى مصعب بن عمير يجر قدميه فوق الشوك يعالج طريق الجنة التي حفت بالمكاره، حتى إذا سهل الله الفرج هاجر إلى الحبشة، فترك وطنه، وودع حبيبه فاراً بدينه مع ثلة من المؤمنين الصادقين، وهناك في الحبشة يبلغهم أن قريشاً هادنت المسلمين فيعود مصعب مع من عاد، فإذا قريش قد ازدادت شراسة عما كانت عليه من قبل، ولا صحة لما بلغهم من أمر الهدنة، فرجع مصعب فاراً بدينه مع أهل الهجرة الثانية إلى الحبشة، وتمضي الأيام ويعود مصعب إلى مكة ليشهد هذه المرة محنة الحصار في الشعب، وفي الشعب صبر مصعب وصابر، حتى أنهكه الجوع والعطش، فخارت قواه وصار لا يقدر على المشي، والمسلمون يحملونه على أكتافهم، يقول عنه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: كان مصعب أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا من شظف العيش لم يقو على ذلك، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا..

عباد الله: سمعت طلائع الأنصار بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأبت إلا أن تسلم وتبايع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم أول سفير في الإسلام، ذلكم الرجل الذي صقلته الأحداث، ولم تثنه الدنيا بزخرفها عن الثبات على المبدأ والتمسك بالعقيدة، حتى ولو اجتمعت الدنيا بأجمعها على حربه.

انطلق مصعب بن عمير إلى المدينة معلماً وداعية وإماماً، وما هي إلا أيام حتى تسلم المدينة كلها إلا من شاء الله على يد مصعب - رضي الله عنه -، فما أهناه وأسعده، الأنصار كلهم حسنة في ميزان حسناته - رضي الله عنه-.

أيها المسلمون: وحين أذن الله لنبيه بالقتال سمت همة ذلكم الشاب للدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والذود عنه، ففي السنة الثالثة من الهجرة دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - راية المسلمين في غزوة أحد إلى مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، فما اهتزت في يده رغم شدة القتال، ثم لما شاع في الناس مقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانكشف منهم من انكشف، ثبت مصعب مع القلة المؤمنة التي أحاطت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودفعت المشركين عنه، وأقبل - رضي الله عنه - يحمل الراية ويهتف مردداً قول الحق عز شأنه " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " فتقدم إليه عدو الله ابن القمئة فشد عليه، فضرب يده اليمنى فقطعها، ثم أخذ - رضي الله عنه - اللواء بيده اليسرى حتى لا يقع فضرب ابن القمئة يده اليسرى فقطعها، فانحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، فحمل عليه عدو الله الثالثة فأهوى بالرمح على جسده الطاهر، فخر - رضي الله عنه - على الأرض صريعاً.

وهكذا عباد الله قضى مصعب بن عمير - رضي الله عنه - نحبه، وهو ابن أربعين سنة، مات ميتة الأبطال، وهو عند الله - تعالى -من الشهداء الأبرار.

لقد باع الدنيا بالآخرة، وقدم الرخيص فظفر بالغالي، سقط جسده - رضي الله عنه - على الأرض وحلقت روحه إلى بارئها، ليبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

فتى مات بين الضرب والطعن ميتة * تقوم مقام النصر إن فاته النصر

وما مات حتى مات مضرب سيفه * من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

تردى ثياب الموت حمراً فما دجى * لها الليل إلا وهي من سندس خضر

ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة * غداة ثوى ألا اشتهـت أنها قبــر

عليك سلام الله وقفاً فإننـــي * رأيت الكريم الحر ليس له عمــر

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي يسد المرسلين، أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي كان غفوراً رحيماً.

الخطبة الثانية:

عباد الله: مضى مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، ومضى معه إخوانه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ذكراه ومواقفه التي نستلهم منها العبر لم ترحل، بل هي باقية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لقد مضى مصعب ذلك الشاب المترف الذي كان يلبس أحسن الثياب، وينتعل أفضل النعال، مضى من الدنيا ولا يملك شيئاً سوى ثوبه الذي عليه، إن غطوا رأسه بدت رجلاه، وإن غطوا رجليه بدا رأسه، يقول خباب بن الأرت - رضي الله عنه -: هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عمير - رضي الله عنه - قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر.

أيها المسلمون: إن حياة مثل هذا الرجل وتضحياته من أجل الوصول إلى هدفه، تعلمنا أن السائر في هذه الحياة وما يعتريها من عوارض وأحوال، وكوارث ونكبات، يجد الصبر ضرورة حياتية لكل عمل من أعمال الدنيا سلبا كان أو إيجابا، فبالصبر على مواقع الكره، تدرك الحظوظ، وعند انسداد الفرج تبدو مطالع الفرج، وبمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور، فمن صبر نال المنى، ومن شكر حصن النعمى ومن قل صبره عزب رأيه واشتد جزعه فصار صريع همومه وفريسة غمومه.

إني رأيت وفي الأيام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الأثـــر

وقل من جد في أمر يحاوله * واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

عباد الله: إن أحق الناس بالصبر والاحتذاء بمصعب - رضي الله عنه - هم علماء الملة، والدعاة إلى الشريعة، وحماة الفضيلة، لأن الطريق الذي سلكوه طريق صعب المشاق، شديد المكاره، مملوء بالأشواك، ومغروس بالأشلاء، ولن يجدوا الراحة والهناء إلا بعد مفارقة الحياة عند عزيز مقتدر.

عباد الله: ما مضى شيء من سيرة مصعب بن عمير - رضي الله عنه - فهل لشبابنا أن يتخذوه قدوة لهم في مجال العبادة والدعوة والعمل الصالح، هل لنا أن نحيي في شبابنا تلك الروح والهمة حتى نعيد للأمة مثل أمجاد الصحابة رضوان الله عليهم.

عباد الليل إذا جن الظلام بهم * كم عابد دمعه في الخد أجراه

وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم * هبوا إلى الموت يستجدون لقياه

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً * يشيدون لنا مجداً أضعناه.

أبو السعادات القاضى بن الاثير

أبو السعادات القاضى بن الاثير

***

ابن الأثير القاضي الرئيس العلامة البارع الأوحد البليغ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ثم الموصلي ، الكاتب ابن الأثير صاحب "جامع الأصول" و"غريب الحديث" وغير ذلك .

مولده بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمس مائة ونشأ بها ، ثم تحول إلى الموصل ، وسمع من يحيى بن سعدون القرطبي ، وخطيب الموصل وطائفة .

وروى الكتب نازلا فأسند "صحيح البخاري" عن ابن سرايا عن أبي الوقت ، و"صحيح مسلم" عن أبي ياسر بن أبي حبة ، عن إسماعيل بن السمرقندي ، عن التنكتي ، عن أبي الحسين عبد الغافر . ثم عن ابن سكينة إجازة عن الفراوي ، و"الموطأ" عن ابن سعدون ، حدثنا ابن عتاب عن ابن مغيث فوهم ، و"سنن أبي داود والترمذي" بسماعه من ابن سكينة ، و"سنن النسائي" ، أخبرنا يعيش بن صدقة عن ابن محمويه .

ثم اتصل بالأمير مجاهد الدين قيماز الخادم إلى أن توفي مخدومه ، فكتب الإنشاء لصاحب الموصل عز الدين مسعود الأتابكي ، وولي ديوان الإنشاء ، وعظم قدره . وله اليد البيضاء في الترسل ، وصنف فيه . ثم عرض له فالج في أطرافه ، وعجز عن الكتابة ، ولزم داره ، وأنشأ رباطا في قرية وقف عليه أملاكه ، وله نظم يسير .

قال الإمام أبو شامة قرأ الحديث والعلم والأدب ، وكان رئيسا مشاورا ، صنف "جامع الأصول" و"النهاية" و"شرحا لمسند الشافعي" وكان به نقرس ، فكان يحمل في محفة ، قرأ النحو على أبي محمد سعيد ابن الدهان ، وأبي الحرم مكي الضرير . إلى أن قال : ولما حج سمع ببغداد من ابن كُلَيب وحدث ، وانتفع به الناس ، وكان ورعا ، عاقلا، بهيا ، ذا برّ وإحسان . وأخوه عز الدين علي صاحب "التاريخ" ، وأخوهما الصاحب ضياء الدين مصنف كتاب "المثل السائر".

وقال ابن خَلِّكَان لمجد الدين كتاب "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" تفسيري الثعلبي والزمخشري ، وله كتاب "المصطفى المختار في الأدعية والأذكار" وكتاب لطيف في صناعة الكتابة ، وكتاب"البديع في شرح مقدمة ابن الدهان" وله "ديوان رسائل".

قلت : روى عنه ولده ، والشهاب القوصي ، والإمام تاج الدين ، عبد المحسن بن محمد بن محمد بن الحامض شيخ الباجربقي وطائفة . وآخر من روى عنه بالإجازة الشيخ فخر الدين ابن البخاري .

قال ابن الشعار كان كاتب الإنشاء لدولة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود ، وكان حاسبا ، كاتبا ، ذكيا ، إلى أن قال : ومن تصانيفه كتاب "الفروق في الأبنية" وكتاب "الأذواء والذوات"وكتاب "المختار في مناقب الأخيار" و"شرح غريب الطوال" . قال :وكان من أشد الناس بخلا .

قلت : من وقف عقاره لله فليس ببخيل ، فما هو ببخيل ، ولا بجواد ، بل صاحب حزم واقتصاد -رحمه الله !

عاش ثلاثا وستين سنة . توفي في سنة ست وست مائة بالموصل .

حكى أخوه العز ، قال : جاء مغربي عالج أخي بدهن صنعه ، فبانت ، ثمرته ، وتمكن من مد رجليه ، فقال لي : أعطه ما يرضيه واصرفه قلت :لماذا وقد ظهر النجح ؟ قال : هو كما تقول ، ولكني في راحة من ترك هؤلاء الدولة ، وقد سكنت نفسي إلى الانقطاع والدعة ، وبالأمس كنت أذل بالسعي إليهم ، وهنا فما يجيئوني إلا في مشورة مهمة ، ولم يبق من العمر إلا القليل .

القاضى أبو بكر بن العربى _ العلامة الحافظ


وكان أبوه أبو محمد من كبار أصحاب أبي محمد بن حزم الظاهري بخلاف ابنه القاضي أبي بكر ؛ فإنه منافر لابن حزم ، مُحِطٌ عليه بنفس ثائرة.

ارتحل مع أبيه ، وسمعا ببغداد من طراد بن محمد الزينبي ، وأبي عبد الله النعالي ، وأبي الخطاب ابن البطر ، وجعفر السراج ، وابن الطيوري ، وخلق ، وبدمشق من الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي ، وأبي الفضل بن الفرات ، وطائفة ، وببيت المقدس من مكي بن عبد السلام الزميلي ، وبالحرم الشريف من الحسين بن علي الفقيه الطبري ، وبمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي ، ومحمد بن عبد الله بن داود الفارسي وغيرهما.

وتفقه بالإمام أبي حامد الغزالي ، والفقيه أبي بكر الشاشي ، والعلامة الأديب أبي زكريا التبريزي ، وجماعة.

وذكر أبو القاسم بن عساكر أنه سمع بدمشق -أيضا- من أبي البركات ابن طاوس ، والشريف النسيب، وأنه سمع منه عبد الرحمن بن صابر ، وأخوه ، وأحمد بن سلامة الأبار ، ورجع إلى الأندلس في سنة إحدى وتسعين وأربع مائة.

قلت : رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته -أظن ببيت المقدس- وصنف ، وجمع ، وفي فنون العلم برع ، وكان فصيحا بليغا خطيبا.

صنف كتاب "عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي" وفسر القرآن المجيد ، فأتى بكل بديع ، وله كتاب "كوكب الحديث والمسلسلات" وكتاب "الأصناف" في الفقه ، وكتاب "أمهات المسائل" ، وكتاب "نزهة الناظر" وكتاب " ستر العورة " ، و " المحصول " في الأصول ، و "حسم الداء في الكلام على حديث السوداء" ، كتاب في الرسائل وغوامض النحويين ، وكتاب " ترتيب الرحلة للترغيب في الملة " و "الفقه الأصغر المعلب الأصغر" وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها .

واشتهر اسمه وكان رئيسا محتشما ، وافر الأموال بحيث أنشأ علي إشبيلية سورا من ماله.

حدث عنه : عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الحافظ ، وأحمد بن خلف الإشبيلي القاضي ، والحسن بن علي القرطبي ، وأبو بكر محمد بن عبد الله الفهري ، والحافظ أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي السهيلي ، ومحمد بن إبراهيم بن الفخار ، ومحمد بن يوسف بن سعادة ، وأبو عبد الله محمد بن علي الكتامي ، ومحمد بن جابر الثعلبي ، ونجبة بن يحيى الرعيني ، وعبد المنعم بن يحيى بن الخلوف الغرناطي ، وعلي بن أحمد بن لبال الشريشي ، وعدد كثير ، وتخرج به أئمة ، وآخر من حدث في الأندلس عنه بالإجازة في سنة ست عشرة وست مائة أبو الحسن علي بن أحمد الشقوري ، وأحمد بن عمر الخزرجي التاجر ، أدخل الأندلس إسنادا عاليا ، وعلما جما.

وكان ثاقب الذهن ، عذب المنطق ، كريم الشمائل ، كامل السؤدد ، ولي قضاء إشبيلية ، فحمدت سياسته ، وكان ذا شدة وسطوة ، فعزل ، وأقبل على نشر العلم وتدوينه.

وصفه ابن بشكوال بأكثر من هذا ، وقال أخبرني أنه ارتحل إلى المشرق في سنة خمس وثمانين وأربع مائة ، وسمعت منه بقرطبة وبإشبيلية كثيرا.

وقال غيره : كان أبوه رئيسا وزيرا عالما أديبا شاعرا ماهرا ، اتفق موته بمصر في أول سنة ثلاث وتسعين فرجع ابنه إلى الأندلس.

قال أبو بكر محمد بن طرخان : قال لي أبو محمد بن العربي : صحبت ابن حزم سبعة أعوام ، وسمعت منه جميع مصنفاته سوى المجلد الأخير من كتاب "الفصل" وقرأنا من كتاب "الإيصال" له أربع مجلدات ولم يفتني شيء من تواليفه سوى هذا.

كان القاضي أبو بكر ممن يقال : إنه بلغ رتبة الاجتهاد.

قال ابن النجار : حدث ببغداد بيسير ، وصنف في الحديث والفقه والأصول علوم القرآن والأدب والنحو والتواريخ ، واتسع حاله ، وكثر إفضاله ، ومدحته الشعراء ، وعلى بلده سور أنشأه من ماله .

وقد ذكره الأديب أبو يحيى اليسع بن حزم ، فبالغ في تقريظه ، وقال : ولي القضاء فمحن ، وجرى في أعراض الإمارة فلحن وأصبح تتحرك بآثاره الألسنة ، ويأتي بما أجرأه عليه القدر النوم والسنة ، وما أراد إلا خيرا ، نصب السلطان عليه شباكه ، وسكن الإدبار حراكه ، فأبداه للناس صورة تذم ، وسورة تتلى لكونه تعلق بأذيال الملك ، ولم يجرِ مجرى العلماء في مجاهرة السلاطين وحزبهم ؛ بل داهن ، ثم انتقل إلى قرطبة معظما مكرما حتى حول إلى العدوة ، فقضى نحبه .

قرأت بخط ابن مسدي في "معجمه" ، أخبرنا أحمد بن محمد بن مفرج النباتي سمعت ابن الجد الحافظ وغيره يقولون : حضر فقهاء إشبيلية : أبو بكر بن المرجى وفلان وفلان ، وحضر معهم ابن العربي ، فتذاكروا حديث المغفر ، فقال ابن المرجى : لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري. فقال ابن العربي : قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك فقالوا : أفدنا هذا. فوعدهم ، ولم يخرج لهم شيئا ، وفي ذلك يقول خلف بن خير الأديب :يـا أهْـلَ حِـمْصَ ومَـنْ بهـا أُوصِيكُم

بـالبرِّ والتَّقْـوَى وصِيَّـةَ مُشْفِقِ فَخُـذُوا عـــن العـربيِّ أسْمارَ الدُّجَى

وخُـذُوا الرِّوَايَـةَ عـن إمامٍ مُتَّقِ إنَّ الفَتَــى حُــلْوُ الكـــلام ِمُهَـذَّبٌ

إنْ لَمْ يجِدْ خَبَـرًا صَحِيحًـا يَخْلُقُ قلت : هذه حكاية ساذجة لا تدل على تعمد ، ولعل القاضي -رحمه الله- وَهِمَ ، وسري ذهنه إلى حديث آخر ، والشاعر يخلق الإفك ، ولم أنقم على القاضي -رحمه الله- إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له ، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم ، وأحفظ بكثير ، وقد أصاب في أشياء وأجاد ، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة ، والإنصاف عزيز.

قال أبو القاسم بن بشكوال توفي ابن العربي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة وفيها ورَّخه الحافظ أبو الحسن بن المفضل وابن خلكان.

وفيها توفي المسند الكبير أبو الدر ياقوت الرومي السفار صاحب ابن هزارمرد ، والمعمر أبو تمام أحمد بن محمد بن المختار بن المؤيد بالله الهاشمي السفار صاحب ابن المسلمة بنيسابور ، والفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقي الذي يروي الخطب والحافظ أبو علي الحسن بن مسعود ابن الوزير الدمشقي كهلا بمرو ، وقاضي القضاة أبو القاسم علي بن نور الهدى الحسين بن محمد الزينبي والمعمر أبو غالب محمد بن علي ابن الداية ومسند دمشق أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان ، ومفيد بغداد أبو بكر المبارك بن كامل الظفري الخفاف والشهيد شيخ المالكية أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي بدمشق.

قتل بأيدي الفرنج -رحمه الله.

أخبرنا محمد بن جابر القيسي المقرئ ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد القاضي بتونس ، أخبرنا أبو الربيع بن سالم الحافظ ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن جيش الحافظ ، حدثنا القاضي أبو بكر بن العربي ، حدثنا طراد الزينبي ، حدثنا هلال بن محمد ، حدثنا الحسين بن عياش ، حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا شعبة ، حدثنا جبلة بن سحيم ، عن ابن عمر ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : مَنْ جَرَّ ثوبًا مِنْ ثِيَابِه مِنْ مَخِيلَةٍ فإنَّ اللهَ لا ينْظُرُ إليْهِ .

وأخبرناه عاليا بدرجتين إسماعيل بن عبد الرحمن ، أخبرنا أبو محمد بن قدامة ، أخبرتنا شهدة وطائفة قالوا : أخبرنا طراد النقيب.. فذكره.

سيرة النبي شعيب عليه السلام

سيرة النبي شعيب عليه السلام 

على أرض مدين، وهي منطقة بالأردن الآن، كان يعيش قوم كفار يقطعون الطريق، ويسلبون أموال الناس الذين يمرون عليهم، ويعبدون شجرة كثيفة تسمى الأيكة.
وكانوا يسيئون معاملة الناس، ويغشُّون في البيع والشراء والمكيال والميزان، ويأخذون ما يزيد عن حقهم.
فأرسل الله إليهم رجلاً منهم هو رسول الله شعيب-عليه السلام-، فدعاهم إلى عبادة الله وعدم الشرك به، ونهاهم عن إتيان الأفعال الخبيثة، من نقص الناس أشياءهم، وسلب أموال القوافل التي تمر بديارهم.
فقال لهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)[الأعراف: 85].
وظل شعيب يدعو قومه ويبين لهم الحق، فآمن به عدد قليل من قومه وكفر أكثرهم، لكن شعيبا لم ييأس من عدم استجابتهم، بل أخذ يدعوهم، ويذكر لهم نعم الله التي لا تحصى، وينهاهم عن الغش في البيع والشراء.
لكن قومه لم يتقبلوا كلامه، ولم يؤمنوا به، بل قالوا له على سبيل الاستهزاء والتهكم: (يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد)[هود: 87].
فرد عليهم شعيب بعبارة لطيفة، يدعوهم فيها إلى الحق (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)[هود: 88].
وهكذا كان نبي الله شعيب قوي الحجة في دعوته إلى قومه، وقد سماه المفسرون خطيب الأنبياء لبراعته، ثم قال لهم ليخوفهم من عذاب الله: (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)[هود: 89].
فأخذوا يهددونه ويتوعدونه بالقتل لولا أهله وعشيرته، وقالوا له: (يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز)[هود: 91].
فقال لهم: (يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا إن ربي بما تعملون محيط)[هود: 92].
ثم أخذ يهددهم ويخوفهم من عذاب الله إن استمروا على طريق الضلال والعصيان، وعند ذلك خيره قومه بين أمرين: إما العودة إلى دين الآباء والأجداد، أو الخروج من البلاد مع الذي آمنوا معه، ولكن شعيبًا والذين آمنوا معه يثبتون على إيمانهم، ويفوضون أمرهم لله.
فما كان من قومه ألا أن اتهموه بالسحر والكذب، وسخروا من توعده إياهم العذاب، ويستعجلون هذا العذاب إن كان حقًّا. فدعا شعيب ربه قائلاً: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين[الأعراف: 89]، (أي احكم بيننا وبين قومنا بالعدل وأنت خير الحاكمين).فطلب الله سبحانه من شعيب أن يخرج هو ومن آمن معه؛ لأن العذاب سينزل بهؤلاء المكذبين، ثم سلط الله على الكفار حرًّا شديدًا جفت منه الزروع والضروع والآبار، فخرج الناس يلتمسون النجاة، فإذا بسحابة سوداء، فظنوا أن فيها المطر والرحمة، فتجمعوا تحتها حتى أظلتهم، لكنها أنزلت عليهم حممًا حارقة، ونيرانا ملتهبة أحرقتهم جميعًا، واهتزت الأرض، وأخذتهم صيحة أزهقت أرواحهم، وحولتهم إلى جثث هامدة لا حراك فيها ولا حياة.
ونجي الله شعيبًا والذين آمنوا معه من العذاب الأليم، قال تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود)[هود: 94-95].

صهيب الرومي رضي الله عنه

إنه الصحابي الجليل صهيب بن سنان الرومى، وقد كان صهيب في بداية حياته غلامًا صغيرًا يعيش في العراق في قصر أبيه الذي ولاه كسرى ملك الفرس حاكمًا على الأُبُلَّة (إحدى بلاد العراق)، وكان من نسل أولاد النمر بن قاسط من العرب، وقد هاجروا إلى العراق منذ زمنٍ بعيد، وعاش سعيدًا ينعم بثراء أبيه وغناه عدة سنوات.
وذات يوم، أغار الروم على الأبلة بلد أبيه، فأسروا أهلها، وأخذوه عبدًا، وعاش العبد العربي وسط الروم، فتعلم لغتهم، ونشأ على طباعهم، ثم باعه سيده لرجل من مكة يدعى عبد الله بن جدعان، فتعلم من سيده الجديد فنون التجارة، حتى أصبح ماهرًا فيها، ولما رأى عبد الله بن جدعان منه الشجاعة والذكاء والإخلاص في العمل، أنعم عليه فأعتقه.
وعندما أشرقت في مكة شمس الإسلام، كان صهيب ممن أسرع لتلبية نداء الحق، فذهب إلى دار الأرقم، وأعلن إسلامه أمام رسول الله (، ولم يَسْلَم صهيب من تعذيب مشركي مكة، فتحمل ذلك في صبر وجلد؛ ابتغاء مرضاة الله وحبًّا لرسوله (، وهاجر النبي ( بعد أصحابه إلى المدينة، ولم يكن صهيب قد هاجر بعد، فخرج ليلحق بهم، فتعرض له أهل مكة يمنعونه من الهجرة؛ لأنهم رأوا أن ثراء صهيب ليس من حقه، لأنه جاء إلى بلادهم حينما كان عبدًا فقيرًا، فلا يحق له أنه يخرج من بلادهم بماله وثرائه، وصغر المال في عين صهيب، وهان عليه كل ما يملك في سبيل الحفاظ على دينه، فساومهم على أن يتركوه، ويأخذوا ماله، ثم أخبرهم بمكان المال، وقد صدقهم في ذلك، فهو لا يعرف الكذب أو الخيانة.
وكان صهيب تاجرًا ذكيًّا، فتاجر بماله ونفسه في سبيل مرضاة ربه، فربح بيعه، وعظم أجره، واستحق أن يكون أول ثمار الروم في الإسلام، واستحقَّ ما روي عن رسول الله أنه قال: (صهيب سابق الروم) [ابن سعد]. وشارك صُهيب في جميع غزوات الرسول (، فها هو ذا يقول: لم يشهد رسول الله
( مشهدًا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله ( بيني وبين العدو قط حتى تُوُفِّي.
وواصل جهاده مع الصديق ثم مع الفاروق عمر -رضي الله عنهما-، وكان بطلا شجاعًا، وكان كريمًا جوادًا، يطعم الطعام، وينفق المال، قال له عمر -رضي الله عنه- يومًا: لولا ثلاث خصال فيك يا صهيب، ما قدمت عليك أحدًا، أراك تنتسب عربيًّا ولسانك أعجمي، وتُكنى بأبي يحيي، وتبذر مالك. فأجابه صهيب: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى، فإن رسول الله ( كناني بأبي يحيى فلن أتركها، وأما انتمائي إلى العرب، فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم (لغتهم)، وأنا رجل من النمر بن قاسط.
[ابن سعد].
وكان عمر -رضي الله عنه- يعرف لصهيب فضله ومكانته، فعندما طُعن -رضي الله عنه- أوصى بأن يصلي صهيب بالناس إلى أن يتفق أهل الشورى على أحد الستة الذين اختارهم قبل موته للخلافة؛ ليختاروا منهم واحدًا، وكان صهيب طيب الخلق، ذا مداعبة وظُرف، فقد رُوي أنه أتى المسجد يومًا وكانت إحدى عينيه مريضة، فوجد الرسول ( وأصحابه جالسين في المسجد، وأمامهم رطب، فجلس يأكل معهم، فقال له النبي ( مداعبًا: (تأكل التمر وبك رمد؟) فقال صهيب: يا رسول الله، أني أمضغ من ناحية أخرى (أي: آكل على ناحية عيني الصحيحة). [ابن ماجه]، فتبسم رسول الله (.
وظل صهيب يجاهد في سبيل الله حتى كانت الفتنة الكبرى، فاعتزل الناس، واجتنب الفتنة، وأقبل على العبادة حتى مات -رضي الله عنه- بالمدينة سنة (38هـ)، وعمره آنذاك (73) سنة، ودفن بالبقيع. وقد روى صهيب -رضي الله عنه- عن النبي ( أحاديث كثيرة، وروى عنه بعض الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم أجمعين-.

صفية بنت حيي -رضي الله عنها

سليلةُ الأنبياء صفية بنت حيي -رضي الله عنها-
- التعريف بها:
صفية بنت حيي بن أخطب، من الخزرج: من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت في الجاهلية من

ذوات الشرف، وكانت تدين باليهودية، من أهل المدينة، وتزوجها سلام ابن مشكم القرظي، ثم فارقها

فتزوجها كنانة ابن الربيع النضري، وقتل عنها يوم خيبر، وأسلمت، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكانت -رضي اللَّه عنها- سخية كريمة؛ فقد أهدت إلى السيدة فاطمة الزهراء وبعض أمهات المؤمنين

حلقات من ذهب، وتصدقت بثمن دارها قبل وفاتها.
وقَالَ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ:
"كانت صفية عاقلة حليمة فاضلة رَوَيْنَا أَنَّ جَارِيَةً لِصَفِيَّةَ أَتَتْ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَتْ: إِنَّ صَفِيَّةَ تُحِبُّ
السَّبْتَ، وَتَصِلُ اليَهُوْدَ. فَبَعَثَ عُمَرُ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ:أَمَّا السَّبْتُ، فَلَمْ أُحِبَّهُ مُنْذُ أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِ الجُمُعَةَ؛ وَأَمَّا

اليَهُوْدُ، فَإِنَّ لِي فِيْهِمْ رَحِماً، فَأَنَا أَصِلُهَا.ثُمَّ قَالَتْ لِلْجَارِيَةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ قَالَتِ: الشَّيْطَانُ.

قَالَتْ: فَاذْهَبِي، فَأَنْتِ حُرَّةٌ".(1).
توفيت -رضي الله عنها- في رمضان سنة 50 من الهجرة -في خلافة معاوية بن أبى سفيان رضي الله
عنهما- ودفنت بالبقيع بجوار أمهات المؤمنين، رضوان اللَّه عليهن أجمعين(2).
ذكر بعض مواقفها الاحتسابية:
الموقف الأول:
لما نصر اللَّه المسلمين على اليهود في خيبر نصرًا كبيرًا، وكانت هي من بين السبايا، قال لها رسول

اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لم يزل أبوك من أشدّ اليهود لى عداوة حتى قتله اللَّه تعالى.. يا صفية، إن
اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك". فقالت: يا رسول
اللَّه، إن اللَّه يقول في كتابه:﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:7]. وأنا قد هويتُ الإسلام وصدَّقْتُ بك

قبل أن تدعوني حيث صِرْت إلى رَحْلِكْ، ومالي في اليهودية أرَبٌ، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيّرتني الكفر

والإسلام، فاللَّه ورسوله أحبّ إلى من العتق وأن أرجع إلى قومي.(3)
فانظري أيتها المحتسبة في مثل هذا الموقف العظيم، من صفية -رضي الله عنها- حيث إنها قد جعلت

قضية إيمانها بالله تعالى هي قضية موت أو حياة وليست أماني.
ولعل من أبرز الدروس المستقاة للمرأة المحتسبة من هذا الموقف أن صاحبة الدين القويم والعقيدة

الصحيحة ينبغي أن لا تساوم فيها أو تحيد عنها، بل تجاهد من أجلها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
فيجب على المرأة المحتسبة أن تستيقظ وترفض المساومة على الثوابت أو التلاعب بالعقائد, وأن يعرف
الجميع أن روح الأمة أقوى من كل شيء، وعدم المساومة على مبادئ الحق والهدى.
فالمغريات بالانحراف والضغوطات الحياتية المتزايدة, تدفع إلى التنازل عن بعض المبادئ والقناعة من

أجل تحقيق بعض الرغبات والمصالح.
وإن التمسك بطريق النجاة وسبيل أهل الاستقامة أمر ليس بالهين والسهل وبخاصة في واقعنا المعاصر،
بل إنه يحتاج إلى مزيد عناية بالشرع، والتبصر بالدين، والإخلاص لله عز وجل والتواصي بالثبات عليه، وتجنب أسباب الانحراف، والتماس أسباب الثبات وسؤال الله عز وجل قبل ذلك وبعده الثبات على الدين

الصحيح، وتصريف القلب على طاعته. وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم- وهو أعلم الخلق بربه
وأقربهم إليه وسيلة، وقد رأى من آيات ربه الكبرى قد قال له ربه سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:74] فمن سواه أحوج إلى التثبيت، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال

من بيده التثبيت والتوفيق سبحانه.
وليس لصاحبة الدين، أن تقبل المساومة في دينها، والتنازل عن شيء من عقيدتها.. إنها كل لا يتجزأ..
فإما الحق، وإما الباطل.. وفى سبيل الحق تتحمل المرأة المحتسبة ـ في إيمان وصبر ـ كل ما يعرض له

من فتنة وبلاء..
يقول "آزاد": " الإسلام من أوله إلى آخره دعوة عامة إلى البسالة، والجرأة؟ والتضحية، والاستهانة بالموت

في سبيل الحق.. وقد ابيضت عين الدهر، ولم تر مثل هذه التضحيات الكثيرة في إعلاء كلمة الحق التي
قدمتها الأمة الإسلامية في كل دور من حياتها..........(4)".
الموقف الثاني:
موقفها الاحتسابي مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان-رضي الله عنه-:
وقد وقفت السيدة صفية بجانب الحق حين تعرض أمير المؤمنين عثمان بن عفان للحصار في منزله،

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:كُنْتُ مِمَّنْ حَمَلَ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ جَرِيْحاً مِنْ دَارِ عُثْمَانَ، وَقُدْتُ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ،

لِتَرُدَّ عَنْ عُثْمَانَ، فَلَقِيَهَا الأَشْتَرُ، فَضَربَ وَجْهَ بَغْلَتِهَا، حَتَّى مَالَتْ، فَقَالَتْ: رُدُّوْنِي، لاَ يَفْضَحُنِي هَذَا

الكَلْبُ.قَالَ: فَوَضَعتْ خَشباً بَيْنَ مَنْزِلِهَا وَبَيْنَ مَنْزِلِ عُثْمَانَ، تَنقُلُ عَلَيْهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.(5)
فلكي أيتها المحتسبة أن تقتدي بتلك المرأة المحتسبة، وأن تتعلمي منها التضحية من أجل الحق وأهله،

لقد ضربت هذه المرأة -رضي الله عنها- أروع الأمثلة في التضحية من أجل الحق.
وكمال التضحية من أجل الدين يتم بسبعة أمور:
التضحية بالنفس..
والأهل..
والوقت..
والمال..
والجاه..
والدار..
والشهوات.. كما فعل ذلك الأنبياء والصحابة.

لشيخنا الجليل المحدث المسند طه بوسريح التونسي

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فهذه نبذة عن شخصية تونسيّة مغمورة عند كثيرين، وعالم زيتوني جليل محقّق نبيل، هو شيخنا الجليل الدكتور أبو علي طه بن علي بوسريح التونسي الأثري حفظه الله رئيس وحدة الحديث والسيرة بجامعة الزيتونة ورئيس دار الحديث بتونس..
صال قلمه وجال بين التحقيقات والخريجات والتأليفات فمن تحقيقاته: كتاب الجمع بين الصحيحين للحافظ عبد الحق الإشبيلي (قدّم له د بشار عواد) ومطالع الأنوار لابن قرقول في 5 مجلدات عن دار ابن حزم، ومسند الموطأ للبطليموسي وجزة في الأربعين في المساواة للحافظ ابن عساكر (قدّم له الشيخ عبد القادر الأرنؤوط)، وجزء لأبي عمرو الداني في مصطلح الحديث، وغيرها.. ومن تآليفه: المنهج النقدي عند ابن حزم والمنهج النقدي عند الحافظ ابن عبد البرّ منخلال التمهيدوقد طبعا بدار ابن حزم، ومن جهود شيوخ الزيتونة في التحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.. والكثير من الأعمال الأخرى..
وهو هذا ويروي الشيخ طه عن العلامة محمد الشاذلي النيفر وهو عمدته، وعن الشيخ إسماعيل بن ماحي الأنصاري والشيخ عبد العزيز الغماري وأحمد محمد زبارة مفتي اليمن وعبد الله التليدي وأبي أويس محمد بوخبزة ويوسف العتوم الأردني وتدبّج مع كثيرين وهو من القلائل الذي يروون عن العلامة حماد الأنصاري محدث المدينة لشدّته المعروفة وقد سمع الشيخ منه الأولية بشرطه وأجازه إجازةة عامّة رحمه الله.. وغيرهم..
فهذه نبذة صغيرة عن حياة شيخنا الجليل الذي لازلنا ننهل من علومه ومعارفه.. حفظه الله وجزاه عني خيرا كثيرًا..

زياد علي

زياد علي محمد