الثلاثاء، 10 سبتمبر 2019

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

كما يكون الخير فى حياة العظماء يكون الخير فى موتهم أيضا ؛ ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة.‏
وكما أن العظماء فى التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضاً ، وتلك حكمة الله فى البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لا بد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .‏

إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى فى العصر الحديث .‏
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر فى تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسؤولية المواصلة على الطريق، والسير على الدرب والأمل فى الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها فى علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد.

من هو محمود شاكر
الشيخ العلم الأستاذ محمود محمد شاكر رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. أمضى حياته فى رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .. رحل عنا ـ بعد عطاء فياض ـ مودعا سجن الدنيا وانتقل الى جوار ربه، تاركاً نموذجاً طيباً، وقدوة حسنة، وفكراً إسلامياً مستنيراً .‏

ولد الشيخ محمود محمد شاكر فى الإسكندرية، وكان أبوه جندياً من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة وكيلا للجامع الأزهر .‏

التحق الشيخ محمود شاكر بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكراً وهو لا يزال فى السنوات الأولى بكليةا لآداب حتى أعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين، التى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى ، فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة، وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله .‏

وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية فى مجلة الرسالة تحت عنوان : نمط صعب وذلك فى مواجهة صريحة معلنة مع الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك فى أصول اللغة العربية ‏.

محمود شاكر بقلم محمود شاكر
وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى فى حيرة زائغة، وضلالة مضيئة ، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك ، وأن أخسر دنياى وآخرتى ، محققا إثما يقذف بى فى عذاب الله بما جنيت ، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب . فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا فى غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب .

ويواصل شيخنا الحديث عن نفسه قائلا : لم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ، وبقوض كل قائم فى نفسى ، وفى طريقى ، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا ، وبعيدة جدا ، وشاقة ومثيرة جدا ..

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله ، أو ما وقع تحت يدى منه على الأصح ، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر ، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله ، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها الى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها ، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين ،وشئت بعد ذلك من أبواب العلم .‏

وسافر شيخنا الى السعودية فتره من الزمن وأنشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير .
ومع بداية الستينيات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض الذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين ، واللاتينيين ثم راح يشكك فى الشعر العربى ، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين والتغريبيون.‏
معركته مع طـه حسـين
إن الذين حركتهم وفاة هذا الرجل لبيان رسالته إلى العامة قليل من الكتاب ولكن عملهم كان جليل الشأن لأنهم من النخبة ، والنخبة دائما عددهم قليل، لكن أثرهم كبير وخطير، فهم مثل الحبة التى ينبت بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة..‏

ولقد كان هذاالرجل حبة مباركة ملأ صوته الدنيا وهو لا يزال شابا لم يبلغ العشرين وكان إذ ذاك فى سن الاستعداد العلمى حيث كان طالبا فى السنة الثانية من كلية الآداب .. فتى فى أول شبابه الجسمى ، ولكن عقله كان قد اكتمل بالمعرفة والنضوج إلى الحد الذى نازل فيه أستاذه الدكتور طه حسين ومهما تكن النيه التى توافرت لدى هذا الأستاذ وهو مصدر كتابه الشعر الجاهلى فإن موضوع الكتاب كان خطيرا للغاية .‏

لقد كان يدعى أن الشعر الجاهلى لا أساس له وهو غير حقيقى لأنه منتحل فى عصر الإسلام .وهو بهذا ينفى عن الأمة العربية كتاب حياتها ، فالشعر ديوان العرب . وبالتالى فهو ينفى النموذج الذى تحداه القرآن الكريم وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه ، بالإضافة الى التداعيات الأخري لهذا الكلام .‏ والكتاب يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء ، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام .‏

ولقد لقى هذا الكتاب تأييداً واسعا باسم الحرية التى يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب والفنانين، ولكنه وجد معارضة أوسع؛ لأن الحرية يجب أن تكون للبناء وليس للهدم، وأن تكون حركتها داخل إطار يوجهها إلى الخير وليس إلى الشر.‏

ولقد وقف الأزهر الشريف عند هذا الكتاب وقفة تريد الإصلاح وترفض الإفساد. وهيئة مثل الأزهر الشريف حين تقف هذه الوقفة إنما تستعين بأعلامها وعلمائها الكبار الذين لهم فى العلم قدم ثابته ورسوخ عتيد .‏

لكن أن يقف شاب فى السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه فى قضية كهذه فإن هذا يشد الانتباه جدا، لقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدا قويا واضحا، ورد عليه ما قال، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. عاد من باريس بعد أن حاز أرقى الشهادات وجاء ليردد ما سمعه وتلقاه فى الخارج عن تراثنا العربى والإسلامى ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين وضاعت حقائق كثيرة فى رخامة صوته وحسن إلقاء ما يقول فى أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلى عليهم هذه الحيل قليلون، ولكن كان منهم هذا الشاب الفتى فى كلية الأداب، ولأنه كان من أهل الحقيقة فقد وجد أن وجوده فى الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه..

فإذا كان هذا هو حال أستاذه الذى جاء إلى الجامعة ليتلقى عنه فالبقاء فيها عبث وأى عبث، وهجر الجامعة ليتعلم من كتب التراث التى تملأ جدران بيوت قومه وهى كثيرة وكانت حصيلته وفيرة .‏

ومع لويس عوض أيضاً
إذا كانت هذه هى معركتة الأولى نازل فيها رجلا قوى الشكيمة واسع الحيلة، فإنه مع جهود الآخرين اضطره إلى التراجع عما قال، وغير فى كتابه الشعر الجاهلى ما كان موضع المؤاخذة لكنه أبقى فيه سموماً أخرى أزرت بالكتاب من أن يقتنيه الناس وجعلت المطابع تعزف عن طبعه ونشره.‏

لكن آثار التغريب لا تزال قائمة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وما هم بالمثقفين فترى بين الحين والحين كلاما يكتب عن حرية الكاتب ونرى الحديث عن كتاب الشعر مدسوسا في هذا الكلام وسياسة التغريب لا تكف عن المحاولات الجاهلى حتى إننا رأينا منذ عامين تقريبا مجلة تصدرها الدولة وتنفق عليها من أموالها ، ولكن يرأس تحريرها أحد هؤلاء الذى يسمون أنفسم بالمثقفين الداعين إلى حرية الكلمة الخارجة على النظام ..رأينا هذه المجلة تنشر النص الأول لكتاب الشعر الجاهلى الذى رجع عنه مؤلفها وأدخل فيه تعديلات .‏

سياسة التغريب هذه هى التى دعت المحقق العظيم محمود شاكر إلى الدخول فى معركة أخرى ضد الدكتور لويس عوض حينما زعم أن فكر أبى العلا المعرى وفلسفته ليست أصيلة عنده ، وإنما هى مأخوذة عن فكر أجنبى . ومعنى هذا أن العبقرية العربية ليست عبقرية خلاقة وإنما هى عبقرية تابعة وناقلة ، وكثيرة هى الادعاءات ضد العربية والإسلام التى جاءت فى كتابات الدكتور لويس عوض .‏
وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية ، وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شيء يحتاج إلى الذين يدفعونه .‏

ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات لويس عوض وأجهضها تماما، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى فى كتاب، وقال إنه لولا شدة الأستاذ محمود شاكر فى مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيراً.‏

ومن هنا فإن الدكتور لويس عوض يعيب وسيلة محمود شاكر ولا يعيب علمه ولا تحقيقه. ‏وهذا اعتراف حمدناه فى حينه للدكتور لويس عوض ونحمده له بعد سنوات من وفاته لكننا نحمد أكثر وأكثر صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر فى مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها فى كتابه أباطيل وأسمار الذي كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .‏

جرأة فى الحـق
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلماً وعدواناً ، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .‏

وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلاً لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وكرمته الدولة بجائزتها التقديرية ، ثم انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية .
وفى العام نفسه استحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية .

وفى منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدة أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما ـ مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ـ مقلدان للغرب وليسا مبتكرين، بل يقدمان نفس الرؤى التى كان أولئكم ينادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون فى طريق الخطأ .
وقال عنهم: "إنهم ام يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون فى طريق صحيح لكان لهم شأن آخر .. صحيح أنهم مجتهدون ولهم جهود دائمة دائبة ، ولكنها ضئيلة ، وباهتة فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله".

ولعل جرأة شيخنا فى الحق وفى الصدع به كانت سببا فى تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله التى وسعت كل شيء؟.
تحقيق التـراث
وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض ولا من على شاكلتهما، إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام ، هذا التحقيق الذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر قام عليه شيوخ أعلام من أبرزهم الشيخ محمود شاكر ، ولقد كانت فطنته أنه اتبع الأولين وأحيا طرائقهم .‏

وإن قضية جمع القرآن فى عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه هى أولى الدرجات فى علم تحقيق التراث الإسلامى . ومع أنها أولى الدرجات فإنها كانت وافية تماما للتأكد من صحة النص وصحة نسبه إلى الذي نزل عليه القرآن .‏

وجمع الحديث وتحقيقه جاء من كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله إلى غير ذلك مما يعرفه الناس عن مكانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن

إن المدرسة الإسلامية جاءت فى تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق فى تحقيق تراث الأمم. ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل فى تحقيق التراث الإسلامى .‏

إن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة فى مراجعة ما جمعوا من حديث للتأكد من صحة نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسموا الأحاديث الصحيحة إلى درجات كثيرة فى صحتها ، فمنها المتواتر ، ومنها الآحاد ، ومنها الصحيح لنفسه ، ومنها الصحيح لغيره ، ومنها الحسن ، وغير ذلك مما يمكن الرجوع إليه فى هذا العلم العظيم الذى يجب أن يسود حياتنا الثقافية وأن نجد لقواعده أثرا فى تحقيقاتنا للتراث الإسلامى ، وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر فى تحقيقه للتراث وفى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية .
ومن هنا تأتى أهمية الرجل ولفت الأنظار إليه فى حياته وما كان من أثر وفاته فى تنبيه العقول إلى تراث الأمة وتحقيق علمائها له بأنفسهم بعد أن يتعلموا هذا الفن الجليل ويستكملوا أسبابه من علم بلغة القرآن وفى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى وما تركه لنا الأجداد من مخطوطات بعضها بين أيدينا وبعضها سرقه الاستعمار الاستشراقى من خزانات كتبنا . وإن محمود شاكر له آثار جليلة فى تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏
ونظرا لمجهودات الشيخ شاكر الكبيرة انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعـضــوا بـمـجمع الخالــديـن .
كماحصل عى جائزة الدولة المصريةالتقديرية فى الآداب .‏
حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام عن كتابه المتنبى الذى يقع فى مجلدين من القطع الكبير ، وقد أنجز هذا الكتاب، ثم أعاد تحقيقه وتنقيحه وتزويده بوثائق جديدة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هـــذه الـجــائــــزة

إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته .. فيا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

كما يكون الخير فى حياة العظماء يكون الخير فى موتهم أيضا ؛ ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة.‏
وكما أن العظماء فى التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضاً ، وتلك حكمة الله فى البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لا بد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .‏

إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى فى العصر الحديث .‏
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر فى تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسؤولية المواصلة على الطريق، والسير على الدرب والأمل فى الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها فى علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد.

من هو محمود شاكر
الشيخ العلم الأستاذ محمود محمد شاكر رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. أمضى حياته فى رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .. رحل عنا ـ بعد عطاء فياض ـ مودعا سجن الدنيا وانتقل الى جوار ربه، تاركاً نموذجاً طيباً، وقدوة حسنة، وفكراً إسلامياً مستنيراً .‏

ولد الشيخ محمود محمد شاكر فى الإسكندرية، وكان أبوه جندياً من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة وكيلا للجامع الأزهر .‏

التحق الشيخ محمود شاكر بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكراً وهو لا يزال فى السنوات الأولى بكليةا لآداب حتى أعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين، التى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى ، فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة، وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله .‏

وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية فى مجلة الرسالة تحت عنوان : نمط صعب وذلك فى مواجهة صريحة معلنة مع الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك فى أصول اللغة العربية ‏.

محمود شاكر بقلم محمود شاكر
وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى فى حيرة زائغة، وضلالة مضيئة ، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك ، وأن أخسر دنياى وآخرتى ، محققا إثما يقذف بى فى عذاب الله بما جنيت ، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب . فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا فى غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب .

ويواصل شيخنا الحديث عن نفسه قائلا : لم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ، وبقوض كل قائم فى نفسى ، وفى طريقى ، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا ، وبعيدة جدا ، وشاقة ومثيرة جدا ..

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله ، أو ما وقع تحت يدى منه على الأصح ، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر ، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله ، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها الى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها ، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين ،وشئت بعد ذلك من أبواب العلم .‏

وسافر شيخنا الى السعودية فتره من الزمن وأنشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير .
ومع بداية الستينيات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض الذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين ، واللاتينيين ثم راح يشكك فى الشعر العربى ، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين والتغريبيون.‏
معركته مع طـه حسـين
إن الذين حركتهم وفاة هذا الرجل لبيان رسالته إلى العامة قليل من الكتاب ولكن عملهم كان جليل الشأن لأنهم من النخبة ، والنخبة دائما عددهم قليل، لكن أثرهم كبير وخطير، فهم مثل الحبة التى ينبت بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة..‏

ولقد كان هذاالرجل حبة مباركة ملأ صوته الدنيا وهو لا يزال شابا لم يبلغ العشرين وكان إذ ذاك فى سن الاستعداد العلمى حيث كان طالبا فى السنة الثانية من كلية الآداب .. فتى فى أول شبابه الجسمى ، ولكن عقله كان قد اكتمل بالمعرفة والنضوج إلى الحد الذى نازل فيه أستاذه الدكتور طه حسين ومهما تكن النيه التى توافرت لدى هذا الأستاذ وهو مصدر كتابه الشعر الجاهلى فإن موضوع الكتاب كان خطيرا للغاية .‏

لقد كان يدعى أن الشعر الجاهلى لا أساس له وهو غير حقيقى لأنه منتحل فى عصر الإسلام .وهو بهذا ينفى عن الأمة العربية كتاب حياتها ، فالشعر ديوان العرب . وبالتالى فهو ينفى النموذج الذى تحداه القرآن الكريم وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه ، بالإضافة الى التداعيات الأخري لهذا الكلام .‏ والكتاب يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء ، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام .‏

ولقد لقى هذا الكتاب تأييداً واسعا باسم الحرية التى يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب والفنانين، ولكنه وجد معارضة أوسع؛ لأن الحرية يجب أن تكون للبناء وليس للهدم، وأن تكون حركتها داخل إطار يوجهها إلى الخير وليس إلى الشر.‏

ولقد وقف الأزهر الشريف عند هذا الكتاب وقفة تريد الإصلاح وترفض الإفساد. وهيئة مثل الأزهر الشريف حين تقف هذه الوقفة إنما تستعين بأعلامها وعلمائها الكبار الذين لهم فى العلم قدم ثابته ورسوخ عتيد .‏

لكن أن يقف شاب فى السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه فى قضية كهذه فإن هذا يشد الانتباه جدا، لقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدا قويا واضحا، ورد عليه ما قال، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. عاد من باريس بعد أن حاز أرقى الشهادات وجاء ليردد ما سمعه وتلقاه فى الخارج عن تراثنا العربى والإسلامى ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين وضاعت حقائق كثيرة فى رخامة صوته وحسن إلقاء ما يقول فى أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلى عليهم هذه الحيل قليلون، ولكن كان منهم هذا الشاب الفتى فى كلية الأداب، ولأنه كان من أهل الحقيقة فقد وجد أن وجوده فى الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه..

فإذا كان هذا هو حال أستاذه الذى جاء إلى الجامعة ليتلقى عنه فالبقاء فيها عبث وأى عبث، وهجر الجامعة ليتعلم من كتب التراث التى تملأ جدران بيوت قومه وهى كثيرة وكانت حصيلته وفيرة .‏

ومع لويس عوض أيضاً
إذا كانت هذه هى معركتة الأولى نازل فيها رجلا قوى الشكيمة واسع الحيلة، فإنه مع جهود الآخرين اضطره إلى التراجع عما قال، وغير فى كتابه الشعر الجاهلى ما كان موضع المؤاخذة لكنه أبقى فيه سموماً أخرى أزرت بالكتاب من أن يقتنيه الناس وجعلت المطابع تعزف عن طبعه ونشره.‏

لكن آثار التغريب لا تزال قائمة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وما هم بالمثقفين فترى بين الحين والحين كلاما يكتب عن حرية الكاتب ونرى الحديث عن كتاب الشعر مدسوسا في هذا الكلام وسياسة التغريب لا تكف عن المحاولات الجاهلى حتى إننا رأينا منذ عامين تقريبا مجلة تصدرها الدولة وتنفق عليها من أموالها ، ولكن يرأس تحريرها أحد هؤلاء الذى يسمون أنفسم بالمثقفين الداعين إلى حرية الكلمة الخارجة على النظام ..رأينا هذه المجلة تنشر النص الأول لكتاب الشعر الجاهلى الذى رجع عنه مؤلفها وأدخل فيه تعديلات .‏

سياسة التغريب هذه هى التى دعت المحقق العظيم محمود شاكر إلى الدخول فى معركة أخرى ضد الدكتور لويس عوض حينما زعم أن فكر أبى العلا المعرى وفلسفته ليست أصيلة عنده ، وإنما هى مأخوذة عن فكر أجنبى . ومعنى هذا أن العبقرية العربية ليست عبقرية خلاقة وإنما هى عبقرية تابعة وناقلة ، وكثيرة هى الادعاءات ضد العربية والإسلام التى جاءت فى كتابات الدكتور لويس عوض .‏
وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية ، وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شيء يحتاج إلى الذين يدفعونه .‏

ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات لويس عوض وأجهضها تماما، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى فى كتاب، وقال إنه لولا شدة الأستاذ محمود شاكر فى مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيراً.‏

ومن هنا فإن الدكتور لويس عوض يعيب وسيلة محمود شاكر ولا يعيب علمه ولا تحقيقه. ‏وهذا اعتراف حمدناه فى حينه للدكتور لويس عوض ونحمده له بعد سنوات من وفاته لكننا نحمد أكثر وأكثر صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر فى مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها فى كتابه أباطيل وأسمار الذي كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .‏

جرأة فى الحـق
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلماً وعدواناً ، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .‏

وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلاً لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وكرمته الدولة بجائزتها التقديرية ، ثم انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية .
وفى العام نفسه استحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية .

وفى منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدة أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما ـ مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ـ مقلدان للغرب وليسا مبتكرين، بل يقدمان نفس الرؤى التى كان أولئكم ينادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون فى طريق الخطأ .
وقال عنهم: "إنهم ام يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون فى طريق صحيح لكان لهم شأن آخر .. صحيح أنهم مجتهدون ولهم جهود دائمة دائبة ، ولكنها ضئيلة ، وباهتة فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله".

ولعل جرأة شيخنا فى الحق وفى الصدع به كانت سببا فى تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله التى وسعت كل شيء؟.
تحقيق التـراث
وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض ولا من على شاكلتهما، إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام ، هذا التحقيق الذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر قام عليه شيوخ أعلام من أبرزهم الشيخ محمود شاكر ، ولقد كانت فطنته أنه اتبع الأولين وأحيا طرائقهم .‏

وإن قضية جمع القرآن فى عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه هى أولى الدرجات فى علم تحقيق التراث الإسلامى . ومع أنها أولى الدرجات فإنها كانت وافية تماما للتأكد من صحة النص وصحة نسبه إلى الذي نزل عليه القرآن .‏

وجمع الحديث وتحقيقه جاء من كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله إلى غير ذلك مما يعرفه الناس عن مكانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن

إن المدرسة الإسلامية جاءت فى تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق فى تحقيق تراث الأمم. ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل فى تحقيق التراث الإسلامى .‏

إن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة فى مراجعة ما جمعوا من حديث للتأكد من صحة نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسموا الأحاديث الصحيحة إلى درجات كثيرة فى صحتها ، فمنها المتواتر ، ومنها الآحاد ، ومنها الصحيح لنفسه ، ومنها الصحيح لغيره ، ومنها الحسن ، وغير ذلك مما يمكن الرجوع إليه فى هذا العلم العظيم الذى يجب أن يسود حياتنا الثقافية وأن نجد لقواعده أثرا فى تحقيقاتنا للتراث الإسلامى ، وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر فى تحقيقه للتراث وفى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية .
ومن هنا تأتى أهمية الرجل ولفت الأنظار إليه فى حياته وما كان من أثر وفاته فى تنبيه العقول إلى تراث الأمة وتحقيق علمائها له بأنفسهم بعد أن يتعلموا هذا الفن الجليل ويستكملوا أسبابه من علم بلغة القرآن وفى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى وما تركه لنا الأجداد من مخطوطات بعضها بين أيدينا وبعضها سرقه الاستعمار الاستشراقى من خزانات كتبنا . وإن محمود شاكر له آثار جليلة فى تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏
ونظرا لمجهودات الشيخ شاكر الكبيرة انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعـضــوا بـمـجمع الخالــديـن .
كماحصل عى جائزة الدولة المصريةالتقديرية فى الآداب .‏
حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام عن كتابه المتنبى الذى يقع فى مجلدين من القطع الكبير ، وقد أنجز هذا الكتاب، ثم أعاد تحقيقه وتنقيحه وتزويده بوثائق جديدة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هـــذه الـجــائــــزة

إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته .. فيا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

كما يكون الخير فى حياة العظماء يكون الخير فى موتهم أيضا ؛ ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة.‏
وكما أن العظماء فى التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضاً ، وتلك حكمة الله فى البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لا بد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .‏

إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى فى العصر الحديث .‏
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر فى تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسؤولية المواصلة على الطريق، والسير على الدرب والأمل فى الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها فى علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد.

من هو محمود شاكر
الشيخ العلم الأستاذ محمود محمد شاكر رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. أمضى حياته فى رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .. رحل عنا ـ بعد عطاء فياض ـ مودعا سجن الدنيا وانتقل الى جوار ربه، تاركاً نموذجاً طيباً، وقدوة حسنة، وفكراً إسلامياً مستنيراً .‏

ولد الشيخ محمود محمد شاكر فى الإسكندرية، وكان أبوه جندياً من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة وكيلا للجامع الأزهر .‏

التحق الشيخ محمود شاكر بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكراً وهو لا يزال فى السنوات الأولى بكليةا لآداب حتى أعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين، التى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى ، فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة، وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله .‏

وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية فى مجلة الرسالة تحت عنوان : نمط صعب وذلك فى مواجهة صريحة معلنة مع الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك فى أصول اللغة العربية ‏.

محمود شاكر بقلم محمود شاكر
وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى فى حيرة زائغة، وضلالة مضيئة ، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك ، وأن أخسر دنياى وآخرتى ، محققا إثما يقذف بى فى عذاب الله بما جنيت ، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب . فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا فى غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب .

ويواصل شيخنا الحديث عن نفسه قائلا : لم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ، وبقوض كل قائم فى نفسى ، وفى طريقى ، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا ، وبعيدة جدا ، وشاقة ومثيرة جدا ..

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله ، أو ما وقع تحت يدى منه على الأصح ، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر ، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله ، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها الى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها ، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين ،وشئت بعد ذلك من أبواب العلم .‏

وسافر شيخنا الى السعودية فتره من الزمن وأنشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير .
ومع بداية الستينيات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض الذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين ، واللاتينيين ثم راح يشكك فى الشعر العربى ، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين والتغريبيون.‏
معركته مع طـه حسـين
إن الذين حركتهم وفاة هذا الرجل لبيان رسالته إلى العامة قليل من الكتاب ولكن عملهم كان جليل الشأن لأنهم من النخبة ، والنخبة دائما عددهم قليل، لكن أثرهم كبير وخطير، فهم مثل الحبة التى ينبت بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة..‏

ولقد كان هذاالرجل حبة مباركة ملأ صوته الدنيا وهو لا يزال شابا لم يبلغ العشرين وكان إذ ذاك فى سن الاستعداد العلمى حيث كان طالبا فى السنة الثانية من كلية الآداب .. فتى فى أول شبابه الجسمى ، ولكن عقله كان قد اكتمل بالمعرفة والنضوج إلى الحد الذى نازل فيه أستاذه الدكتور طه حسين ومهما تكن النيه التى توافرت لدى هذا الأستاذ وهو مصدر كتابه الشعر الجاهلى فإن موضوع الكتاب كان خطيرا للغاية .‏

لقد كان يدعى أن الشعر الجاهلى لا أساس له وهو غير حقيقى لأنه منتحل فى عصر الإسلام .وهو بهذا ينفى عن الأمة العربية كتاب حياتها ، فالشعر ديوان العرب . وبالتالى فهو ينفى النموذج الذى تحداه القرآن الكريم وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه ، بالإضافة الى التداعيات الأخري لهذا الكلام .‏ والكتاب يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء ، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام .‏

ولقد لقى هذا الكتاب تأييداً واسعا باسم الحرية التى يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب والفنانين، ولكنه وجد معارضة أوسع؛ لأن الحرية يجب أن تكون للبناء وليس للهدم، وأن تكون حركتها داخل إطار يوجهها إلى الخير وليس إلى الشر.‏

ولقد وقف الأزهر الشريف عند هذا الكتاب وقفة تريد الإصلاح وترفض الإفساد. وهيئة مثل الأزهر الشريف حين تقف هذه الوقفة إنما تستعين بأعلامها وعلمائها الكبار الذين لهم فى العلم قدم ثابته ورسوخ عتيد .‏

لكن أن يقف شاب فى السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه فى قضية كهذه فإن هذا يشد الانتباه جدا، لقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدا قويا واضحا، ورد عليه ما قال، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. عاد من باريس بعد أن حاز أرقى الشهادات وجاء ليردد ما سمعه وتلقاه فى الخارج عن تراثنا العربى والإسلامى ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين وضاعت حقائق كثيرة فى رخامة صوته وحسن إلقاء ما يقول فى أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلى عليهم هذه الحيل قليلون، ولكن كان منهم هذا الشاب الفتى فى كلية الأداب، ولأنه كان من أهل الحقيقة فقد وجد أن وجوده فى الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه..

فإذا كان هذا هو حال أستاذه الذى جاء إلى الجامعة ليتلقى عنه فالبقاء فيها عبث وأى عبث، وهجر الجامعة ليتعلم من كتب التراث التى تملأ جدران بيوت قومه وهى كثيرة وكانت حصيلته وفيرة .‏

ومع لويس عوض أيضاً
إذا كانت هذه هى معركتة الأولى نازل فيها رجلا قوى الشكيمة واسع الحيلة، فإنه مع جهود الآخرين اضطره إلى التراجع عما قال، وغير فى كتابه الشعر الجاهلى ما كان موضع المؤاخذة لكنه أبقى فيه سموماً أخرى أزرت بالكتاب من أن يقتنيه الناس وجعلت المطابع تعزف عن طبعه ونشره.‏

لكن آثار التغريب لا تزال قائمة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وما هم بالمثقفين فترى بين الحين والحين كلاما يكتب عن حرية الكاتب ونرى الحديث عن كتاب الشعر مدسوسا في هذا الكلام وسياسة التغريب لا تكف عن المحاولات الجاهلى حتى إننا رأينا منذ عامين تقريبا مجلة تصدرها الدولة وتنفق عليها من أموالها ، ولكن يرأس تحريرها أحد هؤلاء الذى يسمون أنفسم بالمثقفين الداعين إلى حرية الكلمة الخارجة على النظام ..رأينا هذه المجلة تنشر النص الأول لكتاب الشعر الجاهلى الذى رجع عنه مؤلفها وأدخل فيه تعديلات .‏

سياسة التغريب هذه هى التى دعت المحقق العظيم محمود شاكر إلى الدخول فى معركة أخرى ضد الدكتور لويس عوض حينما زعم أن فكر أبى العلا المعرى وفلسفته ليست أصيلة عنده ، وإنما هى مأخوذة عن فكر أجنبى . ومعنى هذا أن العبقرية العربية ليست عبقرية خلاقة وإنما هى عبقرية تابعة وناقلة ، وكثيرة هى الادعاءات ضد العربية والإسلام التى جاءت فى كتابات الدكتور لويس عوض .‏
وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية ، وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شيء يحتاج إلى الذين يدفعونه .‏

ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات لويس عوض وأجهضها تماما، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى فى كتاب، وقال إنه لولا شدة الأستاذ محمود شاكر فى مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيراً.‏

ومن هنا فإن الدكتور لويس عوض يعيب وسيلة محمود شاكر ولا يعيب علمه ولا تحقيقه. ‏وهذا اعتراف حمدناه فى حينه للدكتور لويس عوض ونحمده له بعد سنوات من وفاته لكننا نحمد أكثر وأكثر صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر فى مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها فى كتابه أباطيل وأسمار الذي كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .‏

جرأة فى الحـق
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلماً وعدواناً ، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .‏

وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلاً لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وكرمته الدولة بجائزتها التقديرية ، ثم انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية .
وفى العام نفسه استحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية .

وفى منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدة أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما ـ مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ـ مقلدان للغرب وليسا مبتكرين، بل يقدمان نفس الرؤى التى كان أولئكم ينادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون فى طريق الخطأ .
وقال عنهم: "إنهم ام يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون فى طريق صحيح لكان لهم شأن آخر .. صحيح أنهم مجتهدون ولهم جهود دائمة دائبة ، ولكنها ضئيلة ، وباهتة فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله".

ولعل جرأة شيخنا فى الحق وفى الصدع به كانت سببا فى تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله التى وسعت كل شيء؟.
تحقيق التـراث
وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض ولا من على شاكلتهما، إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام ، هذا التحقيق الذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر قام عليه شيوخ أعلام من أبرزهم الشيخ محمود شاكر ، ولقد كانت فطنته أنه اتبع الأولين وأحيا طرائقهم .‏

وإن قضية جمع القرآن فى عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه هى أولى الدرجات فى علم تحقيق التراث الإسلامى . ومع أنها أولى الدرجات فإنها كانت وافية تماما للتأكد من صحة النص وصحة نسبه إلى الذي نزل عليه القرآن .‏

وجمع الحديث وتحقيقه جاء من كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله إلى غير ذلك مما يعرفه الناس عن مكانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن

إن المدرسة الإسلامية جاءت فى تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق فى تحقيق تراث الأمم. ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل فى تحقيق التراث الإسلامى .‏

إن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة فى مراجعة ما جمعوا من حديث للتأكد من صحة نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسموا الأحاديث الصحيحة إلى درجات كثيرة فى صحتها ، فمنها المتواتر ، ومنها الآحاد ، ومنها الصحيح لنفسه ، ومنها الصحيح لغيره ، ومنها الحسن ، وغير ذلك مما يمكن الرجوع إليه فى هذا العلم العظيم الذى يجب أن يسود حياتنا الثقافية وأن نجد لقواعده أثرا فى تحقيقاتنا للتراث الإسلامى ، وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر فى تحقيقه للتراث وفى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية .
ومن هنا تأتى أهمية الرجل ولفت الأنظار إليه فى حياته وما كان من أثر وفاته فى تنبيه العقول إلى تراث الأمة وتحقيق علمائها له بأنفسهم بعد أن يتعلموا هذا الفن الجليل ويستكملوا أسبابه من علم بلغة القرآن وفى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى وما تركه لنا الأجداد من مخطوطات بعضها بين أيدينا وبعضها سرقه الاستعمار الاستشراقى من خزانات كتبنا . وإن محمود شاكر له آثار جليلة فى تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏
ونظرا لمجهودات الشيخ شاكر الكبيرة انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعـضــوا بـمـجمع الخالــديـن .
كماحصل عى جائزة الدولة المصريةالتقديرية فى الآداب .‏
حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام عن كتابه المتنبى الذى يقع فى مجلدين من القطع الكبير ، وقد أنجز هذا الكتاب، ثم أعاد تحقيقه وتنقيحه وتزويده بوثائق جديدة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هـــذه الـجــائــــزة

إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته .. فيا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل

قصص الأنبياء == ذِكْرُ مُرُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْحِجْرِ

ذِكْرُ مُرُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْحِجْرِ مِنْ أَرْضِ ثَمُودَ عَامَ تَبُوكَ 1
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ عَلَى تَبُوكَ، نَزَلَ بِهِمُ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَى النَّاسُ مِنَ الْآبَارِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنْهَا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُول الله فأهراقوا الْقُدُور، وعفلوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقَةُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا [فَقَالَ (1) ] : " إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْحِجْرِ: " لَا تَدْخُلُوا على هَؤُلَاءِ، المذبين إِلَّا أَنْ تَكُونُوا
بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُم ".
__________
(1) سقط من ا.
(*)

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَرَّ بِمَنَازِلِهِمْ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ رَاحِلَتَهُ، وَنَهَى عَنْ دُخُولِ مَنَازِلِهِمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا (1) فَتَبَاكَوْا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ".
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هرون، حَدثنَا المَسْعُودِيّ، عَن إِسْمَعِيل بْنِ أَوْسَطَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ الانباري عَنْ أَبِيهِ - وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ تَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ".
قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ وَهُوَ يَقُولُ: " مَا تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ عضب اللَّهُ عَلَيْهِمْ " فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا ; فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا وَسَيَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أنفسهم شَيْئا ".
إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
* * * وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ طَوِيلَةً، فَكَانُوا يَبْنُونَ
__________
(1) ا: فَإِن لم تَكُونُوا.
(*)

الْبُيُوتَ مِنَ الْمَدَرِ فَتَخْرَبُ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ، فَنَحَتُوا لَهُمْ بُيُوتًا فِي الْجِبَالِ.
وَذَكَرُوا أَنَّ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَأَلُوهُ آيَةً، فَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ مِنَ الصَّخْرَةِ، أَمَرَهُمْ بِهَا وَبِالْوَلَدِ الَّذِي كَانَ فِي جَوْفِهَا، وَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ إِنْ هُمْ نَالُوهَا بِسُوءٍ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَيَعْقِرُونَهَا وَيَكُونُ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ لَهُمْ صِفَةَ عَاقِرِهَا وَأَنَّهُ أَحْمَرُ أَزْرَقُ أَصْهَبُ.
فَبَعَثُوا الْقَوَابِلَ فِي الْبَلَدِ مَتَى وَجَدُوا مَوْلُودًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْتُلْنَهُ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا.
وَانْقَرَضَ جِيلٌ وَأَتَى جِيلٌ آخَرُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ خَطَبَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى ابْنِهِ بِنْتَ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الرِّيَاسَةِ، فَزَوَّجَهُ، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا عَاقِرُ النَّاقَةِ، وَهُوَ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ.
فَلَمْ تَتَمَكَّنِ الْقَوَابِلُ مِنْ قَتْلِهِ لِشَرَفِ أَبَوَيْهِ وَجَدَّيْهِ فِيهِمْ، فَنَشَأَ نَشْأَةً سَرِيعَةً، فَكَانَ يَشِبُّ فِي الْجُمُعَةِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي شَهْرٍ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ خَرَجَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا بَيْنَهُمْ.
فَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ عَقْرَ النَّاقَةِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَهُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ أَرَادُوا قَتْلَ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَلَمَّا وَقَعَ مِنْ أَمرهم مَا وَقع من عقر النَّاقة، بولغ ذَلِكَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَاءَهُمْ بَاكِيًا عَلَيْهَا، فَتَلَقَّوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَقع من مَلَأٍ مِنَّا.
وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا هَؤُلَاءِ الْأَحْدَاثُ فِينَا.
فَيُقَال إِنَّه أَمرهم باستدراك سقها حَتَّى يُحْسِنُوا إِلَيْهِ عِوَضًا عَنْهَا، فَذَهَبُوا وَرَاءَهُ فَصَعِدَ جَبَلًا هُنَاكَ، فَلَمَّا تَصَاعَدُوا فِيهِ وَرَاءَهُ تَعَالَى الْجَبَلُ حَتَّى ارْتَفَعَ فَلَا يَنَالُهُ الطَّيْرُ، وَبَكَى الْفَصِيلُ حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ.
ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَغَا ثَلَاثًا،

فَعِنْدَهَا قَالَ صَالِحٌ: " تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام، ذَلِك وعد غير مَكْذُوب " وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مِنْ غَدِهِمْ صُفْرًا، ثُمَّ تَحْمَرُّ وُجُوهُهُمْ فِي الثَّانِي، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُم صَيْحَة فِيهَا صَوت كل صَاعِقَة، فَأَخَذتهم فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.
وَفِي بَعْضِ هَذَا السِّيَاقِ نَظَرٌ وَمُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ وَقِصَّتِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ.

قصَّة ابراهيم الْخَلِيل هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَخَ (1) " 250 " بْنِ نَاحُورَ " 148 " بْنِ ساروغ " 230 " بن راغو " 239 " ابْن فالغ " 439 " بن عَابِر " 464 " (2) ابْن شالح " 433 " بْنِ أَرْفَخْشَذَ " 438 " (3) بْنِ سَامِ " 600 " بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
هَذَا نَصُّ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِمْ، وَقَدْ أَعْلَمْتُ عَلَى أَعْمَارِهِمْ تَحْتَ أَسْمَائِهِمْ بِالْهِنْدِيِّ كَمَا ذَكَرُوهُ [مِنَ الْمُدَدِ] (4) وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى عُمُرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ [إِبْرَاهِيمَ (4) ] الْخَلِيل من تَارِيخه عَن إِسْحَق بْنِ بِشْرٍ الْكَاهِلِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ الْمُبْتَدَأِ، أَنَّ اسْمَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ " أُمَيْلَةُ ".
ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْهُ فِي خَبَرِ وِلَادَتِهَا لَهُ حِكَايَةً طَوِيلَةً.
وَقَالَ الكلبى: سمها " بونا " بنت كربتا بن كرثى، من بنى أرفخشذ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُكْنَى " أَبَا الضِّيفَانِ "
قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ عُمُرُ تَارَخَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سنة ولد لَهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وتاحور وَهَارَانُ، وَوُلِدَ لِهَارَانَ " لُوطٌ ".
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَأَنَّ هَارَانَ مَاتَ فِي
__________
(1) ط: تسارخ وَهُوَ تَحْرِيف.
(2) ا: 443 (3) ا: 893.
(4) لَيست فِي ا.
(*)

حَيَاةِ أَبِيهِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا، وَهِيَ أَرْضُ الْكَلْدَانِيِّينَ يَعْنُونَ أَرْضَ بَابِلَ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ والاخبار، وَصحح ذَلِك الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر، بعد ماروى مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا بَرْزَةُ، فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ قَاسِيُونَ.
ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ بِبَابِلَ.
وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَقَامُ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيهِ إِذْ جَاءَ مُعِينًا لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالُوا: فَتَزَوَّجَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ، وناحور " ملكا " ابْنة هاران يعنون ابْنة أَخِيهِ.
قَالُوا: وَكَانَتْ سَارَةُ عَاقِرًا لَا تَلِدُ.
قَالُوا: وامنطلق تَارَخُ بِابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَامْرَأَتِهِ سَارَةَ وَابْنِ أَخِيهِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ، فَخَرَجَ بِهِمْ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ إِلَى أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ، فَنَزَلُوا حَرَّانَ فَمَاتَ فِيهَا تَارَخُ وَلَهُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ بِحَرَّانَ، وَإِنَّمَا مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَهِيَ أَرْضُ بَابِلَ وَمَا والاها.
ثمَّ ارتحلوا قَاصِدين أَرض الكنعانين، وَهِيَ بِلَادُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،
فَأَقَامُوا بِحَرَّانَ وَهِيَ أَرْضُ الْكَشْدَانِيِّينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ أَيْضًا.
وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ.
وَالَّذِينَ عَمَّرُوا مَدِينَةَ دِمَشْقَ كَانُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ، يَسْتَقْبِلُونَ الْقُطْبَ الشَّمَالِيَّ وَيَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْفَعَالِ وَالْمَقَالِ.
وَلِهَذَا كَانَ عَلَى كل بَاب

مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ السَّبْعَةِ الْقَدِيمَةِ هَيْكَلٌ لِكَوْكَبٍ مِنْهَا، وَيَعْمَلُونَ لَهَا أَعْيَادًا وَقَرَابِينَ.
وَهَكَذَا كَانَ أَهْلُ حَرَّانَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانُوا كُفَّارًا، سِوَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَامْرَأَتِهِ وَابْنِ أَخِيهِ لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي أَزَالَ اللَّهُ بِهِ تِلْكَ الشُّرُورَ، وَأَبْطَلَ بِهِ ذَاكَ الضَّلَالَ ; فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آتَاهُ رُشْدَهُ فِي صِغَرِهِ، وَابْتَعَثَهُ رَسُولًا وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا فِي كبره، قَالَ الله تَعَالَى: " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالمين (1) ".
أَيْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: " وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يبدى اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، إِنَّ الله على كل شئ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ
تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء، ومالكم مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * وَالَّذين كفرُوا بآيَات ولقائه أُولَئِكَ يئسوا من
__________
(1) سُورَة الانبياء 58.
(*)

رحمتى وَأُولَئِكَ لم عَذَابٌ أَلِيمٌ " فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعْضكُم بِبَعْض وبلعن بَعْضُكُمْ بَعْضًا ; وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (1) ".
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى مُنَاظَرَتَهُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
* * * وَكَانَ أَوَّلُ دَعْوَتِهِ لِأَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِإِخْلَاصِ النَّصِيحَةِ [لَهُ] (2) كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صديقا نَبيا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صراطا سويا * يَا أَبَت لاتعبد الشَّيْطَان إِن الشَّيْطَان كَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دون الله وأدعو ربى ; عَسى
أَن لَا أكون بِدُعَاء ربى شقيا " (3) .
__________
(1) سُورَة العنكبوت 16 - 27.
(2) سقط من ا.
(3) سُورَة مَرْيَم 41 - 48 (*)

فَذكر تَعَالَى مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ، وَكَيْفَ دَعَا أَبَاهُ إِلَى الْحَقِّ بِأَلْطَفِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِ إِشَارَةٍ ; بَيَّنَ لَهُ بُطْلَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من عبَادَة الاوثان الَّتِي لَا تَسْمَعُ دُعَاءَ عَابِدِهَا وَلَا تُبْصِرُ مَكَانَهُ، فَكيف تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا أَوْ تَفْعَلُ بِهِ خَيْرًا من رزق أَو نصر؟ ثمَّ قَالَ [لَهُ] (1) مُنَبِّهًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْ أَبِيهِ: " يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سويا " أَيْ مُسْتَقِيمًا وَاضِحًا سَهْلًا حَنِيفًا، يُفْضِي بِكَ إِلَى الْخَيْرِ فِي دُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ.
فَلَمَّا عَرَضَ هَذَا الرُّشْدَ عَلَيْهِ وَأَهْدَى هَذِهِ النَّصِيحَةَ إِلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ وَلَا أَخَذَهَا عَنْهُ، بَلْ تَهَدَّدَهُ [وَتَوَعَّدَهُ] (2) قَالَ: " أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيم؟ لَئِن لم تَنْتَهِ لارجمنك " قيل بالمقال وَقيل بالفعال.
" واهجرني مَلِيًّا " أَيْ وَاقْطَعْنِي وَأَطِلْ هِجْرَانِي.
فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: " سَلام عَلَيْك " أَيْ لَا يَصِلُكَ مِنِّي مَكْرُوهٌ وَلَا يَنَالُكَ مِنِّي أَذًى، بَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ نَاحِيَتِي.
وَزَادَهُ خَيْرًا فَقَالَ: " سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بى حفيا ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ لَطِيفًا، يَعْنِي فِي أَنْ هَدَانِي لِعِبَادَتِهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ: " وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وأدعو ربى، عَسى أَن لَا أكون بِدُعَاء ربى شقيا ".
__________
(1) من ا.
(2) لَيست فِي ا.
(*)

وَقَدِ اسْتَغْفَرَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَعَدَهُ فِي أَدْعِيَتِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ] (1) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيم " (2) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ [لَهُ (1) ] أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رب إِنَّك وَعَدتنِي أَن لَا تخزيني يَوْم يبعثون فأى خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذبح مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ".
هَكَذَا رَوَاهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُنْفَرِدًا.
وَقَالَ فِي التَّفْسِيرِ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ (3) ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ بِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّار عَن حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم

بدر الدين الحسني .. المحدث الكبير

ولد الشيخ بدر الدين الحسني في وقت ضرب فيه الوهن الخلافة العثمانية، وانتشر الفساد في إدارتها، وعمت الفتن في جميع أجزائها، وتداعت الأمم على المسلمين كتداعي الأكلة إلى قصعتها، وشهدت ولادة الشيخ تنامي الاتجاه في بلاد الشام والعالم العربي إلى الانفصال عن الخلافة العثمانية، ولا سيما بعدما حكمها الاتحاديون الطورانيون (الدونمة). وشاهد الشيخ فيما بعد بأم عينه أكبر الأحداث ثقلاً على المسلمين، حيث جاء عليه اليوم الذي أصبح فيه الاستقلال عن الخلافة العثمانية حقيقة ماثلة أمامه بكامل بؤسها، ثم كان إلغاء الخلافة برمتها، وقامت ما سمي بـ «الثورة العربية الكبرى» على يد الشريف حسين بن علي في مكة المكرمة. وعى التحالف الغربي الأوروبي للعرب ، وتقسيم بلادهم، ثم احتلالها، حيث كان نصيب بلاده (بلاد الشام) من حصة فرنسا .

الناس كانت تترقب من يجدد لهم أمر دينهم، يلتفون حوله في أعتى ظروف تجتاح الأمة الإسلامية، وكان ذاك الرجل هو الشيخ بدر الدين الحسني، الذي لم يأت مثله منذ وفاة العلامة محمد أمين بن عابدين والذي أصبح كتابه «الحاشية» مرجع الفقه الحنفي في بلدان العالم الإسلامي.

ينتهي نسب الشيخ بدر الدين إلى حفيد رسول الله الحسن رضي الله عنه، كان لوالده الشيخ يوسف الفضل في إعادة دار الحديث، بعد أن تحولت حانة خمر لأحد نصارى الشام، إلى عهدة العلم، وهي الدار التي درس فيها علماء الأمة الكبار من أمثال ابن الصلاح والنووي والسبكي والمزّي.
بعد وفاة والده وهو ابن اثني عشر عاماً، درس في المدرسة القلبقجية بدمشق، وحفظ القرآن فيها ودرس العلوم على يد الشيخ أبو الخير الخطيب أبرز علماء دمشق آنذاك، اشتهر بحفظ نادر في الحديث النبوي وأسانيده، وعندما بدأ التدريس في جامع السادات ذاع صيته، كمحدّث، وكثر عليه الطلاب، فعينت له الدولة العثمانية راتباً إلزامياً.

عرف عنه الذكاء النادر، والفراسة الكبيرة، وحسن الخلق والتلطف، والزهد، والإيثار، والمواظبة على العلم ونشره؛ فقد أمضى حياته في الدرس والمطالعة والتدريس ما بين داره في حي النقاشات بجوار الجامع الأموي وما بين دار الحديث الأشرفية، وما بين قبة النسر في الجامع الأموي الكبير في دمشق.
قليل الكلام لا يتكلم إلاّ لضرورة، كثير العبادة، شهد له أبناء عصره بالتقوى والورع، مطبوع على مكارم الأخلاق، متمسك بما عليه السلف الصالح، كان لا يحب أن يخرج في غير هيئتهم، ويرى الإفراط في التأنق في الملبس من سفساف الأمور، وكان يراه الرجل حتى ليخال أنه واحدٌ من الصحابة أو التابعين، اقتطع من ذلك الزمان وجيء به إلينا، وهو أمر زرع له الهيبة العظيمة في النفوس، وبتواضعه الجم في غير ذل، وتعظيمه للعلماء واحترامه للناس عامتهم وخاصتهم جعله عظيم الإكبار والإجلال في قلوبهم.

الاهتمام بالشباب
كان يجد في الشباب مصير الأمة ومستقبلها، فقد كان حريصاً على التقرب إليهم والاهتمام الفائق بهم، حتى ليشار إلى خصاله بتقربه من الشباب.
التقرب إلى السلطان أو العمل في دواوينه يعني له أنه لن يستطيع أن يقول كل الحق، فما كان - لذلك - يدخل ديوان الحكومة قط إلاّ لشفاعة أو مصلحة عامة، بل كان يرسل خواص تلاميذه لينوب عنه مما يريده الشيخ ويقضي حاجته.

وهو لذلك عفٌّ عن الألقاب الكبيرة، والتفاخر بها، ذلك أنه لا يجد نفسه في العباد، وإنما في علاقته برب العباد، ولذلك عندما أرسلوا إليه عريضة يقرؤونها ليقدموها إلى الحكومة وذكر فيها تلامذته عبارة: (إن سيدنا ومولانا المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني يريد كذا وكذا...) غضب الشيخ، ومزّق الورق، فأعيدت كتابتها من غير ألقاب، فسرّ بذلك الشيخ.

وعندما شاع خبر أنه سيُخطب باسم الخليفة الأعظم على المنابر باسم الشيخ محمد بدر الدين الحسني خليفةً للمسلمين، وذلك عندما أعلن الدستور في زمن السلطان عبد الحميد الثاني، واشرأبت قلوب الناس لأن يكون الشيخ يومئذٍ خليفة للمسلمين، اتصل الخبر بالدولة العثمانية والجمعيات السياسية، فاهتمت الحكومة له، ولم يكن الشيخ على علم بذلك، وخشيت الحكومة مغبّة ذلك الأمر، فأبرق وزير الخارجية في مصر إلى والي دمشق ناظم باشا، بإجراء التحقيقات، والاحتياط لهذه القضية المهمة، ولما وصل الوالي إلى الشيخ، قال له الشيخ بدر الدين: يابا إنني لست متفرغاً إلاّ للدرس!.

صيته الذائع عن علمه وشخصيته، أحضر العلماء من كل مكان للالتقاء به، فاستمع الشيخ بخيت المطيعي إلى درسه، وقال له: لو جئتمونا إلى مصر، لافتخرت بكم مصر كلها، ولدرس عليكم علماؤها في الأزهر الشريف. وعندما زاره الشيخ محمد عبده أعجب به غاية الإعجاب..

وكان الشيخ يرى أن عزة الإسلام يجب التمسُّك بها، ولهذا عندما كان يأتيه سلطان أو والي أو ضابط جنرال لا يقوم له، فقد جاء إليه الجنرال الفرنسي غورو المندوب السامي الأول، لم يقم له الشيخ، وزاره جمال باشا فلم يقم له أيضاً، وحاول آنئذٍ أن يأخذ فتوى منه في إعدام من سموّا لاحقاً بـ «شهداء السادس من أيار» فرفض الشيخ ووعظه.

وعندما أرسل السلطان عبد الحميد الثاني باخرةً للشيخ بدر يدعوه مع من أراد لمجتمع عنده ودعى له العلماء، لما سَمع عنه من علمٍ وخلق، وزهدٍ وعبادة، فلما قرأ الكتاب المرسل إليه، قال للرسول: «يابا.. ما في إذن» وعادت الباخرة من حيث أتت فارغة.

الجهاد المقدس
عندما تغلب الفرنسيون على البلاد، واحتلوها، أعلن الشيخ الجهاد المقدس، حتى جلاء آخر جندي فرنسي عن البلاد، وسافر في حملة «جهادية ضد المستعمر الفرنسي للأمة المسلمة في بلاد الشام»، وجاب الولايات الشامية من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، برفقة تلميذيه العالمين القديرين الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، داعياً إلى الثورة على الاحتلال والاضطهاد الذي وقع على المسلمين، ومحرضاً على الجهاد والقتال بحماس منقطع النظير، فما لبث أن اندلعت الثورة السورية الكبرى، والتي اعتبر منذ ذلك الوقت أباها.

كان الشيخ يجتمع بوجهاء دمشق وشجعانها، فيأتون إلى دار الحديث بكامل أسلحتهم فرساناً وركباناً، يؤدُّون أن يسلموا على الشيخ، ويتبركوا بدعائه، فيقفون قريباً من دار الحديث ينتظرون قدوم الشيخ عليهم، فينزل من غرفته ـ وكان لا ينزل إلاّ لأمر مهم ـ فيمرُّ بينهم، وهم مصطفّون أقساماً، على الخيول المطهّمة، ومشاةً مسلحين، يوجههم إلى تقوى الله عز وجل، ويدعوهم إلى طلب الفرج منه، والنصر على الأعداء، ولا يزال يمشي ويسلم عليهم وهم يتبركون به، ثم يودعهم ويرجع إلى دار الحديث فيذهبون وقد أذكى الشيخ فيهم نار الحماس، وهم يطلقون الرصاص، وتعلو أصواتهم بالأهازيج الحماسية.

أثارت دعوة الشيخ للجهاد نقمة الفرنسيين، فجاؤوا إلى دار الحديث ممثلين بالمندوب السامي الفرنسي ليثنوه عن دعوته، فقال الشيخ له: لا تهدأ هذه الثورة إلاّ بخروجكم، فغضب المندوب السامي وخرج.

كان الشيخ كثير الاهتمام بالثورة والمجاهدين، ودائم الاتصال بزعمائهم، إذ كان المجاهدان حسن الخرَّاط، الشيخ محمد الأشمر (من أشهر قادة المجاهدين) يأتيان كل صباح قبيل الفجر ليقابلا الشيخ بدار الحديث فيوجههما التوجيه المفيد، ويربط قلبيهما بالله، فيزدادان ثقة بالله واتكالاً عليه. وكان الشيخ يمدهما بالذخيرة والمؤن، وما يحتاجان إليه بطريق بعض طلابه المخلصين، وقد جعل الشيخ من يكون همزة وصل بينه وبين الثوار فيقدم له بياناً يومياً عن الثورة ومعارك الثوار.

كانت رمزية الشيخ بدر الدين وحضوره عند الثوار عظيماً، ولهذا مثلاً كانا المحكمة العسكرية التي يقيمها حسن الخراط من علماء مجاهدين لكي يقضي بالشريعة يُصدِّر حكمها باسم إمام المسلمين المحدِّث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني.

وصية قبل الوفاة
وتوفي الشيخ قبل أن يتم طرد آخر جندي فرنسي محتل من سوريا. توفي الشيخ مريضاً قبل أن يكحل عينه بيوم الجلاء، وترك وصيةً لم تخلف درهماً ولا ديناراً، ولكن موعظة بتقوى الله وخوفاً على الأمة، وحثاً على طلب العلم واحترام العلماء، فقد حضر علماء الشام ومحبوه في بيته قبيل وفاته، فأوصاهم قائلاً:
«السلام على أمة النبي ـ ونستغفر الله ما صدر منا حال وجودنا في الدنيا مع الأمة الإسلامية من التقصير في حقهم والإساءة إليهم، بل في حق عموم الخلق، ونسأل الله أن يستعملهم فيما يرضيه ويصرف عنهم كيد الأشرار والفجار ، ونستودعهم الله عز وجل في دينهم ودنياهم، ونسأل الله تعالى أن يعينهم على أمر دينهم ودنياهم، ونسأل الله تعالى أن يعينهم على أمر دينهم الذي فيه صلاحهم وعلى دنياهم التي فيها معاشهم وعلى آخرتهم التي فيها معاهدتهم ومصيرهم.
(...) وأوصيهم بالانكباب على طلب العلم لصيانته من الضياع، واحترام العلماء، والسلام على أهل السلام وكافة الناس من أولهم إلى آخرهم».

توفي الشيخ يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 1354هـ، وخرجت جنازته فخرجت فيها الشام كلها، ودفن في مقبرة الباب الصغير، جنوبي دمشق، حيث قبر العلامة ابن قيم الجوزية.

الشيخ عبد الحميد كشك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




الشيخ عبد الحميد كشك من أكثر الدعاة والخطباء شعبية في الربع الأخير من القرن العشرين وقد وصلت شعبيته إلى درجة أن المسجد الذي كان يخطب فيه خطب الجمعة حمل اسمه ، وكذلك الشارع الذي كان يقطن فيه بحي حدائق القبة . ودخلت الشرائط المسجل عليها خطبه العديد من بيوت المسلمين في مصر والعالم العربي.



والشيخ عبد الحميد كشك ولد بمصر عام 1933م في قرية شبرا خيت من أعمال محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية . وبسبب المرض فقد نعمة البصر . وقد ولد في أسرة فقيرة وكان أبوه بالإسكندرية وحفظ القرآن الكريم ولم يبلغ الثامنة من عمره ،وحصل على الشهادة الابتدائية ، ثم حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية بتفوق والتحق بكلية أصول الدين وحصل على شهادتها بتفوق أيضًا .



وفي أوائل الستينيات عين خطيبًا في مسجد الطيبي التابع لوزارة الأوقاف بحي السيدة بالقاهرة ومثل الأزهر في عيد العام عام 1961، وفي عام 1964 صدر قرار بتعيينه إمامًا لمسجد عين الحياة بشارع مصر والسودان في منطقة دير الملاك بعد أن تعرض للاعتقال عام 1966 خلال محنة الإسلاميين في ذلك الوقت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر . وقد أودع سجن القلعة ثم نقل بعد ذلك إلى سجن طرة وأُطلق سراحه عام 1968. وقد تعرض لتعذيب وحشي في هذه الأثناء ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إمامًا لمسجد عين الحياة .



وفي عام 1972 بدأ يكثف خطبه وزادت شهرته بصورة واسعة وكان يحضر الصلاة معه حشود هائلة من المصلين . ومنذ عام 1976 بدأ الاصطدام بالسلطة وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام وأخذ يستعرض صور الفساد في مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة . وقد ألقى القبض عليه في عام 1981 مع عدد من المعارضين السياسيين ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة للرئيس المصري محمد أنور السادات ، وقد أفرج عنه عام 1982 ولم يعد إلى مسجده الذي منع منه كما منع من الخطابة أو إلقاء الدروس .



رفض الشيخ عبد الحميد كشك مغادرة مصر إلى أي من البلاد العربية أو الإسلامية رغم الإغراء إلا لحج بيت الله الحرام عام 1973م. وتفرغ للتأليف حتى بلغت مؤلفاته 115مؤلفًا ، على مدى 12 عامًا أي في الفترة ما بين 1982 وحتى صيف 1994، منها كتاب عن قصص الأنبياء وآخر عن الفتاوى وقد أتم تفسير القرآن الكريم تحت عنوان ( في رحاب القرآن ) ، كما أن له حوالي ألفي شريط كاسيت هي جملة الخطب التي ألقاها على منبر مسجد ( عين الحياة ) . وكان للشيخ كشك بعض من آرائه الإصلاحية لللأزهر إذ كان ينادي بأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخابات لا بالتعيين وأن يعود الأزهر إلى ما كان عليه قبل قانون التطوير عام 1961 وأن تقتصر الدراسة فيه على الكليات الشرعية وهي أصول الدين واللغة العربية والدعوة ، وكان الشيخ عبد الحميد يرى أن الوظيفة الرئيسية للأزهر هي تخريج دعاة وخطباء للمساجد التي يزيد عددها في مصر على مائة ألف مسجد . ورفض كذلك أن تكون رسالة المسجد تعبدية فقط ، وكان ينادي بأن تكون المساجد منارات للإشعاع فكريًا واجتماعيًا .



وقد لقي ربه وهو ساجد قبيل صلاة الجمعة في 6/12/1996 وهو في الثالثة والستين من عمره رحمه الله رحمة واسعة .

قصص الأنبياء == ذِكْرُ وَصيته لوَلَده عَلَيْهِ السَّلَام 5-5

فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ خَبَرًا عَنْ قَوْمِ عَادٍ الثَّانِيَةِ وَتَكُونُ بَقِيَّةُ السِّيَاقَاتِ فِي الْقُرْآنِ خَبَرًا عَنْ عَادٍ الْأُولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (1) .
]
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) اللهوات: جمع لهاة وهى لحْمَة ناتئة فِي أقْصَى الْحلق.
(*)

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وهب.
وَقَدَّمْنَا حَجَّ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذِكْرِ حَجِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ قَبْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فِي بِلَادِ الْيَمَنِ.
وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ بِدِمَشْقَ، وَبِجَامِعِهَا مَكَانٌ فِي حَائِطِهِ الْقِبْلِيِّ يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قصَّة صَالح عَلَيْهِ السَّلَام نبى ثَمُود وهم قَبيلَة مَشْهُورَة، يُقَال لَهُم ثَمُودُ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أَخِي جَدِيسٍ، وَهُمَا ابْنا عاثر بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
وَكَانُوا عَرَبًا مِنَ الْعَارِبَةِ يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ الَّذِي بَيْنَ الْحِجَازِ وَتَبُوكَ.
وَقَدْ مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى تَبُوك بِمن مَعَه من الْمُسلمين.
وَكَانُوا بَعْدَ قَوْمِ عَادٍ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَأُولَئِكَ.
فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ وَهُوَ عبد الله وَرَسُوله: صَالح بن عبيد ابْن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثَمُود بن عاثر بن إرم بْنِ نُوحٍ فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يَخْلَعُوا الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
فَآمَنَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَكَفَرَ جُمْهُورُهُمْ، وَنَالُوا مِنْهُ بِالْمَقَالِ وَالْفَعَالِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَقَتَلُوا النَّاقَةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجبَال بُيُوتًا،
(10 - قصَص الانبياء 1)

فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين (1) .
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا، أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين *
__________
(1) الْآيَات: 73 - 79 (*)

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كفرُوا رَبهم أَلا بعدا لثمود (1) " وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحجر: " وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين * وآتيناهم آيَاتنَا فَكَانُوا عَنْهَا معرضين * وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين * فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مصبحين * فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (2) ".
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: " وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا، وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (3) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ " كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أجْرى إِلَّا على رب الْعَالمين * أتتركون فِيمَا هَاهُنَا آمِنين * فِي جنَّات وعيون * وزروع ونخفل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَاب عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (4) " وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل: " وَلَقَد أرسلنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا
__________
(1) الْآيَات: 61 - 68 (2) الْآيَات: 80 - 84 (3) الْآيَة: 59 (4) الْآيَات: 141 - 159 (*)

أَن اعبدوا الله، فَإِذا هم فريقان يختصمون * قَالَ يَا قوم لم تَسْتَعْجِلُون بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة، لَوْلَا تستغفرون الله لَعَلَّكُمْ ترحمون * قَالُوا اطيرنا بك وبمن مَعَك، قَالَ طائركم عِنْد الله بل أَنْتُم قوم تفتنون * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الارض وَلَا يصلحون * قَالُوا تقاسموا بِاللَّه لنبيتنه وَأَهله، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لصادقون * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (1) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم.
السَّجْدَةِ: " وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (2) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ اقْتَرَبَتْ: " كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ؟ إِنَّا إِذا لفى ضلال وسعر * أألقى الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ * إِنَّا مرسلوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مدكر (3) ".
وَقَالَ تَعَالَى: " كذبت ثَمُود بطغواها * إِذْ انْبَعَثَ أشقاها * فَقَالَ.
__________
(1) الْآيَات: 45 - 53 (2) الْآيَتَانِ: 17 و 18 الْآيَات: 23 - 32.
(*)

لَهُم رَسُول الله نَاقَة الله وسقياها * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ
رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يخَاف عقباها (1) ".
وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ ذِكْرِ عَادٍ وَثَمُودَ، كَمَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْفُرْقَانِ، وَسُورَةِ ص، وَسُورَةِ ق، وَالنَّجْمِ وَالْفَجْر.
وَيُقَال إِن هَاتين الامتين لايعرف خَبَرَهُمَا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَلَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي كِتَابِهِمُ التَّوْرَاةِ.
وَلَكِنْ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى أَخْبَرَ (2) عَنْهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: " وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ.
" (3) الْآيَةَ.
الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ مُوسَى مَعَ قَوْمِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَاتَانِ الْأُمَّتَانِ مِنَ الْعَرَبِ لَمْ يَضْبِطُوا خَبَرَهُمَا جَيِّدًا، وَلَا اعْتَنَوْا بِحِفْظِهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُمَا كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي التَّفْسِيرِ مُسْتَقْصًى.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
* * * وَالْمَقْصُودُ الْآنَ ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَكَيْفَ نَجَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ، وَكَيْفَ قَطَعَ دَابِرَ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِكُفْرِهِمْ وعتوهم، ومخالفتهم رسولهم عَلَيْهِ السَّلَام.
__________
(1) الْآيَات: 23 - 32 سُورَة الشَّمْس (2) ا.
أخْبرهُم (3) الْآيَتَانِ: 8، 9.
(*)

[وَقد قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَرَبًا، وَكَانُوا بَعْدَ عَادٍ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ.
وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) : " اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا، فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الارض مفسدين " أَيْ إِنَّمَا جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ لِتَعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَتَعْمَلُوا بِخِلَافِ عَمَلِهِمْ.
وَأَبَاحَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَرْضَ تَبْنُونَ فِي سُهُولِهَا الْقُصُور، " وتنحتون من الْجبَال بُيُوتًا فارهين " أَيْ حَاذِقِينَ فِي صَنْعَتِهَا وَإِتْقَانِهَا وَإِحْكَامِهَا.
فَقَابِلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمُخَالَفَتَهُ وَالْعُدُولَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَإِنَّ عَاقِبَةَ ذَلِكَ وَخِيمَةٌ.
وَلِهَذَا وعظهم بقوله: " أتتركون فِيمَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طلعها هضيم " أَيْ مُتَرَاكِمٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ بَهِيٌّ نَاضِجٌ.
" وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الارض وَلَا يصلحون ".
وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا: " يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، هُوَ أَنْشَأَكُمْ من الارض واستعمركم فِيهَا " أَيْ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا، أَيْ أَعْطَاكُمُوهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الزروع وَالثِّمَار، فَهُوَ الْخَالِق
__________
(1) سَقَطت من ا.
(*)

الرَّزَّاق، وَهُوَ الذى يسْتَحق الْعِبَادَة وَحده لَا [مَا (1) ] سِوَاهُ.
" فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ " أَيْ أَقْلِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ وَأَقْبِلُوا عَلَى عِبَادَتِهِ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ مِنْكُمْ وَيَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ " إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ".
" قَالُوا: يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مرجوا قبل هَذَا " أَيْ [قَدْ (2) ] كُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ عَقْلُكَ كَامِلًا قَبْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَهِيَ دُعَاؤُكَ إِيَّانَا إِلَى إِفْرَاد الْعِبَادَة، وَتَرْكِ مَا كُنَّا نَعْبُدُهُ مِنَ الْأَنْدَادِ، وَالْعُدُولِ عَنْ دِينِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَلِهَذَا قَالُوا: " أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ".
" قَالَ: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ الله إِن عصيته؟ فَمَا تزيدونني غير تخير ".
وَهَذَا تَلَطُّفٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي الْعِبَارَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ، وَحُسْنُ تَأَتٍّ فِي الدَّعْوَةِ لَهُمْ إِلَى الْخَيْر.
أَي فَمَا ظنكم إمن كَانَ الْأَمْرُ كَمَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ؟ مَاذَا (3) عُذْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ؟ وَمَاذَا يُخَلِّصُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْتُمْ تَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أَتْرُكَ دُعَاءَكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ؟ وَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي هَذَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَلَوْ تَرَكْتُهُ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ أَنْ يُجِيرَنِي مِنْهُ وَلَا يَنْصُرَنِي.
فَأَنَا لَا أَزَالُ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَقَالُوا لَهُ أَيْضًا: " إِنَّمَا أَنْت من المسحرين " أَيْ مِنَ الْمَسْحُورِينَ، يَعْنُونَ مَسْحُورًا لَا تَدْرِي مَا تَقُولُ فِي دُعَائِكَ إِيَّانَا إِلَى إِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَخَلْعِ مَا سِوَاهُ مِنَ الانداد.
وَهَذَا القَوْل عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَهُوَ أَن المُرَاد
__________
(1) من ا.
(2) لَيست فِي ا.
(3) كَذَا.
والاصح مَا عذركم (*)

بالمسحرين المسحورين.
وَقِيلَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ: أَيْ مِمَّنْ لَهُ سَحْرٌ - وَهُوَ الرئى (1) - كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أَنْتَ بَشَرٌ [لَهُ سَحْرٌ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَ هَذَا: مَا أَنْتَ إِلَّا بشر (2) ] مثلنَا [وَقَوْلُهُمْ (3) ] " فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " سَأَلُوا مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِخَارِقٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ.
" قَالَ: هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب عَظِيم " كَمَا قَالَ: " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وَقَالَ تَعَالَى: " وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بهَا " وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ثَمُودَ اجْتَمَعُوا يَوْمًا فِي نَادِيهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَالِحٌ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَذَكَّرَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ وَوَعَظَهُمْ وَأَمَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ أَنْتَ أَخْرَجْتَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ - وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ هُنَاكَ - نَاقَةً، مِنْ صفتهَا كَيْت وَكَيْت [وَذكروا أوصافا يسموها وَنَعَتُوهَا وَتَعَنَّتُوا فِيهَا.
وَأَنْ تَكُونَ عُشَرَاءَ طَوِيلَةً، مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا (4) ] فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَجَبْتُكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبْتُمْ، أَتُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ وَتُصَدِّقُونِي فِيمَا أُرْسِلْتُ بِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَأَخَذَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
ثمَّ قَامَ إِلَى مُصَلَّاهُ فصلى لله عزوجل مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا.
فَأَمَرَ الله عزوجل تِلْكَ الصَّخْرَة أَن
__________
(1) ا: الرئية.
والرئى: التَّابِع من الْجِنّ (2) سَقَطت من المطبوعة (3) لَيست فِي ا (4) سَقَطت من ا.
(*)

تنفطر عَن نَاقَة عَظِيمَة عشراء، على الْوَجْه الْمَطْلُوب الذى طلبُوا، أَو على الصِّفَةِ الَّتِي نَعَتُوا.
فَلَمَّا عَايَنُوهَا كَذَلِكَ رَأَوْا أمرا وَمَنْظَرًا هَائِلًا، وَقُدْرَةً بَاهِرَةً وَدَلِيلًا قَاطِعًا وَبُرْهَانًا [سَاطِعًا (1) ] فَآمَنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَاسْتَمَرَّ أَكْثَرُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
وَلِهَذَا قَالَ: " فَظَلَمُوا بِهَا " أَيْ جَحَدُوا
بِهَا وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ بِسَبَبِهَا، أَيْ أَكْثَرُهُمْ.
وَكَانَ رَئِيسُ الَّذِينَ آمَنُوا: جُنْدَعَ بن عَمْرو بن محلاة بْنِ لَبِيدِ بْنِ جَوَّاسٍ.
وَكَانَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ.
وَهُمْ بَقِيَّةُ الْأَشْرَافِ بِالْإِسْلَامِ فَصَدَّهُمْ ذُؤَابُ بْنُ عَمْرو بْنِ لَبِيدٍ وَالْحُبَابُ صَاحِبُ أَوْثَانِهِمْ، وَرَبَابُ بْنُ صعر بن جلمس.
ودعا جندع بن عَمِّهِ شِهَابَ بْنَ خَلِيفَةَ وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فهم بالاسلام [فَنَهَاهُ أُولَئِكَ، قمال إِلَيْهِمْ (1) فَقَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَال لَهُ مهرش بن غنمة ابْن الذميل رَحمَه الله: وَكَانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْرٍو * إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا عَزِيزَ ثَمُودَ كُلُّهُمْ جَمِيعًا * فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا لَأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا * وَمَا عَدَلُوا بِصَاحِبِهِمْ ذُؤَابَا وَلَكِنَّ الْغُوَاةَ مِنْ آلِ حِجْرٍ * تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذبابا وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " هَذِهِ نَاقَة الله " أَضَافَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، كَقَوْلِهِ بَيْتُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ " لَكُمْ آيَةً " أَيْ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ " فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسوء فيأخذكم عَذَاب قريب ".
__________
(1) سَقَطت من ا.
(*)

فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ تَبْقَى هَذِهِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَتَرِدُ الْمَاءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَكَانَتْ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ تَشْرَبُ مَاءَ الْبِئْرِ يَوْمَهَا ذَلِكَ، فَكَانُوا يَرْفَعُونَ حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِمْ لِغَدِهِمْ.
وَيُقَالُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنِهَا كِفَايَتَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: " لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَعْلُوم ".
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " إِنَّا مرسلوا النَّاقة فتْنَة لَهُم " أَيِ اخْتِبَارًا لَهُمْ أَيُؤْمِنُونَ بِهَا أَمْ يَكْفُرُونَ؟ وَالله أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ.
" فارتقبهم " أَيِ انْتَظِرْ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ " وَاصْطَبِرْ " عَلَى أَذَاهُمْ فَسَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ عَلَى جَلِيَّةٍ.
" وَنَبِّئْهُمْ أَن المَاء قسْمَة بَينهم كل شرب مختضر ".
فَلَمَّا طَال عَلَيْهِم [هَذَا (1) ] الْحَال اجْتمع مأوهم، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَعْقِرُوا هَذِهِ النَّاقَةَ، لِيَسْتَرِيحُوا مِنْهَا وَيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ مَاؤُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وعتوا عَن أَمر رَبهم، وَقَالُوا يَا صَالح ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ".
وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَهَا مِنْهُمْ رَئِيسَهُمْ: قُدَارَ بْنَ سَالِفِ بْنِ جُنْدَعٍ، وَكَانَ أَحْمَرَ أَزْرَقَ أصهب.
وَكَانَ يُقَالُ إِنَّهُ وَلَدُ زَانِيَةٍ (2) وُلِدَ عَلَى فرَاش سالف، وَهُوَ ابْن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ صِيبَانُ.
وَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاق جَمِيعهم، فَلهَذَا نسب الْفِعْل إِلَيْهِم كلهم (2) .
وَذكر ابْن جرير وَغَيرهم مِنْ عُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ ثَمُودَ
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ا: زنية.
(2) ط: إِلَى جَمِيعهم كلهم.
(*)

اسْم إِحْدَاهمَا " صَدُوق " (1) ابْنة الْمحيا بن زُهَيْر بن الْمُخْتَار.
وَكَانَتْ ذَاتَ حَسَبٍ وَمَالٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ فَفَارَقَتْهُ، فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَهَا يُقَال لَهُ " مصرع " بْنُ مَهْرَجِ بْنِ الْمُحَيَّا، وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا إِنْ هُوَ عَقَرَ النَّاقَةَ.
وَاسْمُ الْأُخْرَى " عُنَيْزَةُ " بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم غنمة (2) وَكَانَتْ عَجُوزًا كَافِرَةً، لَهَا بَنَاتٌ مِنْ زَوْجِهَا ذُؤَابِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدِ الرُّؤَسَاءِ، فَعَرَضَتْ بَنَاتَهَا الْأَرْبَعَ عَلَى قُدَارِ بْنِ سَالِفٍ، إِنْ هُوَ (3) عَقَرَ النَّاقَةَ فَلَهُ أَيُّ بَنَاتِهَا شَاءَ، فَانْتُدِبَ (4) هَذَانِ الشَّابَّانِ لِعَقْرِهَا وَسَعَوْا فِي
قَوْمِهِمْ بِذَلِكَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ سَبْعَةٌ آخَرُونَ فَصَارُوا تِسْعَةً.
وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ "، وَسَعَوْا فِي بَقِيَّةِ الْقَبِيلَةِ وَحَسَّنُوا لَهُمْ عَقْرَهَا، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَطَاوَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَانْطَلَقُوا يَرْصُدُونَ النَّاقَةَ، فَلَمَّا صَدَرَتْ مِنْ وِرْدِهَا كَمَنَ لَهَا " مصرع "، فَرَمَاهَا بِسَهْم انتظم عظم (5) سَاقهَا، وَجَاء النِّسَاء يذمرن (6) الْقَبِيلَةِ فِي قَتْلِهَا، وَحَسَرْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ تَرْغِيبًا لَهُم [فِي ذَلِك (7) ] فأسرعهم (8) قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ، فَشَدَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عَنْ عُرْقُوبِهَا فَخَرَّتْ سَاقِطَةً إِلَى الْأَرْضِ.
وَرَغَتْ رَغَاةً وَاحِدَةً عَظِيمَةً تُحَذِّرُ وَلَدَهَا، ثُمَّ طَعَنَ فِي لَبَّتِهَا فَنَحَرَهَا، وَانْطَلَقَ سَقْبُهَا - وَهُوَ فَصِيلُهَا - فَصَعدَ جبلا منيعا ورغا (9) ثَلَاثًا.
__________
(1) ا: صدوقة.
(2) ط: أم عُثْمَان.
(3) ا: إِن من عقر (4) افابتدر.
(5) ا: عضلة سَاقهَا (6) يذمرن: يحضضن.
وفى المطبوعة: يزمرن.
محرفة (7) من ا.
(8) ط: فابتدرهم.
(9) ط: دَعَا.
وَهُوَ تَحْرِيف.
(*)

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ أُمِّي؟ ثُمَّ دَخَلَ فِي صَخْرَةٍ فَغَابَ فِيهَا.
وَيُقَالُ: بَلِ اتَّبَعُوهُ فَعَقَرُوهُ أَيْضًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنذر ".
وَقَالَ الله تَعَالَى: " إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَة الله وسقياها " أَيِ احْذَرُوهَا " فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بذنبهم فسواها * وَلَا يخَاف عقباها ".
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ (1) - أَبُو عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ [عَنْ] (2) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ النَّاقَةَ وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ: " إِذْ انْبَعَثَ أشقاها: انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ " أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ بِهِ.
عَارِمٌ: أَيْ شَهْمٌ.
عَزِيزٌ أَيْ رَئِيسٌ مَنِيعٌ: أَيْ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ.
وَقَالَ [مُحَمَّدُ (3) ] بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن خشيم، عَن مُحَمَّد ابْن كَعْب، عَن مُحَمَّد بن خثيم بن يَزِيدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: رجلَانِ [أحهما] (3) أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذَا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى تَبْتَلَّ مِنْهُ هَذِهِ - يَعْنِي لِحْيَتَهُ ".
رَوَاهُ ابْنُ أَبى حَاتِم.
__________
(1) ط: هَاشم.
(2) من ا.
(3) لَيست فِي ا (*)

وَقَالَ تَعَالَى: " فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبهم، وَقَالُوا يَا صَالح اثتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الْمُرْسلين ".
فَجَمَعُوا فِي كَلَامِهِمْ هَذَا بَيْنَ كُفْرٍ بَلِيغٍ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي ارْتِكَابِهِمُ النَّهْيَ الْأَكِيدَ فِي عَقْرِ النَّاقَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ آيَةً.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ فَاسْتَحَقُّوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الشَّرْطُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: " وَلَا تَمَسُّوهَا بسوه فيأخذكم عَذَاب قريب " وَفِي آيَةٍ " عَظِيمٌ " وَفِي الْأُخْرَى " أَلِيمٌ " وَالْكُلُّ حَقٌّ.
وَالثَّانِي اسْتِعْجَالُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ الَّذِي قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمًا جَازِمًا، وَلَكِنْ حَمَلَهُمُ الْكُفْرُ وَالضَّلَالُ وَالْعِنَادُ عَلَى اسْتِبْعَادِ الْحَقِّ وَوُقُوعِ الْعَذَابِ بِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام ذَلِك وعد غير مَكْذُوب ".
وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَطَا عَلَيْهَا قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ، لَعَنَهُ الله ; فعرقبها فَسَقَطت إِلَى الارض، ثمَّ ابتدرها بِأَسْيَافِهِمْ [يُقَطِّعُونَهَا (1) ] فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ سَقْبُهَا - وَهُوَ وَلَدُهَا - شَرَدَ عَنْهُمْ فَعَلَا أَعْلَى الْجَبَلِ هُنَاكَ، وَرَغَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (2) .
فَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: " تمَتَّعُوا فِي داركم ثَلَاثَة أَيَّام " أَي غير
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: مرار.
(*)

يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْوَعْدِ الْأَكِيدِ.
بَلْ لَمَّا أَمْسَوْا هَمُّوا بِقَتْلِهِ وَأَرَادُوا - فِيمَا يَزْعُمُونَ - أَنْ يُلْحِقُوهُ بِالنَّاقَةِ.
" قَالُوا تقاسموا بِاللَّه لنبيتنه وَأَهله " أَيْ لَنَكْبِسَنَّهُ فِي دَارِهِ مَعَ أَهْلِهِ فَلَنَقْتُلَنَّهُ، ثمَّ نجحدن (1) قَتله ولننكرن ذَلِكَ إِنْ طَالَبَنَا أَوْلِيَاؤُهُ بِدَمِهِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: " ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لصادقون " * * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يعْملُونَ * وأنجينا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " (2) .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ قَصَدُوا قَتْلَ صَالِحٍ
حِجَارَةً رَضَخَتْهُمْ [فأهلكهم (3) ] سَلَفًا وَتَعْجِيلًا قَبْلَ قَوْمِهِمْ، وَأَصْبَحَتْ ثَمُودُ يَوْمَ الْخَمِيسِ - وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَيَّامِ (4) النَّظِرَةِ - وَوُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، كَمَا أَنْذَرَهُمْ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنَ الْأَجَلِ.
ثُمَّ أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - وَوُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمَانِ مِنَ الْأَجَلِ.
ثُمَّ أَصْبَحُوا فِي الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام الْمَتَاع -
__________
(1) ا: تجحد.
(2) الْآيَات: 49 - 53 من سُورَة النَّمْل.
(3) سَقَطت من المطبوعة.
(4) ا: من أيامهم.
(*)

وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ - وَوُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا: أَلَا قَدْ مَضَى الْأَجَلُ.
فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة يَوْم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون مَاذَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنِّقْمَةِ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يُفْعَلُ بِهِمْ؟ وَلَا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ.
فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ جَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَجْفَةٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَفَاضَتِ الْأَرْوَاحُ وَزَهَقَتِ النُّفُوسُ، وَسَكَنَتِ الْحَرَكَاتُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَحُقَّتِ الْحَقَائِقُ، فَأَصْبَحُوا (1) فِي دَارهم جاثمين، جُثَثًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا وَلَا حِرَاكَ بِهَا.
قَالُوا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا جَارِيَةٌ كَانَتْ مُقْعَدَةً وَاسْمُهَا " كَلْبَةُ " بِنْتُ السَّلْقِ - وَيُقَالُ لَهَا الذريعة - وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ لِصَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْعَذَابَ أُطْلِقَتْ رِجْلَاهَا، فَقَامَتْ تَسْعَى كأسرع شئ، فَأَتَتْ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَأَخْبَرَتْهُمْ بِمَا رَأَتْ وَمَاحِل بِقَوْمِهَا وَاسْتَسْقَتْهُمْ مَاءً، فَلَمَّا شَرِبَتْ مَاتَتْ.
قَالَ الله تَعَالَى: " كَأَن لم يغنوا فِيهَا " أَيْ لَمْ يُقِيمُوا فِيهَا فِي سَعَةٍ وَرِزْقٍ وَغَنَاءٍ، " أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بعدا لثمود " أَيْ نَادَى عَلَيْهِمْ لِسَانُ الْقَدَرِ بِهَذَا.
* * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، حَدثنَا عبد الله بن
__________
(1) ا: أَصْبحُوا (*)

عين بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ: " لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ، فَكَانَتْ - يَعْنِي النَّاقَةَ - تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَج، فمتعوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا.
وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أهمد الله [بهَا (1) ] مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ " فَقَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (2) ؟ قَالَ: [هُوَ (1) ] أَبُو رِغَالٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي شئ من الْكتب السِّتَّة.
وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا: قَالَ مَعْمَرٌ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرِ أَبِي رِغَال، فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ من هَذَا؟ " قَالُوا: وَالله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: " هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ ; رَجُلٍ مِنْ ثَمُودَ، كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ عَذَابَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ فَدُفِنَ هَاهُنَا، وَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ.
فَنَزَلَ الْقَوْمُ فَابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، فَبَحَثُوا عَنْهُ
فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ ".
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَبُو رِغَالٍ أَبُو ثَقِيفٍ.
هَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ا: يَا رَسُول الله من هُوَ

وَقَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلًا كَمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَق فِي السِّيرَةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبى بجير، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ، فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ، وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ.
فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ الْغُصْنَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَق بِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَزِيزٌ.
قُلْتُ: تَفَرَّدَ بِهِ بُجَيْرُ بْنُ أَبِي بُجَيْرٍ هَذَا، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي رَفْعِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ زَامِلَتَيْهِ (1) .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: لَكِنْ فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا شَاهِدٌ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين " إِخْبَار عَن صَالح عَلَيْهِ السَّلَام،
__________
(1) الزاملة: الَّتِى يحمل عَلَيْهَا من الايل وَغَيرهَا، وَقد أصَاب عبد الله بن عَمْرو بعض كتب أهل الْكتاب، حمل زاملتين، فَكَانَ يحدث مِنْهَا.
" م 11 - قصَص الانبياء 1 " (*)

أَنَّهُ خَاطَبَ قَوْمَهُ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، وَقَدْ أَخَذَ فِي الذَّهَابِ عَنْ مَحِلَّتِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا قَائِلًا لَهُمْ: " يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْت لكم " أَيْ جَهَدْتُ فِي هِدَايَتِكُمْ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَنِي، وَحَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِي وَفِعْلِي وَنِيَّتِي.
" وَلَكِنْ لَا تحبون الناصحين " أَيْ لَمْ تَكُنْ سَجَايَاكُمْ تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تُرِيدُهُ، فَلِهَذَا صِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، الْمُسْتَمِرِّ بِكُمُ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَيْسَ لِي فِيكُمْ حِيلَةٌ وَلَا لِي بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ يَدَانِ.
وَالَّذِي وَجَبَ عَلَيَّ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ قَدْ فَعَلْتُهُ وَبَذَلْتُهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.
وَهَكَذَا خَاطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَقَالَ: " يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا " وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: " بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، فَبِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ ".
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَاطِبُ أَقْوَامًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يجيبون ".
وَيُقَالُ إِنَّ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَقَلَ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالح، عَن سَلمَة ابْن وَهْرَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جوادي عُسْفَانَ [حِينَ حَجَّ قَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " قَالَ:

وَادِي عُسْفَانَ (1) ] قَالَ: " لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالح عَلَيْهِمَا السَّلَام على بكرات خطمها الليف، أزرقهم الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ ".
إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَفِيهِ نُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ.

زياد علي

زياد علي محمد