الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

الشيخ عبد العزيز بن باز

الشيخ عبد العزيز بن باز

ولد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في مدينة الرياض، في الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام (1330هـ) في بيت علم وفضل وجدّ في طلب الرزق الحلال عن طريق الزراعة والتجارة، فآل باز أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة معروفة بالفضل والأخلاق، قال الشيخ: سليمان بن حمدان - رحمه الله - في كتابه حول تراجم الحنابلة: أن أصلهم من المدينة النبوية، وأن أحد أجدادهم انتقل منها إلى الدرعية، ثم انتقلوا منها إلى حوطة بني تميم.

كان الشيخ عبد العزيز بن باز بصيراً في أول حياته، ثم أصابه المرض في عينيه عام (1346هـ) وأخذ في الضعف تدريجياً حتى فقد بصره كلياً في مستهل محرم من عام (1350 هـ) وعمره قريب من العشرين عاما؛ قال الشيخ: " والحمد لله على ذلك، وأسأل الله - جل وعلا - أن يعوضني عنه بالبصيرة في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة، كما وعد بذلك - سبحانه - على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أسأله - سبحانه - أن يجعل العاقبة حميدة في الدنيا والآخرة".

ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - حفظه الله - قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر أربعة أمور: -

«الأمر الأول»: حسن الثواب، وعظيم الأجر من الله - سبحانه وتعالى -، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله - تعالى -يقول: «إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة» [1].

«الأمر الثاني»: قوة الذاكرة، والذكاء المفرط، فالشيخ - رعاه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.

«الأمر الثالث»: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ - أعانه الله - متزهد فيها أشد الزهد، وتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله - سبحانه وتعالى -.

«الأمر الرابع»: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال، وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب، وحبا للعلم، وسلوكا للسنة، وسيرا على المحجة، وذكاء في الفؤاد.

توفي أبوه وهو طفل صغير، ولهذا فإنه لا يعرفه ولا يتذكر ملامحه.

وتوفيت أمه عام (1355هـ) وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبموتها فقد الكثير، وهو الكفيف الذي أصيب بالعمى قبل موتها بست سنين، ومن في الناس كالأم.

من أخبار سماحة الشيخ في صباه

مما يُذْكَر أنه كان في صباه ضعيف البنية، وأنه لم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة، ذكر ذلك ابنه الشيخ أحمد.

وكان سماحة الشيخ معروفاً بالتقى والمسارعة إلى الخيرات، والمواظبة على الطاعات منذ نعومة أظفاره.

وقد ذكر الشيخ سعد بن عبد المحسن الباز - وهو قريب لسماحة الشيخ ويكبره بعشر سنوات - ذكر أن سماحة الشيخ منذ نعومة أظفاره كان شاباً تقياً سباقاً إلى أفعال الخير، وأن مكانه دائماً في روضة المسجد وعمره ثلاثة عشر عاماً.

ومن الأخبار المعروفة عن سماحة الشيخ ابن باز في صباه أنه كان معروفاً بالجود والكرم.

وقد ذكر الشيخ سعد بن عبد المحسن الباز - رحمه الله - أن سماحة الشيخ عبد العزيز وهو طالب عند المشايخ- إذا سلم عليه أحد دعاه إلى غدائه، أو عشائه، ولم يكن يحتقر شيئاً يقدمه لضيوفه ويجعل الله في الطعام خيراً كثيراً.

أَلِفَ المروَّة مُذْ نشا فكأنه *** سُقي اللَّبانَ بها صبياً مُرْضَعا

ومن أخباره في صباه أنه كان يكتب، ويقرأ ويعلق على الكتب قبل أن يذهب بصره.

وقد قيل ذات مرة لسماحة الشيخ: سمعنا أنك لا تعرف الكتابة، فأجاب سماحته بقوله: «هذا ليس بصحيح؛ فأنا أقرأ وأكتب قبل أن يذهب بصري، ولي تعليقات على بعض الكتب التي قرأتها على المشايخ مثل الآجروميه في النحو، وغيرها».

وإذا أملى سماحة الشيخ كتاباً، أو تعليقاً، وكان هناك إشكال في كلمة ما -قال: تُكْتَب هكذا، ويشير إلى راحة يده، وهو يَكْتُب بإصبعه؛ ليرى كيفية الكتابة الصحيحة.

وقيل لسماحته ذات مرة: هل صحيح أنك تتمنى أنك رأيت الإبل على ما خلقها الله؟ فأجاب سماحته بقوله: «هذا ليس بصحيح؛ فأنا أتصورها؛ لأن بصري لم يذهب إلا وعمري تسع عشرة سنة». [2]

تعليمه

نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء، وأئمة الدين، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأعني بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال، بعد أن استعاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - الرياض ووطد فيها الحكم العادل المبني على الشريعة الإسلامية السمحة بعد أن كانت الرياض تعيش في فوضى لا نهاية لها، واضطراب بين حكامها ومحكوميها. ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته - حفظه الله -.

ولا شك ولا ريب أن القرآن العظيم هو النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح...فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية، فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون أحكامه وتفاسيره، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى، فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد حفظه لكتاب الله، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.

ومن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته، أن لوالدته - رحمها الله - أثرا بالغا، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت تحثه وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد كما ذكر ذلك سماحته في محاضرته النافعة - رحلتي مع الكتاب - وهي رحلة ممتعة ذكر فيها الشيخ في نهاية المحاضرة، وبالخصوص في باب الأسئلة بعض الجوانب المضيئة من حياته.

ثم تلقى العلوم العربية والشرعية على أيدي عدد من علماء الرياض، وخاصة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - تعالى- فقد قرأ عليه الحديث الشريف، والعقيدة، والفقه، والنحو، والفرائض، والتفسير، والتاريخ، والسيرة النبوية.. نحواً من عشر سنين (1347 - 1357هـ).

ومن أعلام من أخذ العلم منهم أيضا:

1-الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمة الله.

2-الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله -

3-الشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض).

4-الشيخ حمد بن فارس (وكيل بيت المال بالرياض).

5-الشيخ سعد وقاص البخاري (من علماء مكة).

وتابع الشيخ عبد العزيز تحصيله العلمي ذاتياً، حتى صار واحداً من كبار العلماء، بإجماع كبار علماء المسلمين في العالم.

وكان الشيخ عبد العزيز فقيهاً حنبلياً في أول طلبه العلم، ولكنه كان واسع الأفق، يأخذ بالرأي الأرجح ذي الدليل الأقوى، كما يأخذ بأقوال الفقهاء، ما دامت أدلتهم من الكتاب والسنة هي الأقوى.

الأعمال والمناصب التي سندت غالى سماحته:

1- القضاء في منطقة الخرج سنة (1357هـ) لأكثر من أربعة عشر عاماً.

2- التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة (1372هـ)، وكلية الشريعة بالرياض سنة (1381هـ)، في علوم الفقة والتوحيد والحديث.

3- عين في عام (1381هـ) نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

4- تولى رئاسة الجامعة الإسلامية في سنة (1390هـ).

5- وفي عام (1395هـ) صدر الأمر الملكي بتعينة في منصب الرئيس العام لإدارت البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

6- عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

7- رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء بالمملكة.

8- عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

9- رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.

10-رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.

11-عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.

12-عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة.

كان الشيخ عالماً من علماء العصر الذي يحيا فيه، يطالع الصحف، وينقل إليه مساعدوه ملفاً كاملاً عن أخبار العالم الإسلامي، فما كان يفوته حدث مهم، وكان يطلع على ما تنشره وسائل الإعلام، وإذا رأى ما يوجب الردّ عليه، بادر إلى الردّ، لا يخشى في الله لومة لائم، مهما كان صاحب الرأي كبيراً، وهذا ما عرفناه في عدد من الوقائع، مثل رسالته إلى الكاتب الكبير محب الدين الخطيب، رئيس تحرير مجلة الأزهر التي رأى الشيخ عبد العزيز أنها نشرت ما يستوجب الرد، لأن فيه ما يخالف ما دلّ عليه الكتاب والسنة.

والذي يطالع كتابه (نقد القومية العربية) يعرف مدى اطلاع الشيخ على ما يجري حوله وما يضطرب من أفكار خارجة على الإسلام، وفيها من الضلال ما يستوجب الردّ عليه وفضحه.

استفاد الشيخ، في كتابه هذا، من كتب الشيخ محمد الغزالي، والشيخ أبي الحسن الندوي، ومن رسالة التعاليم للشيخ حسن البنا، - رحمهم الله - جميعاً، بل لم يكتف بكتب الفكر الإسلامي، فنقل بعض النقول عن الفكر الغربي، مما يدلّ على اطلاعه على ما يترجم من تلك الكتب.

وهذا ما نراه في مطالبته العلماء والمسؤولين، من إعادة النظر في المناهج التي رآها متأثرة بالفكر القومي.. تصدّى لتلك المناهج، وعمل على تغييرها بحيث تكون متفقة مع عقيدة الأمة وإسلامها.

ميادينه العلمية

كانت العقيدة على رأس اهتماماته، صال في ميدانها وجال، دروساً، وخطباً، ومحاضرات، وكتابات، لتكون عقيدة المسلمين هي عقيدة السلف الصالح، المستمدة من الكتاب والسنة فالعلم بها وتعليمها، هما العمل المفضَّل لديه، فعليها تقوم سائر العلوم الشرعية الأخرى، وفي صحتها صحة لسائر علوم الدين، وفي فسادها فساد كل تلك العلوم.

وبعدها تأتي علوم التفسير، والحديث، والفقه الحنبلي، غير أنه -كما تقدم- لا يتقيد بالمذهب إذا ظهر له الدليل على خلافه، فالاجتهاد في تقصي الأدلة مفضل عنده، لأن واجب العلماء أن يأخذوا بالدليل من الكتاب والسنة، وفي هذا طمأنينة للقلب، وراحة للضمير، لأنه يأخذ الحكم عن الله ورسوله، لا عن الرجال.

ومنهج الشيخ في بحوثه، يعتمد على ظاهر النص، والتزامه في كل ما يتصل به، ويرى أن النصوص قد تتفاوت في دلالاتها، وهذا يعطيه، كما يعطي غيره من العلماء، حقّ الاجتهاد فيه.

ولهذا نرى الشيخ يحترم رأي مخالفيه، ويقرر أنه لا يجوز للمسائل الخلافية الصغيرة أن تكون عامل تفريق بين المسلمين.

الثمرات

لقد تفوّق الشيخ على نفسه في كثير من الأمور، فلم يستكن للعاهة التي ألمت به، بل تجاوزها كما تجاوز غيرها، ولم تمنعه عاهة العمى عن الخوض في المضامير التي يخوضها المبصرون، ومنها تأليف الكتب... ألف الشيخ وكتب ونشر، ولكنه لم ينشر كل ما كتبه - على أهمية ما كتب وألّف - لأنه يرى أن قيمة النتاج عائدة إلى مدى خدمته للشريعة، ومن ثم للأمة والعباد. ومن أشهر مؤلفاته:

1- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.

2- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).

3- التحذير من البدع.

4- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.

5- العقيدة الصحيحة وما يضادها.

6- وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.

7- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.

8- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.

9- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.

10-نفد القومية العربية.

11-الجواب المفيد في حكم التصوير.

12-الشيخ محمد بن عبد الوهاب(دعوته وسيرته).

13-ثلاث رسائل في الصلاة.

14-حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

15-حاشية مفيدة على فتح الباري.

16-رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب.

17-إقامة البرهان على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.

18-الجهاد في سبيل الله.

19-الدروس المهمة لعامة الأمة.

20-فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.

21-وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة

يقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «ويغلب على مؤلفاته وضوح المعنى، وسهولة العبارة، وحسن الاختيار، مع قوة الحجة والاستدلال، وغير ذلك مما يدل على النصح وصفاء النفس وسعة الأفق والاطلاع، وحدة الذكاء، وسيلان الذهن، وبالجملة فالشيخ قد وهب نفسه للعلم والمتعلمين، وبذل جهده في تحقيق المصالح لمن قصده أو عرف به، مع رحابة صدر، وسماحة خاطر».

الشيخ خطيباً

من سمع الشيخ يخطب، شهد له بالبلاغة، والتأثير في سامعيه الذين يقرؤون الصدق والإخلاص والعلم والثقافة الأدبية واللغوية فيما يسمعون، فلديه قدرة كبيرة على ترتيب أفكاره، بحيث لا يشذّ عنها في استطرادات غير مفيدة، ويلحظون ضبطه لعواطفه، حتى لا تطغى على عقله، فتضيع بعض المعاني التي يريد أن يبثّها لجمهور مستمعيه، ولا يتجاوز -في سائر خطبه- مفهوم الحكمة والموعظة الحسنة، فيراعي مشاعر المخالفين له في لين، ولا يكون من المنفّرين.

ويلحظ سامعه سلامة لغته وأسلوبه من الخطأ الذي ابتلي به كثير من الخطباء والوعاظ وحملة الشهادات العليا الذين تدور الأخطاء النحوية على ألسنتهم ما دارت ألسنتهم.

ومن أجمل ما اتصفت به خطابته، بُعدها عن التكلف المقيت، فكان أسلوبه الخطابيّ سلساً عذباً، وبليغاً مسدَّداً.

وكذلك كان الشيخ في محاضراته التي كان يركز فيها على الموضوعات الحيوية التي يمسّ بها القلوب والعقول معاً، وكان -عقب كل محاضرة- يجيب على أسئلة السائلين إجابات واضحات تكون مكملات للمحاضرة.

صفاته الخلقية

تفرد سماحة الإمام عبد العزيز - رحمه الله - بصفات عديدة لا تكاد تجتمع في رجل واحد إلا في القليل النادر، ومن أبرز تلك الصفات ما يلي:

1- الإخلاص لله - ولا نزكي على الله أحداً - فهو لا يبتغي بعمله حمداً من أحد ولا جزاءً، ولا شكوراً.

2- التواضع الجم، مع مكانته العالية، ومنزلته العلمية.

حين مدحه الشيخ تقي الدين الهلالي المغربي - رحمه الله - وكان مما قاله:

إمام الهدى عبد العزيز الذي *** بدا بعلم وأخلاق أمامالورى بدرا
تراه إذا ما جئته متهللاً *** ينيلك ترحيباً ويمنحك البِشْرى
وأماقِرى الأضياف فهو أمامُه *** فحاتم لم يتْرك له في الورى ذكرا.

إلى آخر تلك القصيدة.

فكتب الشيخ عبد العزيز - رحمه الله -مستنكرا:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، أما بعد فقد اطلعت على قصيدة نشرت في العدد التاسع من مجلة الجامعة السلفية في بناس الهند لفضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي، وقدكدرتني كثيراً، وأسفت أن تصدر من مثله، وذلك لما تضمنته من الغلو في المدحلي ولعموم قبيلتي، وتنقصه للزاهد المشهور إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - وتفضيلي عليه في الزهد، وعلى حاتم في الكرم، وتسويتي بشريح في القضاء إلى غير ذلك من المدح المذموم الذي أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحثي تراب في وجوه من يستعمله. وإني أبرأ إلى الله من الرضا بذلك، ويعلم الله كراهيتي له، وامتعاضي من القصيدة لما سمعت فيها ما سمعت.

وإني أنصح فضيلته من العود إلى مثل ذلك، وأن يستغفر الله من ما صدر منه، ونسأل الله أن يحفظنا وإياه وسائر إخواننا من زلات اللسان، ووسواس الشيطان، وأن يعاملنا جميعاً بعفوه، ورحمه، وأن يختم للجميع بالخاتمة الحسنة؛ إنه خير مسؤول.

ولإعلان الحقيقة وإشعار مناطلع على ذلك بعدم رضائي بالمدح المذكور جرى نشره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

3 - الحلم العجيب الذي يصل فيه إلى حد لا يصدقه إلا من رآه عليه.

دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم، رجل كثير السباب فسبَّ الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبد العزيز بن باز إلى الحج توفي هذا الرجل فجهّز للصلاة عليه، في جامع العذار، وكان إمامه آنذاك الشيخ عبد العزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم أنه ذلك الرجل تنحى وامتنع عن الصلاة عليه، وقال: لا أصلي على شخص يشتم الشيخ ابن باز، بل صلوا عليه أنتم؛ فلما عاد الشيخ عبد العزيز من الحج وأخبر بموت ذلك الرجل ترحم عليه، وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه، قال: إنه مخطئ في ذلك، ثم قال دلوني على قبره فصلى عليه وترحم عليه ودعا له.

ودخل عليه رجل آخر عنده قضية في الصباح الباكر، والشيخ يدرس الطلاب في الجامع - جامع الدلم - فوقف هذا الرجل عليهم، وأخذ ينادي بصوت مرتفع قائلا: قم افصل بين الناس، قم افصل بين الناس، واترك القراءة، فلم يزد الشيخ على أن قال: قم يا عبد الله بن رشيد، وأخبره يأتينا عندما نجلس للقضاء بعد الدرس.

4 - الجلد، والتحمل، والطاقة العجيبة حتى مع كبر سنه.

5 - الأدب المتناهي، والذوق المرهف.

6 - الكرم والسخاء الذي لا يدانيه فيه أحد في زمانه فيما أعلم، وذلك في شتى أنواع الكرم والسخاء، سواء بالمال أو بالوقت، أو الراحة، أو العلم، أو الإحسان، أو الشفاعات، أو العفو، أو الخُلُق، ونحو ذلك.

احتاج أحد الطلاب من الجامعة إلى مساعدة (مائتي ريال) فكأن كاتب الشيخ قرأها ـ خطأـ ألفين ريال، فأمر الشيخ بصرف المبلغ له، وعند مراجعة الأوراق اتضح أن الطالب طلب مائتي ريال، فأراد الكاتب تصحيح الأمر، فنهاه الشيخ قائلاً: لعله كان محتاجاً للألفين واستحيا، فرزقه الله.. أعطه الألفين.

7 - السكينة العجيبة التي تغشاه، وتغشى مجلسه، ومن يخالطه.

8 - الذاكرة القوية التي تزيد مع تقدمه في السن.

9 - الهمة العالية، والعزيمة القوية التي لا تستصعب شيئاً، ولا يهولها أمر من الأمور.

زاره رجل من أهل موريتانيا فاستضافه الشيخ أياما.. وقال الرجل: عجبت من دأب الشيخ وجلده على حوائج الناس والكتابة لهم وضيافتهم والجلوس في حلق العلم وتعليم الطلاب ومذاكرة المسائل، فقلت للشيخ: سألتك بالله يا شيخ وأنت قاربت التسعين كيف تصبر على مالا يصبر عليه أبناء الثلاثين والأربعين.. فأعرض عني ثم سألته ثانية وثالثة حتى شددت عليه في السؤال فرد علي قائلا:

«إن كانت الروح تعمل فالجوارح لا تكل»

10 - العدل في الأحكام سواء مع المخالفين، أو الموافقين.

11 - الثبات على المبدأ، وعلى الحق.

12 - سعة الأفق.

13 - بُعْد النظر.

14 - التجدد؛ فهو - دائماً - يتجدد، ويواكب الأحداث، ويحسن التعامل مع المتغيرات.

15 - الثقة العظيمة بالله - جل وعلا -.

16 - الزهد بالدنيا، سواء بالمال أو الجاه، أو المنصب، أو الثناء، أو غير ذلك.. لم تشغله الدنيا بزخرفها.. ولا ألهته عن تلك المكارم بزهرتها.. وأنى للدنيا أن تملك قلباَ ملكه الزهد. والورع وحب الصالحات؟!

في سنة (1402هـ) قررت هيئة جائزة الملك فيصل العالمية منح الجائزة للإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهي جائزة عظيمة.. ليست بالسهلة! ولعل النفوس تحدثت يومها: أين سيضع هذا الإمام هذه الجائزة؟!

ولكن الجواب كان سريعاً! فها هو الإمام يقف شامخاً في الحقل الذي أقيم بهذه المناسبة.. والكل يومها متشوق إلى معرفة مصير تلك الجائزة! وإذا بالإمام الزاهد يعلنها بأريحية بازية.. وزهادة عمرية:

«.. فإني أبذلها أيضاً، وأهديها أيضاً إلى دار الحديث الخيرية الأهلية المكية؛ معونة لها على ما تقوم به للخدمة الإسلامية، فإن دار الحديث الخيرية الأهلية بمكة تخدم المسلمين أيضاً، وتخدم أبناءهم في سائر أرجاء المعمورة من أفريقيا وآسيا وغيرهما.. ».

يقول الشيخ ناصر الزهراني: «أتيته في يومٍ من الأيام فأخذت أتوسل إليه، وأترجاه وأحاول معه أن يوافق لي على السعي في شراء هذا المنزل الذي يسكنه بمكة، فهو ليس له؛ بل هو مستأجر!.

فحاولت إقناعه، وقلت له: لا أريد منك إلا الموافقة، والباقي عليَ.

فقال لي: «اصرف النظر عن هذا الأمر، أي شيء تحتاجه مني في مساعدة، أو شفاعة للمسمين فلا تتردد، أما لي أنا فلا!! ».

17 - الحرص على تطبيق السنة بحذافيرها، فلا يكاد يعلم سنة ثابتة إلا عمل بها.

18 - بشاشة الوجه، وطلاقة المحيا.

19 - الصبر بأنواعه المتعددة من صبر على الناس، وصبر على المرض، وصبر على تحمل الأعباء إلى غير ذلك.

20 - المراعاة التامة لأدب الحديث، والمجلس، ونحوها من الآداب.

21 - الوفاء المنقطع النظير لمشايخه، وأصدقائه، ومعارفه.

22 - صلة الأرحام.

23 - القيام بحقوق الجيران.

24 - عفة اللسان.

25 - لم يسمع عنه أنه مدح نفسه، أو انتقص أحداً، أو عاب طعاماً، أو استكثر شيئاً قدمه للناس، أو نهر خادماً.

26 - كان لا يقبل الخبر إلا من ثقة.

27 - يحسن الظن بالناس.

28 - قليل الكلام، كثير الصمت.

29 - كثير الذكر والدعاء.

30 - لا يرفع صوته بالضحك.

31 - كثير البكاء إذا سمع القرآن، أو قرئ عليه سيرة لأحد العلماء، أو شيء يتعلق بتعظيم القرآن أو السنة.

32 - يقبل الهدية، ويكافئ عليها.

33 - يحب المساكين، ويحنو عليهم، ويتلذذ بالأكل معهم.

ها هي رسالة تأتي ذات مرة من الفلبين إلى مكتب سند المحتاجين.. والرسالة من امرأة تقول فيها: «إن زوجي مسلم أخذوه النصارى، وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة، وأطفالي يتامى، وليس لي أحد بعد الله - عز وجل -، فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني؟ قال الناس لي: لا يوجد إلا الشيخ عبد العزيز بن باز! فآمل أن تساعدني».

فكتب الشيخ إلى الجهات المسؤولة لمساعدتها؛ فجاءت الإجابة: «إنه لا يوجد بند لمساعدة امرأة ألقي زوجها في بئر، فالبنود المالية محددة».

ولكن السماحة.. والجود.. وإغاثة الملهوف كانت فوق ذلك؛ فأتت الإجابة من ذاك الإمام إلى أمين الصندوق: «اخصم من راتبي عشرة آلاف ريال وأرسله إلى هذه المرأة! ».

- وهنالك.. وفي أدغال أفريقيا؛ ذهب وفد سعودي في إحدى المهمات، فجاءت إلى الوفد امرأة عجوز، وقالت لأحدهم: أنتم من السعودية؟

فقال: نعم!.

فقالت: أبلغ سلامي إلى الشيخ ابن باز!

فقال: كيف عرفتيه؟!

فقالت: لقد كنت أنا وزوجي عائلة نصرانية وأسلمنا، ولكن طاردنا أقرباؤنا وضاقت بنا الدنيا، فسألت عن مساعد بعد الله، فقالوا: مالك بعد الله إلا ابن باز! فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة، ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل بي وتطلبني بمراجعتها، وإذا بسماحته قد أرسل لها بمساعدة عشرة آلاف ريال، فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك، بعد أن عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون!.

وذات مرة دخل أحد الناس على هذا الإمام فقال له: يا سماحة الشيخ، بعض الفضلاء يرون أنك إذا جلست مع الناس وقت الغداء والعشاء وغيرها؛ أنه يجلس معك العاملون والموظفون والعرب والعجم والفقراء ودهماء الناس، وأن في هذا حرجٌ من بعض كبار الضيوف والزوار، فنحن لا نقترح عليك ترك إطعام الناس، وفتح المنزل لهم، ولكن ليكن لهم مجلس خاص، ومكان خاص لأكلهم وشربهم، وأنت وخواص ضيوفك يوضع طعامكم في مكان خاص! فتغير وجه الشيخ من هذه المقولة.. فقال: (مسكين! مسكين! صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء! أنا سأستمر على هذا، وليس عندي خصوصيات، والذي يستطيع أن يجلس معي أنا وهؤلاء الفقراء والمساكين يجلس، والذي لا يعجبه وتأبى نفسه فليس مجبوراً على ذلك! ».

34 - يحافظ على الوقت أشد المحافظة.

35 - يشجع على الخير، ويحض عليه.

36 - لا يحسد أحداً على نعمة ساقها الله إليه.

37 - لا يحقد على أحد بل يقابل الإساءة بالإحسان.

38 - معتدل في مأكله ومشربه.

39 - دقيق في المواعيد.

40 - كان متفائلاً، ومحباً للفأل.

هذه نبذة عن بعض أخلاقه [3]

شمائله

كان الشيخ من العبّاد، يحافظ على السنن، ويؤدي من النوافل ما شاء الله له أن يؤدي، صلاة، وقياماً، وصياماً.. كان يقوم الليل إلى قريب الفجر، يصلّي، ويستغفر، ويدعو، ويبكي، فقد كان سخي الدمعة، ويقرأ أوراده، ويبقى لسانه رطباً بذكر الله، وكذلك عيناه المطفأتان.

وكان آية في حسن العبادة والتهجد.. لا تفتر عزيمته.. ولا تنثني همته.. وأعجب لرجلٍ لم يدع التهجد في سفر ولا في حضر.

وها هي السيارة تنطلق ذات مرة بهذا الإمام من الرياض إلى مكة أو العكس.. ولما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل.. قال الشيخ: ما رأيكم لو نِمنَا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟ فوافق الجميع.. إذ إن التعب قد بلغ منهم غايته.. والكل يريد أن يستريح.. وما أحلى النوم بعد التعب! فارتمى الجميع.. ليستسلموا لنومٍ هادئ.. ولكن هنالك رجل التمس راحةً غير راحة النوم.. ولذةً غير لذة النوم!. إنه: الإمام ابن باز!.

فها هو يطلب ماءً.. ويتوضأ.. ثم يقوم متهجداً في صلاة يرجو ذخرها غداً.. ويصلي الإمام العابد ما شاء الله له من الليل.. ثم ينام بعدها.. وكان العجب من نصيب أولئك النفر عندما قاموا إلى صلاة الفجر.. ليجدوا ذلك الإمام الذي تركوه قائماً يصلي؛ فإذا بهم يرونه أيضاً مرة أخرى قائماً يصلي!!... كان آخرهم نوماً وأولهم قياماً!!.

وكان عالماً يعمل بما علم، يخاف الله في سرّه وعلنه، فلا يترخّص لنفسه، بل يأخذها بالعزائم.

وكان الشيخ يكثر من الذكر والدعاء والبكاء لدى سماعه القرآن، أو سيرة أحد الصالحين، ويطيل البكاء وهو يروي أو يسمع حديث الخليفة الصديق: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات).. وحديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك، وحديث أبي عبيدة والتمرات والحوت، وسواها من الحوادث في سيرة السلف الصالح.

وكان الشيخ تقياً، ورعاً، مسارعاً إلى فعل الخيرات، مواظباً على الطاعات منذ الصغر، وكان المسجد مكانه المحبّب إليه منذ أن بلغ الثالثة عشرة، وكان مخلصاً دينه لله وحده، لا يرجو حمداً وشكراً من أحد لعمل عمله، أو خدمة أداها، فلم يكن الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ولا بما فعلوا، وكان حليماً، جلداً على العمل، يتحمل من الأعباء ما تضوى له وتنوء به أجساد الشباب، همته العالية تتجاوز ضعف الشيخوخة والشيبة، ويتمتع بذوق رفيع، ما أحوج العلماء والدعاة، والمشايخ إليه حتى لا يكونوا منفّرين، وبإحساس مرهف، وكان جواداً من الأجواد، يجود بماله، ووقت راحته، من أجل قضاء حوائج طلبة العلم الذين يفدون إليه من كل فج عميق، يجيب على أسئلتهم، ويحل لهم إشكالاتهم العلمية، ومن أجل قضاء حوائج الفقراء والمساكين، فيكتب شفاعة لهذا، ويعفو عن ذاك، ويقدم المال إلى المحتاج إليه، ومن عنايته بالفقراء، أنه كان يخصص لبعضهم رواتب ومساعدات من ماله الخاص حتى بلغ به الأمر أن يخصص مبلغ ألف ريال يرسلها إلى امرأة فقيرة في مجاهل إفريقية، فإذا لم يجد المال، استلف راتباً أو أكثر من رواتبه من أجل ذلك، أو ردهم رداً جميلاً.

ومن تواضعه أنه كان يعنى بالعوام الذين يقبلون عليه، ولا يكادون يفارقونه حتى في طعامه الذي يشاركونه فيه، بل في سائر أحواله، وهو صابر عليهم، ولكلٍّ مشكلته، فهذا يستفتي، وذاك يستجدي، وكان يغضب من أصحابه إذا زجروهم، ويذكرهم بالحديث العظيم «ابغوني ضعفاءكم» [4] حتى وهو على فراش الموت، كتب شفاعة لواحد منهم.

وكان مجلسه مجلس أنس وعلم وذكر، وهو ملتقى الخواص من طلبة العلم، يأتونه لحل ما يشكل عليهم من المعضلات العلمية، فيجيبهم، ويستفيدون من إجاباته، كما يفيدون من سكينته ووقاره، وكثرة صمته، وقلة كلامه ومراعاته لأدب الحديث، وأدب المجلس، فلا يرفع صوتاً، ولا يقهقه، ومن مكارم الأخلاق التي حباه الله إياها، كالعدل مع مخالفيه في الرأي، وثباته على المبدأ، واستقامته على الحق، وسعة أفقه، وبعد نظره، وثقته العظيمة بالله - تعالى -، وزهده بالثناء، وتقشفه، وحرصه على السنن، وبشاشة وجهه، وطلاقة محياه، وعفة يده ولسانه، فلم يسمعوه ينتقص أحداً، ولا يعيب طعاماً، ولا ينهر خادماً، ولا يمدح نفسه، ولا يحب أن يمدحه أحد بما فيه، فكيف بما ليس فيه؟

يحسن الظنّ بالناس، ويشتدّ في وفائه لمشايخه وأصدقائه وذوي رحمه، يتفقد أحوالهم، ويقوم بحقوقهم، ويعينهم على متاعب الحياة، لا يعرف الحسد والحقد، ويقابل الإساءة بالإحسان، وغيرته على الدين شديدة، يثور لانتهاك حرمات الله، ولوقوع الظلم على المسلمين ويحب أهل العلم، ويسأل عن أحوالهم، ويكاتبهم، ويتناصح معهم.

وهو دقيق في مواعيده، وهذه الخصلة قلّ من يحافظ عليها من المشايخ والعلماء، وهذا مما يؤسف له جداً.. وهو متفائل دائماً، حتى عندما كانت دموعه تخضل لحيته لسماع خبر مفجع نزل بالمسلمين في أقصى الأرض.

وكان يؤمن بالشورى، وينفذها مع العاملين معه، وليست مجرد ادعاء، كما هي عند كثير من العلماء والزعماء والقادة.

وينكر البدع، ويعدّها عدواناً على حقائق الوحي، وتغييراً لدين الله، وفيها إبعاد للمسلمين عن حقيقة الإسلام العظيم.

وللشيخ ذاكرة قوية أعانته كثيراً في حياته العلمية والعملية.

ومن شمائل الشيخ: دفاعه عن الدعاة حيث كانوا، ولو كان على خلاف معهم في الرأي.

حتى الصوفية، كان منصفاً معهم، وكان يقول عنهم: هم مسلمون فيهم خير وفيهم شر، ونحن نأخذ ما عندهم من خير ونشجعهم على فعله، وننكر ما عندهم من شر ونحذرهم منه.

وكان الشيخ جريئاً في انتقاد الظلم والانحراف، ومواقفه مشهودة في استنكاره إعدام سيد قطب، - رحمه الله تعالى -، وفي إنكاره على القذافي تطاوله على كتاب الله وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك موقفه الجريء من الظالم الهالك (سياد بري) الذي أحرق عشرة علماء لأنهم استنكروا تطاوله وتطاول زبانيته الشيوعيين في الصومال على شريعة الله.

ولا ينسى العلماء، والطلاب خطبته الجريئة أمام الملك فيصل - رحمه الله - تعالى- عندما زار الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ومعه مجموعة من الأمراء.. تحدث الشيخ عن الإعلام السعودي، ودعا إلى ضرورة صيانته من المزالق التي زلق فيها الآخرون الذين لا يستشعرون أي مسؤولية نحو الإسلام، وقد سلك في خطبته هذه مسلكاً حكيماً، عندما جمع بين اللطف والقوة في صراحته المعهودة.

معالم تربوية من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز

* نشرت مجلة الدعوة فتوى لسماحة الشيخ، لكن وقع فيها خطأ، فقد صُدِّر الجواب بِـ: أن في المذهب كذا وكذا (وهذه ليست من ألفاظ الشيخ). فدعى الشيخ كاتب الفتوى، وقال له: اقرأ علي!

فقرأ عليه وإذا فيها: في المذهب كذا وكذا، قال الشيخ: نحن لا نقول جاء في المذهب كذا وكذا!! نحن نقول قال الله وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

* سأله أحد طلبة العلم: يا شيخ أنتم دائماً تكثرون القراءة في كتب الحديث وتعتـنون بالحديث، فقال - رحمه الله -: وهل العلم إلا الحديث! هل العلم إلا الحديث!! يا فلان التقليد ليس بعلم! التقليد ليس بعلم!!

* قرر الشيخ ـ - رحمه الله - ـ في الدرس نكاح الكتابيات بشرطه، فقال بعض الطلبة الذين في الدرس: يا شيخ بعض الصحابة كان ينهى عن ذلك! فالتـفت الشيخ إليه وقد احمرّ وجهه وقال: «هل قول الصحابي يضاد الكتاب والسنة؟!! » ليس لأحد قول بعد كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

* ألقى الشيخ محاضرة، فقيل له في المحاضرة: إن الشيخ فلان يقول عنك إنك مبتدع، فقال الشيخ ـ - رحمه الله - ـ: هو مجتهد هو مجتهد، السؤال الذي بعده. ما زاد على ذلك - رحمه الله -.

* جاء رجل واستفتى الشيخ - رحمه الله - أثناء الدرس، وكان الشيخ يفتي الذين خارج الدرس حتى أثناء الدرس؛ يقول: هم أصحاب حاجات، يعني لا علاقة لهم بالدرس، فهذا الرجل استفتى الشيخ، فقال الشيخ: لا أدري، لا أعرف. فقال الرجل: أنت تقول لا أعرف. قال الشيخ: أّذّن في الآفاق أن ابن باز لا يعرف.

* لما قرأ عليه الشيخ ابن قاسم في زاد المعاد قصة عائشة - رضي الله عنها - في الإفك الذي حصل لها، بكى الشيخ وانقطع الدرس بالبكاء.

* عند قول أبي بكر - في حادثة وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، بكى الشيخ بكاء شديداً.

* لما زار الملك فيصل ـ - رحمه الله - ـ المدينة ـ وكان الشيخ رئيس الجامعة الإسلامية ـ زار الشيخ في بيته فقال للشيخ: إنا سنعمر قصراً لكم. فالشيخ تركه ولم يرد؛ وعمر القصر، فلما أرادوا أن يسجلوا صكاً باسم الشيخ، قال الشيخ: لا، سجلوه باسم رئيس الجامعة الإسلامية، حتى إذا جاء رئيس مكاني يكون في هذا البيت.

* الشيخ - رحمه الله - عنده ذاكرة قوية، فإذا سلمت عليه وقد سلمت عليه قبل سنوات عرفك... حدثني أحدهم، يقول: سلمت عليه بعد خمسة عشر سنة، فأخبرني باسمي!!

لكن اعجب أنه يحفظ الجزء والصفحة!! ويصحح الكتب من حفظه - رحمه الله -، بل وأعجب من ذلك في مقام العلم والعلماء. الإمام الشيخ الشنقيطي ـ - رحمه الله تعالى -ـ هو شيخ الشيخ ابن باز، كان إماماً لا يضاهى في حفظه، وكان الشيخ عبد العزيز يحضر عنده في المحاضرات، ويتعجب لسرعته في إلقائه، فكان الشيخ في أحد الأشرطة يقول: ما شاء الله.. ما شاء الله. الشيخ الشنقيطي كان يبحث من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الضحى عن حديث ذكر ابن كثير في تفسيره أنه في سنن أبي داود، ويبحث في سنن أبي داود وما وجده، يقول الشيخ الشنقيطي: أنا لا أتهم ابن كثير، لكني لم أجده، قال: وأنا أبحث فإذا الباب يطرق، فقمت وفتحت الباب، فإذا الشيخ عبد العزيز جاء يسلم، وهو عند الباب لم يدخل قال: يا شيخ عبد العزيز إن ابن كثير ذكر أن حديث كذا في سنن أبي داود، وأنا من الفجر أبحث ولم أجده، أين هو؟ قال الشيخ ابن باز: هو موجود.. هو موجود، في كتاب كذا في صفحة كذا، فقال: الآن تفضل يا شيخ.

فقوة حافظة الشيخ عظيمة، والسبب في ذلك يرجع إلى توفيق الله أولاً، ثم أن الشيخ لا ينفك عن الأذكار، لا يزال لسانه رطب من ذكر الله، دائم الأذكار، وهذا يلحظه من شاهد الشيخ ولو للحظة.

* الشيخ - رحمه الله - له نظرة حول القضاء، فهو لا يرى أن القاضي يكتفي بما يأتيه في المحكمة فقط، ويفصل المنازعات فقط، فهو يستهجن أن يكتفي القاضي بذلك... قال - رحمه الله تعالى -: أما اقتصار القضاء على بعير وحمار وبقرة وشاة ونحوها، فلا خير فيه، بل من أهم أعمال القاضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على بصيرة، والإصلاح، وقضاء مصالح المسلمين، والشفاعة لهم.

ولما كان الشيخ قاضي في «الدلم» كان له كرسي من طين في السوق، يجلس فيه لقضاء حوائج الناس.

* يحدث الشيخ عن موقف تربوي عجيب حصل له في شبابه في أول طلبه للعلم - رحمه الله تعالى - وهذا له ميزة أنه من كلام الشيخ نفسه- يقول - رحمه الله تعالى -: (قصة حصلت لي لا أزال متأثراً بها إلى اليوم، حدثت أيام شبابي، فقد كنت من المحافظين على الصف الأول في الصلاة، وفي يوم من الأيام تأخرت عن الحضور مبكراً لسبب القراءة في بعض الكتب لبعض المسائل الهامة التي شغلتني عن الصلاة، فلم أدرك الصف الأول وفاتني بعض الشيء من الصلاة، وحينما سلم الإمام، وهو قاضي الرياض الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وكان أحد مشائخي - رحمه الله -، حينما رآني أصلي في طرف الصف، وقد فاتـني شيء من الصلاة، تأثر لذلك كثيراً، فحمد الله وأثنى عليه ثم بدأ يتكلم وقال: بعض الناس يجلس في سواليف ومشاغل حتى تفوته الصلاة، ـ يقول سماحته ـ فعرفت أنه يعنيني بذلك الكلام، فلم أتأخر بعدها أبداً، وذلك الموقف الذي حصل لي لن أنساه أبداً).

* كان - رحمه الله تعالى -يستدين من راتبه للشهر القادم حتى يساعد المحتاجين، وما ذكر له أمر إلا وسعى إلى المساعدة فيه، حتى أن امرأة أرسلت إليه وقالت: أنها امرأة معاقة، ولا أحد يرغب فيها ـ في الزواج ـ، فلو أنك ساعدتها في شراء بيت، وإذا كانت امرأة عندها بيت، قد يرغب فيها لأجل البيت. فقال الشيخ: لا بأس، فأمر لها، وبعث لها بأكثر من أربعمائة ألف ريال يشترى لها بيت حتى يرغب فيها، لعلها تـتـزوج.

* حدّث مرة سائقه شاهين عبد الرحمن، وطباخه نصير أحمد خليفه: أن الشيخ - رحمه الله تعالى - لما ذهب إلى مسكنه في مكة، دخل البيت وقت الغداء، فلم يسمع أصوات الناس، الذين يأتون إليه ويتغدون عنده ويتعشون! فسأل أحد مرافقيه: ما بال الناس اليوم ما أتوا!! ما أسمع أصوات!! فقال له: إن الحرس قد منعوهم! فغضب - رحمه الله - وخرج إلى الحرس وزجرهم، وأمر بإدخال الناس كلهم إلى الغداء.

* في عام 1417هـ، حين سافر - رحمه الله - إلى الطائف، ودخل في مسكنه، فلم يفد إليه الناس! الأبواب مفتوحة والناس لم يفدوا إليه!! فالشيخ تعب من هذا الموقف وضاق صدره! وسأل لماذا الناس لا يأتون؟ فقالوا له: إن الناس ما علموا أنك أتيت، والذين علموا أرادوا أن ترتاح يوم أو يومين أو ثلاثة، ثم يأتون، قال الشيخ: لا، لا، اذهبوا، وأمر من عنده أن يخرجوا إلى السوق وإلى الجيران ويخبروهم بأن الشيخ موجود، وأنه سوف يغديكم هذا اليوم!! يدعو الناس كلهم!

* في مجمع الفقه الإسلامي - وكان يضم العديد من العلماء على شتى المذاهب الفقهية المعاصرة: فهذا مالكي وهذا شافعي وهذا حنفي وهذا حنبلي - فقام أحد علماء المالكية وتهجم على الشيخ، وتكلم عليه وقال أنتم يا الوهابية تقولون كذا وكذا، فقال الشيخ له: سبح، سبح، لكن الشيخ الآخر أصبح يزيد كلما قال له الشيخ: سبح سبح يزيد، فالشيخ - رحمه الله - ما تكلم ولا بكلمة، ولما انتهى قال الشيخ - رحمه الله - لأحد مرافقيه أحضر ثلاثين نسخة من الكتاب الفلاني غداً، ووزعها على أصحاب الفضيلة المشايخ، فمن الغد أتوا بثلاثين نسخة ووزعوها على المشائخ الموجودين في مجمع الفقه الإسلامي، ثم قال الشيخ - رحمه الله -: هذا الكتاب الذي معكم مؤلفه مالكي، فإن وجدتم فيه ما يخالف مذهبنا، أو يخالف مذهب مالك، فأخبرونا ونحن نرجع إلى الحق إن شاء الله، هذا الذي في الكتاب هو من أئمتكم وهو يوافق ما نحن عليه والذي عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. فانظر إلى علمه - رحمه الله -، وحسن تأدبه مع العلماء، ما قال أنت جاهل أو غير ذلك.

* الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -، وهو من تعرفون في الدعوة إلى الله، وقد أثير حوله ما أثير وكُتِب ما كتب، ونحن لا نقول أنه معصوم ولكن حسبه أنه من الدعاة.

الشيخ - رحمه الله تعالى -، كُلِّمَ عن الغزالي كثيراً، لكن هل الشيخ شُحن؟، لا.

جاء الغزالي إلى الشيخ عبد العزيز - رحمهما الله -، ودخل عليه، فأراد بعض الحضور أن يثير بعض المسائل المنتـقدة على الغزالي، لكن الشيخ صرف النظر عنها كلها، وأصبح يتحدث في واقع المسلمين وفضل الدعوة إلى الله - عز وجل -.

فلما قام الشيخ الغزالي، قام معه الشيخ يمشي إلى السيارة ويودعه، فقال الغزالي: أشهد بالله إن كان هناك أحد من السلف فهو هذا الرجل! ثم قال يا شيخ عبد العزيز: إذا رأيتم شيئا في كتاباتي يخالف الدليل، بلغوني والله أعدله.

* جاء إليه بعض طلبة العلم وقالوا: يا شيخ إن الشيخ فلان عنده مخالفات في كذا وكذا، وأثبتوا المخالفات فعلاً، فهَمَّ الشيخ أن يكتب له نصيحة، وطلب الكاتب وكتب النصيحة كاملة، فلما جاء في آخر النصيحة، قال له أحد الحضور: يا شيخ وإنه يقول فيك كذا وكذا، أنت يا شيخ، فأخذ الشيخ الورقة ومزقها، قال: لا، لا يظن أنني أنتصر لنفسي!!. [5]

بناء الأجيال

كان الشيخ يرى أن الأجيال المعاصرة تتعرض لأخطار عظيمة لم ينهض العلماء لتلافيها، مثل مناهج الدراسة التي لا ترتكز على قواعد الإسلام، ولهذا كان لابد من إصلاح هذه المناهج بتحويلها إلى منطلقات إسلامية تتولى بناء شخصية الطالب، وتحصينه من الغزو الفكري وما يعقبه من ضياع عقدي وثقافي، وبالتصور السديد لمهمته في هذه الحياة، والتي من أجلها خُلق. وعلى تحقيقها يجب أن يقف حياته، ألا وهي إعلان حقائق الإسلام، فهي النور الذي لا سلام ولا سعادة إلا في تحققها في المجتمع.

ويؤكد هنا على المعلم الصالح الذي يجب اختباره بعناية.

ويرى أن مسؤولية العلماء تجاه الأجيال الجديدة مسؤولية كبيرة، تفرض عليهم أن يبذلوا كل ما لديهم من طاقات لهذه الغاية، ويؤكد الشيخ على الجانب الإعلامي من وظيفة العلماء الذين يجب أن يكونوا على علم بشتى التيارات الحديثة، وعلى إلمام باللغات التي تحمل هذه التيارات، على أن يسبق ذلك، التضلّع من علوم القرآن، والتزود بمختلف الأدلة العقلية والنقلية، والقرآن العظيم أنجع وسائل الدعوة إطلاقاً، لأنه يخاطب الإنسان كله، عقله وعواطفه ونفسه، وفيه الأدلة المقنعة للفطرة، بأن النظام الإسلامي هو وحده الموصل إلى السعادة في الدارين.

ويرى الشيخ تحصين الأجيال من أخطار البدع والخرافات التي لا تقل أثراً عن أخطر التيارات الهدامة، لأنها تحجب حقيقة الإسلام، وتشوّه ملامحه، فتنفر منه النفوس التي تجهله.

مع المسلمين

كان الشيخ مهتماً بأمور المسلمين في سائر أنحاء الأرض، محباً لهم، متابعاً لأخبارهم، ويمدّهم بالمال، وينصحهم، ويحاول حل مشكلاتهم، وكان يصطفي المتفوقين والأذكياء من المدرسين والخريجين، وينتدبهم لخدمة الدعوة في بلادهم وغير بلادهم، وخاصة في الهند، وباكستان، والبلدان الإفريقية، ويمدّهم بالكتب التي يراها ضرورية لهم، وبالمصاحف.

وعندما كان رئيساً للجامعة الإسلامية، كان يجمع الطلاب في مجموعات، ويطلب من كل مجموعة أن تتحدث عما يجري في بلادها، ثم يتساءل عن العمل لحل مشكلاتهم، والتخفيف عنهم.

وكان يستقدم كبار الدعاة في العالم الإسلامي، ليدرّسوا في الجامعة الإسلامية، ويختار منهم أعضاء في رابطة العالم الإسلامي، وفي مجلس الأمناء.

وكان يتألم ويبكي لما يجري في كوسفو، وفي الفلبين، وكشمير، فقد كان يواكب الأحداث، ويتعامل مع المستجدات بجرأة يفتقر إليها كثير من العلماء والعاملين في الحقل العام.

ويشهد كل من عرفه، أنه لم يقصّر تجاه أحبائه المسلمين الذين أحبوه، وكانوا يسألون عنه، لما عرفوا من علمه، وإخلاصه، وحبه الخير لهم، والجهاد من أجل نصرتهم.

رحم الله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فقد كان فذاً بين الدعاة والعلماء العاملين.

كيف كان يقضي وقته

يبدأ يوم هذا الإمام قبل الفجر.. حيث يستيقظ في الثلث الأخير من الليل، ويأخذ حظه من الصلاة والذكر، ثم يصلي الفجر وبعد الصلاة يأتي بأوراد وأذكار الصباح، ولا يجيب أحداً حتى يفرغ منها، ثم يبدأ الدرس، حيث يقرأ عليه عدة كتب، ويذيلها- رحمه الله - بشروحاته وفوائده، حتى قبيل الساعة السابعة صباحاً، وهذا في أيام الدروس، وأما إذا كان في المنزل، فيجلس إلى الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف أرجاء المعمورة، ثم ينظر في طلبات أصحاب الحاجات، حتى موعد دوامه الرسمي في الساعة التاسعة صباحاً.

وإذا وصل إلى مقر الرئاسة، وجد المراجعين قد أخذوا أمكنتهم، فتعرض عليه المعاملات قراءة، ثم يأتي توجيهه في الرد على المعاملة فوراً، وخلال عرض المعاملات يستقبل- رحمه الله - الاتصالات الهاتفية، والتي غالباً تكون في الرد على فتوى، أو استفسار في أمور الدين، وبين الحين والآخر يدخل عليه أناس يريدون الدخول في الإسلام على يديه، وتعليمهم أمور دينهم، وإذا كانت هنالك اجتماعات للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حرص على رئاستها، فإذا كانت صباحاً؛ استقبل المراجعين ظهراً، وإذا كانت ظهراً استقبل المراجعين صباحاً.

وإذا أذن المؤذن للظهر ذهب للصلاة في المسجد القريب من المكتب، وربما ألقى بعد الصلاة كلمةً من كلمات وعظه الصادق، ثم يعود إلى المكتب، ويقضي بقية الدوام في المعاملات الرسمية، والنظر في فتاوى الطلاق، وطلب الشفاعة منه من المحتاجين، واستقبال الوفود من الدول الإسلامية وغير ذلك، حتى الساعة الثانية والربع ظهراً، ويحرص- رحمة الله- على دعوة كل من يحضره إلى تناول الغداء معه في بيته.

وفي منزله العامر يجلس ضيوفه الذين يلقون كل الحفاوة والكرم من تلك الطلعة البهية، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى ضيوفه وجلسائه، حتى وقت أذان العصر، فيصلي في المسجد القريب من منزله، ثم يقرأ عليه شيئاً من الأحاديث؛ ليعلق عليها تعليقات يسيرة، مجلياً لفقهها وفوائدها، ثم يذهب إلى منزله لأخذ قسط من الراحة، حتى وقت صلاة المغرب، فإن كان هنالك درس أو محاضرة أو غير ذلك؛ توجه إلى مجلسه العام؛ لعامة الناس وخاصتهم، المقبلين للسلام عليه، أو استفتائه في أمور دينهم ودنياهم، وهو مجلس تملأه بهجة هذا الإمام، وصدق حبه ووفائه للمسلمين.

ويستمر المجلس حتى وقت صلاة العشاء، فيتأهب- رحمه الله - ومن معه للصلاة، وفي المسجد وبين الأذان والإقامة يقرأ عليه من بلوغ المرام، فيشرحه شرحاً دقيقاً، وبعد الصلاة يرجع إلى منزله للنظر في بعض المعاملات الخاصة، ولقاء بعض المهتمين بأمور الدعوة، ثم يتناول مع ضيوفه طعام العشاء، ثم يدخل مكتبته العامرة؛ فلا يزال بين قراءةٍ وإملاءٍ؛ حتى وقتٍ متأخر من الليل!!.

قال الشيخ سلمان العودة: لقد عرف عن الشيخ ابن باز - رحمه الله - خدمته للإسلام والمسلمين ما يعجز عنه الأشداء حتى قيل: لو أن رجلا من أهل الرياض انقطعت عنه الكهرباء للجأ للشيخ ابن باز في حلها.

وقد علم الناس أن الشيخ ابن باز لا يكفيه راتبه الذي يستلمه من الدولة إلا أياما ثم يتسلف من إخوانه وقد ذكر ذلك العالم الجليل عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - أنه كان يتسلف منه حتى يسد دينا أو يعين محتاجا.

ولا أنسى هنا أن أذكر أن الرد على فتاوى المستفتين يأخذ من الشيخ الوقت والجهد العظيم وقد شهدت أنا شيئا منه ولو كنت مكان الشيخ - وأستغفر الله من هذا - لأغلقت السماعة في وجه المتصلين! لكن الشيخ بصبره وحلمه يساعد هذا ويعين هذا، ومن الغرائب أن الشيخ لا يكتفي بالإجابة بل أنه يسعى بحلها تماما كما سأله أحدهم عن دية القتل غير المتعمد فقال له الشيخ: عتق رقبة فقال السائل عبر الهاتف ما فيه رقبة هذه الأيام، فقال الشيخ: «بلى يوجد تعال عندي وأنا أشتري لك من... وذكر أحد البلدان التي فيها هذا الأمر».

قال أحد الملازمين لسماحته في سر توفيق الشيخ ونجاحه وبصيرته الثاقبة في كثير من المعاملات والآراء والمواقف:

«ما ظنك برجل يبيت يناجي ربه ويدعو ويرجو ويهتف ويبكي ثم إذا ارتفع النداء بادر إلى المسجد ثم صلى صلاة الفجر في خشوع وخضوع ثم أتى بالأوراد كاملة ثم عاد إلى بيته وأوتي له بالأوراق كلها ثم يبدأ بقراءة المعاملات والنظر في حاجات الناس ثم قراءة بعض مسائل العلم ثم قبل أن يخرج من بيته وهو في كامل طهره ووضوئه متطهرا متطيبا متسوكا يتجه إلى الله - تعالى -ويدعوه أن يحفظه وأن يعينه وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين.

أليس مثل هذا حريا بأن يكون التوفيق حليفه والنصر ربيبه.. واجزم لو أن الشيخ - رحمه الله - علم أنه سيموت في اليوم المحدد والوقت المحدد ما زاد في عمله شيء فكل وقته كان لله وبالله وفي الله ومع الله».

الرحيل

وفاة الإمام القدوة المجدد شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد الله بن باز صفحة ما أزهاها قد طويت، وعين ما أعذبها قد غارت.. لقد كان هذا الإمام قوياً على حادثات الزمان.. لا تضعضعه الآلام.. ولا تهزه الأوجاع.. اجتمع عليه ضعف الكبر.. ووخزات الآلام والمرض.. وهو ماضٍ في طريقه.. أنسته آلام المسلمين آلامه.. وأنسته أوجاع المسلمين أوجاعه.. ولكن!!

رأيت المرء تأكلهُ الليالي *** كأكل الأرض ساقطة الحديد

وما تبغي المنية حين تأتي *** على نفسِ ابن آدم من مزيد

أكثر من ثمانين عاماً؛ ملئت بالأعمال الهائلة لو كلفت بها الجبال الراسيات لتضعضعت لها!! لقد كان هذا الإمام صبوراً لا يشتكي أوجاعه لأحد ولا يبدو عليه ألم المرض وشكواه، وظل- رحمه الله - إلى آخر يوم في حياته؛ يعلم الخير ويقضي حوائج المسلمين حتى وهو على سرير المستشفى العسكري في «الهدا» في مرضه الأخير!.

وتبدأ معنا رحلة الفراق لهذا الإمام وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله - السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله - لعدم تمكنه من حج عام (1419هـ)، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام.. فلقد كان لوجوده- رحمه الله - بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام..

ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله - على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى مستشفى الهدا العسكري بالطائف، ومكث به أياماً ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر!

بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛ وكانت تلك الجلسة هي الجلسة الأخيرة؛ التي جلس فيها كعادته في مجلسه العامر يوجه بكلمات نصحه الغالية.. ويستقبل الفتاوى عبر الهاتف!.

ثم صلى بعدها صلاة العشاء مع أسرته، وتحدث معهم في مجلس أسري يزينه سماحته - رحمه الله تعالى -.. وفي تمام الساعة الثانية عشر ليلاً شعر ببعض الآلام في القلب، وضيق في التنفس، وفي الثالثة صباحاً اشتدت به الوعكة؛ فنقل إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف؛ ليفارق بعدها الحياة.

وقبل وفاته كان يردد: سبحان الله؛ والحمدلله، والله أكبر.. كلمات لطالما ملأ بها ليله ونهاره.. ولطالما رطب بها لسانه.. لقد كان صباح الخميس صباحاً شديداً على المسلمين!

وفي مكة تم غسله وتكفينه بمنزله في العزيزية، وشارك في غسله مجموعة من المشايخ والمحبين..

ورؤي وجهه وقد اكتسى بعلامات من الضياء، والنور الساطع، فكان بياضه شديداً يأخذ بالأبصار، ويبهر الألباب!.

وهنالك وفي الحرم الطاهر حيث بيت الله الحرام؛ توافد المسلمون من كل مكان ليشهدوا تشييع جنازة الإمام شيخ الإسلام الذي شهد له بالعلم الموافق والمخالف!.

فيا لله! من يوم ما أشد الزحام فيه! امتلأ المسجد الحرام بالخلق! وضاقت ساحاته عن حمل الناس! وقد قدر عدد من شهده بمليونين! الكل يلهج بالدعاء والاستغفار لهذا الإمام.

يوم الجنائز أنت أكبر شاهدٍ *** للمفترى والعالم الرباني

تروي جنازتكم جنازة أحمد *** أعني ابن حنبل أو فتى حرَّانِ

وكانت الصلاة على الجنازة بعد صلاة الجمعة من يوم ثمان وعشرين من شهر الله المحرم من سنة ألف وأربعمائة وعشرين.

فرحم الله ابن باز في المرحومين، وأنزله منازل الشهداء والصديقين، وأعلى مقامه بمرافقة النبيين.

قراءة تحليلية لسيرة ومسيرة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - [6]

أولاً....

صحيح أنه أعمى، لكن إذا عرضت مشكلة تجد المبصرين يبحثون عنه.

وصحيح أنه كفيف، لكن لا يكف - عند النازلة - ذوو العقول والأحلام في التنقيب عنه.

وصحيح أنه لا يرى لكن تجد من يرى لا يطمئن حتى يفتش عنه ويستفتيه، هو «الشيخ عبد العزيز بن باز» تفسيراً لقوله - تعالى -: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحـج: 46].

وسبب التفتيش والبحث والتنقيب ما يملكه - رحمه الله - من الإدراك، القوي للأمور، والأعمى يشترك مع البصير في قوة الإدراك، وقد يفوقه، كما قيل لبشار بن برد: إنك تأتي بالمعجب والتشبيه القريب مع أنك أعمى؟! فقال: «عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل» [7].

بل هناك من يرى أن المشاهدة قد تكون في بعض الأحيان سبباً في عدم إتاحة المجال للتدبر والتفكر الهادف إلى تنمية ملكات العقل والإبداع، يقول: د. ناجي حلواني: «لا يتيح التليفزيون مجالاً للتخيل، لأنه يشغل حواس المشاهد، ولا يسمح له بأن ُيحَلَّق في خياله، وذلك بعكس الراديو الذي يتيح للإنسان فرصة للتخيل، وكذلك الكتاب الذي يجعل القارئ يسبح في أحداث رواية من الروايات، فالمطلوب هنا الخيال الهادف إلى تنمية ملكات العقل في التخيل والإبداع، وإثارة التطلعات نحو حياة أفضل، والعمل الجاد على تحقيقها» [8]

ومَنْ تدبر حياةَ هذا الإمام، واستقرأَ أحوالَه تبين كيف كتب الله له أن يعيشَ محبوباً، وليس له أعداء مع تميزه على غيره ومخالفته لهم، وهذا من النادر جدًّا؛ لأن التميزَ سببٌ في خلق الأعداء وعلة للبغضاء، كما يقول الفيلسوف الفرنسي: «إذا أردتَ أن تخلق الأعداء فتميز على أصدقائك، وإذا أردتَ الأصدقاء فدعهم يتميزون عنك»[9].

وكيف استطاع ذلك مع أن المعاصرة سبب للمنافرة، وكيف استطاع أن يبقى متمسكاً بمبادئه لا يتنازل عنها مع شدة النوازل وقوة الأزمات فمن كان عنده قوة إدراك ولديه تدبر قوي كان باستطاعته إدارة الأزمات، ووصف دوائها.

فليست العبرة بالبصر والمشاهدة، بل العبرة بالإبصار القلبي، الذي هو محل الإدراك والتفكر العقليين في إدارة الأزمات وتشخيص القضايا وحلّ المعضلات، ووصف الدواء وتحضير العلاج.

والسمع كاف للإبصار القلبي لذلك كان من شروط النبوة، والعلماء ورثة الأنبياء. قال الصفدي - رحمه الله -: «فضل كثير من العلماء السمعَ على البصر، وقالوا: إنَّ السمع شرط في النبوة بخلاف البصر، ولذلك لم يأت في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من كان أصم، وجاء فيهم من طرأ عليه العمى، وقالوا: بالسمع تصل نتائج العقول، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل.. قلت: ولا شك أن أدلة فضيلة السمع أقوى من أدلة فضيلة البصر» [10] ا هـ.

يقول العلامة محمد رشيد رضا - رحمه الله - بمعنى كلامه: «إنَّ كثيراً ممن ينظرون للقضايا، ويقومون بإدارة الأزمات - كالعلماء وفلاسفة السياسة والاقتصاد والاجتماع أناس منغلقون في غرف وقابعون في دور».

أي أنهم لم ينتقلوا إلى مسرح الأحداث، ولم يرحلوا إلى مواقع الأزمات، ولم يشاهدوها وجهاً لوجه، بل نقلت إليهم الأخبار، لذلك لم يكن الصحفي الذي يتنقل، ويرحل، ويشاهد هو المشخص للقضايا، والمخطط لإدارة الأزمات والأحداث، بل غيره أفضل منه، وله اعتبار أكبر، ولديه حلُُّ للقضية والمخرج من الأزمة.

فالإمام عبد العزيز بن باز كفيف لكن فهم القاصي أنه قادر على حل مشكلته، وعرف الداني أنه باستطاعته أن يرفع حرجه، وعرف مَنْ في الشرق والغرب أن لديه إدراكاً لحل الأزمة.

يقول د. سعد الشويعر مستشار الشيخ: «المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عندما يختلفون في أمر وتكثر أمامهم الآراء يلجئون بالهاتف من أي أرض لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيرضون بما يوجههم إليه، والجاليات الإسلامية في أنحاء المعمورة - رغم أنه لم يغادر المملكة طوال عمره - لا يحل قضاياهم، ولا يريح قلوبهم في أي أمر يريدون، ولا يبذل الجاه لبناء مساجدهم ومراكزهم أو يمدهم بالكتب إلا الشيخ عبد العزيز بن باز»[11].

يقول د. عثمان الرواف: عندما كنتُ رئيساً لقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود زارنا في القسم أستاذ السياسة في جامعة «كونيز» في كندا - باكستاني الأصل - فأبدى رغبة في زيارة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

قال الدكتور عثمان واصفاً الزيارة: فصوت رنين الهواتف العديدة الموجودة في مكتبه لا ينقطع ما دام الشيخ يعمل، ومساعدوه يردون على المخاطبين، ويطلبون منهم الانتظار حتى ينتهي الشيخ من مخاطبة المتحدث الآخر في المكالمة الأخرى، المسئولون يسألون الشيخ عن قضية مهمة تواجههم، وعامة الناس يستفتونه في أمورهم الصغيرة والكبيرة، الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء من المدن والقرى، من داخل المملكة وخارجها يستفتون مفتي المملكة، أو يكتبون إليه لكي يسألوه عن أمور عديدة متنوعة [12].

فكون الشخص لا يرى بسبب العمى أو بعلة الانغلاق في الدور لا يدل على عدم قدرته على إدارة الأزمات.

فما بالك بمن كان إدراكه القوي وقوة تدبره يفسر قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ) [البقرة: 282].

ويشرح قوله - تعالى -: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27].

ثانيا...

ينقل الإمام أحمد قوله لأهل البدع والمخالفين: «بيننا وبينكم الجنائز»، في الحقيقة ليس التجمهر وحده حول الجنازة كافياً في صدق ذاك الميت في المجتمع، وليس التزاحم فقط حول تلك الجثة برهاناً على قوة مبادئ وصحة أفكار ذاك المتوفى، بل العبرة في نوعية المزاحمين، وإلى أي طبقة من المجتمع ينتمي المتجمهرون، فقد يتزاحم العامة وحدهم حول جنازة ما، وقد يتجمهر العامة وأمراؤهم فقط وهذه أعلى من التي قبلها، وأعلى منهما أن يتزاحم العامة ويتجمهر الأمراء ويلتف حولها العلماء.

ومثال ذلك جنازة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

فالعلماء هم أولى الناس بالدخول في حديث: ((أنتم شهداء الله في أرضه)) عندما مرت جنازة فأثنى عليها الصحابة - رضي الله عنهم - خيراً، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((وجبت)) ومرت أخرى فأثنى عليها الصحابة شرًّا فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((وجبت)) ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أنتم شهداء الله في أرضه)) [13].

فالعلماء هم أول من يدخل في معنى هذا الحديث، وعليهم التعويل في الشهادة، ولذلك أشهدهم الله على وحدانيته، فقال: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18].

فإذا التف العلماء حول جنازة ما فهم أصل في صدق ذاك الميت، ودليل على صحة مبادئه، وعلامة على قوة أفكاره، وبرهان على استقامة منهجه، وطريق إلى متانة مسلكه، وإن لم نجعل العلماء الفارق بين الجنائز، وإن لم نصيرهم قاعدة التمييز بين الجثث، يختلط علينا جنازة الثرى بالثريا، وجنازة الصالح بالطالح، ولا نستطيع التمييز بين جنازة التبر من جنازة الترب.

وهذا الاختلاط في الجنائز يؤثر في بناء المجتمع بناءً قويًّا، وعدم التمييز يصعب عملية إقامة مجتمع سليم ومعافى من الآفات والأزمات والبلايا.

ومن أمثلة هذا الأمر ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على من كان عليه دين - والعلماء ورثة الأنبياء - لماذا لم يصل عليه؟! لأن في موته وعليه دينُُ دليل على أنه لم يراع حق مجتمعه، وبرهان على عدم حرصه على إيفاء حقوق الآخرين - وإن كان هناك تفصيل - لكن هذا مؤشر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر، وأصل في قضية مهمة وهي (أنه يجب على مَنْ تولى أمراً من أمور المجتمع أن يكون صاحب ذمة، ويهتم بإبراء ذمته، وإيفاء حقوق الآخرين).

ولذلك تقول العامة: فلان ليس له ذمة، عندما يكرهون توليه أمراً من أمور المجتمع، وعندما يخشون أكل حقوقهم، وممن ورث هذا الأصل من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاول توضيح هذا المؤشر في المجتمع سفيان الثوري - رحمه الله - فقد ترك الصلاة على بعض أهل البدع، بل كان يحضر في بعض الأحيان الجنازة فإذا أرادوا التكبير يخرج من بين الصفوف علانيةً، حتى يتبين للناس عدم استقامة منهج هذا الرجل، وأن مبادئه وأفكاره تهدم المجتمع.

وكما قلت أولاً: إنَّ العامة تقول عن بعض من كرهوا توليه أمراً من أمور المجتمع أو يخشون أن يأكل حقوقهم: (فلان ليس له ذمة)، ومع ذلك قد يتجمهر العامة حول جنازته، وقد تتزاحم حول جثته في الوقت الذي يترك التجمهرَ العلماءُ، ويدع التزاحمَ المشايخُ.

فالعبرة في التمييز بين الجنائز هم العلماء، والتعويل في ذلك على المشايخ.

ولذلك في الوقت الذي يسافر فيه العلماء إلى الحرم للصلاة على الشيخ عبد العزيز بن باز، ويتوافد المشايخ على المسجد الحرام للصلاة عليه، ويحرص على تشييعه هؤلاء العلماء - الذين هم شهداء الله في أرضه - أنفسهم يخرجون من الحرم، وينفرون من المسجد الحرام عند إعلان صلاة الغائب على بعض الناس!

لماذا خرجوا؟ لأنهم يعرفون عدم صدق ما تبناه؟! ولماذا نفروا؟ لأنهم يعرفون ضعف أفكاره، وخطرها على المجتمع، ويلاحظون عواقب مسلكه على المسلمين، ويملكون براهين على هشاشة مبادئه، وعندهم أدلة على ضعف منهجه، لابد أن هناك من عاتبهم على نفورهم من المسجد الحرام، وأنبهم على ترك الصلاة على الغائب، وعلة إنكار هؤلاء على العلماء أنهم لم يعرفوا، ولم يفهموا ولم يلاحظوا ما لاحظه وما عرفه وما فهمه العلماء، ولهذا لما لاحظوا ما لاحظه العلماء وعرفوا ما عرفه المشايخ، وقرءوا كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - (في نبذ القومية العربية) وجدتهم في مقدمة من نثر، ومن أوائل من نظم في تأبين صاحب هذا الكتاب، ولما فهموا ما فهمه العلماء رأيتهم يكتبون في ذم القومية العربية، ويسعون لكشف الحقائق الصحيحة التي تخالف ظاهر الدعوة لدى زعيمها عبد الناصر، فمن ذلك وهو أمر بسيط يستطيع هذا الزعيم المزعوم أن يتمسك به ظاهراً، ولا يضره تمسكه به، أنه في نفس الوقت الذي يدعو فيه إلى القومية العربية إذا جلس مع خاصته أو جلس مع من لا يتقنون التحدث باللغة الإنجليزية تكلم بها متفاخراً بها ومتعالياً عليهم!

فأين العروبة في هذا الأمر الذي هو من السهل التمسك به؟!

ولا يفقده التمسك به لذة ولا منصباً ولا جاهاً، بل يزيده منصباً وجاهاً وشهرة.

فما بالك بما هو أكبر ويرتبط بالمنصب والجاه؟

فقد ترجم أحدهم من كتاب أحدهم وهو «ينابيع الذاكرة» تقول الترجمة: (أن عبد الناصر سأل حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم - رحمهما الله - عند لقائهما في القاهرة سنة 1959م عن الإدارة الحكومية في دبي).

ردّ الشيخ راشد قائلاً: إن كل الخدمات الرئيسة تدار بمعرفة مسئولين بريطانيين، كان جواب عبد الناصر، - كما يرويه عيسى - مفاجأة غريبة: (أشكرك لأنك أخبرتني الحقيقة، لديَّ ملفات عن هؤلاء، عليك الاحتفاظ بالإنجليز على الدوام، بوسعك أن تستند على أكتافهم، وأن تستخدمهم لتعليم الأولاد والشبان الانضباط، أنا لست ضد الإنجليز لا تسمع لما يقوله صوت العرب) [14].

وبهذا تعلم أنه ليس التجمهر وحده كافياً في صدق الميت المحمول مع مبادئه، وليس التزاحم على الجنازة وحده يبين استقامة مسلكه ومنهجه، وليس الالتفاف حول الجثة وحده قادراً على إقناعنا بصحة أفكاره، بل الذي يقنعنا بصحة أفكاره، ويزيدنا قناعة بصدقه مع مبادئه واستقامة منهجه ومسلكه هو نوعية المتجمهرين، وسمة المتزاحمين، وصفة الملتفين حول تلك الجنازة، وباعتبار النوعية، والسمة.

ثالثا...

الشيخ عبد العزيز بن باز كان تفسيراً لقوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

فمن آيات الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تواضع لله رفعه» [15] في الحقيقة شهد القاصي وأقر الداني على تواضع الشيخ ابن باز، وفي الحقيقة لا يوصف من لا يملك جاهاً بأنه متواضع، كما أنه لا يوصف شخص لا يملك دنيا بالزهد، ولا يوصف من لم يملك مالاً بأنه بخيل.

فشهادة القاصي وإقرار الداني على تواضع الشيخ لأنه يملك جاهاً عريضاً ظهر من خلاله التواضع ناصعاً، وسمعة واسعة اتضح منها التواضع جليًّا، ومنصباً رفيعاً بأن منه التواضع ساطعاً.

وبما أن هذا الداني، وذاك القاصي يعلمان علماً يقيناً أن الشيخ لم ينل الجاه العريض بثراء مادي، ولم يكسب السمعة الواسعة بنسب، ولم يحصل على المنصب بشهادة.

ومع ذلك تجدهما يقرَّان بمنصبه، ويشهدان على جاهه، ويعترفان بسمعته.

فما سبب ذلك؟!

السبب هو أن الشيخ - رحمه الله - كان يملك يقيناً قويًّا، وعنده قوة يقين تجاه حديث: «من تواضع لله رفعه». وهذا اليقين القوي وقوة اليقين هي التي يفقدها الذين يبحثون عما يبحث عنه الشيخ - رحمه الله - من منصب رفيع ليتسنى لهم أمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ومن جاه عريض ليستطيعوا به التوسل والشفاعة في أعمال الخير، وسمعة واسعة ليزاولوا بها تعليم الناس وإرشادهم.

فمن تدبر أحوال الشيخ في بداية حياته الوظيفية ومع الناس عرف بأن الشيخ يملك قوة يقين بأنه لا يمكن أن يطاع أمره بالمعروف، ولا يمكن أن يسمع نهيه عن المنكر إلا من طريق المنصب الرفيع، وأيقن بأنه لا ينال هذا المنصب الرفيع إلا عن طريق اليقين القوي بهذا الحديث وقوة يقين بذاك الأثر.

ومن استقرأ أفعاله في أوائل أيامه في التعليم والتوجيه علم بأن الشيخ جعل هذا الحديث - واليقين القوي به - نصب عينيه، وأنه لا يمكن تعليم الناس في أقصى الشرق، وإرشادهم في أقصى الغرب إلا عن طريق السمعة الواسعة، وأنه لا وسيلة إلى هذه السمعة إلا هذا الحديث واليقين فيه.

ومَنْ سبرَ أمورَ الشيخ في الخمسينيات والستينيات، وحوله مَنْ يريدُ الشفاعةَ والوسيلةَ وهو لم يملك الجاه العريض بعد، وقارنها بحاله قبل وفاته وهو ذو جاه عريض، وعريض الجاه أيقن بأن الشيخ نصب هذا الحديث واليقين فيه أمام ناظريه، وأنه لا يمكن الشفاعة لمن أرادها ولا الوسيلة لمن ابتغاها إلا بالجاه العريض، ولا يمكن الحصول على هذا الجاه إلا بسبيل اليقين بهذا الحديث.

فالشيخ عبد العزيز إمام في منصبه وجاهه وسمعته التي لولا توفيق الله له بالصبر على هذا الخُلُق العظيم - التواضع - وتصبيره على امتثال اليقين بمفعوله لم ينل الإمامة، كما قال الإمام أحمد: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين وتلا قوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

 رابعا...

لا تنسجم أفعال الإنسان وأقواله إلا إذا حدد الهدف بدقة، ولا تتناسق سكناته مع حركاته إلا إذا اتضحت لـه الغاية غاية الوضوح، ومن ليس كذلك تجده متخبطاً، فتجد منه تواضعاً في محل كبر، وكبراً في محل تواضع، ومن لم يكن كذلك تجده يضع السيف في موضع الندى، ويضع الندى في موضع السيف.

في الحقيقة تذكرت هذا الأمر عند قراءة كتابات لبعض من عاشر الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، فتجد بعضهم يصفه بالتواضع في موضع المصلحة فيه التواضع، وآخر يصفه بالشدة في موضع لولاها لضاعت المصلحة، وهناك من يصفونه باللين الدافع لمفسدة متحققة لو استخدمت القوة.

وهذه الصفات تجدها مجتمعة في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، وهذا أمر صعب، وصعوبته تكمن في أول حياته، ووسطها وقت التنافس الشخصي، والتطلع إلى المادة، والبحث عن الذات، بخلاف آخر الحياة فالأمر يسير، لذا كتب الشاعر الرصافي إلى نوري السعيد قائلاً: «... أظنك لا تتهمني بشيء فيما قلتُ في هذه الأبيات، وأزيدك أنني اليوم واقف على شفير القبر أعيش آخر أيامي مجرداً من الأهل والسكن، ولا ولد لي أخشى ضياعه، ولا عقار أخاف انهدامه، فمن السفه أن أتكلم عن هوى أريده أو عن غاية خاصة أقصدها وإنما غايتي فيما أقوله المصلحة العامة» [16].

وقال الأستاذ عصام العطار: «... لم أذكر هنا ما ذكرته من حديثي مع الأستاذ على الطنطاوي للتفاخر، فقد جاوزت الآن السبعين من العمر... » [17].

وعوداً على بدء لم يكتمل هذا الجانب من شخصية الشيخ بهذا الأمر، بل هناك مكمل ومتمم يكمن فيه كون الهدف محدداً بدقة، ويتضح منه كون الغاية واضحة غاية الوضوح، وهو أن مَنْ يصف الشيخ باللين لا ينكر على من يصفه بالشدة، ومن ينعته بالتواضع لا يستنكر نعت الآخرين له بالحزم، بل تجد المخالط له يصفه باللين مرة، ومرة ينعته بعدم المرونة، ومع ذلك لا يرى في نفسه تناقضاً ولا في كلامه تعارضاً.

فهذا الانسجام التام في أفعال الشيخ وأقواله، وذاك التناسق الكامل لا يتأتى إلا لمن حددَ الهدفَ من حياته بدقة متناهية، واتضحت له الغاية من خلقه غاية الوضوح.

فكلما حُدد الهدف بدقة انسجمت هذه المعاني وحلت في موضعها، فلا الندى في محل السيف، ولا السيف في موضع الندى، وكلما كانت الغاية واضحةً تناسقت هذه الصفات، فلا تواضع في مكان لا تواضع فيه ولا كبر في محل التواضع.

وهذا الانسجام وذاك التناسق ليس بمقدور شخص يبحث عن ذاته في ملف المصلحة العامة، وليس بإمكان شخص يفتش عن حظوظ شخصية على حساب حظ الناس، وبعيدة هذه المعاني الكبيرة والحكمة في استخدامها، وتلك الصفات والحكمة في استعمالها عن إنسان ينقب عن المادة في أرضية العامة.

فالشيخ عبد العزيز أنكر ذاته أمام ما ينفع المسلمين، ونسي حظه الشخصي في غمرة حظ الناس، وذوَّب المادة على أرضية العامة.

لذلك انسجمت أفعاله طوال حياته مع أقواله، وتناسقت أقواله مع أفعاله، لذا فلا غرو أن تجد من لان معه الشيخ وعامله بالمرونة يناديه بـ(الوالد)، وفي نفس الوقت من استخدم معه الشيخ الشدة والحزم يصفه بـ(سماحة الوالد).

لأن هذا وذاك يعلمان أن الشيخ هدفه المحدد (الآخرة)، وأن غايته النهائية (المصلحة العامة)، فمثله ومثلهم كأب لأبناء - نسباً - لا يَشُكُّون في حبّ والدهم لمصلحتهم، ولا يرتابون في حرصه على منفعتهم.

يعجبك مَنْ يتمسك بمقولة: (الاعتراف بالحق فضيلة)، وبعبارة: (رحم الله رجلاً عرف قدر نفسه)، فهناك من لا يرى من نفسه الأهلية لمنصب (الأبوة) وعرف أنه التزام صعب بأخلاق صعب التمسك بها في جميع المقامات، وفي مختلف الأحوال، فتنازل عن هذا المنصب مشكوراً بقوله: «عندما كنت عميداً لكلية التجارة أقول للطلبة: لستم أبنائي فلي أولادي، ولكم آباؤكم، ولكن اعتبروني إذا استحققت ذلك - أخاً كبيراً - ولا أزال أقرر هذه لكل من يقرر أنني أبوه » [18].

إذًا فلا غضاضة بعد تنازله هذا أن لا تنسجم أفعاله مع أقواله، وأيضا لا غضاضة بأن لا تتناسق أقواله مع أفعاله.

حيث قال: (استدركت على أبي عبد الرحمن بن عقيل جزئية من جزئيات محاضرته التي ألقاها في مؤتمر الطلبة الخليجيين في لندن - حيث قال أبو عبد الرحمن: «إنه لا يصدق ما يقوله العلماء المختصون: من أن بعض الصخور يرجع عمرها إلى ملايين السنين لأنه استنبط من القرآن أن عمر الأرض لا يزيد على خمسين ألف عام».

الاستدراك: أن مواهب أبي عبد الرحمن - وهي بفضل الله عديدة - لا تشمل علوم الجيولوجيا والكوزمولوجيا، وأنه من الخير له ولسائله أن يترك هذا الفن لأربابه... ) [19].

فمن الخطأ أن لا نقدر شخصاً قدَّر نفسه فتنازل عن منصب (الأبوة) مثل أن نخطئه في قوله عن كتاب «رفع الحرج في الشريعة الإسلامية» للشيخ صالح بن حميد.... ما أبيح لنفسي في عجالة كهذه أن أناقش بحثاً موسعاً مفصلاً مثل هذا البحث) [20].

فلا نخطئه قائلين: كيف يستدرك على ابن عقيل دخوله في علوم ليست من تخصصه؟ مع أنه ارتكب ما ارتكبه ابن عقيل من دخوله في غير تخصصه - وذلك بمحاولة تقييم كتاب الشيخ صالح بن حميد لولا الانشغال وعدم التفرغ -. فكون استدراكه على ابن عقيل لا ينسجم مع قوله لا يؤاخذ عليه لأنه تنازل عن منصب (الأبوة) الذي يدعو إلى انسجام الأقوال مع الأفعال، وتناسق الأفعال مع الأقوال.

خامسا...

الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يفسر قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] وذلك بمعاملته للمسلمين من غير العرب، ويبين معناها برميه للعنصرية، ويشرحها بنبذه للعصبية لإقليم أو نسب أو لون.

فالشيخ - رحمه الله - يؤمن بأن الدين لم ينزل على العرب فقط، بل هو عام، ولم يبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - للون واحد بل إلى جميع الألوان، ولم يرسل لنسب واحد بل إلى كافة الأنساب.

فإيمان الشيخ بهذه القطعيات جعله يفهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13]

ويفسرها بما تقدم، ويشرحها بما سبق، وبما أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الله أخذ على الأنبياء عهدًا بأن يبينوا هذا الدين للناس، فعلى هذا يجب على العلماء التبيين وتبليغ هذا الدين، فإيمان الشيخ بهذا الواجب أداه إلى أن يفهم بأنه لا يمكن تبليغ هذا الدين مع العنصرية، وأنه لا يستطيع أن يأمر بمعروف من في أقصى الشرق أو أن ينهي عن منكر من في أقصى الغرب مع العصبية.

وأثناء قراءة الشخص عن حياة الشيخ عبد العزيز كأنه يسمع الشيخ ينادي بأن من أراد أن يكون وريثاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فليبين للناس هذا الدين، وليبلَّغ هذا الشرع لجميع الخلق، ومن أراد أن يقوم بهذه الوظيفة فعليه أن ينبذ العصبية التي تحجم العالم أو طالب العلم وعليه أن يرمي العنصرية التي تمنع الآخرين من قبول الحق لأنه مشوب بباطل، وكلما حرص العالم أو طالب العلم على تطهير أمره بالمعروف من نتن العصبية وتنظيف نهيه عن المنكر من قذر العنصرية صار إلى القبول أقرب وإلى القلوب أوصل.

فسبب تخلف بعض طلبة العلم عن وراثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التبيين والتبليغ: الإقليمية، وسبب الإقليمية العصبية والعنصرية، وسبب العنصرية والعصبية قلة توفيق من الله.

سادسا...

تشتمه فيتحرك لسان حاله بقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

وتسبه فيحرك لسان مقاله بقوله - تعالى -: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) [النساء: 147-148].

فالشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كما أعرف ويعرف الشاتم يستطيع أن يرد الشتمة بمثلها، والشيخ كما أعرف ويعرف الساب قادر على أن يأخذ بثأره، لكنه - رحمه الله - لم يرد مع استطاعته ولم يأخذ مع قدرته، وهذه هندسة في علم الاجتماع وتكتيك في العلاقات، فليست غفلة كما يظن البعض، وليست بلاهة كما يعتقد آخرون.

فالشيخ لا يريد أن يهابه الناس فيتمنوا زواله، ويخافه المجتمع فيرجو إزاحته، بل يريد أن يحبوه فيتمنوا بقاءه، ويحترموه فيدعو له بطول العمر.

وقد نال الشيخ هذه المرتبة، وحاز على هذه المزية، فتجد الشاتم بجوار المحب، والساب قريباً من الصديق في مجلسه أيام حياته، وفي المسجد وقت الصلاة عليه، وفي الصحف لتأبينه ورثائه.

والشيخ لا يريد أن يبغضه الناس فيحاولوا عرقلة مشاريعه الخيرية، ولا يريد أن يمقتوه فيحاولوا غربلة إسهاماته الطيبة، بل استطاع بتلك الهندسة أن يستخدم شاتمه في إنهاء إجراءات مشاريعه الخيرية بدل عرقلتها، وبذاك التكتيك قدر أن يستعمل سابه بتخليص إسهاماته الطيبة.

كيف استطاع أن يُحَوَّل الشاتم إلى رجل من رجالاته القائمين على خدمته؟ وإلى أحد الحاضرين في مجلسه لسماع فتواه واستشارته؟ وإلى واحد من المصلين عليه تقرباً إلى الله؟ وإلى كاتب تأبين ورثاء مفتخراً بقربه إليه؟ وكيف قدر على قلب الساب إلى عضو فعال في إسهاماته؟ وإلى تلميذ؟ وإلى داع له؟ وإلى شاعر معتز بمهاتفة ومراسلة ومحادثة الشيخ له؟

فليست البلاهة تستطيع التحويل، ولا الغفلة قادرة على القلب، بل هندسة وتكتيك مملوءان باليقين بقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض))[21].

فالشيخ لديه يقين بأنه إذا كظم غيظه وعفا عن المسيء صار من المحسنين الذين يحبهم الله، وعنده يقين بأنه إذا أحبه الله أحبه الناس، وهذا الكظم من الشيخ، وطلب التعويض من الله من اليقين بحديث: ((«إنك لن تدع شيئا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك خيرا منه))[22].

وبهذا استطاع الشيخ أن يُحوَّل الشاتم كما تقدم، وأن يقلب الساب كما سبق.

وهناك عملية أخرى يقوم بها - رحمه الله - للتحويل والقلب وهي أن الشيخ مهما نزلت أخلاق الآخرين عند التنافس، وهبطت عند الأطماع، وانخفضت عند الاختلاف تبقى أخلاقه عالية لا يتنازل عنها، ولا ينزل بها مع ذاك المنافس والطامع والمختلف، وسبب عدم تنازله عن أخلاقه ونزوله بها هو أن الشيخ يتعبد بها، وبها يتقرب إلى الله فلم يتخلق بها لينال منصباً وبنيله له تزول، ولم يتمسك بها طمعاً بزائل فلما زال زالت، ولم يعض عليها بالنواجذ لكون الآخرين موافقين له فلما اختلفوا عليه انخفضت أخلاقه وهبطت آدابه.

بل هي دائماً عالية، وسبب علوها أن الشيخ مواظب على سقياها في جميع الأحوال، ومختلف الحالات، وذلك بماء المكرمات كما قال الشاعر:

هي الأخلاق تنبت كالنبات *** إذا سقيت بماء المكرمات

فماء المكرمات النية الصالحة والمقصد الحسن، فالمحافظة على علو الأخلاق، والمداومة على الأخلاق العالية في جميع الأحوال ومختلف الحالات صعب جدًّا، ويحتاج إلى همة عالية ويقين قوي، فلولا قوة يقين وعلو همة الشيخ بأن المداومة والمحافظة على الأخلاق ترفع الشخص في الآخرة - كما ورد في الأحاديث - لما استطاع أن يتمسك بها أمام نزول أخلاق المنافس، ولما قدر أن يصبر على هبوط سلوك الطامع، ولما تمكن من الصمود أمام انخفاض آداب المختلف، فبصموده وصبره وتمسكه لا بالبلاهة والغفلة استطاع أن يكسب احترام المنافس، وينال محبة الطامع، ويفوز بتوقير المختلف، وأن يحَوَّلهم إلى أعوان وأصدقاء.

سابعا...

لو سأل أحد الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في أوائل قبضه للراتب: كيف تنفق نفقة من لا يخشى غوائل المستقبل ولا يخاف الفقر؟ لأجاب الشيخ بكل يقين بقوله - تعالى -: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276].

ولو سأله آخر: كيف تقرض من لا تأمن إيفاءه، ولا تضمن تسديده؟ لأجاب بكل تأكيد بقوله - تعالى -: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245].

أنا أجزم بأن الشيخ يعلم علماً يقيناً في أوائل قبضه للراتب بأن راتبه بهذا الإنفاق سيزيد إنفاقه، وأن ماله بذاك القرض سيضاعف وسيضاعف الإقراض، وإذا كان هناك احتمال السؤال فكذلك اللوم والمؤاخذة واردان، فقد يكون هناك من لام الشيخ على إنفاقه، وأخذ عليه إقراضه لكن مثل الشيخ ويقينه بقوله - تعالى -: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276] لا يلومه إلا من قل يقينه، ومثل الشيخ وتسليمه بقوله - تعالى -: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245] لا يؤاخذه إلا من ضعف تسليمه بوعد الله.

فضعف التسليم وقلة اليقين يمنعان من فهم أعمال المنفقين، ويحجبان عن قراءة مستقبل أفعالهم.

يقول الأستاذ إبراهيم الفقي: «إن القائد يتمتع بحاسة ممتازة في عمله، فهو يستطيع أن يرى أشياء لا يراها ولا يفهمها الآخرون، كما أنه مبدع ومعروف بأفكاره النيرة على الرغم من أن النقد قد يوجه إلى خيالاته، إلا أن مع الوقت يستطيع الناس أخيراً أن يتفهموا لماذا يرى القائد الأشياء بهذا الشكل؟ » [23].

فالشيخ إمام في الإنفاق، ويتمتع بيقين ممتاز أعلى من الحاسة الممتازة، وما يقينه وتسليمه إلا من الأفكار النيرة، لكن ليس كل الناس يستطيع أن يعرف أبعاد اليقين ويقرأ مستقبل التسليم إلا من رزقه الله يقيناً يعرف به وتسليماً يقرأ من خلاله، ومن لا يدرك ذلك يقال له بأن الشيخ يعلم علماً يقيناً أنه لولا إنفاق الألف الأولى على شخص واحد لما جاءت الألف الثانية ومن ثم إنفاقها على شخص آخر، وما إلى ذلك.... ولما صار الأجر أجرين، وبهذه المعادلة زاد الراتب، وزاد عدد المنفق عليهم وتضاعف الأجر.

ثامنا...

الإمام أحمد - رحمه الله - إمام في الزهد، وإمام في الورع والتقى، وإمام في العلم، فحياته - رحمه الله - تفسير لقوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

فمثله إمام في عدة جوانب قد تصدر منه كلمات أو أفعال لها عدة معانٍ، فقد قال - رحمه الله -: «بيننا وبينكم الجنائز» يقصد أهل البدع والمخالفين له، لشدة يقينه بصحة معتقده واتباعه وسلوكه، وإذا كانت إمامة الإمام أحمد تفسر الآية فإمامة الشيخ عبد العزيز بن باز تترجم هذه المقولة، فليس في هذا العصر جنازة صلي عليها في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب مثل جنازته - رحمه الله -، ولا أعرف ميتاً رثي (بحق) كما رثي هذا الشيخ، وسبب هذا وذاك صحة معتقده، وحسن اتباعه للشرع واستقامة سلوكه ومنهجه - رحمه الله -.

فهنا عبرة وفائدة من هذه المقولة وتلك الترجمة، وهي للمخالف للشيخ أحوج منها للموافق له في حياته، فيجب على المخالف أن يسأل نفسه عن سبب تجمع المصلين على جنازته في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويضع استفهاماً حول تلك المراثي وتلك التعازي التي شملت جميع مستويات الناس من الحاكم إلى المحكومين، ومن الرئيس إلى المرؤوسين، فلا يمكن أن يقبل الناس على شخص، أو يتأثر جمع عظيم بوفاته إلا لسر مكنون لا يمكن يناله إلا مخالف أراد الله له التوفيق فيما بعد وفاة الشيخ، وجذر عميق لا يمكن الوصول إليه إلا مخالف أراد الله أن يحبه بعد وفاة الشيخ، وهذا السر المكنون، وذاك الجذر العميق هو أن الله - سبحانه وتعالى - لا يمكن أن يطرح لرجل القبول في الأرض، وينشر محبته لشخص بين الناس إلا شخص يحبه ورجل قبله.

ولا يمكن أن يحب الله رجلاً أو يقبل شخصاً إلا إذا كان معتقده بالله صحيحاً، فلا تجهم، ولا اعتزال، ولا غيرها.

واتباعه للرسول - صلى الله عليه وسلم - سليم، فلا تعصب لحنبلي، أو شافعي، أو مالكي، أو حنفي.

وسلوكه مستقيم فلا نقشبندية، ولا تيجانية وغيرها من الطرقية، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض))[24].

وقال الله - سبحانه وتعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) [مريم: 96].

فمن وَدَّه الله فبسبب كون أعماله صالحة، فصلاح الأعمال طريق إلى ود الرحمن.

فجنازة الشيخ ابن باز - ومثلها جنائز الأئمة قبله - طريق لتصحيح العقيدة، والصلاة عليها في الشرق والغرب والشمال والجنوب طريق الاتباع الصحيح، والتعازي فيه طريق لمعرفة أي مسلك صحيح يسلكه المسلم، وهذا الاعتبار بهذه الجنازة لا يحصل إلا لمن أراد الله له التوفيق للهداية وسلوك طريق الأنبياء الذين العلماء ورثتهم، وهذه الجنازة لا يعتبر بها إلا من أراد الله له الخير والسداد في الحياة وبعد الممات.

 ـــــــــــــــــــــ

من المصادر والمراجع الإضافية

- جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز. رواية للشيخ محمد الموسى، وإعداد محمد بن إبراهيم الحمد.

- الصداقة بين العلماء: محمد بن إبراهيم الحمد.

- علماء مفكرون لقيتهم -الجزء الأول- محمد المجذوب:

- حديث تلفزيوني للداعية الدكتور: محمد بن موسى الشريف في فضائية (اقرأ).

- الإمام القدوة عبد العزيز بن عبد الله بن بازأزهري أحمد محمود   

الحافظ ابن حجر العسقلاني




 الحافظ ابن حجر العسقلاني



احتل الحافظ ابن حجر العسقلاني مكانة مرموقة في تاريخ الفكر الإسلامي، وتعد مؤلفاته واحدة من أمهات الكتب والموسوعات العلمية التي تقوم عليها المكتبة الإسلامية، وابن حجر واحد من علماء المسلمين الموسوعيين الذين كتبوا في علوم الإسلام المختلفة، فنبغوا ووصلوا فيها إلى القمة.

نسب ابن حجر العسقلاني
هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد [1] بن حجر الكناني العسقلاني [2] الشافعي المصري القاهري المولد والمنشأ والدار والوفاة. المعروف بالحافظ ابن حجر العسقلاني.

مولد ابن حجر العسقلاني
ولد ابن حجر –رحمه الله- في الثاني والعشرين من شعبان سنة 773 هـ [3]، في منزل كان يقع على شاطئ النيل، بالقرب من دار النحاس والجامع الجديد، وظل ابن حجر –رحمه الله في بيته هذا حتى انتقل منه في أواخر القرن الثامن الهجري إلى القاهرة، حيث تزوج بأم أولاده فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته المنكوتمرية داخل باب القنطرة، بالقرب من حارة بهاء الدين، واستمر بها حتى مات [4].

أسرة ابن حجر العسقلاني
نشأ ابن حجر في أسرة تشتغل بالعلم وتشجع عليه، فقد اشتغل أبوه بالعلم والفقه ومهر بالآداب، موصوفاً بالعقل والمعرفة والديانة والأمانة ومكارم الأخلاق ومحبة الصالحين والمبالغة في تعظيمهم، وأما أمه فهي من بيت عُرف بالتجارة والثراء والعلم، ولابن حجر أخت اسمها (ست الرَّكب)، قال عنها ابن حجر: "كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي"، ويذكر ابن حجر –رحمه الله- أن له أخًا من أبيه، قرأ الفقه والفضل،وعرض المنهاج، ثم أدركته الوفاة، فحزن عليه والده حزنا شديدا، وذكر ابن حجر –رحمه الله- أن والده حضر إلى الشيح يحيى الصنافيري، فبشَّره بأن الله تعالى سيخلف عليه غيره ويعمره، فكان مولد ابن حجر- رحمه الله- بعد ذلك بقليل. وذكر السخاوي أن الشيخ الصنافيري بشَّر والد ابن حجر –رحمه الله- بقوله: "يخرج من ظهرك عالمٌ يملأ الأرض علمًا" [5].

نشأة ابن حجر العسقلاني
نشأ ابن حجر العسقلاني –رحمه الله- في أسرة تحب العلم وتشجع عليه، وهذا قدر الله له أن يهيئ له جوًا علميًا وبيئة صالحة تأخذ بيده إلى العلم، حتى صار له شأن عظيم بين الناس، وشاء الله -تعالى- كذلك أن ينشأ ابن حجر- رحمه الله- يتيمًا أباً وأمًا، فحُرم من عطف أبيه وعلمه كما حرم من حنان أمه، إلا أنه –رحمه الله- تغلب على ظروفه وكافح في حياته حتى نال السؤدد بين الناس بالعلم والحديث.

نشأ ابن حجر –رحمه الله- مع يتمه في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه زكي الدين الخروبيّ، وهو من كبار التجار في مصر، ولم يألُ الخروبي جهدًا في رعايته والعناية بتعليمه، فأدخله الكتاب بعد إكمال خمس سنين، وكان لدى ابن حجر ذكاء وسرعة حافظة بحيث إنه حفظ سورة مريم في يوم واحد [6].

وأكمل ابن حجر حفظه للقرآن على يد صدر الدين السَّفطي المقرئ، وهو ابن تسع سنين. واصطحب الزكي الخروبي ابن حجر معه في الحج عند مجاورته في مكة أواخر سنة 784هـ، وفي سنة 785 هـ أكمل ابن حجر اثنتي عشرة سنة، ومن حسن حظه أن يكون متواجدًا مع وصيه الخروبي في مكة، فصلى بالناس التراويح في تلك السنة إمامًا في الحرم المكي. ويمكن أن نستقرأ من هذه الأخبار بوادر نبوغ الحافظ ابن حجر المبكرة، والتي تتمثل في إتمامه القرآن صغيرا وإمامته للناس في الحرم المكي وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وهو سن ربما يعتري الأطفال فيه رهبة وخوفا، إلا أن نبوغ الطفل الصغير وذكائه وحسن تربيته ونشأته أهلته لأن يكون كذلك في غاية النباهة والثبات.

وبعد رجوع ابن حجر –رحمه الله- مع وصيه الخروبي من الحج سنة 786 هـ حفظ عمدة الأحكام للمقدسي وألفية العراقي في الحديث والحاوي الصغير للقزوينبي ومختصر ابن الحاجب في أصول الفقه ومنهج الأصول للبيضاوي، وتميَّز ببين أقرانه بقوة الحفظ، فكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير من مرتين الأولى تصحيحا والثانية قراءة في نفسه ثم يعرضها حفظا في الثالثة ، ويذكر السخاوي أن حفظ ابن حجر –رحمه الله- لم يكن على طريقة الأطفال في المدرسة، وإنما كان حفظه تأمُّلا على طريقة الأذكياء.

وظل ابن حجر في كنف وصيه يرعاه إلى أن مات الزكيّ الخروبي سنة 787هـ، وكان ابن حجر قد راهق، فلم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلة.

وفي سنة 790 هـ أكمل ابن حجر –رحمه الله- السابعة عشرة من عمره، فقرأ القرآن تجويدا على الشهاب الخيوطي، وسمع  صحيح البخاري على بعض المشايخ، كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ. وفي هذه الفترة انتقل ابن حجر –رحمه الله- إلى وصاية شمس الدين بن القطان المصري فحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب، وفي سنة 793هـ نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها، حتى أنه لا يكاد يسمع شعرا إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه وطارح الأدباء. ونظم الشعر والمدائح النبوية [7].

وتمثِّل سنة 793 هـ منعطفا ثقافيا في حياة ابن حجر –رحمه الله، فمن هذه الثقافة العامة الواسعة واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب الله إليه علم الحديث النبوي، فأقبل عليه بكليته، ويذكر السخاوي أن ابن حجر –رحمه الله- لم يكثر في طلب الحديث إلا في سنة 796 هـ، وكتب بخط يده: "رفع الحجاب وفتح الباب وأقبل العزم المصمم على التحصيل ووفق للهداية إلى سواء السبيل" [8].فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره، ويذكر السيوطي أن ابن حجر –رحمه الله- لازم شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي عشر سنين، وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه، وحكي أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ، فبلغها وزاد عليها [9].

وهكذا فإن ابن حجر العسقلاني –رحمه الله- لم يبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة حتى جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد في عصره، في علوم القرآن والتفسير والفقه واللغة والأدب والتاريخ والحديث والنحو، وجمع بين علوم النقل والعقل، وأخذ عن عدد جمّ من المتخصصين في علوم المعارف كلها، ولا يتوفر ذلك إلا لشاب ذو همة عالية وعزيمة قوية ورغبة حقيقية في طلب العلم والانتفاع به، ولا نجد أبلغ تعبير عن هذه الدرجة من العلم والفقه من تلميذه السخاوي، حيث يقول واصفًا حال شيخه: "فجدّ بهمة وافرة وفكرة سليمة باهرة، في طلب العلوم منقولها ومعقولها، حتى بلغ الغاية القصوى، وصار كلامه مقبولا عند أرباب سائر الطوائف، لا يعدون مقالته لشدة ذكائه وقوة باعه، حتى كان حقيقًا بقول القائل:

وكان من العلوم بحيث يقضي *** له في كل علم بالجميع    [10].

زواج ابن حجر العسقلاني وأولاده
تزوج الحافظ ابن حجر –رحمه الله- من أنُْس خاتون، وكانت تحدث بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك وتكرم الحاضرين. وكان ابن حجر يكن لها الاحترام الكبير.

كما أن ابن حجر –رحمه الله تسرَّى من جارية زوجته واسمها خاص ترك، ووطئها فأنجبت له ولده بدر الدين أبي المعالي محمد. كما تزوج ابن حجر –رحمه الله- من أرملة الزين أبي بكر الأمشاطي بعد وفاته سنة 834 هـ، ومن ليلى ابنة محمود بن طوعان الحلبية سنة 836 هـ.

أما أولاده فهم خمسة، أربع بنات وولد واحد ذكر، فأما البنات فهن من زوجته الأولى أُنس: زين خاتون، وفرحة وعالية، ورابعة وفاطمة، وأما الولد الذكر من سريته خاص ترك، وهو: أبو المعالي بدر الدين محمد [11].

رحلة ابن حجر العسقلاني في طلب العلم
كان ابن حجر –رحمه الله- مع صغر سنه لا يألو جهدا في الرحلة إلى طلب العلم وتحصيله، مهما كلفه ذلك من بعدٍ عن أهله وأولاده وأصحابه، ومهما عانى من سفره من تعب ونصب. وقد عبَّر عن ذلك ابن حجر نفسه بقوله:

وإذا الديار تنكرت سافرت في  ***    طلب المعارف هاجرا لدياري
وإذا أقمت فمؤنسي كتبي، فلا *** أنفك في الحالين من أسفاري  [12]

فكانت أول رحلته إلى قوص وهو في العشرين من عمره، وبالتحديد سنة 793 هـ، حيث حطت رحاله في قوص في صعيد مصر [13].

وفي أواخر سنة 793 هـ كانت لابن حجر –رحمه الله- رحلة إلى الإسكندرية، والتقى فيها ابن حجر بمجموعة من المحدثين والمسندين، منهم ابن الخراط، وابن شافع الأزدي، وابن الحسن التونسي، والشمس الجزري. وقد أورد ابن حجر ما لقيه من العلماء وما سمعه منهم وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك في كتاب سماه "الدرر المضيئة من فوائد إسكندرية" [14].

ثم كانت له رحلة إلى بلاد اليمن ، وقد طاف ابن حجر –رحمه الله- معظم بلاد اليمن طلبا للعلم وملاقاة لعلمائها، ومنهم شيخ اللغويين في زمانه الفيروزآبادي، وقرأ عليه أشياء، وأعطاه النصف الثاني من تصنيفه "القاموس المحيط"، لتعذر وجود باقيه حينئذٍ، وأذن له مع المناولة في روايته عنه. ويذكر السخاوي أن ابن حجر –رحمه الله- كانت له رحلة ثانية إلى اليمن وذلك سنة 806هـ، بعد أن جاور بمكة، فلقي فيها كثير من العلماء، فحمل عنهم وحملوا عنه [15].

وكانت لابن حجر رحلة إلى الحجاز للحج والمجاورة، حيث الفرصة سانحة للاشتغال والمذاكرة على ما يصادفونه هناك من العلماء والشيوخ والمحدثين والمسندين، وكان آخر حجة حجها –رحمه الله- سنة 824هـ، وفيها نزل بالمدرسة الأفضلية، أنزله فيها قاضي مكة المحب بن ظهيرة. والتقى ابن حجر –رحمه الله- في منى ومكة والمدينة جمعا كبيرا من العلماء والمحدثين والقضاة والأعيان، فقرأ عليهم وقرءوا عليه، وأخذوا عنه بعض تصانيفه، وأجاز لهم بالرواية عنه[16].

ورحل ابن حجر –رحمه الله- إلى بلاد الشام  في سنة 802هـ، وحثه على الرحلة إليها شيخه محمد بن محمد بن محمد الجزري، وصحبه فيها قرينه الزين شعبان، وسمع بسرياقوس وغزة ودمشق ونابلس و بيت المقدس والخليل والصالحية، وغيرها من بلاد الشام، والتقى هناك بعدد غفير من العلماء والمسندين، وفي رحلته لبيت المقدس يقول:

إلى البيت المقدس جئت أرجو *** جنان الخلد نزلا من كريم
قطعنا في مسافته عقابا *** وما بعد العقاب سوى النعيم

وفد برهن الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في رحلته إلى الشام على كفاءة نادرة تثير الدهشة، فلقد حصّل -مع قضاء أشغاله- ما بين قراءة وسماع من الكتب والمجلدات، منها: المعجم الكبير والأوسط للطبراني، والمعرفة لابن منده، والسنن للدارقطني، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، والاستيعاب لابن عبد البر وفضائل الأوقات للبيهقي ومكارم الأخلاق للخرايطي والطهور لأبي عبيد، ومسند أبي يعلى. وغير ذلك كثير [17].

شيوخ ابن حجر العسقلاني
قدّر للحافظ ابن حجر –رحمه الله- أن يجتمع له من العلماء والشيوخ والحفاظ ما لم يجتمع لأقران زمانه، وأدرك من الشيوخ جماعة كل واحد رأس في فنه الذي اشتهر به، "فالتنوخى في معرفَة القراءات، والعراقي في الحَدِيث، والبلقيني فِي سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والمجد الفيروزآبادي صاحب القاموس في حفظ اللغة، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة، بحيث كان يقول: (أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها)" [18].

وقد بلغ عدد شيوخه بالسّماع وبالإجازة وبالإفادة على ما بيَّن بخطه نحو أربعمائة وخمسين نفسا، وإذا استثنينا الشيوخ الذين أجازوا عموما فقد ترجم في "المجمع المؤسس" لأكثر من ستمائة شيخ، وذكر بعضهم أن عدد شيوخه بلغ ستمائة نفس سوى من سمع منه من الأقران [19].

تلاميذ ابن حجر العسقلاني
ظل ابن حجر –رحمه الله- في تفرده حتى أجمع العلماء على أنه حافظ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، الذي انتهت إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة علل الحديث، وغير ذلك، وصار هو المعوّل عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار [20]، فأقبل عليه طلبة العلم ينهلون من علمه ونهره، ولقد سرد السخاوي في الجواهر والدرر أسماء جماعة كبيرة ممن أخذوا العلم على يد ابن حجر –رحمه الله- دراية ورواية، وقد بلغوا ستمائة وست وعشرين اسما، وكان يذكر ما قرأه أو ما سمعه التلميذ على الحافظ ابن حجر –رحمه الله [21].

وأبرز ما يلاحظ على هذه الأسماء التي أوردها السخاوي وغيره، أنهم جاءوا من بقاع شتى من العالم الإسلامي، فمنهم المكي والشيرازي والهروي والغرناطي والبغدادي، فضلا عن الشاميين والمصريين. كما يلاحظ أنهم من مختلف المذاهب الفقهية، فمنهم الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، علمًا بأنه الحافظ ابن حجر شافعيّ المذهب.

ويمكن أن نبرز أشهر من تتلمذ على يد الحافظ ابن حجر –رحمه الله- وشاع علمه في الآفاق، ومنهم:
ابن قاضي شهبة (ت 851 هـ)، صاحب .
ابن فهد المكي (ت 871 هـ) صاحب لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ.
ابن تغري بردي (ت 874 هـ) صاحب النجوم الزاهرة في مصر والقاهرة والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي.
محمد الكافيجي الحنفي (ت 879 هـ)، صاحب المختصر في علم التاريخ، والتيسير في قواعد علم التفسير .
وأخيرا تلميذه الوفي النبيه شمس الدين السخاوي (ت 902 هـ)، صاحب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، وكتاب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، والجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر [22].

وظائف ابن حجر
تصدر ابن حجر –رحمه الله- للإقراء والإملاء والتدريس والخطابة والقضاء، على هذا النحو:

أولًا: الإملاء
شرع ابن حجر –رحمه الله- الإملاء في سنة 808 هـ، حيث أملى كتاب: ""الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع"، من حديثه عن شيوخه، في ستة عشر مجلسا بالشيخونية. وكان آخر مجلس أملاه سنة 850 هـ. بدار الحديث الكاملية، وجملة ما أملاه 1150 مجلسا، وبلغت عدد مجلدات ما أملاه عشرة مجلدات، أملاه من حفظه مهذبة محررة متقنة [23].

ثانيًا: التدريس
اختص ابن حجر –رحمه الله- بالتدريس في أماكن متعددة كانت محلا لتداريس في علوم شرعية، منها:
اشتغل بتدريس التفسير بالمدرسة الحسينية، والقبة المنصورية، وتدريس الحديث بالشيخونية، وقبة الخانقاة البيبرسية، والمدرسة الجمالية المستجدة، ودرّس الحديث  كذلك بجامع ابن طولون سنة 833 هـ، والقبة المنصورية، ومشيخة الحديث بالمدرسة الزينية سنة 851 هـ.
وتدريس الفقه بالشيخونية والمدرسة الشرفية الفخرية ، والمؤيدية سنة 822 هـ، والمدرسة الخروبية البدرية بمصر، والمدرسة الصالحية المجاورة للإمام الشافعي سنة 846 هـ [24].

ثالثًا: الإفتاء والخطابة
ولي ابن حجر –رحمه الله- إفتاء دار العدل سنة 811 هـ، واستمرت هذه الوظيفة معه حتى مات، فكان إلى فتاويه النهاية في الإيجاز مع حصول الغرض، ولا سيما في المسائل التي لا نقل فيها. وكان يكتب في اليوم أكثر من ثلاثين فتيا، وكان يكتب فتاويه ويجب على الأسئلة حتى وهو على راحلته، دليل على تمكنه [25].وأما الخطابة فقد تولى ابن حجر –رحمه الله- الخطابة بالجامع الأزهر سنة 819 هـ، عوضا عن خطيبه تاج الدين بن رزين، ثم تولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص سنة 838هـ، وخطب بجامع القلعة بالسلطان، وخطب بالجامع الأموي بدمشق.

وكان لخطبه وقع في القلوب وتأثير بعيد المدى،جعل السخاوي يقول: "وأما خطبه فكان لها صدعا في القلوب، وتزداد وهو على المنبر في المهابة والنور.. ما لا أستطيع وصفه بحيث كنت إذا نظرت إليه وهو على المنبر يغلبني البكاء"[26].

رابعًا: القضاء
عرض على ابن حجر –رحمه الله-القضاء قبل انقضاء القرن، أي وله من العمر سبع وعشرون سنة، إلا أنه امتنع؛ لأنه حينئذ كان لا يؤثر على الاشتغال بالحديث شيئًا. وقد فوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالشام مرارا فأبى وأصر على الامتناع [27].بيد أن موقفه –رحمه الله- تغير نتيجة لإسناد بعض المهام المتعلقة بالقضاء إليه، وأيًا ما كان الأمر فقد تولى الحافظ ابن حجر –رحمه الله- القضاء نيابة، وثم ما لبث أن تولاه استقلالا في السابع والعشرين من المحرم سنة 827هـ ، وذلك بتفويض من الملك الأشرف برسباي [28].

فباشر ذلك الحافظ ابن حجر –رحمه الله- بنزاهة وعفة وتواضع زائد، واستجلاب لخاطر الصغير قبل الكبير، وتصميم في الأمور، وإحسان للفقراء والطلبة، لكن كان بنكدٍ وعنادٍ وتعب وكثرة مُعارض وقلة إنصاف. إلا أنه أحس بالندم بعد توليه القضاء؛ لأن أرباب الدولة لا يفرقون بين أولي الفضل وغيرهم، ويبالغون في اللوم حيث ردت إشاراتهم .. واحتياج القاصي إلى مداراة الكبير والصغير، بحيث لا يمكن مع ذلك القيام بكل ما يرومه على وجه العدل [29].ولم تدم مدة ولايته الأولى هذه في القضاء، فقد صرف نفسه في ذي القعدة 827هـ، ويعلق ابن فهد المكي على ذلك فيقول: " ولو استمر على ذلك لكان خيرا له في دينه ودنياه" [30].

وعلى كلٍ فإن ابن حجر –رحمه الله- ظل يولّى ثم يُصرف في منصب قاضي القضاة، حتى صرف نفسه في السنة التي مات فيها، وذلك في يوم الاثنين الثامن من ربيع الآخرة سنة 852هـ [31].
تبيَّن لنا أنا الحافظ ابن حجر –رحمه الله- كان يقوم بدور إصلاحيّ كبير في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح ما أفسد في الحياة الاجتماعية والسياسية والعامة، كل ذلك يحمله شعور بالمسئولية عظيم، حتى أنه إذا رأى مع شخص وظيفة لا يستحقها اجتهد في استنزاله عنها، ويباشرها قليلا ثم يرغب عنها لمن يستحقها ممن يكون فقيرا [32].

جهود ابن حجر العلمية ومصنفاته
بدأ الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في التصنيف في السنة التي جدّ فيها في طلب الحديث النبوي وفنونه، أي في سنة 796 هـ، وظل يصنّف حتى قبيل وفاته –رحمه الله. قال السخاويّ: "انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر"، أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها:

 -فتح الباري شرح صحيح البخاري وتهذيب التهذيب - وتقريب التهذيب - ولسان الميزان–الاصابة في تميز الصحابة  -وإتحاف المهرة بأطراف العشرة - والنكت على مقدمة بن الصلاح - وأمالي الأذكار المسمى: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار- وتغليق التعليق - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس - الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر- شرح نخبة الفكر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - الإيثار بمعرفة رواة الآثار - تبصير المنتبه بتحرير المشتبه - نزهة الألباب في الألقاب– انباء الغمر بأنباء العمر – الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.رفع الإصر عن قضاة مصر– بلوغ المرام من أدلة الأحكام  -المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس، وغيرها كثير [33].

صفات ابن حجر العسقلاني الخَلْقِيَّة
كان ابن حجر –رحمه الله- ربعة، أبيض اللون، كثّ اللحية، ووجه صبيح، للقصر أقرب، وفي الهامة نحيف، جيد الذكاء، فصبح اللسان، شجي الصوت، صحيح السمع والبصر، صغير الفم، قوي البنية، عالي الهمة، خفيف المشية، عظيم الحذق لمن ناظره أو حاضره، هذا مع سكون ووقار وأبهة وثبات، تاركا لما لا يعنيه، طارحا للتكلف، كثير الصمت إلا لضرورة، شديد الحياء [34].

أخلاق ابن حجر العسقلاني
تمتع ابن حجر العسقلاني –رحمه الله- بجملة من الصفات والأخلاق كانت مثالًا ونموذجا للعالم العامل، فكان محلّ قدوة لتلاميذه ومريديه، وقد وصفه ابن تغري بردي في المنهل الصافي،فقال:
"وكان ذا شيبة نيرة ووقار وأبهة، ومهابة، هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدربة بالأحكام ومداراة الناس، قبل أن يخاطب الشخص بما يكره، بل كان يحسن لمن يسيء إِلَيْهِ ويتجاوز عمن قدر عليه"[35].
وقد أفرد له السخاوي بابًا كاملا ذكر فيه أخلاق شيخه، ونذكر منها:

1-الورع عند ابن حجر
فقد روي أن عياله أحضروا له شيئا فأكله واستطابه، وقبل تمام أكله، ألقى الله تعالى في خاطره السؤال عنه، فذكروا له جهة لا يحب الأكل منها، فاستدعى بتشط، وقال: أفعل كما فعل أبو بكر الصديق –رضي الله عنه، ثم استقاء ما في بطنه[36].ولا شك أن الورع خير ما يتخلق به العلماء.

2-الحلم في حياة ابن حجر
فقد روي أن بعض الشعراء هجاه وبالغ في هجاه، فما احتمل محبيه وتلامذته ذلك، فأحضروا الشاعر وأرادوا أن ينالوه منه، وبلغ ابن حجر –رحمه الله- ذلك، فتغيظ عليهم، وأمر بصرفه مكرما، بل أنعم عليه بشيء من الدنيا [37].

3-تواضع ابن حجر مع معرفته لقدر نفسه
فقد سئل –رحمه الله: هل رأيت مثل نفسك؟، فقال:قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32].
وسأله بعض أصحابه: أنت أحفظ أم الذهبي؟، فسكت –رحمه الله- تواضعا.
وكان رحمه الله- لا يتكثَّر بعلومه ولا يتبجح بها، ولا يفتخر، ولا يباهي بمعارفه، بل كان يستحي من مدحه ويطرق، ولقد قال له بعض تلاميذه مرة: يا سيدي، إن لك بفتح الباري المنة على البخاري، فقال له: قصمت ظهري [38].

4-أدب ابن حجر مع العلماء
وأما كثرة أدبه مع العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين، فمشهور بحيث كان إذا تعقّب النووي –رحمه الله- بشيء، يقول: وعجبت للشيخ مع سعة علمه كيف قال كذا، أو ما أشبه ذلك من العبارات [39].

5-عبادة ابن حجر
فقد كان الحافظ ابن حجر –رحمه الله- ملازما للتهجد وقيام الليل في مقامه وسفره، ولم يترك قيام الليل حتى مرضه الذي مات فيه، فكان يتّكأ على ولده. وأما صومه، فكان –رحمه الله- يصوم يوما ويفطر يوما، محافظا على أوقات الفضائل في الصيام. وأما قراءته للقرآن فكان –رحمه الله- مكثرا من قراءة القرآن لا سيما في حال ركوبه، وعقب صلاة الفجر بتدبر وتأن وسكون، إذا مرّ بآية رحمة سأل، أو عذاب تعوّذ. وأما عيادته للمرضى وشهود الجنائز، فكان حريصا على ذلك، لا سيما من يلوذ به، ومن لم يتيسر له عيادته منهم، تفقده بشيء من الدنيا. وأما اتباعه –رحمه الله- للسنة فهو شيء لا يُسأل عنه؛ لأنها عنه تؤخذ ومنه تُعرف، ويحرص بلسانه وقلمه على جذب الناس إليها، وتحذيرهم من مخالفتها، حتى كان يتأثر من تأخير الفطر وتقديم السحور [40].ولعل ما ذكرناه من جملة عبادته –رحمه الله- ما دفع ابن تغري بردي أن يقول فيه: "وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد" [41].

6-الموضوعية والإنصاف في البحث
على الرغم من أن علوم ابن حجر –رحمه الله- كانت سلفية، وغالب قضايا وتصرفات مجتمعه كانت كذلك، فإنه قد انسلخ بفكره من بيئته وصار سباقا لعصره في التحرر، والتحرز عن التعصب والانقياد للإجماع الخاطئ، الذي كثيرا ما أهلك العلماء، فكان الحافظ ابن حجر –رحمه الله- ميالا للحق بل والمعاداة فيه، منصفا في البحث ولو على نفسه، لا يستنكف من سماع الفائدة ولو من صغار الناس أو آحاد الطلبة، بل يستحسنها ويأمر الحاضرين بسماعها [42].

وفاة ابن حجر العسقلاني رحمه الله
بدأ المرض بالحافظ ابن حجر –رحمه الله- في ذي القعدة سنة 852هـ، ومع مرضه –رحمه الله- إلا أنه كان يواصل أعماله ويحضر مجالس الإملاء، يعلِّم الناس أحكام دينهم وأمور دنياهم، وفي يوم الثلاثاء الخامس عشر من ذي القعدة حضر مجلس الإملاء وقد زاد عليه الإرهاق والتعب، فتغيّر مزاجه وضعفت حركته، إلا أنه –رحمه الله- ما ترك صلاة جمعة ولا جماعة، ولكن مع مرور الأيام اشتد مرضه حتى ما استطاع أن يؤدي صلاة عيد الأضحى، إلا أنه صلى الجمعة التي تليه، ثم توجه إلى زوجته الحلبية، فاستعطف خاطرها في انقطاعها عنها، واسترضاها. وكان –رحمه الله- قد استشعر بالوفاة، فكان يقول: "اللهم حرمتني عافيتك، فلا تحرمني عفوك".

وقد تردد الأطباء عليه، وهرع الناس والقضاة والعلماء والصالحون أفواجا أفواجا لعيادته، واستغاثوا مبتهلين إلى الله تعالى في طلب عافيته. وقد طال مرضه –رحمه الله- شهرا، إلى أن كانت ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة 852 هـ، وبعد العشاء بساعة جلس حوله بعض أصحابه يقرءون (يس) مرة، ثم أعيدت إلى قوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، حتى فارقت الروح إلى بارئها.

وترك وصيته التي نقل السّخاوي نصها، عن سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته [43].
وكانت هذه ساعة عظيمة وأمرا مهولا، ودفن من الغد وصلى عليه بمصلاة بكتمر المؤمني بالرميلة، ومشى أعيان الناس من بيته داخل باب القنطرة إلى القرافة حيث دفن، وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه، ومشى الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان، والقضاة، والعلماء، والأمراء، والأعيان بل غالب الناس في جنازته حَتَّى قيل أنه قُدّر من مشى في الجنازة بأكثر من خمسين ألفًا. وكان لموته يوم عظيم على المسلمين، حتى على أهل الذمة. وقيل صلى عليه الخليفة العباسي، وقيل صلى عليه قاضي القضاة علم الدين البلقيني. وأقيمت صلاة الغائب عليه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، في مكة وبيت المقدس وحلب والخليل، وغيرها من بلاد المسلمين [44].

فرحم الله الحافظ شيخ الإسلام أبا الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، وجزاه الله خيرا على ما قدم للإسلام والمسلمين.

[1]يوجد اضطراب في الجد الرابع لابن حجر –رحمه الله، فتارة يتقدم (محمود) على (أحمد) وتارة يتأخر (محمود) أو يسقط، وهذا راجع إلى اضطراب ابن حجر نفسه عند ترجمته لنفسه، فقد قدّم (محمود) على (أحمد) في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، تحقيق: محمد علي النجار، مراجعة: علي محمد البجاوي، الناشر: المكتبة العلمية، بيروت – لبنان – 1967م، جـ1/414، والمجمع المؤسس للمعجم المفهرس، تحقيق: يوسف عبد الرحمن الرعشلي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، الطبعة: الأولى 1994م، المجلد الثالث، جـ1/196. وقدّم (أحمد) على (محمود) في: رفع الإصر عن قضاة مصر، تحقيق: الدكتور علي محمد عمر، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1998م، جـ1/61، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند، الطبعة: الثانية، 1392هـ/ 1972م، جـ3/262، وجعل (محمود) بين (أحمدين) في إنباء الغمر بأنباء العمر، تحقيق: حسن حبشي، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر 1389هـ، 1969م، جـ1/3. وما أثبتناه في المتن هو ما رجحه تلميذه السخاوي في الجواهر والدرر، حيث قال: (هذا هو المعتمد في نسبه).انظر السخاوي: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، تحقيق: إبراهيم باجس عبد المجيد، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى 1419هـ- 1999م، جـ 1/ 101.
[2]الكناني: نسبة إلى قبيلة (كنانة) العربية، والعسقلاني: نسبة إلى عسقلان، وهي مدينة بساحل فلسطين المحتلة. فالظاهر أن قبيلة ابن حجر –رحمه الله- استقرت في عسقلان وما جاورها إلى أن نقلهم صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله عنها عندما خربها على إثر الحروب الصليبية ما بين 580هـ - 583 هـ. أما عن اشتهاره بابن حجر، فاختلفت المصادر في اعتبار (ابن حجر) لقبا أو اسما، فقال السخاوي: (هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل بل هو اسم لوالده أحمد المشار إليه)، وفي ذلك يقول ابن حجر شعرا:
من أحمد بن علي بن محمد *** بن محمد بن علي الكناني المحتدِ
ولجد جد أبيه أحمد لقبوا *** حجرا وقيل بل اسم والد أحمدِ
انظر: السخاوي: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر جـ1/ 103- 106. محمد كمال الدين عز الدين: ابن حجر مؤرخا، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: الأولى 1987م، ص15.
[3]اختلف المؤرخون في يوم مولده، على ثلاثة آراء، الأول: ذكر السخاوي: الجواهر والدرر جـ1/ 104، أنه ولد في 22 شعبان، وتابعه ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، حققه ووضع حواشيه: دكتور محمد محمد أمين، تقديم: دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1984م، جـ2/17. الثاني: ذكر السيوطي: نظم العقيان في أعيان الأعيان، حرّره: فيليب حتي، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت، 1927م، جـ 1/ 45، أنه ولد في 12 شعبان، وتابعه ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986م، جـ 1/ 74. وكذلك الشوكاني :البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الناشر: دار المعرفة – بيروت، جـ 1/ 87- 88. الثالث: ذكر ابن فهد المكي: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، لناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1419هـ - 1998م، جـ1/211، أنه ولد في 13 شعبان.
[4]السخاوي: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر جـ1/ 104. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى 1997، جـ1/ 52.
[5]ابن حجر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، جـ6/ 201. السخاوي: الجواهر والدرر، جـ 1/ 105.
[6]ابن فهد المكي: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، جـ1/211.
[7]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ/ 121- 126. بتصرف. السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، الناشر: منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت، جـ 2/ 36. الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، جـ1/ 88. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 54- 56.
[8]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 126.
[9]السيوطي: ذيل طبقات الحفاظ للذهبي، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية، جـ1/ 251.
[10]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ 1/ 140.
[11]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ 3/ 1208- 1219. بتصرف. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 67- 69. بتصرف.
[12]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 142.
[13]ابن حجر: إنباء الغمر بأبناء العمر، جـ1/ 419.
[14]السخاوي: الجواهر والدرر، جا1/ 145- 146.
[15]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 146- 151.
[16]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 151- 154. محمد كمال الدين عز الدين: التاريخ والمنهج التاريخي لابن حجر العسقلاني، الناشر: دار اقرأ للنشر والتوزيع-يبروت، الطبعة: الأولى 1984م، ص126-127.
[17]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 176- 190. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 89- 91.
[18]البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، جـ1/88. ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، جـ1/74.
[19]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ1/ 240. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/93-94.
[20]ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 19. ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، جـ1/ 74.
[21]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1064- 1179.
[22]شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 107- 108.
[23]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ 2/ 581- 584. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 133.
[24]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ2/ 588- 600. محمد كمال الدين عز الدين: ابن حجر مؤرخا، ص58- 62.
[25]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ2/ 600، 614.
[26]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ2/ 605- 609، 617.
[27]ابن فهد المكي: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، جـ 1/ 212.
[28]ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 20.
[29]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ2/ 620.
[30]ابن فهد المكي: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، جـ1/ 212.
[31]ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 22.
[32]شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 156.
[33]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ2/ 660- 685. ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 23- 27. السيوطي: طبقات الحفاظ، جـ1/ 552- 553. السيوطي: نظم العقيان في أعيان الأعيان، جـ1/ 46- 50. الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر- مايو 2002م، جـ1/ 178.
[34]انظر: السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1053- 1054. ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 23.
[35]ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 23.
[36]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 980.
[37]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 992.
[38]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1023- 1024. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 115.
[39]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1043.
[40]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1044- 1049.
[41]ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، قدم له وعلق عليه: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى: 1992م، جـ15/ 259.
السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1044- 1049.
[42]ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، قدم له وعلق عليه: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى: 1992م، جـ15/ 259.
محمد كمال الدين عز الدين: ابن حجر مؤرخا، ص105. بتصرف.
[43]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1203- 1207.
[44]السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1185- 1197. السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، جـ2/ 40. ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جـ2/ 22. ابن فهد المكي: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، جـ1/ 215. شاكر محمود عبد المنعم: ابن حجر العسقلاني – مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، جـ1/ 118- 122.






وحيد الدين خان...رمزية وعطاء

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وحيد الدين خان...رمزية وعطاء

هذا الرجل نسيج وحده، فهو من أكبر قادة العمل الإسلامي في الهند، ورموز الإحياء والتجديد في العالم الإسلامي، وهو صاحب تكوين علمي مدني لكنّ قارئ كتبه يحسبه متخصّصا في القرآن والسنة لرسوخه في علومهما، وهو بعيد في مؤلّفاته عن الاجترار كلّ البعد، لا يكاد يخلو فصل من كتبه من فهم جديد أو لفتة بديعة أو قراءة غير مسبوقة، حتى أن كتبه شكّلت منعرجاً حقيقياً في مساري الفكري منذ ثلاثين سنة، ذلك أنّ لديه اطلاعاً واسعًا على شؤون الدعوة والحياة والنفوس والسنن الاجتماعية مع قدرة فائقة على فهم نصوص الوحي وتنزيلها على الأحداث والوقائع، ومن فضل الله على الدعوة أنّه بلغ 97 سنة من عمره وما زال له نشاط دعوي لا ينقطع، ويمكن إجمال إبداعه في ثلاثة محاور كبرى:

1-علم الكلام القرآني:

يقترح استبدال علم جديد مبنيّ على الحقائق القرآنية الكونية والنفسية بعلم الكلام النظري القديم الذي أصبح عديم الفائدة في العصر الحالي، والذي كان محاكاة للفلسفة الإغريقية، فهذا من شأنه مبارزة الإلحاد ومخاطبة العقل المعاصر المتحيّز إلى التجربة المخبرية والميدانية بأدواته وذلك بلفت النظر إلى عناصر الكون وحقائق النفس، وهذا المحور موجود في كثير من كتبه وخصّص له كتابه الفذّ "الإسلام يتحدى".

يقول الأستاذ: "تتلخّص حقيقة علم الكلام الجديد في أنه استجلاء حقائق الدين بالأدلّة التي تُطمئن الذهن الجديد والعقلية الجديدة وتوصل التعاليم الإسلامية بأحدث أساليب الاستدلال الملائمة للعقل الجديد"، ويقول: " فقد كان علم الكلام القديم يبنى على نمط الاستدلال الفلسفي بينما يبنى علم الكلام الجديد على نمط الاستدلال الطبيعي، وكانت الحقيقة تبرهن سابقا لمنطق القياس ولكنّها تبرهن في عصرنا هذا بالشهادات الواقعية".

2- المنهج الدعوي:

يقترح اعتماد المنهج الطبيعي في التغيير، المستند إلى العمل الهادئ الموجّه للقلوب والعقول بالدرجة الأولى بعيداً عن المواجهة مهما كان نوعها، وذلك حفاظا على نصاعة الرسالة وقدسية الدعوة، فهو يحذّر من اعتماد العمليات القيصرية في التغيير وينصح بالخطط المرحلية الهادئة التي تجعل القلوب تهوي إلى الإسلام، وهذا يقتضي التسلّح بالبصيرة والصبر وقوّة التحمّل لهداية الناس وتحويل الأعداء والخصوم إلى مؤيّدين وأنصار، وله بالتالي تركيز كبير على الدعوة الفردية والتربية الروحية كما هو شأن جماعة الدعوة والتبليغ والنزعة الصوفية السنية، ويجنح بالتالي إلى تهميش العمل السياسي بل والنشاط الدعوي التنظيمي فضلاً عن حمل السلاح حتى في وجه الكافر المعتدي والمحتلّ الأجنبي؛ لأنّ الدعوة المسالمة كفيلة في نظره بحلّ كلّ المشكلات التي تواجه المسلمين.

3- نقد الحركات الإسلامية المعاصرة:

وهو نقد لاذع مرير يحيط بكل جوانب عملها، ورغم ما فيه من مبالغة وتهويل غير مبرّر في بعض الأحيان إلا أنّ 80 بالمائة منه في حاجة إلى التفات ونظر عميق - كما قال د. عبد الحليم عويس - رحمه الله - وقد جاء موقفه هذا كردّ فعل على الغلوّ في تسييس الدعوة الإسلامية على يد بعض مدارسها ورموزها في أكثر من بلد،

يقول الأستاذ وحيد الدين: "ونحن نرى أن الحركات الإسلاميّة القويّة في هذا العصر تخلد إلى أرض هذا الإسلام المنظور الملموس، وأنّها تتباين وتختلف في شعاراتها وهتافاتها بين المطالبة بإسلام جزئيّ أو إسلام كليّ.. ورغم هذا الاختلاف في المطالب فإن جميع هذه الحركات نشأت ونمت على سطح الدين الاجتماعيّ الموجود وليس على سطح الدين الكتابيّ الحقيقيّ، فأصبح إسلام اليوم مطيّةً وسنداً للوصول إلى القيادة والسيادة، أصبح محلاًّ تجاريّاً لجلب المنافع، وسوقاً من الأسواق يمكن بها استدرار الأموال والحصول على ما لا يمكن إحرازه من الأسواق الدنيويّة العامّة.

إنّه يمكن بالإسلام استجاشة العواطف والحصول على التبرّعات وملء صناديق النذور، كما يمكن بالإسلام حشد جمع غفير من الناس والأداء بالكلمات الرنانة بين أيديهم.. والغريب أنّ اليهود كانوا على نفس المنهج الّذي نرى المسلمين الآن سائرين عليه في كلّ مكان، ومن جانب آخر نشاهد الدين الحقيقيّ قد أصبح مغلفاً بين دفتي الكتاب ولا وجود له باعتباره صورةً فكريّةً ومجرّدَ خيال.. لقد أصبح الدين غريباً بين أتباعه والمتحمّسين له. "

ويقول: " والحق أن كثيرا من هذه الحركات مجرّد قلاقل واضطرابات وطنية لا علاقة لها بالإسلام الحقيقي، إن حركة الدعوة الإسلامية هي حركة الدعوة إلى الجنة، والجنة مكان لطيف ونفيس سيعمره أشخاص تخلّقوا بأخلاق الله وقاموا بشهادة الحق في علاقاتهم اليومية وتحرّكوا بدافع من الآخرة لا من أجل هدف سياسي أو اقتصادي ".

قد أبان الأستاذ هنا عن نزعته الصوفية أو التبليغية التي تحصر العمل الإسلامي في الدعوة الفردية وتنأى به عن النشاط العامّ رغم شمول الإسلام وشهادة السيرة النبوية وضرورة ذلك وحتميته في دنيا الناس.

ويقول: " إن الذين أحدثوا الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية قد غيّروا على الأقلّ - طريقة الفكر في العالم، فحلّت فكرة الجمهورية محل فكرة الاستبداد، وحلّت فكرة الاشتراكية محلّ فكرة الرأسمالية، أمّا الذين ماتوا باسم الإسلام حتى وإن كانوا أكثر عددا فإنهم لم يستطيعوا ان يؤثّروا أيّما تأثير على مجرى الفكر العالمي ".

وتجنّيه هذا على إسهام المسلمين في الفكر العالمي لا يُخطئه عاقل، ويكفي التنبيه إلى أن الأستاذ نفسه أشار إلى أنّ الإسلام قد غيّر مجرى التاريخ البشري من خلال محورين أساسيّين هما إنهاء الحكم الإلهي أي اعتلاء الملوك سدّة الحكم وبقاؤهم فيها استنادا إلى التكليف الإلهي، وهذا التحوّل هو الذي ساق الديمقراطية إلى أوربا، أما المحور الثاني فهو تسخير الطبيعة للإنسان بدل تقديسه لها كما كان الحال في السابق، ومعلوم أنّ الغرب قد انتبه إلى هاتين الحقيقتين من خلال الاحتكاك بالمسلمين، أي أنذ أهله تأثروا بالتطبيق لا بالتجريد، فيكفي الفكرَ الإسلامي فخرا أنه مهّد الطريق للديمقراطية التي حرّرت البشر بعد أن كانوا عبيدا للملوك، وللعلوم التجريبية التي جعلتهم يُسخّرون الكون لأغراضهم الحياتية بعد ان كانوا يعبدونه ويقدّسونه باسم الدين.

وقد دفعت غلبة النزعة النقدية الحدّيّة للحركة الإسلامية الأستاذ إلى أن لمز الفتوحات الكبرى التي غيّرت مجرى التاريخ دينيا وجيوسياسيا والافتئات عليها بغير دليل، يقول " يمكن القول بأنّ مردّ الفتوح الإسلامية السريعة في القرن الأول الإسلامي يرجع إلى سريان الضعف والوهن في السلطتين الإيرانية والرومية بسبب حروب طويلة ناشئة بينهما، والمعلوم ان نشوب الحروب التي دكّت القوميّتين العظيمتين كان في يد الله وليس في قدرة الإنسان"

لا شكّ أن في الكلام غمطاً واضحاً للجهد البشري لدى الفاتحين، إذ مفاده أن سقوط الدولتين العظميين كان بسبب ضعفهما لا بسبب قوّة المسلمين، والضعف قذفه الله - تعالى -ولا دخل للأحد فيه، فليس للفاتحين إذن فضل ولا دور فاعل، والحقيقة ان هذا الرأي ليس طفرة عند الأستاذ وحيد الدين بل هو تعبير عن موقف ثابت من المواجهة والصراع، فهو يرفضهما بقوّة ويدعو إلى السلام التامّ بين البشر و انسحاب المسلمين من ميادين المواجهة لأنّ منطق الدعوة يقتضي ذلك، أمّا منطق المواجهة فينمّ عن أمراض نفسية ورغبات ذاتية لا علاقة لها بالدين!!! يقول بعد تحليله لمواجهة الجيوش الإسلامية للتتار واعتباره تلك المواجهة خطأ من الجانب الإسلامي كان ينبغي تفاديه والتعويض عنه بدعوة التتار: " وفي أيامنا هذه يواجه الإسلام من قبَل أعدائه الجدد مشكلات وصعوبات فنهض زعماء المسلمين بأجمعهم ضدّ المهاجمين الأعداء، لكن لم يظهر في هذه الفترة الطويلة زعيم واحد منهم يحسب الدعوة إلى الإسلام جهادا حقيقيا ويكرّس حياته لها. "

وهذا كلام يكفي إيراده لبيان فساده، فماذا فعل إذن حسن البنا والمودودي وأبو الحسن الندوي وابن باديس وسعيد النورسي وغيرهم؟ وجنوح الرجل إلى " اللاعنف" كما هو شأن الأستاذ جودت سعيد والدكتور خالص جلبي اختيار شخصي كان يمكن قبوله لولا قفز أصحابه على حقائق الإسلام ونصوصه وسنن الاجتماع وجنوحهم إلى نظرية مثالية يردّون بها محكمات الدين وقوانين الحياة البشرية، لذلك نجد هؤلاء يتبرّمون من الجهاد ويخلطون بينه وبين العدوان والإرهاب ويُلقون باللائمة على أيّ مسلم فرداً أو فصيلاً يرفع السلاح للدفاع عن نفسه أو بلده أمام العدوّ الخارجي.

وقد عيب على الأستاذ وحيد الدين قلّة اهتمامه بأمر الجهاد بل وتهوينه من شأنه لكن الملمّ بفكر الرجل يدرك أنه يقصد مواجهة العقلية القتالية التي استولت على الشباب الإسلامي، وتصحيح مسار الذهن المسلم الذي أصبح صانعا للموت بدل الحياة باسم الجهاد.

 ومهما يكن فيجب ألا يستغني أبناء الحركة عن مؤلفاته البديعة ومنها: "حاضرنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام" - "قضية البعث الإسلامي" - "حكمة الدين" - "الإنسان القرآني"، ولا يجوز الانتقاص من قيمة الرجل لمجرّد جرأته وحريّته الفكرية كما فعل بعض الأفاضل - عفا الله عنهم - الذين تسرّعوا واتّهموه بالماسونية، مع أنّه عالم نحرير وداعية قدير، وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

زياد علي

زياد علي محمد