الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

محطات في حياة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

الحمدُ للهِ وحدهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على منْ لا نَبيَّ بعده.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ القارئ لصفحةِ التأريخِ الَّتي سبقتْ مولدَ الشيخِ الإمامِ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله -، وكانتْ قبلَ بروزِ دعوتهِ آنذاك، يجدِ أَنَّها صفحةٌ في غايةِ السَّوادِ والظُّلمةِ لا يكادُ يبصرُ فيها بصيصاً من نورٍ؛ كالليلِ البهيمِ قد احلولكَ لا ضوءَ فيه؛ إذْ عَمَّتِ الشِّركياتُ والبدعُ والخرافاتُ وعوائدُ الجاهليةِ في بلدهِ نجدٍ وما أحاطَ بها من البلادِ العربيةِ والإسلاميةِ، و معْ مرورِ الأعوام والأيام كانتِ الحالةُ تتفاقمُ سوءاً على كآفةِ المستوياتِ: على المستوى الدِّيني والأمنيِّ والسِّياسيِّ والاقتصاديِّ؛ حتى أذنَ الله بانبلاج فجر جديد حين قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بدعوته المباركة؛ فأشرقت الجزيرة العربية بنور هذه الدعوة وتبدَّلت فيها مظاهر الحياة كلها، وكانتِ الدَّعوةُ التَّجديديةُ الإصلاحيةُ منطلقاً لقيامِ الدَّولةِ السُّعوديةِ الَّتي لم تألُ جهداً في سبيلِ تحكيمِ الشَّريعةِ وإرساءِ قواعدِ العدلِ؛ وإحياءِ شعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، وبسطِ الأمنِ في المنطقةِ التي مَكَّنها اللهُ فيها.

إِنَّهُ الشيخ أبو عبد الله، الإمام محمد بن عبد الوهاب، الإمام المشهور، المجدد لِما اندرس من معالم الإسلام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر - رحمه الله - وأكرم مثواه - الَّذي أنقذُ الله به العباد والبلاد في زمانه في هذه الجزيرة، وانتشرت دعوتُه في غير الجزيرة من الشام ومصر والعراق والهند وغيرها، بسبب الدعاة الذين حملوا عنه العلم وانتقلوا إلى تلك البلدان والدول، وبسبب المكاتيب والكتب التي انتشرت منه - رحمه الله - ومن أتباعه وأنصاره والدعاة التابعين له في الدعوة إلى الله..

وفي هذه الدِّراسةِ الموسومةِ بـ "محطاتٍ في حياةِ الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله –" أحببنا أن نُسلِّطَ الضوءَ على محطاتٍ، نحسبُ أَنَّها - والله أعلم- من أهم المحطاتِ التاريخيةِ في مسيرةِ الشيخِ -رحمه الله- المفعمةِ بالجهادِ والبذلِ والعطاءِ، والتي سيجدُ فيها القارئ الكريمُ -بإذنِ الله- أجوبةً على تساؤلاتٍ طالَ فيها الجدلُ في عالمنا الإسلاميِّ الواسعِ الرحيبِ، وعلى شبهاتٍ وافتراءاتٍ طالما أُثيرتْ حول الدعوة التجديديةِ الإصلاحيةِ التي تسنَّم ذراها الإمام الشيخ- رحمه الله - في قلبِ الجزيرةِ العربيةِ، والتي كانتْ سبباً رئيساً في صَدِّ الناسِ عن هذه الدعوةِ وما اشتملتْ عليه من حقائق ومضامينَ هي الإسلامُ في ثوبهِ الزَّاهي النقيِّ.

وهذه المحطات على النحوِ الآتي:

1- المحطةُ الأولى: كَلمةٌ حاسمةٌ للشيخِ الإمامِ- رحمه الله - في بيانِ معتقدهِ.

2- المحطةُ الثانية: الحالةِ الدِّينيةِ والسياسيةِ القائمةِ في (نجدٍ) بلدهِ آنذاكَ، والعالمِ مِنْ حَوْلهِ.

3- المحطةُ الثالثة: اسمُه ونسبه، ومولدهُ، ونشأتُهُ، ومواهبهُ الفَذَّةُ وسجاياهُ النَّادرةُ الَّتي يَسَّرتُ لهُ الطريقُ لاحِباً- بفضلِ اللهِ- في إمامتهِ للنَّاس وأثرهِ العظيمِ عليهم.

4- المحطةُ الرابعة: مسيرتُهُ العلِميَّةُ: وفيها بيانُ رحلاتهِ العلميةِ للحجازِ والعراقِ و الأحساءِ، ومشايخه وتلاميذهِ ومؤلفاتهِ.

5- المحطةُ الخامسة: الجهودُ الباهرةُ للشَّيخِ الإمامِ محمدِ بنِ عبد الوهابِ- رحمه الله - في جانبِ التعليمِ والدَّعوةِ في سبيلِ نشرِ عقيدةِ السَّلفِ الصَّالحِ واستعدادهِ لذلكَ.

6- المحطة السَّادسة: آثارُ الدَّعْوةِ ومآلاتُهَا العظيمةُ في داخلٍ نجدٍ وفي خَارِجِهَا: في اليمنِ والشَّامِ والعراقِ وفارس والهندِ ومصرَ.

7- المحطةُ السَّابعة: أبرزُ افتراءاتِ المناوِئينَ للدَّعوةِ التَّجديدِيَّةِ الإصلاحِيَّةِ وشبهاتِهم، ونَقْضُهَا والرَّدُّ عليها.

8- المحطةُ الثامنة: شَهَادَاتُ المُنْصِفِينَ مِنْ عُقَلاءِ الغَرْبِيِّينَ عَلَى أَصَالَةِ هَذِهِ الدَّعْوةِ وَنَقَائِهَا.

9- المحطةُ التاسعة: (الأخيرةُ): وفاتهُ- رحمه الله -، وثناءُ العلماءِ عليهِ.

1- المحطةُ الأولى: كَلمةٌ حاسمةٌ للشيخِ الإمامِ- رحمه الله - في بيانِ معتقدهِ.

لو ألقينا الضَّوءَ على معتقدِ الشيخِ الإمام؛ لوجدنا أَنَّه- رحمه الله - متبعٌ في ذلكَ لما كان عليه سلفُ الأمةِ من القرونِ الخيريةِ الثلاثةِ المفضلةِ، و لم يكنْ في ذلكَ بِدْعاً منَ النَّاسِ؛ وها هو ذا- رحمه الله - يُوضِّحُ معتقده في رسالتهِ التي بعثَ بها إلى أهل القصيمِ؛ لما سألوه عن معتقدهِ؛ إذْ يقولُ- رحمه الله-:

"أُشْهِد الله ومن حضرني من الملائكة، وأُشْهِدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة منَ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - منْ غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أنَّ الله -سبحانه وتعالى- ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أُحَرِّفُ الكلم عن مواضعه، ولا أُلحدُ في أسمائه وآياته، ولا أُكَيِّفُ، ولا أُمَثِّل صفاته -تعالى- بصفات خلقه؛ لأنَّه -تعالى- لا سَمِيَّ لَه ولا كُفؤ لَه، ولا نِدَّ له، ولا يُقاسُ بخلقه؛ فَإنَّه - سبحانه - أعلمُ بنفسهِ وبغيرهِ، وأصدقُ قيلاً وأحسنُ حديثاً، فَنزَّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعمَّا نفاه عنه النافونَ من أهل التحريف والتعطيل فقال: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)[الصافات: 180].

والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله - تعالى -بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله وسط بين المرجئة والوعيدية.

وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الروافض والخوارج.

وأعتقد أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلَّم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأُومنُ بأنَّ الله فعَّالٌ لما يريد، ولا يكونُ شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيءٌ في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدرُ إلا عن تدبيره، ولا محيدَ لأحد عنِ القدر المحدود، ولا يتجاوزُ ما خُطَّ له في اللوح المسطور.

وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت، فأومنُ بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادةِ الأرواح إلى الأجساد، فيقومُ النَّاس لربِّ العالمين حفاة عراة غرلاً، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومنْ خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتُنشرُ الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.

وأومنُ بحوض نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بعرصة القيامة، ماؤُه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأومنُ بأنَّ الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.

وأومنُ بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه أوَّلُ شافع وأول مُشفَّع، ولا يُنكر شفاعةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال - تعالى -: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)[الأنبياء: 28]، وقال - تعالى -: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)[البقرة: 255]، وقال - تعالى -: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى)[النجم: 26]، وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال - تعالى -: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)[المدثر: 48].

وأُومنُ بأنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأنَّ المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.

وأُومنُ بأنَّ نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يَصِحُّ إيمان عبدٍ حتى يؤمنَ برسالته، ويشهد بنبوَّتهِ، وأنَّ أفضلَ أمتَّه أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة - رضي الله عنهم -، وأتولى أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأذكرُ محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأَكُفُّ عن مساويهم، وأسكتُ عما شجر بينهم، وأعتقدُ فضلهم عملاً بقوله - تعالى -: ? وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ? [الحشر: 10]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأُقِرُّ بكرامات الأولياء وما لهم من المكشفات إلا أنهم لا يستحقون منْ حق الله - تعالى -شيئاً، ولا يُطلبُ منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهدُ لأحدٍ من المسلمينَ بجنّة ولا نار إلا منْ شَهِدَ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أُكَفِّرُ أحداً من المسلمين بذنب، ولا أُخْرِجه منْ دائرة الإسلام، وأَرى الجهاد ماضياً مع كُلِّ إمام برَّاً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماضٍ منذ بعثَ اللهُ محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى أنْ يُقاتل آخرُ هذه الأمة الدَّجال، لا يُبطله جورُ جائرٍ ولا عدُل عادلٍ، وأرى وجوبَ السَّمعِ والطاعةِ لأئمة المسلمينِ بَرِّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية اللهِ، ومنْ ولي الخلافة واجتمعَ عليه النَّاسُ ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبتْ طاعته، وحَرُمَ الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأَحكمُ عليهم بالظاهر، وأَكِلُ سرائرهم إلى الله، وأعتقد أنَّ كل محدثة في الدين بدعة.

وأعتقدُ أنَّ الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان: يزيدُ بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما تُوجبه الشريعة المحمدية المطهرة.

فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال؛ لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل ".

2- المحطةُ الثَّانية: الحالةُ الدِّينيةُ والسياسيةُ القائمةُ في (نجدٍ) بلدهِ آنذاكَ، والعالمِ مِنْ حَوْلهِ:

أولاً: الحالة الدينية:

بلغتِ الحالة الدينية في وقت الشيخِ الإمامِ- رحمه الله - مبلغاً عظيماً من السُّوءِ والبعدِ عن صفاءِ الإسلامِ وعقيدتهِ البيضاءِ السمحةِ؛ ولنا أن نُصوِّرَ تلك الحالةَ فيما يلي:

1- انتشارُ المظاهر الشركيةِ كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والشفاعة ونحوها عند قبور الأولياء والصالحين التي بنيت عليها القباب؛ بالإضافة إلى التوسل بهم وتقديسهم، والاعتقاد بالجمادات كالأشجار والأحجار في جلب النفع ودفع الضر، حتى أصبح كثير من المسلمين مسلمين بالاسم فقط لكنهم بعيدون كل البعد عن حقيقة الإسلام، ولو استعرضنا خارطةَ العالمَ الإسلاميَّ؛ لوجدنا الآتي:

في نجد حيث موطنُ الشيخ- رحمه الله -:

(أ)- أما القبور؛ فلنا أن نذكر منها قبر (زيد بن الخطاب) - رضي الله عنه - في الجبيلة، وقبر (ضرار بن الأزور) في شعيب غبيراء، وقبر بعض الصحابة - رضي الله عنهم - في قريوه بالدرعية، وكل هذه القبور يتوجه إليها العامة يدعون أصحابها لتفريج الكرب وكشف النوب وقضاء الحاجات.

(ب)- أما الأشجار؛ فلنا أنْ نذكرَ منها ما كان يصنعهُ النساء والرجال حينَ يأتون بليدة الفدا حيث يكثر ذكر النخل المعروف بـ (الفحال): يتبركون به، ويعتقدون فيه، فكانت تأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج فتضمه بيديها ترجو أن يفرج كربها وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول، وكذلك شجرة الطرفية ينتابها طوائف من الناس فيتبركون بها، وتعلق المرأة فيها خرقا إذا ولدت ذكرا لعله يَسلمُ من الموت.

(ج)- أما الأحجار؛ فهناكَ (غار بنت الأمير) الذي يزعمون أن الله فلقه لها لتعتصم به من أحد الفسقة الذي أراد هتك عرضها، فكان الناس يُرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا.

(د) أما الأولياء: فيذكر منهم ولي عند العامة اسمه " تاج " وهو من أهل الخرج افتتن به الناس وسلكوا فيه سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور، وتوجُّهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجا وكان أعمى، فزعموا أنه يأتي من الخرج إلى الدرعية بدون قائد، وذلك لتحصيل ما تجمع له من النذور والخراج، ويذكر ابن غنام أن الحكام في المنطقة خافوه وهاب الناس أعوانه وحاشيته.

في الحجاز: يوجد في المدينة المنورة قبر حمزة وشهداء أحد، إضافة إلى ما يفعله الزائر لقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمور الشركية من دعائه والسجود له، وفي جدة ومكة يوجد قبر خديجة - رضي الله عنها - وقبر أبي طالب، وفي الطائف يوجد قبر عبد الله بن عباس.

أما في اليمن: فتوجد قبور يتبرك العوام بها في اللحية والحديدة ونجران، وفي حضرموت والشحر ويافع وعدن.

وفي الشام: توجد قبور في دمشق وحلب وأقصى الشام.

وفي العراق: يوجد قبر أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر، وكذلك ما يفعله الشيعة عند مشهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في النجف، ومشهد الحسين والكاظم في كربلاء.

أما في مصر: فيوجد قبر أحمد البدوي المشهور، وكذلك القبر المنسوب إلى الحسين في القاهرة وغيره من القبور التي يأتيها الناس هناك فيستغيثون بها ويسألونها قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم.

2- فشوُ البدعِ والخرافاتِ: فشتِ البدعُ والخرافاتُ في العالمِ الإسلاميِّ عن طريقِ أربابِ الطرقِ الصوفيةٍ بشكلٍ رهيبٍ للغايةِ؛ وهذا ما تراهُ ماثلاً في حلقاتِ الذكرِ منَ اتخاذهم مغنيين وطبول، وأعلام وسبح كبيرة ورفع الصوت بالذكر والغناء وتعظيم شيخ الطريقة وتقبيل أياديه والتبرك به، ومن البدعِ الأخرى: الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما يقع فيها من الأمور البدعية البعيدة عن جوهر الإسلام الصحيح.

ومن الخرافاتِ التي كانت شائعةً في ذلكِ الوقتِ: اعتقادُ الولايةِ في أناسٍ دجالينَ مُخرِّفينَ، و نسبةُ الكرامةِ إليهم.

يقول عبد المتعال الصعيد- يرحمه الله -: " وكان الشيخ البكري المتوفى سنة 1207هـ (1792 م) في أول أمره أَبلهٌ، يمشي في الشوارع مكشوف الرأس والسوأتين، فاعتقد أهل مصر فيه الولاية، كما هي عادتهم في كل أبله.. وصاروا ينسبون له الكرامات ".

أما المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي؛ فيذكرُ في تاريخه قصةً منْ أعجبِ العجبِ؛ لا يكادُ يُصدِّقها عاقلٌ، وهي قصة تلك (العنزةِ) التي ادعى كبيرُ خُدَّامِ المشهد النفيسي بمصرَ أنَّ السيدة نفيسة أوصت بها خيرا، فَنسبَ الناسُ إليها الكراماتِ، وأرسلوا لها الهدايا الثمينة.

وها هو ذا المؤرخ الأمريكي (لوثروب ستودارد) يصفُ لنا تلك الحالة السيئةِ بقوله: " وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فأُلبست الوحدانية التي علَّمها صاحب الرسالة الناس سِجْفاً منَ الخرافات وقشور الصوفية، وخلتِ المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء.. يوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ".. إلى أن قال: " وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يَدهي الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان ".

ثانياً: الحالة السياسية في بلد الشيخِ (نجدٍ)، وفي العالمِ منْ حولها:

أمَّا الحالة السياسية في نجدٍ؛ فإنَّ من يطلع على تاريخ نجد منذ القرن الخامس الهجري تواجهه حقيقة مرعبة، وهي أن القوم كانوا في عراك مستمر ومرابطة دائمة، وثأر لا ينقطع، يتربص بعضهم ببعض الدوائر، ويتحين أهل كل قرية الفرصة للإيقاع بأهل القرية الأخرى، وقد ذهب في هذه الحروب - على صغر حجمها ولكن مع كثرة تكرارها - أعداد كبيرة.

وأصبحت بلاد نجد مقسمة إلى إمارات صغيرة متفرقة متنازعة، و كانت لا تعرف السكينة والأمن والحرية إلا قليلا، ففي الحرب يقتل أبناؤها، ويدمر بناؤها، ويحرق نخيلها، ويتلف زرعها، وفي فترات السلم يُحبس الناس في بلدانهم فلا يستطيعون الابتعاد عنها إلا بمغامرة، فبداوة تسلب وتنهب وتقتل وتفرض على المدن المتفرقة الإتاوة، وتهدد سلامتها، وتقطع طرقها، فكانت إمارات نجد في تلك الفترة تجسيدا لقصة ملوك الطوائف في الأندلس.

وهاهنا نُوردُ أنموذجاً واحداً؛ كمثالٍ واقعيٍّ لما تزخر به تلك الفترة في تاريخ (نجدٍ) من الحوادث المفجعة، والأخبار المؤلمة، وهي من بعض مؤرخي تلك الفترة:

يقول الشيخ أحمد المنقور في تاريخه: " وفيها - أي سنة (1098هـ)- قُتل أحمد بن علي راعي المجمعة، ثم آل دهيش في المجمعة بعده، ثم علي بن سليمان بعدهم، ثم علي بن محمد عندنا، وسطوة آل محدث على الزلفى، وقُتل فوزان بن زامل في الزلفى ".

أما العالمُ الإسلاميُّ من حولها؛فقد كانت تتزعمه في مشرقه خلالَ القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) ثلاث دول عامة هامة هي:

الدولة العثمانية، والدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند.

أما الدولة العثمانية: فقد وصلت إلى ذروة مجدها في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ونظر إليها المسلمون بإعجاب وتقدير حينما وسعت فتوحاتها إلى أوروبا لنشر الإسلام، ولكنها أخذت بعد ذلك تنخر فيها عوامل الضعف شيئا فشيئا حتى وصلت في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) إلى حالة سيئة من الضعف والركود السياسيين.

أما الدولة الصفوية في فارس: فهي التي أنشأها (إسماعيل بن صفي الدين) سنة 906 هـ (1500 م) واتخذ من مدينة (تبريز) عاصمة له، وقد اتسعت دولته فامتدت من الخليج العربي إلى بحر قزوين، وكانت هذه الدولة شيعية ذات عداء مع الدولة العثمانية السنية، وانتهت هذه الدولة سنة 1135 هـ (1722 م) فخلفها أمراء من الأفغان حتى قضى عليهم (نادر شاه) سنة 1142 هـ (1729م) فنادى بنفسه ملكاً، ثم أخذ يُوسِّعُ أملاكه حتى امتدت دولته من الخليج العربي إلى بلاد الهند.

أما الدولة المغولية في الهند: فقد أنشأها (بابر شاه) من نسل تيمور لنك سنة 909 هـ (1505هـ) وخلفه ملوك أقوياء حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري فاضطرب أمرها وطمع فيها أمراء الهندوس بدعم من شركة الهند الشرقية الإنكليزية، فأنجدها (نادر شاه) ملك فارس وعيَّنَ (محمد شاه) ملكاً على الهند تحت حمايته، وكان الأخير ضعيفاً فاسقاً، وخلفهُ ملوك أشد ضعفا، مما جعل البلاد مرتعاً للحروب الداخلية، فانقسمت إلى ولايات مما سهل على شركة الهند الشرقية الإنكليزية الاستيلاء عليها ولاية بعد ولاية، ولم تلبث أن انتقلت سيادة هذه الولايات إلى الحكومة الإنكليزية سنة 1274 هـ (1856 م).

أما حال المسلمين على حدود العالم الإسلامي فلم تكن بأحسن من داخله، فقد تعرَّضت الإمارات الإسلامية على حدود روسيا القيصرية للضغط الحربي من جانب روسيا وخاصة إمارة التركستان الشرقية، حتى اضطر المسلمون هناك إلى قبول السيادة الروسية عليهم وذلك سنة 1144 هـ (1731 م).

أما المسلمون في (أندونيسيا) وما جاورها من جزر الهند الشرقية فقد كانوا على حالة من الضعف، فبالرغم من الانتشار الكبير للإسلام هناك عن طريق التجار المسلمين، إلا أنَّ المسلمين هناك تفرقوا إلى إمارات صغيرة سَهَّلتْ على الهولنديين والإنكليز غزوهم، وبالتالي استعمارهم في بلادهم.

أما المغرب الإسلامي: ففي الحقيقة لم تكن حالته السياسية بأحسن حظا من مشرقه، فقد كان العثمانيون قد استولوا على تونس والجزائر ومحوا دولتي (بني حفص وبني زيان) سنة 964 هـ (1556 م) بعدما كادت تقع في أيدي الأسبان، كما سقطت في مراكش دولة (بني وطاس) وقامت على أنقاضها (دولة السعديين) سنة 956 هـ (1549 م) التي كانت من الضعفِ بحيثُ لم تكن لديها القدرةُ على مقاومة حملات البرتغاليين والأسبان الحربية عليها.

وبالجملة فقد كانتِ الحالةُ السِّياسيةُ التي تسودُ العالم الإسلامي في تلك الفترة قدْ بلغتْ أوجها منْ فساد سياسي عام، وكان لهذا تأثير ملحوظ على الحالة الاقتصادية في العالم الإسلامي، فنتيجة لهذا التدهور انعدم الأمن والاستقرار فبارت التجارة بواراً شديداً، وأهملت الزراعة أيما إهمال، هذا في الوقت الذي كانت دول أوربا تتجه نحو تقوية نفوذها على حساب العالم الإسلامي الضعيف، وتهتم بتقوية جيوشها وتطور علومها واختراعاتها، فوصلت إلى قوة الكهرباء والبخار.

3- المحطةُ الثالثة: اسمُه، ونسبه، ومولدهُ، ونشأتُهُ، ومواهبهُ الفَذَّةُ وسجاياهُ النَّادرةُ الَّتي يَسَّرتُ لهُ الطريقُ لاحِباً- بفضلِ اللهِ- في إمامتهِ للنَّاس وأثرهِ العظيمِ عليهم:

(أ)- اسمه ونسبه:

هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أما والدة الشيخ محمد - رحمه الله -؛ فهي بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي؛ فهي من عشيرته الأدنين.

(ب)- مولدهُ، ونشأتُهُ، ومواهبهُ الفَذَّةُ وسجاياهُ النَّادرةُ الَّتي يَسَّرتُ لهُ الطريقُ لاحِباً- بفضلِ اللهِ- في إمامتهِ للنَّاسِ وأثرهِ العظيمِ عليهم:

ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة (1115ه-) في بلدة العيينة على الصحيح في أسرة علمية.

تعلَّم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حادَّ الفهم، وقَّاد الذهن، ذكي القلب، سريع الحفظ قرأ على أبيه في الفقه، وكان - رحمه الله تعالى -في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه وجد في طلب العلم، وأدرك وهو في سن مبكرة حظاً وافرا من العلم، حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: "لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام".

وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نَوَّه فيها بشأنه وفهمه الجيد، ورُزِقَ مع قوة الحفظ سرعة الكتابة؛ بحيث إنه يخط كراساً بخطٍّ واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يُحيِّرُ أصحابه.

المحطةُ الرَّابعة: مسيرتُهُ العلِميَّةُ: وفيها بيانُ نشأتهِ العلميةِ، و رحلاتهِ العلميةِ للحجازِ والعراقِ و الأحساءِ، ومشايخه وتلاميذهِ ومؤلفاتهِ:

(أ)- نشأته العلمية:

نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشأة علمية؛ فأبوه القاضي كان يحثه على طلب العلم ويرشده إلى طريق المعرفة، ومكتبة جده العلامة القاضي سليمان بن علي بأيديهم، وعمه إبراهيم أكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب، فيلتقي به ابن أخيه محمد بن عبد الوهاب ويأخذ عنه، وبعض أقارب الشيخ الآخرين من آل مشرف وغيرهم من طلاب العلم، وبيتهم في الغالب ملتقى طلاب العلم وخواص الفقهاء، لاسيما الوافدين، باعتباره بيت القاضي، وكان يتخلل اجتماعاتهم ولقاءاتهم مناقشات ومباحث علمية يحضرها محمد بن عبد الوهاب، وهو قد أنعم الله عليه بالإدراك العميق، والحفظ القوي، والذكاء الممتاز، والرغبة الطموح، والجد في اكتساب معالي الغايات وإن كانت بعيدة؛ كُلُّ ذلك جعل له الحظ الوافر والبلغة العظيمة من العلم النافع والميراث النبوي الكريم.

كما أنَّ همته العالية وطموحه الوثَّاب كان يحفزه على البحث الدائب، والدراسة المتواصلة، والتفكير النافع، والمناقشة البناءة مع العلماء والطلبة وغيرهم؛ فلا يقنع بما اقتنع به سابقوه ويقتنع به معاصروه.

وكان لبيئة الشيخ- رحمه الله - أثرٌ كبيرٌ في مسيرتهِ العلمية؛ إذ أبصر واقع الناسِ من حولهِ؛ وما كانوا عليه في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عَرفه من الحق على يد أبيه ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح.

وهاهنا اختار الشيخ - رحمه الله - وجزاه خيراً- أن يسيرَ في خطى الرسل- عليهم الصلاة والسلام- بدعوة الناس وتعليمهم؛ فقام لله قومة تزلزلت لها جبال الجاهلية وانقشعت بها غيوم الباطل وشبهاته؛ فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله، وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين.

وأخذ - رحمه الله - يُنكرُ ما شاعَ في مجتمعه من شركياتٍ وبدعٍ وخرافاتٍ؛ مِمَّا جعله في مواجهة للمعارضة من علماء السوء، وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل؛ فكان كل ذلك يزيد تفكيره وحرصه على تحصيل العلم وإدراك الحق؛ ولذا كان قرارهُ التأريخي أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول، الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة.

(ب)- رحلاتهِ العلميةِ للحجازِ والعراقِ والأحساءِ:

رحل الشيخ- رحمه الله - إلى مكة وحجَّ، ثم إلى المدينة، وتلقى فيها على بعض المشايخ، ثم عاد إلى العيينة، ثم رحل إلى مكة وأقام بها، وتلقى فيها عن بعض المشايخ، ثم إلى المدينة، وأطال المكث فيها، ورأى ما أفزعه من الأعمال المنافية للشرع عند حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ خرج منها- بعد أن أقام فيها ما شاء الله يطلب العلم- إلى نجد، ومن نجد تجهز إلى البصرة يريد الشام، فلما وصل البصرة؛ جلس فيها يقرأ عند عالم من أهل المجموعة (قرية من قرى البصرة) في مدرسة فيها.

ثم إنَّ الشيخ - رحمه الله تعالى -بعد رحلته إلى البصرة رحل إلى الأحساء، ثم رجع من الأحساء إلى البصرة، ثُمَّ خرج منها إلى نجد قاصداً الحج، فحجَّ - رحمه الله -، فلما قضى الحج؛ وقف في الملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصداً المدينة مع الحجاج يُريد الشام، فعرض له بعض سراق الحجيج، فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجُّوا رأسه، وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج، فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها، ثم رجع إلى نجد، فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد.

شيوخه:

أَمَّا شيوخه الذين تعلَّم على أيديهم واستفاد منهم؛ فهم على النحو الآتي:

أولاً: في نجد:

والده: الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي.

والشيخ الثاني هو الشيخ إبراهيم ابن الشيخ سليمان بن علي، وأخذ عنهما جملةً من العلوم وبخاصةً علم الفقه.

ثانياً: في الحجاز:

(أ)- في مكة:

الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلا، المكي مولدا ومدفنا، الشافعي، مسند الحجاز، عمدة المحققين، وأخذ عنه علم الحديث روايةً ودرايةً.

(ب)- في المدينة النبوية:

• الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف، من آل سيف: رؤساء بلد المجمعة، والد إبراهيم مصنف "العذب الفائض شرح ألفية الفرائض، وأخذ عنه العلم في فنون شتى ولا سيما علم الحديث والعربية.

• الشيخ الإمام العالم الكبير المحدث محمد حياة بن إبراهيم السندي المدني، أحد العلماء المشهورين الربانيين وعظماء المحدثين، والذي كان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص العبادة لله، والتخلص من رقِّ التقليد الأعمى، والاشتغال بالكتاب والسنة.

• الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي، وأخذ عنه علم الحديث.

• الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفي الداغستاني. وأخذ عنه علم الحديث إجازةً.

وعن الشيخ عبد الكريم أفندي الداغستاني، وهو ابن عم الشيخ علي أفندي المتقدم ذكره، وكذلك أخذ عن الشيخ محمد البرهاني، وعن الشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، وحرَّرَ على أيديهم علم التوحيد، فأقروه على ذلك.

ثالثًا: في البصرة:

جالس علماء البصرة ومنهم الشيخ الجليل: محمد المجموعي، وتميَّز بالأخذ عمن لا يُتهم في حقه بالكذب والزور، وسمعَ منهم الحديث والفقه والنحو، وصنَّف في البصرة "كتاب التوحيد"؛ أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث.

رابعاً: في الأحساء:

وجد في الأحساء فحول العلماء؛ منهم: الشيخ عبد الله بن فيروز أبو محمد الكفيف، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سُرَّ به، وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.

ومنهم كذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي القاضي.

(جـ)- تلاميذه:

تلاميذ الشيخ الإمام- رحمه الله - كثرةٌ كاثرةٌ لا يُحصي عددهم إلا الله - سبحانه وتعالى -؛ لكننا سنذكر هنا ما تتلمذَ على يدِ الشيخ- رحمه الله - بشكلٍ مباشرٍ؛ حتى صارَ من أهل العلم والقضاء، وهم على سبيل المثال لا الحصرِ:

1- الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أخذ عن أبيه، واستكمل فنون العلم، وفاق بالمعرفة أقرانه، توفي سنة (1224 هـ).

2- الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أخذ عن أبيه، فكان آية في العلم ومعرفته ومعرفة فنونه، ولد في الدرعية سنة (1165 هـ)، وتوفي بمصر سنة (1242 هـ).

3- ابنه الثالث الشيخ علي: فكان عالما جليلا ورعا دينا فقيها يضرب به المثل في بلد الدرعية.

يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف: "الغالب على الظن أنَّ الشيخ علِيًّا تُوفي سنة (1245 هـ) بمصر".

4- الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن عمر: فكان عالماً جليلاً، وتُوفي في مكة المكرمة سنة (1225 هـ).

5- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصيني الناصري التميمي: فقد أخذ عن الشيخ وعن أبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولاً عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلده شقراء، وتوفي - رحمه الله - في 12 رجب سنة (1237 هـ).

6- الشيخ سعيد بن حجي: رحل إلى الدرعية، فقرأ على الشيخ، كما أخذ عن ابني الشيخ حسين وعبد الله، وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية، توفي عام (1229 هـ).

7- الشيخ محمد بن سويلم، وُلد في الدرعية ونشأ فيها، فأخذ يتلقى العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله.

قال ابن بسام: "ولم أقف على تاريخ وفاته - رحمه الله -".

8- الشيخ عبد الرحمن بن خميس، الإمام في قصر آل سعود.

9- الشيخ عبد الرحمن بن نامي، وُلد في مدينة العيينة، ونشأ بها، ثم قرأ على علمائها، وكان ممن استجاب لدعوة الشيخ محمد إلى عقيدة السلف الصالح، فهاجر إليه في الدرعية، وقرأ عليه، واستفاد منه.

10- الشيخ محمد بن سلطان العوسجي، وُلد في بلدة ثادق، ونشأ فيها، ثم رحل إلى الدرعية، فشرع في القراءة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -؛ حتى حَصَّلَ في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول هذه العلوم، وتُوفي في الأحساء عام 1223 هـ.

(د)- مؤلفات الشيخ:

ذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في ترجمته للشيخ في الجزء الثاني عشر من "الدرر السنية" من مؤلفاته ما يلي:

1- "كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد".

2- كتاب "كشف الشبهات".

3- كتاب "أصول الإيمان".

4- كتاب "فضائل الإسلام".

5- كتاب "فضائل القرآن".

6- كتاب "السيرة المختصرة".

7- كتاب "السيرة المطولة".

8- كتاب "مجموع الحديث على أبواب الفقه".

9- كتاب "مختصر الإنصاف والشرح الكبير".

10- كتاب "مختصر الصواعق".

11- كتاب "مختصر فتح الباري".

12- كتاب "مختصر الهدي".

13- كتاب "مختصر العقل والنقل".

14- كتاب "مختصر المنهاج".

15- كتاب "مختصر الإيمان".

16- كتاب "آداب المشي إلى الصلاة".

5- المحطةُ الخامسةُ: الجهودُ الباهرةُ للشَّيخِ الإمامِ محمدِ بنِ عبد الوهابِ- رحمه الله - في جانبِ التعليمِ والدَّعوةِ في سبيلِ نشرِ عقيدةِ السَّلفِ الصَّالحِ واستعدادهِ لذلكَ:

(أ)- الشيخ الإمام في حريملاء:

في حريملاء بعد وفاة أبيه- رحمه الله - أعلن بالدعوة والإنكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهل البلد مالوا معه، واشتهر بذلك، وانتظم في سلكه رجال فحول، قرأوا عليه كتب الحديث والفقه والتفسير، وحقق لهم منهج الدعوة إلى الله أتم التحقيق، وكان - رحمه الله - يعلن بالتوحيد ويدعو إليه، وينادي بإبطال دعاء غير الله، وينكر على من يمارسه جهارا إذ لم يكف الإسرار، وينصح من عدل عن الحق بأسلوب سديد، ويزجر الناس عموماً عن الشرك والفساد، وجد واجتهد في تعليم الواجب، وبذل المناصحة للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام، وإقامة سنة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وكشف الشبه، ودحض المفتريات، وتحذير الناس - إنْ داموا على ما هم فيه- وقوع النقمة والعذاب؛ كُلُّ ذلك قياماً بأمانة العلم، رغبة فيما عند الله، وما أعده - تعالى -للقائمين بذلك، وخشية من الوقوع في الوعيد الوارد في كتمان العلم.

وكان الشيخ - رحمه الله - قد أعطاه الله استعدادا قويا، فلم يخف في الله لومة لائم، وصار له توكل على ربه واعتصام به، فلم يبال بجحافل الأعداء، وجهامة الباطل وكيد شياطين الجن والإنس، ووحي بعضهم إلى بعض بزخرف القول وغروره، وما رموه به من القوادح والمفتريات، وما صوبوا له من سهام البغي والحسد والتكبر والتجبر، وأقام - رحمه الله - في بلد حريملاء على هذه الصفة سنين، فاشتهر حاله في جميع بلدان العارض في حريملاء والعيينة والدرعية والرياض ومنفوحة، وجعل الله لدعوته قبولا في هذه البلدان، وهو لا يزال في حريملاء، فكان له في كل بلد من هذه البلدان أتباع؛ كما أن له معارضين وأعداء حسب سنة الله - تعالى -.

ولقد قبل دعوة الشيخ أناس لهم مكانتهم في بلدانهم كالأمير(عثمان بن معمر)، وكان يفد إليه الناس من جميع ما حوله ممن سمع به وهو مقيم في حريملاء، ويسمعون بيانه ودروسه، حتى كثر محبوه وتابعوه، وانضم لدعوته جم غفير.

ولكن حريملاء كانت غير صالحة لأن تكون منطلقاً للدعوة إلى الله تعالى؛ فقد كان رؤساؤها منقسمين إلى قبيلتين، أصلهما قبيلة واحدة، وكل منهم يدعي أن القول له، وليس للأخرى على الثانية قول، وما كان لحريملاء رئيس يزع الجميع ويجنبهم هذا الاختلاف، وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين، كثير تعديهم وفسقهم، فأراد الشيخ أن يمنعوا عن الفساد، وينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يحصل ذلك؛ لعدم وجود الرئيس الوازع، بل إن هؤلاء العبيد المفسدين في الأرض هموا أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه بالليل سرا، فلما تسوروا عليه الجدارَ؛علم بهم أناس، فصاحوا بهم، فهربوا، فانتقل الشيخ بعدها من حريملاء إلى العيينة.

(ب)- الشيخُ الإمام في العيينة:

أدرك الشيخ الإمام- رحمه الله - براسخِ فقهه، وثاقبِ نظرهِ أنَّ السياسة الشرعية في بناء البيئة الإسلامية وهدم البيئة الجاهلية تقتضي البحث عن أمير قوي لا يُنازع؛ بحيثُ تكونُ له السيادة وحسن السياسة وتدبير الملك والرعية وجودة الرأي والفكرة، مع هذا يكون بصيراً في الدين، يدين بالإسلام، ويقتنع بصحة الدعوة إليه والقيام بنصرته.

وكان عثمان بن معمر أمير العيينة ممن تتوفر فيهم صفة الأمير، وكان الشيخ قد أبلغه الدعوة إلى التوحيد؛ فكان المرشح من قبل الشيخ لسد الحاجة إلى أمير يحمي منجزات الدعوة بسيفه، وينشرها بقيادته وجهاده ونصرته، فانتقل إلى العيينة، واختارها منطلقا للدعوة، وتلقاه أميرها (عثمان بن حمد بن عبد الله بن معمر) بعد أخيه محمد بن حمد الملقب (خرفاش) بالقبول وأكرمه، واقتنع بدعوته، وأعلن ذلك بين رجاله المقربين، وتزوج الشيخ عمته الجوهرة بنت عبد الله بن معمر، وكانت ذات مكانة عالية.

وعرض الشيخ الإمام - رحمه الله - على الأمير عثمان بن معمر شأن الدعوة وحمايتها وبيَّن له خطورة هذا الشأن وأهميته وقيمته العظمى، ورشحه لمقام الإمامة فيه، فقال له بعد أن استعرض ما قام به ودعا إليه من التوحيد ورغب إليه في نصرة دين الله: "إني أرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله؛ أن يظهرك الله - تعالى -، وتملك نجداً وأعرابها".

فقام عثمان وساعد الشيخ، فأعلن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهل العيينة، واجتهد في ذلك، وأمر الناس بالاتباع، وعدم المشاقة له والنزاع، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره وكلامه، ويسلكوا سبل الاستقامة، ويظهروا توقيره وإكرامه، فكان بعد ذلك الأمر والإلزام، وصدور ذلك الاعتناء التام، وشدة الرغبة والاهتمام، وإبداء التعظيم له والاحتشام، تسمع أقواله وتطاع، وتملأ الصدور والأسماع، فصار للزيغ ارتداع وقمع وإقلاع، وللحق والهدى أتباع؛ ففشا الدين في بلدان العارض المعروفة، وأكثرهم قلوبهم عن ذلك النور مصروفة، وعلى ما كانوا عليه من الأمور المألوفة ملازمة محبوسة موقوفة.

ولكن الشيخ الإمام- رحمه الله - لم يصبر على الإقامة بذلك المكان مع مشاهدته فيه الأوثان، فعند ذلك؛ أمر الشيخ محمد الأمير عثمان بهدم القبب والمساجد المبنية في الجبيلة على قبور الصحابة، وقطع الأشجار التي كانت الخلق لها في كل ساعة منتابة؛ فبادر عثمان لذلك وامتثل، وخرج الشيخ معه وجماعتهم على عجل، وخرجوا بالمعاول، والكل للأجر آمل؛ فهدموا تلك المساجد، وأزالوا رفيع المشاهد، وأزالوا جميع المحظور عن جميع تلك القبور، وعدلت على السنن المشروع، واندرس الأمر الممنوع، وهدم رفيع ذلك البناء، وبطل ذلك التعظيم لها والاعتناء.

وقد أثارت هذه الأعمال المباركة حفيظة علماء السوء من خصوم الشيخ- رحمه الله -، ولَمَّا لم يستطيعوا الصمود للشيخ في ميدان الحجة والبرهان، وغلبهم بيان الحق وأسكتهم برهانه عن الرد عليه ومناظرته، ودُحضت حججهم، وكُشفت شبهاتهم، وهم قد أشربوا محبة ما اعتادوه ووجدوا عليه مجتمعهم وكبراءهم وأسلافهم من الآباء والأجداد من الشرك والفسوق وأكل الربا والسحت؛ فلجأوا إلى الافتراء والكذب والمكر والحيل، والاستعانة بتخويف الملوك والحكام وأصحاب المناصب؛ من فوات حظهم بظهوره، فكتبوا إلى رئيس الأحساء وبني خالد: (سليمان بن محمد)؛ لعلمهم أنَّ ثمّت علاقة وطيدةً بينَه وبين أمير العيينة؛ فهو يدور في فلكه، وله عنده خراج ومصالح، وينقاد إلى أمره، فقالوا لأمير الأحساء فيما قالوه من الأكاذيب: إن عثمان بن معمر قد آوى مطوعاً يريد إخراجكم من ملككم وإثارة الناس عليكم، وأقل ما يقوله للعامة: إن المكوس والعشور التي يأخذها الأمراء باطلة لا يقرها الدين، وها هو يرجم كذلك امرأة من أجل الزنى بغير إذن منكم... إلى غير هذا من التحريش والبهتان وإثارة الملوك بما يثيرهم ويخوفهم مهما كان.

فكتب سليمان إلى عثمان يأمره بقتله، أو إجلائه عنوطنه؛ وألزم عليه وشدَّد وهدَّد.

فما كان منه إلا أنِ انهزم أمام تهديد(ابن غرير)، ولم يثبت على المبدأ والعهد، فخذَّل الشيخ، واستجاب لداعي الشيطان، وقال للشيخ- رحمه الله - حين وصله كتاب (سليمان): إنه أتانا خط من سليمان قائد الأحساء، وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه، فقال له الشيخ: إنَّ هذا الذي أنا قمتُ به ودعوتُ إليه كلمة لا إله إلا الله وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته؛فإنَّ الله - سبحانه - يُظهرك على أعدائك؛ فلا يُزعجك سليمان ولا يُفزعك، فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك به بلاده، وما وراءها وما دونها.

فاستحيى عثمان وأعرض عنه، ثم تعاظم في صدره أمر صاحب الأحساء وباع بالآجل العاجل، فأرسلَ إلى الشيخ ثانياً، وقال: إنَّ سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره؛ لأنَّهُ لا طاقةَ لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا؛ فشأنك ونفسك وخل بلادنا.

أما الشيخ؛ فإنه كان رغم ما جرى له من خذلان ابن معمر له على ثقة من ربه، وقد قوَّى الله إيمانه حتى صغر في نفسه وفي ميزان إيمانه بعقيدة السلف الصالح أمر صاحب الأحساء وخذلان ابن معمر له وإخراجه من الوطن والمال والأهل والمسكن، وبقي لديه إيمانه بصحة عقيدة السلف الصالح، وأنَّ الله ناصر دينه، وبقي حسن الظن بالله - تعالى -والثقة به وحده لا شريك له.

(جـ)- الشيخُ الإمام في الدرعية: لما وصل الشيخ بلد الدرعية؛ دخلها من أعلاها وقت العصر، فنزل على عبد الله بن سويلم تلك الليلة، فأقام عنده ذلك اليوم، ولعله هو الذي تبَّرم بوجود الشيخ عنده؛ خوفا على نفسه من محمد بن سعود.

ثم إن الشيخ انتقل من عنده إلى بيت تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم، فَعَلِمَ به خواصٌّ من أهل الدرعية، فزاروه خفية، ورأوه لا يزال على سبيل الرسول ثابتاً، يدعو إلى الله على بصيرة، ويقرر لهم التوحيد الذي هو أساس الدين، والذي وقعت فيه الخصومة، فاستقرَّ التوحيد في قلوب هؤلاء الخواصِّ؛ فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته، فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضى بنت أبي وهطان من آل كثير وأخيه ثنيان الضرير، وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة، فأخبروهما بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلوبهما معرفة التوحيد، وقذف الله في قلوبهما محبة الشيخ.

اللقاء التأريخي بالأمير الراشد:

دخل محمد بن سعود على زوجته، فأخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة؛ فاغتنم ما خصَّك الله به. فقبل قولها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان وأخوه مشاري، وأشاروا عليه بمساعدته ونصرته، وألقى الله - سبحانه - في قلبه للشيخ محبة، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا: سِرْ إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه. فقام محمد بن سعود من فوره، وسار إليه ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فدخلوا عليه في بيت أحمد بن سويلم، فسلَّم عليه، ورحب به، وأبدى غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعزِّ والمنعة. فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين؛ وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بها ونصرها؛ ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم لبعض؛ فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك.

وهكذا تم اللقاء التاريخي، وحصلت البيعة المباركة على ذلك.

ولما استقر الشيخ في الدرعية، ومنع، ونصر، وجهر بالدعوة إلى الله - تعالى -معزَّزاً ينشر التوحيد، وساعده على ذلك الأمير محمد بن سعود بكل ما لديه؛ بلا فتور ولا ضجر، وقام مع الأمير كذلك وزراؤه، وأعوانه، وأنصاره من أهل الدرعية، وإخوانه، ومن مشاهيرهم: ثنيان ابن سعود، ومشاري بن سعود، وفرحان بن سعود، والشيخ أحمد بن سويلم، والشيخ عيسى بن قاسم، ومحمد الحزيمي، وعبد الله بن دغيثر، وسليمان الوشيقري، وحمد بن حسين، وأخوه محمد، وغيرهم؛ فجرَّدوا للدعوة هممهم وعزائمهم، وقاموا بها من غير كسل ولا تهاون، وكانت بداية هذه القومة في سنة (1157هـ).

وبقي الشيخ - رحمه الله - على مناصحة الناس، وعرض الحق وبيانه، وكشف الشبه عنه، قريباً من سنتين وكان أهل الدرعية في غاية الجهالة، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام وهم يومئذ في غاية الضعف وضيق المئونة فتخوَّلهم الشيخ بتعليمهم وتلقينهم التوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمر بتعلم معنى لا إله إلا الله، وأنها نفي وإثبات؛ ف- (لا إله: تنفي جميع المعبودات، (وإلا الله): تثبت العبادة لله وحده لا شريك له، ثم أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول وهي: معرفة الله - تعالى -بآياته ومخلوقاته الدالة على ربوبيته وإلهيته، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والسحاب المسخر بين السماء والأرض وما عليها من الأدلة من القرآن، ومعرفة الإسلام، وأنه تسليم الأمر لله، وهو الانقياد لأمر الله، والانزجار عن مناهيه، ومعرفة أركانه التي بني عليها، وما عليها من الأدلة من القرآن، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسمه ونسبه ومبعثه وهجرته، ومعرفة أول ما دعا إليه، وهي: لا إله إلا الله، ثم معرفة البعث، وأنَّ من أنكره أو شكَّ فيه؛ فهو كافر، وما على ذلك من الأدلة من القرآن والسنة، ومعرفة دين محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهو التوحيد، ودين أبي جهل وأتباعه، وهو الشرك بالله - تعالى -.

فلما استقرَّ في قلوبهم معرفة التوحيد بعد الجهالة، أشرب في قلوبهم محبة الشيخ، وأحبوا المهاجرين، وآووهم.

6- المحطة السَّادسة: آثارُ الدَّعْوةِ و مآلاتُهَا العظيمةُ في داخلٍ نجدٍ وفي خَارِجِهَا: في اليمنِ والشَّامِ والعراقِ وفارس والهندِ ومصرَ:

(أ)- في اليمن:

يذكر محمد رشيد رضا أنَّ علماء السنة في اليمن قد بلغهم كل ما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله - تعالى -، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره، وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث؛ كما نراه في كتبهم.

يقول الأمير الصنعاني بين يدي قصيدته الدالية المشهورة التي مطلعها:

سلام على نجد ومن حل في نجد = وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي.

(ب)- في الشام:

لا ريب أنَّ لدعوة الشيخ وأنصاره عليها أثر كبير في نشر عقيدة السلف الصالح في الشام، وتمكين الله أنصارها في الأرض، ونصرهم لما نصروا دين الله ورسوله.

ونَجِدُ من علماء الشام الشيخ (محمد بهجة البيطار)، الذي عيَّنه الملك عبد العزيز - رحمه الله - مديراً لدار التوحيد بالطائف أول ما أنشئت، ومن مؤلفاته كتاب "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، محاضرات ومقالات ودراسات "، ونشره المكتب الإسلامي بدمشق عام 1380 هـ، ويرد في هذا الكتاب على ألفريد غيوم في كتابه "الإسلام" ترجمة محمد مصطفى هدارة والدكتور شوقي اليماني السكري، الطبعة الأولى سنة 1958 م بالقاهرة.

ومنْ رَدِّه عليه ما جاء في (ص 100) من كتابه، وهو قوله: " في المملكة الوهابية؛ حيث يسود المذهب الوهابي".

قال محمد بهجة البيطار: "الجواب: ليس للوهابية ولا للإمام محمد بن عبد الوهاب مذهب خاص، ولكنه - رحمه الله - كان مجدِّداً لدعوة الإسلام، ومتبعاً لمذهب أحمد بن محمد بن حنبل".

وللمكتب الإسلامي في دمشق وبيروت الذي يشرف عليه الشيخ(زهير الشاويش) نشاط ملموس في طبع ونشر مؤلفات الشيخ وسائر مؤلفات السلف الصالح.

ونقتطف هاهنا تعليقاً للأمير(شكيب أرسلان) من أهل الشام على الوهابية - على حد تعبيره إذْ يقولُ ما نصُّه: "ولكن المقرر أنها حركة إنابة إلى العقيدة الحق وهدي السلف الصالح، واقتفاء أثر الرسول والصحابة، ونبذ الخرافات والبدع، وحظر الاستغاثة بغير الله، ومنع التمسح بالقبور والتعبد عند مقامات الأولياء، ولذلك يُسَمُّونها عقيدة السلف، ويلقب الوهابيون أنفسهم سلفيين، وأكثر اعتمادهم في الاجتهاد على الإمام أحمد بن حنبل، والإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية".

وشكيب أرسلان عضو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وكانت له صلة وثيقة بمحمد رشيد رضا، وقد قابل الملك عبد العزيز أثناء رحلته إلى الحجاز سنة 1354 هـ، وقال:

"لله در الملك ابن سعود؛ يقول: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين، ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين، وهو كلام أصاب كبد الصواب؛ فإنه ما مِنْ فتحٍ فتحه الأجانب من بلاد المسلمين؛ إلا كان نصفه أو قِسمٌ منه على أيدي ناس من المسلمين، منهم من تجسَّس للأجانب على قومه، ومنهم من بثَّ لهم الدِّعاية بين قومه، ومنهم من سلَّ لهم السيف في وجه قومه، وأسال في خدمتهم دم قومه".

وقال محمد رشيد رضا مضيفاً إلى ما نقله شكيب أرسلان عن الملك عبد العزيز من كلام صائبٍ؛ أنه في حفل حافلٍ بحجاج الأقطار، وقد طالب مصري أزهري الملك عبد العزيز بمحاربة الإنكليز والفرنسيين المعتدين على المسلمين، ذاكراً عداوتهم لهم، فقال الملك عبد العزيز: "الإنكليز والفرنسيين معذورون إذا عادونا؛ لأنه لا يجمعنا بهم جنس ولا دين ولا لغة ولا مصلحة، ولكنَّ المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين أصبحوا أعداء أنفسهم، وأنا والله لا أخاف الأجانب، وإنما أخاف من المسلمين، فلو حاربت الإنكليز، لما حاربوني إلا بجيش من المسلمين".

وهذا محمد كرد علي من أهل الشام في كتابه "القديم والحديث" منتقيات من مقالاته، وهو عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق يقول: "وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم؛ فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، وما يتهمهم به أعداؤهم؛ فزورٌ لا أصل له".

(جـ)- في الخليج العربي:

نجد في قطر أنَّ حكامه آل ثاني كانوا يُسهمون إسهاماً كبيراً في طبع مؤلفات علماء السلف الصالح، ولا تنكر صلتهم الوثيقة بأنصار عقيدة الشيخ من قديم، وكان في قطر من العلماء الذين يحملون عقيدة سلفية سليمة ولهم جهدٌ لا يُنكر في ذلك الأثر الحميد؛ كالشيخ محمد ابن عبد العزيز بن مانع، الذي كان مديراً عاماً للمعارف في المملكة العربية السعودية، ثم طلبه أخيراً حكام قطر ليستفيدوا من علمه، ويشير عليهم بما كانوا متقبلين له من نصر لعقيدة السلف الصالح، ونشر لكتبهم؛ كـ"مجموعة التوحيد النجدية" وكتب فقه الحنابلة وغيرهم.

وأخيرا، فإِنَّ هناكَ كتاباً للشيخ(أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي) قاضي المحكمة الشرعية بقطر، قدَّم له وصحَّحه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وأمر بطبعه الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1395 هـ، وهو عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه، وهو كتاب علمي جيد، من أجود ما كتب في هذا الموضوع.

أما عن أثرها في البحرين:

فهناك قصة طريفة جرت إبان نكبة الدرعية والتجاء بعض علماء الدعوة إلى البحرين وإلى عمان وغيرهما.

قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب" تأليف الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر في قصة تأليف الكتاب المذكور ما ملخصه: إنَّ الإنكليز أرسلوا مندوباً إلى البحرين من القسس؛ ليعمل على بثِّ الدعاية النصرانية وشكوكها لفتنة الناس في البحرين عن دينهم؛ فقام ذلك القسيس بتأليف كتاب ضمَّنه شبهاتهم حول الإسلام، ودفعه إلى أمير البحرين عبد الله بن خليفة، وطلب منه أن يعرضه على المشايخ ليقولوا رأيهم، فردَّ عليه الشيخ عبد العزيز بن حمد آل معمر بكتابه "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب"، ودفعه إلى أمير البحرين، ففرح به الأمير أشد الفرح، ودعا القنصل الإنكليزي القسيس، وأعطاه الردَّ؛ فاندهش جداً؛ لأنه كان يظن عجز علماء البحرين، ثم قال: "هذا الرد لا يكون من هنا، وإنما هو من البحر النجدي.

(د)- في العراقِ:

وإذا جاوزنا الخليح إلى العراق، فإننا نجد مدرسة أهل السنة والجماعة يتصدرها آل الألوسي أمثال العلامة نعمان خير الدين الألوسي والعلامة محمود شكري الألوسي وكان لهم نشاط في إحياء الكتب الدينية ونشر مذهب السلف، وله اليد الطولى في إذاعتها ونشرها، وكان يرى أن مذهب السلف هو الواسطة الوحيدة لتحرير العقول من رِقِّ التعصب الذميم.

كما كان لهم القدح المعلى في الذبِّ عن حياض دعوة الشيخ الإمام- رحمه الله - وما أُثيرَ حولها من شبهاتٍ؛إذ يقول العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي في مؤلفه "تاريخ نجد": "اعلم أنَّ أهل نجد كلهم مسلمون مُوحِّدون، بل وجميع سكنة جزيرة العرب، وقد دخلوا في الإسلام في العصر الأول عند ظهور أنوار الشريعة الغراء، وهم على عقائد السلف الصالح".

ثم ذَكَرَ اعتقادهم في الله - تعالى -، وَذَكَرَ اعتقادهم في الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - واعتقادهم في الآل والأصحاب، إلى أن قال: "والحاصل أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة الجماعة، وأنَّ طريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل الأحكم".

إلى أن قال: "وأما ما يُكذب عليهم ستراً للحق وتلبيساً على الخلق؛ بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي وأنه ليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنَّهم لا يعتمدون أقوال العلماء، وأنهم يُتلفون مؤلفات أهل المذاهب؛ لكون الحق والباطل فيها، وأنهم مجسمة، وأنهم يكفرون الناس على الإطلاق من بعد الست مئة إلى هذا الزمان؛ إلا من كان على ما هم عليه، وأنهم لا يقبلون بيعة أحد؛ إلا إذا أقرَّ عليه أنه كان مشركا، وأنَّ أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله - تعالى -عليه وسلم، وأنهم يحرمون زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأنهم لا يرون حقًّا لأهل البيت، وأنهم يجبرونهم على تزويج غير الكفء لهم... إلى غير ذلك من الافتراءات؛ فكلُّ ذلك زور عليهم وبهتان وكذب محض من خصومهم أهل البدع والضلال".

(هـ)- فارس والهندِ:

وإذا تجاوزنا العراق وعرَّجنا على فارس في طريقنا إلى الهند؛ فإننا نجد في لنجة - بلد من البلدان الفارسية - الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان يَردُّ على بعض قصائد الملحدين المعادين للشيخ، ويثني خلال ذلك على الشيخ بقصيدة هذا مطلعها:

جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي ***في سب دين الهاشمي محمد

ومن فارس إلى الهند، نجد علماء السنة في الهند قد بلغهم ما يقوله دحلان وأمثاله في الشيخ، فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله - تعالى -، وكما هو منهج أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح، فظهر لهم أنَّ الطاعنين في الشيخ مفترون لا أمانة لهم، فأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره، وعدُّوه من أئمة المصلحين المجددين للإسلام، ومن فقهاء الحديث؛ كما نراه في كتبهم، وكما قال محمد رشيد رضا.

ومن هذه الكتب: كتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، تأليف العلامة الكبير المحدث الفقيه النحرير (محمد بشير السهسواني الهندي).

وقد تناظر الشيخ محمد بشير والشيخ أحمد دحلان مفتي مكة في مسألة التوحيد، فكتب الشيخ رَدًّا عليه كتابه المسمَّى: "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، واشتهر الكتاب، وطَبَعَه علماء نجدٍ، ولم يرد عليه أحد من المخالفين.

وفي كتابٍ بعنوان: "حركة الانطلاق الفكري بالهند وجهود الشاه ولي الدهلوي" تأليف محمد إسماعيل السلفي وتعريب مقتدي حسن الأعظمي؛ يقول: "إنَّ تسمية ما هم عليه بالوهابية كذب محض وافتراء عظيم، فالمركز الرئيسي للوهابيين الحجاز ونجد"، ويقولون: "إنهم هم الذين أخذوا علم الحديث من الهند، أو استفادوا من العلامة حياة السندي والحافظ الشوكاني في الحديث؛ فكأنَّ الوهابيين أيضا قد أخذوا السلفية من الهند أو اليمن والحجاز".

وكانت تُطبعُ بعض مؤلفات الشيخ بالهند و "تاريخ ابن غنام"، وينتشر هناك ما ينتشر من ذلك، ولهذا أثر كبير في بثِّ الوعي الإسلامي السليم والعقيدة السلفية في الهند.

(و)- في مصر:

أَمَّا مصرُ؛ فكانتْ تزخرُ بعواملِ النهضة العلميةِ منْ وجودِ عددٍ من المطابعِ والمجلاتِ وأهلِ العلمِ والدَّعوةِ، ومنِ تلكَ المطابعِ المهمةِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ:

1- مطبعة المنار بمصر، و "مجلة المنار" بمصر، وصاحبها محمد رشيد رضا، يقبل الخير، ويتجاوب مع الملك عبد العزيز في نشر مؤلفات وآثار علماء الدعوة، وعلى رأسهم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.

فهذه "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" أربعة مجلدات كبار، وغيرها، وكثير من كتب السلف الصالح في الفقه والتفسير والحديث، وغير ذلك، بلغ المجلدات الكبار، وبلغ قدرا كبيرا من ذلك، كان له أثر كبير في بث الوعي بين المسلمين، ونشر ضالتهم من الحق في تلك المؤلفات السلفية، ومحمد رشيد رضا يخدمها بالتعليق والإشراف على طبعها، وكانت له مواقف حميدة، وكتابات منصفة، وبيانات للحق ناصعة في مجلته الكبيرة "مجلة المنار" التي بلغت ما يربو على عشرين مجلدا، واستمر صدورها سنين عديدة، وكان ينشر دفاعا مجيدا عن دعوة السلف الصالح، وما يدفعه إلى ذلك إلا تأثره بعقيدة السلف الصالح، وتطلعه إلى نهضة المسلمين إذا استيقظوا من غفلتهم إلى دينهم بهذه العقيدة السليمة.

2- مطبعةِ جماعة أنصار السنة المحمدية ورئيسها محمد حامد الفقي؛ فقد كان لهم دور في بث العقيدة السلفية، ونشر كتب عقيدة السلف الصالح، وبيان الحق، والرد على طوائف الصوفية المنحرفة عن السنة، وكان لرئيس جماعة أنصار السنة المحمدية الشيخ محمد حامد الفقي نشاط خاص في هذا المجال، وله كتاب سماه "أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها" كتبه وتحدث به في نادي جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وهذا النادي يحضره كثير من المصريين وغيرهم، وقد نفع الله به، وطبع عام 1354 هـ بمطبعة النهضة بشارع عبد العزيز بمصر.

ومن أبرز المشايخ الذي كان له دفاع عن دعوة الشيخ - رحمه الله -: الشيخ الدكتور محمد خليل هراس، فقد كتب عن منهج الشيخ وأنصاره، وسمى ما كتبه: "الحركة الوهابية" وهو رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقده للوهابية، وطبعته الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1396 هـ.

3- دار الطباعة المنيرية في القاهرة: ولا ننسى محمد منير بن عبده آغا النقلي الدمشقي الأزهري، صاحب هذه الدارِ العامرةِ، تفقه في الأزهر سلفيا، وأصبح من علمائه، وأنشأ دار الطباعة المنيرية 1337 ه-، ونشر كثيرا من المصنفات القديمة والحديثة، وصنف كتاب "نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة المطبعة المنيرية"، مطبوع، أنجزه في شعبان 1358 هـ، وله "إرشاد الراغبين في الكشف عن آي القرآن المبين"، مطبوع، وتوفي بالقاهرة وله "المجموعة المنيرية"، وهي مجموعة رسائل سلفية لشيخ الإسلام ابن تيمية والصنعاني والشوكاني والصابوني وأبو محمد الجويني وغيرهم، وسماها "المجموعة المنيرية"، وله عليها تعليقات، وقد خدم كثيرا من رسائل السلف خاصة ومؤلفاتهم، ومن ذلك مجموعة بعنوان "الأصول الثلاثة وأدلتها، ويليها شروط الصلاة وواجباتها وأركانها، والقواعد الأربع، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، علق عليها وصحح أصولها وكساها حواشي مفيدة محمد منير الدمشقي، طبعت في القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية"؛ بلا تاريخ ومنها: "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، نشر المكتبة القيمة بمباي والقاهرة دار الطباعة المنيرية سنة 1344 هـ "ومنها: "كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب، علق عليه وصححه محمد منير الدمشقي"، وفي ذيله نبذة في الحث على اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما للمعلق، طبع القاهرة في إدارة الطباعة المنيرية سنة 1351 هـ".

4- المطبعة السلفية ومكتبتها وصاحبها محب الدين الخطيب، وقد طَبَعتْ كثيراً من كتب السلف الصالح، مع التحقيق والعناية، من ذلك طبعهم ل "مجموعة التوحيد النجدية" وعنايتهم بها، ولا زالت حتى بعد وفاة مؤسسها تحت إشراف ابنه قصي.

5- مطبعة المدني المؤسسة السعودية في مصر وغيرها من المطابع التي تطبع آثار الشيخ ومؤلفاته وسائر مؤلفات السلف الصالح مما يكون له تأثير في نشر العقيدة السلفية.

7- المحطةُ السَّابعةُ: أبرزُ افتراءاتِ المناوِئينَ للدَّعوةِ التَّجديدِيَّةِ الإصلاحِيَّةِ وشبهاتِهم، ونَقْضُهَا والرَّدُّ عليها:

• فريةُ أَنَّ دعوةِ الشيخِ الإمامِ- رحمه الله - كانتْ دعوةً موغلةً في التَّطرفِ والغلو؛ إلى درجة تَلُّوثِها بـ (تكفيرِ) المسلمينَ الخارجينَ عن نطاقِ الدَّعوةِ الإصلاحيةِ، واستباحةِ دمائِهم؛ استناداً على ذلكَ:

الرَّدُّ عليها:

الرَّدُّ على هذه الفريةِ المنكرةِ الآثمةِ، سيكونُ من وجهينِ اثنينِ:

أولهما: رَدُّ الشيخِ الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله - نفسهِ على هذه الفرية.

والآخرُ: رَدُّ أنصارهِ وأبنائهِ، وأحفادهِ وتلامذتهِ على هذه الفريةِ.

أَمَّا رَدُّ الشيخِ الإمام- رحمه الله - فقد تعدَّدَ وتنوَّعِ بشكل كبيرٍ جِدًّا، وكانَ على شكلِ رسائلَ أو أجوبةٍ يُوجِّهها للسائلينَ، وهي على النحو الآتي:

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ لأهل الرياض ومنفوحه - رحمه الله -:

"وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، كيف تفعلون كذا. فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ لأحد مطاوعة ثرمداء:

"وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ لأهل القصيمِ رَدًّا على ابن سحيم:

"والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: أني أقول: إنَّ الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري، وأني أكفر من حلف بغير الله.. جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ لحمد التويجري:

"وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبيّن له الحجة على بطلان الشرك…".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ للشريف:

"وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ لأحدِ علماء المدينة:

"فإن قال قائلهم أنهم يكفرون بالعموم فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفّر أهل التوحيد".

• رسالةُ الشيخِ الإمامِ إلى إسماعيل الجراعي صاحب اليمن:

"وأما القول بأنّا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم".

• جواب الشيخِ الإمامِ للشيخِ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي:

"وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون.. ".

2- رَدُّ أنصارهِ وأبنائهِ وأحفادهِ وتلامذتهِ على هذه الفريةِ:

• يقولُ الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله -:

"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله … فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك (سبحانك هذا بهتان عظيم)، فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعياً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله - تعالى -بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة".

• يقولُ الشيخ عبد العزيز بن حمد سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -:

"وأما السؤال الثاني وهو قولكم: من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم، وهل داره دار كفر وحرب على العموم الخ.

فنقول وبالله التوفيق: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما عنه نهى وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم كما يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولم نكفر أحداً دان بالإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى".

• يقولُ الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (أحد أحفادِ الشيخ)- رحمه الله - في رَدِّهِ على عثمان بن منصور:

"هذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة من المبعث النبوي إلى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه، بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم، والشيخ - رحمه الله - لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب - أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات - مجمع عليه المسلمين لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن مناهجهم".

• يقولُ الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن تورع جده الشيخ الإمام - رحمه الله - عن التكفير:

"والشيخ محمد - رحمه الله - من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها".

• كما يؤكد الشيخ عبد اللطيف- رحمه الله - أنَّ من عرف سيرة الشيخ الإمامِ محمد بن عبد الوهاب، أدرك براءته من تلك الفرية الكاذبة فيقول - رحمه الله -:

"كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالاً للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهياً عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، والشيخ - رحمه الله - لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين".

• يقولُ الشيخ صالح بن محمد الشتر- يرحمه الله -:

"وأما ما ادعاه أعداءه المعاصرون له أنه كفر بالعموم، أو يكفر بالذنوب أو يقاتل من لا يستحق قتلاً، أو يستحل دمه وماله، فالجواب أن نقول سبحانك هذا بهتان عظيم، ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبرأ فيهن مما نسب إليه أعداؤه وأن مذهبه مذهب السلف الصالح".

• يقولُ الشيخ السهسوان- يرحمه الله -:

"هذا كله افتراء بلا ريب على الشيخ، يعرفه من له رائحة من الإيمان والعلم والعقل".

• ويقول أيضاً - رَدًّا على بعضِ الأقوالِ الَّتي فيها قذفُ الشيخ الإمام بتكفير الناس-: "الجواب على هذه الأقوال كلها أنها على طولها وكثرتها كاذبة خبيثة فلا تعجبك كثرة الخبيث".

• يقولُ الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ- رحمه الله - في رَدِّهِ على الشريف في قضية استباحةِ الوهابيةِ للحرمينِ الشريفينِ:

"وأما استباحة هذين البلدين الشريفين، فكلّ أحد يعرف أن هذا من الكذب والبهت البيِّن. قال - تعالى -: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)[النحل: 105].

لم يقع فيهما قتال بحمد الله، فضلاً عن الاستباحة. وفي الحديث: "إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وإنما دخلها المسلمون في حال أمن وصلح، وانقياد من شريف مكة ورؤساء المدينة. وجلس المشايخ بالحرمين الشريفين للتعليم والتدريس.

وكتبت الرسائل في بيان التوحيد والتنزيه عن التقديس، حتى جاءت دولة الأتراك فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً.

... ولا يجوز أن يُسَمَّى ما وقع استباحة للحرمين. كما قاله هذا المفتري. كيف وقد وقع من تعظيم الحرمين وكسوة الكعبة الشريفة، وتأمين السبل والحج إلى بيت الله وزيارة الحرم الشريف النبوي ما لا يخفى على منصف عرف الحال، ولم يقصد البهت والضلال؟ ".

• يقولُ الشيخ محمد رشيد رضا:

"كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم، وأنا لم أعلم حقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والإطلاع على تاريخ الجبرتي وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولاسيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذاً لتجدد مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفاً من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى".

• وقال أيضاً- رحمه الله -:

"ونحن كنا نصدق هذه الإشاعات التي أشاعتها السياسة التركية عنهم تصديقاً لابن عابدين وأمثاله، وقد طبعت كتبهم وكتب أنصارهم في عصرنا فلا عذر لأحد في تصديق الحشوية والمبتدعة وأهل الأهواء فيهم.

وقد ذكرتُ هذه الإشاعات مرة بمجلس الأستاذ الكبير الشيخ أبي الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في إدارة المعاهد الدينية فاستحضرت لهم نسخاً من كتب الهدية السنية؛ فراجعها الشيخ الأكبر وعنده طائفة من أشهر علماء الأزهر فاعترفوا بأن ما فيها هو عين مذهب جمهور أهل السنة والجماعة".

• فرية أَنَّ نجدَ اليمامةِ قرنُ الشيطانِ:

رَدُّ الشيخ عبد الرحمن بن حسن- رحمه الله - على هذه الفرية بقوله:

(.. الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم بارك لنا في يمننا. اللهم بارك لنا في شامنا) الحديث.. قيل إنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة … وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.

وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون الحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس).

إلى أن قال - رحمه الله -: "فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذُمَّ اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة …، وما ضرَّ المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومعقل الإسلام، ما ذُمَّت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشدة عدواتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه..".

ويقرر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث فقال:

"إنَّ المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يُوضِّحه أن في بعض طرق هذا الحديث: وأشار إلى العراق)، قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الداوودي: أن نجداً من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر قال: يا أهل العراق ما أسألَكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسَّر المراد بالإشارة الحسيّة، وقد جاء صريحاً في (المعجم الكبير) للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد..".

• فريةُ أَنَّ دعوةَ الشيخِ الإمامِ- رحمه الله - تَضَمَّنَتْ انتقاصاً لمقامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المنيفِ الشَّريفِ، وإدعاء صاحبها النبوة:

قد أوضح الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - معتقده في مسألة ختم النبوة في مواضع من مؤلفاته، منها ما ورد في رسالته لأهل القصيم لما سألوه عن عقيدته فقال - بكل وضوح -:

"وأومن بأن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته)، بل إن الشيخ - رحمه الله - يصرح بأكثر من ذلك بعبارة موجزة، فيقول في ذكر الحقوق الواجبة على كل مسلم:

"وأعظمها حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله وأنه خاتم النبيين، وتعلم أنك لو ترفع أحداً من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافراً".

وقد أورد الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالته التي بعثها إلى أهالي الحجاز وجنوب الجزيرة العربية، اعتقاد أئمة الدعوة السلفية في نجد، فكان مما قاله - رحمه الله - في مسألة ختم النبوة: (ونؤمن بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين).

ويقول الشيخ - رحمه الله - عن بعثة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:

"ولما أراد الله - سبحانه - إظهار توحيده وإكمال دينه وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى بعث محمداً خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، ومازال في كل جيل مشهوراً، وفي توراة موسى وإنجيل عيسى مذكوراً، إلى أن أخرج تلك الدرة بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فترة من الرسل وهداه إلى أقوم السبل، فكان له - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الدالة على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصره.. ".

ويتحدث الشيخ الإمام عن معنى شهادة أن محمداً رسول الله فيقول:

"ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع".

فلا يتحقق معنى شهادة أن محمداً رسول الله إلا بتمام الاتباع وكمال الاقتداء، بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ويقول الشيخ مشيراً إلى بعض خصائص المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:

"فرسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - هو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وأدم فمن دونه تحت لوائه".

ولا نملك في نهاية الرد على هذا الإفك المبين إلا أن نتمثَّلَ قول الله - عز وجل -: ? سبحانك هذا بهتان عظيم ?.

• فريةُ أَنَّ دعوةَ الشيخِ الإمامِ- رحمه الله - أعلنتِ الحربَ الشَّعواءَ على الأولياءِ والصَّالحينِ وأنكرتْ كراماتهم:

قرَّر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - إثباته لكرامات الأولياء، فيقول بكل صراحة ووضوح:

"وأُقِرُّ بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله - تعالى -شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله".

ويقول أيضاً: (وقوله: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) إلى آخره. هذا وحي إلهام، ففيه إثبات كرامات الأولياء).





ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب الواجب في حق أولياء الله الصالحين، فيقول: ".. الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين".

ويؤكد أتباع الدعوة - من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - هذا الاعتقاد ويقررونه.

فنجد أن الإمام عبد العزيز الأول يُشير إلى حقوق أولياء الله، مع بيان الفرق بين الولي الحق، وبين مدعي الولاية - كذباً وزوراً - فقال - رحمه الله -: "وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم، ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله - تعالى -، أو ليدفعوا عنهم سوءاً لا يقدر على دفعه إلا هو - عز وجل -، فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله - تعالى –وتقدس".

• فريةُ وجودِ أيدٍ أجنبيةٍ ساهمتْ بشكلٍ كبيرٍ في صناعةِ الدَّعوةِ الإصلاحيةِ؛ لتكونَ خنجراً مسموماً يطعنُ في جسدِ الأُمَّةِ الإسلاميةِ:

أصلُ هذه الفريةِ المنكرةِ الآثمةِ جَاءَ عَنْ خُرافةٍ أشَاعَهَا الرَّافضةُ فيما يُسمَّى بـ(مذكراتِ همفر)؛ فقد زعموا أنَّ (همفر) هذا كان جاسوساً بريطانياً، واتصل بالشيخِ الإمامِ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله -، واستطاعَ بدهائه وذكائهِ أن يُجَنِّدَ الشيخ- رحمه الله - لحسابِ المخابراتِ البريطانيةِ.

هكذا زَعَمَ الرَّافضةُ- قَبَّحهم الله- زوراً وافتراءً، و الرَّدُّ على هذه الفريةِ المنكرةِ الآثمةِ، سيكونُ من وجوهٍ عديدةٍ:

الوجهُ الأَوَّلُ: ما ورد في هذه (المذكرات) هو محضُ هُراءٍ، وكلامٌ عارٍ عن الدليل، لا ينطلي إلا على أحد رجلين:

الأول: جاهل جهلاً مركباً، غبيٌّ لا يُفرِّق ما بين الألفِ والياءِ.

والثاني: صاحب هوىً مبتدع، عدوُّ لدعوة التوحيد.

الوجهُ الثاني: شهد ببراءة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثبت أن همفر شخصية وهمية؛ أحد خصوم دعوة الشيخ المباركة وأحد أعداء الدعوة السلفية ألا وهو (حسن بن فرحان المالكي)؛ إذ قالَ:

"أما اتهام الوهابية بأنهم صنيعة بريطانية بناء على مذكرات رجل بريطاني اشتهرت كثيراً عبر منتديات الإنترنت فهي باطلة، وكان ذلك البريطاني الذي نسبت إليه المذكرة واسمه "همفر" قد زعم فيها أنه التقى الشيخ في البصرة وأنه وجهه إلى نجد نكاية بالدولة العثمانية.. إلخ.

فهذا من البهتان الباطل المكشوف لأسباب أهمها:

الأول: أن الشيخ وأئمة آل سعود "محمد وابنه عبد العزيز" لبثوا يحاربون الرياض ودخنة ومنفوحة وتلك الأحياء القريبة من الدرعية ما يزيد على عشرين سنة، ولو كان عندهم دعم بريطاني لما لبثوا في حرب تلك المدن والأحياء القريبة إلا أياماً أو شهوراً على أبعد تقدير.

الثاني: مذكرات ذلك البريطاني المسمى "همفر" لا تصح، وقد أخبرني بعض الإخوة من الشيعة المعتدلين أن الذي وضعها هو أحد المراجع الشيعة الإمامية نكاية بالوهابية وعندي اسم ذلك الشيخ الإمامي الذي وضع تلك المذكرة على لسان همفر، وقد ذكر ما يمكن أن يدل على أن واضع تلك المذكرة هو الشيخ الشيعي".

الوجه الثالث: رسائل الإمام المجدد (محمد بن عبد الوهاب) - رحمه الله - ومؤلفاته مطبوعة على النحو التالي:

القسم الأول: العقيدة؛ مجلد. القسم الثاني: الفقه؛ مجلدان. القسم الثالث: "مختصر سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -"، والفتاوى؛ مجلد. القسم الرابع: التفسير، ومختصر "زاد المعاد"؛ مجلد. القسم الخامس: الرسائل الشخصية؛ مجلد. قسم الحديث: خمس مجلدات. ملحق المصنفات؛ مجلد.





فهذه (اثنا عشر مجلداً)، جمعَتها لجنة علمية متخصصة، منبثقة من جامعة (الإمام محمد بن سعود الإسلامية)، وصنَّفها وأعدَّها للتصحيح تمهيداً لطبعها: الدكتور (عبدالعزيز بن زيد الرومي)، والدكتور (محمد بلتاجي)، والدكتور (سيد حجاب)، وطبعت (بمطابع الرياض).

فمن كان طالباً للحقِّ؛ فعليه أن يُقارِن بين كلام الإمام - رحمه الله - وبين كلام خصومه، فهذه كتبه ورسائله مطبوعة، وسيجدُ يقيناً أن الشيخ الإمامَ- رحمه الله - هُوَ أبعدُ النَّاس عن هذه الفريةِ وعن هذا الإفكِ المبينِ.

الوجه الرابع: بِتَتَبُّع التواريخ المذكورة في (المذكرات) يظهر لنا أنَّ (همفر!!) لَمَّا التقى بالشيخ - رحمه الله -؛ كان عمر الشيخ - الافتراضي - وقتئذ (عشر سنين!!)، وهذا أمر لا يتناسب - بل يتناقض - مع ما ذُكر في المذكرات (ص30).

الوجه الخامس: ذُكر في (المذكرات) (ص100) أن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) - رحمه الله - أظهر دعوته في سنة (1143) هجرية، وهذا كذب واضح؛ حيث إن تاريخ إعلان الشيخ - رحمه الله - دعوته هو نفسه التاريخ الذي توفي فيه والده، وهو سنة (1153هـ)، فانظر إلى هذا التفاوت الواضح في التاريخ.

الوجهُ السَّادسُ: إنَّ موقف (الحكومة البريطانية) من دعوة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب)؛ ليس التأييد والدعم؛ وإنما هو العداء والمحاربة.

الوجهُ السَّابع: لا نَجِدُ ذكراً لهذه (المذكرات) في سالف الزمان؛ رغم حرص أعداء هذه (الدَّعوة المُباركة) على تشويهها، ونشر كل ما يُسيء إليها، وخروجها في هذا الوقت المُتأخر دليل على افترائها وتلفيقها.

الوجهُ الثَّامنُ: (همفر) هذا (نكرةٌ) لا يُعرَف؛ فأين هي المعلومات التفصيليَّة عنه؛ من حيث اسمُه، ورتبتُه، وما يتعلق بوظيفته ومهمَّتِه من كتب ووثائق (الحكومة البريطانية)؟!



الوجهُ التَّاسعُ: إنَّ الذي يقرأ هذه (المذكرات) يجزم بأنَّ مؤلفها ليس نصرانياً؛ لوجود كثير من العبارات التي فيها الطعن والانتقاص (بالدّين النصراني) و(الإنجليز) أنفسهم، وبعض العبارات التي فيها مدح (الإسلام)؛ من ذلك على سبيل المثال- انظر: (ص14، 15، 16، 24، 26، 48، 50، 66).

الوجهُ العاشرُ: النسختان المطبوعتان ترجمةٌ لهذه (المذكرات)، لم يُذكر فيهما أية معلومات عن هذه (المذكرات)؛ من حيث النسخة الأصلية التي تُرجمَت عنها، وهل هي مطبوعة أم مخطوطة؟! وبأيّ لغةٍ؟!

الوجهُ الحادي عشر: المُترجِمُ نكرة؛ ففي النسخة (أ) لم يُذكر عنه أيُّ شيء، وفي النسخة (ب) رمز له بـ(د. م. ع. خ)!!

الوجهُ الثَّاني عشر: كثرة الفروق بين (النسختين) (المترجمتين)، وبعضها فروق جوهرية.

الوجهُ الثَّالثُ عشر: اتَّفقت (النسختان) على كتابة تاريخ (2/1/ 1973) في نهاية (المذكرات)؛ وهذا التاريخ لا أدري ما هو: هل هو تاريخ كتابة هذه (المذكرات) من (همفر) - كما هو ظاهر -!! وهذا يؤكد كذب هذه المذكرات؛ إذ إنَّ وفاة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) - رحمه الله - قبل هذا التاريخ بـأعوام كثيرة!

أم هو تاريخ افتراء واختلاق هذه (المذكرات)؟!!

الوجهُ الرَّابعُ عشر: شهادة أعداء الشيخ - رحمه الله -؛ من مسلمين وكفار تنفي عنه ما في هذه المذكرات، وهذا أمر مستفيض، ولو تتبعناه لطال بنا البحث.

• شبهةُ خروجِ الشَّيخِ الإمامِ على دولةِ الخلافةِ العثمانيةِ:

هاهنا تساؤلٌ في غاية الأهمية؛ جواباً عن هذه الشبهة:

هل كانت نجد موطن هذه الدعوة ومحل نشأتها تحت سيطرة دولة الخلافة العثمانية؟

يجيب الدكتور صالح العبود على هذا السؤال فيقول:

(لم تشهد نجد على العموم نفوذاً للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في الزمان، الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها (قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان) يعني قوانين آل عثمان في ما يتضمنه دفتر (الديوان) ألفها - يمين علي أفندي - الذي كان أميناً للدفاتر الخاقاني سنة 1018ه- الموافقة 1609م من خلال هذه الرسالة يتبين أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثون إيالة، منها أربع عشرة إيالة عربية، وبلاد نجد ليست معها ما عدا الإحساء إن اعتبرناه من نجد.. ).

ويقول الدكتور عبد الله العثيمين:

(ومهما يكن فإن نجداً لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قوياً - بفرض وجوده- على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت، فلا نفوذ بني جبر، أو بني خالد في بعض جهاتها، ولا نفوذ الأشراف في بعض جهاتها الأخرى أحدث نوعاً من الاستقرار السياسي، فالحروب بين البلدان النجدية ظلت قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة استمر حاداً عنيفاً).

وأجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على ذلك الاعتراض، بقوله - رحمه الله -: (لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية - فيما أعلم وأعتقد -، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية - مهما صغرت - أمير مستقل … وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرج على أوضاع فاسدة في بلده، فجاهد في الله حق جهاده وصابر وثابر حتى امتد نور هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى …).



• شبهةُ خروجِ الدعوةِ في عقيدتها في توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ عنْ منهجِ أهلِ السنةِ والجماعةِ، واتِّهامها بالتجسيمِ والتشبيهِ:

يقرِّر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - عقيدته في باب الأسماء والصفات فيقول - بكل وضوح: -

"ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف، ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله - سبحانه وتعالى - ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته - تعالى -بصفات خلقه، لأنه - تعالى -لا سمّي له ولا كفؤ له، ولا ندَّ له ولا يقاس بخلقه، فإنه - سبحانه - أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه - سبحانه - عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل. فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين).

وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلّم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد رسول الله).

ويقول أيضا - رحمه الله - في بيان توحيد الأسماء والصفات:

(و ? قل هو الله أحد ? متضمنة لما يجب إثباته له - تعالى -من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل، فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له، أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشريك…).

ويُثني الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - على جده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ثناءً حسناً؛ لما كان عليه من سلامة المعتقد، وتمام الاتباع للسلف الصالح في باب الأسماء والصفات، فيقول الشيخ عبد اللطيف:

(ولهذا المجدد علامة يعرفها المتوسمون، وينكرها المبطلون، أوضحها وأجلاها وأصدقها وأولاها، محبة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين، وقواعده المهمة التي أصلها الأصيل وأسها الأكبر الجليل معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا تحريف ومن غير تكييف ولا تمثيل).

 8- المحطةُ الثَّامنةُ: شَهَادَاتُ المُنْصِفِينَ مِنْ عُقَلاءِ الغَرْبِيِّينَ عَلَى أَصَالَةِ هَذِهِ الدَّعْوةِ وَنَقَائِهَا:

شَهِدَ المنصفونَ مِنْ عقلاءِ الغربِ بأصالةِ هذه الدَّعوةِ وانتمائِها للحقِّ المبينِ؛ وبِأَنَّها انبثقتْ مِنْ رَحِمَ الإسلامِ العظيمِ: إليه تدعو وعنه تنافحُ، وبأَنَّها لم تكنُ في يومٍ من أَيَّامها صنيعةَ أيدٍ خارجيةٍ أجنبيةٍ.

كَمَا شَهِدُوا كَذَلِكَ بنقاءِ الدَّعوةِ وصفائِها؛ وأَنَّها لَمْ تُلَّوثْ بأيِّ لونٍ من ألوانِ التَّلويثِ من تكفيرٍ للمسلمينَ، أو إراقةٍ لدمائهم، أو غيرِ ذلكَ.

وها نحنُ الآنَ نُلقي الضوءَ على بعضِ هذهِ الشهاداتِ منْ بابِ قولِ القائلِ:

ومليحةٍ شهدت لها ضَرَّاتُها *** والفضلُ ما شهدتْ به الأعداءُ

جاء في «دائرة المعارف البريطانية»: «الحركة الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح».

وقال المستشرق الأسباني «أرمانو»: «إن كل ما أُلصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق؛ فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة محمد» - صلى الله عليه وسلم -.

وقال المستشرق «جولدتسيهر» في كتابه «العقيدة والشريعة»: «إذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية: يجب على كل من ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي وأصحابه؛ فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان»ا. هـ.

وقال بوكهارت: "وما الوهابية- إن شئنا أن نصفَها- إلا الإسلام في طهارته الأولى".

وقال: "لكي نصف الدين الوهابي؛ فإنَّ ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية-؛ ولذا فإِنَّ علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أي هرطقةٍ- أي بدعةٍ أو خروجاً عن الدِّين- في الوهابية".

وقال المؤرخ الفرنسي الشهير"سيديو" ما معناه:

"إن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود، وبانضمامِ جميع العرب إليهما؛ لأَنَّ قيامهما كان لإحياء كلمة الدِّينِ، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضموا إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم، ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر- رضي الله عنه-؛ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحاتٌ إسلاميةٌ ترجعُ أوروبا منها في خسرانٍ عظيمٍ؛ فحرضتا الدولة العلية على حربهم، وهي فوَّضت ذلك إلى محمد علي باشا".

ويقولُ بوركهاردت: "ومع هذا فإنَّ الوهابيينَ لم يعلنوا الحربَ على الحكومتينِ القريبتينِ منهم حكومة بغداد في الشمالِ، وحكومة الحجاز في الجنوب، ولم يعتدوا على حقوقهما".

ويقول الراهب هيوجس- رَادًّا على فريةِ انتهاكِ الوهابيةِ للدَّمِ الحرامِ في بيتِ اللهِ الحرامِ-:

"لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرمِ، وبعد أن تولَّى الإمارة أهلُ نجدٍ عمرت المساجدُ حتَّى أَنَّ هذا المنظرَ منَ الزُّهدِ والطَّاعةِ لم يُرَ له مثيلٌ في هذا البلد الأمينِ بعد عهد النبوة".





وتقولُ الباحثةُ(نت): "من خلال قراءتي المتعمقة لفكر الشيخ وجدتُ أَنَّ فكره ضد الإرهابِ بكلِّ أشكالهِ ولو كان- رحمه الله - موجوداً بيننا الآن لم يكن ليسعه إلا أن يشجبَ هذه الأعمالَ، أقولُ هذا من خلال فكرهِ الذي تعمقتُ فيه وقرأتُهُ بتبصُّرٍ... لقد علَّمَ الشيخ محمدٌ اتباعَهُ أَنَّ اللهَ هُو إله الرَّحمةِ والعطفِ، ويتوقَّعُ من المسلمينَ أن يكونوا رحماء عطوفينَ في تعاملهم مع غيرهم من البشرِ".

7- المحطةُ التَّاسعةُ: (الأخيرةُ): وفاتهُ- رحمه الله -، وثناءُ العلماءِ عليهِ:

وفي عام (1206ه-) تُوفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -.

قال ابن غنام: "كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كانت وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر"وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم، ولقد كان للشيخ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة، على اعتبار أن ولادته كانت في سنة (1115هـ)، وتُوفي ولم يُخلِّف ديناراً ولا درهماً، فلم يُوزِّعْ بين ورثته مال ولم يقسم. وقد رثاه الشعراء، وأثنى عليه العلماء.

قال ابن قاسم عن يوم جنازته: "وكان يوماً مشهوداً، وتزاحم الناس على سريره، وصلُّوا عليه في بلدة الدرعية، وخرج الناس مع جنازته؛ الكبير والصغير".

وقد رثاه الشعراء، وأثنى عليه العلماء، وتداول الرسائل فيه المسلمون؛ وممن رثاه من أهل العلم:

الشيخ المؤرخ (حسين بن غنام)، والشيخ الإمام الشوكاني -رحمه الله - عالم اليمن.

فَرَحِمَ اللهُ الشيخَ محمد بن عبد الوهاب، وجزاهُ خيراً عن الإسلام والمسلمين، وإنَّهُ لحقيقٌ أَنْ يُقالَ عنه: إِنَّهُ شيخ الإسلام وإمام المسلمين الَّذي جَدَّدَ اللهُ بهِ الملَّةَ، ورفعَ بهِ لواءَ التَّوحيدِ والسُّنَّةِ.



________________

فهرس المصادر والمراجع

1- آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب (سجل ببليوجرافي، مادة رقم 18، ص 25 ومادة رقم 52).

2- الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد، الشيخ سليمان بن سحمان.

3 - الأعلام، الزركلي.

4- الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ، عبد الله بن سعد الرويشد.

5- البيان الواضح لأسرة الشيخ، عبد الله بن إبراهيم بن عبد العزيز آل الشيخ.

6- تاريخ الشيخ ابن منقور، أحمد بن محمد المنقور.

7- تاريخ نجد، حسين بن غنام، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد.

8- حاضر العالم الإسلامي، تأليف: لوثروب ستودارد، ترجمة عجاج نويهض، تعليق شكيب أرسلان.

9- خواطر حول الوهابية، محمد بن إسماعيل المقدم.

10- الدرر السنية.

11- دعاوى المناوئينَ لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- عرض ونقد-، عبد العزيز بن محمد بن عبد اللطيف.

12- الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين، الطبعة الثالثة عام 1971 م.

13- الرسائل والمسائل النجدية.

14- روضة الأفكار، ابن غنام.

15- الشيخ محمد، الدكتور العثيمين.

16- الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحمد ابن حجر آل بوطامي.

17- صيانة الإنسان...، محمد بشير السهسواني، الطبعة الخامسة- مقدمة محمد رشيد رضا للكتاب.

18- عجائب الآثار في التراجم والأخبار - الجزء الأول، حوادث سنة 1172 ه-، طبع دار الفارس (بيروت) بدون تاريخ.

19- عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، صالح بن عبدالله بن عبد الرحمن العبود.

20- علماء نجد خلال ستة قرون، ابن بسام.

21- عنوان المجد، ابن بشر.

22- قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حسن فرحان.

23- كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام، الشيخ سليمان بن سحمان.

24- لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، الأمير شكيب أرسلان.

25- مؤلفات الشيخ الإمام (الرسائل الشخصية) تصحيح الفوزان والعليقي، الرياض.

26- مجلة الأصالة- الأعداد (31)، و(32)، و(33) في دراسةٍ قَيِّمةٍ للأستاذ مالك بن حسين - حفظه الله - تحت عنوان: " مذكرات (همفر) في الميزان".

27- مجلة الجامعة السلفية: صوت الجامعة، السنة السادسة، العدد الأول، شعبان عام 1394 هـ.

28- المجددون في الإسلام، عبد المتعال الصعيدي.

29- مجلة راية الإسلام: العدد الأول.

30- مجموعة مؤلفات الشيخ.

31- مجموعة الرسائل والمسائل.

32- محمد بن عبد الوهاب، مسعود الندوي.

33- مصباح الظلام.

34- من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي، تلخيص محمد أديب غالب.

35- منهاج التأسيس.

36- محاضرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ عبد العزيز بن باز.

37- ندوة تجديد الفكر الإسلامي، ألقيت في قاعة المحاضرات بجامعة الملك سعود، 1402هـ، (مسجلة على أشرطة كاسيت).

38- نديم الأدب، لأحمد بن سعيد البغدادي.

39- الهدية السنية.

الفتح أبن خاقان الاديب الكاتب

(480-529هـ/1087-1134م)

    أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن عبد الله القيسي الإشبيلي. أديب وكاتب وشاعر. ولد في إشبيلية وفيها نشأ وترعرع. أخذ العلم عن طائفة من أدباء عصره، ومنهم ابن الّلبانة (ت 507هـ) وأبو محمد بن عبدون (ت529هـ) وغيرهما، ولما كبر وبلغ مبلغ الرجال أصبح من أشهر كتّاب الأندلس، وكان كثير الأسفار والرحلات، تنقل بين ربوع الأندلس والمغرب ومدنهما، وكانت براعته في النثر أكثر من الشعر، واتفق كتّاب عصره ومؤرخوه، على أن نثره كان «كالسحر الحلال والماء الزلال».


    ويـبدو أن أحد أسباب أسفاره ورحلاته الكثيرة، هو هجاؤه للأعيان والشعراء والوزراء، فقد كان ثابت الجنان شجاعاً في نقدهم وهجائهم ووصفهم بما يسيء إليهم، سواء أكان ذلك الوصف صادقاً أم غير صادق، وقيل إن أحكامه ووصفه وترجماته كانت بحسب رضاه أو سخطه على الموصوف أو المترجم له.


     ويروون عنه أنه لما عزم على تصنيف كتابه «قلائد العقيان» جعل يرسل إلى كل واحد من ملوك أهل الأندلس ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر والبلاغة، يعرفه عزمه، ويسأله إنفاذ شيء من شعره ونثره ليذكر في كتابه.
      وكانوا يعرفون شرّه، فكانوا يخافونه وينفذون إليه ذلك مع صرر الدنانير، فكل من أرضته صِلته، أحسن في كتابه وصفه وصفته، وكل من تغافل عن برِّه هجاه. وكان ممن أرسل إليهم - أبو بكر ابن باجه المعروف بابن الصائغ - وكان وزير ابن فَلْويِتَ صاحب المريّة، وكان ابن الصائغ هذا أحد الأعيان، وأركان العلم والبيان، شديد العناية بعلم الأوائل، وكانوا يشبّهونه في المغرب بابن سينا في المشرق، وله كتب في المنطق وغيره.
    فلما وصلته رسالة ابن خاقان، لم يلتفت إليها ولم يعرها اهتمامه، ولم يرسل إليه ما طلب، ويبدو أن هذا أغضب ابن خاقان، فجعله في خاتمة كتابه، ووصفه وصفاً سيئاً بل ذمّه ذمّاً قبيحاً، ويبدو أنه لم يستطع إنكار فضله كل الإنكار فقال في ختام ترجمته: «وله نظم أجاد فيه بعض الإجادة، وشارف الإحسان أو كاده».
    ولما بلغ ذلك ابن الصائغ، رأى أن يسترضيه، فأرسل إليه مالاً، وطلب منه أن يكف عن هجائه وأن يصالحه.
    وقد أرضى هذا ابن خاقان فيما يبدو،فلما كتب كتابه «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» افتتحه بذكر ابن الصائغ، وأثنى عليه ثناء جميلاً
ومدحه قائلاً: «الوزير أبو بكر بن الصائغ هو بَدْرُ فهمٍ ساطعٌ، وبرهان علم لكل حجّةٍ قاطعٌ، تفوّحت بعطره الأعصار، وتطيّبت بذكره الأمصار... مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها».
    كما كتب ابن خاقان رسائل كثيرة، جمعت في كتابه «مجموع رسائل»، ومنها رسالته البليغة التي أرسلها إلى أبي بكر بن علي  بن تاشفين حين ولِّي إشبيلية، وقد جاء فيها:
«أطال الله بقاء الأمير الأجل أبي بكر، للأرض يتملكها، ويستدير بسعده فلكها، استبشر الملك وحقّ له الاستبشار، وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار، بما اتفق من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حُبِيَ منك بملكٍ أمضى من السهم المسدد، طويل نجاد السيف رحب المقلد (سعة الصدر)، يقدم حيث يتأخر الذابل (الرمح أو حامله) ويكرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة بن مُكَدَّم، ويسقي الظبا نجيعاً كلون العندم (زهر أحمر) فهنيئاً للأندلس لقد استردت عهد خلفائها، واستمدت تلك الإمامة بعد إغفائها والله تعالى أسأله انتصار أيامك،وبه أرجو انتشار أعلامك… والسلام».
    وللفتح بن خاقان شعر كثير، ومن أحسن ما نظم قوله يذكر مسقط رأسه إشبيلية ويحنّ إليها:
ويحكِ يا سَلْمَ لا تراعي
لا بـدّ للبين من مساع
لا تحسبيني صَبَرْتُ إلا
كصبر مَيْتٍ على النـزاع
ما خلق الله من عذاب
أشـدّ من وقفة الوداع
إن يفترق شملنا وشيكاً
من بعد ما كان في اجتماع
    قُتل ابن خاقان ذبحاً، في نحو الخمسين من عمره، وهو بعيد عن وطنه، ويقال إن الذي أشار بقتله أمير المسلمين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين .
     خلّف ابن خاقان خمسة كتب طبع منها ثلاثة وهي: «قلائد العقيان» في أخبار شعراء المغرب، و«مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس»، ورسالة في «ترجمة ابن السّيد البَطَلْيَوْسي».
    والكتابان الآخران مفقودان ولا يُعرف سوى اسميهما وهما: «راية المحاسن وغاية المحاسن»، و«مجموع رسائل».

الشيخ عبد العزيز بن باز

الشيخ عبد العزيز بن باز

ولد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في مدينة الرياض، في الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام (1330هـ) في بيت علم وفضل وجدّ في طلب الرزق الحلال عن طريق الزراعة والتجارة، فآل باز أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة معروفة بالفضل والأخلاق، قال الشيخ: سليمان بن حمدان - رحمه الله - في كتابه حول تراجم الحنابلة: أن أصلهم من المدينة النبوية، وأن أحد أجدادهم انتقل منها إلى الدرعية، ثم انتقلوا منها إلى حوطة بني تميم.

كان الشيخ عبد العزيز بن باز بصيراً في أول حياته، ثم أصابه المرض في عينيه عام (1346هـ) وأخذ في الضعف تدريجياً حتى فقد بصره كلياً في مستهل محرم من عام (1350 هـ) وعمره قريب من العشرين عاما؛ قال الشيخ: " والحمد لله على ذلك، وأسأل الله - جل وعلا - أن يعوضني عنه بالبصيرة في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة، كما وعد بذلك - سبحانه - على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أسأله - سبحانه - أن يجعل العاقبة حميدة في الدنيا والآخرة".

ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - حفظه الله - قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر أربعة أمور: -

«الأمر الأول»: حسن الثواب، وعظيم الأجر من الله - سبحانه وتعالى -، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله - تعالى -يقول: «إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة» [1].

«الأمر الثاني»: قوة الذاكرة، والذكاء المفرط، فالشيخ - رعاه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.

«الأمر الثالث»: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ - أعانه الله - متزهد فيها أشد الزهد، وتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله - سبحانه وتعالى -.

«الأمر الرابع»: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال، وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب، وحبا للعلم، وسلوكا للسنة، وسيرا على المحجة، وذكاء في الفؤاد.

توفي أبوه وهو طفل صغير، ولهذا فإنه لا يعرفه ولا يتذكر ملامحه.

وتوفيت أمه عام (1355هـ) وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبموتها فقد الكثير، وهو الكفيف الذي أصيب بالعمى قبل موتها بست سنين، ومن في الناس كالأم.

من أخبار سماحة الشيخ في صباه

مما يُذْكَر أنه كان في صباه ضعيف البنية، وأنه لم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة، ذكر ذلك ابنه الشيخ أحمد.

وكان سماحة الشيخ معروفاً بالتقى والمسارعة إلى الخيرات، والمواظبة على الطاعات منذ نعومة أظفاره.

وقد ذكر الشيخ سعد بن عبد المحسن الباز - وهو قريب لسماحة الشيخ ويكبره بعشر سنوات - ذكر أن سماحة الشيخ منذ نعومة أظفاره كان شاباً تقياً سباقاً إلى أفعال الخير، وأن مكانه دائماً في روضة المسجد وعمره ثلاثة عشر عاماً.

ومن الأخبار المعروفة عن سماحة الشيخ ابن باز في صباه أنه كان معروفاً بالجود والكرم.

وقد ذكر الشيخ سعد بن عبد المحسن الباز - رحمه الله - أن سماحة الشيخ عبد العزيز وهو طالب عند المشايخ- إذا سلم عليه أحد دعاه إلى غدائه، أو عشائه، ولم يكن يحتقر شيئاً يقدمه لضيوفه ويجعل الله في الطعام خيراً كثيراً.

أَلِفَ المروَّة مُذْ نشا فكأنه *** سُقي اللَّبانَ بها صبياً مُرْضَعا

ومن أخباره في صباه أنه كان يكتب، ويقرأ ويعلق على الكتب قبل أن يذهب بصره.

وقد قيل ذات مرة لسماحة الشيخ: سمعنا أنك لا تعرف الكتابة، فأجاب سماحته بقوله: «هذا ليس بصحيح؛ فأنا أقرأ وأكتب قبل أن يذهب بصري، ولي تعليقات على بعض الكتب التي قرأتها على المشايخ مثل الآجروميه في النحو، وغيرها».

وإذا أملى سماحة الشيخ كتاباً، أو تعليقاً، وكان هناك إشكال في كلمة ما -قال: تُكْتَب هكذا، ويشير إلى راحة يده، وهو يَكْتُب بإصبعه؛ ليرى كيفية الكتابة الصحيحة.

وقيل لسماحته ذات مرة: هل صحيح أنك تتمنى أنك رأيت الإبل على ما خلقها الله؟ فأجاب سماحته بقوله: «هذا ليس بصحيح؛ فأنا أتصورها؛ لأن بصري لم يذهب إلا وعمري تسع عشرة سنة». [2]

تعليمه

نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء، وأئمة الدين، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأعني بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال، بعد أن استعاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - الرياض ووطد فيها الحكم العادل المبني على الشريعة الإسلامية السمحة بعد أن كانت الرياض تعيش في فوضى لا نهاية لها، واضطراب بين حكامها ومحكوميها. ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته - حفظه الله -.

ولا شك ولا ريب أن القرآن العظيم هو النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح...فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية، فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون أحكامه وتفاسيره، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى، فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد حفظه لكتاب الله، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.

ومن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته، أن لوالدته - رحمها الله - أثرا بالغا، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت تحثه وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد كما ذكر ذلك سماحته في محاضرته النافعة - رحلتي مع الكتاب - وهي رحلة ممتعة ذكر فيها الشيخ في نهاية المحاضرة، وبالخصوص في باب الأسئلة بعض الجوانب المضيئة من حياته.

ثم تلقى العلوم العربية والشرعية على أيدي عدد من علماء الرياض، وخاصة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - تعالى- فقد قرأ عليه الحديث الشريف، والعقيدة، والفقه، والنحو، والفرائض، والتفسير، والتاريخ، والسيرة النبوية.. نحواً من عشر سنين (1347 - 1357هـ).

ومن أعلام من أخذ العلم منهم أيضا:

1-الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمة الله.

2-الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله -

3-الشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض).

4-الشيخ حمد بن فارس (وكيل بيت المال بالرياض).

5-الشيخ سعد وقاص البخاري (من علماء مكة).

وتابع الشيخ عبد العزيز تحصيله العلمي ذاتياً، حتى صار واحداً من كبار العلماء، بإجماع كبار علماء المسلمين في العالم.

وكان الشيخ عبد العزيز فقيهاً حنبلياً في أول طلبه العلم، ولكنه كان واسع الأفق، يأخذ بالرأي الأرجح ذي الدليل الأقوى، كما يأخذ بأقوال الفقهاء، ما دامت أدلتهم من الكتاب والسنة هي الأقوى.

الأعمال والمناصب التي سندت غالى سماحته:

1- القضاء في منطقة الخرج سنة (1357هـ) لأكثر من أربعة عشر عاماً.

2- التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة (1372هـ)، وكلية الشريعة بالرياض سنة (1381هـ)، في علوم الفقة والتوحيد والحديث.

3- عين في عام (1381هـ) نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

4- تولى رئاسة الجامعة الإسلامية في سنة (1390هـ).

5- وفي عام (1395هـ) صدر الأمر الملكي بتعينة في منصب الرئيس العام لإدارت البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

6- عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

7- رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء بالمملكة.

8- عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

9- رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.

10-رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.

11-عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.

12-عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة.

كان الشيخ عالماً من علماء العصر الذي يحيا فيه، يطالع الصحف، وينقل إليه مساعدوه ملفاً كاملاً عن أخبار العالم الإسلامي، فما كان يفوته حدث مهم، وكان يطلع على ما تنشره وسائل الإعلام، وإذا رأى ما يوجب الردّ عليه، بادر إلى الردّ، لا يخشى في الله لومة لائم، مهما كان صاحب الرأي كبيراً، وهذا ما عرفناه في عدد من الوقائع، مثل رسالته إلى الكاتب الكبير محب الدين الخطيب، رئيس تحرير مجلة الأزهر التي رأى الشيخ عبد العزيز أنها نشرت ما يستوجب الرد، لأن فيه ما يخالف ما دلّ عليه الكتاب والسنة.

والذي يطالع كتابه (نقد القومية العربية) يعرف مدى اطلاع الشيخ على ما يجري حوله وما يضطرب من أفكار خارجة على الإسلام، وفيها من الضلال ما يستوجب الردّ عليه وفضحه.

استفاد الشيخ، في كتابه هذا، من كتب الشيخ محمد الغزالي، والشيخ أبي الحسن الندوي، ومن رسالة التعاليم للشيخ حسن البنا، - رحمهم الله - جميعاً، بل لم يكتف بكتب الفكر الإسلامي، فنقل بعض النقول عن الفكر الغربي، مما يدلّ على اطلاعه على ما يترجم من تلك الكتب.

وهذا ما نراه في مطالبته العلماء والمسؤولين، من إعادة النظر في المناهج التي رآها متأثرة بالفكر القومي.. تصدّى لتلك المناهج، وعمل على تغييرها بحيث تكون متفقة مع عقيدة الأمة وإسلامها.

ميادينه العلمية

كانت العقيدة على رأس اهتماماته، صال في ميدانها وجال، دروساً، وخطباً، ومحاضرات، وكتابات، لتكون عقيدة المسلمين هي عقيدة السلف الصالح، المستمدة من الكتاب والسنة فالعلم بها وتعليمها، هما العمل المفضَّل لديه، فعليها تقوم سائر العلوم الشرعية الأخرى، وفي صحتها صحة لسائر علوم الدين، وفي فسادها فساد كل تلك العلوم.

وبعدها تأتي علوم التفسير، والحديث، والفقه الحنبلي، غير أنه -كما تقدم- لا يتقيد بالمذهب إذا ظهر له الدليل على خلافه، فالاجتهاد في تقصي الأدلة مفضل عنده، لأن واجب العلماء أن يأخذوا بالدليل من الكتاب والسنة، وفي هذا طمأنينة للقلب، وراحة للضمير، لأنه يأخذ الحكم عن الله ورسوله، لا عن الرجال.

ومنهج الشيخ في بحوثه، يعتمد على ظاهر النص، والتزامه في كل ما يتصل به، ويرى أن النصوص قد تتفاوت في دلالاتها، وهذا يعطيه، كما يعطي غيره من العلماء، حقّ الاجتهاد فيه.

ولهذا نرى الشيخ يحترم رأي مخالفيه، ويقرر أنه لا يجوز للمسائل الخلافية الصغيرة أن تكون عامل تفريق بين المسلمين.

الثمرات

لقد تفوّق الشيخ على نفسه في كثير من الأمور، فلم يستكن للعاهة التي ألمت به، بل تجاوزها كما تجاوز غيرها، ولم تمنعه عاهة العمى عن الخوض في المضامير التي يخوضها المبصرون، ومنها تأليف الكتب... ألف الشيخ وكتب ونشر، ولكنه لم ينشر كل ما كتبه - على أهمية ما كتب وألّف - لأنه يرى أن قيمة النتاج عائدة إلى مدى خدمته للشريعة، ومن ثم للأمة والعباد. ومن أشهر مؤلفاته:

1- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.

2- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).

3- التحذير من البدع.

4- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.

5- العقيدة الصحيحة وما يضادها.

6- وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.

7- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.

8- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.

9- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.

10-نفد القومية العربية.

11-الجواب المفيد في حكم التصوير.

12-الشيخ محمد بن عبد الوهاب(دعوته وسيرته).

13-ثلاث رسائل في الصلاة.

14-حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

15-حاشية مفيدة على فتح الباري.

16-رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب.

17-إقامة البرهان على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.

18-الجهاد في سبيل الله.

19-الدروس المهمة لعامة الأمة.

20-فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.

21-وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة

يقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «ويغلب على مؤلفاته وضوح المعنى، وسهولة العبارة، وحسن الاختيار، مع قوة الحجة والاستدلال، وغير ذلك مما يدل على النصح وصفاء النفس وسعة الأفق والاطلاع، وحدة الذكاء، وسيلان الذهن، وبالجملة فالشيخ قد وهب نفسه للعلم والمتعلمين، وبذل جهده في تحقيق المصالح لمن قصده أو عرف به، مع رحابة صدر، وسماحة خاطر».

الشيخ خطيباً

من سمع الشيخ يخطب، شهد له بالبلاغة، والتأثير في سامعيه الذين يقرؤون الصدق والإخلاص والعلم والثقافة الأدبية واللغوية فيما يسمعون، فلديه قدرة كبيرة على ترتيب أفكاره، بحيث لا يشذّ عنها في استطرادات غير مفيدة، ويلحظون ضبطه لعواطفه، حتى لا تطغى على عقله، فتضيع بعض المعاني التي يريد أن يبثّها لجمهور مستمعيه، ولا يتجاوز -في سائر خطبه- مفهوم الحكمة والموعظة الحسنة، فيراعي مشاعر المخالفين له في لين، ولا يكون من المنفّرين.

ويلحظ سامعه سلامة لغته وأسلوبه من الخطأ الذي ابتلي به كثير من الخطباء والوعاظ وحملة الشهادات العليا الذين تدور الأخطاء النحوية على ألسنتهم ما دارت ألسنتهم.

ومن أجمل ما اتصفت به خطابته، بُعدها عن التكلف المقيت، فكان أسلوبه الخطابيّ سلساً عذباً، وبليغاً مسدَّداً.

وكذلك كان الشيخ في محاضراته التي كان يركز فيها على الموضوعات الحيوية التي يمسّ بها القلوب والعقول معاً، وكان -عقب كل محاضرة- يجيب على أسئلة السائلين إجابات واضحات تكون مكملات للمحاضرة.

صفاته الخلقية

تفرد سماحة الإمام عبد العزيز - رحمه الله - بصفات عديدة لا تكاد تجتمع في رجل واحد إلا في القليل النادر، ومن أبرز تلك الصفات ما يلي:

1- الإخلاص لله - ولا نزكي على الله أحداً - فهو لا يبتغي بعمله حمداً من أحد ولا جزاءً، ولا شكوراً.

2- التواضع الجم، مع مكانته العالية، ومنزلته العلمية.

حين مدحه الشيخ تقي الدين الهلالي المغربي - رحمه الله - وكان مما قاله:

إمام الهدى عبد العزيز الذي *** بدا بعلم وأخلاق أمامالورى بدرا
تراه إذا ما جئته متهللاً *** ينيلك ترحيباً ويمنحك البِشْرى
وأماقِرى الأضياف فهو أمامُه *** فحاتم لم يتْرك له في الورى ذكرا.

إلى آخر تلك القصيدة.

فكتب الشيخ عبد العزيز - رحمه الله -مستنكرا:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، أما بعد فقد اطلعت على قصيدة نشرت في العدد التاسع من مجلة الجامعة السلفية في بناس الهند لفضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي، وقدكدرتني كثيراً، وأسفت أن تصدر من مثله، وذلك لما تضمنته من الغلو في المدحلي ولعموم قبيلتي، وتنقصه للزاهد المشهور إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - وتفضيلي عليه في الزهد، وعلى حاتم في الكرم، وتسويتي بشريح في القضاء إلى غير ذلك من المدح المذموم الذي أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحثي تراب في وجوه من يستعمله. وإني أبرأ إلى الله من الرضا بذلك، ويعلم الله كراهيتي له، وامتعاضي من القصيدة لما سمعت فيها ما سمعت.

وإني أنصح فضيلته من العود إلى مثل ذلك، وأن يستغفر الله من ما صدر منه، ونسأل الله أن يحفظنا وإياه وسائر إخواننا من زلات اللسان، ووسواس الشيطان، وأن يعاملنا جميعاً بعفوه، ورحمه، وأن يختم للجميع بالخاتمة الحسنة؛ إنه خير مسؤول.

ولإعلان الحقيقة وإشعار مناطلع على ذلك بعدم رضائي بالمدح المذكور جرى نشره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

3 - الحلم العجيب الذي يصل فيه إلى حد لا يصدقه إلا من رآه عليه.

دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم، رجل كثير السباب فسبَّ الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبد العزيز بن باز إلى الحج توفي هذا الرجل فجهّز للصلاة عليه، في جامع العذار، وكان إمامه آنذاك الشيخ عبد العزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم أنه ذلك الرجل تنحى وامتنع عن الصلاة عليه، وقال: لا أصلي على شخص يشتم الشيخ ابن باز، بل صلوا عليه أنتم؛ فلما عاد الشيخ عبد العزيز من الحج وأخبر بموت ذلك الرجل ترحم عليه، وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه، قال: إنه مخطئ في ذلك، ثم قال دلوني على قبره فصلى عليه وترحم عليه ودعا له.

ودخل عليه رجل آخر عنده قضية في الصباح الباكر، والشيخ يدرس الطلاب في الجامع - جامع الدلم - فوقف هذا الرجل عليهم، وأخذ ينادي بصوت مرتفع قائلا: قم افصل بين الناس، قم افصل بين الناس، واترك القراءة، فلم يزد الشيخ على أن قال: قم يا عبد الله بن رشيد، وأخبره يأتينا عندما نجلس للقضاء بعد الدرس.

4 - الجلد، والتحمل، والطاقة العجيبة حتى مع كبر سنه.

5 - الأدب المتناهي، والذوق المرهف.

6 - الكرم والسخاء الذي لا يدانيه فيه أحد في زمانه فيما أعلم، وذلك في شتى أنواع الكرم والسخاء، سواء بالمال أو بالوقت، أو الراحة، أو العلم، أو الإحسان، أو الشفاعات، أو العفو، أو الخُلُق، ونحو ذلك.

احتاج أحد الطلاب من الجامعة إلى مساعدة (مائتي ريال) فكأن كاتب الشيخ قرأها ـ خطأـ ألفين ريال، فأمر الشيخ بصرف المبلغ له، وعند مراجعة الأوراق اتضح أن الطالب طلب مائتي ريال، فأراد الكاتب تصحيح الأمر، فنهاه الشيخ قائلاً: لعله كان محتاجاً للألفين واستحيا، فرزقه الله.. أعطه الألفين.

7 - السكينة العجيبة التي تغشاه، وتغشى مجلسه، ومن يخالطه.

8 - الذاكرة القوية التي تزيد مع تقدمه في السن.

9 - الهمة العالية، والعزيمة القوية التي لا تستصعب شيئاً، ولا يهولها أمر من الأمور.

زاره رجل من أهل موريتانيا فاستضافه الشيخ أياما.. وقال الرجل: عجبت من دأب الشيخ وجلده على حوائج الناس والكتابة لهم وضيافتهم والجلوس في حلق العلم وتعليم الطلاب ومذاكرة المسائل، فقلت للشيخ: سألتك بالله يا شيخ وأنت قاربت التسعين كيف تصبر على مالا يصبر عليه أبناء الثلاثين والأربعين.. فأعرض عني ثم سألته ثانية وثالثة حتى شددت عليه في السؤال فرد علي قائلا:

«إن كانت الروح تعمل فالجوارح لا تكل»

10 - العدل في الأحكام سواء مع المخالفين، أو الموافقين.

11 - الثبات على المبدأ، وعلى الحق.

12 - سعة الأفق.

13 - بُعْد النظر.

14 - التجدد؛ فهو - دائماً - يتجدد، ويواكب الأحداث، ويحسن التعامل مع المتغيرات.

15 - الثقة العظيمة بالله - جل وعلا -.

16 - الزهد بالدنيا، سواء بالمال أو الجاه، أو المنصب، أو الثناء، أو غير ذلك.. لم تشغله الدنيا بزخرفها.. ولا ألهته عن تلك المكارم بزهرتها.. وأنى للدنيا أن تملك قلباَ ملكه الزهد. والورع وحب الصالحات؟!

في سنة (1402هـ) قررت هيئة جائزة الملك فيصل العالمية منح الجائزة للإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهي جائزة عظيمة.. ليست بالسهلة! ولعل النفوس تحدثت يومها: أين سيضع هذا الإمام هذه الجائزة؟!

ولكن الجواب كان سريعاً! فها هو الإمام يقف شامخاً في الحقل الذي أقيم بهذه المناسبة.. والكل يومها متشوق إلى معرفة مصير تلك الجائزة! وإذا بالإمام الزاهد يعلنها بأريحية بازية.. وزهادة عمرية:

«.. فإني أبذلها أيضاً، وأهديها أيضاً إلى دار الحديث الخيرية الأهلية المكية؛ معونة لها على ما تقوم به للخدمة الإسلامية، فإن دار الحديث الخيرية الأهلية بمكة تخدم المسلمين أيضاً، وتخدم أبناءهم في سائر أرجاء المعمورة من أفريقيا وآسيا وغيرهما.. ».

يقول الشيخ ناصر الزهراني: «أتيته في يومٍ من الأيام فأخذت أتوسل إليه، وأترجاه وأحاول معه أن يوافق لي على السعي في شراء هذا المنزل الذي يسكنه بمكة، فهو ليس له؛ بل هو مستأجر!.

فحاولت إقناعه، وقلت له: لا أريد منك إلا الموافقة، والباقي عليَ.

فقال لي: «اصرف النظر عن هذا الأمر، أي شيء تحتاجه مني في مساعدة، أو شفاعة للمسمين فلا تتردد، أما لي أنا فلا!! ».

17 - الحرص على تطبيق السنة بحذافيرها، فلا يكاد يعلم سنة ثابتة إلا عمل بها.

18 - بشاشة الوجه، وطلاقة المحيا.

19 - الصبر بأنواعه المتعددة من صبر على الناس، وصبر على المرض، وصبر على تحمل الأعباء إلى غير ذلك.

20 - المراعاة التامة لأدب الحديث، والمجلس، ونحوها من الآداب.

21 - الوفاء المنقطع النظير لمشايخه، وأصدقائه، ومعارفه.

22 - صلة الأرحام.

23 - القيام بحقوق الجيران.

24 - عفة اللسان.

25 - لم يسمع عنه أنه مدح نفسه، أو انتقص أحداً، أو عاب طعاماً، أو استكثر شيئاً قدمه للناس، أو نهر خادماً.

26 - كان لا يقبل الخبر إلا من ثقة.

27 - يحسن الظن بالناس.

28 - قليل الكلام، كثير الصمت.

29 - كثير الذكر والدعاء.

30 - لا يرفع صوته بالضحك.

31 - كثير البكاء إذا سمع القرآن، أو قرئ عليه سيرة لأحد العلماء، أو شيء يتعلق بتعظيم القرآن أو السنة.

32 - يقبل الهدية، ويكافئ عليها.

33 - يحب المساكين، ويحنو عليهم، ويتلذذ بالأكل معهم.

ها هي رسالة تأتي ذات مرة من الفلبين إلى مكتب سند المحتاجين.. والرسالة من امرأة تقول فيها: «إن زوجي مسلم أخذوه النصارى، وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة، وأطفالي يتامى، وليس لي أحد بعد الله - عز وجل -، فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني؟ قال الناس لي: لا يوجد إلا الشيخ عبد العزيز بن باز! فآمل أن تساعدني».

فكتب الشيخ إلى الجهات المسؤولة لمساعدتها؛ فجاءت الإجابة: «إنه لا يوجد بند لمساعدة امرأة ألقي زوجها في بئر، فالبنود المالية محددة».

ولكن السماحة.. والجود.. وإغاثة الملهوف كانت فوق ذلك؛ فأتت الإجابة من ذاك الإمام إلى أمين الصندوق: «اخصم من راتبي عشرة آلاف ريال وأرسله إلى هذه المرأة! ».

- وهنالك.. وفي أدغال أفريقيا؛ ذهب وفد سعودي في إحدى المهمات، فجاءت إلى الوفد امرأة عجوز، وقالت لأحدهم: أنتم من السعودية؟

فقال: نعم!.

فقالت: أبلغ سلامي إلى الشيخ ابن باز!

فقال: كيف عرفتيه؟!

فقالت: لقد كنت أنا وزوجي عائلة نصرانية وأسلمنا، ولكن طاردنا أقرباؤنا وضاقت بنا الدنيا، فسألت عن مساعد بعد الله، فقالوا: مالك بعد الله إلا ابن باز! فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة، ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل بي وتطلبني بمراجعتها، وإذا بسماحته قد أرسل لها بمساعدة عشرة آلاف ريال، فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك، بعد أن عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون!.

وذات مرة دخل أحد الناس على هذا الإمام فقال له: يا سماحة الشيخ، بعض الفضلاء يرون أنك إذا جلست مع الناس وقت الغداء والعشاء وغيرها؛ أنه يجلس معك العاملون والموظفون والعرب والعجم والفقراء ودهماء الناس، وأن في هذا حرجٌ من بعض كبار الضيوف والزوار، فنحن لا نقترح عليك ترك إطعام الناس، وفتح المنزل لهم، ولكن ليكن لهم مجلس خاص، ومكان خاص لأكلهم وشربهم، وأنت وخواص ضيوفك يوضع طعامكم في مكان خاص! فتغير وجه الشيخ من هذه المقولة.. فقال: (مسكين! مسكين! صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء! أنا سأستمر على هذا، وليس عندي خصوصيات، والذي يستطيع أن يجلس معي أنا وهؤلاء الفقراء والمساكين يجلس، والذي لا يعجبه وتأبى نفسه فليس مجبوراً على ذلك! ».

34 - يحافظ على الوقت أشد المحافظة.

35 - يشجع على الخير، ويحض عليه.

36 - لا يحسد أحداً على نعمة ساقها الله إليه.

37 - لا يحقد على أحد بل يقابل الإساءة بالإحسان.

38 - معتدل في مأكله ومشربه.

39 - دقيق في المواعيد.

40 - كان متفائلاً، ومحباً للفأل.

هذه نبذة عن بعض أخلاقه [3]

شمائله

كان الشيخ من العبّاد، يحافظ على السنن، ويؤدي من النوافل ما شاء الله له أن يؤدي، صلاة، وقياماً، وصياماً.. كان يقوم الليل إلى قريب الفجر، يصلّي، ويستغفر، ويدعو، ويبكي، فقد كان سخي الدمعة، ويقرأ أوراده، ويبقى لسانه رطباً بذكر الله، وكذلك عيناه المطفأتان.

وكان آية في حسن العبادة والتهجد.. لا تفتر عزيمته.. ولا تنثني همته.. وأعجب لرجلٍ لم يدع التهجد في سفر ولا في حضر.

وها هي السيارة تنطلق ذات مرة بهذا الإمام من الرياض إلى مكة أو العكس.. ولما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل.. قال الشيخ: ما رأيكم لو نِمنَا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟ فوافق الجميع.. إذ إن التعب قد بلغ منهم غايته.. والكل يريد أن يستريح.. وما أحلى النوم بعد التعب! فارتمى الجميع.. ليستسلموا لنومٍ هادئ.. ولكن هنالك رجل التمس راحةً غير راحة النوم.. ولذةً غير لذة النوم!. إنه: الإمام ابن باز!.

فها هو يطلب ماءً.. ويتوضأ.. ثم يقوم متهجداً في صلاة يرجو ذخرها غداً.. ويصلي الإمام العابد ما شاء الله له من الليل.. ثم ينام بعدها.. وكان العجب من نصيب أولئك النفر عندما قاموا إلى صلاة الفجر.. ليجدوا ذلك الإمام الذي تركوه قائماً يصلي؛ فإذا بهم يرونه أيضاً مرة أخرى قائماً يصلي!!... كان آخرهم نوماً وأولهم قياماً!!.

وكان عالماً يعمل بما علم، يخاف الله في سرّه وعلنه، فلا يترخّص لنفسه، بل يأخذها بالعزائم.

وكان الشيخ يكثر من الذكر والدعاء والبكاء لدى سماعه القرآن، أو سيرة أحد الصالحين، ويطيل البكاء وهو يروي أو يسمع حديث الخليفة الصديق: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات).. وحديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك، وحديث أبي عبيدة والتمرات والحوت، وسواها من الحوادث في سيرة السلف الصالح.

وكان الشيخ تقياً، ورعاً، مسارعاً إلى فعل الخيرات، مواظباً على الطاعات منذ الصغر، وكان المسجد مكانه المحبّب إليه منذ أن بلغ الثالثة عشرة، وكان مخلصاً دينه لله وحده، لا يرجو حمداً وشكراً من أحد لعمل عمله، أو خدمة أداها، فلم يكن الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ولا بما فعلوا، وكان حليماً، جلداً على العمل، يتحمل من الأعباء ما تضوى له وتنوء به أجساد الشباب، همته العالية تتجاوز ضعف الشيخوخة والشيبة، ويتمتع بذوق رفيع، ما أحوج العلماء والدعاة، والمشايخ إليه حتى لا يكونوا منفّرين، وبإحساس مرهف، وكان جواداً من الأجواد، يجود بماله، ووقت راحته، من أجل قضاء حوائج طلبة العلم الذين يفدون إليه من كل فج عميق، يجيب على أسئلتهم، ويحل لهم إشكالاتهم العلمية، ومن أجل قضاء حوائج الفقراء والمساكين، فيكتب شفاعة لهذا، ويعفو عن ذاك، ويقدم المال إلى المحتاج إليه، ومن عنايته بالفقراء، أنه كان يخصص لبعضهم رواتب ومساعدات من ماله الخاص حتى بلغ به الأمر أن يخصص مبلغ ألف ريال يرسلها إلى امرأة فقيرة في مجاهل إفريقية، فإذا لم يجد المال، استلف راتباً أو أكثر من رواتبه من أجل ذلك، أو ردهم رداً جميلاً.

ومن تواضعه أنه كان يعنى بالعوام الذين يقبلون عليه، ولا يكادون يفارقونه حتى في طعامه الذي يشاركونه فيه، بل في سائر أحواله، وهو صابر عليهم، ولكلٍّ مشكلته، فهذا يستفتي، وذاك يستجدي، وكان يغضب من أصحابه إذا زجروهم، ويذكرهم بالحديث العظيم «ابغوني ضعفاءكم» [4] حتى وهو على فراش الموت، كتب شفاعة لواحد منهم.

وكان مجلسه مجلس أنس وعلم وذكر، وهو ملتقى الخواص من طلبة العلم، يأتونه لحل ما يشكل عليهم من المعضلات العلمية، فيجيبهم، ويستفيدون من إجاباته، كما يفيدون من سكينته ووقاره، وكثرة صمته، وقلة كلامه ومراعاته لأدب الحديث، وأدب المجلس، فلا يرفع صوتاً، ولا يقهقه، ومن مكارم الأخلاق التي حباه الله إياها، كالعدل مع مخالفيه في الرأي، وثباته على المبدأ، واستقامته على الحق، وسعة أفقه، وبعد نظره، وثقته العظيمة بالله - تعالى -، وزهده بالثناء، وتقشفه، وحرصه على السنن، وبشاشة وجهه، وطلاقة محياه، وعفة يده ولسانه، فلم يسمعوه ينتقص أحداً، ولا يعيب طعاماً، ولا ينهر خادماً، ولا يمدح نفسه، ولا يحب أن يمدحه أحد بما فيه، فكيف بما ليس فيه؟

يحسن الظنّ بالناس، ويشتدّ في وفائه لمشايخه وأصدقائه وذوي رحمه، يتفقد أحوالهم، ويقوم بحقوقهم، ويعينهم على متاعب الحياة، لا يعرف الحسد والحقد، ويقابل الإساءة بالإحسان، وغيرته على الدين شديدة، يثور لانتهاك حرمات الله، ولوقوع الظلم على المسلمين ويحب أهل العلم، ويسأل عن أحوالهم، ويكاتبهم، ويتناصح معهم.

وهو دقيق في مواعيده، وهذه الخصلة قلّ من يحافظ عليها من المشايخ والعلماء، وهذا مما يؤسف له جداً.. وهو متفائل دائماً، حتى عندما كانت دموعه تخضل لحيته لسماع خبر مفجع نزل بالمسلمين في أقصى الأرض.

وكان يؤمن بالشورى، وينفذها مع العاملين معه، وليست مجرد ادعاء، كما هي عند كثير من العلماء والزعماء والقادة.

وينكر البدع، ويعدّها عدواناً على حقائق الوحي، وتغييراً لدين الله، وفيها إبعاد للمسلمين عن حقيقة الإسلام العظيم.

وللشيخ ذاكرة قوية أعانته كثيراً في حياته العلمية والعملية.

ومن شمائل الشيخ: دفاعه عن الدعاة حيث كانوا، ولو كان على خلاف معهم في الرأي.

حتى الصوفية، كان منصفاً معهم، وكان يقول عنهم: هم مسلمون فيهم خير وفيهم شر، ونحن نأخذ ما عندهم من خير ونشجعهم على فعله، وننكر ما عندهم من شر ونحذرهم منه.

وكان الشيخ جريئاً في انتقاد الظلم والانحراف، ومواقفه مشهودة في استنكاره إعدام سيد قطب، - رحمه الله تعالى -، وفي إنكاره على القذافي تطاوله على كتاب الله وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك موقفه الجريء من الظالم الهالك (سياد بري) الذي أحرق عشرة علماء لأنهم استنكروا تطاوله وتطاول زبانيته الشيوعيين في الصومال على شريعة الله.

ولا ينسى العلماء، والطلاب خطبته الجريئة أمام الملك فيصل - رحمه الله - تعالى- عندما زار الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ومعه مجموعة من الأمراء.. تحدث الشيخ عن الإعلام السعودي، ودعا إلى ضرورة صيانته من المزالق التي زلق فيها الآخرون الذين لا يستشعرون أي مسؤولية نحو الإسلام، وقد سلك في خطبته هذه مسلكاً حكيماً، عندما جمع بين اللطف والقوة في صراحته المعهودة.

معالم تربوية من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز

* نشرت مجلة الدعوة فتوى لسماحة الشيخ، لكن وقع فيها خطأ، فقد صُدِّر الجواب بِـ: أن في المذهب كذا وكذا (وهذه ليست من ألفاظ الشيخ). فدعى الشيخ كاتب الفتوى، وقال له: اقرأ علي!

فقرأ عليه وإذا فيها: في المذهب كذا وكذا، قال الشيخ: نحن لا نقول جاء في المذهب كذا وكذا!! نحن نقول قال الله وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

* سأله أحد طلبة العلم: يا شيخ أنتم دائماً تكثرون القراءة في كتب الحديث وتعتـنون بالحديث، فقال - رحمه الله -: وهل العلم إلا الحديث! هل العلم إلا الحديث!! يا فلان التقليد ليس بعلم! التقليد ليس بعلم!!

* قرر الشيخ ـ - رحمه الله - ـ في الدرس نكاح الكتابيات بشرطه، فقال بعض الطلبة الذين في الدرس: يا شيخ بعض الصحابة كان ينهى عن ذلك! فالتـفت الشيخ إليه وقد احمرّ وجهه وقال: «هل قول الصحابي يضاد الكتاب والسنة؟!! » ليس لأحد قول بعد كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

* ألقى الشيخ محاضرة، فقيل له في المحاضرة: إن الشيخ فلان يقول عنك إنك مبتدع، فقال الشيخ ـ - رحمه الله - ـ: هو مجتهد هو مجتهد، السؤال الذي بعده. ما زاد على ذلك - رحمه الله -.

* جاء رجل واستفتى الشيخ - رحمه الله - أثناء الدرس، وكان الشيخ يفتي الذين خارج الدرس حتى أثناء الدرس؛ يقول: هم أصحاب حاجات، يعني لا علاقة لهم بالدرس، فهذا الرجل استفتى الشيخ، فقال الشيخ: لا أدري، لا أعرف. فقال الرجل: أنت تقول لا أعرف. قال الشيخ: أّذّن في الآفاق أن ابن باز لا يعرف.

* لما قرأ عليه الشيخ ابن قاسم في زاد المعاد قصة عائشة - رضي الله عنها - في الإفك الذي حصل لها، بكى الشيخ وانقطع الدرس بالبكاء.

* عند قول أبي بكر - في حادثة وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، بكى الشيخ بكاء شديداً.

* لما زار الملك فيصل ـ - رحمه الله - ـ المدينة ـ وكان الشيخ رئيس الجامعة الإسلامية ـ زار الشيخ في بيته فقال للشيخ: إنا سنعمر قصراً لكم. فالشيخ تركه ولم يرد؛ وعمر القصر، فلما أرادوا أن يسجلوا صكاً باسم الشيخ، قال الشيخ: لا، سجلوه باسم رئيس الجامعة الإسلامية، حتى إذا جاء رئيس مكاني يكون في هذا البيت.

* الشيخ - رحمه الله - عنده ذاكرة قوية، فإذا سلمت عليه وقد سلمت عليه قبل سنوات عرفك... حدثني أحدهم، يقول: سلمت عليه بعد خمسة عشر سنة، فأخبرني باسمي!!

لكن اعجب أنه يحفظ الجزء والصفحة!! ويصحح الكتب من حفظه - رحمه الله -، بل وأعجب من ذلك في مقام العلم والعلماء. الإمام الشيخ الشنقيطي ـ - رحمه الله تعالى -ـ هو شيخ الشيخ ابن باز، كان إماماً لا يضاهى في حفظه، وكان الشيخ عبد العزيز يحضر عنده في المحاضرات، ويتعجب لسرعته في إلقائه، فكان الشيخ في أحد الأشرطة يقول: ما شاء الله.. ما شاء الله. الشيخ الشنقيطي كان يبحث من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الضحى عن حديث ذكر ابن كثير في تفسيره أنه في سنن أبي داود، ويبحث في سنن أبي داود وما وجده، يقول الشيخ الشنقيطي: أنا لا أتهم ابن كثير، لكني لم أجده، قال: وأنا أبحث فإذا الباب يطرق، فقمت وفتحت الباب، فإذا الشيخ عبد العزيز جاء يسلم، وهو عند الباب لم يدخل قال: يا شيخ عبد العزيز إن ابن كثير ذكر أن حديث كذا في سنن أبي داود، وأنا من الفجر أبحث ولم أجده، أين هو؟ قال الشيخ ابن باز: هو موجود.. هو موجود، في كتاب كذا في صفحة كذا، فقال: الآن تفضل يا شيخ.

فقوة حافظة الشيخ عظيمة، والسبب في ذلك يرجع إلى توفيق الله أولاً، ثم أن الشيخ لا ينفك عن الأذكار، لا يزال لسانه رطب من ذكر الله، دائم الأذكار، وهذا يلحظه من شاهد الشيخ ولو للحظة.

* الشيخ - رحمه الله - له نظرة حول القضاء، فهو لا يرى أن القاضي يكتفي بما يأتيه في المحكمة فقط، ويفصل المنازعات فقط، فهو يستهجن أن يكتفي القاضي بذلك... قال - رحمه الله تعالى -: أما اقتصار القضاء على بعير وحمار وبقرة وشاة ونحوها، فلا خير فيه، بل من أهم أعمال القاضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على بصيرة، والإصلاح، وقضاء مصالح المسلمين، والشفاعة لهم.

ولما كان الشيخ قاضي في «الدلم» كان له كرسي من طين في السوق، يجلس فيه لقضاء حوائج الناس.

* يحدث الشيخ عن موقف تربوي عجيب حصل له في شبابه في أول طلبه للعلم - رحمه الله تعالى - وهذا له ميزة أنه من كلام الشيخ نفسه- يقول - رحمه الله تعالى -: (قصة حصلت لي لا أزال متأثراً بها إلى اليوم، حدثت أيام شبابي، فقد كنت من المحافظين على الصف الأول في الصلاة، وفي يوم من الأيام تأخرت عن الحضور مبكراً لسبب القراءة في بعض الكتب لبعض المسائل الهامة التي شغلتني عن الصلاة، فلم أدرك الصف الأول وفاتني بعض الشيء من الصلاة، وحينما سلم الإمام، وهو قاضي الرياض الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وكان أحد مشائخي - رحمه الله -، حينما رآني أصلي في طرف الصف، وقد فاتـني شيء من الصلاة، تأثر لذلك كثيراً، فحمد الله وأثنى عليه ثم بدأ يتكلم وقال: بعض الناس يجلس في سواليف ومشاغل حتى تفوته الصلاة، ـ يقول سماحته ـ فعرفت أنه يعنيني بذلك الكلام، فلم أتأخر بعدها أبداً، وذلك الموقف الذي حصل لي لن أنساه أبداً).

* كان - رحمه الله تعالى -يستدين من راتبه للشهر القادم حتى يساعد المحتاجين، وما ذكر له أمر إلا وسعى إلى المساعدة فيه، حتى أن امرأة أرسلت إليه وقالت: أنها امرأة معاقة، ولا أحد يرغب فيها ـ في الزواج ـ، فلو أنك ساعدتها في شراء بيت، وإذا كانت امرأة عندها بيت، قد يرغب فيها لأجل البيت. فقال الشيخ: لا بأس، فأمر لها، وبعث لها بأكثر من أربعمائة ألف ريال يشترى لها بيت حتى يرغب فيها، لعلها تـتـزوج.

* حدّث مرة سائقه شاهين عبد الرحمن، وطباخه نصير أحمد خليفه: أن الشيخ - رحمه الله تعالى - لما ذهب إلى مسكنه في مكة، دخل البيت وقت الغداء، فلم يسمع أصوات الناس، الذين يأتون إليه ويتغدون عنده ويتعشون! فسأل أحد مرافقيه: ما بال الناس اليوم ما أتوا!! ما أسمع أصوات!! فقال له: إن الحرس قد منعوهم! فغضب - رحمه الله - وخرج إلى الحرس وزجرهم، وأمر بإدخال الناس كلهم إلى الغداء.

* في عام 1417هـ، حين سافر - رحمه الله - إلى الطائف، ودخل في مسكنه، فلم يفد إليه الناس! الأبواب مفتوحة والناس لم يفدوا إليه!! فالشيخ تعب من هذا الموقف وضاق صدره! وسأل لماذا الناس لا يأتون؟ فقالوا له: إن الناس ما علموا أنك أتيت، والذين علموا أرادوا أن ترتاح يوم أو يومين أو ثلاثة، ثم يأتون، قال الشيخ: لا، لا، اذهبوا، وأمر من عنده أن يخرجوا إلى السوق وإلى الجيران ويخبروهم بأن الشيخ موجود، وأنه سوف يغديكم هذا اليوم!! يدعو الناس كلهم!

* في مجمع الفقه الإسلامي - وكان يضم العديد من العلماء على شتى المذاهب الفقهية المعاصرة: فهذا مالكي وهذا شافعي وهذا حنفي وهذا حنبلي - فقام أحد علماء المالكية وتهجم على الشيخ، وتكلم عليه وقال أنتم يا الوهابية تقولون كذا وكذا، فقال الشيخ له: سبح، سبح، لكن الشيخ الآخر أصبح يزيد كلما قال له الشيخ: سبح سبح يزيد، فالشيخ - رحمه الله - ما تكلم ولا بكلمة، ولما انتهى قال الشيخ - رحمه الله - لأحد مرافقيه أحضر ثلاثين نسخة من الكتاب الفلاني غداً، ووزعها على أصحاب الفضيلة المشايخ، فمن الغد أتوا بثلاثين نسخة ووزعوها على المشائخ الموجودين في مجمع الفقه الإسلامي، ثم قال الشيخ - رحمه الله -: هذا الكتاب الذي معكم مؤلفه مالكي، فإن وجدتم فيه ما يخالف مذهبنا، أو يخالف مذهب مالك، فأخبرونا ونحن نرجع إلى الحق إن شاء الله، هذا الذي في الكتاب هو من أئمتكم وهو يوافق ما نحن عليه والذي عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. فانظر إلى علمه - رحمه الله -، وحسن تأدبه مع العلماء، ما قال أنت جاهل أو غير ذلك.

* الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -، وهو من تعرفون في الدعوة إلى الله، وقد أثير حوله ما أثير وكُتِب ما كتب، ونحن لا نقول أنه معصوم ولكن حسبه أنه من الدعاة.

الشيخ - رحمه الله تعالى -، كُلِّمَ عن الغزالي كثيراً، لكن هل الشيخ شُحن؟، لا.

جاء الغزالي إلى الشيخ عبد العزيز - رحمهما الله -، ودخل عليه، فأراد بعض الحضور أن يثير بعض المسائل المنتـقدة على الغزالي، لكن الشيخ صرف النظر عنها كلها، وأصبح يتحدث في واقع المسلمين وفضل الدعوة إلى الله - عز وجل -.

فلما قام الشيخ الغزالي، قام معه الشيخ يمشي إلى السيارة ويودعه، فقال الغزالي: أشهد بالله إن كان هناك أحد من السلف فهو هذا الرجل! ثم قال يا شيخ عبد العزيز: إذا رأيتم شيئا في كتاباتي يخالف الدليل، بلغوني والله أعدله.

* جاء إليه بعض طلبة العلم وقالوا: يا شيخ إن الشيخ فلان عنده مخالفات في كذا وكذا، وأثبتوا المخالفات فعلاً، فهَمَّ الشيخ أن يكتب له نصيحة، وطلب الكاتب وكتب النصيحة كاملة، فلما جاء في آخر النصيحة، قال له أحد الحضور: يا شيخ وإنه يقول فيك كذا وكذا، أنت يا شيخ، فأخذ الشيخ الورقة ومزقها، قال: لا، لا يظن أنني أنتصر لنفسي!!. [5]

بناء الأجيال

كان الشيخ يرى أن الأجيال المعاصرة تتعرض لأخطار عظيمة لم ينهض العلماء لتلافيها، مثل مناهج الدراسة التي لا ترتكز على قواعد الإسلام، ولهذا كان لابد من إصلاح هذه المناهج بتحويلها إلى منطلقات إسلامية تتولى بناء شخصية الطالب، وتحصينه من الغزو الفكري وما يعقبه من ضياع عقدي وثقافي، وبالتصور السديد لمهمته في هذه الحياة، والتي من أجلها خُلق. وعلى تحقيقها يجب أن يقف حياته، ألا وهي إعلان حقائق الإسلام، فهي النور الذي لا سلام ولا سعادة إلا في تحققها في المجتمع.

ويؤكد هنا على المعلم الصالح الذي يجب اختباره بعناية.

ويرى أن مسؤولية العلماء تجاه الأجيال الجديدة مسؤولية كبيرة، تفرض عليهم أن يبذلوا كل ما لديهم من طاقات لهذه الغاية، ويؤكد الشيخ على الجانب الإعلامي من وظيفة العلماء الذين يجب أن يكونوا على علم بشتى التيارات الحديثة، وعلى إلمام باللغات التي تحمل هذه التيارات، على أن يسبق ذلك، التضلّع من علوم القرآن، والتزود بمختلف الأدلة العقلية والنقلية، والقرآن العظيم أنجع وسائل الدعوة إطلاقاً، لأنه يخاطب الإنسان كله، عقله وعواطفه ونفسه، وفيه الأدلة المقنعة للفطرة، بأن النظام الإسلامي هو وحده الموصل إلى السعادة في الدارين.

ويرى الشيخ تحصين الأجيال من أخطار البدع والخرافات التي لا تقل أثراً عن أخطر التيارات الهدامة، لأنها تحجب حقيقة الإسلام، وتشوّه ملامحه، فتنفر منه النفوس التي تجهله.

مع المسلمين

كان الشيخ مهتماً بأمور المسلمين في سائر أنحاء الأرض، محباً لهم، متابعاً لأخبارهم، ويمدّهم بالمال، وينصحهم، ويحاول حل مشكلاتهم، وكان يصطفي المتفوقين والأذكياء من المدرسين والخريجين، وينتدبهم لخدمة الدعوة في بلادهم وغير بلادهم، وخاصة في الهند، وباكستان، والبلدان الإفريقية، ويمدّهم بالكتب التي يراها ضرورية لهم، وبالمصاحف.

وعندما كان رئيساً للجامعة الإسلامية، كان يجمع الطلاب في مجموعات، ويطلب من كل مجموعة أن تتحدث عما يجري في بلادها، ثم يتساءل عن العمل لحل مشكلاتهم، والتخفيف عنهم.

وكان يستقدم كبار الدعاة في العالم الإسلامي، ليدرّسوا في الجامعة الإسلامية، ويختار منهم أعضاء في رابطة العالم الإسلامي، وفي مجلس الأمناء.

وكان يتألم ويبكي لما يجري في كوسفو، وفي الفلبين، وكشمير، فقد كان يواكب الأحداث، ويتعامل مع المستجدات بجرأة يفتقر إليها كثير من العلماء والعاملين في الحقل العام.

ويشهد كل من عرفه، أنه لم يقصّر تجاه أحبائه المسلمين الذين أحبوه، وكانوا يسألون عنه، لما عرفوا من علمه، وإخلاصه، وحبه الخير لهم، والجهاد من أجل نصرتهم.

رحم الله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فقد كان فذاً بين الدعاة والعلماء العاملين.

كيف كان يقضي وقته

يبدأ يوم هذا الإمام قبل الفجر.. حيث يستيقظ في الثلث الأخير من الليل، ويأخذ حظه من الصلاة والذكر، ثم يصلي الفجر وبعد الصلاة يأتي بأوراد وأذكار الصباح، ولا يجيب أحداً حتى يفرغ منها، ثم يبدأ الدرس، حيث يقرأ عليه عدة كتب، ويذيلها- رحمه الله - بشروحاته وفوائده، حتى قبيل الساعة السابعة صباحاً، وهذا في أيام الدروس، وأما إذا كان في المنزل، فيجلس إلى الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف أرجاء المعمورة، ثم ينظر في طلبات أصحاب الحاجات، حتى موعد دوامه الرسمي في الساعة التاسعة صباحاً.

وإذا وصل إلى مقر الرئاسة، وجد المراجعين قد أخذوا أمكنتهم، فتعرض عليه المعاملات قراءة، ثم يأتي توجيهه في الرد على المعاملة فوراً، وخلال عرض المعاملات يستقبل- رحمه الله - الاتصالات الهاتفية، والتي غالباً تكون في الرد على فتوى، أو استفسار في أمور الدين، وبين الحين والآخر يدخل عليه أناس يريدون الدخول في الإسلام على يديه، وتعليمهم أمور دينهم، وإذا كانت هنالك اجتماعات للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حرص على رئاستها، فإذا كانت صباحاً؛ استقبل المراجعين ظهراً، وإذا كانت ظهراً استقبل المراجعين صباحاً.

وإذا أذن المؤذن للظهر ذهب للصلاة في المسجد القريب من المكتب، وربما ألقى بعد الصلاة كلمةً من كلمات وعظه الصادق، ثم يعود إلى المكتب، ويقضي بقية الدوام في المعاملات الرسمية، والنظر في فتاوى الطلاق، وطلب الشفاعة منه من المحتاجين، واستقبال الوفود من الدول الإسلامية وغير ذلك، حتى الساعة الثانية والربع ظهراً، ويحرص- رحمة الله- على دعوة كل من يحضره إلى تناول الغداء معه في بيته.

وفي منزله العامر يجلس ضيوفه الذين يلقون كل الحفاوة والكرم من تلك الطلعة البهية، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى ضيوفه وجلسائه، حتى وقت أذان العصر، فيصلي في المسجد القريب من منزله، ثم يقرأ عليه شيئاً من الأحاديث؛ ليعلق عليها تعليقات يسيرة، مجلياً لفقهها وفوائدها، ثم يذهب إلى منزله لأخذ قسط من الراحة، حتى وقت صلاة المغرب، فإن كان هنالك درس أو محاضرة أو غير ذلك؛ توجه إلى مجلسه العام؛ لعامة الناس وخاصتهم، المقبلين للسلام عليه، أو استفتائه في أمور دينهم ودنياهم، وهو مجلس تملأه بهجة هذا الإمام، وصدق حبه ووفائه للمسلمين.

ويستمر المجلس حتى وقت صلاة العشاء، فيتأهب- رحمه الله - ومن معه للصلاة، وفي المسجد وبين الأذان والإقامة يقرأ عليه من بلوغ المرام، فيشرحه شرحاً دقيقاً، وبعد الصلاة يرجع إلى منزله للنظر في بعض المعاملات الخاصة، ولقاء بعض المهتمين بأمور الدعوة، ثم يتناول مع ضيوفه طعام العشاء، ثم يدخل مكتبته العامرة؛ فلا يزال بين قراءةٍ وإملاءٍ؛ حتى وقتٍ متأخر من الليل!!.

قال الشيخ سلمان العودة: لقد عرف عن الشيخ ابن باز - رحمه الله - خدمته للإسلام والمسلمين ما يعجز عنه الأشداء حتى قيل: لو أن رجلا من أهل الرياض انقطعت عنه الكهرباء للجأ للشيخ ابن باز في حلها.

وقد علم الناس أن الشيخ ابن باز لا يكفيه راتبه الذي يستلمه من الدولة إلا أياما ثم يتسلف من إخوانه وقد ذكر ذلك العالم الجليل عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - أنه كان يتسلف منه حتى يسد دينا أو يعين محتاجا.

ولا أنسى هنا أن أذكر أن الرد على فتاوى المستفتين يأخذ من الشيخ الوقت والجهد العظيم وقد شهدت أنا شيئا منه ولو كنت مكان الشيخ - وأستغفر الله من هذا - لأغلقت السماعة في وجه المتصلين! لكن الشيخ بصبره وحلمه يساعد هذا ويعين هذا، ومن الغرائب أن الشيخ لا يكتفي بالإجابة بل أنه يسعى بحلها تماما كما سأله أحدهم عن دية القتل غير المتعمد فقال له الشيخ: عتق رقبة فقال السائل عبر الهاتف ما فيه رقبة هذه الأيام، فقال الشيخ: «بلى يوجد تعال عندي وأنا أشتري لك من... وذكر أحد البلدان التي فيها هذا الأمر».

قال أحد الملازمين لسماحته في سر توفيق الشيخ ونجاحه وبصيرته الثاقبة في كثير من المعاملات والآراء والمواقف:

«ما ظنك برجل يبيت يناجي ربه ويدعو ويرجو ويهتف ويبكي ثم إذا ارتفع النداء بادر إلى المسجد ثم صلى صلاة الفجر في خشوع وخضوع ثم أتى بالأوراد كاملة ثم عاد إلى بيته وأوتي له بالأوراق كلها ثم يبدأ بقراءة المعاملات والنظر في حاجات الناس ثم قراءة بعض مسائل العلم ثم قبل أن يخرج من بيته وهو في كامل طهره ووضوئه متطهرا متطيبا متسوكا يتجه إلى الله - تعالى -ويدعوه أن يحفظه وأن يعينه وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين.

أليس مثل هذا حريا بأن يكون التوفيق حليفه والنصر ربيبه.. واجزم لو أن الشيخ - رحمه الله - علم أنه سيموت في اليوم المحدد والوقت المحدد ما زاد في عمله شيء فكل وقته كان لله وبالله وفي الله ومع الله».

الرحيل

وفاة الإمام القدوة المجدد شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد الله بن باز صفحة ما أزهاها قد طويت، وعين ما أعذبها قد غارت.. لقد كان هذا الإمام قوياً على حادثات الزمان.. لا تضعضعه الآلام.. ولا تهزه الأوجاع.. اجتمع عليه ضعف الكبر.. ووخزات الآلام والمرض.. وهو ماضٍ في طريقه.. أنسته آلام المسلمين آلامه.. وأنسته أوجاع المسلمين أوجاعه.. ولكن!!

رأيت المرء تأكلهُ الليالي *** كأكل الأرض ساقطة الحديد

وما تبغي المنية حين تأتي *** على نفسِ ابن آدم من مزيد

أكثر من ثمانين عاماً؛ ملئت بالأعمال الهائلة لو كلفت بها الجبال الراسيات لتضعضعت لها!! لقد كان هذا الإمام صبوراً لا يشتكي أوجاعه لأحد ولا يبدو عليه ألم المرض وشكواه، وظل- رحمه الله - إلى آخر يوم في حياته؛ يعلم الخير ويقضي حوائج المسلمين حتى وهو على سرير المستشفى العسكري في «الهدا» في مرضه الأخير!.

وتبدأ معنا رحلة الفراق لهذا الإمام وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله - السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله - لعدم تمكنه من حج عام (1419هـ)، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام.. فلقد كان لوجوده- رحمه الله - بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام..

ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله - على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى مستشفى الهدا العسكري بالطائف، ومكث به أياماً ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر!

بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛ وكانت تلك الجلسة هي الجلسة الأخيرة؛ التي جلس فيها كعادته في مجلسه العامر يوجه بكلمات نصحه الغالية.. ويستقبل الفتاوى عبر الهاتف!.

ثم صلى بعدها صلاة العشاء مع أسرته، وتحدث معهم في مجلس أسري يزينه سماحته - رحمه الله تعالى -.. وفي تمام الساعة الثانية عشر ليلاً شعر ببعض الآلام في القلب، وضيق في التنفس، وفي الثالثة صباحاً اشتدت به الوعكة؛ فنقل إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف؛ ليفارق بعدها الحياة.

وقبل وفاته كان يردد: سبحان الله؛ والحمدلله، والله أكبر.. كلمات لطالما ملأ بها ليله ونهاره.. ولطالما رطب بها لسانه.. لقد كان صباح الخميس صباحاً شديداً على المسلمين!

وفي مكة تم غسله وتكفينه بمنزله في العزيزية، وشارك في غسله مجموعة من المشايخ والمحبين..

ورؤي وجهه وقد اكتسى بعلامات من الضياء، والنور الساطع، فكان بياضه شديداً يأخذ بالأبصار، ويبهر الألباب!.

وهنالك وفي الحرم الطاهر حيث بيت الله الحرام؛ توافد المسلمون من كل مكان ليشهدوا تشييع جنازة الإمام شيخ الإسلام الذي شهد له بالعلم الموافق والمخالف!.

فيا لله! من يوم ما أشد الزحام فيه! امتلأ المسجد الحرام بالخلق! وضاقت ساحاته عن حمل الناس! وقد قدر عدد من شهده بمليونين! الكل يلهج بالدعاء والاستغفار لهذا الإمام.

يوم الجنائز أنت أكبر شاهدٍ *** للمفترى والعالم الرباني

تروي جنازتكم جنازة أحمد *** أعني ابن حنبل أو فتى حرَّانِ

وكانت الصلاة على الجنازة بعد صلاة الجمعة من يوم ثمان وعشرين من شهر الله المحرم من سنة ألف وأربعمائة وعشرين.

فرحم الله ابن باز في المرحومين، وأنزله منازل الشهداء والصديقين، وأعلى مقامه بمرافقة النبيين.

قراءة تحليلية لسيرة ومسيرة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - [6]

أولاً....

صحيح أنه أعمى، لكن إذا عرضت مشكلة تجد المبصرين يبحثون عنه.

وصحيح أنه كفيف، لكن لا يكف - عند النازلة - ذوو العقول والأحلام في التنقيب عنه.

وصحيح أنه لا يرى لكن تجد من يرى لا يطمئن حتى يفتش عنه ويستفتيه، هو «الشيخ عبد العزيز بن باز» تفسيراً لقوله - تعالى -: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحـج: 46].

وسبب التفتيش والبحث والتنقيب ما يملكه - رحمه الله - من الإدراك، القوي للأمور، والأعمى يشترك مع البصير في قوة الإدراك، وقد يفوقه، كما قيل لبشار بن برد: إنك تأتي بالمعجب والتشبيه القريب مع أنك أعمى؟! فقال: «عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل» [7].

بل هناك من يرى أن المشاهدة قد تكون في بعض الأحيان سبباً في عدم إتاحة المجال للتدبر والتفكر الهادف إلى تنمية ملكات العقل والإبداع، يقول: د. ناجي حلواني: «لا يتيح التليفزيون مجالاً للتخيل، لأنه يشغل حواس المشاهد، ولا يسمح له بأن ُيحَلَّق في خياله، وذلك بعكس الراديو الذي يتيح للإنسان فرصة للتخيل، وكذلك الكتاب الذي يجعل القارئ يسبح في أحداث رواية من الروايات، فالمطلوب هنا الخيال الهادف إلى تنمية ملكات العقل في التخيل والإبداع، وإثارة التطلعات نحو حياة أفضل، والعمل الجاد على تحقيقها» [8]

ومَنْ تدبر حياةَ هذا الإمام، واستقرأَ أحوالَه تبين كيف كتب الله له أن يعيشَ محبوباً، وليس له أعداء مع تميزه على غيره ومخالفته لهم، وهذا من النادر جدًّا؛ لأن التميزَ سببٌ في خلق الأعداء وعلة للبغضاء، كما يقول الفيلسوف الفرنسي: «إذا أردتَ أن تخلق الأعداء فتميز على أصدقائك، وإذا أردتَ الأصدقاء فدعهم يتميزون عنك»[9].

وكيف استطاع ذلك مع أن المعاصرة سبب للمنافرة، وكيف استطاع أن يبقى متمسكاً بمبادئه لا يتنازل عنها مع شدة النوازل وقوة الأزمات فمن كان عنده قوة إدراك ولديه تدبر قوي كان باستطاعته إدارة الأزمات، ووصف دوائها.

فليست العبرة بالبصر والمشاهدة، بل العبرة بالإبصار القلبي، الذي هو محل الإدراك والتفكر العقليين في إدارة الأزمات وتشخيص القضايا وحلّ المعضلات، ووصف الدواء وتحضير العلاج.

والسمع كاف للإبصار القلبي لذلك كان من شروط النبوة، والعلماء ورثة الأنبياء. قال الصفدي - رحمه الله -: «فضل كثير من العلماء السمعَ على البصر، وقالوا: إنَّ السمع شرط في النبوة بخلاف البصر، ولذلك لم يأت في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من كان أصم، وجاء فيهم من طرأ عليه العمى، وقالوا: بالسمع تصل نتائج العقول، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل.. قلت: ولا شك أن أدلة فضيلة السمع أقوى من أدلة فضيلة البصر» [10] ا هـ.

يقول العلامة محمد رشيد رضا - رحمه الله - بمعنى كلامه: «إنَّ كثيراً ممن ينظرون للقضايا، ويقومون بإدارة الأزمات - كالعلماء وفلاسفة السياسة والاقتصاد والاجتماع أناس منغلقون في غرف وقابعون في دور».

أي أنهم لم ينتقلوا إلى مسرح الأحداث، ولم يرحلوا إلى مواقع الأزمات، ولم يشاهدوها وجهاً لوجه، بل نقلت إليهم الأخبار، لذلك لم يكن الصحفي الذي يتنقل، ويرحل، ويشاهد هو المشخص للقضايا، والمخطط لإدارة الأزمات والأحداث، بل غيره أفضل منه، وله اعتبار أكبر، ولديه حلُُّ للقضية والمخرج من الأزمة.

فالإمام عبد العزيز بن باز كفيف لكن فهم القاصي أنه قادر على حل مشكلته، وعرف الداني أنه باستطاعته أن يرفع حرجه، وعرف مَنْ في الشرق والغرب أن لديه إدراكاً لحل الأزمة.

يقول د. سعد الشويعر مستشار الشيخ: «المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عندما يختلفون في أمر وتكثر أمامهم الآراء يلجئون بالهاتف من أي أرض لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيرضون بما يوجههم إليه، والجاليات الإسلامية في أنحاء المعمورة - رغم أنه لم يغادر المملكة طوال عمره - لا يحل قضاياهم، ولا يريح قلوبهم في أي أمر يريدون، ولا يبذل الجاه لبناء مساجدهم ومراكزهم أو يمدهم بالكتب إلا الشيخ عبد العزيز بن باز»[11].

يقول د. عثمان الرواف: عندما كنتُ رئيساً لقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود زارنا في القسم أستاذ السياسة في جامعة «كونيز» في كندا - باكستاني الأصل - فأبدى رغبة في زيارة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

قال الدكتور عثمان واصفاً الزيارة: فصوت رنين الهواتف العديدة الموجودة في مكتبه لا ينقطع ما دام الشيخ يعمل، ومساعدوه يردون على المخاطبين، ويطلبون منهم الانتظار حتى ينتهي الشيخ من مخاطبة المتحدث الآخر في المكالمة الأخرى، المسئولون يسألون الشيخ عن قضية مهمة تواجههم، وعامة الناس يستفتونه في أمورهم الصغيرة والكبيرة، الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء من المدن والقرى، من داخل المملكة وخارجها يستفتون مفتي المملكة، أو يكتبون إليه لكي يسألوه عن أمور عديدة متنوعة [12].

فكون الشخص لا يرى بسبب العمى أو بعلة الانغلاق في الدور لا يدل على عدم قدرته على إدارة الأزمات.

فما بالك بمن كان إدراكه القوي وقوة تدبره يفسر قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ) [البقرة: 282].

ويشرح قوله - تعالى -: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27].

ثانيا...

ينقل الإمام أحمد قوله لأهل البدع والمخالفين: «بيننا وبينكم الجنائز»، في الحقيقة ليس التجمهر وحده حول الجنازة كافياً في صدق ذاك الميت في المجتمع، وليس التزاحم فقط حول تلك الجثة برهاناً على قوة مبادئ وصحة أفكار ذاك المتوفى، بل العبرة في نوعية المزاحمين، وإلى أي طبقة من المجتمع ينتمي المتجمهرون، فقد يتزاحم العامة وحدهم حول جنازة ما، وقد يتجمهر العامة وأمراؤهم فقط وهذه أعلى من التي قبلها، وأعلى منهما أن يتزاحم العامة ويتجمهر الأمراء ويلتف حولها العلماء.

ومثال ذلك جنازة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

فالعلماء هم أولى الناس بالدخول في حديث: ((أنتم شهداء الله في أرضه)) عندما مرت جنازة فأثنى عليها الصحابة - رضي الله عنهم - خيراً، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((وجبت)) ومرت أخرى فأثنى عليها الصحابة شرًّا فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((وجبت)) ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أنتم شهداء الله في أرضه)) [13].

فالعلماء هم أول من يدخل في معنى هذا الحديث، وعليهم التعويل في الشهادة، ولذلك أشهدهم الله على وحدانيته، فقال: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18].

فإذا التف العلماء حول جنازة ما فهم أصل في صدق ذاك الميت، ودليل على صحة مبادئه، وعلامة على قوة أفكاره، وبرهان على استقامة منهجه، وطريق إلى متانة مسلكه، وإن لم نجعل العلماء الفارق بين الجنائز، وإن لم نصيرهم قاعدة التمييز بين الجثث، يختلط علينا جنازة الثرى بالثريا، وجنازة الصالح بالطالح، ولا نستطيع التمييز بين جنازة التبر من جنازة الترب.

وهذا الاختلاط في الجنائز يؤثر في بناء المجتمع بناءً قويًّا، وعدم التمييز يصعب عملية إقامة مجتمع سليم ومعافى من الآفات والأزمات والبلايا.

ومن أمثلة هذا الأمر ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على من كان عليه دين - والعلماء ورثة الأنبياء - لماذا لم يصل عليه؟! لأن في موته وعليه دينُُ دليل على أنه لم يراع حق مجتمعه، وبرهان على عدم حرصه على إيفاء حقوق الآخرين - وإن كان هناك تفصيل - لكن هذا مؤشر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر، وأصل في قضية مهمة وهي (أنه يجب على مَنْ تولى أمراً من أمور المجتمع أن يكون صاحب ذمة، ويهتم بإبراء ذمته، وإيفاء حقوق الآخرين).

ولذلك تقول العامة: فلان ليس له ذمة، عندما يكرهون توليه أمراً من أمور المجتمع، وعندما يخشون أكل حقوقهم، وممن ورث هذا الأصل من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاول توضيح هذا المؤشر في المجتمع سفيان الثوري - رحمه الله - فقد ترك الصلاة على بعض أهل البدع، بل كان يحضر في بعض الأحيان الجنازة فإذا أرادوا التكبير يخرج من بين الصفوف علانيةً، حتى يتبين للناس عدم استقامة منهج هذا الرجل، وأن مبادئه وأفكاره تهدم المجتمع.

وكما قلت أولاً: إنَّ العامة تقول عن بعض من كرهوا توليه أمراً من أمور المجتمع أو يخشون أن يأكل حقوقهم: (فلان ليس له ذمة)، ومع ذلك قد يتجمهر العامة حول جنازته، وقد تتزاحم حول جثته في الوقت الذي يترك التجمهرَ العلماءُ، ويدع التزاحمَ المشايخُ.

فالعبرة في التمييز بين الجنائز هم العلماء، والتعويل في ذلك على المشايخ.

ولذلك في الوقت الذي يسافر فيه العلماء إلى الحرم للصلاة على الشيخ عبد العزيز بن باز، ويتوافد المشايخ على المسجد الحرام للصلاة عليه، ويحرص على تشييعه هؤلاء العلماء - الذين هم شهداء الله في أرضه - أنفسهم يخرجون من الحرم، وينفرون من المسجد الحرام عند إعلان صلاة الغائب على بعض الناس!

لماذا خرجوا؟ لأنهم يعرفون عدم صدق ما تبناه؟! ولماذا نفروا؟ لأنهم يعرفون ضعف أفكاره، وخطرها على المجتمع، ويلاحظون عواقب مسلكه على المسلمين، ويملكون براهين على هشاشة مبادئه، وعندهم أدلة على ضعف منهجه، لابد أن هناك من عاتبهم على نفورهم من المسجد الحرام، وأنبهم على ترك الصلاة على الغائب، وعلة إنكار هؤلاء على العلماء أنهم لم يعرفوا، ولم يفهموا ولم يلاحظوا ما لاحظه وما عرفه وما فهمه العلماء، ولهذا لما لاحظوا ما لاحظه العلماء وعرفوا ما عرفه المشايخ، وقرءوا كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - (في نبذ القومية العربية) وجدتهم في مقدمة من نثر، ومن أوائل من نظم في تأبين صاحب هذا الكتاب، ولما فهموا ما فهمه العلماء رأيتهم يكتبون في ذم القومية العربية، ويسعون لكشف الحقائق الصحيحة التي تخالف ظاهر الدعوة لدى زعيمها عبد الناصر، فمن ذلك وهو أمر بسيط يستطيع هذا الزعيم المزعوم أن يتمسك به ظاهراً، ولا يضره تمسكه به، أنه في نفس الوقت الذي يدعو فيه إلى القومية العربية إذا جلس مع خاصته أو جلس مع من لا يتقنون التحدث باللغة الإنجليزية تكلم بها متفاخراً بها ومتعالياً عليهم!

فأين العروبة في هذا الأمر الذي هو من السهل التمسك به؟!

ولا يفقده التمسك به لذة ولا منصباً ولا جاهاً، بل يزيده منصباً وجاهاً وشهرة.

فما بالك بما هو أكبر ويرتبط بالمنصب والجاه؟

فقد ترجم أحدهم من كتاب أحدهم وهو «ينابيع الذاكرة» تقول الترجمة: (أن عبد الناصر سأل حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم - رحمهما الله - عند لقائهما في القاهرة سنة 1959م عن الإدارة الحكومية في دبي).

ردّ الشيخ راشد قائلاً: إن كل الخدمات الرئيسة تدار بمعرفة مسئولين بريطانيين، كان جواب عبد الناصر، - كما يرويه عيسى - مفاجأة غريبة: (أشكرك لأنك أخبرتني الحقيقة، لديَّ ملفات عن هؤلاء، عليك الاحتفاظ بالإنجليز على الدوام، بوسعك أن تستند على أكتافهم، وأن تستخدمهم لتعليم الأولاد والشبان الانضباط، أنا لست ضد الإنجليز لا تسمع لما يقوله صوت العرب) [14].

وبهذا تعلم أنه ليس التجمهر وحده كافياً في صدق الميت المحمول مع مبادئه، وليس التزاحم على الجنازة وحده يبين استقامة مسلكه ومنهجه، وليس الالتفاف حول الجثة وحده قادراً على إقناعنا بصحة أفكاره، بل الذي يقنعنا بصحة أفكاره، ويزيدنا قناعة بصدقه مع مبادئه واستقامة منهجه ومسلكه هو نوعية المتجمهرين، وسمة المتزاحمين، وصفة الملتفين حول تلك الجنازة، وباعتبار النوعية، والسمة.

ثالثا...

الشيخ عبد العزيز بن باز كان تفسيراً لقوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

فمن آيات الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تواضع لله رفعه» [15] في الحقيقة شهد القاصي وأقر الداني على تواضع الشيخ ابن باز، وفي الحقيقة لا يوصف من لا يملك جاهاً بأنه متواضع، كما أنه لا يوصف شخص لا يملك دنيا بالزهد، ولا يوصف من لم يملك مالاً بأنه بخيل.

فشهادة القاصي وإقرار الداني على تواضع الشيخ لأنه يملك جاهاً عريضاً ظهر من خلاله التواضع ناصعاً، وسمعة واسعة اتضح منها التواضع جليًّا، ومنصباً رفيعاً بأن منه التواضع ساطعاً.

وبما أن هذا الداني، وذاك القاصي يعلمان علماً يقيناً أن الشيخ لم ينل الجاه العريض بثراء مادي، ولم يكسب السمعة الواسعة بنسب، ولم يحصل على المنصب بشهادة.

ومع ذلك تجدهما يقرَّان بمنصبه، ويشهدان على جاهه، ويعترفان بسمعته.

فما سبب ذلك؟!

السبب هو أن الشيخ - رحمه الله - كان يملك يقيناً قويًّا، وعنده قوة يقين تجاه حديث: «من تواضع لله رفعه». وهذا اليقين القوي وقوة اليقين هي التي يفقدها الذين يبحثون عما يبحث عنه الشيخ - رحمه الله - من منصب رفيع ليتسنى لهم أمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ومن جاه عريض ليستطيعوا به التوسل والشفاعة في أعمال الخير، وسمعة واسعة ليزاولوا بها تعليم الناس وإرشادهم.

فمن تدبر أحوال الشيخ في بداية حياته الوظيفية ومع الناس عرف بأن الشيخ يملك قوة يقين بأنه لا يمكن أن يطاع أمره بالمعروف، ولا يمكن أن يسمع نهيه عن المنكر إلا من طريق المنصب الرفيع، وأيقن بأنه لا ينال هذا المنصب الرفيع إلا عن طريق اليقين القوي بهذا الحديث وقوة يقين بذاك الأثر.

ومن استقرأ أفعاله في أوائل أيامه في التعليم والتوجيه علم بأن الشيخ جعل هذا الحديث - واليقين القوي به - نصب عينيه، وأنه لا يمكن تعليم الناس في أقصى الشرق، وإرشادهم في أقصى الغرب إلا عن طريق السمعة الواسعة، وأنه لا وسيلة إلى هذه السمعة إلا هذا الحديث واليقين فيه.

ومَنْ سبرَ أمورَ الشيخ في الخمسينيات والستينيات، وحوله مَنْ يريدُ الشفاعةَ والوسيلةَ وهو لم يملك الجاه العريض بعد، وقارنها بحاله قبل وفاته وهو ذو جاه عريض، وعريض الجاه أيقن بأن الشيخ نصب هذا الحديث واليقين فيه أمام ناظريه، وأنه لا يمكن الشفاعة لمن أرادها ولا الوسيلة لمن ابتغاها إلا بالجاه العريض، ولا يمكن الحصول على هذا الجاه إلا بسبيل اليقين بهذا الحديث.

فالشيخ عبد العزيز إمام في منصبه وجاهه وسمعته التي لولا توفيق الله له بالصبر على هذا الخُلُق العظيم - التواضع - وتصبيره على امتثال اليقين بمفعوله لم ينل الإمامة، كما قال الإمام أحمد: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين وتلا قوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

 رابعا...

لا تنسجم أفعال الإنسان وأقواله إلا إذا حدد الهدف بدقة، ولا تتناسق سكناته مع حركاته إلا إذا اتضحت لـه الغاية غاية الوضوح، ومن ليس كذلك تجده متخبطاً، فتجد منه تواضعاً في محل كبر، وكبراً في محل تواضع، ومن لم يكن كذلك تجده يضع السيف في موضع الندى، ويضع الندى في موضع السيف.

في الحقيقة تذكرت هذا الأمر عند قراءة كتابات لبعض من عاشر الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، فتجد بعضهم يصفه بالتواضع في موضع المصلحة فيه التواضع، وآخر يصفه بالشدة في موضع لولاها لضاعت المصلحة، وهناك من يصفونه باللين الدافع لمفسدة متحققة لو استخدمت القوة.

وهذه الصفات تجدها مجتمعة في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، وهذا أمر صعب، وصعوبته تكمن في أول حياته، ووسطها وقت التنافس الشخصي، والتطلع إلى المادة، والبحث عن الذات، بخلاف آخر الحياة فالأمر يسير، لذا كتب الشاعر الرصافي إلى نوري السعيد قائلاً: «... أظنك لا تتهمني بشيء فيما قلتُ في هذه الأبيات، وأزيدك أنني اليوم واقف على شفير القبر أعيش آخر أيامي مجرداً من الأهل والسكن، ولا ولد لي أخشى ضياعه، ولا عقار أخاف انهدامه، فمن السفه أن أتكلم عن هوى أريده أو عن غاية خاصة أقصدها وإنما غايتي فيما أقوله المصلحة العامة» [16].

وقال الأستاذ عصام العطار: «... لم أذكر هنا ما ذكرته من حديثي مع الأستاذ على الطنطاوي للتفاخر، فقد جاوزت الآن السبعين من العمر... » [17].

وعوداً على بدء لم يكتمل هذا الجانب من شخصية الشيخ بهذا الأمر، بل هناك مكمل ومتمم يكمن فيه كون الهدف محدداً بدقة، ويتضح منه كون الغاية واضحة غاية الوضوح، وهو أن مَنْ يصف الشيخ باللين لا ينكر على من يصفه بالشدة، ومن ينعته بالتواضع لا يستنكر نعت الآخرين له بالحزم، بل تجد المخالط له يصفه باللين مرة، ومرة ينعته بعدم المرونة، ومع ذلك لا يرى في نفسه تناقضاً ولا في كلامه تعارضاً.

فهذا الانسجام التام في أفعال الشيخ وأقواله، وذاك التناسق الكامل لا يتأتى إلا لمن حددَ الهدفَ من حياته بدقة متناهية، واتضحت له الغاية من خلقه غاية الوضوح.

فكلما حُدد الهدف بدقة انسجمت هذه المعاني وحلت في موضعها، فلا الندى في محل السيف، ولا السيف في موضع الندى، وكلما كانت الغاية واضحةً تناسقت هذه الصفات، فلا تواضع في مكان لا تواضع فيه ولا كبر في محل التواضع.

وهذا الانسجام وذاك التناسق ليس بمقدور شخص يبحث عن ذاته في ملف المصلحة العامة، وليس بإمكان شخص يفتش عن حظوظ شخصية على حساب حظ الناس، وبعيدة هذه المعاني الكبيرة والحكمة في استخدامها، وتلك الصفات والحكمة في استعمالها عن إنسان ينقب عن المادة في أرضية العامة.

فالشيخ عبد العزيز أنكر ذاته أمام ما ينفع المسلمين، ونسي حظه الشخصي في غمرة حظ الناس، وذوَّب المادة على أرضية العامة.

لذلك انسجمت أفعاله طوال حياته مع أقواله، وتناسقت أقواله مع أفعاله، لذا فلا غرو أن تجد من لان معه الشيخ وعامله بالمرونة يناديه بـ(الوالد)، وفي نفس الوقت من استخدم معه الشيخ الشدة والحزم يصفه بـ(سماحة الوالد).

لأن هذا وذاك يعلمان أن الشيخ هدفه المحدد (الآخرة)، وأن غايته النهائية (المصلحة العامة)، فمثله ومثلهم كأب لأبناء - نسباً - لا يَشُكُّون في حبّ والدهم لمصلحتهم، ولا يرتابون في حرصه على منفعتهم.

يعجبك مَنْ يتمسك بمقولة: (الاعتراف بالحق فضيلة)، وبعبارة: (رحم الله رجلاً عرف قدر نفسه)، فهناك من لا يرى من نفسه الأهلية لمنصب (الأبوة) وعرف أنه التزام صعب بأخلاق صعب التمسك بها في جميع المقامات، وفي مختلف الأحوال، فتنازل عن هذا المنصب مشكوراً بقوله: «عندما كنت عميداً لكلية التجارة أقول للطلبة: لستم أبنائي فلي أولادي، ولكم آباؤكم، ولكن اعتبروني إذا استحققت ذلك - أخاً كبيراً - ولا أزال أقرر هذه لكل من يقرر أنني أبوه » [18].

إذًا فلا غضاضة بعد تنازله هذا أن لا تنسجم أفعاله مع أقواله، وأيضا لا غضاضة بأن لا تتناسق أقواله مع أفعاله.

حيث قال: (استدركت على أبي عبد الرحمن بن عقيل جزئية من جزئيات محاضرته التي ألقاها في مؤتمر الطلبة الخليجيين في لندن - حيث قال أبو عبد الرحمن: «إنه لا يصدق ما يقوله العلماء المختصون: من أن بعض الصخور يرجع عمرها إلى ملايين السنين لأنه استنبط من القرآن أن عمر الأرض لا يزيد على خمسين ألف عام».

الاستدراك: أن مواهب أبي عبد الرحمن - وهي بفضل الله عديدة - لا تشمل علوم الجيولوجيا والكوزمولوجيا، وأنه من الخير له ولسائله أن يترك هذا الفن لأربابه... ) [19].

فمن الخطأ أن لا نقدر شخصاً قدَّر نفسه فتنازل عن منصب (الأبوة) مثل أن نخطئه في قوله عن كتاب «رفع الحرج في الشريعة الإسلامية» للشيخ صالح بن حميد.... ما أبيح لنفسي في عجالة كهذه أن أناقش بحثاً موسعاً مفصلاً مثل هذا البحث) [20].

فلا نخطئه قائلين: كيف يستدرك على ابن عقيل دخوله في علوم ليست من تخصصه؟ مع أنه ارتكب ما ارتكبه ابن عقيل من دخوله في غير تخصصه - وذلك بمحاولة تقييم كتاب الشيخ صالح بن حميد لولا الانشغال وعدم التفرغ -. فكون استدراكه على ابن عقيل لا ينسجم مع قوله لا يؤاخذ عليه لأنه تنازل عن منصب (الأبوة) الذي يدعو إلى انسجام الأقوال مع الأفعال، وتناسق الأفعال مع الأقوال.

خامسا...

الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يفسر قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] وذلك بمعاملته للمسلمين من غير العرب، ويبين معناها برميه للعنصرية، ويشرحها بنبذه للعصبية لإقليم أو نسب أو لون.

فالشيخ - رحمه الله - يؤمن بأن الدين لم ينزل على العرب فقط، بل هو عام، ولم يبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - للون واحد بل إلى جميع الألوان، ولم يرسل لنسب واحد بل إلى كافة الأنساب.

فإيمان الشيخ بهذه القطعيات جعله يفهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13]

ويفسرها بما تقدم، ويشرحها بما سبق، وبما أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الله أخذ على الأنبياء عهدًا بأن يبينوا هذا الدين للناس، فعلى هذا يجب على العلماء التبيين وتبليغ هذا الدين، فإيمان الشيخ بهذا الواجب أداه إلى أن يفهم بأنه لا يمكن تبليغ هذا الدين مع العنصرية، وأنه لا يستطيع أن يأمر بمعروف من في أقصى الشرق أو أن ينهي عن منكر من في أقصى الغرب مع العصبية.

وأثناء قراءة الشخص عن حياة الشيخ عبد العزيز كأنه يسمع الشيخ ينادي بأن من أراد أن يكون وريثاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فليبين للناس هذا الدين، وليبلَّغ هذا الشرع لجميع الخلق، ومن أراد أن يقوم بهذه الوظيفة فعليه أن ينبذ العصبية التي تحجم العالم أو طالب العلم وعليه أن يرمي العنصرية التي تمنع الآخرين من قبول الحق لأنه مشوب بباطل، وكلما حرص العالم أو طالب العلم على تطهير أمره بالمعروف من نتن العصبية وتنظيف نهيه عن المنكر من قذر العنصرية صار إلى القبول أقرب وإلى القلوب أوصل.

فسبب تخلف بعض طلبة العلم عن وراثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التبيين والتبليغ: الإقليمية، وسبب الإقليمية العصبية والعنصرية، وسبب العنصرية والعصبية قلة توفيق من الله.

سادسا...

تشتمه فيتحرك لسان حاله بقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

وتسبه فيحرك لسان مقاله بقوله - تعالى -: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) [النساء: 147-148].

فالشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كما أعرف ويعرف الشاتم يستطيع أن يرد الشتمة بمثلها، والشيخ كما أعرف ويعرف الساب قادر على أن يأخذ بثأره، لكنه - رحمه الله - لم يرد مع استطاعته ولم يأخذ مع قدرته، وهذه هندسة في علم الاجتماع وتكتيك في العلاقات، فليست غفلة كما يظن البعض، وليست بلاهة كما يعتقد آخرون.

فالشيخ لا يريد أن يهابه الناس فيتمنوا زواله، ويخافه المجتمع فيرجو إزاحته، بل يريد أن يحبوه فيتمنوا بقاءه، ويحترموه فيدعو له بطول العمر.

وقد نال الشيخ هذه المرتبة، وحاز على هذه المزية، فتجد الشاتم بجوار المحب، والساب قريباً من الصديق في مجلسه أيام حياته، وفي المسجد وقت الصلاة عليه، وفي الصحف لتأبينه ورثائه.

والشيخ لا يريد أن يبغضه الناس فيحاولوا عرقلة مشاريعه الخيرية، ولا يريد أن يمقتوه فيحاولوا غربلة إسهاماته الطيبة، بل استطاع بتلك الهندسة أن يستخدم شاتمه في إنهاء إجراءات مشاريعه الخيرية بدل عرقلتها، وبذاك التكتيك قدر أن يستعمل سابه بتخليص إسهاماته الطيبة.

كيف استطاع أن يُحَوَّل الشاتم إلى رجل من رجالاته القائمين على خدمته؟ وإلى أحد الحاضرين في مجلسه لسماع فتواه واستشارته؟ وإلى واحد من المصلين عليه تقرباً إلى الله؟ وإلى كاتب تأبين ورثاء مفتخراً بقربه إليه؟ وكيف قدر على قلب الساب إلى عضو فعال في إسهاماته؟ وإلى تلميذ؟ وإلى داع له؟ وإلى شاعر معتز بمهاتفة ومراسلة ومحادثة الشيخ له؟

فليست البلاهة تستطيع التحويل، ولا الغفلة قادرة على القلب، بل هندسة وتكتيك مملوءان باليقين بقوله - تعالى -: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض))[21].

فالشيخ لديه يقين بأنه إذا كظم غيظه وعفا عن المسيء صار من المحسنين الذين يحبهم الله، وعنده يقين بأنه إذا أحبه الله أحبه الناس، وهذا الكظم من الشيخ، وطلب التعويض من الله من اليقين بحديث: ((«إنك لن تدع شيئا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك خيرا منه))[22].

وبهذا استطاع الشيخ أن يُحوَّل الشاتم كما تقدم، وأن يقلب الساب كما سبق.

وهناك عملية أخرى يقوم بها - رحمه الله - للتحويل والقلب وهي أن الشيخ مهما نزلت أخلاق الآخرين عند التنافس، وهبطت عند الأطماع، وانخفضت عند الاختلاف تبقى أخلاقه عالية لا يتنازل عنها، ولا ينزل بها مع ذاك المنافس والطامع والمختلف، وسبب عدم تنازله عن أخلاقه ونزوله بها هو أن الشيخ يتعبد بها، وبها يتقرب إلى الله فلم يتخلق بها لينال منصباً وبنيله له تزول، ولم يتمسك بها طمعاً بزائل فلما زال زالت، ولم يعض عليها بالنواجذ لكون الآخرين موافقين له فلما اختلفوا عليه انخفضت أخلاقه وهبطت آدابه.

بل هي دائماً عالية، وسبب علوها أن الشيخ مواظب على سقياها في جميع الأحوال، ومختلف الحالات، وذلك بماء المكرمات كما قال الشاعر:

هي الأخلاق تنبت كالنبات *** إذا سقيت بماء المكرمات

فماء المكرمات النية الصالحة والمقصد الحسن، فالمحافظة على علو الأخلاق، والمداومة على الأخلاق العالية في جميع الأحوال ومختلف الحالات صعب جدًّا، ويحتاج إلى همة عالية ويقين قوي، فلولا قوة يقين وعلو همة الشيخ بأن المداومة والمحافظة على الأخلاق ترفع الشخص في الآخرة - كما ورد في الأحاديث - لما استطاع أن يتمسك بها أمام نزول أخلاق المنافس، ولما قدر أن يصبر على هبوط سلوك الطامع، ولما تمكن من الصمود أمام انخفاض آداب المختلف، فبصموده وصبره وتمسكه لا بالبلاهة والغفلة استطاع أن يكسب احترام المنافس، وينال محبة الطامع، ويفوز بتوقير المختلف، وأن يحَوَّلهم إلى أعوان وأصدقاء.

سابعا...

لو سأل أحد الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في أوائل قبضه للراتب: كيف تنفق نفقة من لا يخشى غوائل المستقبل ولا يخاف الفقر؟ لأجاب الشيخ بكل يقين بقوله - تعالى -: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276].

ولو سأله آخر: كيف تقرض من لا تأمن إيفاءه، ولا تضمن تسديده؟ لأجاب بكل تأكيد بقوله - تعالى -: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245].

أنا أجزم بأن الشيخ يعلم علماً يقيناً في أوائل قبضه للراتب بأن راتبه بهذا الإنفاق سيزيد إنفاقه، وأن ماله بذاك القرض سيضاعف وسيضاعف الإقراض، وإذا كان هناك احتمال السؤال فكذلك اللوم والمؤاخذة واردان، فقد يكون هناك من لام الشيخ على إنفاقه، وأخذ عليه إقراضه لكن مثل الشيخ ويقينه بقوله - تعالى -: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة: 276] لا يلومه إلا من قل يقينه، ومثل الشيخ وتسليمه بقوله - تعالى -: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245] لا يؤاخذه إلا من ضعف تسليمه بوعد الله.

فضعف التسليم وقلة اليقين يمنعان من فهم أعمال المنفقين، ويحجبان عن قراءة مستقبل أفعالهم.

يقول الأستاذ إبراهيم الفقي: «إن القائد يتمتع بحاسة ممتازة في عمله، فهو يستطيع أن يرى أشياء لا يراها ولا يفهمها الآخرون، كما أنه مبدع ومعروف بأفكاره النيرة على الرغم من أن النقد قد يوجه إلى خيالاته، إلا أن مع الوقت يستطيع الناس أخيراً أن يتفهموا لماذا يرى القائد الأشياء بهذا الشكل؟ » [23].

فالشيخ إمام في الإنفاق، ويتمتع بيقين ممتاز أعلى من الحاسة الممتازة، وما يقينه وتسليمه إلا من الأفكار النيرة، لكن ليس كل الناس يستطيع أن يعرف أبعاد اليقين ويقرأ مستقبل التسليم إلا من رزقه الله يقيناً يعرف به وتسليماً يقرأ من خلاله، ومن لا يدرك ذلك يقال له بأن الشيخ يعلم علماً يقيناً أنه لولا إنفاق الألف الأولى على شخص واحد لما جاءت الألف الثانية ومن ثم إنفاقها على شخص آخر، وما إلى ذلك.... ولما صار الأجر أجرين، وبهذه المعادلة زاد الراتب، وزاد عدد المنفق عليهم وتضاعف الأجر.

ثامنا...

الإمام أحمد - رحمه الله - إمام في الزهد، وإمام في الورع والتقى، وإمام في العلم، فحياته - رحمه الله - تفسير لقوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

فمثله إمام في عدة جوانب قد تصدر منه كلمات أو أفعال لها عدة معانٍ، فقد قال - رحمه الله -: «بيننا وبينكم الجنائز» يقصد أهل البدع والمخالفين له، لشدة يقينه بصحة معتقده واتباعه وسلوكه، وإذا كانت إمامة الإمام أحمد تفسر الآية فإمامة الشيخ عبد العزيز بن باز تترجم هذه المقولة، فليس في هذا العصر جنازة صلي عليها في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب مثل جنازته - رحمه الله -، ولا أعرف ميتاً رثي (بحق) كما رثي هذا الشيخ، وسبب هذا وذاك صحة معتقده، وحسن اتباعه للشرع واستقامة سلوكه ومنهجه - رحمه الله -.

فهنا عبرة وفائدة من هذه المقولة وتلك الترجمة، وهي للمخالف للشيخ أحوج منها للموافق له في حياته، فيجب على المخالف أن يسأل نفسه عن سبب تجمع المصلين على جنازته في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويضع استفهاماً حول تلك المراثي وتلك التعازي التي شملت جميع مستويات الناس من الحاكم إلى المحكومين، ومن الرئيس إلى المرؤوسين، فلا يمكن أن يقبل الناس على شخص، أو يتأثر جمع عظيم بوفاته إلا لسر مكنون لا يمكن يناله إلا مخالف أراد الله له التوفيق فيما بعد وفاة الشيخ، وجذر عميق لا يمكن الوصول إليه إلا مخالف أراد الله أن يحبه بعد وفاة الشيخ، وهذا السر المكنون، وذاك الجذر العميق هو أن الله - سبحانه وتعالى - لا يمكن أن يطرح لرجل القبول في الأرض، وينشر محبته لشخص بين الناس إلا شخص يحبه ورجل قبله.

ولا يمكن أن يحب الله رجلاً أو يقبل شخصاً إلا إذا كان معتقده بالله صحيحاً، فلا تجهم، ولا اعتزال، ولا غيرها.

واتباعه للرسول - صلى الله عليه وسلم - سليم، فلا تعصب لحنبلي، أو شافعي، أو مالكي، أو حنفي.

وسلوكه مستقيم فلا نقشبندية، ولا تيجانية وغيرها من الطرقية، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض))[24].

وقال الله - سبحانه وتعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) [مريم: 96].

فمن وَدَّه الله فبسبب كون أعماله صالحة، فصلاح الأعمال طريق إلى ود الرحمن.

فجنازة الشيخ ابن باز - ومثلها جنائز الأئمة قبله - طريق لتصحيح العقيدة، والصلاة عليها في الشرق والغرب والشمال والجنوب طريق الاتباع الصحيح، والتعازي فيه طريق لمعرفة أي مسلك صحيح يسلكه المسلم، وهذا الاعتبار بهذه الجنازة لا يحصل إلا لمن أراد الله له التوفيق للهداية وسلوك طريق الأنبياء الذين العلماء ورثتهم، وهذه الجنازة لا يعتبر بها إلا من أراد الله له الخير والسداد في الحياة وبعد الممات.

 ـــــــــــــــــــــ

من المصادر والمراجع الإضافية

- جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز. رواية للشيخ محمد الموسى، وإعداد محمد بن إبراهيم الحمد.

- الصداقة بين العلماء: محمد بن إبراهيم الحمد.

- علماء مفكرون لقيتهم -الجزء الأول- محمد المجذوب:

- حديث تلفزيوني للداعية الدكتور: محمد بن موسى الشريف في فضائية (اقرأ).

- الإمام القدوة عبد العزيز بن عبد الله بن بازأزهري أحمد محمود   

زياد علي

زياد علي محمد