الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

قصص الأنبياء == ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ



ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين " وَذكره تَعَالَى فِي جملَة الانبياء الكرامو فِي سورتي النِّسَاء والانعام، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَقَالَ الامام أَحْمد: حَدثنَا وَكِيع، حثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ [بِهِ (2) ] .
__________
(1) المطبوعة: فَمه.
محرفة.
(2) لَيست فِي ا (*)

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدثنَا شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
قَالَ شُعْبَةُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ، هَذَا أَحُدُهَا.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [أَحْمَدُ (1) ] عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُونُس (2) بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنبأَنَا إِسْرَائِيل، عَمَّن أَبى يحيى العتاب، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيث شُعْبَة بِهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ط: يُوسُف.
(*)

وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (1) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (2) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس.
وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ.
وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه
يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ط: يُوسُف.
(*)

وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (1) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (2) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس.
وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ.
وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه الْجُزْء الثَّانِي وأوله: " قصَّة مُوسَى الكليم " بعون الله وتوفيقه.

الزوج الوفي المحب صلى الله عليه وسلم


الزوج الوفي المحب صلى الله عليه وسلم

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت )) (1).

هكذا استطاعت خديجة رضي الله عنها أن تملأ على زوجها حياته وقلبه وبيته حتى لا يفكر في امرأة أخرى ، وفرت له الراحة والطمأنينة والسكينة في نفسه وفي بيته وحياته .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (( يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب )) (2)

قال السهيلي : (مناسبة نفي هاتين الصفتين ، أعني المنازعة والتعب أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعاً ، فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك ، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة ، وهونت عليه كل عسير ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها) (3) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يبق في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟!فيقول : (( إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ))(4) .

وعنها أيضاً قالت : (( استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة علىرسول الله صلى الله عليه وسلمفعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال : (( اللهم .. هالة )) قالت : فغرتُ فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها)) (5) .

قال ابن حجر : ( وفيه دليل عظيم على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها ، لأنها أغنته عن غيرها ، واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين ، لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً ، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً ، وهي نحو الثلثين من المجموع فصان قلبها مع طول المدة من الغيرة ، ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له منه ما يشوش عليه بذلك ، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها) (6) .

وقال النووي : ( في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً ، وإكرام معارف ذلك الصاحب) (7) .

الليث بن سعد

الليث بن سعد
لله درك يا إمام.. لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم، والعمل، والزهد والورع.
في سنة 94هـ، وفي أحد أيامها المباركة ولد الليث بن سعد، في قرية (قرقشندة) من قرى مصر، ونشأ ذلك الطفل بين ربوع تلك القرية، فوجد الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون القرآن الكريم، فأسرع الليث إلى منزله، وأحضر أوراقه
وقلمه، وبدأ يحفظ القرآن الكريم، ثم درس الحديث والفقه والعلوم العربية، فسبق زملاءه، وساعده على ذلك نبوغه المبكر، وذكاؤه الفريد.
واصل الليث الدراسة والتعلم والحفظ، فكان كلما قرأ شيئًا في الفقه أو الحديث عَلَقَ بذاكرته وحفظه فلا ينساه أبدًا، فقد كان قوي الذاكرة، جيد الحفظ، ولفت الفتى الليث الأنظار إليه بعلمه وورعه، وأصبحت له مكانة كبيرة بين أهله، يعرفون
فضله، ويقدمونه على من سواه، ولكن الفتى لم يغترَّ بهذه الشهرة، ولم يخلد إليها ولا إلى التقدير الذي كان له وسط العلماء، بل استمر يتعلم ويتزود وينهل من غيره من العلماء، حتى صار أستاذًا يدرس للعلماء.
واشتاقت نفس الليث يومًا لزيارة بيت الله الحرام وزيارة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فشدَّ رحاله وأعد نفسه للسفر، وهناك في تلك الأراضي المقدسة كانت حلقات العلم منتشرة في كل مكان؛ والتقى هناك بـ(عطاء بن أبي رباح) و(ابن أبي مليكة) و(نافع مولى ابن عمر) و(ابن شهاب الزهري).. وغيرهم، فأخذ عنهم ونهل منهم رغم رسوخه في العلم، ومضت الأيام والسنون، وأصبح الليث شيخًا جاوز الخمسين من عمره، وهو لا يمل العلم والتعلم؛ حتى أصبح من كبار العلماء في عصره.
وكان الإمام الفقيه الليث بن سعد غنيًّا، ينفق كل سنة على الفقراء والمساكين أكثر من خمسين ألف دينار ولا يدخر منها شيئًا لنفسه، ويتصدق في كل صلاة على ثلاثمائة مسكين، ويطعم الناس عسل النحل وسمن البقر في الشتاء، واللوز والسكر في الصيف.
جاءته امرأة ذات يوم وقالت له: يا شيخنا، إن لي ابنًا مريضًا يشتهي أكل
العسل، فقال الليث: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل (والمرط: مائة وعشرون رطلاً) وكان مع المرأة إناء صغير الحجم، فلما رآه الغلام قال: يا شيخنا إنها تطلب قليلاً من العسل، فقال الليث: إنها طلبت على قَدْرِهَا ونحن نعطيها على قدرنا، وأمره أن يعطيها المرط.
ولم يكن الليث بن سعد كريمًا على أهل بلده فحسب، بل كان سخيًّا كريم اليد على الآخرين، فيحكى عنه أنه لما جاء إلى المدينة المنورة بعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق من الرطب، فلم يشأ الليث أن يرد الطبق إلى الإمام مالك خاويًا، فوضع في الطبق ألف دينار ورده إليه.
وقد شهد له كثير من علماء عصره بعلمه وفضله؛ سئل الإمام أحمد بن حنبل ذات مرة عن الليث، فقال: الليث بن سعد كثير العلم، صحيح الحديث، وقال عنه
يحيى بن بكير: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، لم أَرَ
مثله.
وقد عرض عليه الخليفة المهدي ذات يوم أن يتولى القضاء، ويعطيه من بيت المال
مائة ألف درهم، فرفض وقال: إني عاهدت الله ألا ألي شيئًا، وأعيذ أمير المؤمنين
بالله ألا أفي بعهدي، فقال له المهدي: الله.. قال الليث: الله.. قال المهدي: انطلق فقد أعفيتك، وكان الليث زاهدًا في حكام الدنيا، مشغولاً عن الجاه والسلطان بغرس الأخلاق العظيمة في نفوس الناس، وكان يصل النهار بالليل في العلم والعبادة ليرضي ربه.
وفي سنة 175هـ توفي الإمام الكبير الليث بن سعد، فحزن الناس عليه حزنًا
شديدًا، وكان الشافعي -رضي الله عنه- يحب لقاءه، فلم يمهله القدر فوقف يومًا على قبره وقال: لله درك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم:
العلم، والعمل، والزهد، والورع.

أثير الدين أبو حيان الغرناطي


محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الشيخ الإمام الحافظ العلامة فريد العصر وشيخ الزمان وإمام النحاة أثير الدين أبو حيان الغرناطي.


قرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وثغر الاسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق وغي ذلك واجتهد وطلب وحصل وكتب وقيد ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالاً منه لأني لم أره إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب ولم يكتب ولم أره على غير ذلك، وله إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم، نظم ونثر وله الموشحات البديعة وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في العربية، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خصوصاً المغاربة وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأنهم مجاورو بلاد الفرنج وأسماؤهم قريبة وألقابهم كذلك، كل ذلك قد جوده وقيده وحرره، والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق بالمغاربة وأجابه عنها، وله التصانيف التي سارت وطارت وانتشرت وما انتثرت وقرئت ودريت ونسخت وما فسخت، أخملت كتب الأقدمين وألهت المقيمين بمصر والقادمين، وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخاً في حياته، وهو الذي جسر الناس على مصنفات الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لججها وفتح لهم مقفلها، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب رحمه الله تعالى: هذه نحو الفقهاء، والتزم أن لا يقرئ أحداً إلا إن كان في سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه، ولما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس رحمه الله كثيراً وأخذ عنه كتب الأدب، وهو شيخ حسن العمة مليح الوجه ظاهر اللون مشرباً حمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة، عبارته فصيحة لغة الأندلس يعقد القاف قريباً من الكاف على أنه ينطق بها في القرآن فصيحة وسمعته يقول: ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف، وكان له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري نائب السلطان بالممالك الاسلامية ينبسط معه ويبيت عنده، ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر وسأل منه أن يدفنها في بيتها داخل القاهرة فأذن له في ذلك وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وكان أولاً يرى رأي الظاهرية ثم إنه تمذهب للشافعي ، وتولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية والإقراء بالجامع الأقمر، وقرأت عليه الأشعار الستة والمقامات الحريرية وحضرها جماعة من أفاضل الديار المصرية وسمعوها بقراءتي عليه وكان بيده نسخة صحيحة يثق بها وبيد الجماعة قريب من اثنتي عشرة نسخة وإحداهن بخط الحريري ووقع منه ومن الجماعة في أثناء القراءة فوائد ومباحث عديدة وقال: لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك، ولما وصلت المقامة التي أورد الحريري فيها الأحاجي قال: ما أعرف مفهوم الأحجية المصطلح عليها بين أهل الأدب، فأخذت في إيضاح ذلك وضرب الأمثلة له فقال لي: لا تتعب معي فإني تعبت مع نفسي في معرفة ذلك كثيراً وما أفاد ولا ظهر لي، وهذا في غاية الإنصاف منه والعدالة لاعترافه لي في ذلك الجمع وهم يسمعون كلامه بمثل ذلك. وقرأت عليه أيضاً سقط الزند لأبي العلاء وقرأت عليه بعض الحماسة لأبي تمام الطائي ومقصورة ابن دريد وغير ذلك، وسمعت من لفظه كتاب تلخيص العبارات بلطيف الإشارات في القراءات السبع لابن بليمة وسمعت عليه كتاب الفصيح لثعلب بقراءة القاضي شهاب الدين ابن فضل الله بالقاهرة، وسمعت من لفظه خطبة كتابه المسمى ب ارتشاف الضرب من لسان العرب، وانتقيت ديوانه وكتبته وسمعته منه، وسمعت من لفظه ما اخترته من كتابه مجاني الهصر وغير ذلك، أنشدني من لفظه لنفسه:
سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخ ... د ولم لا يجيد وهو ابن مقله

وأنشدني أيضاً في صفات الحروف:
أنا هاو لمستطيل أغن ... كلما اشتد صارت النفس رخوه
أهمس القول وهو يجهر سبي ... وإذا ما انخفضت أظهر علوه
فتح الوصل ثم أطبق هجراً ... بصفير والقلب قلقل شجوه
لان دهراً ثم اغتدى ذا انحراف ... وفشا السر مذ تكررت نحوه

وأنشدني أيضاً لنفسه:
يقول لي العذول ولم أطعه: ... تل فقد بدا للحب لحيه
تخيل أنها شانت حبيبي ... وعندي أنها زين وحليه

وأنشدني أيضاً لنفسه:
شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي ... شوق شديد وجسمي الواهن الواهي
أسهرت طرفي ودلهت الفؤاد هوى ... فالطرف والقلب مني الساهر الساهي
نهبت قلبي وتنهى أن يبوح بما ... يلقاه واشوقه للناهب الناهي
بهرت كل مليح بالبهاء فما ... في النيرين شبيه الباهر الباهي
لهجت بالحب لما أن لهوت به ... عن كل شيء وويح اللاهج اللاهي

وأنشدني أيضاً لنفسه:
راض حبيبي عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض
وظن قوم أن قلبي سلا ... والأصل لا يعتد بالعارض

أنشدني أيضاً لنفسه موشحةً:
إن كان ليل داج، وخاننا الإصباح، ... فنورها الوهاج، يغني عن المصباح
سلافة تبدو ... كالكواكب الأزهر
مزاجها شهد ... وعرفها عنبر
يا حبذا الورد ... منها وإن أسكر
قلبي بها قد هاج، فما تراني صاح، ... عن ذلك المنهاج، وعن هوى يا صاح
وبي رشا أهيف ... قد لج في بعدي
بدر فلا يخسف ... منه سنا الخد
بلحظه المرهف ... يسطو على الأسد
كسطوة الحجاج، في الناس والسفاح، ... فما ترى من ناج، من لحظه السفاح
علل بالمسك ... قلبي رشا أحور
منعم المسك ... ذو مبسم أعطر
رياه كالمسك ... وريقه كوثر
غصن على رجراج، طاعت له الأرواح، ... فحبذا الآراج، إن هبت الأرواح
مهلاً أبا القاسم ... على أبي حيان
ما إن له عاصم ... من لحظك الفتان
وهجرك الدائم ... قد طال بالهيمان
فدمعه أمواج، وسره قد لاح ... لكنه ما عاج، ولا أطاع اللاح
يا رب ذي بهتان ... يعذل في الراح
وفي هوى الغزلان ... دافعت بالراح
وقلت لا سلوان ... عن ذاك يا لاحي
سبع الوجوه والتاج، هي منية الأفراح، ... فاخترلي يا زجاج قمصال وزوج أقداح

وأنشدني من لفظه أيضاً لنفسه يعارض شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
عاذ لي في الأهيف الانس ... لو رآه كان قد عذرا
رشا قد زانه الحور ... غصن من فوقه قمر
قمر من سحبه الشعر ... ثغر في فيه أم درر
جال بين الدر واللعس ... خمرة من ذاقها سكرا
رجة بالردف أم كسل ... ريقة بالثغر أم عسل
وردة بالخد أم خجل ... كحل بالعين أم كحل
يا لها من أعين نعس ... جلبت لناظري سهرا
مذ نأى عن مقلتي سني ... ما أذيقا لذة الوسن
طالما ألقاه من شجني ... عجباً ضدان في بدني
بفؤادي جذوة القبس ... وبعيني الماء منفجرا
قد أتاني الله بالفرج ... إذ دنا مني أبو الفرج
قمر قد حل في المهج ... كيف لا يخشى من الوهج
غيره لو صابه نفسي ... ظنه من حره شررا
نصب العينين لي شركا ... فانثنى والقلب قد ملكا
قمر أضحى له فلكا ... قال لي يوماً وقد ضحكا
أنت جئت في أرض أندلس ... نحو مصر تعشق القمرا
والموشحة التي لشمس الدين محمد التلمساني في هذا الوزن هي:
قمر يجلو دجى الغلس ... بهر الأبصار مذ ظهرا
آمن من شبهة الكلف ... ذبت في حبيه بالكلف
لم يزل يسعى إلى تلفي ... بركاب الدل والصلف
آه لولا أعين الحرس ... نلت منه الوصل مقتدرا
يا أميراً جار مذ وليا ... كيف لا ترثي لمن بليا
فبثغر منك قد جليا ... قد حلا طعماً وقد حليا
وبما أوتيت من كيس ... جد فما أبقيت مصطبرا
بدر تم في الجمال سني ... ولهذا لقبوه سني
قد سباني لذة الوسن ... بمحيا باهر حسن
هو خشفي وهو مفترسي ... فارو عن أعجوبتي خبرا
لك خد يا أبا الفرج ... زين بالتوريد والضرج
وحديث عاطر الأرج ... كم سبى قلباً بلا حرج
لو رآك الغصن لم يمس ... أو رآك البدر لاستترا
يا مذيباً مهجتي كمدا ... فت في الحسن البدور مدى
يا كحيلاً كحله اعتمدا ... عجباً أن تبرئ الرمدا
وبسقم الناظرين كسي ... جفنك السحار فانكسرا

وتوجه الشيخ أثير الدين أبو حيان يوماً لزيارة الشيخ صدر الدين ابن الوكيل فلم يجده في منزله فكتب بالجبس على عادة المصريين: حضر أبو حيان، وكانت الكتابة على مصراع الباب، فلما حضر الشيخ صدر الدين رأى اسم الشيخ وكتب إليه:
قالوا: أبو حيان غير مدافع ... ملك النحاة، فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود وإنني ... شاهدت كنيته على المصراع

وفيه يقول القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر وقد سمعه يتكلم في مسألة أصولية نقلت ذلك من خط محيي الدين وأنشدنيه أثير الدين من لفظه:
قد قيل لما أن سمعت مباحثاً ... في الذات قررها أجل مفيد
هذا أبو حيان، قلت: صدقتم ... وبررتم هذا هو التوحيدي

وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه ثم خرج منها إلى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه وأولها:
هو العلم لا كالعلم شيء تراوده ... لقد فاز باغيه وأنجح قاصده

وهي تزيد على المائة بيت قصيدة مليحة، حكي لي أن الشيخ أثير الدين نظمها وهو ضعيف وتوجه إليه جماعة يعودونه فيهم شمس الدين ابن دانيال فأنشدهم الشيخ القصيدة المذكورة فلما فرغت قال ابن دانيال: يا جماعة وأخبركم أن الشيخ عوفي وما بقي به بأس لأنه لم يبق عنده فضله، قوموا بنا . وأنشدني الشيخ أثير الدين لنفسه قصيدته السينية التي أولها:
أهاجك ربع حائل الرسم دارسه ... كوحي كتاب أضعف الخط دارسه
وهي قصيدة مليحة تلعب فيها بفنون الكلام تقارب المائة، وأنشدني لنفسه إجازة:
تقشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحى ناس وناس إلى المرد
ألا إنني لو كنت أصبو لأمرد ... صبوت إلى هيفاء مائسة القد
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً ... فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي

وأنشدني من لفظه لنفسه في مليح أحدب:
تعشقته أحدباً كيساً ... يحاكي نجيباً حنين البغام
إذا كدت أسقط من فوقه ... تعلقت من ظهره بالسنام

أنشدني من لفظه لنفسه في مليح أسود:
علقته سبجي اللحظ حالكه ... ما ابيض منه سوى ثغر حكى الدررا
قد صاغه من سواد العين خالقه ... وكل عين إليه تقصد النظرا
وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت:
ألا ما لها لخصاً بقلبي عوابثا ... أظن بها هاروت أصبح نافثا
إذا رام ذو وجد سلواً منعنه ... وكن على دين التصابي بواعثا
وقيدن من أضحى عن الحب مطلقاً ... وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا
بروحي رشاً من آل خاقان راحل ... وإن كان ما بين الجوانح لا بثا
غدا واحداً في الحسن للفضل ثانياً ... وللبدر والشمس المنيرة ثالثا
وأنشدني لنفسه:
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت:
أسحر لتلك العين في القلب أم وخز ... ولين لذاك الجسم في اللمس أم خز
وأملود ذاك القد أم أسمر غدا ... له أبداً في قلب عاشقه هز
فتاة كساها الحسن أفخر ملبس ... فصار عليه من محاسنها طرز
وأهدى إليها الغصن لين قوامه ... فماس كأن الغصن خامره العز
يضوع أديم الأرض من نشر طيبها ... ويخضر في آثارها تربة الجرز
وتختال في برد الشباب إذا مشت ... فينهضها قد ويقعدها عجز
أصابت فؤاد الصب منها بنظرة ... فلا رقية تجدي المصاب ولا حرز

وأنشدني لنفسه إجازة في مليح أبرص ومن خطه نقلت:
وقالوا: الذي قد صرت طوع جماله ... ونفسك لاقت في هواه نزاعها
به وضح تأباه نفس أخي الحجى ... وأفظع داء ما ينافي طباعها
فقلت لهم: لا عيب فيه يشينه ... ولا علة فيه يروم دفاعها
ولكنما شمس الضحى حين قابلت ... محاسنه ألقت عليه شعاعها

وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت:
رجاؤك فلساً قد غدا في حبائلي ... قنيصاً رجاء للنتاج من العقم
أأتعب في تحصيله وأضيعه ... إذا كنت معتاضاً من البرء بالسقم
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في نوتي:
كلفت بنوتي كأن قوامه ... إذا ينثني خوط من البان ناعم
مجاذفه في كل قلب مجاذب ... وهزاته للعاشقين هزائم
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في فحام:
وعلقته مسود عين ووفرة ... وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد
كأن خطوط الفحم في وجناته ... لطاخة مسك في جني من الورد
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في مليح أعمى:
ما ضر حسن الذي أهواه أن سنا ... كريمتيه بلا شين قد احتجبا
قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا ... لكن حسنهما الفتان ما ذهبا
كالسيف قد زال عنه صقله فغدا ... أنكى وآلم في قلب الذي ضربا
وأنشدني إجازة لنفسه ومن خطه نقلت:
سأل البدر هل تبدى أخوه ... قلت: يا بدر لن يطيق طلوعا
كيف يبدو وأنت يا بدر باد ... أو بدران يطلعان جميعا

وكتبت له أستدعي إجازته بما صورته:
المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العامل العلامة لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلدين، زين المقلدين، قطب المولين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مقام ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلوب فكل ذي لب إليها شيق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها، كشاف معضلات الأوائل، سباق غايات قصر عن شأوها سحبان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتعابها من فرق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنان فضل جنان من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوه حورها لم يطمثهن إنس قبله ولا جان، وأبدع خمائل نظم ونثر لا تصل إلى أفنان فنونها يد جان، أثير الدين أبي حيان محمد:
لا زال ميت العلم يحييه ولا ... عجب لذلك من أبي حيان
حتى ينال بنو العلوم مرامهم ... ويحلهم دار المنى بأمان

إجازة كاتب هذه الأحرف ما رواه فسح الله في مدته من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية، والتصانيف الأدبية، نظماً ونثراً إلى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، مما تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية، والاسكندرية والديار المصرية، والبلاد الحجازية، وغيرها من البلدان بقراءة أو سماع أو منازلة أو إجازة خاصة أو عامة كيف ما تأدى ذلك إليه، وإجازة ما له أدام الله إفادته من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها وما له من نظم ونثر إجازة خاصة وأن يثبت بخطه تصانيفه إلى حين هذا التاريخ وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه منعماً متفضلاً إن شاء الله تعالى.

فكتب الجواب بما صورته: أعزك الله ظننت بالإنسان جميلاً فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلاً وما باليت، وصفت من هو القتام يظنه الناظر سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا ابن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يرعى الهشيم، أما أغنتك فواضلك وفضائلك، ومعارفك وعوارفك، عن بغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرجت الأكوان من أريج نفخاتك، ولأنت أعرف بمن تقصد للدراية، وأنقذ بمن تعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل بتالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقذه من لكن الفهاهه، فتشيد له ذكرا، وتعلي له قدرا، ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت، وإجابتك فيما إليه ندبت، فإن المالك لا يعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى، وقد أجزت لك أيدك الله جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة وسماع ومناولة وإجازة بمشافهة وكتابة ووجادة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نثراً ونظماً، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء، فمن مروياتي الكتاب العزيز قرأته بقراءات السبعة على جماعة من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الظاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليجي آخر من روى القرآن بالتلاوة عن أبي الجود، والكتب الستة والموطأ ومسند عبد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الصغير له وسنن الدارقطني وغير ذلك، وأما الأجزاء فكثيرة جداً، ومن كتب النحو والآداب فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة والمفصل وجمل الزجاجي وغير ذلك والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب وديوان المتنبي وديوان المعري.

وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو القراءة فهم كثير وأذكر الآن جملة من عواليهم فمنهم القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر بن عباس بن يحيى بن غريب البغداذي القواس، وصفي الدين الحسين بن أبي المنصور ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي ابن الدهان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن القسطلاني، ورضي الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمذاني، ومحمد بن مكي بن أبي القاسم بن حامد الأصبهاني الصفار، ومحمد بن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين ابن الحسن بن إبراهيم الداري ابن الخليلي، ومحمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف الأنصاري ابن الخيمي، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر العنسي عرف بابن النن، وعبد الله بن محمد بن هرون بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان بن كامل الخزمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن يوسف ابن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز ابن عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم ابن أبي المكارم من منجى الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي بن يحيى بن إسماعيل الحسيني البهنسي المجاور، وعازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نضر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينب بنت عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغداذي.

وممن كتبت عنهم من مشاهير الأدباء: أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن ابن علي بن الفرح المالقي ابن المرحل، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن زنون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد ابن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن ياتيبن الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن محسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي.
وممن أخذت عنه من النحاة: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأبذي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي ابن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللبلي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر الحلبي ابن النحاس.
وممن لقيت من الظاهرية أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري، وجملة الذين سمعت منهم نحو من أربع مائة شخص وخمسين، وأما الذين أجازوني فعالم كثير جداً من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام.

وأما ما صنفت فمن ذلك: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب، كتاب الأسفار الملخص من كتاب الصفار شرحاً لكتاب سيبويه، كتاب التجريد لأحكام سيبويه، كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل، كتاب التنخيل الملخص من شرح التسهيل، كتاب التذكرة، كتاب المبدع في التصريف، كتاب الموفور، كتاب التقريب، كتاب التدريب، كتاب غاية الإحسان، كتاب النكت الحسان، كتاب الشذا في مسألة كذا، كتاب الفصل في أحكام الفصل، كتاب اللمحة، كتاب الشذرة، كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء، كتاب عقد اللآلي، كتاب نكت الأمالي، كتاب النافع في قراءة نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، المورد الغمر في قراءة أبي عمرو، الروض الباسم في قراءة عاصم، المزن الهامر في قراءة ابن عامر، الرمزة في قراءة حمزة، تقريب النائي في قراءة الكسائي، غاية المطلوب في قراءة يعقوب، المطلوب في قراءة يعقوب قصيدة، النير الجلي في قراءة زيد بن علي، الوهاج في اختصار المنهاج، الأنوار الأجلي في اختصار المجلي، الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية، كتاب الإعلام بأركان الإسلام، نثر الزهر ونظم الزهر، قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي، فهرست مسموعاتي، نوافث السحر في دمائث الشعر، تحفة الندس في نحاة الأندلس، الأبيات الوافية في علم القافية، جزء في الحديث، مشيخة ابن أبي منصور، كتاب الإدراك للسان الأتراك، زهو الملك في نحو الترك، نفحة المسك في سيرة الترك، كتاب الأفعال في لسان الترك، منطق الخرس في لسان الفرس.
ومما لم يكمل تصنيفه: كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد، كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب رجز، مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر، خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان رجز، نور الغبش في لسان الحبش، المخبور في لسان اليخمور.

قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، ومولدي بغرناطة في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وست مائة تمت.

وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الأول وقلت أنا في رثائه:
مات أثير الدين شيخ الورى ... فاستعر البارق واستعبرا
ورق من حزن نسيم الصبا ... واعتل في الأسحار لما سرى
وصادحات الأيك في نوحها ... رثته في السجع على حرف را
يا عين جودي بالدموع التي ... يروي به ما ضمه من ثرى
واجري دماً فالخطب في شأنه ... قد اقتضى أكثر مما جرى
مات إمام كان في علمه ... يرى إماماً والورى من ورا
أمسى منادي للبلى مفرداً ... فضمه القبر على ما ترى
يا أسفا كان هدى ظاهراً ... فعاد في تربته مضمرا
وكان جمع الفضل في عصره ... صح فلما أن قضى كسرا
وعرف الفضل به برهةً ... والآن لما أن مضى نكرا
وكان ممنوعاً من الصرف لا ... يطرق من وافاه خطب عرا
لا أفعل التفضيل ما بينه ... وبين من أعرفه في الورى
لا بدل عن نعته بالتقى ... ففعله كان له مصدرا
لم يدغم في اللحد إلا وقد ... فك من الصبر وثيق العرى
بكى له زيد وعمرو فمن ... أمثله النحو وممن قرا
ما أعقد التسهيل من بعده ... فكم له من عسرة يسرا
وجسر الناس على خوضه ... إذا كان في النحو قد استبحرا
من بعده قد حال تمييزه ... وحظه قد رجع القهقرى
شارك من قد ساد في فنه ... وكم له فن به استأثرا
دأب بني الآداب أن يغسلوا ... بدمعهم فيه بقايا الكرى
والنحو قد سار الردى نحوه ... والصرف للتصريف قد غيرا
واللغة الفصحى غدت بعده ... يلغى الذي في ضبطها قررا
تفسيره البحر المحيط الذي ... يهدي إلى وارده الجوهرا
فوائد من فضله جمة ... عليه فيها نعقد الخنصرا
وكان ثبتاً نقله حجة ... مثل ضياء الصبح إن أسفرا
ورحلة في سنة المصطفى ... أصدق من تسمع إن خبرا
له الأسانيد التي قد علت ... فاستفلت عنها سوامي الذرى
ساوى بها الأحفاد أجدادهم ... فاعجب لماض فاته من طرا
وشاعراً في نظمه مفلقاً ... كم حرر اللفظ وكم حبرا
له معان كلما خطها ... تستر ما يرقم في تسترا
أفديه من ماض لأمر الردى ... مستقبلاً من ربه بالقرى
ما بات في أبيض أكفانه ... إلا وأضحى سندساً أخضرا
تصافح الحور له راحة ... كم تعبت في كل ما سطرا
إن مات فالذكر له خالد ... يحيا به من قبل أن ينشرا
جاد ثرى واراه غيث إذا ... مساه بالسقيا له بكرا
وخصه من ربه رحمة ... تورده في حشره الكوثرا

الإمام محمد بن نصر المروزي


اسمه، ونسبه، وكنيته:
هو أبو عبدالله، محمد بن نصر بن الحجاج المروزي. والمروزي: نسبة إلى (مرو)؛ وهي أشهر مدن خراسان، وأكبرها.
* ولادته ونشأته:
ولد الإمام محمد بن نصر المروزي في بغداد، سنة (202 هـ)، ونشأ بنيسابور، وسكن سمرقند.

قال أبو العباس -محمد بن عثمان- السمرقندي: سمعت أبا عبدالله
-محمد بن نصر- المروزي يقول: «ولدت سنة اثنتين ومئتين، وتوفي الشافعي سنة أربع ومئتين، وأنا ابن سنتين، وكان أبي مروزيًّا، وولدت أنا ببغداد، ونشأت بنيسابور، وأنا اليوم بسمرقند، ولا أدري ما يقضي الله فيَّ».
قلت: ولم يخالف في ذكر ولادة المصنف -رحمه الله- إلا ابن حبان؛ فإنه ذكر في كتابه «الثقات» أن ابن نصر ولد سنة مئتين (200 هـ)!
ولا شك أن المصنف -رحمه الله- أدرى بنفسه من غيره.
ونظرًا لما يتمتع به المصنف -رحمه الله- من فرط ذكاء وفطنة، وهمة عالية في طلب العلم، وشهرة شيوخه، وعلو كعبه؛ فقد أصبح من كبار أهل العلم المشهورين المعروفين بخراسان؛ لذا كان يُرْحَل إليه ويُقْصَد بالفتيا دون غيره.
وقد ساعده في ذلك: تلقيه العلم من كبار أهل العلم الراسخين؛ مثل: إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى التميمي، وعلي بن حجر، وعمرو بن زرارة، وغيرهم.
قال أبو ذر -محمد بن يوسف- القاضي: «كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وابن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد ابن نصر».
* صفاته الخَلْقِيَّة والخُلُقية:
قال محمد بن يعقوب الأخرم واصفًا الإمام المروزي: «كان من أحسن الناس خَلْقًا، كأنما فقئ في وجهه حبُّ الرمان، وعلى خديه كالورد، ولحيته بيضاء».
وقال الإمام الذهبي: «وكان مليح الصورة».
وقال الإسنوي: «وكان من أحسن الناس صورة، ذا لحية بيضاء».
أما صفاته الخُلُقية؛ فحدث عنها ولا حرج، فإنه نهل من أدب وسمت النبي × الشيء الكثير؛ فقد كان صاحب سنة واتباع شديد لهدي النبي ×، وكان شديدًا على أهل البدع، ذا سمت حسن، عابدًا، زاهدًا، صاحب عقل كبير.
قال أبو بكر بن إسحاق الصبغي: «لم نر بعد يحيى بن يحيى من فقهاء خراسان إمامًا أعقل من محمد بن نصر».
وقيل لأبي بكر بن إسحاق: «ألا تنظر إلى تمكن أبي علي الثقفي في عقله؟ فقال: ذاك عقل الصحابة والتابعين من أهل المدينة، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن مالكًا -يعني: ابن أنس- كان من أعقل أهل زمانه، وكان يقال: صار إليه عقل الذين جالسهم من التابعين، فجالسه يحيى بن يحيى النيسابوري، فأخذ من عقله وسمته، ثم جالس يحيى بن يحيى محمد بن نصر سنين، حتى أخذ من سمته وعقله، فلم ير بعد يحيى من فقهاء خراسان أعقل من ابن نصر، ثم إن أبا علي الثقفي النيسابوري جالسه أربع سنين، فلم يكن بعده أعقل من أبي علي».
وقال السبكي: «أحد أعلام الأمة وعقلائها وعبادها».
* أسرته وأولاده:
لم تذكر المصادر والمراجع عن أسرة هذا الإمام -على جلالة قدره- إلا الشيء اليسير، ومما ذكروه بهذا الصدد:
- أنه تزوج بأخت القاضي يحيى بن أكثم، واسمها (خَنَة).
- أنه -رحمه الله- كانت له جارية.
قال الإمام المروزي: «خرجت من مصر ومعي جارية لي، فركبت البحر أريد مكة، قال: فغرقت وذهب مني ألفا جزء، وسرت إلى جزيرة أنا وجاريتي، فما رأينا فيها أحدًا، وأخذني العطش، فلم أقدر على الماء، قال: فأجهدت، فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلمًا للموت، فإذا رجل قد جاءني ومعه كوز، فقال لي: هاه، فأخذت وشربت، وسقيت الجارية، ثم مضى، فما أدري من أين جاء، ولا من أين ذهب».
- أنه -رحمه الله- كان له ولد اسمه: إسماعيل، ورزقه الله إياه في كبر سنه.
قال أبو الفضل بن محمود: «كان أبو عبدالله يتمنى على كبر سِنّه أن يولد له ابن، فكنا عنده يومًا من الأيام، فتقدم إليه رجل من أصحابه فسارّه في أذنه بشيء، فرفع أبو عبدالله يديه، وقال: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إسْمَاعِيلَ} [إبراهيم: 39]، ثم مسح وجهه بباطن كفه! ورجع إلى ما كان فيه.
قال: فرأينا أنه استعمل في تلك الكلمة الواحدة ثلاث سنن: تسمية الولد، وحمد الله على الموهبة، وتسميته إسماعيل؛ لأنه ولد له على كبر سِنّه، وقال الله -عز وجل-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} [الأنعام: 90]».
قال السبكي -عقبه-: «فنستفيد من هذا أنه يستحب لمن ولد له ابن على الكبر أن يسميه إسماعيل، وهذه مسألة حسنة!».
قلت: استحباب ذلك وجعله من السنن والأمور الحسنة مما لا أصل له في شرعنا الحنيف؛ وهو غير لازم، فهذا نبينا محمد × رزق إبراهيم -عليه السلام- على كبر سنه، وفي أواخر حياته، وهذا زكريا -عليه السلام- رزق يحيى -عليه السلام- على كبر سنه، ومع ذلك لم يسمياه باسم إسماعيل!
لا سيما وأن التحسين والتقبيح إن كانا موجودين؛ فلا يثبتان بالعقل بل بالشرع، ولا دليل من الشرع على استحباب ذلك واستحسانه، ولا فعله السلف الأوائل، ولا استحبه أحد من أهل العلم السابقين.
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
-أما بالنسبة لكنية المؤلف- رحمه الله-؛ فلا أدري إن كان له ولد يسمى (عبدالله)، أم هي كنيتة فحسب، والله أعلم.
وابنه إسماعيل -المذكور آنفًا- لم يكن حسن السيرة، بل كان على النقيض من حال والده:
قال أبو محمد -عبدالله بن محمد- الثقفي: «سمعت جدي يقول: جالست أبا عبدالله المروزي أربع سنين، فلم أسمعه في طول تلك المدة يتكلم في غير العلم؛ إلا أني حضرته يومًا وقيل له عن ابنه إسماعيل وما كان يتعاطاه؛ لو وعظته -أو زبرته-؟ فرفع رأسه، ثم قال: أنا لا أفسد مروءتي بصلاحه».
* الحالة الاقتصادية للمؤلف:
قال أبو عبدالله الأخرم: «انصرف محمد بن نصر من الرحلة الثانية سنة ستين ومئتين، فاستوطن نيسابور، فلم تزل تجارته بنيسابور، أقام مع شريك له مضارب، وهو يشتغل بالعلم والعبادة».
وقال محمد بن عبدالوهاب الثقفي: كان إسماعيل بن أحمد -والي خراسان- يصل محمد بن نصر في العام بأربعة آلاف درهم، ويصله أخوه -إسحاق- بمثلها، ويصله أهل سمرقند بمثلها، فكان ينفقها من السنة إلى السنة، من غير أن يكون له عيال، فقيل له: لو ادخرت لنائبةٍ؟ فقال: سبحان الله! أنا بقيت بمصر كذا وكذا سنة، قوتي وثيابي وكاغَدي وحبري وجميع ما أنفقه علىنفسي في السنة عشرون درهمًا، فترى إن ذهب ذا لا يبقى ذاك؟!».







حياة المؤلف العلمية
* طلبه للعلم ورحلاته:
«إن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم، والسبب في ذلك: أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم،وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علمًا وتعليمًا وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة؛ إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا، وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها.
فالرحلة لا بد منها في طلب العلم؛ لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال».
قلت: وقد كان للإمام المروزي -رحمه الله- حظٌّ وافر، ونصيب زاخر في هذه الرحلات العلمية؛ فطاف البلاد، وارتحل إلى مدن إسلامية عدة في طلب العلم.
واتجهت همته إلى طلب الحديث وهو في سن مبكرة، وهذا ظاهر من تاريخ وفيات شيوخه، فإن من شيوخ المصنف المعروفين: عبدالله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي روّاد العَتَكي، الملقب بـ (عبدان)، وهو قد توفي سنة (221 هـ)، والمصنف -رحمه الله- ولد سنة (202 هـ)، وهذا يعني: أنه طلب علم الحديث قبل سن التاسع عشرة.
كما توفي يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، ومحمد بن مقاتل الكسائي المروزي -وهما من كبار شيوخه، وقد أكثر عن الأول- سنة (226 هـ).
قال الخطيب البغدادي: «رحل إلى سائر الأمصار في طلب العلم».
وقال الحافظ ابن كثير: «رحل في الآفاق، وسمع من المشايخ الكثير النافع».
وقال ابن الجوزي: «سمع من خلق في البلدان البعيدة والقريبة».
وقال الإمام الذهبي: «ذكره الحاكم؛ فقال: سمع بخراسان من: يحيى بن يحيى التميمي، ويزيد بن صالح، وعمرو بن زرارة، وصدقة بن الفضل المروزي، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن حُجْر.
وبالرَّي: محمد بن مهران الحمّال، ومحمد بن مقاتل، ومحمد بن حميد، وطائفة.
وببغداد: محمد بن بكار بن الريان، وعبيدالله بن عمر القواريري، والطبقة.
وبالبصرة: شيبان بن فَرُّوخ، وهُدْبة بن خالد، وعبدالواحد بن غِياث، وعدة.
وبالكوفة: محمد بن عبدالله بن نمير، وهنّاد، وابن أبي شيبة، وطائفة.
وبالمدينة: أبا مصعب، وإبراهيم بن المنذر الحِزامي، وطائفة.
وبالشام: هشام بن عمار، ودحيمًا.
قلت: وبمصر من يونس الصدفي، والربيع المرادي، وأبي (إبراهيم) إسماعيل المزني، وأخذ عنه كتب الشافعي ضبطًا وتفقهًا».
وتقدم ذكر رحلة المصنف -رحمه الله- إلى مصر.
والظاهر: أن المصنف -رحمه الله- رحل رحلتين:
الأولى: كانت أول الطلب، في سن مبكرة.
والثانية: كانت متأخرة، سنة (260 هـ)، وعمره كان يومئذ (58) سنة.
قال أبو عبدالله الأخرم: «انصرف محمد بن نصر من الرحلة الثانية سنة ستين ومئتين، فاستوطن نيسابور... وهو يشتغل بالعلم والعبادة، ثم خرج سنة خمس وسبعين إلى سمرقند، فأقام بها...
وكان وقت مقامه بنيسابور هو المقدَّم والمفتي بعد وفاة محمد بن يحيى -الذهلي، وهو من كبار شيوخه-؛ فإن حيكان ومن بعده أقرَّ له بالفضل والتقدم».
وقال أبو العباس البكري: «جمعت الرحلة بين محمد بن جرير، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأزملوا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضرَّ بهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا، ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة؛ سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة، فاندفع في الصلاة، فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو ذا، فأخرج صرّة فيها خمسون دينارًا، فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا: هو ذا، فأخرج صرّة فيها خمسون دينارًا، فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا: هو ذا يصلي، فلما فرغ من صلاته؛ دفع إليه الصرّة، وفيها خمسون دينارًا، ثم قال: إن الأمير كان نائمًا بالأمس، فرأى في المنام خيالاً، فقال: إن المحامد طووا كشحهم جياعًا، فانفذ إليهم هذه الصرار، وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إليَّ أحدكم».
وكان لهذه الرحلات العلمية التي قام بها المؤلف -رحمه الله-، والاستفادة من العلماء الموجودين في تلك البلاد التي رحل إليها أثر واضح في ثقافته، وكثرة شيوخه، بحيث أصبح يشار إليه بالبنان.
* شيوخه:
إن الفترة الزمنية التي عاشها المؤلف -رحمه الله-، وكثرة الرحلات العلمية التي قام بها؛ جعلته يلتقي بكثير من العلماء والشيوخ المعروفين المشهورين، وكان لهم الأثر البالغ في صقل شخصية المؤلف، وسلوكه الجادة في مسائل الفقه والاعتقاد.
ومن خلال دراسة كتب المؤلف -رحمه الله- والنظر فيها؛ تبين أن الإمام قد تلقى العلم على يد كثير من العلماء.
ومن أبرز هؤلاء: الإمام إسحاق بن راهويه، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والإمام الذهلي، ويحيى بن يحيى التميمي.
وفيما يلي ثبت بأسماء شيوخ المصنف الذين روى عنهم في «كتاب السنة»، مع ذكر أرقام نصوصهم، مرتبًا على حروف المعجم:
1- إبراهيم بن الحسن بن نجيح العلاف البصري، كان صاحب قرآن، وكان بصيرًا به، وكان شيخًا ثقة، مات سنة (235 هـ).
2- أحمد بن إبراهيم الدورقي البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة (246 هـ)/ م د ت ق.
3- أحمد بن أزهر بن منيع، أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق، كان يحفظ ثم كَبِرَ، فصار كتابه أثبت من حفظه، مات سنة (263 هـ) / س ق.
4- أحمد بن عبدالرحمن بن وهب بن مسلم المصري، لقبه بَحْشَل -بفتح الموحدة، وسكون المهملة، بعدها شين معجمة-، صدوق تغير بأخرة، مات سنة (264 هـ) / م.
5- أحمد بن عَبْدَةَ بن موسى الضبي، أبو عبدالله البصري، ثقة، رمي بالنصب، مات سنة (245 هـ) / م 4.
6- أحمد بن عمرو الباذاغيسي، قال ابن حبان: «يروي عن سفيان بن عيينة، ووكيع، روى عنه محمد بن نصر المروزي، وكان يقيم بنيسابور، فلست أدري أهو أحمد بن حريش، أو آخر غيره؟ ويشبه أن يكون أحمد بن حريش بن عمرو، كان أبو عبدالله أسقط اسم أبيه، فإن لم يكن كذلك؛ فهو شيخ مستقيم».
7- أحمد بن منصور بن سيّار الرمادي، ثقة حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في الوقف في القرآن، مات سنة (265 هـ) / ق.
8- أحمد بن يوسف بن خالد بن سالم بن زاوية الأزدي المهلبي، أبو الحسن النيسابوري، المعروف بـ (حمدان السلمي)، حافظ ثقة، مات سنة (264 هـ) / د س ق.
9- إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ، مجتهد، قرين الإمام أحمد بن حنبل، مات سنة (238 هـ) / خ م د ت س، وقد أكثر عنه المؤلف.
10- إسحاق بن موسى الأنصاري المدني، قاضي نيسابور، ثقة متقن، مات سنة (244 هـ)/ م ت س ق.
11- بحر بن نصر بن سابق الخولاني -مولاهم-، المصري، أبو عبدالله، ثقة، مات سنة (267 هـ) / كن.
12- بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي، النيسابوري، أبو عبدالرحمن، ثقة زاهد فقيه، مات سنة (237 هـ)، وقيل: سنة (238 هـ) / خ م س.
13- الحسين بن عيسى بن حمران الطائي، أبو علي البسطامي القومسي، نزيل نيسابور، صدوق صاحب حديث، مات سنة (247 هـ) / خ م د س ت.
14- حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبدالله الأزدي، أبو أحمد بن زنجويه
-وهو لقب أبيه-، ثقة ثبت، له تصانيف، مات سنة (248 هـ)، وقيل: سنة (251 هـ) / د س.
15- حميد بن مسعدة بن المبارك السامي -بالمهملة- الباهلي البصري، صدوق، مات سنة (244 هـ) / م 4.
16- الربيع بن سليمان المرادي، أبو محمد المؤذن، صاحب الشافعي، ثقة، مات سنة (270 هـ)/ م د س ق.
17- شيبان بن فرّوخ -أبو شيبة- الحَبَطي -بمهملة وموحدة مفتوحتين- الأُبُلّي -بضم الهمزة والموحدة، وتشديد اللام-، أبو محمد، صدوق، رمي بالقدر، قال أبو حاتم الرازي: اضطر الناس إليه أخيرًا، مات سنة (235 هـ، أو 236 هـ)/ م د س.
18- صدقة بن الفضل، أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة (223 هـ، أو 226 هـ) / خ.
19- عباس بن الوليد بن نصر النرسي -بفتح النون، وسكون الراء بعدها مهملة-، ثقة، مات سنة (238 هـ) / خ م س.
20- عبدالله بن سعيد بن حصين الكندي، أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، مات سنة (257 هـ) / ع.
21- عبدالله بن معاوية بن موسى بن أبي غليظ بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي، أبو جعفر البصري، ثقة معمر، مات سنة (243 هـ) / د ت ق.
22- عبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي أصبهان، ثقة، مات سنة (260 هـ) / خ د ت س.
23- عبيدالله بن سعيد بن يحيى اليشكري، أبو قدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سُنّي، مات سنة (241 هـ) / خ م س.
24- عبيدالله بن معاذ بن معاذ بن نصر العنبري، أبو عمرو البصري، ثقة حافظ، مات سنة (237 هـ) / خ م د س.
25- علي بن حُجْر -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد ثم مرو، ثقة حافظ، مات سنة (244 هـ) / خ م د س.
26- علي بن الحسن بن سليمان الحضرمي، واسطي الأصل، كوفي، يعرف بأبي الشعثاء، ثقة، مات سنة بضع وثلاثين ومئتين / م ق.
27- عمرو بن زرارة بن واقد الكلابي، أبو محمد النيسابوري، ثقة ثبت، مات سنة (238 هـ) / خ م س.
28- عمرو بن علي بن بحر بن كنيز، أبو حفص الفلاس الصيرفي الباهلي البصري، ثقة حافظ، مات سنة (249 هـ) / ع .
29- عيسى بن مساور الجوهري، أبو موسى البغدادي، صدوق، مات سنة (244 هـ، أو 245 هـ) / س.
30- فضيل بن حسين بن طلحة الجحدري، أبو كامل، ثقة حافظ، مات سنة (237 هـ) / خت م د ت س.
31- أبو حاتم -محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي- الرازي، الإمام الحافظ المعروف، مات سنة (277 هـ) / د س.
32- محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بندار، ثقة، مات سنة (252 هـ) / ع.
33- أبو جعفر -محمد بن أحمد بن الجنيد- البغدادي، الدقاق، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق، مات سنة (267 هـ) .
34- محمد بن رافع القشيري النيسابوري، ثقة عابد، مات سنة (245 هـ) / خ م ت د س.
35- محمد بن عبدالله بن قُهْزاذ -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزي، ثقة، مات سنة (262 هـ) / م.
36- محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب الأموي البصري، صدوق، مات سنة (244 هـ) / م ت س ق.
37- محمد بن عبيد بن حساب -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف السين المهملة- البصري العنبري، ثقة، مات سنة (238 هـ) / م د س.
38- محمد بن علي بن عبدالله بن مِهران الورّاق، أبو جعفر، يعرف بـ (حمدان)، ثقة حافظ عارف، مات سنة (272 هـ) .
39- محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد بن فارس بن ذويب الذهلي، النيسابوري، ثقة حافظ جليل، مات سنة (258 هـ) / خ 4.
40- محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي، أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي المدائي، ليس بالقوي، قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه، مات سنة (248 هـ) / م د ق.
41- محمود بن غيلان العدوي -مولاهم-، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة (239 هـ)، وقيل بعد ذلك / خ م ت س ق.
42- المنذر بن شاذان الرازي، أبو عمر التمار، قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه وهو صدوق، سئل أبي عنه، فقال: لا بأس به.
43- نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي البصري، ثقة، مات قبل الخمسين ومئتين / 4.
44- الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، أبو همام بن أبي بدر الكوفي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة (243 هـ) / م د ت ق.
45- وهب بن بقية بن عثمان الواسطي، أبو محمد، يقال له: وهبان، ثقة، مات سنة (239 هـ) / م د س.
46- يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي، أبو زكريا البصري، ثقة، مات سنة (248 هـ) / م 4.
47- يحيى بن خلف الباهلي، أبو سلمة البصري الجوباري، صدوق، مات سنة (242 هـ) / م د ت ق.
48- يحيى بن يحيى بن بكير بن عبدالرحمن التميمي، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام، مات سنة (226 هـ) / خ م ت س، وقد أكثر عنه المؤلف.
49- يونس بن عبدالأعلى بن ميسرة الصدفي، أبو موسى المصري، ثقة، مات سنة (264 هـ) / م س ق.
* مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه:
لا يخفى على الناظر في ترجمة هذا الإمام المكانة العلمية العالية التي وصل إليها، فقد بزَّ أقرانه من العلماء في كثير من العلوم، لا سيما في مجال العقيدة، والحديث، والسنة، والفقه، ومعرفة مسائل الخلاف، شهد له بذلك القاصي والداني، الموافق والمخالف، من عاصره ومن جاء بعده.
وكل من ترجم للمؤلف -رحمه الله- قد أثنى عليه، ووصفه بالأوصاف الجميلة، وأطلقوا عليه ألقابًا لا تطلق إلاَّ على الأئمة العلماء، والفحول الكبراء.
* قال إسحاق بن راهويه: «لو صلح في زماننا أحد للقضاء؛ لصلح أبو عبدالله المروزي».
* وقال إسماعيل بن قتيبة: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول غير مرة إذا سئل عن مسالة: «سلوا أبا عبدالله المروزي».
* وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم المصري: «كان محمد بن نصر المروزي عندنا إمامًا، فكيف بخراسان؟».
* وقال أبو بكر -أحمد بن إسحاق- الصبغي: «أدركت إمامين من أئمة المسلمين، لم أرزق السماع منهما: أبا حاتم الرازي، وأبا عبدالله -محمد بن نصر- المروزي».
* وقال: «... ثم جالس يحيى بن يحيى النيسابوري: محمد بن نصر المروزي سنين، حتى أخذ من سمته وعقله، فلم ير بعد يحيى من فقهاء خراسان أعقل من ابن نصر».
* وقال محمد بن إسحاق الدبوسي: «دخلت سمرقند، ورأيت بها محمد ابن نصر المروزي، وكان بحرًا في الحديث».
* وقال محمد بن محمد بن يوسف القاضي: «كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: عبدالله بن المبارك المروزي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نصر المروزي».
* وقال ابن حبان: «كان أحد الأئمة في الدنيا ممن جمع وصنف، وكان أعلم أهل زمانه بالاختلاف، وأكثرهم صيانة في العلم».
* وقال أبو عبدالله الحاكم: «فضائل أبي عبدالله المروزي ومناقبه كثيرة، فإنه إمام الحديث بخراسان، وأما كلامه في فقه الحديث؛ فأكثر من أن يمكن ذكره، ومصنفاته في بلاد المسلمين مشهورة، ولعلها تزيد على ست مئة جزء، عندنا من المسموعات ما يزيد على مئة جزء».
* وقال: «الفقيه، العابد، العالم، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة».
* وقال الحافظ السليماني: «محمد بن نصر إمام الأئمة، الموفق من السماء».
* وقال عبدالقاهر بن طاهر البغدادي: «ومنهم: محمد بن نصر المروزي، صاحب «اختلاف العلماء»، وإمام الفقه والكلام والحديث، وكتابه في «اختلاف العلماء» يشتمل على أربعين مجلدة».
* وقال الإمام ابن حزم: «أعلم الناس: من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه.
وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله × حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد ابن نصر؛ لما أبعد عن الصدق».
قال الذهبي عقبه: «هذه السعة والإحاطة ما ادعاها ابن حزم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر، ويمكن ادعاء ذلك لمثل أحمد بن حنبل ونظرائه، والله أعلم».
وقال: «... ولقد لقي أحمد، وأخذ عنه وحوى علمه، ولقي أصحاب مالك والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وأخذ علمهم، وقد كان في الغاية التي لا وراء بعدها في سعة العلم بالقرآن والحديث والآثار، والحجاج ودقة النظر، مع الورع العظيم، والدين المتين».
* وقال الخطيب البغدادي: «صاحب التصانيف الكثيرة والكتب الجمة، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومن بعدهم في الأحكام».
قال الذهبي عقبه: «يقال: إنه كان أعلم الأئمة باختلاف العلماء على الإطلاق».
* وقال ابن الجوزي: «كان عالمًا بالحديث والفقه».
* وقال النووي: «هو الإمام البارع العلامة في فنون العلم، الفقيه الشافعي».
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «منهم: محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم».
ووصفه بأنه من علماء الحديث وأئمته، الذين يبنون الأحكام على الأحاديث، ويميزون صحيحها من ضعيفه.
وكذا عده الإمام ابن قيم الجوزية ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية.
* وقال الذهبي: «الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبدالله الحافظ... وكتب الكثير، وبرع في علوم الإسلام، وكان إمامًا مجتهدًا علامة، من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، قلّ أن ترى العيون مثله».
* وقال الحافظ ابن كثير: «كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، وكان عالمًا بالأحكام».
* وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «محمد بن نصر المروزي الفقيه، أبو عبدالله، ثقة حافظ، إمام، جبل، من كبار الثانية عشرة / تمييز».
* وقال السبكي: «أحد أعلام الأمة، وعقلائها، وعبادها».
* وقال ابن قاضي شهبة: «أحد الأئمة الأعلام».
* وقال ابن تغري بردي: «الفقيه، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف الكثيرة، والكتب المشهورة... وكان أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام».
* وعده السخاوي من نجوم الهدى، ومصابيح الظلام، والمستضاء بهم في دفع الردى، الذين هم أهل للكلام في علم الرجال.
* وقال السيوطي: «الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبدالله المروزي الفقيه... وبرع في هذا الشأن، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام».
* مذهبه الفقهي:
قال المروزي: «كتبت الحديث بضعًا وعشرين سنة، وسمعت قولاً ومسائل، ولم أكن حسن رأي في الشافعي، فبينما أنا قاعد في مسجد رسول الله × بالمدينة؛ إذ أغفيت إغفاءة، فرأيت النبي × في المنام، فقلت: يا رسول الله! أكتب رأي أبي حنيفة؟ فقال: لا، فقلت: رأي مالك؟ فقال: اكتب ما وافق حديثي، فقلت: أكتب رأي الشافعي؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان، وقال: تقول: رأي! ليس هو بالرأي، وهو رد على من خالف سنتي، فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، فكتبت كتب الشافعي».
فتفقه -رحمه الله- على أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وأخذ عنه كتب الشافعية ضبطًا وتفقهًا، وسمع من الربيع بن سليمان، ومحمد بن عبدالله ابن عبدالحكم آراء الشافعي وأقواله.
ولذلك عدَّه من كتب في التراجم والطبقات أنه شافعي، بل عدوه من أئمة الشافعية.
قال النووي: «الفقيه الشافعي».
وقال: «محمد بن نصر من أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور في الروضة».
وقال السبكي في «طبقاته»: «ابن نصر، وابن جرير، وابن خزيمة من أركان مذهبنا».
وعده الشيرازي من أصحاب الشافعي، وذكره في «طبقاته»، وكذا عده ابن الأثير من فقهاء الشافعية.
وقال بعضهم: «لم يكن للشافعية في وقته مثله».
قلت: والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المؤلف -رحمه الله- كان مجتهدًا مطلقًا، معظمًا للسنة والدليل، يرجح من المذاهب والأقوال بحسب قربها من الأدلة وصحة الاستدلال عليها، وإن كان لا ينكر أنه تأثر بالإمام الشافعي، ونقل كثيرًا من أقواله؛ لكن أكثر نقله عنه في مسائل الأصول وبيان أنواع السنن وعلاقتها بالكتاب، ونحو ذلك.
وكتابنا -الذي بين يديك- دليل على ذلك، فهو كتاب أصول بحت، كل ما نقله المؤلف -رحمه الله- عن الشافعي فهو منقول عن غيره؛ كالإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر؛ لكن الإمام الشافعي -رحمه الله- حاز قصب السبق بالتقعيد والتأصيل والكتابة.
وإلا؛ فلا يصحُّ ألبتة عَدُّ الإمامين ابن خزيمة وابن جرير الطبري من الشافعية، وهذا واضح لكل من نظر في كتب هذين العالمين، بل كانا مجتهدين، فهل إن وافقوا الإمام الشافعي -رحمه الله- في مسائل؛ عدوا من الشافعية؟! كلا.
* حسن عبادته وتمسكه بالسنة:
كتابنا -هذا- دليل على حب المؤلف -رحمه الله- للسنة، وذبه عن حياضها، والعمل بها، ونشرها بين الناس، وذم الاختلاف والبدع، والتحذير من أهلها، كل ذلك فعله صيانة للدين، وحرصًا وغيرة على سنة سيد المرسلين محمد ×.
أما عن عبادته وطاعته لربه؛ فحدث ولا حرج.
قال الإمام ابن كثير: «كان من أحسن الناس صلاة، وأكثرهم خشوعًا فيها».
وكان -رحمه الله- من العباد المعروفين.
ومن صور خشوعه في الصلاة ما ذكروه عنه -رحمه الله-:
قال أبو بكر الصبغي: «فأما أبو عبدالله؛ فما رأيت أحسن صلاة منه، وبلغني أن زنبورًا قعد على جبهته، فسال الدم على وجهه ولم يتحرك».
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: «ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر؛ كان الذباب يقع على أذنه، فيسيل الدم ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة منصوبة».
وقال ابن الجوزي: «وكان كثير الصلاة، كريمًا».
* علاقته بالأمراء والسلاطين:
كان الإمام المروزي على سيرة أهل العلم من السلف الصالح في علاقته مع الخلفاء والأمراء، فلم يكن من عادته الدخول عليهم إلا لأداء واجب النصيحة، وتقديم الموعظة الحسنة، وكانت له هيبة، واحترام لدى العامة والخاصة، وكان الأمراء والحكام يجلُّونه ويحترمونه؛ نظرًا إلى منزلته العلمية والدينية، وكانوا يقدمون إليه العطايا والهدايا، قال الأمير أبو إبراهيم -إسماعيل بن أحمد-: كنت بسمرقند فجلست يومًا للمظالم، وجلس أخي إسحاق إلى جنبي، إذ دخل أبو عبدالله محمد بن نصر، فقمت إجلالاً لعلمه، فلما خرجا عاتبني أخي إسحاق، وقال: أنت والي خراسان، يدخل عليك رجل من رعيتك، فتقوم إليه! وبهذا ذهاب السياسة.
فبت تلك الليلة -وأنا منقسم القلب بذلك- فرأيت النبي × في المنام، كأني واقف مع أخي إسحاق، إذ أقبل النبي × فأخذ بعضدي، وقال: يا إسماعيل! ثبت ملكك وملك بنيك؛ بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق فقال: ذهب ملك إسحاق وملك بنيه؛ باستخفافه بمحمد بن نصر.
زاد النووي: فبقي ملك إسماعيل وبنيه أكثر من مئة وعشرين سنة.
* عقيدته:
كان -رحمه الله- على مذهب السلف الصالح في جميع أبواب العقائد، وكتابه «السنة»، و«كتاب تعظيم قدر الصلاة»، وباب الإيمان منه، أكبر شاهد على هذا، وقد درس مسألة الإيمان، ومذاهب الناس فيه دراسة وافية في كتابه القيم: «تعظيم قدر الصلاة»، وأيد مذهب السلف، وناقش جميع المذاهب والفرق مناقشة علمية.
فهو لم يكن على معتقد السلف فحسب، بل كان من الدعاة إليه، فيستحق أن يوصف بصاحب السنة، الداعية إلى العقيدة السلفية الصحيحة، وقد أنكر على جميع الفرق المبتدعة أشد الإنكار، كما هو واضح وجلي في باب الإيمان من كتاب «تعظيم قدر الصلاة».
وكان -رحمه الله- جريئًا في إبداء ما كان يراه، ولأجل هذا تكلم في بعض المسائل الحساسة لدى أهل الحديث والأثر، وأهل البدع في عصره بشيء من الصراحة؛ لبيان حقيقة المسألة، فأنكر عليه أهل العلم لخوضه فيها، فقال الحافظ ابن منده في مسألة الإيمان: صرح محمد بن نصر في كتاب «الإيمان» بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظه مخلوق، ثم قال: وهجره على ذلك علماء وقته، وخالفه أئمة خراسان والعراق.
قال الذهبي معلقًا عليه: «قلت: الخوض في ذلك لا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يقال: الإيمان، والإقرار، والقراءة، والتلفظ بالقرآن غير مخلوق؛ فإن الله خلق العباد وأعمالهم، والإيمان: فقول وعمل، والقراءة والتلفظ: من كسب القارئ، والمقروء الملفوظ: هو كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان، وهي قول: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» داخلة في القرآن، وما كان من القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا، وأفعالنا مخلوقة، ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدّعناه، وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة».
هذا، وقد ذكر الذهبي في ترجمة الإمام البخاري في «السير» قصة البخاري مع محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق القرآن، ومسألة: هل اللفظ مخلوق؟ فساق الذهبي عدة أقوال تلاميذ البخاري عن البخاري، فقال:
قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق، وسئل عنها البخاري فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك؛ فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره، وقد قال البخاري في الحكاية التي رواها غنجار في «تاريخه»: حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يومًا عند أبي إسحاق القيسي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كذاب، فإني لم أقله، فقلت له: يا أبا عبدالله! قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول.
قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت البخاري فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبدالله! ههنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة، فقال: يا أبا عمرو! احفظ ما أقول: من زعم من أهل نيسابور، وقومس، والرى، وهمذان، وحلوان، وبغداد، والكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كذاب، فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وقال الذهبي في ترجمة الذهلي: كان الذهلي شديد التمسك بالسُّنة، قام على محمد بن إسماعيل؛ لكونه أشار في مسالة خلق أفعال العباد إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق، فلوّح وما صرح، والحق أوضح، ولكن أبى البحث في ذلك: أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، والذهلي، والتوسع في عبارات المتكلمين؛ سدًّا للذريعة، فأحسنوا -أحسن الله جزاءهم-، وسافر ابن إسماعيل مختفيًا من نيسابور، وتألم من فعل محمد بن يحيى، وما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده... رحم الله الجميع، وغفر لهم ولنا آمين.
هذا، وأورد الذهبي ذكر الإمام المروزي في كتابه «العلو للعلي العظيم» من أئمة الإسلام ممن لا يتأول، ويؤمن بالصفات، وبالعلو في ذلك الوقت.
* مؤلفاته:
1- الإجماع:
نسبه له الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (12/ 157)، فقال: «ونقل محمد ابن نصر في «كتاب الإجماع» الاتفاق على نفي الزاني؛ إلاَّ عن الكوفيين» ا.هـ.
2- اختلاف الفقهاء:
طبع بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي، باسم (اختلاف العلماء)، وهكذا نسبه له الإمام ابن قيم الجوزية في «إغاثة اللهفان» (1/ 129 -ط الفقي)، والحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (9/ 396 -ط دار الريان)، ومن قبلهما عبدالقاهر بن طاهر البغدادي (ت 429 هـ) في «أصول الدين» (ص 314).
وحققه محمد طاهر حكيم في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية لنيل شهادة الماجستير باسم (اختلاف الفقهاء)، وهكذا سماه السبكي في «طبقاته» (2/ 253)، وفؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» (1/ 3/ 197).
3- الانتفاع بجلود الميتة:
ذكره ونسبه له ابن عبدالبر في «التمهيد» (2/ 28)، فقال: «فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما: أبو عبدالله -محمد بن نصر- المروزي في كتاب «الانتفاع بجلود الميتة»».
4- الإيمان:
ذكره المؤلف في كتابه «تعظيم قد رالصلاة» (2/ 590)، فقال: «وسنذكر الأخبار المروية على هذا المثال في «كتاب الإيمان» خاصة».
وذكره الذهبي في «السير» (14/ 39) نقلاً عن ابن منده، ونقل منه
-أيضًا- الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (1/ 110)، و«تغليق التعليق» (2/ 52)، والعيني في «عمدة القاري» (1/ 275).
5- تعظيم قدر الصلاة:
طبع بتحقيق أخينا الدكتور الفاضل عبدالرحمن بن عبدالجبار الفريوائي
-وفقه الله- في مكتبة الدار بالمدينة النبوية.
وانظر (1/ 67-69) من الكتاب نفسه.
6- كتاب الجنائز:
نسبه له السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 116).
7- كتاب في الذب عن عكرمة البربري -مولى ابن عباس-:
نسبه له السخاوي في «فتح المغيث» (1/ 306 - ط دار الكتب العلمية).
8- رفع اليدين في الصلاة:
وهو في أربعة مجلدات.
نسبه له ابن عبدالبر في «الاستذكار» (2/ 125)، و«التمهيد» (9/ 213 و216)، وقال في الموضع الأول: «قال أبو عبدالله -محمد بن نصر المروزي- رحمه الله- في كتابه «رفع اليدين» من الكتاب الكبير...».
وقال صلاح الدين الصفدي في «الوافي بالوفيات» (5/ 111): «وله كتاب «رفع اليدين في الصلاة» في أربعة مجلدات، وكان ابن حزم يعظمه».
وقال الحافظ السليماني؛ كما في «السير» (14/ 37): «... وله كتاب «تعظيم قدر الصلاة»، وكتاب: «رفع اليدين»، وغيرهما من الكتب المعجزة».
ونسبه له شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (3/ 137 و6/ 441)، وابن قاضي شهبة في «طبقات الشافعية» (1/ 85)، وغيرهما.
9- الرد على ابن قتيبة:
ذكره الإمام ابن قيم الجوزية في «كتاب الروح» (ص 110)، وفي «أحكام أهل الذمة» (2/ 525 - تحقيق صبحي الصالح).
وقال السخاوي في «فتح المغيث» (3/ 48): «وقد انتصر لأبي عبيد: أبو عبدالله -محمد بن نصر- المروزي في جزء لطيف، رد فيه على ابن قتيبة».
10- السنة:
وهو كتابنا هذا، وقد تقدم الكلام عليه (ص 9 - 14).
11- سؤالات محمد بن نصر المروزي:
نسبه له الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (2/ 556 -ط دار الريان)، فقال: «رواه عنه محمد بن نصر في «سؤالاته»».
12- الصيام:
ذكره ونسبه له البغدادي في «هدية العارفين» (6/ 21)، و«إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» (1/ 310).
13- فيما خالف أبو حنيفة عليًّا وابن مسعود.
قال أبو إسحاق الشيرازي في «الطبقات»؛ كما في «السير» (14/ 38): «صنف ابن نصر كتبًا ضمنها الآثار والفقه، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، وصنف كتابًا فيما خالف أبو حنيفة عليًّا وابن مسعود».
ونسبه له شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (3/ 156 و256 و4/ 125 و127 و222 و7/ 502 و8/ 299)، والزركلي في «الأعلام» (7/ 125).
14- كتاب الفرائض:
نسبه له الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (3/ 260 -ط دار الريان)، والروداني في «صلة الخلف بموصول السلف».
وهو من رواية أبي العباس الأصم عن المروزي؛ كما روى ذلك الحافظ ابن حجر بسنده في «المعجم المفهرس» (71/ 168).
15- كتاب القسامة:
قال أبو بكر الصيرفي: «لو لم يصنف المروزي إلا كتاب «القسامة»؛ لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتبًا سواها؟».
ونسبه له البغدادي في «إيضاح المكنون ذيل كشف الظنون» (1/ 322)، و«هدية العارفين» (6/ 21)، والسيوطي في «طبقات الحفاظ» (ص 285)، وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (12/ 78).
16- قيام رمضان:
نسبه له فؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» (1/ 3/ 198)، وبروكلمان في «تاريخ الأدب العربي» (3/ 159)، والزركلي في «الأعلام» (7/ 125).
17- قيام الليل:
قال حاجي خليفة في «كشف الظنون» (2/ 1367 و1451): «قيام الليل في مجلدين لمحمد بن نصر المروزي».
وقال الإسنوي: «له تصنيف آخر في قيام الليل أكبر من «تعظيم قدر الصلاة»، وقفت عليه في مجلدة ضخمة».
وقال ابن قاضي شهبة في «طبقات الشافعية» (1/ 43): «قيام الليل؛ مجلدين ضخمين».
ونسبه له البغدادي في «هدية العارفين» (6/ 21)، وبروكلمان في «تاريخ الأدب العربي» (3/ 159)، وفؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» (1/ 3/ 197)، وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (12/ 78).
18- كتاب الوتر:
نسبه له الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (2/ 555 ط دار الريان)، فقال: «عند محمد بن نصر في كتاب: «أحكام الوتر»، وهو كتاب نفيس في مجلدة».
ونسبه له: حاجي خليفة في «كشف الظنون» (2/ 1367 و1451)، وبركلمان في «تاريخ الأدب العربي» (3/ 159)، وسزكين في «تاريخ التراث العربي» (1/ 3/ 198)، وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (12/ 78).
وقد اختصر هذه الكتب الثلاثة أحمد بن علي المقريزي (ت 845 هـ)، وطبع المختصر طبعات عدة في الهند وباكستان والأردن.
19- كتاب الكسوف:
ذكره المؤلف نفسه -رحمه الله- في «تعظيم قدر اللاة- (1/ 230- 231)، فقال: «وقد كتبنا الأخبار المروية في هذا الباب في «كتاب الكسوف»؛ فلذلك تركنا كتابتها هنا».
20- الورع:
ذكره حاجي خليفة في «كشف الظنون» (2/ 1469)، والبغدادي في «هدية العارفين» (6/ 21)، وفؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» (1/ 3/ 198)، وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين» (12/ 78).
وتوجد منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية (129/ 1 - تصوف)، وهو في (29) لوحة، مقاس (28 × 18 سم)، نسخت في القرن التاسع الهجري.
* وفاته:
توفي -رحمه الله- في شهر محرم، سنة أربع وتسعين ومئتين (294 هـ) بسمرقند، وله من العمر اثنتان وتسعون سنة.
قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (9/ 432-433): «واتفقوا على أنه مات سنة أربع وتسعين ومئتين».
رحمه الله، وأسكنه الفردوس الأعلى بمنه وكرمه. آمين.

ابن باز ـ رحمه الله ـ

عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي
الداعية بمركز الدعوة بالمنطقة الشرقية


هو مجدد هذا القرن
                                                                    العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني

ابن باز طراز غير علماء هذا الزمان ، ابن باز من بقايا العلماء الأولين القدامى في علمه وأخلاقه ونشاطه
                                                                    الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي

الشيخ ابن باز هو إمام أهل السنة في زمانة
                                                                    محمد السبيل

شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله - هو المستحق للقب - شيخ الإسلام والمسلمين - ، لما بذله من مساع في خدمة الإسلام والمسلمين ، فهو الداعية الكبير وهو المفتي الأول في الداخل والخارج ، وهو الموجه إلى فعل كل خير ، وهو المرجع في كل شأن من شئون الإسلام ؛ لما حباه الله تعالى من إخلاص لدينه وأمته ؛ ولما امتاز به من سعة علم وبعد نظر ، وقبول لدى المسلمين .
                                                                    الشيخ عبدالله البسام

لم يتغد مع أهله منذ 50 عاما ، فقد آثر أن يعيش مسكينا مع المساكين
                                                                    الشيخ أحمد القطان

ترجمة سماحة الشيخ ابن باز [1]

اسمه ونسبه :
هو سماحة والدنا وشيخنا المجدد لما اندرس من معالم السنة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبد الله ابن باز ـ رحمه الله وقدس روحه ونور ضريحه وكتبه من ورثة الفردوس الأعلى من جنة النعيم .. آمين ـ .

مولده : ولد في الثاني عشر من ذي الحجة سنة 1330هـ بمدينة الرياض، وكان بصيرا ثم أصابه مرض الجدري المنتشر في تلك الفترة عام 1346هـ وضعف بصره ثم فقده عام 1350هـ
قال الشيخ في أحد مجالسه ـ رحمه الله ـ : لما فقدت بصري سمعت خالتي تقول لأمي ـ وظنتني نائما ـ : مسكين عبدالعزيز كيف سيحصل على عمل يعيش منه ؟!!
فساد الدنيا بلا بصر
قال الشيخ محمد المجذوب : كان في أسرة الشيخ علماء ومنهم الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز تولى القضاء وكذا الشيخ المبارك بن عبدالمحسن تولى القضاء أيضا .

وصفه :
كان ـ رحمه الله ـ قصير القامة معتدل الجسم ـ إلا بعد مرضه فقد هزل جدا ـ ذو لحية قليلة أبيض البشرة ، ممتع بحواسه إلا البصر كما تقدم ، حليم صبور ، ذو هيبة ووقار مرآه أحد إلا أحبه وأجله ، من ألين الناس في غير ظلم ولا معصية .

طلبه للعلم:
حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض

مشايخه:
تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم:
1. الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي الرياض.
2. الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
3. الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض.
4. الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض.
5. سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية، وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ ، وكان يجله غاية الإجلال ويكثر من ذكره والدعاء له والثناء عليه .
6. الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة أخذ عنه علم التجويد في عام 1355هـ.
7. الإمام محمد الأمين الشنقيطي : درس عليه ، شرح سلم الأخضري في المنطق ، وكان يحضر حلقة الشيخ في الحرم النبوي .
8. الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي [2]

أعماله :
عين في القضاء عام 1350هـ ولم ينقطع عن طلب العلم ، حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم، وقد عني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر وظهر أثر ذلك على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل.
في عام 1372هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي, ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة 1373هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد، إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381هـ. وقد أسس حلقة للتدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها ، وإن كانت في السنوات الأخيرة اقتصرت على بعض أيام الأسبوع بسبب كثرة الأعمال ولازمها كثير من طلبة العلم، وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام 1381هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها من عام 1390هـ إلى 1395هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي ومن الملاحظ أنه إذا انتقل إلى غير مقر إقامته استمرت إقامة الحلقة في المكان الذي ينتقل إليه مثل الطائف أيام الصيف, وقد نفع الله بهذه الحلقات.

من طلابه :
1. الشيخ عبد الله الكنهل.
2. الشيخ راشد بن صالح الخنين.
3. الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.
4. الشيخ عبد اللطيف بن شديد.
5. الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود.
6. الشيخ عبد الرحمن بن جلال.
7. الشيخ صالح بن هليل .
8. معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
9. معالي الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد
10. سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
11. فضيلة الشيخ حمود ابن عقلا الشعيبي
12. فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين
13. فضيلة الشيخ محمد بن زيد آل سليمان .
14. فضيلة الشيخ عبدالله الغديان
وبلغ بهم عبدالرحمن الرحمة إلى 348 على النحو التالي :
1. الدلم : 79 .
2. الرياض ابان تدريس الشيخ في المعهد العلمي وبعده في كلية الشريعة : 82 .
3. المدينة ـ حرسها الله ـ : 22 .
4. الرياض من عام 1395هـ : 165 .
وغيرهم كثير

أخلاقه :
ساد الشيخ رحمه الله وذاع صيته بكمال خلقه الذي فاق فيه الناس كلهم ولا يدانية أحد فضلا أن يتقدم عليه

مؤلفاته:
1. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة صدر منه الآن تسعة عشر مجلد وقت تحرير هذه الترجمة
2. الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
3. التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك) وهو أحب كتب الشيخ إليه ويعلل الشيخ ذلك بعموم نفعه وشدة حاجة الناس إليه  [3]
4. التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد)
5. رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
6. العقيدة الصحيحة وما يضادها.
7. وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها.
8. الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
9. وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
10. حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
11. نقد القومية العربية.
12. الجواب المفيد في حكم التصوير.
13. الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته.
14. ثلاث رسائل في الصلاة :
* كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم .
* وجوب أداء الصلاة في جماعة.
* أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع .
15. حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم .
16. حاشية مفيدة على فتح الباري وصل فيها إلى كتاب الحج.
17. رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب.
18. إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.
19. الجهاد في سبيل الله.
20. الدروس المهمة لعامة الأمة.
21. فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
22. وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة.
هذا ما تم طبعه ويوجد له تعليقات على بعض الكتب مثل: بلوغ المرام، تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر (لم تطبع)، تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار (طبع)، التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة، تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان، إلى غير ذلك [4].

الأعمال التي زاولها غير ما ذكر:
1. صدر الأمر الملكي بتعيينه رئيسا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد إلى جانب ذلك:
2. عضوا في هيئة كبار العلماء.
3. رئيسا للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
4. رئيسا وعضوا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
5. رئيسا للمجلس الأعلى العالمي للمساجد.
6. رئيسا للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.
7. عضوا للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
8. عضوا في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية.
ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر فقد كان يلقي المحاضرات ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له .

من مواقف الشيخ :
* مواقف عامة
قال الشيخ محمد المجذوب ـ رحمه الله ـ : ( عندما أصدرت محكمة البغي قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم في مثل هذه النازلة التي لا تستهدف حياة البرآء المحكومين بقدر ما تستهدف الإضعاف من منزلة الإسلام نفسه . وكلفني الشيخ يومئذ صياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف فكتبتها بقلم يقطر نارا وكراهية وغيره وجئته بها وملئي اليقين بأنه سيدخل على لهجتها من التعديل ما يجعلها أقرب إلى لغة المسؤولين منها إلى لغة المنذرين ولكنه حطم كل توقعاتي حين أقرها جميعا ولم يكتف حتى أضاف إليها قوله تعالى في سورة النساء : "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا " وأرسلت البرقية التي كانت ـ فيما أظن ـ الوحيدة من أنحاء العالم الإسلامي بهذه المناسبة ، بما تحمله من عبارات أشد على الطغاة من لذع السياط . )
وكان جمال عبدالناصر وقتها حديث الناس ورأس العروبة

قال الشيخ عبدالقادر الأرنؤوط في شريط عن الشيخ ـ قدس الله روحه ـ : أرسلني سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز للدعوة في البوسنة والهرسك عام 1405هـ يوم لمن يكن أحد سمع بتلك الدولة ، وكان يتابع أحوال المسلمين في كل مكان .

قال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري : حمل إلى الشيخ ـ رحمه الله ـ عدد من مجلة الثقافة والفنون كتبت فيها خمسا وأربعين صفحة مما لا تسر الكتابة فيه عنها ولا تشرف فصار ينهرني وكان الشيخ يردد دائما : ما أعظم مصيبتك عند الله ثم صار يبرم أطراف غترته ويدعو لي وقد اغرورقت عيناه فزالت الموجدة من نفسي وتمزق قلبي حزناً لصدق هذا الإنسان ..، ولو جادلني لكابرت في المجادلة وقد فتح الله قلبي لحسن نيته .. وتقلص حب الغناء والطرب من وجداني وتولدت كراهية الغناء ..

قال الدكتور ناصر الزهراني : جاءه بعض طلبة العلم فشكوا إليه أحد الناس وبينوا أخطاءه وبعض المخالفات عنده فبدأ الشيخ يملي كتابا لتوبيخه ونصحه، وأثناء الكتابة قال أحدهم : وإنه يا شيخ يتكلم فيك وينال منك . فقال الشيخ للكاتب : قف واترك الكتابة .
خشي أن يقال إن الشيخ ينتقم لنفسه ، ولو كان غيره لتغيرت النية من غيرة لله لانتقام لنفسه .

ومن إنكاره على الحكام إنكاره على أحد الحكام لما أراد حذف كلمة قل من كتاب الله سبحانه وتعالى . ولما ُبني صنم لملك الأردن وهو خارج البلاد فما قدم ورآه قال: لقد جاء جدي لهدم الأصنام ـ يعني رسول الله ـ فما كان لي أن أبنيها ، فأرسل له الشيخ يشكره على هذا الموقف وقال له : ولعل هذا الموقف يكون بداية لتطبيق الشريعة في بلادكم ، وكان يراسل بعض الحكام يأمره بالرجوع إلى مذهب أهل السنة وترك مذهب الرفض ، وناصح غيره بتحكيم الشرع المطهر وفك الأسرى من المصلحين ، وغيرها كثير .

قالت وفاء الباز : سألت التي اتصلت للعزاء بالشيخ وهي من كوسوفو : كيف عرفت الشيخ ابن باز؟ قالت : كيف لا أعرفه ومصروفي من عنده ! [5]

قال الشيخ محمد التركي : كان هناك شخص بالدلم يعادي الشيخ ويسبه دائما والشيخ ساكت عنه وشاء الله أن يتوفى ذلك الشخص والشيخ بالحج فما أحضر للدفن رفض الإمام الصلاة عليه فلما حضر الشيخ من الحج وعلم بذلك غضب على إمام المسجد غضبا شديدا ولامه على ذلك ثم توجه إلى قبر المتوفى وصلة عليه ودعا له بخير [6].

قال الدكتور عبدالله الحكمي : جاء أفريقي رث الثياب يسأل عن الشيخ في موسم الحج الأخير فقيل له : لم يستطع الحج ، فماذا تريد ؟ فقال : لا أريد منكم شيئا ولكني مسكين والشيخ أبو المساكين [7]

* مواقف سمعتها بنفسي :
وحدثني أحد الإخوة من دولة بنين فقال : لما قدمت السعودية كانت أمنيتي بعد زيارة البيت الحرام وأداء العمرة زيارة سماحة الشيخ ـ رحمه الله ـ فلما زرته سألني من أين أنت ؟ فقلت له : من بنين . فسألني عن رجل من أهالي بنين فقلت : ذاك والدي !! ففرح الشيخ وسألني عن حاله وصحته وناشطه في الدعوة ، ثم بدأ يسألني عن بعض الدعاة في بنين ولم أكن أعرف بعضهم !! وكان الشيخ يذكرهم ويذكر القرى التي يدعون فيها وربما لم أعرف بعضها !!.

وحدثني الشيخ سلطان بن حمد العويد الداعية بمركز الدعوة بالدمام فقال : لقيت الشيخ في ثاني أيام التشريق وهو يرمي الجمرات فرغبت في سؤاله فحال دوني ودونه العسكر وكان الشيخ يدعو الله تعالى فلما انتهي من الدعاء التفت وقال : أين السائل ؟ أين السائل ؟ وكنت واثقا من أن الشيخ سيدعوني بعد فراغه من الدعاء .

وسمعت شابا يقول : بدأت طلب من العلم بسبب سماحة الشيخ وذلك أن أمي أرسلتني لسؤال الشيخ سؤالا بعد صلاة الظهر في الرياض وكان الوقت حارا جدا ذلك اليوم وبعد الصلاة بقيت خارج المسجد أنتظر الشيخ حتى خرج ومعه ناس وبجانبه العسكر فأقتربت من الشيخ فمنعي العسكري لأنني طفل ، فناديت الشيخ فالتفت إلي وقال : وين الولد ؟ فاقتربت منه وقلت له : أمي عندها سؤال واحد . فقال أولا : من ربك ؟ فقلت : ربي الله . فقال : أكمل الذي رباني بنعمه . ثم قال : ما دينك ؟ فقلت : الإسلام . فقال : ومن نبيك ؟ فقالت : محمد صلى الله عليه وسلم . فدعا لي بالخير ثم قال : الآن أسأل ولك مائة سؤال !! فتأثرت بذلك خاصة أن الوقت كان حارا وكان الناس حول الشيخ وهو من هو ووقف لطفل .

وحدثني الشيخ علي العمران ـ وفقه الله لكل خير ـ فقال : حدثني الشيخ سعيد بن عياش الغامدي رئيس محاكم خميس مشيط ـ متقاعد ـ قائلا : كنت كاتبا عند الشيخ عبدالعزيز في الدلم وكان الشيخ دائما لا يخرج حتى ينتهي آخر مراجع ويأخرنا كثيرا وفي ذات يوم أغلقنا السجلات وهممت بالخروج فدخل بدوي فقال الشيخ : نجلس نسمع ما يريد ، فقلت : يا شيخ الدوام انتهي ، قال: نسمع من الرجل ، فقلت : الساعة ثلاثة ، فقال : نسمع ما يريد لعله قدم من مكان بعيد ، فغضبت لذلك غضبا شديدا وضربت الشيخ على رأسه بدفتر السجلات ، ثم هربت ، وبعد عدة أيام رجعت للشيخ واعتذرت منه فقبل اعتذاري وكأن شيئا لم يكن ، وطلبت العلم ودرست حتى دخلت القضاء وصرت رئيس محكمة خميس مشيط وتعلمت من الشيخ أمورا منها الصبر على المراجعين وتحمل أذاهم وفي ذات يوم دخل مراجع بعد نهاية الدوام وقد أغلق الكاتب السجلات فطلبت منه فتح السجل وسماع ما عند الرجل فغضب الكاتب ، وقال :الدوام انتهى ، فقلت له : نسمع من الرجل لعله قدم من مكان بعيد ، فما شعرت وإلا والكاتب يضربني على رأسي بدفتر السجلات فتذكرت موقفي مع الشيخ ـ رحمه الله ـ وهرب الرجل من المحكمة وبعد أيام أرسلت في طلبه وأخبرت الرسول أنني قد عفوت عنه .

وحدثني الأخ المفضال إبراهيم الشهري فقال : كنت في مجلس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بعد صلاة جمعة وكان يقرأ على الشيخ من تفسير في ابن كثير وبعد الدرس فتح مجال الأسئلة والنقاشات وكان من بين الحضور رجل سوداني استأذن الشيخ بأن يقرأ عليه قصاصة من جريدة الحياة فسمح له الشيخ ـ رحمه الله ـ فقرأ ، أن الحكومة البنجلاديشية أمرت بترحيل المسلمين البورميين إلى بورما بناء على طلب من الحكومة البورمية وقد علق الكاتب أن المسلمين سوف يعذبون ويضطهدون من قبل الحكومة النصرانية إذا ذهبوا إلى هناك وبعد الانتهاء من قراءة الجريدة وكان الشيخ متأثرا من هذا القصة فطلب من أحد السكرتارية أن يتصل بقصر خادم الحرمين الشرفين الملك فهد ـ وفقه الله لكل خير وبر ـ وكان مساعد الشيخ يجري الاتصالات والشيخ في نفس الوقت يرد على الهاتف الثاني على أسئلة المستفتين وبعد أكثر من نصف الساعة أعطى السكرتير السماعة للشيخ وقال : الملك على الهاتف ، وبعدما أنهى الشيخ المكالمة التي كانت معه أخذ السماعة ليكلم الملك فهد ـ وكان كل من في المجلس مشدودا للمكالمة وهم يستمعون للشيخ رحمه الله يكلم الملك مباشرة ـ أخذ الشيخ السماعة فسلم على الملك ثم سأله عن صحته وصحة إخوانه ثم ذكر أن هناك قصاصة جريدة ـ وذكر القصة ـ ثم قال له : نريد منكم أن تشفعوا لهؤلاء المسلمين المستضعفين لدى الحكومة البنجلاديشية بأن لا ترحلهم وأن يتركوهم يعيشون في بنجلاديش ، ثم دعا للملك بالتوفيق وأن ينفع الله به الإسلام والمسلمين .

حدثني أحد الإخوة ممن خدم الشيخ إبان رئاسة للجامعة الإسلامية في مدينة رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقال : كان راتب الشيخ ـ رحمه الله ـ خمسة آلاف ريال وكان جل راتبه يصرفه على الفقراء وذوي الحاجات حتى يذهب كل راتبه قبل نهاية الشهر ، بل قد يبدأ الشهر وراتب الشيخ قد صرف ، بل مرت علينا أيام كان راتب الشيخ قد صرف لعدة أشهر [8]، وذات مرة جاءنا ضيوف وكانت زوج الشيخ على سفر فطلب مني أن أشترى طعاما للضيوف فأخبرته أننا لا نملك مالا ، فقال : اقترض من أحد المطاعم القريبة ثم نسدد له ، فقلت له : كل المطاعم القريبة اقترضنا منها ! ، فقال : اذهب والله بيسر لك ، فذهبت ويسر الله لنا طعاما تلك الليلة .

وحدثني أيضا فقال : علم جلالة الملك فيصل ـ رحمه الله ـ بديون الشيخ ـ رحمه الله ـ وأنها من جراء صدقاته ومساعدة الآخرين فأرسل له وزير المالية آنذاك بملغ وقدره مائة ألف ريال ، فلما وصل الوزير للشيخ وأخبره الخبر ، رفض الشيخ بشدة قبول المبلغ ، فحاول معه الوزير وغيره مرارا بالشيخ ليقبل المبلغ حتى قبل ـ رحمه الله ـ على شرط أن يكون دينا عليه يخصم من راتبه بمعدل ألفي ريال شهريا ، فأرسل الوزير للملك فقبل بذلك فأخذ الشيخ ـ رحمه الله ـ المبلغ .

* مواقف خاصة :
كنت في بيت الشيخ فأقبل عليه شيخ كبير السن وقد لبس البشت واقترب من الشيخ وكلمه في أمر فتغير الشيخ وتغيظ ولم أره بهذا الشكل من قبل فقد رفع صوته وقال : أتشفع في حد من حدود الله ؟؟ .. أتشفع في حد من حدود الله ؟؟ لا تعودها ثانية . فخرج الرجل .

موقف خاص مع سماحة الشيخ : زرت سماحة الشيخ مع بعض الدعاة من مركز الدعوة والإرشاد بالدمام إبان مرضه ـ رحمه الله ، وقد اشتد نحله وظهرت عليه أمارات المرض ــ فأصر الشيخ على أن نتناول الغداء في بيته كعادته مع القادمين من خارج الرياض . فلما وضع الطعام استأذن الشيخ قائلا : لا أستطع أن آكل ، وخرج فقابلته من تلقاء وجهه لأقبل رأسه ومن سرعة الشيخ رحمه الله ـ ضربت أضراسي في جبهته ؛ فوالله ما نهرني ولاضربني ولا آذني بكلمة وله الحق في ذلك كله ، فرحمه الله وغفر له .

أما الموقف الآخر فهو هذا الكتاب : فإني بدأت في كتابته أوائل عام 1417هـ ثم إني أرسلت نسخة للشيخ ـ رحمه الله ـ وتكاسلت عن إتمام الكتابة وربما غلبني الوهن ، فلما وصلتي رسالة الشيخ فرحت بها أيما فرح حيث أنني ما كنت أظن أن الشيخ سينظر فيها فضلا عن أن يحررها ويأذن بنشرها ، فلما وصل كتاب الشيخ استعنت بالله وأكملت البحث فالفضل كل الفضل في نشر هذا البحث بعد الله تعالى لسماحة الشيخ رحمه الله وغفر له .

وساد الشيخ الناس بجميل خلقه ونبل طبعه وكرم سجاياه ـ رحمه الله ـ .

وفاته ـ رحمه الله ـ : لم أتأثر لوفاة أحد من الناس كما تأثرت لوفاة هذا الإمام وكانت وفاته ـ رحمه الله ـ قبيل فجر يوم الخميس الموافق 27/1/1420هـ
ولم تشهد جنازة لعالم في بلادنا كجنازة الشيخ ـ رحمه الله ـ وما بكي أحد مثلما بكي الشيخ الإمام فرحمه الله من سيد ساد الناس بخلقه وعلمه وحلمه ، ولو تركت العنان لقلمي لسطرت كراسات إثر كرسات في فضله ومناقبه ـ رحمه الله ـ ولكن في الإشارة غنية ومن أراد المزيد رجع لما أحلت إليه من المراجع .

وقد رثى الشيخ الكثيرون ومنها ما قاله الدكتور أحمد بن عثمان التويجري في رثاء الشيخ :

رسالة شوق إلى سماحة الشيخ ابن باز

لفقدك يلهى عن بديهته الفكر *** وتسكب من أعماقنا الدمعة البكر
ولو أن ميتا يفتدى من مماته *** فدتك الدنا يا بهجة العمر والعمر
ولكن أمر الله في الناس بالغ *** فلله منا الحمد والصبر والشكر
ترجلت يا شيخ الفوارس بعدما *** تسامت بك الأمجاد واستشرف الفخر
وكنت أبا للمكرمات فمن لها *** وقد بت عنا اليوم يحجبك الستر
سيذكرك العلم الذي كنت نوره *** ويذكرك القول المسدد والفكر
سيذكرك الخير العميم نشرته *** ويذكرك الدرس المبارك والذكر
سيذكرك العباد في صلواتهم *** ويذكرك النساك والزهد والطهر
سيذكرك المستعصمون بدينهم *** وكل إمام ملء راحته جمر
سيذكرك الأيتام كفكفت دمعهم *** وواسيتهم برا فطاب بك البر
سيذكرك المستضعفون جميعهم *** ويذكرك المضطر ما مسه ضر
سيذكرك الإحسان والعدل والهدى *** وتذكرك الجلى إذا حزب الأمر
رحلت وفي أعماقنا ألف لوعة *** وألف حنين لا يكفكفه صبر
رحلت وفي ساحاتنا ألف نكبة *** وألف مصاب إذ مصائبنا كثر
على قمم الأفغان يخزى جهادنا *** ويسود طهر عاث في ساحه غدر
وتجري دمانا في الجزائر أنهرا *** ومنا وفينا ويحنا القتل والنحر
وفي كوسوفا نُمحى وتُسبى نساؤنا *** ويرهبنا صرب هم الغل والكفر
وفي القدس ويح القدس أين صلاحها *** أما آن أن يجلو دياجيرها البدر
أضعنا الهدى يا سيدي فتقطعت *** عُرانا وأردانا بأرزائه الدهر
وسلط فينا الظالمون فعيشنا *** وإن غردت أطيارنا الخوف والقهر
نعيش بسفح للوجود ودارنا *** ذراه ففيها كل راياتنا الخضر
ونمشي وراء العالمين أذلة *** ونحن الأولى فينا انتشى العز والفخر
فيا سيدي عذرا إذا فاض بالجوى *** فؤاد شجي فالهوى كله عُذر
ويا سيدي يا دوحة العلم والهدى *** لمن سيندى بعدك الروض والزهر
لمن سيبوح الأقحوان بعطره *** لمن سيرق الغيم والطل والقطر
لمن سيهب النسم عذبا متيما *** لمن سيضوع الطيب والند والعطر
لمن سيغني الطير في غدواته *** ويشرق في أحلى منازله الفجر
عليك سلام الله ما التاع خافق *** وما ضاق بالأشجان من وله صدر
وما سكبت من أعين الناس أدمع *** عليك وما دوّى بتأبينك الشعر

وقد رثيته ـ رحمه الله ـ بهاتين المقالتين :

بالله عليك [9]

بالله عليك يا مهاتفي هل مات الشيخ ؟ قال : ( نعم ) . قلت راجيا أن يكون مخطئا : ( الشيخ عبدالعزيز ) ؟ قال : ( نعم ) فسكتُ ، وسالت العبرات تلو العبرات ، وبقيت بين أن أصدق الخبر أو أكذبه ولكنه قال : إنه متأكد من صحة الخبر ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، كنت على يقين أن كل حي يموت ، وأن البقاء لله ، ولكني كنت أخشى من هذا اليوم منذ عدة سنوات ، واُدْعُوَ الله جل وعلا في كل صلاة منذ سنين أن يمتعنا بحياة الشيخ ، وأن ينسأ في أجله ، للآتـي أعلم كما يعلم غيري من هو الشيخ إنه إمام في العلم ، وهناك علماء ، وإمام في الخلق ، وهناك أناس ذو خلق ، وإمام في الكرم ، وهناك أهل كرم ، وإمام في الإحسان ، وهناك محسنون ، وإمام في الزهد ، وهناك زهاد ، وإمام في العبادة ، وهناك عبّاد ، وإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهناك آمرون بالمعروف ، وإمام… ، وإمام … ، ولكن عقمن النساء أن يلدن من يجمع كل هذه الصفات ، كنت أعلم أنه سيموت ، ولكن من للعلم والدعوة والأمر بالمعروف ومن للمساكين وذوي الحاجات ، من للأجيال يربها بحسن الخلق وكمال العلم والإيمان .
قال لي صاحبي :
أنسيت أن الموت حق واقع ونهاية كتبت على الإنسان ؟
أنسيت أن الله يبقى وحده وجميع من خلق الميهمن فان ؟
أنسيت ؟ لا والله لكني إلى باب الرجاء هربت من أحزاني
يا صاحبي :
إن موت الشيخ ـ رحمه الله ـ ليس كموت رجل من الناس بل إنه موت لكثير من العلم وموت لكثير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله تعالى يحفظ البلاد بالعلماء العاملين والشيخ رأس في هذا فإن الأمة لا تهلك ما وجد المصلحون .
وإنّا نعلم أن الشيخ قدم على ربٍ رحيمٍ غفورٍ يرحم المسلم المقصر العاصي فكيف برجل عاش كل حياته للإسلام والمسلمين ، ولكن حالنا نحن كحال أم أيمن ـ رضي الله عنها ـ فقد جاءها أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ يَزُورُهَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالا لَهَا مَا يُبْكِيكِ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَتْ :مَا أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا ) ونحن والله لا نبكي على الشيخ فما عند الله خير له وأبقى ولكن نبكي على أنفسِنا ؟
بقينا نتذاكر أنا وصاحبي شيئا من مآثر الشيخ وخلقه فتذكرتُ معاملته مع الناس فقد كان يفتح مكتبه من أول وقت الدوام إلى آخره وكذلك في منـزله فهو يرد على الهاتف ، ثم يرد على الفتاوى المكتوبة ، ويسمع حاجات الناس ويسعى على قدر استطاعته لحلها ، ومن ذلك أنه جاءه رجل وأنا في منـزله فقال : ( يا شيخ أنا عامل والنظام لا يسمح بِاسْتِقْدَام زوجتي فهلا كتبت للجهات المسؤلة لعلهم يوافقون ) فقال الشيخ : ( إن شاء الله اكتب لي ويكون خير ) .وهذا عليه دين وهذا يريد الزواج وهذه لديها أيتام ولا عائل لهم وغيرهم كثير. وقد سأله رجل ـ بعدما رأى من حاله العجب ـ كيف لا تتعب من كثرة أعمالك ودخول الناس عليك وعرضهم لحاجاتهم فقال للسائل بعد إلحاح : ( يا بني إن الروح إن كانت تعمل لم تتعب الجوارح ) أي إن كانت الروح حاضرة فإن الجوارح تبع لا تتعب .
وإذا كانت النفوس كِبَارًا *** تعبت في مرادها الأجسام
وكان يفتح بيته لطعام الغداء والعشاء فيأتيه كلٌ بحاجته . ولم يأكل الشيخ طعاماً لوحده منذ خمسين سنة ، وما كان الشيخ يضيق صدره بسائل ولا مستفتٍ ، ويتحمل من الناس ما لا يستطيع أكثر الناس تحمله ، بل حتى أولئك النفر الذين كان الشيخ يخالفهم ما كان يسبهم ولا يهينهم بل يترفق بهم حتى قال أحد مخالفي الشيخ : ( ابن باز صحابي لم ير النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ ) فالقائل أراد أن خلقه كخلق الرعيل ا لأول الذي رباه محمد ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ .
ولا يعرف أن الشيخ انتصر لنفسه أَبَدًا ، بل لقد سمعت رجلاً يقول له : ( يا شيخ لقد اغتبتك فحللني ) فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ : ( ظهري حلال لكل مسلم ) !!! .
بل لقد قيل له في محاضرة عامة : ( أن الشيخ فلان يقول إنك مبتدع ‍فما رأيك ) ؟؟ فقال ـ رحمه الله ـ : ( هو عالم مجتهد ) !!! .
أما أمره بالمعروف فقد كان الشيخ ـ رحمه الله ـ مثالا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما يكاد يسمع بمكان يحصل فيه منكر إلا طلب من أهل العلم في ذلك المكان التحقق والكتابة له ؛ فإن أكدوا له ذلك كتب للمسئول عنه وخوّفه بالله وأكد عليه ضرورة إزالته ، وكان يتابع خطاباته ليتأكد من إزالة هذا المنكر ، وكم جاءنا في مكتب الدعوة من خطاب يطلب التأكد من وقوع بعض المنكرات .
ولم يكتف بالأمر بالمعروف داخل المملكة بل أرسل برقيات لعدد من الحكام يأمرهم فيها بالمعروف وينههام عن المنكر .
ولما سمع الشيخ ـ رحمه الله ـ بأحد حكام الدول العربية وهو يسجن المؤمنين ويعذبهم ويقهرهم كتب له يخوفه من عذاب الله ويذكره بالله لعله أن يرتدع أو يتوب .
وكم كتب الشيخ ـ رحمه الله ـ لكثير من الصحف يرد على أولئك الكتّاب الجهلة الذين يجاهرون بالفسق والدعوة إليه ، وهم يلبسون لباس التقوى ، أو أولئك الجهلة الذين يفتون من غير علم بالكتاب والسنة . وكان ـ رحمه الله ـ يفرق بين من شهد له بالأعمال الحسنة وبين أهل السوء .
أما عبادة الشيخ ـ رحمه الله ـ فإنه كان يحج في كل سنة ولم يترك الحج منذ أن استطاع إليه سبيلاً إلا في هذا العام ؛ فقد منعه الأطباء من الحج ، وما ترك ـ رحمه الله ـ الصلاة في الجماعة أبداً حتى في مرض موته ، وكان ـ رحمه الله ـ إذا خرج الناس من عنده يقوم الليل ويدعوا ربه بما لا يستطع الشباب فعله .
وإن من أعظم آثار الشيخ ـ رحمه الله ـ أن كثيرا من العلماء كانوا لا يخرجون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ فكان الشيخ يعارض ذلك ويفتي حسب ما يقتضي الدليل رجحانه فخالفوه وتكلموا عليه فأظهره الله لصدق نيته وتجرده للحق .
ومنها ما اشتهر من أن شيخه مفتي الديار الشيخ محمد بن إبراهيم منعه من الفتوى بعدم وقوع الطلاق البدعي فأصر الشيخ ـ رحمه الله ـ عل الفتوى بها ، وأخبرني شيخنا الشيخ عبدالله بن عقيل ـ وفقه الله لكل خير ـ أنه حضر مجلس الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وقبل دخول الشيخ عبدالعزيز ابن باز طلب الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ من الملك أن يمنع الشيخ ابن باز من الفتوى بالطلاق فلما دخل الشيخ أمره الملك أن يمتنع عن الفتوى فقال الشيخ : سأفتي بها وأصر على الفتوى بها ـ رحم الله الجميع ـ .
يا صاحبي :
إنه لا يعرف قدر هذه المصيبة إلا من عرف أثر الشيخ ـ رحمه الله ـ فإن كثيرا من العلماء كانوا يحجمون عن الفتوى في بعض المسائل ويرجعونها لسماحته ، وكثير من المنافقين ينتظرون وفاة الشيخ ليظهروا ما عندهم من الشر والكفر والإلحاد ، ومَنْ يَعِشْ مِنا فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا وسَتَذْكُرُ مَا أَقُولُ لَك وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ .
يا صاحبي :
نحن شهداء الله في خلقه فلعلك سمعت أنه مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ " وَجَبَتْ " ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا … فَقَالَ : " وَجَبَتْ " فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ قَالَ : " هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ" وها أنا أشهد ولعلك تشهد معي أن الشيخ أدي ما عليه وأنه خيرة العلماء في هذا الزمان ولا نزكي على الله أحداً .
يا صاحبي اسمع قول من قال :
واستمر الشيخ ـ رحمه الله ـ معلماً للعلم طوال فترة حياته حريصا على تعليم الناس حتى في الفترة التي مرض فيها مرض وفاته ، عاش الشيخ تقيا نقيا ، وعاش صابرا محتسباً ، وعاش طودا شامخا ، وعلما متواضعا ومات مسبحا مستغفرا .
فقل لي يا صاحبي بالله عليك هل يأتي غيره ويكون مثله ؟ أونصفه ؟ .
سكت صاحبي ولم يحر جَوَابًا .

وهذه هي المقالة الثانية :

هون عليك [10]

هون عليك … هون عليك … الشيخ بحاجة للدعاء !!!.
كلمات قالها صاحبي وهو يسمع نشيجي على وفاة الشيخ الإمام عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ـ .
كلمات لم أجد لها معنى في ذلك الوقت أما الآن فقد وضعتها في خانة العبارات المضحكة والكلمات المتقاطعة .
لا أنكر أن الشيخ كغيره من المسلمين تحت مشيئة الله تبارك وتعالى ، ولكن الله عدل لا يظلم مثقال ذرة ومثله قدم في دنياه ما يشفع له عند ربه .
تذكرت الشيخ وقد مضى عام على وفاته ، عام الحزن ، عام وفاة العلماء ورفع العلم .
لا يدري صاحبي لم كنت أبكي .
كنت أبكي لحبي للشيخ الإمام نعم ؛ ولكن كنت ابكي بحق على أمتي المسكينة ، فكم من فتنة كان الشيخ باباً موصدا دونها .
وقد مات الشيخ الإمام .
كنت أبكي على كثير من الشباب الحائر المحتاج لمن يقوده وليس ثمة قائد مثل الشيخ .
وقد مات الشيخ الإمام .
كنت أبكي الشباب المتحمس الذي انطلق يمنة ويسره ولا عالم يرجع له ليفصل بين الناس .
وقد مات الشيخ الإمام .
هذا عام مر فمن من الناس استطاع أن يملأ مكان الشيخ ؟؟ .
أضحى الناس كلهم يتامى ولا أب لهم .
فهلا عالم يقوم بأمر الله تعالى ـ كقيام الشيخ الإمام ـ ويكون أبا لهؤلاء الزرافات من الأمة ؟؟.
هون عليك الشيخ بحاجة للدعاء !! .
كل الخلق كذلك
ولكن نحن بحاجة لمن يبكي علينا .

قصة ذي الكفل

قصة ذي الكفل الذي زعم قوم انه ابن أيوب
قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
[ * ]



بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
[ * ]




قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.

زياد علي

زياد علي محمد