الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

الفرق بين ابن رشد الجد وابن رشد الحفيد

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على امام المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم امابعد:

ان الكثير من الناس بل وحتى من الدارسين المهتمين عندما يسألوا عن ابن رشد فانهم يتحدثون عن ابن رشد الفيلسوف والطبيب , ولا يتحدثون ابن رشد الفقيه

ذلك ما دفعني الى تقديم هذا العمل وهوعبار عن اجابةلسؤال طرح في مركز الفتوى اسلام ويب.



إن ابن رشد الجد كان من علماء أهل السنة مالكي المذهب قال فيه الذهبي:

الإمام العلامة شيخ المالكية قاضي الجماعة بقرطبة أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي تفقه بأبي جعفر بن رزق وحدث عنه وعن أبي مروان بن سراج ومحمد بن خيرة ومحمد بن فرج الطلاعي والحافظ أبي علي وأجاز له أبو العباس بن دلهاث.

قال ابن بشكوال كان فقيها عالما حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره عارفا بالفتوى بصيرا بأقوال أئمة المالكية نافذا في علم  الفرائض والأصول من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم مع الدين والفضل والوقاروالحلم والسمت الحسن والهدي الصالح ومن تصانيفه كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة

وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل واختصار المبسوطة واختصار مشكل الآثار للطحاوي سمعنا عليه بعضها وسار في القضاء بأحسن سيرة وأقوم طريقة ثم استعفى منه فأعفي ونشر كتبه وكان الناس يعولون عليه ويلجؤون إليه وكان حسن الخلق سهل اللقاء كثير النفع لخاصته جميل العشرة لهم بارا بهم.

عاش سبعين سنة ومات في ذي القعدة سنة عشرين وخمس مائة وصلى عليه أبو القاسم وروى عنه أبو الوليد بن الدباغ فقال: كان أفقه أهل الأندلس صنف شرح العتبية فبلغ فيه الغاية.. اهـ.

وأما ابن رشد الحفيد فقد كان عالما من كبار العلماء، وكتابه بداية المجتهد يدل على غزارة علمه وكونه خبيرا بالأدلة وأقوال القهاء، ولكنه اشتغل بالفلسفة وكان ينافح عن أقوال الفلاسفة وهذا هو ما نقمه عليه أهل العلم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان ينفي بعض الصفات ويميل لمذهب الباطنية.

وقد ترجم له الذهبي في السير فقال:

ابن رشد الحفيد العلامة فيلسوف الوقت أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ المالكي أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي،

مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مائة، عرض الموطأ على أبيه وأخذ عن أبي مروان بن مسرة وجماعة، وبرع في الفقه وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول ثم أقبل على علوم الأوائل وبلاياهم حتى صار يضرب به المثل في ذلك. قال الأبار لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا وكان متواضعا منخفض الجناح يقال عنه إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين ليلة موت أبيه وليلة عرسه وأنه سود في ما ألف وقيد نحوا من عشرة آلاف ورقة ومال إلى علوم الحكماء فكانت له فيها الإمامة وكان يفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه مع وفور العربية وقيل كان يحفظ ديوان أبي تمام والمتنبي.

وله من التصانيف بداية المجتهد في الفقه والكليات في الطب ومختصر المستصفى في الأصول ومؤلف في العربية. وولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته.

قال ابن أبي أصيبعة في تاريخ الحكماء كان أوحد في الفقه والخلاف وبرع في الطب وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة وقيل كان رث البزة قوي النفس

لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدة، ولما كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة استدعى ابن رشد واحتزمه كثيرا ثم نقم عليه بعد يعني لأجل الفلسفة، وله شرح أرجوزة ابن سينا في الطب والمقدمات في الفقه، كتاب الحيوان، كتاب جوامع كتب أرسطوطاليس، شرح كتاب النفس، كتاب في المنطق، كتاب تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، كتاب تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو، كتاب تلخيص الاستقصات لجالينوس، ولخص له كتاب المزاج وكتاب القوى وكتاب العلل

وكتاب التعريف وكتاب الحميات وكتاب حيلة البرء، ولخص كتاب السماع الطبيعي، وله كتاب تهافت التهافت وكتاب مناهج الأدلة في الأصول، وكتاب فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ،كتاب شرح القياس لأرسطو، مقالة في العقل مقالة في القياس، كتاب الفحص في أمر العقل، الفحص عن مسائل في الشفاء، مسألة في الزمان، مقالة فيما يعتقد المشاؤون وما يعتقده المتكلمون في كيفية وجود العالم، مقالة في نظر الفارابي في المنطق ونظر أرسطو،

مقالة في اتصال العقل المفارق للإنسان، مقالة في وجود المادة الأولى، مقالة في الرد على ابن سينا، مقالة في المزاج، مسائل حكمية، مقالة في حركة الفلك كتاب ما خالف فيه الفارابي أرسطو.

قال شيخ الشيوخ ابن حمويه لما دخلت البلاد سألت عن ابن رشد فقيل إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب لا يدخل إليه أحد لأنه رفعت عنه أقوال ردية ونسبت إليه العلوم المهجورة ومات محبوسا بداره بمراكش في أواخر سنة أربع. وقال غيره مات في صفر وقيل ربيع الأول سنة خمس. ومات السلطان بعده بشهر.

الشيخ محمد أبو شهبة.. فارس من فرسان السنة

في زماننا علماء كرماء، وأساتذة فضلاء، ودعاة فصحاء بلغاء، عملوا في صمت، ولم يسعوا للشهرة ولم يطلبوها ولم يعملوا لها.. ولأنهم لم ينتسبوا لجهة أو جماعة غفل الناس عنهم ولم يجدوا من يلمعهم ويقدمهم للناس؛ فغابت عنا تراجمهم، وتوارى منا كثير من مواقفهم، وخفي علينا كثير من تراثهم وعلمهم، ولم يأخذوا حظهم من التعريف والتقديم لمحبي الدين والعاملين في خدمته. ولكن حكمة الله تأبى إلا أن يفوح شذاهم وينتشر عبيرهم ويستنشق الناس روح نسيمهم مع ما نشروه من علمهم وقدموه لدينهم..

والشيخ الفاضل والعلامة العامل أستاذ السنة وناشرها الأستاذ "محمد محمد أبو شهبة" واحد من هؤلاء الكرام الذين خدموا كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال مؤلفاته وكتاباته، ومن خلال شروحه ودروسه التي قدمها في الإذاعة مثل قراءة في صحيح البخاري، وكذا من خلال تدريسه لطلبته الذين تعلموا منه ودرسوا على يديه.. فرحمه الله رحمة واسعة.

وهذه ترجمة للشيخ موجزة وجدتها في أحد كتبه "في رحاب السنة: الصحاح الستة".. نقدمها (بتصرف يسير) لمحبي الشيخ خصوصا ومحبي السنة عموما، مع الاعتذار عن القصور لقلة المكتوب عن الشيخ رحمه الله وتغمده بواسع رحمته.

1-     ولد الشيخ محمد محمد أبي شهبة في 15/9/1914 ، في قرية"منية جناج" مركز دسوق. في أسرة "أبو شهبة" وهي  أسرة من الأسر العربية العريقة، التي اشتهرت بالفروسية، وحب الجهاد في سبيل الله كما ينبئ عن ذلك لقبها، وتركزت أصولها في عدة قرى من محافظة البحيرة، ثم نزح بعض فروعها قديما إلى بعض قرى محافظة كفر الشيخ، ومحافظة الغربية.




2-     وقد نذره والده من يوم ولادته للقرآن الكريم، وحضور العلم بالأزهر الشريف، فما أن بلغ الرابعة حتى ذُهب به إلى كتاب القرية وقد ربى هذا الكتاب أجيالا بالقرية منهم جيل والده رحمه الله.




3-     أتم حفظ نصف القرآن في الكتاب في سن التاسعة، إلى جانب تعلمه القراءة والكتابة، وأصول الدين والسيرة ثم فتحت المدارس الأولية فدخل مدرسة بلده فأتم حفظ القرآن بها وأخذ الشهادة الأولية في سن الثانية عشرة تقريبا.




4-     وفي عام 1925 دخل معهد دسوق العلمي الديني، فأخذ الشهادة الابتدائية منه، وفي عام 1930 دخل معهد طنطا الثانوي وأخذ منه الشهادة الثانوية وفي عام1935 دخل كلية  أصول الدين إحدى كليات الأزهر المعمور.




5-     وفي عام 1939 أخذ الشهادة العالية وكان من الأوائل فدخل قسم الدراسات العليا شعبة التفسير والحديث، وبعد دراسة خمس سنوات دراسة لا تعرف الكلل، ولا الملل نجح في الامتحان التمهيدي لشهادة العالمية من درجة أستاذ سنة 1944 أمام لجنة من كبار العلماء ثم اشتغل بتأليف رسالة" الدكتوراة".




6-     وفي نوفمبر عام 1946 نوقش في رسالة العالمية من درجة أستاذ " الدكتوراة" مناقشة علنية أمام لجنة خماسية من كبار العلماء فحصل عليها بدرجة الامتياز.




7-     وفي ديسمبر من هذه السنة عين مدرسا بكلية أصول الدين، وما زال يترقى من مدرس إلى أستاذ مساعد، إلى أستاذ حتى وصل إلى مرتبة العمادة.




8-     وفي أكتوبر 1969 عين أول عميد لكلية أصول الدين، أول كلية في أول فرع أنشئ لجامعة الأزهر بأسيوط، وما زال يسير بالكلية قدما حتى اكتملت سنواتها الأربع عام 1972 ـ 1973 وما زال يسعى حتى أنشئت بفرع الجامعة كليتان أخريان، كلية اللغة العربية وكلية الشريعة الإسلامية والقانون.




9-     في مطلع حياته العلمية أعير إلى المملكة العربية السعودية للتدريس بالمعهد العالي السعودي بمكة المكرمة، وللمشاركة في إصلاح التعليم الديني ووضع مناهجه وقد قضى أربع سنوات بجوار بيت الله الحرام .




10-وفي سنة 1963 أعير إلى كلية الشريعة بجامعة بغداد فمكث فيها عاما، واظب فيه على درس الجمعة في مسجد الإمام أبي حنيفة النعمان.


11-وفي عام 1966 أعير إلى الجامعة الإسلامية بأم درمان بالسودان فمكث فيها نحو ثلاث سنوات.




12- كتب الشيخ في كبرى المجلات العلمية والدينية والأدبية في مصر وفي غيرها من بلاد الإسلام والعروبة، منذ ربع قرن أو يزيد، وألقى محاضرات وحضر الكثير من الندوات في مصر، وفي غير مصر.




13-  قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة, فأذاع في الإذاعة المرئية والمسموعة في مصر, وفي المملكة العربية السعودية, وفي العراق وفي السودان.



14-عنى بالتأليف في القرآن وعلومه، والسنة النبوية المشرفة وعلومها والفقه والتشريع والسيرة والدفاع عنها ضد المبشرين، والمستشرقين وأتباعهم، وألف في ذلك كتبا كثيرة.



15-كوّن مدرسة علمية من تلاميذه ومريديه في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية والعربية تعتز بالقرآن وعلومه، والسنن وعلومها، والتأليف فيهما وإجلاء محاسنهما وما أكثرها، وتقديم هذه العلوم والمعارف في لغة سهلة مستساغة، وفي عرض حسن جذاب.


وفاته:
ظل الدكتور أبو شهبة في ساحة الدعوة الإسلامية عاملاً مناضلاً, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ويقوم بحق العلم قولاً وعملاً حتى انتقل إلى جوار ربه في أيام مباركة – أيام عيد الفطر, بعد فريضة الصيام في صباح يوم الجمعة الموافق 5 شوال 1403هـ - 15/7/1983م عن عمر يناهز واحدا وسبعين عاما قضاها عالماً عاملاً وداعية مجاهداً.

وشُيعت جنازته من الجامع الأزهر الشريف, فصلى عليه جمع غفير من علماء الأزهر وطلابه, يؤمهم الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله ورضي عنه, ودفن بمدافن الأسرة بمدينة نصر.

وكان لنبأ وفاة الشيخ وقع أليم في نفوس كل من نهل من علمه وأدبه ليس في مصر بلد الأزهر فحسب, بل في المملكة العربية السعودية والعراق والسودان والشام, وبكاه المسلمون الذين استمعوا لأحاديثه الإذاعية في مصر والسعودية وغيرهما ومحاضراته وندواته في العراق والسودان, رحمه الله جزاء ما قدم من علم نافع لدينه وأمته.



من مؤلفات الشيخ:
المؤلفات المطبوعة:
1-     المدخل لدراسة القرآن الكريم.
2-     أعلام المحدثين.
3-     السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة " جزآن".
4-     في أصول الحديث.
5-     علوم الحديث.
6-     دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين.
7-     شرح المختار من صحيح مسلم بن الحجاج.
8-     رسالة في الإسراء والمعراج.
9-     في رحاب السنة: الصحاح الستة.
10-الربا في نظر الإسلام وحلول للمشكلة.



ومن التراث المخطوط:
كتاب توفيق الباري في شرح صحيح الباري:وهو كتاب يقع في نحو خمسة عشر مجلداً.



كتب تناولت سيرته:
وهناك كتب تناولت حياة الشيخ وسيرته ومسيرته في خدمة الإسلام لكنها لم تر النور بعد:ـ
1 ـ الدكتور محمد أبو شهبة وجهوده في السنة النبوية؛ رسالة ماجستير, للباحث محمود رحمة, مودعة بكلية أصول الدين بالقاهرة. "لم تطبع".
2 ـ الدكتور محمد أبو شهبة – حياته وآثاره, بقلم الشيخ أحمد مصطفى فضلية. "تحت الطبع".

شريك بن عبد الله

شريك بن عبد الله
القضاء.. العدل.. الظلم.. حق الناس.. حق الله.. كلمات أخذ يرددها شريك بينه وبين نفسه عندما عرض عليه الخليفة أن يتولى قضاء (الكوفة) فما أعظمها من مسئولية!!
في مدينة (بُخارى) بجمهورية أوزبكستان الإسلامية الآن، وُلِدَ شريك بن عبد الله النخعي سنة خمس وتسعين للهجرة، ولمـَّا بلغ من العمر تسع سنوات أتم حفظ القرآن الكريم، ثم درس الفقه والحديث، وأصبح من حفـاظ أحاديث رسـول الـلـه صلى الله عليه وسلم.
وفي مدينة الكوفة اشتهر بعلمه وفضله، فأخذ يعلم الناس ويفتيهم في أمور
دينهم، وكان لا يبخل بعلمه على أحد، ولا يُفَرِقُ في مجلس علمه بين فقير
وغني؛ فيحكى أن أحد أبناء الخليفة المهدي دخل عليه، فجلس يستمع إلى دروس العلم التي يلقيها شريك، وأراد أن يسأل سؤالاً؛ فسأله وهو مستند على
الحائط، وكأنه لا يحترم مجلس العلم، فلم يلتفت إليه شريك، فأعاد الأميرُ السؤالَ مرة أخرى، لكنه لم يلتفت إليه وأعرض عنه؛ فقال له الحاضرون: كأنك تستخف بأولاد الخليفة، ولا تقدرهم حق قدرهم؟ فقال شريك: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن تضيِّعوه، فما كان من ابن الخليفة إلا أن جلس على ركبتيه ثم سأله، فقال شريك: هكذا يطلب العلم.
وقد عُرِضَ عليه أن يتولى القضاء لكنه امتنع وأراد أن يهرب من هذه المسئولية العظيمة، خوفًا من أن يظلم صاحب حق، فعندما دعاه الخليفة المنصور، وقال له:
إني أريد أن أوليك القضاء، قال شريك: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لست أعفيك.. فقبل تولي القضاء، وأخذ شريك ينظر في المظالم ويحكم فيها بالعدل، ولا يخشى في الله لومة لائم، فيحكى أنه جلس ذات يوم في مجلس القضاء، وإذا بامرأة تدخل عليه وتقول له: أنا بالله ثم بك يا نصير المظلومين، فنظر إليها شريك وقال: مَنْ ظلمك؟ قالت: الأمير موسى بن عيسى ابن عم أمير المؤمنين، فقال لها: وكيف؟ قالت: كان عندي بستان على شاطئ الفرات وفيه نخل وزرع ورثته عن أبي وبنيت له
حائطًا، وبالأمس بعث الأمير بخمسمائة غلام فاقتلعوا الحائط؛ فأصبحت لا أعرف حدود بستاني من بساتينه؛ فكتب القاضي إلى الأمير: "أما بعد.. أبقى الله الأمير وحفظه، وأتم نعمته عليه، فقد جاءتني امرأة فذكرت أن الأمير اغتصب بستانها أمس، فليحضر الأمير الحكم الساعة، والسلام".
فلما قرأ الأمير كتاب شريك غضب غضبًا شديدًا، ونادى على صاحب
الشرطة، وقال له: اذهب إلى القاضي شريك، وقل له -بلساني- : يا سبحان الله!! ما رأيت أعجب من أمرك! كيف تنصف على الأمير امرأة حمقاء لم تصح دعواها؟ فقال صاحب الشرطة: لو تفضل الأمير فأعفاني من هذه المهمة، فالقاضي كما تعلم صارم، فقال الأمير غاضبًا: اذهب وإياك أن تتردد.
فخرج صاحب الشرطة من عند الأمير وهو لا يدري كيف يتصرف، ثم قال لغلمانه: اذهبوا واحملوا إلى الحبس فراشًا وطعامًا وما تدعو الحاجة إليه، ومضى صاحب الشرطة إلى شريك، فقال القاضي له: إنني طلبت من الأمير أن يحضر بنفسه، فبعثك تحمل رسالته التي لا تغني عنه شيئًا في مجلس القضاء!! ونادي على غلام المجلس وقال له: خذ بيده وضعه في الحبس، فقال صاحب الشرطة: والله لقد علمت أنك تحبسني فقدمت ما أحتاج إليه في الحبس.
وبعث الأمير موسى بن عيسى إليه بعض أصدقائه ليكلموه في الأمر فأمر
بحبسهم، فعلم الأمير بما حدث، ففتح باب السجن وأخرج مَنْ فيه، وفي اليوم
التالي، عرف القاضي شريك بما حدث، فقال لغلامه: هات متاعي والحقني
ببغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر (أي القضاء) من بني العباس، ولكن هم الذين أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا أن نكون فيه أعزة أحرارا.
فلما عرف الأمير موسى بذلك، أسرع ولحق بركب القاضي شريك، وقال له: يا
أبا عبد الله أتحبس إخواني بعد أن حبست رسولي؟ فقال شريك: نعم؛ لأنهم مشوا لك في أمر ما كان لهم أن يمشوا فيه، وقبولهم هذه الوفادة تعطيل للقضاء، وعدوان على العدل، وعون على الاستهانة بحقوق الضعفاء، ولست براجع عن غايتي أو يردوا جميعًا إلى السجن، وإلاَّ مضيت إلى أمير المؤمنين فاستعفيته من القضاء، فخاف الأمير وأسرع بردِّهم إلى الحبس، وجلس القاضي في مجلس القضاء، واستدعى المرأة المتظلمة وقال: هذا خصمك قد حضر.. فقال الأمير: أما وقد حضرت فأرجو أن تأمر بإخراج المسجونين، فقال شريك: أما الآن فلك ذلك.
ثم سأل الأميرَ عما تَدَّعيه المرأة، فقال الأمير: صدقت.. فقال القاضي شريك: إذن ترد ما أخذت منها، وتبني حائطها كما كان.. قال الأمير: أفعل ذلك، فسأل شريك المرأة: أبقي لك عليه شيئًا؟ قالت: بارك الله فيك وجزاك خيرًا، وقام الأمير من المجلس وهو يقول: مَنْ عَظَّمَ أمرَ اللِه أذل الله له عظماء خلقه، ومات القاضي شريك
سنة 177 هـ.

أبو بكر بن العربي حافظ الأندلس

القاضي أبو بكر بن العربي [*] من أشهر علماء الإسلام في بلاد الأندلس علما وفقها وقضاء، ممن كان لهم بصمات تربوية وعلمية نحو إنشاء مجتمع إسلامي فريد، طاف بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، فجمع من العلم ما لم يجتمع لغيره من أهل زمانه، فكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها.
أبو بكر بن العربي .. نسبه ونشأته
هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري الإشبيلي [1]، ولد في إشبيلية - لما كانت كبرى عواصم الأندلس- في يوم الخميس 22 من شهر شعبان سنة 468 هـ، في بيت من أعظم بيوتها بعد بيت مليكها المعتمد بن عباد.
وكان أبوه عبد الله بن محمد بن العربي من وجوه علماء الدولة وكبار أعيانها، المتمتعين بالمكانة والوجاهة عند ولي أمرها.
في هذه البيئة الكريمة العزيزة بالعلم نشأ ابن العربي، ومنها أطل على الدنيا في السنوات الأولى من حياته. فتلقى ثقافته الأولى وأساليب تربيته، خاصة أستاذه أبو عبد الله السرقسطي.
وقد تخلق ابن العربي بصفات المروءة من الذكاء وسعة المدارك ودماثة الخلق وبكل ما يهيئ له نضوج رجولته المبكرة، حتى قال هو عن نفسه (حذقت القرآن وأنا ابن تسع سنين، ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ستة عشر سنة وقد قرأت من الأحرف -أي من القراءات- نحو من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه. وتمرنت في الغريب والشعر واللغة).
رحلات أبو بكر بن العربي في شمال إفريقية
ولما بلغ ابن العربي السابعة عشر قضى الله بسقوط دولة آل عباد في سنة 485هـ، فخرج به أبوه من إشبيلية قاصدا شمال إفريقية فنزلوا ثغر (بجاية) ولبثوا فيه مدة تتلمذ فيها ابن العربي على كبير علماء هذا البلد أبي عبد الله الكلاعي، ثم ركبوا البحر مشرقين إلى ثغر (المهدية)، وفيها أخذ عن عالمها أبي الحسن بن علي بن محمد بن ثابت الحداد الخولاني المقرئ، والإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري التميمي (453 – 536 هـ).
ابن العربي في الديار المصرية
توجه ابن العربي وأبوه قاصدين ديار مصر، فلقي فيها شيخه مسند مصر القاضي أبا الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الخلعي الموصلي الأصل المصري المولد الشافعي (405 – 492 هـ)، وممن لقيهم في مصر وأخذ عنهم أبو الحسن بن شرف، ومهدي الوراق، وأبو الحسن بن داود الفارسي.
ابن العربي ورحلته إلى بيت المقدس
وواصل أبو بكر بن العربي رحلته مع أبيه إلى بيت المقدس، وفيها لقي الإمام أبو بكر الطرطوشي الفهري (451-520هـ) من كبار علماء المالكية الأندلسيين.
ابن العربي ورحلته إلى الديار الشامية
وتقدم ابن العربي في رحلته إلى الديار الشامية، فأقام في دمشق وأخذ عن علمائها، ومنهم هبة الله الأكفاني الأنصاري الدمشقي (444-524هـ)، وأبو سعيد الرهاوي وأبو القاسم بن أبي الحسن القدسي، وأوا سعيد الزنجاني.
ابن العربي ورحلته إلى بغداد واشتغاله بطلب العلم
ورحل أبو بكر بن العربي مع أبيه من دمشق قاصدا دار الخلافة العباسية بغداد، وفيها أخذ ابن العربي في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب.
وممن تتلمذ لهم: ابن الطيوري (411 – 500هـ)، وأبو الحسن البزاز (410 – 492هـ). وفخر الإسلام أبو بكر الشاشي الشافعي (429 – 507هـ) وكان يسمى "الجنيد" لورعه ودينه، وإليه انتهت رياسة الشافعية في بغداد. ومن الذين أخذ عنهم ابن العربي في بغداد الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجا الميورقي العبدري المتوفى سنة 524 هـ.
وفي بغداد لقي ابن العربي محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي (المتوفى سنة524 هـ) الذي ادعى بعد ذلك المهدوية والنسب العلوي وقام بالتوطئة لعبد المؤمن بن علي (490-558 هـ) وكان المؤسس الأول لدولة الموحدين. ويقول مترجمو ابن العربي: إنه صحب ابن تومرت بالمشرق، فأوصى عليه عبد المؤمن [2]، ولابد أن تكون هذه الوصاة بعد عودتهما إلى المغرب بزمن طويل، ولا شك عندنا أنه لم ينتفع بها، ولم يكن لها أثر في مجرى حياته. ولعل ذلك من نعم الله عليه، وفي آخر حياة أبو بكر بن العربي أوذي بجيئته من الأندلس إلى مراكش دار سلطنة عبد المؤمن.
ويحكي أبو بكر بن العربي عن بعض ما تعلمه في بغداد فيقول: "كان بمدينة السلام إمام من الصوفية، وأي إمام يعرف بابن عطاء، فتكلم يومًا على يوسف وأخباره، حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالحليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ, يا سيدنا، فإِذَن يوسف هَمَّ وما تَمَّ؟ , فقال: نعم؛ لأن العناية من ثَمّ. فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم، وفطنة العامي في سؤاله, والعالم في اختصاره واستيفائه. ولذا قال علماؤنا الصوفية: أن فائدة قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أن الله أعطاه العلم والحكمة أيام غلبة الشهوة؛ لتكون سببا للعصمة [3]".
أبو بكر بن العربي واتصاله بأبي حامد الغزالي
وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (450-505هـ) في بغداد. وفي صحاري الشام بعد ذلك، والظاهر أن ذلك عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة، فقد اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس، ثم حج الغزالي ورحل في سنة 488 هـ إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه إحياء علوم الدين، وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه. وبعد أن حج ابن العربي وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر.
ابن العربي وذهابه إلى الحج وعودته إلى بغداد
ذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة 489 هـ فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (418-498 هـ). ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله: (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة 489 هـ، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته).
وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية.
ابن العربي والعودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية
وفي سنة 492 هـ كان والد ابن العربي قد أثرت فيه الشيخوخة، فخرجا من بغداد متوجهين إلى الشام وفلسطين، فجدد ابن العربي العهد -في دمشق وبيت المقدس وكثير من المدن الشامية- مع من كان عرفهم وأخذ عنهم من شيوخ هذه البلاد، وتعرف بآخرين غيرهم. ثم جاء إلى الإسكندرية، وكانت فيها منية أبيه في أوائل سنة 493 هـ فدفن في الثغر الإسكندري. وفي هذه الفترة اضطهد العبيديون الفاطميون الأفضل أبا بكر الطرطوشي بسبب كثرة أتباعه. فلما توفي والد ابن العربي بالإسكندرية رحل عنه عائدا إلى وطنه في سنة 493 هـ، ويقول الحافظ ابن عساكر: إن ابن العربي ابتدأ بتأليف كتابه (عارضة الأحوذي) عندما غرب من الإسكندرية فكان أول مؤلفاته على ما نعلم.
ابن العربي ووصوله إلى إشبيلية
ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة 500 هـ. فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع.
تلاميذ ابن العربي
وكان ممن أخذ عن القاضي أبي بكر بن العربي طائفة من كبار علماء الإسلام: منهم القاضي عياض مؤلف الشفا ومشارق الأنوار، والحافظ المؤرخ ابن بشكوال، والإمام الفقيه أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، وعالم لا يحصى.
أبو بكر بن العربي وتوليه القضاء
وقد كان أبو بكر بن العربي بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار. قال مترجموه: بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا)، وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و (المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس.
ولم يأت عام 520 هـ حتى كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة 528 هـ لتولي القضاء في إشبيلية. وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه -كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس- على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء.
محنة ابن العربي ونكبته
إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية.
بلغت محنته حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان –رضي الله عنه- لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره. ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة 536 هـ فهي إذن وقعت بعد سنة 530 هـ وقبل سنة 536 هـ، وقد قال يصفها [4]: "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم (أي بالكف عن القتال في الفتنة). الثاني الاقتداء بعثمان. والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي [5]".
فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها. وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة. وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه، حتى قال عنه ابن بشكوال في كتاب الصلة: "هو الإمام العالم الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها ... كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، ناقدا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها" [6].
مؤلفات ابن العربي
وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي. فمن مؤلفاته:
عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي: وهو من أول مؤلفاته، أنوار الفجر في تفسير القرآن، أحكام القرآن، الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب المشكلين: مشكل الكتاب ومشكل السنة، كتاب النيرين في الصحيحين، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. وهو من أواخر مؤلفاته، ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك، العواصم من القواصم، شرح حديث أم زرع، المحصول في علم الأصول، الإنصاف، في مسائل الخلاف: عشرون مجلدا، شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، نواهي الدواهي، سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم)، تخليص التلخيص، ترتيب الرحلة للترغيب في الملة.
وفاة ابن العربي
توفي القاضي أبو بكر بن العربي بمغيلة قرب مدينة فاس في ربيع الأول سنة 543 هـ، ودفن في فاس خارج باب المحروق، على مسيرة يوم من فاس غربًا منها. وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن يوم الأحد 7 ربيع الأول سنة 453 هـ.
وبموته انطفأت شعلة من الذكاء متقدة، وأفل نجم طلعة متوثبة، وسكنت روح ذات طموح غالب، وخمد ذهن نافذ كان ينير للناس ظلمات حالكة، ويذهب بإشكالات معضلة. وفاضت نفس تواقة إلى تحقيق العدل، وإشاعة مبادئ الأخلاق والدين في الواقع الاجتماعي، وإلى بث الروح العلمية النافذة الفاحصة، وإلى تكوين جيل جديد على أسس تربوية جديدة. أقبل صاحب هذه الروح من المشرق ليغرسها في المغرب، وكفاه أنه ما فارق الوجود حتى بذل جهده، وحقق بعض الذي كان يتوق إليه [7].
----------------------[*] القاضي أبو بكر بن العربي هو غير محيي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر، فيلسوف، من أئمة المتكلمين في كل علم (560 - 638 هـ). ولد في مرسية (بالأندلس) وانتقل إلى إشبيلية. وقام برحلة، فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز. وأنكر عليه أهل الديار المصرية (شطحات) صدرت عنه، فعمل بعضهم على إراقة دمه، كما أريق دم الحلاج وأشباهه. وحبس، فسعى في خلاصه علي بن فتح البجائي (من أهل بجاية) فنجا. واستقر في دمشق، فتوفي فيها. وهو، كما يقول الذهبي: قدوة القائلين بوحدة الوجود. من كتبه: الفتوحات المكية، فصوص الحكم، التعريفات. انظر: الزركلي: الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002م، 6/ 281- 282.

سيدات بيت النبوة الشيخ سعد عرفات







هي حليمة بنت أبي ذؤيب واسم أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة، أم النبي صل الله عليه وسلم من الرضاعة فهي التي أرضعت رسول الله صل الله عليه وسلم حتى أكملت رضاعه، واسم أبي رسول الله صل الله عليه وسلم من الرضاع يعني زوج حليمة الحارث بن عبد العزى.
أخذها للنبي صل الله عليه وسلم وارضاعه


وعن حليمة رضي الله عنها قالت: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء فقدمت على أتان قمراء كانت أذمت بالركب ومعي صبي لنا وشارف لنا والله ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك ما يجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه..
فقدمنا مكة فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا قيل: يتيم تركناه وقلنا: ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه!
إنما نرجو المعروف من أب الولد فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا، فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري فلم أجد غيره قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال: لا عليك..
فذهبت فأخذته فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي فأقبل على ثدياي بما شاء من لبن وشرب أخوه حتى روى وقام صاحبي إلى شارفي تلك فإذا بها حافل فحلب ما شرب وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة فقال لي صاحبي: يا حليمة والله إني لأراك أخذت نسمة مباركة.
وكانت رضي الله عنها عندما وقفت على عبد المطلب تسأله رضاع رسول الله قال لها: من أنت؟ قالت: امرأة من بني سعد قال: فما اسمك؟ قالت: حليمة فقال: بخ بخ سعد وحلم, هاتان خلتان فيهما غناء الدهر.
بعض ما حدث للنبي صل الله عليه وسلم في بيتها :

عن ابن عباس قال: خرجت حليمة تطلب النبي صل الله عليه وسلم وقد وجدت البهم تقيل، فوجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرًّا، رأيت غمامة تظلل عليه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع..
وبينما هو يلعب وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بَهْمًا لنا، إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه, فخرجنا نشتد فانتهينا إليه وهو قائم منتقع لونه فاعتنقه أبوه واعتنقته، ثم قلنا: مالك أي بني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاني ثم شقا بطني, فوالله ما أدري ما صنعا قالت: فاحتملناه ورجعنا به قالت: يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف..
قالت: فرجعنا به, فقالت: ما يردكما به فقد كنتما حريصين عليه؟ قالت: فقلت: لا والله أن كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا ثم تخوفنا الأحداث عليه، فقلنا: يكون في أهله فقالت أمه: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره, فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره قالت: فتخوفتما عليه، كلا والله إن لابني هذا شأنًا ألا أخبركما عنه؟ إني حملت به فلم أحمل حملاً قط كان أخف عليَّ ولا أعظم بركة منه, ثم رأيت نورًا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى, ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان، وقع واضعًا يده بالأرض رافعًا رأسه إلى السماء، دعاه والحقا بشأنكما..
من مواقف حليمة السعدية مع الرسول صل الله عليه وسلم :

عن أبي الطفيل أن النبي صل الله عليه وسلم كان بالجعرانة يقسم لحمًا فأقبلت امرأة بدوية, فلما دنت من النبي صل الله عليه وسلم بسط لها رداءه فجلست عليه, فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه أمه التي أرضعته.
وقال ابن سعد في الطبقات: قدمت حليمة بنت عبد الله على رسول الله صل الله عليه وسلم مكة وقد تزوج خديجة, فتشكت جدب البلاد وهلاك الماشية فكلم رسول الله صل الله عليه وسلم خديجة فيها، فأعطتها أربعين شاة.
وقد رأت حليمة السعدية من النبي صل الله عليه وسلم الخير والبركة وأسعدها الله بالإسلام هي وزوجها وبنيها.
وفاة حليمة السعدية رضي الله عنها :

عمّرت رضي الله عنها دهرًا ولم يعرف تحديدًا سنة وفاتها.

محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله


كان من أعلم أهل زمانه وأحسنهم تعليما وعناية بالطالب
الإمام عبدالعزيز ابن باز

عرفنا فيه وفور العلم ومفور العقل وتمام الحكمة والصبر المنقطع النظير فهو رحمه الله فيما اعتقد وأجزم به من نوادر الرجال الذين عرفتهم علما وعملا وحلما وعقلا وحكمة
 الإمام محمد الأمين الشنقيطي

أجمع عارفوه على أن الله تعالى وهبه عقلاً كبيرا وأعطاه فهماً ثاقبا ومنحه جلدا وصيرا ورزقه قوة في بدنه وفكره
الشيخ عبدالله البسام

كان ظهوره في عالم الدعوة صدمة مزلزلة للجاحدين والخرافيين ونعمة أبهجت قلوب المعتصمين بحبل الله المتمسكين بكتابه المبين وسنة رسوله الأمين
الشيخ محمد المجذوب

ترجمة للشيخ محمد بن إبراهيم [1]

اسمه وولادته :
هو شيخ مشايخنا الإمام العلامة سماحة الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محـمد ابن عبد الوهاب ـ رحمهم الله ـ من بني تميم .
ولد رحمه الله تعالى يوم عاشوراء من عام 1311هـ ، وقيل أن أمه كانت صائمة عاشوراء يوم ولدته [2].
أبـوه هـو الشيـخ القـاضي إبراهيم ابن عبد اللطيف، وأمه هي (الجوهرة بنت عبد العزيز الهلالي) من (عرقة) من المزاريع من بني عمرو من تميم .

نشأته وفقده لبصره :
نشأ نشأة دينية علمية ، في بيت علم و دين ، فأدخل الكتّاب في صغره فحفظ القرآن مبكراً ، ثم بدأ الطلب على العلماء مبكراً قبل أن يبلغ السادسة عشر ، ثم أصيب رحمه الله تعالى بمرض في عينية ، وهو في هذه السن ولازمه سنة تقريباً حتى فقد بصره في حدود عام 1328هـ وهو في سن السابعة عشر.
قال المجذوب : قدر الله أن يصاب مترجمنا كالكثيرين من فضلاء نجد في بصره إذ ذهب الجدري الذي كان على أشده في تلك الأيام بنور عينه .
قال الحمين : كان يعرف القراءة والكتابة قبل فقده لبصره ، و يوجد له بعض الأوراق بخطه قبل أن يفقد بصره ، وكان يعرف الكتابة حتى بعد فقده بصره وشاهدته رحمه الله تعالى يكتب بعض الكلمات على الأرض .

زواجه وأولاده:
تزوج الشيخ رحمه الله تعالى أنه تزوج ست مرات ، وأول زواجٍ له كان في سنة 1335هـ تقريباً وهو في الرابعة والعشرين من عمره ، ومات وفي عصمته ثلاث زوجات.

أوصافه:
كان رحمه الله تعالى متوسط الطول ، ملئ الجسم ،متوسط اللون ليس بالأبيض ولا بالأسمر بل بين ذلك ، خفيف شعر العارضين جداً ، يوجد شعر قليل على ذقنه ، إذا مشى يمشي بوقار وسكينة ، وكان رحمه الله تعالى كثير الصمت وإذا تكلم لا يتكلم إلا بما يفيد.

مشايخه وطلبه للعلم:
حفظ القرآن مبكراً ، ثم بدأ بطلب العلم على مشايخ عصره قبل فقده لبصره ، وهو في سن المراهقة قبل أن يفقد بصره رحمه الله تعالى، وبعد أن فقد بصره استمر في طلبه العلم حتى نبغ مبكراً ، وتصدر للإفتاء والتدريس .
ومن المشايخ الذين درس عليهم :
1- الشيخ عبد الرحمن بن مفيريج :وقرأ عليه القرآن وهو صغير ، وكان الشيخ محمد رحمه الله يثني كثيراً على حفظ هذا الشيخ وسمعته يقول عنه : (إنه آية في حفظه لكتاب الله ، وفي ضبطه للإعراب ،و كان أثناء القراءة عليه يكتب فإذا أخطأ أحد في الحفظ أو القراءة يرد عليه، وكان يرد الخطأ في الحفظ والخطأ في الإعراب، وكان يفتح على الأئمة إذا أخطئوا من أول الآية أو التي قبلها)اهـ.
2- عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف : وبدأ في الدراسة عليه قبل أن يفقد بصره ، وكان الشيخ عبد الله رحمه الله يحب الشيخ محمداً ويقدره كثيراً رغم صغر سنه آنذاك، وقد سمعت الشيخ محمد رحمه الله تعالى يصفه ويقول : (كانت عيون الشيخ عبد الله رحمه الله حسنة ، وكنت إذا أتيت إليه يرحب بي ترحيباً كثيراً، ويقدمني في المجلس ، وكان هذا الفعل من الشيخ رحمه الله تعالى يخجلني)اهـ.
3- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق : وكان الشيخ محمد يحبه ويقدره كثيراً ، وكان إذا ذكره قال : (شيخنا الشيخ الكبير والعالم الشهير).
4- الشيخ عبد الله بن راشد : سمعت الشيخ محمداً يقول: ( درست عليه علم الفرائض وكان آية فيها).
5- الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع: رأيته مراراً إذا جاء للشيخ محمد رحمه الله قام إليه واستقبله ورحب به وأجلسه مكانه ، فسألت عن السبب في تقدير الشيخ له ، فقيل لي إنه شيخ له ، ولأنه يكبره بالسن.

أعماله:
من أعماله التي تولاها :
1- عين قاضياً في (الغطغط) واستمر في هذا العمل ستة أشهر ، وتزوج الشيخ من أهلها أثناء إقامته هناك.
2- كان إماماً لمسجد الشيخ عبد الرحمن ابن حسن –المسمى الآن مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم- وقد حدثني الشيخ نفسه رحمه الله أن اسم المسجد هو (مسجد الشيخ عبد الرحمن بن حسن ) ، وكان خطيباً للجامع الكبير ، واستمر في الإمامة والخطابة إلى موته رحمه الله تعالى.
3- التعليم : وكان رحمه الله –قبل انشغاله بالأعمال الكثيرة في مصالح المسلمين- له حلقة تدريس في مسجده بعد الفجر ، وفي بيته في الضحى ، وفي مسجده أيضاً بعد العصر أحياناً.
4- وكذلك كان هو المفتي للبلاد ، وكان قبل فتح (إدارة الإفتاء) رسمياً هو الذي يفتي ، ثم افتتحت (إدارة الإفتاء ) رسمياً في شهر شعبان من عام 1374هـ تحت إشرافه.
5- ولما افتتحت رئاسة المعاهد والكليات أيضاً كان هو الرئيس ، وكان قد أناب عنه أخاه الشيخ عبد اللطيف.
6- ولما تأسست رئاسة القضاء عام 1376هـ عمد رسمياً برئاسة القضاء ، ووضعت لها ميزانية خاصة، وعين ابنه الشيخ عبد العزيز نائباً له فيها ، و الشيخ عبد الله بن خميس مديراً عاماً.
7- ولما افتتحت رئاسة البنات عام 1380هـ كان هو المشرف العام عليها ، فوضع الشيخ عبد العزيز ابن ناصر بن رشيد رئيساً عليها ، ثم عين بدلاً عنه الشيخ ناصر بن حمد الراشد.
8- ولما افتتحت رابطة العالم الإسلامي كان هو رئيس المجلس التأسيسي لها ، وكان الأمين للرابطة هو محمد سرور الصبان.
9- ولما افتتحت الجامعة الإسلامية عام 1380هـ كان هو المؤسس لها وعين نـائباً له الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

طريقته في التعليم وتلاميذه:
1- كان إذا صلى الفجر استند على سارية مستقبلاً القبلة –في الصيف على الجدار الشرقي لمسجده، وفي الشتاء في خلوة المسجد- ، ويتحلق عليه الطلبة ، ثم يبدأون بالقراءة عليه من المتون حفظاً ، ثم يبدأ بالشرح ، لمدة ساعة أو أكثر ، ثم يفترقون ويأتي آخرون عند الشيخ في البيت للدرس وقت الضحى .
2- كان يطلب القراءة من بعض الطلبة الذين يمتازون بقوة الصوت أو حسنه -دون من في صوتهم ضعف- كالشيخ أحمد بن قاسم وأخوه الشيخ محمد والشيخ فهد بن حمين والشيخ عبد الرحمن بن فريان.
3- كان يلزم طلبته بحفظ المتون ، وكان حازماً في هذا الأمر ، ويقول : إن الذي لا يحفظ المتون ليس بطالب علم ، بل هو مستمع.
4- وكان يلزم طلبته بالحضور للدرس دائماً ولا يرضى بغياب أحد منهم .
5- كان طريقته في درس المطولات الاختصار في الشرح، فلا يشرح إلا مواضع قليلة تحتاج للشرح بخلاف المختصرات فإنه كان يطيل الشرح فيها.
6- وكان لا يريد الأسئلة التي تكون خارج الدرس أو التي يراها قليلة الفائدة .
7- كان في أول وقته يدرس طلبته جميع الدروس ، ثم لما بدأت مسئولياته تكثر صار يأتي غيره في بعض العلوم كالشيخ أبي حبيب والشيخ حماد الأنصاري والشيخ إسماعيل الأنصاري رحمهم الله.
8- كان له درس عام قبل صلاة العشاء في مسجده في التفسير وكان الذي يقرأ عليه في هذا الدرس هو الشيخ (عبد العزيز بن شلهوب).
9- وكان رحمه الله يحضر دروسه بعد العشاء الآخر، وكان الذي يأتيه لهذه المهمة هو الشيخ أحمد ابن عبد الرحمن بن قاسم ، فكان يأتيه بعد العشاء ويقرأ عليه دروس الغد ، وكان يطلب منه أن يأتيه بحاشية أبيه (الشيخ عبد الرحمن ) على الروض-قبل أن تطبع- ويطلب منه أن يقرأ فيه ، وكان يقرأ من حاشية العنقري أيضاً وكان يقول: إن العنقري طالت مدته في القضاء لذلك فحاشيته عن علم وفهم وممارسة.
10- وكان يختبر طلبته دائماً بنفسه في جميع العلوم التي يدرسهم إياها، ويصحح اختباراتهم أيضاً ، فلا يعين الطالب قاضياً أو مدرساً ونحو ذلك إلا بعد اجتيازه هذه الاختبارات.
وسألت شيخنا الشيخ حمود العقلا ـ رحمه الله ـ عن طريقة الشيخ في التدريش فقال لي : كان سماحة الوالد من أحرص المشايخ على طلابهم وكانت طريقته في التدريس هي كالتالي : يجلس للطلاب في المسجد بعد الفجر ونقرأ عليه في الألفية والبلوغ والزاد وقطر الندى ـ وكنا نحفظها كاملة ـ ثم يطلب الشيخ أن نعرب الأبيات كاملة ثم يقرأ الشيخ محمد بن قاسم شرح ابن عقيل على الشيخ ـ وهو شرح للابيات التي قرأناها قبل قليل ، ثم بعد اشراق الشمس بنحو نصف ساعة يذهب الشيخ إلى بيته والطلاب يلحقونه إلى بيته ثم بعد مدة يأذن لهم فيدخلون ويجلس لهم كذلك وتبدأ قراءة المختصرات أولا كتاب التوحيد ثم كشف الشبهات ثم الواسطية ثم إن كان هناك دروس خاصة لأحد الطلاب قرأ من يريد القراءة ثم تبدأ قراءة المطولات مثل صحيح البخاري أو المغني أو منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ، وهي تسمي قراءة المطولات هذا يقرأ والشيخ يستمع فقط وإذا عرض لأحد الطلاب اشكال سأل الطلاب وإلا الشيخ لا يشرح ، وللشيخ جلسة ثالثة قبل العشاء يقرأ عليه فيها تفسير ابن كثير يقرأها الشيخ عبدالعزيز بن شلهوب وأحيانا يعلق الشيخ على التفسير ، وليس له إلا هذه الجلسات فقط .

تلاميذه : قال حمد بن حمين [3] :
ينقسم الذين درسوا على الشيخ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من درسوا عليه قديماً وهؤلاء كثيرون ومنهم :
1- الشيخ عبدالله بن حميد ـ رحمه الله ـ.
2- الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ .
3- الشيخ سليمان بن عبيد ـ رحمه الله ـ.
4- الشيخ صالح بن غصون ـ رحمه الله ـ .
5- الشيخ محمد بن مهيزع ـ رحمه الله ـ.
6- الشيخ عبد الرحمن بن سعد ـ رحمه الله ـ .
7- الشيخ عبد الرحمن بن هويمل ـ رحمه الله ـ.
8- الشيخ عبد الرحمن بن فارس ـ رحمه الله ـ.
القسم الثاني : طلبته الذين أدركتهم ، وكانوا ملازمين له دائماً ، وهؤلاء عشرة طلاب هم :
1- الأخ الشيخ فهد بن حمين : وقد التحق بالشيخ من عام 1370هـ ولازمه ملازمة تامة ، وكان صوته جميلاً في القراءة فكان الشيخ محمد رحمه الله يرتاح لقراءته فيجعله إذا قرأ يطيل أكثر من غيره .
2- الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم : وكان يمتاز بحفظه للمتون وضبطه واستحضاره لها.
3- الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم: وكان كثير القراءة على الشيخ، وهو الذي كان يأتي للشيخ لتحضير الدروس بعد العشاء، وهو الذي كان كثيراً ما يسافر مع الشيخ في رحلاته ويقرأ عليه فيها، وهو الذي قام بترتيب مكتبة الشيخ محمد.
4- الشيخ محمد بن جابر رحمه الله وكان كفيفاً وصار قاضياً في المحكمة المستعجلة.
5- الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فريان.
6- الشيخ عبد الله بن سليمان بن معيوف رحمه الله تعالى ولم يكمل.
7- الشيخ محمد بن عبد الله السحيباني رحمه الله وقد صار قاضياً.
8- الشيخ عبد الله بن سعدان الجظعي وصار قاضياً.
9- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين .
10- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مقرن رحمه الله.
القسم الثالث : من لم يلازمه دائماً ، بل كان يأتي لحلقة الدرس أحياناً ، وهؤلاء كثيرون منهم :
1-الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل بن تركي رحمه الله تعالى .
2- الشيخ ناصر البكر.
3- والشيخ عبد الله بن عقيل [4].
4- والشيخ أحمد الحميدان.
5- والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ.
وممن ذكرهم البسام :
1. الشيخ حمد بن محمد بن جاسر ـ رحمه الله ـ .
2. الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي ـ رحمه الله ـ
3. الشيخ عمر بن عبدالعزيز بن مترك ـ رحمه الله ـ .
4. الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع .
وغيرهم كثير .

أخلاقه:
قال حمد بن حمين :
1-الذكاء: فقد كان رحمه الله ذكياً ، ولم يبلغ إلى ما بلغ إليه مع فقده بصره مبكراً إلا لذكاء باهر تميز به عن غيره .
2-الحفظ: فقد كان رحمه الله حافظاً للمتون ، متقناً للقرآن فلا أذكر مرة –خلال 18سنة قضيتها معه-أنه قد رد عليه أحد أثناء قراءته للقرآن في المسجد أثناء الصلاة، وإن كان الشيخ رحمه الله لا يتحدث مطلقاً عن سعة حفظه أو عن محفوظاته أو ما أشبه ذلك.
3-الحزم والشدة: فكان رحمه الله حازماً شديداً، فكان يلزم الطلبة بالحفظ للمتون ولا يرضى بأقل من ذلك ، ولا يرضى بغياب أحد منهم .
4-الزهد في الألقاب والمديح : وقد صحبته ثمانية عشر عاماً ما سمعته يوماً قال عن نفسه (الشيخ) أو (المفتي) حتى لو كان ينقل الخبر عن غيره بل كان إذا ذكر اسمه ذكره مجرداً إلا مرة واحدة فقط وذلك عندما استضاف أحد وجهاء الخليج الصالحين فأراد مني أن أتصل له على الفندق ليحجز له فيه ، فلما كلم موظف الفندق-وكان مصرياً- قال له : معك محمد بن إبراهيم، فلم يعرفه، فقال: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فلم يعرفه ، فردد عليه مراراً فلم يعرفه ، فقال: المفتي، فلما انتهت المكالمة قال: هداه الله ، ألزمني أن نقول هذه الكلمة. وكان إذا أثنى عليه أحد أو مدحه يقاطعه بقوله: الله يتوب علينا ، الله يعفو عنا.
5-الورع : فقد كان رحمه الله تعالى ورعاً خصوصاً في أمور العبادات إذا استفتي فيها ، وأحياناً لا يقضي فيها بشئ بل يتوقف ، وأحياناً يسأل عن المسألة فيتأملها يوماً أو يومين قبل الإجابة عليها –كما سيأتي بعض الأمثلة على ذلك إن شاء الله تعالى-.
6- تقديره للعلماء والمشايخ والدعاة والقضاة:
فكان يثني على مشايخه الذين درس عليهم فكان يقول عن شيخه الشيخ سعد بن عتيق: شيخنا الشيخ الكبير والعالم الشهير، وكان إذا أتاه الشيخ محمد بن عبد العزيز ابن مانع قام له ورحب به وأجلسه مكانه.
ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى –الداعية في (جيزان)- ويقدره ، فكان إذا أتى إليه يكرمه كثيراً.
ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى ، وقد رأيت الشيخ حمود مرة أتى إلى الشيخ محمد يقرأ عليه أحد ردوده التي ألفها ضد بعض المبتدعة، فلما نهض الشيخ حمود وانصرف قال الشيخ محمد : الشيخ حمود مجاهد جزاه الله خيرا.
ومن ذلك أنه كان يحب الشيخ أحمد شاكر والشيخ محمد حامد الفقي رحمهما الله تعالى ، وقد رأيتهما عنده كثيراً إذا أتيا إلى المملكة ، وكان يكرمهم ويجلهم.
ومن ذلك احترامه وتقديره أيضاً للشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان) والشيخ محمد المختار الشنقيطي.
ومن ذلك أنه كان لا يرضى لأحد من العامة أن يتكلم في القضاة مطلقاً إذا كان بغير حقٍ أو اتهام لنية القاضي وقصده ، ولو حدث ما يستدعي عزل القاضي لعزله ولا يتكلم عليه ولا يجعل أحداً يتكلم عليه إلا بحدود القضية.
7-الغيرة على دين الله : وكان رحمه الله صاحب غيرة شديدة على دين الله ، وله حوادث كثيرة جداً في هذا الباب.
ومن ذلك أنه أتاه في أحد الأيام خطاب ذكر له فيه بعض المنكرات ، فأصبح من الغد مهموما ،وسمعته يقول : لم أنم طول الليل من الضيق .
8-الحرص على الوقت : فقد كان رحمه الله تعالى وقته كله معمور بالعلم والتعليم والسعي في مصالح المسلمين ، وكان يأخذ جميع العرائض والأوراق التي تقدم إليه من عامة المسلمين في كل وقت ، ويجعل أحد الذين معه يقرأها عليه ثم يحيل كل ورقة إلى الجهة المختصة.
ومن حرصه على الاستفادة من الوقت أنه كان يحرص على الفائدة حتى في نزهاته، ومن ذلك أننا خرجنا معه مرة لـ(روضة نورة) في عام 1374هـ وكان معه في تلك الرحلة أحمد ابن قاسم فكان يطلب منه أن يقرأ عليه بعض الكتب ، وأذكر من تلك الكتب في تلك الرحلة : مسودة كتاب (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى وكان قد أعطى الشيخ محمداً مسودتها ليراجعها فراجعها في تلك الرحلة، ومنه كتاب في (التعزير) لمؤلف مصري يدعى الشرباصي ، وخرجنا معه أيضاً في رحلة عام 1377هـ لروضة (أم حجول) قرب (رماح) وعام 1383هـ لـ(بطين ضرمى) وفي كل هذه الرحلات كان يصطحب معه بعض تلاميذه الذين يقرؤون عليه بعض الكتب.
9-الدعابة: كان رحمه الله تعالى - رغم شدته وحزمه وهيبة الناس له – صاحب دعابة –خصوصاً مع خاصته- ، وأحفظ له رحمه الله في ذلك حكايات كثيرة.
10-العبادة: كان رحمه الله تعالى لا يتحدث عن عبادته مطلقاً ولا يطلع أحداً عليها ، وكان رحمه الله يحج كثيراً خصوصاً في آخر عمره ، وكان كثير الاعتمار في رمضان ، وكان كثيراً ما يقرأ القرآن في سره.
11- طهارة القلب وعدم الغيبة والنميمة واستصغار الناس: وكان لا يرضى أن يغتاب أحد في مجلسه ، ولا أذكر مرة –طيلة صحبتي له-أنه تكلم على أحدٍ بسوء، بل كان إذا أحب شخصاً مدحه ، وإن لم يحبه تركه فلم يذكره ولا يرضى أن يذكره أحد بسوء عنده.

نماذج من شعره :
كان ـ رحمه الله ـ ممن يقرض الشعر ومن شعره في معاتبة الطلاب :

واسوأتاه لطالب العلم الذي *** ثقلت عليه مجالس التدريس
وإذا قراءته تقضت قام لا *** يلوي على ما بعد من تأسيس
هذا وفي حال القراءة تنقضي *** في لحظة ماذا يقول جليسي
إن قلت نهموا لعمري ما لهم *** من رغبة في نيل أي نفيس
أو قلت مالهموا من الإقبال من *** إدلاجه حظ ولا التغليس
يا رب أشكو زهدهم في العلم إذ *** رفضوا إيثارًا لنيل خسيس
ورضوا الترسم وهو غير مفيدهم *** إن الأماني حظ ذي التفليس
يا رب واجعلنا من الحزب الذي *** تختاره للتنزيه والتقديس
وإبانة التوحيد محضّا صافيا *** وإزاحة التشبيه والتلبيس

وفاته [5] :
في صباح أحد أيام شعبان من عام 1389هـ خرج الشيخ رحمه الله إلى عمله كالعادة ووقف يوصيني ببعض الأعمال ، ورأيت على وجهه أثر صفرة ظاهرة فسألته إن كان متعباً ، أو لم ينم ؟ فسأل عن سبب سؤالي ، فقلت له عن أثر الصفرة في وجهه ، فرجع إلى بيته فسأل أهل البيت فأخبروه فذهب إلى (المستشفى المركزي) ، فأجروا له بعض التحاليل، فاكتشفوا فيه أحد الأمراض المستعصية فلم يخرج من (المستشفى) إلا عند تحري رؤية هلال رمضان حيث خرج إلى البيت فلما ثبت الشهر عاد إلى المستشفى ، ثم صدر أمر ملكي بنقله إلى (لندن) لمواصلة العلاج ، فلما وصل (لندن) أجروا له الفحوصات والتحاليل اللازمة فرأوا أن المرض بلغ غاية لا ينفع معها عملية أو علاج ، ثم دخل في غيبوبة رحمه الله تعالى وهو هناك ، فأتي به إلى (الرياض) على طائرة خاصة محمولاً على (نقالة) وبقي في غيبوبة حتى وافته المنية رحمه الله تعالى في الساعة الرابعة صباحاً –بالتوقيت العربي- من يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام 1389، عن عمر يناهز 78 سنة وثمانية شهور وثمانية أيام [6] ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من نفس اليوم وأم الناس عليه سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ وامتلأ المسجد وجميع الطرقات المؤدية إليه حتى أن كثيراً من الناس لم يدركوا الصلاة عليه من الزحام ، وحمل على الأعناق إلى مقبرة (العود) .
قال الشيخ عبدالله البسام : (والله إنه لم يمر بي بيت حافظ إبراهيم في رثاء الشيخ محمد عبده وهو :
ووفقت بين الدين والعلم والحجى *** فأظهرت نوراً من ثلاث جهات
إلا تذكرت الشيخ محمد في حياته وبعد مماته . )

عقبه :
1. معالي الشيخ عبدالعزيز مستشار بالديوان الملكي [7] .
2. معالي الشيخ إبراهيم وزير العدل متقاعد [8].
3. الشيخ أحمد من كبار رئاسة القضاء وبقي فيها فشكلت وزارة .
4. معالي الشيخ عبدالله وزير العدل .
وممن برز في العلم من أحفاد الشيخ معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية ، ومن أحفاد الشيخ ـ رحمه الله ـ الشيخ عبدالمحسن بن عبدالعزيز عضوا الدعوة والتوجيه ، والشيخ عبدالرحمن بن أحمد الوكيل المساعد لهيئات الأمر بالمعروف [9].

رثاء قيل في الشيخ :
اختار الشيخ عبدالله البسام مرثية الدكتور محمد كامل الفقي ومن أبياتها :

دهي الجزيرة خطب ليس يحتمل *** فلنفطر مهج ولتنهمر مقل
الراحلون قرون والردى شعب *** وأفجع الموت ما ماتت به به الملل
والناس إن فقدوا بالموت رائدهم *** ساد على حلك ضلت به السبل
من للشريعة والأخلاق يحرسها *** أو يسطب لها إن لجت العلل
في كل بيت نحيب من فحيعته *** والمنابر في ترحاله شغل
والناس لو أنصفوا ما انفض مأتمهم *** بكاؤهم لمعين الرشد لو فعلوا
من ر كيدا عن البيضاء واعتصمت *** به فمنه لها ردء ومتكل
يا صاحب الحزم لم يعرض له وهن *** وثاقب الرأي يخزي دونه الجدل
كنت الشجاع الذي في الله غضبته *** وكل جرح بما داويت يندمل
قهرت أعداء دين الله فانخذلوا *** لهفي عليك فهل يضحوا لهم أمل
والذكر عمر مديد والعظائم لا *** تفنى وفاز بدار الخلد من علموا .

قصص الأنبياء == ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ



ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين " وَذكره تَعَالَى فِي جملَة الانبياء الكرامو فِي سورتي النِّسَاء والانعام، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَقَالَ الامام أَحْمد: حَدثنَا وَكِيع، حثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ [بِهِ (2) ] .
__________
(1) المطبوعة: فَمه.
محرفة.
(2) لَيست فِي ا (*)

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدثنَا شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
قَالَ شُعْبَةُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ، هَذَا أَحُدُهَا.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [أَحْمَدُ (1) ] عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُونُس (2) بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنبأَنَا إِسْرَائِيل، عَمَّن أَبى يحيى العتاب، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيث شُعْبَة بِهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ط: يُوسُف.
(*)

وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (1) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (2) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس.
وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ.
وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه
يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ط: يُوسُف.
(*)

وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (1) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (2) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس.
وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ.
وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه الْجُزْء الثَّانِي وأوله: " قصَّة مُوسَى الكليم " بعون الله وتوفيقه.

زياد علي

زياد علي محمد