الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

الروض الأنيق في فضل الصديق رضي الله عنه -الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل خير هذه الأمة أبا بكر الصديق، ورفع مقامه على كل مقام بزيادة اليقين والتصديق ... شيخ الإسلام على التحقيق، أحمده وهو بكل حمد خليق، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توسع على قائلها كل ضيق وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي الرفيق صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته أولي الرشاد والتوفيق.
أما بعد، فهذا كتاب لقبته (الروض الأنيق في فضل الصديق) أوردت فيه أربعين حديثا مختصرة سهل حفظها على من أراد ذلك من البررة، واسأل الله أن ينفعنا بالانتساب إليه ويجمعنا وإياه في دار الزلفاء لديه بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم آمين آمين آمين.
الحديث الأول
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبى الله والمؤمنون أن يختلفوا عليك يا أبا بكر) .
اخرجه الامام احمد.
الحديث الثاني
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين) .
اخرجه الضياء في مختاره، وجمع كثيرون.
الحديث الثالث
عن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) .
اخرجه الضياء في مختاره، وجمع اخرون.
الحديث الرابع
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده - وماله غيره - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر مني كمنزلة السمع والبصر من الرأس (اخرجه البارودي وابو نعيم وغيرهما.
الحديث الخامس
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر من هذا الدين، كمنزلة السمع والبصر من الرأس) .
اخرجه ابن النجار، واخرجه الخطيب في تاريخه عن جابر.
الحديث السادس
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر الصديق وزيري وخليفتي على أمتي من بعدي، وعمر ينطق على لساني، وعلي ابن عمي وأخي وحامل رايتي، وعثمان مني وأنا من عثمان) .
اخرجه الطبراني في الكبير، وابن عدي في الكامل وغيرهما.
الحديث السابع
عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر أرأف أمتي وأرحمها، وعمر خير أمتي وأعدلها، وعثمان بن عفان احيى أمتي وأكرمها، وعلي بن أبي طالب ألبّ أمتي واشجعها، وعبد الله بن مسعود أبر أمتي وآمنها، وأبوذر أزهد أمتي وأصدقها، وابو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحكم أمتي وأجودها) .
اخرجه ابن عساكر وضعفه، واخرجه غيره ايضا.
الحديث الثامن
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر خير الأولين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض، إلا النبيين والمرسلين) .
اخرجه ابن عدي والحاكم في الكنى، والخطيب في تاريخه.
الحديث التاسع
عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر خير الناس بعدي، إلا أن يكون نبي) .
اخرجه ابن عدي والطبراني في الكبير وغيرهما.
الحديث العاشر
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا له ذلك، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر) .
اخرجه عبد الله بن الامام احمد في زوائد المسند والديلمي وغيرهما.

شعبة بن الحجاج .. المحدث الناقد

بسم الله الرحمن الرحيم

ولد الإمام الحافظ أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد الأزدي العتكي بمدينة واسط بالعراق، سنة اثنتين وثمانين من الهجرة في خلافة عبد الملك بن مروان، وبها - أي بواسط - نشأ وترعرع، ثم ارتحل إلى البصرة فسكن بها إلى أن تُوفي.

بدأ الإقبال على الحديث مبكراً، فقد كان أبوه من علماء الحديث، وكانت أمه تحثه على السماع والطلب، وأما أخواه فقد فرَّغاه عن العمل وكفياه مؤونته، فأدرك من الصحابة أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الجرمي - رضي الله عنهما -، وأخذ الحديث وسمعه من أربعمائة شيخ من التابعين، منهم: أنس بن سيرين وسلمة بن كهيل وسعيد بن أبي سعيد المقبري وقتادة بن دعامة وعمرو بن دينار ويحيى بن أبي كثير وعبيد بن الحسن وأيوب السختياني، ولقي الحسن البصري وأخذ عنه مسائل، حتى صار من أوعية العلم الذي لا يتقدمه أحد في الحديث في زمانه، إضافة إلى كونه عالم البصرة وشيخها.

وقد روى عنه أكابر العلماء وانتشر حديثه في الآفاق، فقد حدث عنه منصور بن المعتمر وسفيان الثوري وعلي بن حمزة الكسائي وإسماعيل بن علية وعبد الله بن المبارك ومحمد بن جعفر غندر وعبدة بن سليمان، وغيرهم كثيرون.

مناقبه وثناء الأئمة عليه:

كان إمامًا ثبتًا حجةً ناقدًا جهبذًا صالحًا رأسًا في العلم والعمل، وهو أول من جرّح وعدّل، وقد أخذ عنه هذا الشأن يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وطائفة، وكان سفيان الثوري يخضع له ويجلُّه، ويقول: "شعبة أمير المؤمنين في الحديث".

وكان من نظراء الأوزاعي ومعمر والثوري في الكثرة، قال علي بن المديني: "له نحو من ألفي حديث"، وقال عنه الإمام الشافعي: "لولا شعبة لما عُرِف الحديث بالعراق".

وقال الإمام الذهبى فى تذكرة الحفاظ: قال أبو الوليد: "قال لى حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة في الحديث تبعته، قلت: ولِمَ يا أبا إسماعيل؟ قال: إن شعبة كان يسمع ويعيد ويُبدِئ، وكنت أنا أسمع مرة واحدة".

وقال أبو الوليد الطيالسى: "قلت ليحيى بن سعيد: رأيت أحداً أحسن حديثاً من شعبة؟ قال: لا. قلت: فكم صحبته؟ قال: عشرين سنة".

وقفات مع سيرته:

أهم ما يمكن أن نقف عليه في حياة الإمام شعبة بن الحجاج - رحمه الله - :

- شدة تحريه في الحديث وكشف العلل: كان أول من فتَّش عن الحديث، وقال: "ما أعلم أحدا فتش الحديث كتفتيشي، وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن - يعنى فى الرجال وبصره بالحديث -".

وقد ذكر الإمام ابن رجب ذلك عند ترجمته لشعبة، حيث قال: "وهو أول من وسّع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقّب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم".

وروى شعيب بن حرب عن شعبة قوله: "اختلفت إلى عمرو بن دينار خمسمائة مرة وما سمعت منه إلا مائة حديث"، وعن أبى الوليد قال: قال شعبة: "كنت آتى قتادة فأسأله عن حديثين فيحدثنى، ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا حتى أحفظهما وأتقنهما".

- عبادته وخشيته وزهده في الدنيا: كان عابدا زاهدا يصوم الدهر كله، قال الإمام البغوي: حدثني جدي أحمد بن منيع، سمعت أبا قطن يقول: "ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي".

وقال عمر بن هارون: "كان شعبة يصوم الدهر كله"، وقال أبو بحر البكراوي: "ما رأيت أحدًا أعبدَ لله من شعبة، لقد عبدَ الله حتى جف جلده على عظمه واسود".

وقال عبد السلام بن مطهر: "ما رأيت أحدا أمعن في العبادة من شعبة"، وكان شعبة بن الحجاج يقول: "ما شيء أخوف عندي من أن يدخلني النار من الحديث"، وقال حمزة بن زياد الطوسي: "سمعت شعبة - وكان ألثغ قد يبس جلده من العبادة - يقول: لو حدثتكم عن ثقة ما حدثتكم عن ثلاثة".

وأما زهده فيقول أبو الوليد: سمعت شعبة يقول: "إذا كان عندي دقيق وقصب ما أبالي ما فاتني من الدنيا".

وفاته:

توفي الإمام شعبة بن الحجاج بالبصرة سنة ستين ومائة من الهجرة، وعمره ثمان وسبعون سنة، قال الإمام الذهبى في سير أعلام النبلاء: قال سعد بن شعبة: "أوصى أبي إذا مات أن أغسل كتبه، فغسلتها"، قال الذهبى: وهذا قد فعله غير واحد: بالغسل وبالحرق وبالدفن، خوفاً من أن تقع فى يد إنسان واهٍ يزيد فيها أو يغيِّرها. رحمه الله رحمة واسعة.

محمد الزهري .. المحدث المُدوّن

بسم الله الرحمن الرحيم

ولد الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر المدني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري بالمدينة النبوية سنة خمسين من الهجرة، وقيل: إحدى وخمسين.

كان من صغار التابعين، ونشأ فقيرا فأقبل على طلب العلم والحديث، ولازم بعض صغار الصحابة كأنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي، وروى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله شيئا قليلا، وتعلم وتفقه على كبار علماء التابعين وفقهائهم.

بدأ مشواره العلمي بتعلم الأنساب على يد عبد الله بن ثعلبة العذري، ثم لازم سعيد بن المسيب ثمان سنين، ثم تفقه وأخذ الحديث أيضا على يد فقهاء المدينة كعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وخارجة بن زيد بن ثابت.

وبعد أن رحل إلى الشام قرّبه خلفاء بني أمية، بداية بعبد الملك بن مروان، ومرورا بالوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - الذي كلفه بتدوين الحديث الشريف -، ويزيد بن عبد الملك - حيث ولاه القضاء في خلافته -، وانتهاء بهشام بن عبد الملك، الذي استعان به لتربية أبنائه، ليعلمهم ويفقههم ويحدثهم ويحج معهم، فلم يفارقهم حتى مات.

مناقبه وثناء الأئمة عليه:

اشتهر الإمام الزهري بقوة ذاكرته وسعة حفظه، وجمعه بين علوم القرآن والسنة وأنساب العرب، وكان أول من دوّن الحديث الشريف بتكليف من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وخرّج له الأئمة الستة في كتبهم، وكان إسناده من أجود الأسانيد: الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.

وقد أخذ عنه خلق كثيرون، أبرزهم: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وفقيه مصر وعالمها الليث بن سعد، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، والإمام الأوزاعي، وسفيان بن عيينة ومحمد بن المنكدر وقتادة ومعمر بن راشد.

قال الليث بن سعد: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه نوعا جامعا.

وقال محمد بن سعد: كان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا.

وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة.

وقال عنه الإمام ابن حجر: الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه، ونعته الإمام الذهبي بــ: أحد الأعلام.

وقفات مع سيرته:

تميز الإمام الزهري بمزايا عديدة، منها:

- جمعه بين العلم والعمل: كان يعمل بكل ما يتعلمه ، ويقول: لا يُرضي الناسَ قول عالم لا يعمل، ولا عمل عامل لا يعلم، وكان يقول: إن رجلا عايش حديث رسول الله، وجالس أئمة ربانيين، وتعلم من علمهم وأدبهم، لا بد أن نرى أثر ذلك في قوله.

- حرصه على تدوين وكتابة كل شيء يتعلمه: كان يحمل الألواح معه ويكتب كل ما يسمع، ولا يخفى ما في ذلك من مشقة وتعب، وكان ذلك سببا مهما في كثرة مروياته، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه: كنت أطواف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح والصحف. قال: وكنا نضحك به. قال: وكنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس.

وقال معمر عن صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال لي الزهري: نكتب السنن. قال: فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت.

- أخذه بأسباب التحصيل العلمي: كان يأخذ بأسباب قوة الحفظ، ويبتعد عن كل ما يؤثر على ذلك، وكان ذلك سببا مهما في سعة حفظه وقوة ذاكرته، حيث كان يشرب العسل، ويقول: إنه يذكِّر، وكان يكره أكل التفاح ويقول: إنه يُنسي؛ ولذا قال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته.

وفاته:

توفي الإمام الزهري بشغب - ضيعة خلف وادي القرى بالشام - سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومئة من الهجرة، وقيل: بعد ذلك. رحمه الله رحمة واسعة.

محمد الزهري .. المحدث المُدوّن

بسم الله الرحمن الرحيم

ولد الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر المدني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري بالمدينة النبوية سنة خمسين من الهجرة، وقيل: إحدى وخمسين.

كان من صغار التابعين، ونشأ فقيرا فأقبل على طلب العلم والحديث، ولازم بعض صغار الصحابة كأنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي، وروى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله شيئا قليلا، وتعلم وتفقه على كبار علماء التابعين وفقهائهم.

بدأ مشواره العلمي بتعلم الأنساب على يد عبد الله بن ثعلبة العذري، ثم لازم سعيد بن المسيب ثمان سنين، ثم تفقه وأخذ الحديث أيضا على يد فقهاء المدينة كعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وخارجة بن زيد بن ثابت.

وبعد أن رحل إلى الشام قرّبه خلفاء بني أمية، بداية بعبد الملك بن مروان، ومرورا بالوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - الذي كلفه بتدوين الحديث الشريف -، ويزيد بن عبد الملك - حيث ولاه القضاء في خلافته -، وانتهاء بهشام بن عبد الملك، الذي استعان به لتربية أبنائه، ليعلمهم ويفقههم ويحدثهم ويحج معهم، فلم يفارقهم حتى مات.

مناقبه وثناء الأئمة عليه:

اشتهر الإمام الزهري بقوة ذاكرته وسعة حفظه، وجمعه بين علوم القرآن والسنة وأنساب العرب، وكان أول من دوّن الحديث الشريف بتكليف من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وخرّج له الأئمة الستة في كتبهم، وكان إسناده من أجود الأسانيد: الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.

وقد أخذ عنه خلق كثيرون، أبرزهم: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وفقيه مصر وعالمها الليث بن سعد، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، والإمام الأوزاعي، وسفيان بن عيينة ومحمد بن المنكدر وقتادة ومعمر بن راشد.

قال الليث بن سعد: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه نوعا جامعا.

وقال محمد بن سعد: كان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا.

وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة.

وقال عنه الإمام ابن حجر: الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه، ونعته الإمام الذهبي بــ: أحد الأعلام.

وقفات مع سيرته:

تميز الإمام الزهري بمزايا عديدة، منها:

- جمعه بين العلم والعمل: كان يعمل بكل ما يتعلمه ، ويقول: لا يُرضي الناسَ قول عالم لا يعمل، ولا عمل عامل لا يعلم، وكان يقول: إن رجلا عايش حديث رسول الله، وجالس أئمة ربانيين، وتعلم من علمهم وأدبهم، لا بد أن نرى أثر ذلك في قوله.

- حرصه على تدوين وكتابة كل شيء يتعلمه: كان يحمل الألواح معه ويكتب كل ما يسمع، ولا يخفى ما في ذلك من مشقة وتعب، وكان ذلك سببا مهما في كثرة مروياته، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه: كنت أطواف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح والصحف. قال: وكنا نضحك به. قال: وكنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس.

وقال معمر عن صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال لي الزهري: نكتب السنن. قال: فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت.

- أخذه بأسباب التحصيل العلمي: كان يأخذ بأسباب قوة الحفظ، ويبتعد عن كل ما يؤثر على ذلك، وكان ذلك سببا مهما في سعة حفظه وقوة ذاكرته، حيث كان يشرب العسل، ويقول: إنه يذكِّر، وكان يكره أكل التفاح ويقول: إنه يُنسي؛ ولذا قال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته.

وفاته:

توفي الإمام الزهري بشغب - ضيعة خلف وادي القرى بالشام - سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومئة من الهجرة، وقيل: بعد ذلك. رحمه الله رحمة واسعة.

محمد أمان الجامي _رحمه الله_

التعريف بالشيخ :

أ - اســمه : هو : محمد أمان بن علي جامي علي ، يكنى بأبي أحمد .

ب – موطـنه : الحبشة ، منطقة هرر ، قرية طغا طاب.

ج – سنة ولادته : ولد كما هو مدون في أوراقه الرسمية سنة [1349] تسع و أربعين و ثلاثمائة وألف هـ.

فصل في طلبه للعلم :

أ- طلبه للعلم في الحبشة :

نشأ الشيخ في قرية طغا طاب وفيها تعلم القرآن الكريم ، و بعدما ختمه شرع في دراسة كتب الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، و درس العربية في قريته أيضاً على الشيخ محمد أمين الهرري ثم ترك قريته على عادة أهل تلك الناحية إلى قرية أخرى وفيها التقى مع زميل طلبه وهجرته إلى البلاد السعودية الشيخ عبد الكريم فانعقدت بينهما الأخوة الإسلامية ثم ذهبا معاً إلى شيخ يسمى الشيخ موسى ودرسا عليه نظم الزبد لابن رسلان . ثم درسا متن المنهاج على الشيخ أبادر و تعلما في هذه القرية عدة فنون .

ثم اشتاقا إلى السفر للبلاد المقدسة مكة المكرمة للتعلم و أداء فريضة الحج . فخرجا من الحبشة إلى الصومال فركبا البحر متوجيهن إلى عدن – حيث واجهتهما مصاعب ومخاطر في البحر و البر – ثم سارا إلى الحديدة سيراً على الأقدام فصاما شهر رمضان فيها ثم غادرا إلى السعودية فمرا بصامطة و أبي عريش حتى حصلا على إذن الدخول إلى مكة وكان هذا سيراً على الأقدام .

و في اليمن حذرهما بعض الشيوخ فيها من الدعوة السلفية التي يطلقون عليها الوهابية.

ب –طلبه للعلم في السعودية :

بعد أداء الشيخ فريضة الحج عام 1369هـ بدأ رحمه الله تعالى طلبه للعلم بالمسجد الحرام في حلقات العلم المبثوثة في رحابه و استفاد من فضيلة الشيخ عبد الرزاق حمزة رحمه الله تعالى و فضيلة الشيخ عبد الحق الهاشمي رحمه الله تعالى و فضيلة الشيخ محمد عبد الله الصومالي وغيرهم.

و في مكة تعرف على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى وصحبه في سفره إلى الرياض لما افتتح المعهد العلمي و كان ذلك في أوائل السبعينيات .

وممن زامله في دراسته الثانوية بالمعهد العلمي فضيلة الشيخ العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر و فضيلة الشيخ علي بن مهنا القاضي بالمحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة سابقاً ، كما أنه لازم حلق العلم المنتشرة في العاصمة السعودية .

وأيضاً فقد استفاد و تأثر بسماحة المفتي العلامة الفقيه الأصولي (الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى) .

كما كان ملازماً لفضيلة الشيخ عبد الرحمن الأفريقي رحمه الله تعالى ، كما لازم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى فنهل من علمه الجم وخلقه الكريم ، كما أخذ العلم بالرياض على فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي رحمه الله تعالى ، وفضيلة الشيخ العلامة المحدث حماد الأنصاري رحمه الله تعالى و تأثر المترجم له بالشيخ عبد الرزاق عفيفي كثيراً حتى في أسلوب تدريسه .

كما استفاد و تأثر بفضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى حيث كانت بينهما مراسلات ، علماً بأن المترجم له لم يدرس على الشيخ السعدي. كما تعلم على فضيلة الشيخ العلامة محمد خليل هراس رحمه الله تعالى و كان متأثراً به أيضاً.

كما استفاد من فضيلة الشيخ الداعية عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى.

مــؤهـلاته العـلمية :

- حصل على الثانوية من المعهد العلمي بالرياض . - ثم انتسب بكلية الشريعة و حصل على شهادتها سنة 1380هـ . - ثم معادلة الماجستير في الشريعة من جامعة البنجاب عام 1974م . - ثم الدكتوراه من دار العلوم بالقاهرة .

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه :

لقد كان للشيخ رحمه الله تعالى مكانته العلمية عند أهل العلم و الفضل ، فقد ذكروه بالجميل و كان محل ثقتهم ، بل بلغت الثقة بعلمه وعقيدته أنه عندما كان طالباً في الرياض و رأى شيخه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله نجابته و حرصه على العلم قدمه إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله حيث تم التعاقد معه للتدريس بمعهد صامطة العلمي بمنطقة جازان .

و أيضاً مما يدل على الثقة بعلمه و عقيدته و مكانته عند أهل العلم أنه عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة انتدب للتدريس فيها بعد وقوع اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عليه ، و معلوم أن الجامعة الإسلامية انشأت لنشر العقيدة السلفية و قد أوكلت الجامعة تدريس هذه العقيدة على فضيلة المترجم له بالمعهد الثانوي ثم بكلية الشريعة ثقة بعقيدته و علمه و منهجه رحمه الله تعالى ، وذلك ليسهم في تحقيق أهداف الجامعة .

و إليك أخي القارئ نقول العدول المعدلين فيما كتبوه عن فضيلة شيخنا محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى :

ففي كتاب سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله رقم (64/في 9/1418هـ قال عن الشيخ محمد أمان :

{معروف لدي بالعلم و الفضل و حسن العقيدة ، و النشاط في الدعوة إلى الله سبحانه و التحذير من البدع و الخرافات غفر الله له و أسكنه فسيح جناته و أصلح ذريته وجمعنا و إياكم و إياه في دار كرامته إنه سميع قريب}.

وقَــالَ فضيلة الشيخ محمد بن علي بن محمد ثاني المدرس بالمسجد النبوي رحمه الله في كتابه المؤرخ في 4/1/1417هـ :

{ و فضيلته عالم سلفي من الطراز الأول في التفاني في الدعوة الإسلامية وله نشاط في المحاضرات في المساجد و الندوات العلمية في الداخل و الخارج ،وله مؤلفات في العقيدة و غيرها جزاه الله عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و أجزل له الأجر في الآخرة إنه سميع مجيب}.

وقَـالَ فضيلة الشيخ الداعية محمد عبد الوهاب مرزوق البنا حفظه الله عن المترجم له :

{ولقد كان رحمه الله على خير ما نحب من حسن الخلق وسلامة العقيدة و طيب العشرة ، أسأل الله أن يتغمده برحمته و يسكنه فسيح جنته و يجمعنا جميعاً إخواناً على سرر متقابلين}

و كتب فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاته المدرس بالمسجد النبوي و مدير شعبة دار الحديث رحمه الله في كتابه المؤرخ في 8/2/1417هـ فمما جاء فيه :

{ و بالجملة فلقد كان رحمه الله صادق اللهجة عظيم الانتماء لمذهب أهل السنة ، قوي الإرادة داعياً إلى الله بقوله و عمله و لسانه ،عف اللسان قوي البيان سريع الغضب عند انتهاك حرمات الله ، تتحدث عنه مجالسه في المسجد النبوي الشريف التي أداها و قام بها و تآليفه التي نشرها و رحلاته التي قام بها ، و لقد رافقته في السفر فكان نعم الصديق و رافق هو فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان و غيره – فكان له أيضاً نعم الرفيق – و السفر هو الذي يظهر الرجال على حقيقتهم .

لا يجامل و لا ينافق و لا يماري و لا يجادل ، إن كان معه الدليل صدع به ، و إن ظهر له خلاف ما هو عليه قال به و رجع إليه و هذا هو دأب المؤمنين كما قال الله تعالى في كتابه :{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله …}الآية . و أشهد الله تعالى أنه رحمه الله قد أدى كثيراً مما عليه من خدمة الدين ، و نشر لسنة سيد المرسلين . و لقد صادف كثيراً من الأذى و كثيراً من الكيد و المكر فلم ينثن ولم يفزع حتى لقي الله . وكان آخر كلامه شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله}.

وكتب فضيلة شيخنا العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر المدرس بالمسجد النبوي ، حفظه الله تعالى :

{عرفت الشيخ محمد أمان بن علي الجامي طالباً في معهد الرياض العلمي ثم مدرساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المرحلة الثانوية ثم في المرحلة الجامعية .

عرفته حسن العقيدة سليم الاتجاه ، وله عناية في بيان العقيدة على مذهب السلف ، و التحذير من البدع وذلك في دروسه و محاضراته و كتاباته غفر الله له و رحمه و أجزل له المثوبة} .

وكتب فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في كتابه المؤرخ 3/3/1418هـ قائلاً : {الشيخ محمد أمان كما عرفته : إن المتعلمين و حملة الشهادات العليا المتنوعة كثيرون و لكن قليل منهم من يستفيد من علمه و يستفاد منه ، و الشيخ محمد أمان الجامي هو من تلك القلة النادرة من العلماء الذين سخروا علمهم و جهدهم في نفع المسلمين و توجيههم بالدعوة إلى الله على بصيرة من خلال تدريسه في الجامعة الإسلامية وفي المسجد النبوي الشريف وفي جولاته في الأقطار الإسلامية الخارجية و تجواله في المملكة لإلقاء الدروس و المحاضرات في مختلف المناطق يدعو إلى التوحيد و ينشر العقيدة الصحيحة ويوجه شباب الأمة إلى منهج السلف الصالح و يحذرهم من المبادئ الهدامة الدعوات المضللة . و من لم يعرفه شخصياً فليعرفه من خلال كتبه المفيدة و أشرطته العديدة التي تتضمن فيض ما يحمله من علم غزير و نفع كثير .

وما زال مواصلاً عمله في الخير حتى توفاه الله . وقد ترك من بعده علماً ينتفع به متمثلاً في تلاميذه و في كتبه ، رحمه الله رحمة واسعة وغفر له و جزاه عما علم و عمل خير الجزاء . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله و صحبه}.

وقال معالي مدير الجامعة الإسلامية شيخنا الدكتور صالح بن عبد الله العبود وفقه الله في كتابه المؤرخ في 15/4/1417هـ :

{ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العامين و الصلاة و السلام على رسوله الأمين و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : فقد رغب مني الأخ الشيخ مصطفى بن عبدالقادر أن أكتب عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله شيئاً مما أعرفه عنه من المحاسن لتكون من بعده في الآخرين فأجبته بهذه الأحرف اليسيرة على الرغم من أنني لم أكن من تلامذته ولا من أصحابه الملازمين له طويلي ملاقاته و مخالطته ، ولكن صار بيني و بينه رحمه الله لقاءات استفدت منها ، و تم من خلالها التعارف و انعقاد المحبة بيننا في الله تعالى و توثيق التوافق على منهج السلف الصالح في العقيدة و الرد على المخالفين . فمن ذلك أنه في عام خمسة و تسعين و ثلاثمائة و ألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت بيننا و بين أناس من خارج هذه البلاد ممن ابتلينا بهم خلافات في العقيدة و المنهج ، يريدون معارضتنا في عقيدتنا الإسلامية و سياسة حكومتنا الراشدة ، فكتبت إلى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز و غيره من علماء الدعوة في بلادنا أشكو من بعض هذه الأمور ، فلقيت الشيخ محمد أمان في مكة بدار الحديث و أطلعته على ما كتبت أستشيره و أستطلع رأيه ، فشد من عزمي و شرح لي بكلمة موجزة معنى المرجعية الصحيحة و قال : إن هؤلاء العلماء في بلادنا من علماء الدعوة إلى الله هم المرجع الذين يؤخذ عنهم الاعتقاد فينبغي ألا نتردد في الرفع لهم عن كل مخالفة تحدث و ينبغي أن نقول لهم أنتم مرجعنا في مثل هذه المسائل العقدية فإذا لم نجدكم أو لم تحتملونا فقدناكم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

و افترقنا و أنا أحمل هذه الروح فكان لها تأثير بأمر الله جيد ، و فهمت فهماً راسخاً كيف ينبغي أن نحافظ على سلسلة مرجعيتنا و ألا نلتفت إلى أولئك الأجانب مهما تظاهروا به من التزيي بالعلم و لباس العلماء ، و أقصد بالأجانب الأجانب عن عقيدة السلف الصالح ممن تلقوا ثقافتهم و تشبعت أفكارهم بمنطق اليونان و فلسفة الفلاسفة البعيدين عن الوحي الإلهي بقسميه الكتاب و السنة ، المغرورين بآرائهم وعقولهم المختلطة و شبهاتهم المنحرفة و الله المستعان ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

رحم الله الشيخ محمد أمان و أسكنه فسيح جناته و ألحقنا و أياه بالصاحين من أمة محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين}.

وكتب فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية و وكيلها للدراسات العليا و البحث العلمي في كتابه المؤرخ في 29/5/1417هـ :

{بسم الله الرحمن الرحيم ما أعرفه عن فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله ،- لقد طلب مني أحد تلاميذي – وهو من أخص تلاميذ الشيخ محمد أمان الجامي المتأخرين – أن أكتب شيئاً مما أعرفه عن شيخه و شيخنا الشيخ محمد أمان رحمه الله لأنه بصدد إخراج كتيب عن حياة فضيلته فأقول و بالله التوفيق : بدأت معرفتي بالشيخ رحمه الله عام 1381هـ عندما قامت هذه الدولة السعودية الكريمة حفظها الله بإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في العام المذكور و كان رحمه الله من أوائل المدرسين بها وكنت أحد طلابها ، كان رحمه الله من بين عدد من المشايخ الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تقف عند علاقة المدرس بتلميذه في الفصل وكان في عامة دروسه يعني عناية عظيمة بعقيدة السلف الصالح – رضي الله عنهم – لا يترك مناسبة تمر دون أن يبين فيها مكانة هذه العقيدة ، لا فرق في ذلك بين دروس العقيدة و غيرها .

وهو حين يتحدث عن عقيدة السلف الصالح و يسعى في غرسها في نفوس أبنائه الطلاب الذين جاء أكثرهم من كل فج عميق ، إنما يتحدث بلسان خبير بتلك العقيدة ، لأنه ذاق حلاوتها و سبر غورها حتى إن السامع المشاهد له و هو يتكلم عنها ليحس أن قلبه ينضح حباً و تعلقاً بها ، و كانت له رحلات في مجالي الدعوة و التعليم خارج المملكة ، لا يدع مناسبة تجئ أو فرصة تمر دون أن يبين فيها سمو هذه العقيدة و صفاءها ورحابتها بياناً شافياً . و أن القارئ ليلمس صدق دعوته في كتبه و رسائله التي ألفها . و قد حضرت مناقشة رسالته في مرحلة الدكتوراه في دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة بمصر و كان يسعى في عامة مباحثها إلى بيان صفاء عقيدة السلف الصالح و سلامة منهجها و تجلت شخصيته العلمية في قدرته – أثناء المناقشة – على كشف زيف كل منهج خرج عن عقيدة السلف و بطلان كل دعوة صوبت نحو دعاتها المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها و الوقوف عندها و الدعوة إليها و دحض كل مقالة أو شبهة يحاول أهل الباطل النيل بها من هذه العقيدة .

وخلاصة القول : إن فضيلته – رحمه الله – كان شديد الحب لعقيدة السلف الصالح ، مخلصاً في الدعوة إليها ، متفانياً في الدفاع عنها ، لا يمنعه من أن يقول الحق في ذلك اعتراض معترض أو مقاطعة مخالف ، رحمه الله و غفر لنا و له }.

و كتب فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس المدرس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وفقه الله :

{ فإن فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله تعالى رحمة واسعة كان فيما علمت من أشد المدافعين عن عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى جميعاً الداعين إليها ، الذابين عنها في الكتب و المحاضرات و الندوات . و كان شديداً في الإنكار على من خالف عقيدة السلف الصالح ، و كأنما قد نذر حياته لهذه العقيدة تعلماً و تعليماً و تدريساً و دعوة ، و كان يدرك أهمية هذه العقيدة في حياة الإنسان و صلاحها .

كما كان يدرك خطورة البدع المخالفة لهذه العقيدة على حياة الفرد و المجتمع ، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة و غفر له و لجميع المسلمين آمين يا رب العالمين }.

مما سبق من كلام أهل العلم و الفضل عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى تظهر مكانته العلمية و جهوده و جهاده في الدعوة إلى الله تعالى منذ ما يقرب من أربعين عاماً ، وصلته الوثيقة بالعلماء ، واهتمامه رحمه الله و عنايته بتقرير و بيان العقيدة السلفية و الرد على المبتدعة المتنكبين صراط السلف الصالح و دحض شبههم الغوية ، حتى يكاد يرحمه الله تعالى لا يعرف إلا بالعقيدة و ذلك لعنايته بها . هذا و كانت له مشاركة في علم التفسير و الفقه مع المعرفة التامة باللغة العربية.

فصل في ذكر بعض مؤلفاته - رحمه الله تعالى - :

1- كتاب { الصفات الإلهية في الكتاب و السنة النبوية في ضوء الإثبات و التنزيه } . وهو من أنفع كتبه رحمه الله ، و هو من مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، الطبعة الأولى سنة 1408هـ.

2- كتاب { أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام } ط2 ،المكتب الإسلامي سنة 1399 هـ . و يحتوي هذا الكتاب عدة محاضرات و ندوات في مواضيع في تقرير العقيدة السلفية أو عرض للدعوة في أفريقيا ، أو ذكر لمشاكل الدعوة و الدعاة في العصر الحديث مع وضع الحلول المناسبة لتلك المشاكل ، أو رد على الصوفية .

3- كتاب {مجموع رسائل الجامي في العقيدة و السنة } الناشر دار ابن رجب ط1 ،9- سنة 1414هـ .

4- رسالة بعنوان { المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية } و هي في الأصل محاضرة ألقاها في السودان سنة 1383هـ و رد فيها على الملحد محمود محمد طه ،11- و هي من مطبوعات رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة .

5- رسالة بعنوان { حقيقة الديموقراطية و أنها ليست من الإسلام } ن دار ابن رجب ط1 سنة 1413هـ و قد طبعت قبل سنة 1413هـ بعنوان { للجزيرة العربية خصوصية فلا تنبت الديموقراطية }. و هي في الأصل محاضرة ألقاها سنة 1412هـ .

6- رسالة بعنوان { حقيقة الشورى في الإسلام } ن دار ابن رجب ط1 سنة 1413هـ .

7- رسالة بعنوان { العقيدة الإسلامية و تاريخها } ن دار ابن رجب ط1 سنة 1414هـ .

فصل في ذكر بعض تلاميذه :

رجل هذه مكانته عند ذوي العلم ، و هذه جهوده في الدعوة إلى الله تعالى و حبه لهذه العقيدة السلفية الخالدة التي أوذي في سبيل نشرها و تقريرها في نفوس المسلمين ، سواء في داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها يصعب حصر طلبته و تلاميذه سواء من درس عليه في جازان أو المدينة النبوية أو باكستان أو في أفريقيا أو غيرها أو من خلال دروسه بالمسجد النبوي الشريف أو مساجد جدة أو في المنطقة الشرقية ومن بعض طلبته :

1- فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور ربيع بن هادي عمير المدخلي حفظه الله . 2- فضيلة الشيخ العلامة زيد بن هادي مدخلي حفظه الله تعالى . 3- فضيلة الدكتور علي بن ناصر فقيهي المدرس بالمسجد النبوي حفظه الله تعالى . 4- فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و وكيل الجامعة الإسلامية للدراسات العليا و البحث العلمي حفظه الله . 5 - فضيلة شيخنا المحدث عبدالقادر بن حبيب الله السندي رحمه الله. 6- فضيلة الأستاذ الدكتور صالح بن سعد السحيمي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية حفظه الله تعالى . . 7- فضيلة الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء حفظه الله . 8- فضيلة الدكتور صالح الرفاعي الباحث بمركز خدمة السنة و السيرة النبوية وصاحب كتاب { الأحاديث الواردة في فضائل المدينة } حفظه الله تعالى . 9- فضيلة الدكتور فلاح إسماعيل المدرس بجامعة الكويت حفظه لله تعالى . 10- فضيلة الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية حفظه الله تعالى .

وآخرين يصعب حصرهم .

فصل في ذكر بعض أخلاقه الفاضلة :

1- فمن ذلك نصحه:

كان رحمه الله تعالى ناصحاً – فيما أحسب – لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم . ويظهر ذلك بأدنى تأمل ، فقد نذر حياته في تقرير ما يجب للرب سبحانه و تعالى في ربوبيته و أولوهيته وأسمائه و صفاته على وفق فهم السلف الصالح ، و ذلك من خلال دروسه و تآليفه و محاضراته و ردوده على المخالفين للكتاب و السنة ، و كان عادلاً في رده على المخالف مجانباً للعصبية و الهوى .

2- قلة مخالطته الناس :

كان رحمه الله تعالى معروفاً بقلة مخالطته للناس إلا في الخير ، فأغلب أوقاته و أيامه محفوظة ، و طريقته في ذلك معروفة إذ يخرج من البيت إلى العمل بالجامعة ثم يعود إلى البيت ثم إلى المسجد النبوي الشريف لإلقاء دروسه بعد العصر و بعد المغرب و بعد العشاء و بعد الفجر و هكذا إلى أن لازم الفراش بسبب اشتداد المرض .

3- عفة لسانه :

كان رحمه الله تعالى عف اللسان لا يلمز و لا يطعن و لا يغتاب ، بل و لا يسمح لأحد أن يغتاب أحداً بحضرته ، ولا يسمح بنقل الكلام و عيوب الناس إليه ، إذا وقع بعض طلبة العلم في خطأ طلب الشريط أو الكتاب فيسمع أو يقرأ ، فإذا ظهر له أنه خطأ قام بما يجب على مثله من النصيحة .

4- عفوه و حلمه :

فبقدر ما واجه من الأذى و المحن و الكيد و المكر قابل من أساء إليه بالحلم والعفو .

وقد حضرته مراراً بالمسجد النبوي أو في الطريق يأتيه بعض من كان ينال من عرضه بالسب ، أو الطعن ، أو الافتراء ، فيستسمح منه فيقول رحمه الله : أرجو الله تعالى ألا يدخل أحداً النار بسببي ، و يسامح من يتكلم في عرضه و يقول : لا داعي لأن يأتي من يعتذر فإني قد عفوت عن الجميع ، و يطلب من جلسائه إبلاغ ذلك عنه .

5- عنايته و تعهده بطلبته :

فقد كان رحمه الله تعالى من الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تنتهي بانتهاء الدرس ، بل كان يحضر مناسباتهم و يسأل عن أحوالهم و يقضي بعض حوائجهم،و يعالج بعض مشاكلهم الأسرية ، أو بعض ما يواجهونه من مصاعب في هذه الحياة و بالجملة فلقد كان يبذل ماله وجاهه و وقته لمساعدة المحتاج منهم .

وكان هذا التصرف منه يترك أثراً بالغاً عند طلابه ، فرزق بسبب ذلك المحبة الصادقة منهم . وقد شعروا بعد موته بفراغ في هذه الناحية .

و الحق إن الشيخ رحمه الله تعالى اجتمعت فيه خصال خير كثيرة لو أسهبت في ذكرها اتهمت فيه ، و ما نقلته آنفاً عن أهل العلم في ذلك كافٍ و الله أعلم .

فصل في عقيدته السلفية :

في الحقيقة كنت متردداً في كتابة هذا الفصل و ذلك لوضوح عقيدة الشيخ السلفية و معرفة الخاص و العام بها ، و لكن لأنني أكتب فقد يقع هذا المكتوب في يدي من لا يعرف الشيخ ، و كذلك جرت العادة عند كتابة التراجم ذكر عقيدة المترجم له .

و إليك بعض ما يدل على عقيدته السلفية : من خلال دروسه في جازان بالمعهد العلمي و في الجامعة الإسلامية بمدينة النبي صلى الله عليه و سلم و بالمسجد النبوي الشريف و رحلاته الدعوية في الداخل و الخارج حيث درس خلالها الكتب السلفية مثل:

1- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 2- الواسطية 3- الفتوى الحموية الكبرى 4- التدمرية 5- الإيمان 6- ثلاثة الأصول 7- و فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد 8- و قرة عيون الموحدين 9- و الأصول الستة 10- و الواجبات المتحتمات 11- و القواعد المثلى 12- و تجريد التوحيد للمقريزي 13- رده على أهل البدع كالأشاعرة و الصوفية و الشيعة الروافض وذلك في كتبه و مقالاته في المجلات العلمية و في محاضراته و دروسه فانظر على سبيل المثال كتابه {أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام }ط2 المكتب الإسلامي سنة 1399هـ. 14- من خلال كلام أهل العلم السابق في بيان عقيدته السلفية.

مرضه و موته :

لقد ابتلي في آخر عمره - رحمه الله تعالى – بمرض عضال حتى أرقده الفراش نحو عام فصبر و احتسب . وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس و العشرين من شهر شعبان سنة 1416هـ أسلمت روحه لبارئها ، فصلي عليه بعد الظهر و دفن في بقيع الغرقد بالمدينة النبوية .

وشهد دفنه جمع كبير من العلماء و القضاة و طلبة العلم و غيرهم . و بموته حصل نقص في العلماء العاملين فنسأل الله تعالى أن يغفر له و يرحمه و يخلف على المسلمين عدداً من العلماء العاملين آمين .

وصلي اللهم و بارك على عبدك و رسولك نبينا محمد و على آله و صحبه وسلم تسليماً كثيراً

الإمام الشاطبي

الإمام الشاطبي هو: إبراهيم بن موسى بن محمد، كنيته: أبو إسحاق، نسبته: الغرناطي، والشاطبي، أما الغرناطي: فنسبة إلى مملكة غرناطة التي عاش فيها الشاطبي -رحمه الله- وأما الشاطبي: فنسبة إلى شاطبة، مدينة في شرقي الأندلس، وشرقي قرطبة، وهي مدينة كبيرة قديمة.

عاش هذا الإمام -رحمه الله- في القرن الثامن الهجري، في منطقة غرناطة التي تحكم من قبل بني نصر، وفي هذا القرن –أي: القرن الثامن- عاش أيضاً فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته المشهورون، منهم ابن القيم.

والأمة كما نعلم تحتاج في كل قرن إلى التجديد، فالشاطبي في هذا القرن بدأ في تجديد الدين؛ لأنه وَجَد في عصره أن الناس بحاجة إلى ذلك، ثم بدأ ليدخل في طلب العلم -كما سأعرضه عليكم- ولا يزال صابراً في ذلك حتى نفع الله به.

غرناطة هذه دخلها الإسلام على يد طارق بن زياد في سنة 92هـ، في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، لكن في القرن الثامن حصل ما حصل، فكان هناك حاجة إلى التجديد، ومعلوم أنه إذا استمر الإسلام فهو كالنهر في أول ما يجرى يكون صافياً، ثم تدخل الشوائب في أحوال المكلفين والبدع والأهواء فيحتاج إلى تجديد وتصفية في كل عصر من العصور.

مملكة غرناطة هذه الدولة دامت ما يقارب القرنين والنصف تقريباً، وازدهرت في القرن الثامن الهجري، وهو القرن الذي عاش فيه الشاطبي -رحمه الله- وقد امتاز هذا القرن بالاستقرار السياسي، وظهرت فيه وارتفعت راية الجهاد، لكن أخذ المسلمون في الضعف والترف، فبدأ في مملكة غرناطة تنتشر البدع وأنغمس المسلمون في الملذات الدنيوية المباحة، والاهتمام بالزينة والمآكل والمشارب والأعياد غير المباحة، ودخلوا في كثيرٍ من المحرمات، فاحتاج الإمام الشاطبي وغيره في هذا القرن في البدء بتوعية الناس إلى المخاطر التي تنتظرهم، وتذكيرهم بأحكام دينهم الحنيف، وظهر ذلك في كتاب الاعتصام كما سندرسه -إن شاء الله- كما ظهر ذلك في كتاب اسمه الفتاوى له، فإنه عالج فيه كثيراً من المشاكل التي كانت في عصره، كان هذا العصر من الحالة الثقافية محل اهتمام من الأمراء بالعلم والعلماء، وبلغت الحركة الثقافية ذروته في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل المصري عام 733هـ إلى عام 755هـ، وكان في هذا العصر من اهتمام الأمير أبي الوليد إسماعيل بن سلطان يوسف الثاني بحبه للأدباء والعلماء، وكانت لهم أيضاً هؤلاء الأمراء كتب في العلم، وكان هناك علماء مشهورون في هذه الفترة، وكان المذهب السائد في ذلك العصر في غرناطة هو المذهب المالكي.

قدر سنة ولادته بـ: 720هـ، ونشأ الإمام الشاطبي -رحمه الله- بغرناطة، وبقي في هذا الجو العلمي الناضج، ولم يقم بالرحلة خارج الأندلس التي قام بها غيره من الغرناطيين، بل لازم غرناطة إلى أن توفي بها رحمه الله.

نشأ عفيفاً ورعاً متصفاً بصفات طيبة، وأخلاق سامية نبيلة، كان ثبتاً صالحاً زاهداً سنيًّا إماماً، وكان -رحمه الله- أصوليًّا مفسراً، وفقيهاً محدثاً، ولغويًّا بيانيًّا، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة الثقات، على قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري والورع.

أقبل الإمام الشاطبي -رحمه الله- على طلب العلم منذ نعومة أظفاره، فقد كان شغوفاً بالعلم منذ صغره. يحدثنا عن نفسه فيقول: "لم أزل منذ فتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر على علم دون علم، ولا أفردت عن أنواعه نوعاً دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميادينه إقدام الجري، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، وأنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي، غائباً عن مقال القائل، وعذل العاذل، ومعرضاً عن صد الصاد، ولوم اللائم، إلى أن منّ عليّ الرب الكريم الرؤوف الرحيم، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسباني، وألقى في نفسي القاصرة أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالاً يعتد فيه، وإن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، والطلبة فيما شرع، وما سوى ذلك فضلال وبهتان، وإفك وخسران، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، والحمد لله والشكر كثيراً كما هو أهله، فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريق بمقدار ما يسر الله فيه، فابتدأت بأصول الدين عملاً واعتقاداً، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول". انتهى..

تلقى الإمام الشاطبي -رحمه الله- عن كثير من العلماء الكبار الذين كانوا من خيرة العلماء بالأندلس في ذلك العصر، وكان لهم الأثر البالغ في تكوين شخصيته وتثقيفه بقسط كبير من المعارف العقلية والنقلية، حتى تمكن -رحمه الله- من الوقوف بفضل الله على جانب كبير من مقاصد الشريعة، فأخذ عن الشيخ الزيات، والشيخ أبو عبد الله العبدري والشيخ أبو سعيد بن لب، شيخ الشيوخ في غرناطة، وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته، وأيضاً من شيوخه أبو عبد الله محمد بن علي الفخار المتوفى سنة 754هـ بغرناطة، وكان من أحسن قراء الأندلس تلاوة وأداءً، وهو مفتوح عليه في علم العربية، وقد استفاد منه الشاطبي كما ذكر استفادة كبيرة، ومنهم الإمام الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني قاضي الجماعة المتوفى سنة 761هـ بغرناطة، ومنهم أيضاً إمام وقته أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري المعروف بالمقري الكبير المتوفى سنة 758هـ.

الإمام الشاطبي -رحمه الله- كان من العلماء العاملين المجاهدين في إظهار الدين وإبطال البدع وإماتتها، وله مؤلفات مفيدة على قلتها.

ويبدو أن الإمام الشاطبي لم يكن معروفاً إلا بعد تأليفه كتابيه الموافقات والاعتصام، لذلك فإن المترجمين له لم يتعرضوا لذكر شيء من حياته ونشأته وأسرته بالتفصيل، وخاصة ما قبل التأليف، وهكذا كثير من العلماء لا يعرف إلا بعد أن يؤلف، أو يكون له مواقف يظهر بها علمه.

وقد أثنى كثير من العلماء على الإمام الشاطبي، وحق له أن يثنى عليه؛ فقد كان -رحمه الله- متفنناً في أنواع من الفنون، وعلى جانب كبير من مقاصد الشريعة.

كان -رحمه الله- مشهوراً بمقاومة البدع وأهلها، وكان يبين للناس السنن، ويحذر من البدع، وكان قد تولى الخطابة في الجامع الأعظم، فلما حاول أن يبين للناس ما دخل على الخطابة والإمامة من البدع، وجد مقاومة شديدة من أرباب البدع؛ حيث نسبوه إلى البدعة والضلالة والغباوة والجهل، وفي ذلك يقول: "فابتدأت بأصول الدين عملاً واعتقاداً، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول، وفي خلال ذلك أبين ما هو من السنن، أو من البدع، ثم أطالب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها بالسواد الأعظم، في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه، وترك البدع التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة، وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور، من الخطابة والإمامة ونحوها، فلما أردت الاستقامة على الطريق وجدت نفسي غريباً، في جمهور أهل الوقت؛ لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت عليّ القيامة، وتواترت عليّ الملامة، وفَوّق إليّ العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منـزلة أهل الغباوة والجهالة، شهادة تكتب، ويسألون عنها يوم القيامة". انتهى.

مؤلفات الإمام الشاطبي :
مؤلفاته ليست كثيرة، وقد أحسن من قال:

قليل منك يكفيني ولكن *** قليلك لا يقال له قليل

فمؤلفاته -رحمه الله- على قلتها لكن الكتاب الواحد منه يعدّ بعشرة كتب من غيره، فمن ذلك كتاب الاعتصام الذي بين أيدينا الآن، وكتاب الموافقات في أصول الفقه، وسماه (عنوان التعريف بأصول التكليف)، وله أيضاً كتاب في الفتاوى، عالج فيه مشاكل عصره، وله أيضاً شعر، وإن كان شعره محدوداً، وأيضاً من مؤلفاته (شرح رجز ابن مالك في النحو الألفية)، و(شرح جلي على الخلاصة) في النحو في أربعة أسفار كبار، لم يؤلف مثله، وله كتاب المجالس، شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري، وله كتاب الإفادات والإنشادات فهو محقق وموجود.

وله بعض كتب أتلفها في حياته لم يقتنع بها منها عنوان (الاتفاق في علم الاشتقاق) و(أصول النحو) وقد أتلفها في حياته، ومن أشهر كتبه كتاب (الاعتصام) وكتاب (الموافقات).

وقد نسب له رحمه الله عدة أمور من ذلك:
أن الدعاء لا ينفع، فإنه -رحمه الله- لم يقل بذلك، وإنما كان ينكر ما انتشر في ربوع مجتمع غرناطة في عصره من دعاء الإمام, والمأمومون يؤمنون على أدبار الصلوات المفروضة على هيئة الاجتماع، ويرى أنه بدعة؛ إذ لم يرد ذلك عن السلف الصالح.

قال رحمه الله: "فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه، كما يعزى إلى بعض الناس، بسبب أنني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة".

ونسب له -رحمه الله- رفضه للصحابة وبغضه لهم، ولم يقل أيضاً بذلك، وحاشاه أن يقول ذلك، وإنما يرى أن ما انتشر في ربوع الأندلس من أدعية أئمة المساجد للخلفاء الراشدين فوق المنابر يوم الجمعة على وجه الالتزام أمر لم يأتِ به الشرع، فلم يكن يلتزم به في خطبته يوم الجمعة، مما أدى إلى اتهامه بالرفض، وفي هذا يقول رحمه الله: "وتارة نسبت إلى الرفض، وبغض الصحابة  بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة على وجه الخصوص؛ إذ لم يكن ذلك شأن السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب".

ورمي أيضاً -رحمه الله- بأنه يجيز الخروج على الأئمة والسلاطين؛ لأنه يرى أن الدعاء للأئمة والسلاطين على وجه الالتزام بدعة، كما هو منتشر في الأندلس، بحيث يُعتبر التارك لذلك مبتدعاً، فكان -رحمه الله- لا يلتزم بذلك في خطبته، وإنما يدعو للمسلمين عامة.

ونسب له أنه يعادي أولياء الله ولا يحبهم ولا يتولاهم، مع أنه بريء من ذلك كله، وإنما كان -رحمه الله- مقاوماً للبدع وأهلها حريصاً على إحياء السنة وإماتة البدعة.

ظهرت طائفة مبتدعة في الأندلس تزعم أنها من الصوفية، وأن هداية الخلق بأيديهم، فكانوا يجتمعون في بعض الليالي على الذكر بأصوات مرتفعة، ثم يغنون ويضربون بالأكف، ولهم أحوال وشطحات إلى آخر الليل، فتصدى الشاطبي لبيان زيفهم وزيغهم وضلالاتهم، وأنهم ليسوا من الصوفية المتقدمين، مما أدى إلى اتهامه بمعاداة أولياء الله، وليسوا من أولياء الله في شيء، وإنما أحوالهم أحوال شيطانية، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية، ولم يتشبهوا بهم".

عقيدة الشاطبي رحمه الله :
الشاطبي من علماء الأمة الكبار، لكنه -رحمه الله- كغيره بشر يصيب ويخطئ، ولذا فقد ظهرت منه بعض الأخطاء العقدية التي خالف فيها ما عليه أهل السنة والجماعة، وبالتأمل في كتب الشاطبي -رحمه الله- واستقراء مقالاته يتبين أنه -رحمه الله- يميل إلى قول الأشاعرة في بعض المسائل:

فيرى أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني، وإنما يفيد الظن فقط، وهذا مستفاد من تقسيماته -رحمه الله- لخبر الواحد إلى الثلاثة وكلها ظنية، ولم يحكم لأي نوع منها على أنه قطعي، بل ويتضح هذا المعنى في أنه يرى أن خبر الواحد لا يقطع به ولو صح سنده، إلا إذا استند إلى آية قرآنية قطعية.

إلا أنه -رحمه الله- يرى أن العقيدة تثبت بخبر الواحد إذا شهد له أصل قطعي كآية قرآنية أو سنة متواترة، فيكون خبر الواحد حينئذٍ كجزئي تحت معنى قرآني كلي.

موقف الشاطبي من التأويل :
موقف الإمام الشاطبي -رحمه الله- من التأويل لا يختلف عن موقف الأشاعرة، بل هو تقرير له من غير تعصب؛ لأنه -رحمه الله- يرى أن مسألة التأويل مسألة اجتهادية، لذلك يرى -رحمه الله- أن الدليل إذا عارضه قطعي كظهور تشبيه الخالق بالمخلوق فليس بدليل، فلابد من أن يحتاج له إلى دليل آخر، فهذا أصل مقرر عند كل من سلك مسلك التأويل في صفات البارئ، وإن كانت تتفاوت درجاتهم في ذلك.

بل يذهب -رحمه الله- إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن المرء إذا وجد خبراً يقتضي في الظاهر خرق العادة، كظهور تشبيه أو غيره فهو مخير بين أمرين، وله في أحدهما سعة، إما التفويض المطلق، وإما التأويل.

ومما يؤكد ما سبق أنه -رحمه الله- يرى أن التأويل يحتاج إليه في بعض المواطن، بل يرى أنه من طريقة السلف؛ لأن الأصل عنده التصديق والتسليم المحض لا الإنكار.

بعض آرائه المنهجية في المسائل العقدية والاختلافات المنهجية، ويتلخص ذلك في النقاط التالية:

1- أنه -رحمه الله- يرى أن الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة وبين أصحاب البدع في صفات الله تعالى خلاف في الفروع لا في الأصول، ولا سيما إذا كان ذلك منهم على قصد حسن.

2- يعتبر مذهب السلف أحياناً هو الأصل في إثبات الصفات، وأن التأويل أيضاً غير خارج عن مذهبهم، بل ويرى أنه قد يحتاج إليه في بعض المواضع، وأن من هذا حاله خير ممن جعل أصله في تلك الأمور التكذيب بها.

3- بل يرى -رحمه الله- أن التسليم المحض والتأويل سيان، بكل منهما قال السلف لكن التسليم أسلم.

4- لم يكتب عقيدته بصورة مستقلة كما فعل غيره ممن كتبوا في العقائد، وإنما يعقد فصلاً غير مخصص لمسألة العقيدة، يقرر فيه قاعدة في فن ما، فيشير إلى عقيدته إشارة خفيفة، وأحياناً يذكر أثناء مناقشته لأهل البدع، فيورد أمثلة توضيحية يكون نصيب العقيدة منها قليلاً.

5- مناقشته -رحمه الله- في العقيدة كانت مع المعتزلة كثيراً، ومع الجهمية قليلاً، ونادراً ما يشير إلى أهل السنة والجماعة، وإن أشار فمراده بذلك الأشعرية فقط.

عقيدة الشاطبي في:
كلام الله تعالى: ينكر أن يكون كلام الله بالصوت والحرف، ويثبت كلاماً نفيساً وهو قول الأشاعرة.

رؤية الله يوم القيامة: يذهب إلى مذهب الأشاعرة في مسألة الرؤية، فالأشاعرة يثبتون الرؤية بدون إثبات جهة ولا مقابلة.

صفة الاستواء لله: اضطربت أقوال الأشعرية في الاستواء ما بين تأويل وتفويض، فحكى بعضهم أن التفويض مذهب مال إليه المتقدمون من الأشعرية، مما جعل كثيراً من المتأخرين يختارونه بحجة أنه أسلم في زعمهم، وهو الذي ذهب إليه الإمام الشاطبي -رحمه الله- فقد سلك مسلك التفويض، ويرى أن ذلك مذهب السلف، مع أن الحقيقة ليس ذلك بمذهب السلف، وإنما مذهبهم تفويض الكيف والحقيقة لا المعنى.

بقية الصفات السمعية: الوجه، اليدان، العين، الرجل، القدم، الضحك، النـزول: قوله -رحمه الله- في هذه الصفات كقوله في الاستواء، بل صرح -رحمه الله- في موطن آخر أن هذه الصفات جوارح محسوسات لا يجوز إثباتها لله.

قال رحمه الله: "ومثاله في ملة الإسلام: مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب المنـزه عن النقائص، من العين، واليد، والرجل، والوجه، المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات".

وكلامه هذا لا شك أنه يدل على أن عقيدته في هذه الصفات عدم الإثبات، إذ سمى إثبات هذه الصفات أنها إثبات جوارح، ولم يقيد ذلك بأن إثباتها مع التنـزيه أن ذلك عقيدة صحيحة.

تعريف الإيمان: كان يقول -رحمه الله- بقول الأشعرية في تعريف الإيمان: إن الإيمان هو التصديق في اللغة والشريعة جميعاً، وإن الأفعال والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفس الإيمان.

الكبيرة: يقول بقول أهل السنة والجماعة في مصير مرتكب الكبيرة في الآخرة، حيث يرى أنه تحت المشيئة، إن شاء ربه عذبه، وإن شاء غفر له، وأنه لا يخلد في النار كالكافر إن دخلها.

عذاب القبر ونعيمه: قال: "ولا نكير في كون الميت يعذب برد الروح إليه، ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته لذلك ولا سماعه".

ومنهج الإمام الشاطبي -رحمه الله- في إثبات الغيبيات والرد على طوائف المبتدعة هو بعينه ما ذكره علماء أهل السنة والجماعة.

ويقول بقول أهل السنة والجماعة في مسألة الميزان، حيث أثبت أنه ميزان صحيح يوزن به الأعمال، وأن حقيقته وكيفية الوزن به غير معلومة لدينا، بل نؤمن به كما يليق بالدار الآخرة.

وسلك مسلك أهل السنة والجماعة في إثبات الصراط يوم القيامة.

كان الإمام الشاطبي -رحمه الله- حريصاً على إحياء السنة وإماتة البدعة، ولما كان المجتمع الغرناطي قد فشت فيه بدع منكرة، فقد تصدى -رحمه الله- لمقاومتها، مما جعله من المشهورين في المجتمع الغرناطي بمقاومة البدع وأهلها.

وفاة الإمام الشاطبي :
وتوفى يوم الثلاثاء الثامن من شهر شعبان سنة790هـ بغرناطة، وبذلك يكون قد عاش أكثر من سبعين عاماً قضاها -رحمه الله- في رحاب العلم الشرعي مكافحاً صابراً في طلب العلم، ونشر الحق وإحياء السنة وإماتة البدعة.

كيف ندرس كتاب عالم بهذه العقيدة؟ وألا يوجد كتاب آخر لعالم سلفي المعتقد؟

الجواب: هناك الكثير من علماء الإسلام الكبار، ولهم مؤلفات كثيرة نفع الله بها، تجد أن هناك ملاحظات إما عليهم أو على كتبهم كابن حجر والنووي وابن الجوزي وغيرهم، ولم يقل أحد بترك كتبهم بل الأمة على مدار تاريخها تَدرس وتُدرّس كتبهم وتنبه على أخطائهم، ولا حرج في ذلك، وطالب العلم يدرك ويميز الخطأ من الصواب، والشاطبي -رحمه الله- أحد هؤلاء العلماء.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله- بعد أن ذكر مجموعة من العلماء ممن هم مثل الإمام الشاطبي لهم علم وفضل، ولكنهم شاركوا المبتدعة في بعض أصولهم فقال: "ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم؛ لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم؛ لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها، وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة الحشر:10]، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول  وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه؛ تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه والمؤمنين حيث قالوا: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سورة البقرة:286]" انتهى.

أما جواب السؤال الثاني: ألا يوجد كتاب آخر لعالم سلفي المعتقد؟

فسيأتي الجواب عليه بعد قليل.

كتاب الاعتصام :
من أعظم ما ألف هذا الإمام كتابيه (الموافقات) في أصول الشريعة، و(الاعتصام) في لزوم السنة والتحذير من البدع، وقد كان طرحه في الكتابين طرحاً لم يسبق إليه، فقد قيل: إنه أول من تكلم في مقاصد الشريعة كعلم مستقل، وذلك في كتاب الموافقات، وأول من قعّد علم أصول معرفة البدع في كتاب الاعتصام.

لماذا اخترنا كتاب الاعتصام ليكون هو مادة دراستنا لهذا العام؟

من المتفق عليه عند علماء الاجتماع والسياسة والمؤرخون من الأمم المختلفة غير العرب ومن غير المسلمين على أن العرب لم يكن لهم قيمة ولا وزن، وما نهضوا هذه النهضة التي حيرت العالم في وقتهم من النهضة العلمية والعمرانية والجهادية والأخلاقية وغيرها إلا بتأثير الدين فيهم وهو الإسلام، وما كان يمكن أن يجمع ذلك التفرق والتشتت والقتال بينهم لأتفه الأسباب إلا بالدين، وما أصلح شؤونهم الداخلية والخارجية إلا الإسلام.

وأيضاً من المتفق عليه عند المسلمين وغيرهم وأمر مشاهد للعيان أنه حصل ضعف شديد للمسلمين بعد قوة، وحصل لهم ذل بعد عز، وفقر بعد غنى، وخور وخوف بعد شدة وبأس، وصاروا يطلبون من غيرهم أن يدافع عنهم، في حين أن قوى الأرض كلها كانت في أيديهم، وذهب ملكهم وصاروا دولاً ضعيفة متفرقة، فما سبب ذلك؟

العلمانيون والحداثيون وأصحاب الأقلام المريضة ينسبون هذا الضعف والذل الآن إلى الدين، ويقولون: لنلحق بركب أوربا، إذا أردنا الحضارة فلننبذ ديننا كما نبذت أوربا دينها.

وهذا الكلام فاسد عقلاً وشرعاً ومنطقاً لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يكون السبب الواحد هو سبب إصلاح وفساد في وقت واحد، وكما قالوا العلة الواحدة لا يصدر عنها معلولات متناقضة، فكيف يكون الدين سبب لإصلاح من سلف، وهو سبب في إفساد من خلف؟

هذا لا يمكن، إذن فلنبحث عن سبب آخر غير السبب الذي أصلح الأول، فالسبب في سوء من خلف وما أحدثه من بدع ومحدثات في دينه وخلقه وسلوكه وعاداته هي التي فرقت الجماعة، ومزقت الكلمة، وزحزحت عن الصراط المستقيم، وكانت السبب في واقع الأمة اليوم.

من أجل ذلك كان تحرير مسائل البدع والابتداع من أهم ما ينفع المسلمين في أمر دينهم ودنياهم، ويكون أعظم عون للدعاة والمصلحين في هداية الخلق بإذن الله .

وقد كتب كثير من العلماء في البدع، وكان أكثر ما كتبوا في الترهيب والتنفير منها والرد على المبتدعين، وما رأينا أحداً هدُي إلى ما هدي إليه الشاطبي من البحث العلمي الأصولي في هذا الموضوع، وتقسيمه إلى أبواب يدخل في كل باب منها فصول كثيرة، وهذا هو جواب السؤال الثاني.

فقال الباب الأول: في تعريف البدع ومعناها.

الثاني: في ذم البدع وسوء منقلب أهلها.

الثالث: في أن ذم البدع عام وفيه الكلام على شبه المبتدعة، ومن جعل البدع حسنة وسيئة.

الرابع: في مأخذ أهل البدع في الاستدلال.

الخامس: في البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما.

السادس: في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة.

السابع: في الابتداع هل يخص العبادات أن تدخل فيه العادات.

الثامن: في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان.

التاسع: في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين.

العاشر: في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه المبتدعة.

قال محمد رشيد رضا -رحمه الله- في مقدمة تحقيقه لهذا الكتاب: "لولا أن هذا الكتاب ألف في عصر ضعف العلم والدين في المسلمين لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شئون الأخلاق والاجتماع، ولكان المصنف بهذا الكتاب وبصنوه كتاب الموافقات الذي لم يسبق إلى مثله سابق أيضاً من أعظم المجددين في الإسلام.

ولشيخ الإسلام كلام متين ونفيس في البدع، ووضع قواعد وأصول وأحكام لها، لكن كلام شيخ الإسلام لم يجمعه كتاب واحد، فكلامه متفرق في عشرات من كتبه، ولو قام أحد العلماء أو طلاب العلم بجمع كلام ابن تيمية من متفرق كلامه، لكان هذا عملاً جباراً يشكر عليه.

قصص الأنبياء == ذكر مُوسَى وهرون فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ 3

بالترهيب (1) تَارَةً وَالتَّرْغِيبِ أُخْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ " يخبر تَعَالَى أَنه ابتلى آل فِرْعَوْن و [هم] (2) قَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ، بِالسِّنِينَ وَهِيَ أَعْوَامُ الْجَدْبِ الَّتِي لَا يُسْتَغَلُّ فِيهَا زَرْعٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بضرع.
وَقَوله: " وَنقص من الثمرات " وَهِيَ قِلَّةُ الثِّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ " لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " أَي فَلم ينتفعوا وَلم يرتدعوا، بَلْ تَمَرَّدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
" فَإِذَا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة " وَالْخصب وَنَحْوه " قَالُوا لنا هَذِه " أَيْ هَذَا الَّذِي نَسْتَحِقُّهُ، وَهَذَا الَّذِي يَلِيقُ بِنَا " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَه " أَيْ يَقُولُونَ هَذَا بِشُؤْمِهِمْ أَصَابَنَا هَذَا، وَلَا يَقُولُونَ فِي الاول إِنَّه ببركتهم وَحسن مجاورتهم [لَهُم (3) ] وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ مُنْكِرَةٌ مُسْتَكْبِرَةٌ نَافِرَةٌ عَنِ الْحَقِّ، إِذَا جَاءَ الشَّرُّ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَلَا إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله " أَيِ [اللَّهُ (3) ] يَجْزِيهِمْ عَلَى هَذَا أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.
" وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ".
" وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَك بمؤمنين " أَيْ مَهْمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ - وَهِيَ الخوارق للعادات - فلسنا نؤمن بك
__________
(1) ا: فبالترهيب (2) من ا.
(3) لَيست فِي ا.
(*)

وَلَا نَتَّبِعُكَ وَلَا نُطِيعُكَ، وَلَوْ جِئْتَنَا بِكُلِّ آيَةٍ.
وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَاب الاليم ".
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قوما مجرمين " أَمَّا الطُّوفَانُ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَثْرَةُ الامطار المغرقة الْمُتْلِفَةِ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ [وَالضَّحَّاكُ (1) ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ: هُوَ كَثْرَةُ الْمَوْتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّوفَانُ الْمَاءُ وَالطَّاعُونُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمْرٌ طَافَ بِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أَنَّهُ قَالَ (1) ] : " الطُّوفَانُ الْمَوْتُ " وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا الْجَرَادُ فَمَعْرُوفٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: " أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ".
وَتَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّقَذُّرِ لَهُ، كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ، وَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزْونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الاحاديث والْآثَار فِي التَّفْسِير.
__________
(1) لَيست فِي ا.
(*)

وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ اسْتَاقَ خَضْرَاءَهُمْ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ زرعا وَلَا ثِمَارًا وَلَا سَبَدًا وَلَا لَبَدًا (1) .
وَأَمَّا الْقُمَّلُ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ (2) الْحِنْطَةِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ الْجَرَادُ الصِّغَارُ الَّذِي لَا أَجْنِحَةَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ: هُوَ دَوَابُّ سُودٌ صِغَارٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقمل (3) [هِيَ (4) ] الْبَرَاغِيثُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: أَنَّهَا الْحَمْنَانُ وَهُوَ صِغَارُ الْقِرْدَانِ فَوْقَ القمامة (5) فَدخل مَعَهم الْبيُوت والفرش، قلم يَقِرَّ لَهُمْ قَرَارٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مَعَهُ الْغَمْضُ وَلَا الْعَيْشُ.
وَفَسَّرَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ بِهَذَا الْقُمَّلِ الْمَعْرُوفِ.
وَقَرَأَهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ.
وَأَمَّا الضَّفَادِعُ فَمَعْرُوفَةٌ، لَبَّسَتْهُمْ حَتَّى كَانَتْ تَسْقُطُ فِي أطعمتهم وأوانيهم.
حَتَّى إِن أحدهم إِذا فتح فَاه (6) لطعام أَو شراب سَقَطت فِيهِ ضِفْدِعَةٌ مِنْ تِلْكَ الضَّفَادِعِ.
وَأَمَّا الدَّمُ فَكَانَ قَدْ مُزِجَ مَاؤُهُمْ كُلُّهُ [بِهِ (7) ] فَلَا يَسْتَقُونَ مِنَ النِّيلِ شَيْئًا إِلَّا وَجَدُوهُ دَمًا عَبِيطًا (8) ، وَلَا مِنْ نَهْرٍ وَلَا بِئْرٍ وَلَا شئ إِلَّا كَانَ دَمًا فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ.
هَذَا كُلُّهُ وَلَمْ يَنَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَلِكَ شئ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ عَنْ (9)
__________
(1) السبد: الْقَلِيل.
واللبد: الْكثير.
(2) ا: فِي.
(3) لَيست فِي ا.
(4) من ا.
(5) ط: القمقامة، وَهِي صغَار القردان.
(6) ط: فَمه.
(7) لَيست فِي ا (8) الدَّم العبيط: الطرى.
(9) ط: من فعل مُوسَى.
(*)

فِعْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنَالُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ.
* * * قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَق: فَرَجَعَ عَدُوُّ اللَّهِ فِرْعَوْنُ حِينَ آمَنَتِ السَّحَرَةُ مَغْلُوبًا مغلولا، ثُمَّ أَبَى إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّمَادِيَ فِي الشَّرِّ، فَتَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ، فَأَخَذَهُ بِالسِّنِينَ: فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الطُّوفَانَ [ثُمَّ الْجَرَادَ، ثُمَّ الْقُمَّلَ، ثُمَّ الضَّفَادِعَ، ثُمَّ الدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، فَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ (1) ]- وَهُوَ الْمَاءُ - فَفَاضَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ رَكَدَ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَحْرُثُوا وَلَا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، حَتَّى جُهِدُوا جوعا.
فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك " قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل ".
فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَكَشْفَهُ عَنْهُمْ.
فَلَمَّا لَمَّ يفوا لَهُ بشئ [مِمَّا قَالُوا (1) ] أرسل اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ، فَأَكَلَ الشَّجَرَ فِيمَا بَلَغَنِي، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَأْكُلُ مَسَامِيرَ الْأَبْوَابِ مِنَ الْحَدِيدِ حَتَّى تَقَعَ دُورُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يفوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ، فَذَكَرَ لِي أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أُمِرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى كَثِيبٍ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ فَمَشَى إِلَى كَثِيبٍ أَهْيَلَ عَظِيمٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا، فَانْثَالَ عَلَيْهِمْ قُمَّلًا، حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْبُيُوتِ وَالْأَطْعِمَةِ، ومنعهم النّوم والقرار
__________
(1) سقط من ا (*)

فَلَمَّا جَهَدَهُمْ قَالُوا [لَهُ (1) ] مِثْلَ مَا قَالُوا لَهُ، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَلَمْ (2) يَفُوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ، فَمَلَأَتِ
الْبيُوت والاطعمة والآنية، فَلَا يَكْشِفْ أَحَدٌ ثَوْبًا وَلَا طَعَامًا، إِلَّا وَجَدَ فِيهِ الضَّفَادِعَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا جَهَدَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا ربه فكشف عَنْهُم، فَلم يفوا بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصَارَتْ مِيَاهُ آلِ فِرْعَوْنَ دَمًا، لَا يَسْتَقُونَ مِنْ بِئْرٍ وَلَا نَهْرٍ، وَلَا يَغْتَرِفُونَ مِنْ إِنَاءٍ، إِلَّا عَادَ دَمًا عَبِيطًا.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْمُرَادُ بِالدَّمِ الرُّعَافُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ، فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ".
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ، وَالِاسْتِكْبَارِ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، وتصديق رَسُوله، مَعَ مَا أيده بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَلِيغَةِ الْقَاهِرَةِ، الَّتِي أَرَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا عِيَانًا، وَجَعَلَهَا عَلَيْهِمْ دَلِيلًا وَبُرْهَانًا.
وَكُلَّمَا شَاهَدُوا آيَةً وَعَايَنُوهَا، وَجَهْدهمْ وأضنكهم، حلفوا وعاهدوا
__________
(1) سَقَطت من ا.
(2) ط: فَلَمَّا لم يفوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا أرسل الله عَلَيْهِم.
(*)

مُوسَى لَئِنْ كَشَفَ (1) عَنْهُمْ هَذِهِ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَيُرْسِلُنَّ مَعَهُ مَنْ هُوَ مِنْ حِزْبِهِ، فَكُلَّمَا رُفِعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْآيَةُ عَادُوا إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ،
وَأَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرَى هِيَ أَشَدُّ مِمَّا كَانَتْ قبلهَا وَأقوى، فَيَقُولُونَ ويكذبون (2) ، وَيَعِدُونَ وَلَا يَفُونَ: " لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمنن لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل " فَيُكْشَفُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْوَبِيلُ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى جَهْلِهِمُ الْعَرِيضِ الطَّوِيلِ.
هَذَا، وَالْعَظِيمُ الْحَلِيمُ الْقَدِيرُ، يُنْظِرُهُمْ وَلَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَخِّرُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ بِالْوَعِيدِ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَخَذَهُمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِعْذَارِ (3) إِلَيْهِمْ، أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا وَسَلَفًا لِمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلًا لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، فِي سُورَةِ حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا، وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ، قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي؟ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا ألْقى عَلَيْهِ
__________
(1) ا: كشفت.
(2) ط: فيكذبون.
(3) ط: والانذار.
(*)

أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ".
يَذْكُرُ تَعَالَى إِرْسَالَهُ عَبْدَهُ الْكَلِيمَ [الْكَرِيمَ (1) ] إِلَى فِرْعَوْنَ الْخَسِيسِ اللَّئِيمِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَيَّدَ رَسُولَهُ بآيَات بَيِّنَات واضحات، تسْتَحقّ أَن تقَابل بالتعظيم والتصديق، وَأَن يرتدعوا عماهم فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَرْجِعُوا إِلَى الْحَقِّ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَإِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ وَبِهَا يَسْتَهْزِئُونَ، وَعَن سَبِيل الله يصدون وَعَن الْحق يَنْصَرِفُونَ (2) .
فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ تَتْرَى يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وكل آيَة أكبر من الَّتِي تتلوها، لَان التوكيد أَبْلَغُ مِمَّا قَبْلَهُ.
" وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إننا لَمُهْتَدُونَ " لم يكن لفظ السَّاحر فِي زمنهم نَقْصًا وَلَا عَيْبًا، لِأَنَّ عُلَمَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُمُ السَّحَرَةُ، وَلِهَذَا خَاطَبُوهُ بِهِ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَضَرَاعَتِهِمْ لَدَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ ينكثون ".
[ثمَّ (1) ] خبر تَعَالَى عَنْ تَبَجُّحِ فِرْعَوْنَ بِمُلْكِهِ، وَعَظْمَةِ بَلَدِهِ وحسنها، وتخرق الانهار فِيهَا، وَهِي الخلجانات الَّتِي يكسرونها أَيَّام (3) زِيَادَةِ النِّيلِ ثُمَّ تَبَجَّحَ بِنَفْسِهِ وَحِلْيَتِهِ، وَأَخَذَ يَتَنَقَّصُ رَسُولَ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَزْدَرِيهِ بِكَوْنِهِ " لَا يكَاد يبين " يَعْنِي كَلَامَهُ، بِسَبَبِ مَا كَانَ فِي لِسَانِهِ مِنْ [بَقِيَّةِ تِلْكَ (1) ] اللُّثْغَةِ، الَّتِي هِيَ شَرَفٌ لَهُ وَكَمَالٌ وَجَمَالٌ، وَلَمْ تَكُنْ مَانِعَةً لَهُ أَنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْحَى إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَ بعد ذَلِك التَّوْرَاة عَلَيْهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: يصدون.
(3) ط: أَمَام.
(*)

وَتَنَقَّصَهُ فِرْعَوْنُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِكَوْنِهِ لَا أَسَاوِرَ فِي يَدَيْهِ، وَلَا زِينَةَ عَلَيْهِ! وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ، لَا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ، فَكَيْفَ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ هُمْ أَكْمَلُ (1) عَقْلًا، وَأَتَمُّ مَعْرِفَةٌ، وَأَعْلَى هِمَّةً وَأَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْلَمُ
بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْأُخْرَى؟ وَقَوْلُهُ: " أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين " لَا يحْتَاج الامر إِلَى ذَلِك، فَإِن كَانَ الْمُرَادُ (2) أَنْ تُعَظِّمَهُ الْمَلَائِكَةُ فَالْمَلَائِكَةُ يُعَظِّمُونَ وَيَتَوَاضَعُونَ لِمَنْ هُوَ دُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَثِيرٍ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ " فيكف يَكُونُ تَوَاضُعُهُمْ وَتَعْظِيمُهُمْ لِمُوسَى الْكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالتَّكْرِيمُ! وَإِنْ كَانَ (3) الْمُرَادُ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِالرِّسَالَةِ فَقَدْ أُيِّدَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ بِمَا يَدُلُّ قَطْعًا لِذَوِي الْأَلْبَابِ، وَلِمَنْ قَصَدَ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَيَعْمَى عَمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ والحجج والواضحات مَنْ نَظَرَ إِلَى الْقُشُورِ، وَتَرَكَ لُبَّ اللُّبَابِ، وَطَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ رَبُّ الْأَرْبَابِ، وَخَتَمِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ، كَمَا هُوَ حَالُ فِرْعَوْنَ الْقِبْطِيِّ الْعَمِيِّ الْكَذَّابِ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فاستخف قومه فأطاعوه " أَيْ اسْتَخَفَّ عُقُولَهُمْ وَدَرَّجَهُمْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِلَى أَنْ صَدَّقُوهُ فِي دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةِ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ " إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسفونا " أَي أغضبونا " انتقمنا مِنْهُم " أَيْ بِالْغَرَقِ وَالْإِهَانَةِ وَسَلْبِ الْعِزِّ، وَالتَّبَدُّلِ بِالذُّلِّ وبالعذاب بعد النِّعْمَة،
__________
(1) ا: أتم.
(2) ا: إِن كَانَ إِنَّمَا المُرَاد.
(3) وَإِن كَانَ إِنَّمَا.
(*)

وَالْهَوَانِ بَعْدَ الرَّفَاهِيَةِ، وَالنَّارِ بَعْدَ طِيبِ الْعَيْشِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ [مِنْ ذَلِكَ (1) ] .
" فجعلناهم سلفا " أَيْ لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ فِي الصِّفَاتِ " وَمَثَلًا " أَيْ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ وَخَافَ مِنْ وَبِيلِ مَصْرَعِهِمْ، مِمَّنْ بَلَغَهُ جَلِيَّةُ خَبَرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ،
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى، وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي فَأوقد لي ياهامان عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وظنو أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين " (2) .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَادَّعَى مِلْكُهُمُ الْبَاطِلَ وَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ وَأَطَاعُوهُ فِيهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ الْقَدِيرِ الْعَزِيزِ، الَّذِي لَا يُغَالَبُ وَلَا يُمَانَعُ عَلَيْهِمْ، فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ، وَأَغْرَقَهُ هُوَ وَجُنُودَهُ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم ديار، بل كل قَدْ غَرِقَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ لَعْنَةً بَيْنَ الْعَالَمِينَ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ

زياد علي

زياد علي محمد