الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

صاحب كتاب جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الاعلام بفاس


هو أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد المكناسي الشهير بابن القاضي؛ نسب ابن القاضي نفسه إلى موسى ابن أبي العافية الزناتي، لكننا نجده في الوقت نفسه يستنكر ما فعله هذا الرجل بالأدارسة، وقد ارتبط لقب ابن القاضي بأسرة أحمد؛ لأن القضاء قد تسلسل  في عائلتهم، وقد شغل أحمد ابن القاضي نفسه منصب قاضي سلا في عهد أحمد المنصور الذهبي.. ولد أحمد ابن القاضي في جمادى الأولى سنة 960هـ/ 1553م في مدينة فاس، وقد بدا ولعه بالعلم في سن مبكرة بحيث أدمن على حلقات العلم بالقرويين والمدارس التابعة لها؛ ثم رحل صاحبنا أحمد إلى المشرق وحج للمرة الأولى سنة 987 هـ، وأقام في مكة والمدينة زمنا، ودخل مصر وتعرف على مسالكها وآثارها قبل أن يعود إلى المغرب ويصبح مقربا من أحمد المنصور السعدي في بلاطه بمحروسة مراكش..
      أما فيما يتعلق بمرحلة التحصيل العلمي

فقد تتلمذ أحمد ابن القاضي على يد ثلة من علماء المغرب في كل من فاس ومراكش، وقد تلقى تعليمه الأول على يد والده  رحمه الله؛ يقول أحمد بشأن أبيه: ".. كان فقيها نوازليا فرضيا حيسوبيا أخذ الحساب والفرائض عن عبد الحق المصمودي السكتاني؛ أخذت عنه الفرائض والحساب وشيئا من منية الحساب لابن غازي " (جذوة الاقتباس، ج 1، ص: 249-250)، ومن أهم شيوخ أحمد ابن القاضي نذكر العلامة الخطير  ابوالعباس أحمد المنجورصاحب الفهرس المشهور؛ قال عنه ابن القاضي في ("المنتقى المقصور"، ج 2، ص: 768): "ومن أهل العصر أيضا بالمغرب الأقصى شيخنا أبو العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمان المنجور المكناسي، كان رحمه الله آية في الحفظ والإتقان للعلوم والإنصاف، له تآليف حسان لا يأتي الزمان بمثلها.. ولقد أجازني فيها كلها، وفي كل ما له من نظم ونثر بشرطه المعتبر عند أهله، وبه انتفعت في العقائد والمنطق والبيان، وعلم اصطلاح الحديث..".
      من أساتذة ابن القاضي نذكر أيضا محمد بن قاسم القصار وأبو محمد بن الواحد بن أحمد الحسني، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الحضري الزروالي، وأبو عبد الله محمد بن محمد المشاط، المعروف بالهزاز، ومحمد بن علي الدادسي، وأبو يوسف يعقوب بن يحيى اليدري وأبو زكريا يحي بن محمد السراج وأبو مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي قاضي الجماعة بفاس، وأبو العباس أحمد بن علي الزموري وأبو العباس أحمد بن قاسم القدومي  وأبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الواحد اللمطي المكناسي، ومبارك بن علي بن إبراهيم الجزولي، وإبراهيم بن الأكحل السويدي: قال عنه ابن القاضي في ("جذوة الاقتباس"، ج 2، ص: 794): "أما مكناسة الزيتون، فأخذت بها الحساب والفلك على أبي سالم إبراهيم بن الأكحل السويدي داهية الأسنان وفيلسوف الزمان، له عقل لفهم المسائل ثاقب، وعلى الحق والصواب ناقب له قدم راسخ في التعديل والهيئة.."، وأبو عبد الله محمد يوسف الترغي، وقد أجازه الترغي جملة ما اشتملت عليه فهرسة محمد بن عبد الملك المِنتَورى؛ بالإضافة إلى كل هؤلاء الشيوخ المغاربة، التقى ابن القاضي بمجموعة من العلماء خارج المغرب وأخذ  عنهم نذكر منهم في مصر: إبراهيم بن عبد الرحمان بن علي بن أبي بكر العلقمي وسالم بن عبد الله السهوري ومحمد بن محمد بن أبي الخير الشريف الميقاتي: قال عنه أحمد ابن القاضي: "وممن لقيته بها وأخذت عنه الشيخ الشريف أبو عبد الله محمد بن أبي الخير الشريف الميقاتي، المعروف بالطحان، أخذت عنه كتاب المجسطي في الهندسة والجغميني في الهيئة". (المنتقى المقصور، ج2، ص: 797)، ونور الدين القرافي، كما أخذ ابن القاضي عن علماء من الحجاز وتركيا؛ وأخذ ابن القاضي بطرابلس الغرب عام 988هـ على محمد بن إبراهيم الأنصاري الأندلسي الثغري، ويوسف الأربضي، كما أخذ بتونس عن أبي القاسم بن عبد الجليل عظوم القروي، وأبو العباس أحمد بن عبد الكريم، والحاج سالم بن علي النقاتي، وغيرهم كما زار مدينة سفاقس والتقى فيها عددا من العلماء، كما زار قبر أبي الحسن اللخمي (المنتقى المقصور، ج 2، ص: 751- 752) 
      قضى أحمد ابن القاضي مدة في مراكش مدرسا ومشاركا في "المجمع العلمي السلطاني"، لكن فكرة العودة إلى المشرق عاودته من جديد للحج وللاستزادة من العلم، لكن صاحبنا أحمد سيقع في الأسر خلال هذه الرحلة؛ أسره القراصنة الإسبان (أنظر محمد حجي الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 1409هـ/1988م، ص: 92 وما بعدها)، وقد عانى ابن القاضي ظروفا قاسية خلال هذا الأسر؛ يقول ابن القاضي: "إذ كنت مع العدو الكافر في بلاء عظيم من الجوع والبرد، والتكليف بما لا يطاق والضرب وغير ذلك مما لا يمكن وصفه من عذابهم أذلهم الله تعالى" ("المنتقى المقصور"، ج 1، ص: 251).
      كاتب أحمد ابن القاضي أحمد المنصور الذهبي مطالبا إياه بأن يفتديه من الأسر، وقد استعطفه بأبيات شعرية أثبتها في "المنتقى المقصور"، ( ج 1 ، ص: 347)، منها قوله:
           بحق الذي أولاك ملكـــــا فنجنــي          من المِلــك يا قصد الأميــر المكبل
           وكن يا إمـام العدل في عون خائـر          أسيــر كسيــــر ذي جنــــاح مذلل
           لقـــد فرقت أيـــدي الزمـان وريـده          دارت عليه الدائــــــــــرات كجلجل
           وأخنى عليه الدهـر من كل وجهـة          وداست عليــــه النائبـــات بأرجـل
           فعافـــاك رب العرش يا ملك العـلا          ودمت إمــــامـــا في عــلاء مزمـل
      وبالفعل فقد هيأ أحمد المنصور الذهبي كل الظروف المادية والمعنوية من أجل افتداء صاحبنا ابن القاضي، وهو ما تحقق بالفعل، وقد أسر ابن القاضي في يوم الخميس 14 من شعبان سنة 994هـ وبقي أسيرا إلى غاية 17 من رجب سنة 995 هـ، لكن عملية افتدائه من طرف أحمد المنصور الذهبي كانت حافزا قويا لابن القاضي جعله يجتهد في التحصيل والتأليف، وهذا لا شكك اعتراف بالجميل للمنصور وللأمة المغربية كذلك ما دامت مؤلفات ابن القاضي انضافت إلى الخزانة الوطنية وساهمت في ازدهار العلم والثقافة بفضل من الله، وقد عبر ابن القاضي عن هذا التحول الفكري بعمق  في مقدمة  كتابه "جذوة الاقتباس"..
      نقرأ في كتاب المرحوم أحمد حجي حول ("الزاوية الدلائية ، ص: 94) أن  أحمد ابن القاضي كان مدرسا أيضا بالزاوية الدلائية، وأخذ عنه الكثير من نبهاء الأمة كمحمد بن أبي بكر الدلائي، والإمام أحمد المقري صاحب "نفح الطيب" وغيرهم من أكابر العلماء، وقد اشتغل في أواخر حياته بالتدريس في جامع الأبارين بفاس..

مؤلفاته
      ألف ابن القاضي  في مجال التاريخ والتراجم: "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور"، و "درة الحجال في أسماء الرجال"، و "جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس"، و "درة السلوك، فيمن حوى الملك من الملوك"، وقد جعل ابن القاضي هذا المؤلف كذيل لكتاب "رقم الحلل، في نظم الدول  للسان  الدين بن الخطيب ( "درة الحجال"، ج 1، ص: 22-23..)، وله أيضا "لقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد": جعله ابن القاضي ذيلا لوفيات ابن قنفذ، وله فهرسة أجاز بها الأمير زيدان بن أحمد المنصور الذهبي، وألف ابن القاضي في الفقه كتاب  "نيل الأمل فيما به بين المالكية جرى العمل"، "، و "الرائض لطالبي فهم الناهض، بأعباء علم الفرائض": ألفه ابن القاضي كشرح لأرجوزة أبي جعفر أحمد بن علي بن أحمد البلوي الشهير بابن داود التلمساني..
      وفي مجال المنطق والحساب والهندسة، ألف ابن القاضي كتاب "فتح الخبير، بحسن التدبير، لفك رموز الإكسير في صناعة التكسير"، و "الفتح النبيل، بما تضمنه من العدد ومعنى الحساب والتنزيل"..
      يبدو من خلال ما ذكرناه من مؤلفات، بشكل لا يقبل الجدل، موسوعية هذا الرجل الفاضل، وجمعه بين علوم المقال وعلوم الحال، وتفننه في علم التاريخ، مع نفس اجتماعي ظاهر، ووجب التنبيه إلى تقدم ابن القاضي في علم الحساب، يشهد على ذلك شرحه لابن البنا العددي، وتعمقه في مؤلفات ابن غازي في علم الحساب..
      ويبقى كتاب "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور" من أهم مؤلفات أحمد ابن القاضي في مجال التأريخ، (طبع في جزأين بمكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرباط، 1986، تحقيق محمد رزوق)، وقد ألفه على شرف السلطان أحمد المنصور، وذلك للتعبير له عن امتنانه وشكره لافتكاكه إياه من الأسر، وللكتاب قيمة تاريخية واجتماعية وأدبية، وهو يعكس بعض جوانب الحياة الثقافية بالمغرب خلال العصر السعدي، وله كذلك قيمة العلمية بحيث يرصد بعض جوانب الحياة العلمية عبر حديث ابن القاضي عن علماء و فقهاء ومتصوفة معاصرين.. 
      وكتاب "درة الحجال في أسماء الرجال" إضافة علمية نوعية أخرى خلفها ابن القاضي، باعتباره مادة علمية غزيرة تتمثل في تراجم شخصيات علمية عاشت  في الفترة الممتدة بين أواخر القرن 7هـ إلى أواخر القرن 10هـ وأوائل القرن 11هـ، يقول ابن القاضي  في مقدمة درة الحجال: "وبعد فقد قصدت لهذا التأليف خدمة الإمامة الهاشمية والخزانة العلمية المنصورية.. ليكون شكرا لما أسدى من نعمته وإقرارا بعشر عشر أياديه، إذ من لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ لأنه أخرجني من أسري، وخفف عني إصري، عامله الله تعالى بالحسنى وأنزله بالمقام الأسنى.." (ج 1، ص: 4)، وقد بدأ ابن القاضي ترجمته بأحمد ابن خلكان باعتبار كتابه ذيلا ل"وفيات الأعيان"، وتتميز تراجم "درة الحجال" بشموليتها إذ لم يكتف ابن القاضي  بالترجمة للفقهاء والأدباء، بل ترجم لكل الأعيان في مختلف الفنون..
       وتتجلى أهمية "درة الحجال" في قيمتها التاريخية أولا، ثم في القيمة الاجتماعية بحيث تبرز من خلال التراجم أصداء العصر وملامح الثقافة والاجتماع، والحركة العلمية وازدهارها وعلائق العلماء فيما بينهم وسلاسل انتقال العلم وعلاقة كل ذلك بالعمران، دون إغفال القيمة الأدبية للكتاب لما احتواه من نصوص نثرية وشعرية ذات فائدة لا يستهان بها.. وقد نشر "درة الحجال"  بتحقيق الدكتور الفاضل محـمد الأحمدي أبـو النور، وطبـع في 3 أجزاء بمكتبة دار التراث بالقاهرة سنة 1390 هـ/1970 م، وقد طبع طبعة جديدة سنة 2002، نشر دار الكتب العلمية (تحقيق مصطفى عبد القادر عطا)، 520 ص في مجلد واحد..
      نختم هذه المقالة بالحديث عن كتاب "جذوة للاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس"، فعلى منوال كتاب "المنتقى المقصور" وكتاب "درة الحجال"، ألف ابن القاضي "جذوة الاقتباس" تحت تأثير نجاته من الأسر، وعرفانا بجميل أحمد المنصور الذهبي حيث يقول في مقدمته: "كنت جمعت لإيالته الكريمة تآليف تنوب عن شكري لأياديه ونعمته ولتكون كإقرار بمنته.." (جذوة الاقتباس ج 1، ص: 10). ويتميز هذا المؤلف عن مؤلفات ابن القاضي الأخرى بنفس جغرافي ظاهر لاشك أن حس الترحال كان حاضرا فيه بقوة، فنرى صاحبنا يتحدث عن جغرافية المغرب وساكنته والأصول العرقية للمغاربة، وعن فتح المغرب، وتوسع ابن القاضي في الحديث عن إدريس الثاني وبناء مدينة فاس، ووصف أبوابها، وأسوارها، ومآثرها، والحركة التجارية بها، والحرف والصنائع وأحوال العمران، والعلاقات الاجتماعية،
      ووقف ابن القاضي عند بناء جامع القرويين المبارك ليتتبع بعد ذلك تطور مدينة فاس مع تعاقب الدول على حكمها، مؤكدا على علاقة السياسة بالعمران.. ثم انتقل ابن القاضي للحديث عن الحركة العلمية والفكرية بحاضرة فاس عبر التراجم والمناقب وحِلق الدرس؛ يقول ابن القاضي: "ثم بعد ذلك اذكر على حروف المعجم: ملوكها، علماءها، وأعلامها وما لهم من نظم وتأليف، ومن أخذوا عنه، أو أخذ عنهم، سواء كان من الغرباء القادمين عليها أو من أهلها إلا أني إن شاء الله تعالى أفرد في كل حرف ترجمة للغرباء الوافدين عليها (جذوة الاقتباس، ج 1، ص: 10)؛ ويمكن اعتبار كتاب "جذوة الاقتباس" مصدرا هاما لتاريخ مدينة فاس خاصة، والمغرب بشكل عام، وقد وصفه  أحمد المقري تلميذ ابن القاضي قائلا: "وهو كتاب جامع طالعته فرأيت فيه عجائب تدل على غزارة حفظ مؤلفه (روضة الآس، ص: 299)، وقد نشر كتاب "جذوة الاقتباس" بدار المنصور للطباعة والوراقة (1973 م) في جزأين..
      وبعد، فها  نحن نرى كثافة المعلومات التي يمكن استخلاصها من كتب ابن القاضي، الذي يستحق أن يعتبر بحق أستاذا مشاركا، زاد من قوة علمه ولعُه بالرحلة وتجوله في الآفاق، وأكاد أقول أن ابن القاضي لم يكن مؤرخا عاديا، فبراعته في المنطق والحساب والهندسة جعلت كتاباته التاريخية تتميز بروح علمية ونفس اجتماعي ومنهج تاريخي، ولاشك أن دراسات معمقة لكتبه ستثري معرفتنا بالمغرب السعدي من النواحي الثقافية والاجتماعية..
      توفي أحمد بن القاضي سنة 1025هـ/ 1616م بمسقط رأسه فاس، رحمه الله وجازاه عن المغرب خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه.. 

خير الدِّين الزِّرِكلي المؤرَّخ الأديب الشَّاعر.. صاحب كتاب الأعلام لمحاتٌ من حياته






 خير الدِّين الزِّرِكلي
المؤرَّخ الأديب الشَّاعر.. صاحب كتاب الأعلام

لمحاتٌ من حياته

إعداد: أحمد بن محمود الداهن



أصله ونسبه:

هو خير الدِّين بن محمود بن محمد علي بن فارس الزِّرِكلي الدِّمشقي، ثم السعودي الجنسية، المصري الوفاة.

أمُّه عربيَّةٌ، وأبوه كرديٌّ، ولكن من أصلٍ عربي، يُرجعه هو إلى قبيلة الأزارقة من الخوارج التي نزحت إلى كردستان، واندمجت مع أهلها.


مولده ونشأته:

ولد في بيروت لأبوين دمشقيين ليلة التَّاسع من ذي الحجَّة سنة 1309هـ، وكان لوالده تجارةٌ فيها، ثم انتقلا عائدين به إلى دمشق وكان عمره سبع سنين، وما لبث أن توفي والده سنة 1320هـ، ورُبِّي بما أبقاه له والده من ثروة، وكان يتنقل بين دمشق وبيروت، إلى أن نشبت الحرب العالمية الأولى فاستقرَّ في دمشق، وافتتح متجراً، وعكف على طلب العلم ليلاً، فقرأ على بعض مشايخ دمشق، ودرس بها في المدرسة العثمانية، ثم في الكلِّية العبَّاسية، والكلَّية العلمانية في بيروت.


شيوخه:

أخذ الزِّركلي العلم عن أئمَّةٍ أعلامٍ من شيوخ الشَّام وهم:

- جمال الدِّين القاسمي: إمام الشَّام في عصره علْماً بالدِّين، وتضلُّعاً في فنون الأدب، كان سلفيَّ العقيدة، لا يقول بالتَّقليد، له نيِّف وثمانون من المؤلَّفات، منها (محاسن التَّأويل) في تفسير القرآن الكريم في سبعة عشر مجلداً.


- طاهر بن صالح الجزائري: بحَّاثةٌ من أكابر علماء اللُّغة والأدب في عصره، استوعب جملة معارف عصره القديمة منها والحديثة، كان كلفاً بالمخطوطات والبحث عنها، وصاحب فكرة إنشاء المكتبة الظَّاهرية في دمشق، وأوَّل مديرٍ لها، كما كان من أعضاء المجمع العلمي العربي، له نحو عشرين مصنَّفاً مطبوعاً في مختلف الفنون.


- عبد القادر بدران: فقيهٌ أصوليٌ حنبليٌّ، عارفٌ بالأدب والتَّاريخ، له شعر، كان سلفيَّ العقيدة، فيه نزعةٌ فلسفية، حسن المحاضرة، له عدة تصانيف في الفقه، وديوان شعر.


- محمد بن عبدالرزاق كرد علي: رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق ومؤسِّسه، وصاحب مجلة (المقتبس) والمؤلَّفات الكثيرة، وأحد كبار الكتَّاب، من مؤلَّفاته (خطط الشَّام) في ستة مجلدات.


- محمد كامل القصَّاب: عالمٌ من زعماء الحركة الاستقلالية في سورية، سيرته فصلٌ كاملٌ من تاريخ الشَّام الحديث، أنشأ المدرسة الكاملية في دمشق، وعمل في الأعمال الوطنية، ولِيَ إدارة المعارف في الحجاز، ثم استعفى، واستقرَّ في حيفا، وأنشأ فيها مدرسة، وألَّف مع الشَّهيد عزِّ الدِّين القسَّام كتاب (النقد والبيان)، عاد إلى دمشق وتوفي فيها.


- أبو الخير الميداني: عالمٌ عاملٌ، وَلِي تدريس العلوم الإسلامية في معاهد دمشق سنواتٍ طويلة، وكان له تأثيرٌ كبير في الناس، توفي في دمشق.


أعماله ووظائفه:

بعد حصوله على حظٍّ من العلم، عُيِّن الزِّركلي مدرِّساً في المدرسة الكاملية بدمشق (والتي سُمِّيت بالمدرسة الهاشمية فيما بعد)، ودُعي إلى الجندية سنة 1916م، فدخلها ستة أشهر ثم توارى، ولجأ بعد أن هدَّد جمال باشا المتوارين بالقتل، إلى إرضائه بمدحه بأربع قصائد، فأعفاه من الجندية، وانتدبه لتأليف كتاب في تراجم الشُّعراء الذين مدحوه، فعكف على الاشتغال بما سبق له البدء به من جمع التَّراجم لكتاب (الأعلام) ومَطَل جمال باشا في الكتاب الذي أراده متظاهراً بالعمل لإنجازه.


وفي دمشق أصدر صحيفة (الأصمعي) الأسبوعية سنة 1912م، واستمرت حتى صادرتها الحكومةُ العثمانية.


ثم أنشأ مع إبراهيم حلمي العمر بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1918 صحيفة (لسان العرب)، فصدرت ثلاثة أشهر، ثم تنازل عنها لشريكه.


ثم أصدر صحيفة (المفيد) مع يوسف حيدر، واستمرَّت حتى دخول الفرنسيين دمشق سنة 1920م، فجاهرهم بالعداء ودعا إلى مقاومتهم، فحُكم عليه بالإعدام غيابياً.


بعد وقعة ميسلون في 24/7/1920م غادر الزِّركلي الشَّام قاصداً القاهرة، ووصلها في 10/8/1920م.


غادر الزِّركلي القاهرة بعد أن أقام فيها أشهراً إلى الحجاز بدعوةٍ من ملكها حينئذ الشَّريف الحسين بن علي، ووصلها في 20/9/1920م، وأقام في ضيافة الشَّريف حسين، آملاً منه إنقاذَ بلاد الشَّام من استعمار الفرنسيين والإنكليز، وبقي فيها إلى أوائل سنة 1921م.


وقد زار في رحلته تلك الطَّائفَ، وأقام فيها نيفاً وعشرين يوماً، وفيها وضع كتابه (ما رأيت وما سمعت) في وصف رحلته إلى الحجاز جملة.


بعد عودته من الحجاز أقام في عمَّان، وبقي فيها حتى سنة 1923م، عمل خلالَها في حكومة شرقي الأردن مفتِّشاً، ثم رئيساً لديوان رئاسة الحكومة.


وقد كانت شرقيُّ الأردن في ذلك الوقت مركزاً لتجمُّع الوطنيين والأحرار من مختلف بلاد الشَّام أمثال: محمد الشريقي، ونبيه العظمة، وفؤاد الخطيب، ورشيد طليع، وعادل أرسلان، وجودة الركابي، وكان الزِّركلي من أكثرهم حماساً ووطنية، وعلَّق الآمال على الأمير عبد الله بن الحسين في تحقيق آمال الأمَّة، ولكن الأمير لايَنَ الإنكليز ولم يستجب للثوَّار، مما جعل قلب الزِّركلي يتغيَّر عليه، وحداه ذلك وغيره إلى النَّيل منه، ويبدو ذلك جلياً في (الأعلام) وفي (عامان في عمَّان) الكتاب الذي ألَّفه في مرحلة إقامته بعمَّان.


التجأ الزِّركلي إلى القاهرة بعد خروجه من عمَّان، وانصرف إلى العمل الثَّقافي، فأنشأ (المطبعة العربية) وطبع فيها كتبه، ونشر كثيراً من كتب التُّراث.


ولما ساءت صحَّتُه من العمل في المطبعة باعها سنة 1927م ،واستجمَّ ثلاث سنوات زار خلالها الحجاز مدعوًّا من الملك عبد العزيز بعد أن أمسك مقاليد الحكم فيها.


وفي عام 1930م ذهب إلى القدس وأصدر مع زميلين له جريدة (الحياة) اليومية، ولما عطَّلت سلطات الاحتلال الصَّحيفة شارك في تحرير جريدة (الدِّفاع) في يافا مع إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي، وسامي السَّراج.


في عام 1934م عيَّنه الملك عبد العزيز مستشاراً في الوكالة العربية السعودية بالقاهرة التي أصبحت مفوضية.


وكان الزِّركلي ويوسف ياسين المندوبَين السعوديين فيما سبق إنشاء جامعة الدُّول العربية من مداولات، ثم في التَّوقيع على ميثاقها، ثم نُدب عام 1946م لإدارة وزارة الخارجية في جُدَّة والعمل في جامعة الدُّول العربية معاً.


وفي سنة 1951م عُيِّن وزيراً مفوَّضاً ومندوباً دائماً للسعودية في جامعة الدُّول العربية، وبقي فيها حتى سنة 1957م.


وقد ساعده الاستقرار الذي شعر به في هذه المرحلة من حياته في إغناء كتابه (الأعلام)، فصدرت طبعته الثَّانية في عشرة مجلَّدات، وأنشأ في دارته بالقاهرة خزانة كتبٍ تُعدُّ من أنفس خزائن الكتب الخاصَّة وأحفلها بالنَّوادر، وتعرَّف فيها علماءَ ساعدوه في كتابه الأعلام مادَّةً وخطوطاً، منهم: فؤاد السَّيد، ومحمد رشاد عبد المطَّلب، وأحمد خيري، وابراهيم شبوح، وعبد العزيز الميمني.


وفي العام الذي أُقيل فيه من عمله مندوباً في جامعة الدُّول العربية؛ عُيِّن سفيراً للسعودية بالمغرب، وفيها تعرَّف كبارَ علماء المغرب العربي، أمثال: محمد المختار السنوسي، ومحمد إبراهيم الكتاني، ومحمد المنوني، وأبو بكر التطواني، وفتح له أهل المغرب قلوبهم وخزائن كتبهم، فجمع مادَّةً محرَّرةً لتراجم المغاربة والأندلسيين.


وفي عام 1963م دُعي الزِّركلي إلى الرَّياض، فطلب من الملك فيصل إحالته إلى التَّقاعد، فأبى، فطلب منه إجازة مفتوحةً لإنجاز كتاب (شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز)، واختار أن يقيم في بيروت، فكان له ذلك.


وفي بيروت أنجز الزِّركلي كتابه (شبه الجزيرة)، ومختصره (الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز)، والطَّبعة الثَّالثة من (الأعلام)، أتبعها بالمستدرك الثَّاني.


كما تعرَّف هناك علماء أفادوه في كتبه، منهم: حمد الجاسر، وظافر القاسمي، وزهير الشاويش.


وكان يتردَّد بين الفينة والفينة على دمشق، والسعودية، والقاهرة، ويزور سويسرة لمراجعة الطبيب (شتوكي) بشأن ضربات قلبه التي أصبحت أدنى من المستوى الطَّبيعي.


مرضه ووفاته:

في إحدى ليالي أوائل عام 1967م، نُقل الزِّركلي إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت إثر إغماءةٍ أصابته، وعُولج بتقوية حركة القلب بجهازٍ كهربائي، وبعد أن استردَّ عافيته سافر إلى دمشق ومكث فيها أياماً قليلة.


وفي أواخر آب سنة 1967م سافر إلى القاهرة حيث يقيم أبناؤه: الدكتور غيث وأخواته الثَّلاث، وأُدخل مستشفى المعادي، نُقل بعدها إلى مستشفى الشُّوربجي حيث توفي يوم الخميس الثَّالث من ذي الحجَّة سنة 1396هـ- الخامس والعشرين من تشرين الثَّاني سنة 1976م، وصُلِّي عليه يوم الجمعة في مسجد عمر مكرم، ودُفن بالقاهرة.


وبذلك طُويت صفحة أبي غيث العَلَم الذي خلَّد الأعلام، أدخله الله في واسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته.


حليته وشمائله:

كان رحمه الله أسمرَ، طُوالاً بين الرِّجال، أميل إلى النَّحافة، حلو القسمات.

أما شمائله، فقد كان دمث الأخلاق، خفيف الرُّوح، حلو الحديث، بارع النُّكتة، سريع البديهة، عصبيَّ المزاج، يتبسَّط مع أصدقاءه ويتفقَّدهم، فيه لطافةٌ وشفافيةٌ مع رحابة صدر، مالم تُمسَّ كرامته.


مكانته:

عرفت المجامع العربية للزِّركلي مكانتَه، فقد ضمَّه إلى أعضائه كلٌّ من: المجمع العربي بدمشق سنة 1930م، ومجمع اللُّغة العربية بالقاهرة سنة 1946م، والمجمع العلمي العراقي سنة 1960م، وكان يُحتفى به في كل بلدٍ عربيٍّ ينزله.


رحلاته:

قام الزِّركلي برحلاتٍ إلى إنكلترة، والولايات المتحدة الأمريكية، وتركية، وإيطالية، واليونان، وسويسرة، وتونس، فتيسَّر له في أغلب هذه الرِّحلات الطَّواف على أهمِّ خزائن الكتب فيها، وقد أتاحت له صفته الدبلوماسية في بعض تلك الرّحلات زاداً وافراً من المخطوطات والمطبوعات النَّادرة، جمعها في خزانة كتبه.


ولم يكن بُعْدُ الشُّقَّة قط مانعاً له من السَّفر للحصول على كتابٍ أو مخطوطة، يحدِّث هو بأنَّه كان مرَّة في إسطنبول يفتَّش عن كتابٍ خاصٍّ، فأُخبر بأنَّه موجودٌ في بلدة (مغنيسة) فركب السَّيارة إليها، وأمضى في الطَّريق إحدى عشرة ساعة، ولما وصلَها وزار مكتبتَها وجدها من أغنى المكتبات، لكنَّها بغير فهارس، وكانت تملأ اثني عشر درجاً، فراح يستعرض الدُّرج الأول خلال صيفٍ كامل، وعاد في الصَّيف التَّالي لاستعراض مخطوطات الدُّرج الثَّاني، وظلَّ يُعاود الزِّيارة إلى أن اطَّلع عليها جميعاً.


الزِّركلي شاعراً وناثراً:

الزِّركلي شاعرٌ أصيلٌ، التزم قواعد الشِّعر العربي، وصاغ موشحاتٍ على منوال الأندلسيين، وجمع إلى جزالة اللَّفظ ومتانة الأسلوب، سهولةَ الوزن وبراعةَ الوضع، فجاء شعرُه غايةً في الجودة والإبداع.


أما نتاجه النَّثري، فهو وجهٌ آخر لعملة إنتاجه الأدبي، فلا تكاد تفصل بين نثره وشعره، إن أتيته من ناحية القيمة الأدبية وجودة الصِّياغة.


وللزِّركلي بيانٌ آسرٌ خلاَّب ،يتمثَّل ذلك في كتبه كلِّها، وحسب ما قيل في كتابه الأعلام؛ من أنَّ أسطراً معدوداتٍ يكتبها عن صاحبه الذي يترجم له، تأتي مُلِمَّةً بحياته، محيطةً بها، جامعةً لأحداثها، مضيئةً لجوانبها، من خلال فكرٍ نيِّر ناضر، وأسلوبٍ قويٍّ سمح، وعرضٍ منطقيٍّ متماسك، وعبارةٍ هي إلى روح الشِّعر أقرب.


والزِّركلي شاعر الوطن، ما عرفت الشَّام شاعراً أبرَّ بوطنه منه، وشعره البلسم الشَّافي لآلام الصَّابرين وجراحات المجاهدين، فما ناب سوريةَ خطبٌ ولا ألمَّت بأهلها ملمَّةٌ، إلا مسح بشِعره مواجعَ المنكوبين ومدامعَ المعذَّبين.


يقول في قصيدته (الفاجعة) التي نظمها على إثر وقعة ميسلون:

لهفي على وطنٍ يجوس خلالَه        شُذَّاذُ  آفاق   شراذم   سودُ
أبرابر السّنغال  تسلبُ  أمَّتي        وطني ولا  يتصدَّع  الجلمودُ
شرُّ   البليَّة    والبلايا    جمةٌ        أن تستبيح حمى الكرام عبيدُ


وهو لم يقصر عمله وشعره على الجهاد في سبيل حرِّية بلاده سورية وحدها، وإنما امتدَّت آفاق جهاده فوق كل أرضٍ للعرب حلَّ فيها، فهو في أيِّ بلدٍ استوثق من روح الوطنية في رجالها مال إليه. يقول فيه الشاعر الكبير أنور العطار: "شاعرٌ مُجيدٌ معاصرٌ، من أكبر شعراء القومية العربية، ومن أرقِّهم عاطفة، وأصفاهم أسلوباً".

يقول الزِّركلي في قصيدة يخاطب فيها أمَّة العرب:



سيروا إلى مجدكم رُوحاً  وأبدانا        واسعوا إلى عزِّكم شِيباً  وشُبانا
تُشيِّدوا ذكركم، تبنوا لكم شانا        شأناً تلوح  به  كواكب  السَّعدِ




عطفاً على ذكر بغداد ومن حلُّوا        ربوعها واذكروا الشَّام  وما  يتلو
وعهد  أندلسٍ  فالذِّكر  قد  يحلو        وكفكفوا مدمعاً يجري على الخدِّ




قفوا على تونس واستمطروا الدَّمعا        وسائلوا  عن  بني  مراكش   الرَّبع
اعسى تُرى عدن تصغي لكم سمعاً        فتحفزُ  الآل  من  صنعاء  أو   نجدِ




وفي   الحجاز   لنا   شعبٌ   نحيِّيه        وعهدُ   مجدٍ   أصيلٍ   في    مغانيهِ
يا أُمَّة  العُرب  تيهي  بالعُلا  تيهي        زهواً وأكرمْ بعهدِ القرب من عهدِ




لقد حمل الزِّركلي في نفسه همَّ العرب، فجاء شعرُه استنهاضاً لهممهم وشحذاً لعزائمهم ودفعاً بهم إلى الثَّورة والتَّحرُّر. لقد كان شعرُه ثورةً أو كاد، فلقد أزعجت قصائدُه الوطنية سلطات الانتداب الفرنسي، وأقضّت مضجعَها، فأصدرت حكمَها عليه -غيابياً- بالإعدام مرتين، فلم يرهبه الحكم، ولم تفزعه توابعه من مصادرة أملاكه، وها هو يقابل حكمهم بهذين البيتين:

نذروا دمي حنَقاً عليَّ وفاتَهم        أنَّ  الشَّقيَّ  بما  لقيتُ  سعيدُ
الله شاءَ  ليَ  الحياةَ  وحاولوا        ما  لم  يشأ  ولِحكمِه  التَّأييدُ


ويبقى للزركلي عنصر الصِّدق في شعره، فقد تحدَّث عن حاله وحال النَّاس فأنصفهم، وصدق في وصفه لهم، رقَّ للفقراء ونفَحَهم من نفسه، ويبقى له صدقه في حماسته الوطنية وإحساسه بقومه، لقد كان شاعراً ينبض شعره بقومه، يذود عنهم ويفخر بهم، وديوانه مملوء بشواهد على ذلك كثيرة.


الزِّركلي مؤرخاً:

يضع كتابُ (الأعلام) مؤلِّفَه ( الزِّركلي) في طليعة من ألَّف في الموسوعات؛ جمع به شتات ما في كتب التَّراجم، مخطوطها ومطبوعها، قديمها وحديثها، ممن اجتازوا مرحلة الحياة، وخلَّفوا آثاراً تذكرهم، أو أخباراً تروى عنهم. ويعد الزِّركلي بذلك مؤرِّخ العصر بلا منازع.


أما كتاباه الآخران (عامان في عمَّان)، و(ما رأيت وما سمعت)، فيمثِّل كلُّ منهما وجهةً نظرٍ ذاتية، تصلح أن تكون شهادة لدى المؤرِّخ المحايد.


تعريف بمؤلَّفاته:

أ- مؤلَّفاته المخطوطة:

1- أدب البداة: شعرهم، ولغتهم، وشعراؤهم، وأبحاث تتعلَّق بمذاهبهم في اللُّغة والشِّعر.

2- الأمثال.

3- حكمة الشِّعر وسحر البيان، مختارات من المنظوم والمنثور.

4- دروس الإنشاء، ثلاثة أجزاء لتعليم الإنشاء في المدارس.

5- شعراء العرب في القرن الرابع عشر.

6- صفحةٌ مجهولةٌ من تاريخ سورية في العهد الفيصلي.

7- الصيِّب المنثال في ما جاء على وزن أفعل من الأمثال.

8- عامان في عمَّان (الجزء الثاني).

9- معجم ما ليس في المعاجم.

10- الملك عبد العزيز في ذمَّة التاريخ.

11- الملك حسين: نسبه، وترجمته، وأخلاقه، وعاداته، ومجمل تاريخ حياته.


ب- مؤلَّفاته المطبوعة:

1- ديوان الزركلي.

2- ما رأيت وما سمعت.

3- عامان في عمَّان (الجزء الأول).

4- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز.

5- الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز.

6- الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين.

وقد جمع فيه الزِّركلي نحو خمسة عشر ألف ترجمة لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، وتوسَّع قليلاً فأضاف إلى هؤلاء طائفةً ممن كتبوا بلغاتهم عن العرب وقد درسوا العربية، وإن لم يظهر لهم أثرٌ فيها، وبدأ الزِّركلي العمل فيه عام 1912م حتى وفاته، ولم ينفض يده منه على مدى ستين عاماً.


أما المنهاج الذي انتهجه الزِّركلي في كتابة التراجم، فيمكن إجماله بالنُّقاط التالية:

- ذكر عنوان التَّرجمة، وتاريخ الولادة والوفاة.

- ذكر اسم المترجَم كاملاً ونسبه، ولقبه وكنيته.

- ذكر مكان الولادة والوفاة، والنَّشأة والتَّعلُّم، وأعمال المترجَم.

- تفسير معاني أسماء الأعلام الغريبة.

- ذكر الخلاف في اسم المترجم، وكنيته، وولادته، ووفاته، ونسبة الكتب، مع اتِّخاذ موقف الحسم والتَّرجيح.

- إشارته للشكِّ إذا لم يستطع الحسم والتَّرجيح.

- إطالته في تراجم الذين عرفهم.

- جلاء الغموض في بعض التَّراجم.

- عدم إهمال المترجَم إذا لم يجد له ترجمةً وافية.

- إشارته إلى تعامل ولاة المسلمين مع أهل الكفر والأعداء.

- اختياراته من شعر المترجَم.

- تفريقه بين الشَّاعر والنَّاظم.

- اهتمامه بوصف خط المترجَم .

- اهتمامه بذكر اعتناء المترجَم بجمع الكتب.

- عنايته بذكر فقر المترجم وغناه.

- ذكر حلية المترجَم.

- إشارته إلى حالة المترجَم الصحية.

- تبيانه الحالة الاجتماعية.

- صلة القربى بين المترجَم ومن هو مشهور ومترجم له في أعلامه.

- إثبات صور المعاصرين، وإثبات الصُّور الرَّمزية لمن لم يدركهم التَّصوير الفوتوغرافي.

- إثبات خطوط المترجمين.

- الاستعانة بالمراجع الحيَّة من ذريَّة المترجم، أو بالعلماء من أهل بلده.

- ذكره نفائس المخطوطات.

- إشارته إلى المطبوع والمخطوط من مؤلفات المترجَم.

- التَّمييز بين الكتب المتشابهة في الاسم.

- إشارته إلى من جمع شعر المترجم.

- ذكره محقَّق الكتاب.

- تصحيح نسبة الكتب إلى مؤلفيها.

- تعداد مجلَّدات الكتاب.

- إظهار رأيه في بعض كتب المترجَم.

- نثره الفوائد العلمية في التراجم.

- تثبُّته وتمحيصه عند النَّقل.

- رجوعه عن رأيه إذا اتَّضح غلطه.

- إشارته إلى المتشابه من الأسماء والتَّفريق بينها، وذكره الكتب التي ألفت في المترجَم.

- الإحالة على مصادر الترجمة.

- حسن بيانه وصفاء عبارته.


وأختم بذكر أقوال بعض الأعلام في (الأعلام):

"... الكتاب العظيم (الأعلام) أحد الكتب العشرة التي يفاخر بها هذا القرنُ القرونَ السَّابقة" [علي الطنطاوي].


"لو سئُلت عن أعظم كتابٍ عربيٍّ صدر في القرن الرابع عشر الهجري، لقلت دونما تردد: إنه (الأعلام) للزِّركلي رحمه الله" [عبد العزيز الرفاعي].


"عملُ الزِّركلي في أعلامه عملٌ فذٌّ، لا قدرة لأحد على مجاراته، وطريقته في التَّرجمة عن السَّلف الصالح لا ترضي المعاصرين وأكثرهم طَموح" [الدكتور عدنان الخطيب].


"والحقُّ أنَّ عمل الزِّركلي عليه رحمة الله من أدقِّ الأعمال التي تمَّت في هذا العصر وأضبطها، ومن أنفعها، فهو بحقِّ (علمٌ يُنتفع به)" [الدكتور عبد العظيم الديب].


"أما (الأعلام) فهو خير كتابٍ أُلِّف في بابه، بل هو خير ما كَتَب كاتبٌ في تراجم الرِّجال والنَّساء في هذا العصر.. لا ينبغي أن تخلو مكتبةُ طالب العلم من هذا الكتاب" [الدكتور محمود الطناحي].


"كتاب (الأعلام) لأستاذنا أبا غيث أوفى كتابٍ حديثٍ في التَّراجم فيما أعلم، فهو عصارة فكر بحَّاثةٍ جليل، قلَّ أن يضاهيه أحدٌ في سعة اطِّلاعه على المؤلَّفات قديمها وحديثها، وهو خلاصة مئات من الكتب والمطبوعات أُلِّفت في التَّراجم، بحيث يصحُّ القول بأن (الأعلام) من مفاخر عصرنا الثقافي" [حمد الجاسر].


"لا يملك متأمِّل لـ(أعلامه) منصفٌ، أو ناهل من عُباب تياره الزَّاخر مستفيد، إلا أن يستصغر الهمم بإزائه همَّته، ويحقر جليل الصَّبر في جنب صبره ومطاولته، وأن يجد يسير غلطه، حين يجده، مغموراً في البليغ الثَّرِّ من فوائده وصوابه".


"... (الأعلام) مفزع أهل العصر من الباحثين في التَّراجم خاصة" [عزُّ الدِّين البدوي النَّجار ومحمد عدنان الجوهرجي].

قصص الأنبياء == ذكر مُوسَى وهرون فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ 2

يَعْنِي لانه " قد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم " أَيْ بِالْخَوَارِقِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صَدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ، فَهَذَا إِنْ وَادَعْتُمُوهُ كُنْتُم فِي سَلامَة، لانه " إِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه " وَلَا يضركم ذَلِك " وَإِن يَك صَادِقا " وَقَدْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ " يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ "، أَيْ وَأَنْتُمْ تُشْفِقُونَ أَنْ يَنَالَكُمْ أَيْسَرُ جَزَاءٍ مِمَّا يَتَوَعَّدُكُمْ بِهِ، فَكَيْفَ بِكُمْ إِنَّ حَلَّ جَمِيعُهُ عَلَيْكُمْ؟ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ التَّلَطُّفِ وَالِاحْتِرَازِ وَالْعَقْلِ التَّامِّ.
وَقَوله: " يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الارض " يُحَذِّرُهُمْ أَنَّ
يَسْلُبُوا هَذَا الْمُلْكَ الْعَزِيزَ، فَإِنَّهُ مَا تَعَرَّضَتِ الدُّوَلُ لِلدِّينِ إِلَّا سُلِبُوا مُلْكَهُمْ وَذَلُّوا بَعْدَ عِزِّهِمْ!.
وَكَذَا وَقْعَ لِآلِ فِرْعَوْنَ، مَا زَالُوا فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ، وَمُخَالَفَةٍ وَمُعَانَدَةٍ لِمَا جَاءَهُمْ مُوسَى بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالْأَمْلَاكِ وَالدُّورِ وَالْقُصُورِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْحُبُورِ، ثُمَّ حُوِّلُوا إِلَى الْبَحْرِ مُهَانِينَ، وَنُقِلَتْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ إِلَى أَسْفَل السافلين.
__________
(1) ا: كاشرهم.
(2) لَيست فِي ا.
(*)

وَلِهَذَا قَالَ هَذَا الرجل الْمُؤمن الْمُصدق، الْبَارُّ الرَّاشِدُ، التَّابِعُ لِلْحَقِّ، النَّاصِحُ لِقَوْمِهِ، الْكَامِلُ الْعقل: " يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الارض " أَيْ عَالِينَ عَلَى النَّاسِ حَاكِمِينَ عَلَيْهِمْ، " فَمَنْ ينصرنا من بَأْس الله إِن جَاءَنَا؟ " أَيْ لَوْ كُنْتُمْ أَضْعَافَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ لَمَا نَفَعَنَا ذَلِكَ، وَلَا رَدَّ عَنَّا بَأْسَ مَالِكِ الْمَمَالِكِ.
" قَالَ فِرْعَوْن " أَيْ فِي جَوَابِ هَذَا كُلِّهِ: " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أرى " أَيْ مَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا مَا عِنْدِي " وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد ".
وَكَذَبَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَهَاتَيْنِ المقدمتين، فَإِنَّهُ قد كَانَ يتَحَقَّق فِي بَاطِنِهِ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُظْهِرُ خِلَافَهُ بَغْيًا وَعُدْوَانًا وَعُتُوًّا وَكُفْرَانًا.
قَالَ الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن مُوسَى: " لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَن يستفزهم من الارض فأغرقناه وَمن مَعَه جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ".
وَقَالَ تَعَالَى: " فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " فَقَدْ كَذَبَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَشَادٍ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ كَانَ عَلَى سَفَهٍ وضلال وخبل وخيال،

فَكَانَ أَوَّلًا مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَالْأَمْثَالَ، ثُمَّ دَعَا قَوْمَهُ الْجَهَلَةَ الضُّلَّالَ إِلَى أَنِ اتَّبَعُوهُ وَطَاوَعُوهُ (1) وَصَدقُوهُ، فِيمَا زعم من الْكفْر والمحال، فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَبٌّ، تَعَالَى اللَّهُ ذُو الْجلَال! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ".
وَقَالَ تَعَالَى " فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى ".
وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وملئه فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود ".
وَالْمَقْصُودُ [بَيَانُ (2) ] كَذِبِهِ فِي قَوْلِهِ: " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أرى " وَفِي قَوْلِهِ:
" وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ".
* * * وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الاحزاب * مثل
__________
(1) ا: وطاعوه.
(2) سَقَطت من ا.
(*)

دأب قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْم تولون مُدبرين مالكم من الله من عَاصِم، وَمن يضلل الله فَمَاله من هاد * وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ من بعده رَسُولا، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُم، كبر مقتا عِنْد الله وَعند الَّذين آمنُوا، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار (1) ".
يُحَذِّرُهُمْ وَلِيُّ اللَّهِ إِنْ كَذَّبُوا بِرَسُولِ اللَّهِ [مُوسَى (1) ] أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ من قبلهم، من النقمات والمئلات، مِمَّا تَوَاتر عِنْدهم وَعند غَيرهم، مِمَّا حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زمانهم ذَلِك، مِمَّا أَقَامَ بِهِ الْحُجَجَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً، فِي صدق مَا جَاءَت بِهِ الانبياء، لما أَنْزَلَ (2) مِنَ النِّقْمَةِ بِمُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَمَا أَنْجَى اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَخَوَّفَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّنَادِ، أَيْ حِينَ يُنَادي النَّاس بَعضهم بَعْضًا، حِين يولون إِنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا " يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وزر * إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المستقر " وَقَالَ تَعَالَى: " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ *
يُرْسل عَلَيْكُم شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِ آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ ".
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: نزل.
(*)

وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: " يَوْمَ التَّنَادِّ " بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَي يَوْمَ الْفِرَارِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ يُحِلُّ اللَّهُ بِهِمُ الْبَأْسَ، فَيَوَدُّونَ (1) الْفِرَارَ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ " فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون (2) ".
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ نُبُوَّةِ يُوسُفَ فِي بِلَادِ مصر، وَمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ.
وَهَذَا مِنْ سُلَالَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنْ لَا يُشْرِكُوا بِهِ أَحَدًا مِنْ بَرِّيَّتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ أهل الديار المصرية فِي ذَلِك الزَّمَان، وَأَن مِنْ سَجِيَّتِهِمُ التَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ وَمُخَالَفَةَ الرُّسُلِ.
وَلِهَذَا قَالَ: " فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ الله من بعده رَسُولا " أَيْ وَكَذَّبْتُمْ فِي هَذَا.
وَلِهَذَا قَالَ: " كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يجادلون فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم " أَي يردون حجج وَبَرَاهِينَهُ وَدَلَائِلَ تَوْحِيدِهِ، بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَمْقُتُهُ (3) اللَّهُ غَايَةَ الْمَقْتِ، أَيْ يُبْغِضُ مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الْخَلْقِ، " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ متكبر جَبَّار " قرئَ بالاضافة والنعت، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ: أَيْ هَكَذَا إِذَا خَالَفَتِ الْقُلُوبُ الْحَقَّ - وَلَا تُخَالِفُهُ إِلَّا بِلَا بُرْهَانٍ - فَإِنَّ الله يطبع عَلَيْهَا، أَي يخْتم عَلَيْهَا [بِمَا فِيهَا (4) ] .
* * *
__________
(1) ا: فيريدون.
(2) الْآيَتَانِ: 12، من سُورَة الانبياء (3) ا: يمقت الله عَلَيْهِ.
(4) سقط من المطبوعة.
(*)

" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لعَلي أبلغ الاسباب * أَسبَاب السَّمَوَات فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ".
كَذَّبَ فِرْعَوْنُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَزَعَمَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ مَا كَذَّبَهُ وَافْتَرَاهُ فِي قَوْلِهِ [لَهُمْ (1) ] " مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لاظنه كَاذِبًا ".
وَقَالَ هَاهُنَا: " لعَلي أبلغ الاسباب أَسبَاب السَّمَوَات " أَيْ طُرُقَهَا وَمَسَالِكَهَا " فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لاظنه كَاذِبًا " وَيَحْتَمِلُ هَذَا مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ إِنَّ لِلْعَالَمِ رَبًّا غَيْرِي، وَالثَّانِي فِي دَعْوَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِظَاهِر حَال فِرْعَوْن، فَإِنَّهُ كَانَ يُنكر ظَاهرا إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَالثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ حَيْثُ قَالَ: " فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى " [أَيْ (1) ] فَأَسْأَلَهُ هَلْ أَرْسَلَهُ أَمْ (2) لَا؟ " وَإِنِّي لاظنه كَاذِبًا " أَيْ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَصُدَّ النَّاسَ عَنْ تَصْدِيقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنْ يَحُثَّهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصد عَن السَّبِيل " وَقُرِئَ: " وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تباب ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: يَقُولُ: إِلَّا فِي خسار، أَي بَاطِل، لَا يحصل لَهُ شئ مِنْ مَقْصُودِهِ الَّذِي رَامَهُ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْبَشَرِ أَنْ يَتَوَصَّلُوا بِقُوَاهُمْ إِلَى
نَيْلِ السَّمَاءِ أَبَدًا - أَعْنِي السَّمَاءَ الدُّنْيَا - فَكَيْفَ بِمَا بَعْدَهَا من السَّمَوَات العلى؟
__________
(1) لَيست فِي ا (2) ا: أَولا (*)

وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله عزوجل؟ وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا الصَّرْحَ، وَهُوَ الْقَصْرُ الَّذِي بَنَاهُ وَزِيرُهُ هَامَانُ [لَهُ (1) ] لَمْ يُرَ بِنَاءٌ أَعْلَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ مَبْنِيًّا مِنَ الْآجُرِّ الْمَشْوِيِّ بِالنَّارِ وَلِهَذَا قَالَ: " فَأوقد لي ياهامان على الطين فَاجْعَلْ لي صرحا ".
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يُسَخَّرُونَ فِي ضَرْبِ اللَّبِنِ، وَكَانَ مِمَّا حَمَلُوا مِنَ التَّكَالِيفِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُسَاعَدُونَ عَلَى شئ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِيهِ، بَلْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ تُرَابَهُ وَتِبْنَهُ وَمَاءَهُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ قِسْطٌ مُعَيَّنٌ، إِنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ ضُرِبُوا (2) وَأُهِينُوا غَايَةَ الْإِهَانَةِ وَأُوذُوا غَايَةَ الْأَذِيَّةِ.
وَلِهَذَا قَالُوا لِمُوسَى: " أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا، قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَينْظر كَيفَ تعلمُونَ ".
فَوَعَدَهُمْ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى الْقِبْطِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
* * * وَلْنَرْجِعْ إِلَى نَصِيحَةِ الْمُؤْمِنِ وَمَوْعِظَتِهِ وَاحْتِجَاجِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب ".
يَدْعُوهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ الْحق، وَهِيَ مُتَابَعَةُ نَبِيِّ اللَّهِ
مُوسَى وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد رَبِّهِ.
ثُمَّ زَهَّدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ [الْفَانِيَةِ (3) ]
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: وَإِلَّا ضربوا.
(3) سَقَطت من ا.
(*)

الْمُنْقَضِيَةِ لَا مَحَالَةَ، وَرَغَّبَهُمْ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ لَدَيْهِ، الْقَدِير الَّذِي ملكوت كل شئ بِيَدَيْهِ.
الَّذِي يُعْطِي عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا، وَمِنْ عَدْلِهِ لَا يُجَازَى عَلَى السَّيِّئَةِ إِلَّا مِثْلَهَا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، الَّتِي من وافاها - مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات - فَلهُ الدَّرَجَات (1) الْعَالِيَاتُ، وَالْغُرَفُ الْآمِنَاتُ، وَالْخَيْرَاتُ الْكَثِيرَةِ الْفَائِقَاتُ، وَالْأَرْزَاقُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا تَبِيدُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي كُلُّ مَا لَهُمْ مِنْهُ فِي مَزِيدٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِمَّا يصيرون إِلَيْهِ، فَقَالَ: " وَيَا قوم مَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جرم أَن مَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب ".
كَانَ يَدعُوهُم إِلَى عبَادَة رب السَّمَوَات والارض، الَّذِي يَقُول للشئ كُنْ فَيَكُونُ، وَهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ الْجَاهِلِ الضَّالِّ الْمَلْعُونِ! وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ عَلَى سَبِيل الانكار: " وَيَا قوم مَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ".
__________
(1) ط: فَلهم الجنات العاليات.
(*)

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ بُطْلَانَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مِنْ نَفْعٍ وَلَا إِضْرَار (1) ، فَقَالَ: " لَا جرم أَن تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار " أَيْ لَا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا وَلَا حُكْمًا فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَكَيْفَ تَمْلِكُهُ يَوْمَ الْقَرَارِ؟ وَأَمَّا الله عزوجل فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ لِلْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الْعِبَادَ وَيُمِيتُهُمْ وَيَبْعَثُهُمْ، فَيُدْخِلُ طَائِعَهُمُ الْجَنَّةَ، وعاصيهم إِلَى النَّارَ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ إِنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ بِقَوْلِهِ: " فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ " قَالَ الله: " فوقاه الله سيئات مَا مكروا " أَيْ بِإِنْكَارِهِ سَلِمَ مِمَّا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَمَكْرِهِمْ فِي صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، مِمَّا أَظْهَرُوا لِلْعَامَّةِ مِنَ الْخَيَالَاتِ والمحالات، الَّتِي ألبسوا (2) بِهَا عَلَى عَوَامِّهِمْ وَطَغَامِهِمْ.
وَلِهَذَا قَالَ: " وَحَاقَ " أَيْ أَحَاطَ " بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا " أَيْ تُعْرَضُ أَرْوَاحُهُمْ فِي بَرْزَخِهِمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً عَلَى النَّارِ.
" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب ".
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
* * * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُهْلِكْهُمْ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ، وَإِزَاحَةِ الشّبَه عَنْهُم، وَأخذ الْحجَّة عَلَيْهِم مِنْهُم،

قصص الأنبياء == ذكر مُوسَى وهرون فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ 1

ذكر مُوسَى وهرون فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ، أَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَرَأَى أَمْرًا بَهَرَهُ، وَأَعْمَى بَصِيرَتَهُ وَبَصَرَهُ، وَكَانَ فِيهِ كَيْدٌ وَمَكْرٌ وَخِدَاعٌ، وَصَنْعَةٌ بَلِيغَةٌ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لِلسَّحَرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ: " آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذن لكم " أَيْ هَلَّا شَاوَرْتُمُونِي فِيمَا صَنَعْتُمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِي؟ ! ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ وَأَبْرَقَ وَأَرْعَدَ، وَكَذَبَ فَأَبْعَدَ قَائِلًا:
" إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي علمكُم السحر "، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: " إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تعلمُونَ ".
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنَ الْبُهْتَانِ [الَّذِي (1) ] يَعْلَمُ كُلُّ فَرْدٍ عَاقِلٍ (2) مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالْهَذَيَانِ، بَلْ لَا يَرُوجُ مَثَلَهُ عَلَى الصِّبْيَانِ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دَوْلَتِهِ وَغَيْرِهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَرَهُ هَؤُلَاءِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرَهُمُ الَّذِي عَلَّمَهُمُ السِّحْرَ؟ ثُمَّ هُوَ لَمْ يَجْمَعْهُمْ وَلَا عِلْمَ بِاجْتِمَاعِهِمْ، حَتَّى كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي اسْتَدْعَاهُمْ، وَاجْتَبَاهُمْ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَوَادٍ سَحِيقٍ، وَمِنْ حَوَاضِرِ بِلَادِ مِصْرَ وَالْأَطْرَافِ، وَمِنَ الْمُدُنِ وَالْأَرْيَافِ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: " ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيل *
__________
(1) من ا (2) ا: كل عَاقل (*)

قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون * قَالُوا أرجئه (1) وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ؟ * قَالَ نَعَمْ، وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجدين * قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين * رب مُوسَى وهرون * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ، إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، رَبنَا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مُسلمين ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: " ثُمَّ بَعَثْنَا من بعدهمْ مُوسَى وهرون إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحن لَكمَا بمؤمنين * وَقَالَ
__________
(1) ط: أرجه.
(*) " 4 - قصَص الانبياء 2 "

فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بكلماته وَلَو كره المجرمون ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أولو جئْتُك بشئ مُبِينٍ؟ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَأِ؟ ؟ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نتبع السَّحَرَة إِن كَانُوا هم الغالبين * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ؟ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ، وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رب مُوسَى وهرون * قَالَ آمنتم لَهُ قبل آذَنَ لَكُمْ، إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبنَا خطايانا أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ ".
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَذَّبَ وَافْتَرَى وَكَفَرَ غَايَةَ الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ:

" إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر " وَأَتَى بِبُهْتَانٍ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُونَ بَلِ الْعَالَمُونَ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لتخرجوا مِنْهَا أَهلهَا فسوق تعلمُونَ "، وَقَوله: " لاقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف " يَعْنِي يَقْطَعُ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى وَعَكْسَهُ، " ولاصلبنكم أَجْمَعِينَ " أَي ليجعلنهم (1) مَثُلَةً وَنَكَالًا لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِمْ [أَحَدٌ] (2) مِنْ
رَعِيَّتِهِ وَأَهْلِ مِلَّتِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ: " وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النّخل " أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لِأَنَّهَا أَعْلَى وَأَشْهَرُ " ولتعلمن أَيّنَا أَشد عذَابا وَأبقى " يَعْنِي فِي الدُّنْيَا.
" قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا من الْبَينَات " أَيْ لَنْ نُطِيعَكَ وَنَتْرُكَ مَا وَقَرَ فِي قُلُوبِنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ " وَالَّذِي فَطَرَنَا ".
قِيلَ مَعْطُوفٌ، وَقِيلَ قَسَمٌ " فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض " أَيْ فَافْعَلْ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ " إِنَّمَا تَقْضِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَيْ إِنَّمَا حُكْمُكَ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَإِذَا انْتَقَلْنَا مِنْهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ صِرْنَا إِلَى حُكْمِ الَّذِي أَسْلَمْنَا لَهُ وَاتَّبَعْنَا رُسُلَهُ " إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأبقى " أَي ثَوَابه خَيْرٌ مِمَّا وَعَدَتْنَا بِهِ مِنَ التَّقْرِيبِ (3) وَالتَّرْغِيبِ، " وَأَبْقَى " أَيْ وَأَدْوَمُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ.
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: " قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لنا رَبنَا خطايانا " أَيْ مَا اجْتَرَمْنَاهُ مِنَ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ " أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " أَيْ مِنَ الْقِبْطِ، بِمُوسَى وهرون عَلَيْهِمَا السَّلَام.
__________
(1) ا: ليجعلهم.
(2) سَقَطت من ا.
(3) ا: التَّرْهِيب.
(*)

وَقَالُوا لَهُ أَيْضًا: " وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَن آمنا بآيَات رَبنَا لما جاءتنا " أَيْ لَيْسَ لَنَا عِنْدَكَ ذَنْبٌ إِلَّا إِيمَانُنَا (1 بِمَا جَاءَنَا بِهِ رَسُولُنَا، وَاتِّبَاعُنَا آيَاتِ رَبِّنَا لما جاءتنا " رَبنَا أفرغ علينا صبرا " أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى مَا ابْتُلِينَا بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ هَذَا الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ، وَالسُّلْطَانِ الشَّدِيدِ، بَلِ الشَّيْطَانِ الْمَرِيدِ، " وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ".
وَقَالُوا أَيْضًا يَعِظُونَهُ وَيُخَوِّفُونَهُ بِأْسَ رَبِّهِ الْعَظِيمِ: " إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيا " يَقُولُونَ لَهُ: فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.
فَكَانَ مِنْهُمْ.
" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى " أَيِ الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ، " جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تزكّى " فَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ فَحَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْأَقْدَارُ الَّتِي لَا تُغَالَبُ وَلَا تُمَانَعُ، وَحُكْمُ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، لِيُبَاشِرَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، يَصُبُّ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ الْحَمِيمُ.
وَيُقَالُ لَهُ عَلَى وَجه التقريع والتوبيخ، وَهُوَ المقبوح المنبوح والذميم اللَّئِيم: " ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم ".
وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - صَلَبَهُمْ وَعَذَّبَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانُوا [مِنْ] (2) أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، فَصَارُوا مِنْ آخِرِهِ شُهَدَاءَ بَرَرَةً! وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُمْ: " رَبَّنَا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مُسلمين ".
__________
(1) ا: إِلَّا فِي إيمَاننَا.
(2) لَيست فِي ا.
(*)

فَصْلٌ وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيم، وَهُوَ الغلب الَّذِي غلبته الْقِبْطِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ، وَأَسْلَمَ السَّحَرَةُ الَّذين استنصروا بهم، لَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا وَبُعْدًا عَنِ الْحَقِّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَصَصِ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: " وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؟ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ونستحيي نِسَاءَهُمْ، وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون * وَقَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا، قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ ".
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ، أَنَّهُمْ حَرَّضُوا مِلَكَهُمْ فِرْعَوْنَ عَلَى أَذِيَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُقَابَلَتِهِ بَدَلَ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ، بِالْكُفْرِ وَالرَّدّ والاذى.
قَالُوا: " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وآلهتك " يَعْنُونَ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ دَعْوَتَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْي عَن عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، فَسَادٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ القبط، لعنهم الله.
وَقَرَأَ بَعضهم: " ويذرك وإلهتك " أَيْ وَعِبَادَتَكَ.
وَيَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَيَذْرُ دِينَكَ، وتقويه الْقِرَاءَة الاخرى.
وَالثَّانِي: ويذر أَن يعبدك، فَإِنَّهُ كَمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ إِلَهٌ لَعَنَهُ اللَّهُ.

" قَالَ سنقتل أَبْنَاءَهُم ونستحيي نِسَاءَهُمْ " أَي لِئَلَّا يكثر مُقَاتلَتهمْ.
" وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون " أَي غالبون.
" وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا " [أَيْ إِذَا هَمُّوا هُمْ بِأَذِيَّتِكُمْ وَالْفَتْكِ بِكُمْ، فَاسْتَعِينُوا أَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ وَاصْبِرُوا عَلَى بَلِيَّتِكُمْ (1) ] " إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتقين " أَي فكونوا أَنْتُم الْمُتَّقِينَ لتَكون لكم الْعَاقِبَة، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: " وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ من الْقَوْم الْكَافرين ".
وَقَوْلهمْ: " قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بعد مَا جئتنا " أَيْ قَدْ كَانَتِ الْأَبْنَاءُ تُقْتَلُ قَبْلَ مَجِيئِكَ وَبَعْدَ مَجِيئِكَ إِلَيْنَا، " قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ".
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم الْمُؤْمِنِ: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب ".
وَكَانَ فِرْعَوْنُ الْمَلِكَ، وَهَامَانُ الْوَزِيرَ، وَكَانَ قَارُونُ إِسْرَائِيلِيًّا مِنْ قَوْمِ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا، كَمَا سَتَأْتِي قِصَّتُهُ فِيمَا بَعْدُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
" فَلَمَّا جَاءَهُم الْحق مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضلال " وَهَذَا الْقَتْل للغلمان من بعد
__________
(1) لَيست فِي ا (*)

بَعْثَةِ مُوسَى إِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ والاذلال، والتقليل لملا بني إِسْرَائِيل (1) ، لِئَلَّا يكون لَهُم شَوْكَة يمتنعون بهَا، ويصولون عَلَى الْقِبْطِ بِسَبَبِهَا وَكَانَتِ الْقِبْطُ مِنْهُمْ يَحْذَرُونَ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّ عَنْهُمْ قَدَرَ الَّذِي يَقُول للشئ كُنْ فَيَكُونُ.
" وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَو أَن يظْهر فِي الارض الْفساد ".
وَلِهَذَا يَقُولُ النَّاسُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ: " صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا ".
وَهَذَا مِنْهُ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ فِي زَعمه خَافَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُضِلَّهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ! " وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب " أَيْ عُذْتُ بِاللَّهِ وَلَجَأْتُ إِلَيْهِ [وَاسْتَجَرْتُ] (2) بِجَنَابِهِ (3) ، من أَن
يَسْطُو فِرْعَوْن وَغَيره عَليّ بِسوء.
وَقَوله: " من كل متكبر " أَيْ جَبَّارٍ عَنِيدٍ لَا يَرْعَوِي وَلَا يَنْتَهِي، وَلَا يَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ مَعَادًا وَلَا جَزَاءً.
وَلِهَذَا قَالَ: " مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ".
* * * " وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ؟ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْملك الْيَوْم ظَاهِرين فِي الارض، فَمن
__________
(1) ا: لبني إِسْرَائِيل.
(2) سَقَطت من المطبوعة.
(3) ا: بجانبه.
(*)

يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا؟ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد ".
وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ قَوْمِهِ خَوْفًا مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَمُخَالِفٌ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْقِبْطِ بِمُوسَى إِلَّا هَذَا، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ.
رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَا يُعْرَفُ مَنِ اسْمُهُ شَمْعَانُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ إِلَّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.
حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ.
وَفِي تَارِيخ الطَّبَرَانِيّ: أَن اسْمه " خير " فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، فَلَمَّا هَمَّ فِرْعَوْنُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِقَتْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَشَاوَرَ مَلَأَهُ فِيهِ، خَافَ هَذَا الْمُؤْمِنُ عَلَى مُوسَى، فَتَلَطَّفَ فِي رَدِّ فِرْعَوْنَ بِكَلَامٍ جَمَعَ فِيهِ التَّرْغِيب والترهيب، فَقَالَ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " وَهَذَا مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ هَذَا الْمقَام، فَإِن فِرْعَوْن لَا أَشَدُّ جَوْرًا مِنْهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا أَعْدَلَ مِنْهُ!

لَان فِيهِ عصمَة نَبِي وَيحْتَمل أَنه كاشفهم (1) بِإِظْهَارِ إِيمَانِهِ، وَصَرَّحَ لَهُمْ بِمَا كَانَ يَكْتُمُهُ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُول رَبِّي الله " أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَالَ رَبِّيَ اللَّهُ [فَمثل (2) ] هَذَا لَا يُقَابل بِهَذَا، بل بالاكرام والاحترام أَو الْمُوَادَعَة وَترك الانتقام.




الروض الأنيق في فضل الصديق رضي الله عنه-الجزء الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل خير هذه الأمة أبا بكر الصديق، ورفع مقامه على كل مقام بزيادة اليقين والتصديق ... شيخ الإسلام على التحقيق، أحمده وهو بكل حمد خليق، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توسع على قائلها كل ضيق وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي الرفيق صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته أولي الرشاد والتوفيق.
أما بعد، فهذا كتاب لقبته (الروض الأنيق في فضل الصديق) أوردت فيه أربعين حديثا مختصرة سهل حفظها على من أراد ذلك من البررة، واسأل الله أن ينفعنا بالانتساب إليه ويجمعنا وإياه في دار الزلفاء لديه بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم آمين.

الحديث الحادي والثلاثون
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمرني بحب أربعة من أصحابي وقال أحبهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) . اخرجه ابن عساكر وغيره.
الحديث الثاني والثلاثون
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أيدني بأربعة وزراء: اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر) . اخرجه الخطيب وابن عساكر والطبراني في معجمه الكبير.
الحديث الثالث والثلاثون
عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله) . فبكى أبو بكر، فقال: (يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن إخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر) . اخرجه مسلم وغيره.
الحديث الرابع والثلاثون
عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق) . اخرجه الحارث بن ابي اسامة.
الحديث الخامس والثلاثون
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأرجو لأمتي بحب أبي بكر وعمر كما أرجو لهم بقول لا إله إلا الله) . اخرجه الديلمي.
الحديث السادس والثلاثون
عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أبا بكر يؤول الرؤيا، وإن الرؤيا الصالحة حظ من النبوة) . اخرجه الطبراني في الكبير.
الحديث السابع والثلاثون
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أرأف أمتي أبو بكر، وأشدهم في دينه الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم لكتاب الله أُبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) . اخرجه ابن عساكر وغيره.
الحديث الثامن والثلاثون
عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل نبي خاصة من أصحابه، وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر) . اخرجه الطبراني في الكبير.
الحديث التاسع والثلاثون
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم ابو بكر وعمر، فنحشر فنذهب إلى البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة فيحشرون معي ونبعث بين الحرمين) . اخرجه الترمذي وقال حسن غريب.
الحديث الأربعون
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (هل قلت في أبي بكر شيئا) قال: نعم، قال: (قل وأنا أسمع) فقلت:
وَثانِيَ اِثنَينِ في الغارِ المَنيفِ وَقَد ... طافَ العَدُوُّ بِهِ إذ صاعَدَ الجَبَلا
وَكانَ حِبَّ رَسولِ اللَهِ قَد عَلِموا ... مِنَ البَرِيَّةِ لَم يَعدِل بِهِ رَجُلا
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: (صدقت يا حسان هو كما قلت) . اخرجه ابن عدي وابن عساكر.
واعلم أن هذا الباب فيه أحاديث كثيرة جدا، لكن هذه عجالة لمن أحب الوقوف على ذلك، والحمد لله الملك المالك أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا سرمدا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ثم الحمد لله والصلاة على رسوله.
تم الكتاب بعون الملك الوهاب

الروض الأنيق في فضل الصديق رضي الله عنه - الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل خير هذه الأمة أبا بكر الصديق، ورفع مقامه على كل مقام بزيادة اليقين والتصديق ... شيخ الإسلام على التحقيق، أحمده وهو بكل حمد خليق، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توسع على قائلها كل ضيق وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي الرفيق صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته أولي الرشاد والتوفيق.
 أما بعد، فهذا كتاب لقبته (الروض الأنيق في فضل الصديق) أوردت فيه أربعين حديثا مختصرة سهل حفظها على من أراد ذلك من البررة، واسأل الله أن ينفعنا بالانتساب إليه ويجمعنا وإياه في دار الزلفاء لديه بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم آمين.

الحديث الحادي عشر
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر مني كعيني في رأسي، وعثمان بن عفان مني كلساني في فمي، وعلي بن أبي طالب مني كروحي في جسدي) .
اخرجه ابن النجار.
الحديث الثاني عشر
عن إبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى) .
اخرجه الخطيب في تاريخه وغيره.
الحديث الثالث عشر
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر مني وأنا منه، وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة) .
اخرجه الديلمي.
الحديث الرابع عشر

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر خير أهل السموات وأهل الأرض، وخير من بقي إلى يوم القيامة) . اخرجه الديلمي.
الحديث الخامس عشر
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر عتيق الله من النار) .
اخرجه ابو نعيم في المعرفه.
الحديث السادس عشر
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وزير يقوم مقامي، وعمر ينطق بلساني، وأنا من عثمان وعثمان مني، كأني بك يا أبا بكر تشفع لأمتي) .
اخرجه ابن النجار. ووصف عمر بما ذكر لأنه من المحدثين الذين تنطق الملائكه على السنتهم فاعلم.
الحديث السابع عشر
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي) . قال أبو بكر: وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، قال: (أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي) .
اخرجه أبو داوود وغيره، وصححه الحاكم من طريق اخر.
الحديث الثامن عشر
عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فقلت: من يهاجر معي قال: أبو بكر، وهو يلي أمتك بعدك، وهو أفضل أمتك) . اخرجه الديلمي.
الحديث التاسع عشر
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد إن الله يأمرك أن تستشير ابا بكر) . اخرجه تمام.
الحديث العشرون
عن أبي الدرداء قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مشى أمام أبا بكر فقال له: (أتمشي أمام من هو خير منك (إن أبا بكر خير من طلعت عليه الشمس وغربت) .
وأخرج الحديث أبو نعيم في فضائل الصحابة ولفظة: (أتمشي أمام من هو خير منك ألم تعلم أن الشمس لم تشرق أو تغب على أحد خير من أبي بكر، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر) .

الروض الأنيق في فضل الصديق رضي الله عنه -الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل خير هذه الأمة أبا بكر الصديق، ورفع مقامه على كل مقام بزيادة اليقين والتصديق ... شيخ الإسلام على التحقيق، أحمده وهو بكل حمد خليق، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توسع على قائلها كل ضيق وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي الرفيق صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته أولي الرشاد والتوفيق.
أما بعد، فهذا كتاب لقبته (الروض الأنيق في فضل الصديق) أوردت فيه أربعين حديثا مختصرة سهل حفظها على من أراد ذلك من البررة، واسأل الله أن ينفعنا بالانتساب إليه ويجمعنا وإياه في دار الزلفاء لديه بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم آمين آمين آمين.
الحديث الأول
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبى الله والمؤمنون أن يختلفوا عليك يا أبا بكر) .
اخرجه الامام احمد.
الحديث الثاني
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين) .
اخرجه الضياء في مختاره، وجمع كثيرون.
الحديث الثالث
عن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) .
اخرجه الضياء في مختاره، وجمع اخرون.
الحديث الرابع
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده - وماله غيره - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر مني كمنزلة السمع والبصر من الرأس (اخرجه البارودي وابو نعيم وغيرهما.
الحديث الخامس
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر من هذا الدين، كمنزلة السمع والبصر من الرأس) .
اخرجه ابن النجار، واخرجه الخطيب في تاريخه عن جابر.
الحديث السادس
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر الصديق وزيري وخليفتي على أمتي من بعدي، وعمر ينطق على لساني، وعلي ابن عمي وأخي وحامل رايتي، وعثمان مني وأنا من عثمان) .
اخرجه الطبراني في الكبير، وابن عدي في الكامل وغيرهما.
الحديث السابع
عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر أرأف أمتي وأرحمها، وعمر خير أمتي وأعدلها، وعثمان بن عفان احيى أمتي وأكرمها، وعلي بن أبي طالب ألبّ أمتي واشجعها، وعبد الله بن مسعود أبر أمتي وآمنها، وأبوذر أزهد أمتي وأصدقها، وابو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحكم أمتي وأجودها) .
اخرجه ابن عساكر وضعفه، واخرجه غيره ايضا.
الحديث الثامن
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر وعمر خير الأولين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض، إلا النبيين والمرسلين) .
اخرجه ابن عدي والحاكم في الكنى، والخطيب في تاريخه.
الحديث التاسع
عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر خير الناس بعدي، إلا أن يكون نبي) .
اخرجه ابن عدي والطبراني في الكبير وغيرهما.
الحديث العاشر
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا له ذلك، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر) .
اخرجه عبد الله بن الامام احمد في زوائد المسند والديلمي وغيرهما.

زياد علي

زياد علي محمد