الجمعة، 13 سبتمبر 2019

قصص الأنبياء == ذِكْرُ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ 3/6

قَالُوا: وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، وَأَنْ يَقْسِمَهُ لِيَدْخُلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْبَحْرِ وَالْيَبَسِ.
وَصَارَ الْمَاءُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا كَالْجَبَلَيْنِ، وَصَارَ وَسَطُهُ يَبَسًا، لِأَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنُوبِ وَالسَّمُومِ.
فَجَازَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ وَأَتْبَعُهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوهُ أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى فَضَرَبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، فَرَجَعَ الْمَاءُ كَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ هَذَا كَانَ فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّ الْبَحْرَ ارْتَطَمَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الصُّبْحِ.
وَهَذَا مِنْ غَلَطِهِمْ وَعَدَمِ فَهْمِهِمْ فِي تَعْرِيبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالُوا: وَلَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ حِينَئِذٍ سَبَّحَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ بِهَذَا التَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ، وَقَالُوا: " نُسَبِّحُ الرَّبَّ [الْبَهِيَّ (1) ] ، الَّذِي قَهَرَ الْجُنُودَ، وَنَبَذَ فُرْسَانَهَا فِي الْبَحْرِ الْمَنِيعِ الْمَحْمُودِ " وَهُوَ تَسْبِيحٌ طَوِيلٌ.
قَالُوا وَأَخَذَتْ مَرْيَمُ النَّبِيَّةُ - أُخْتُ هَارُونَ - دُفًّا بِيَدِهَا، وَخَرَجَ النِّسَاءُ فِي أَثَرِهَا كُلُّهُنَّ بِدُفُوفٍ وَطُبُولٍ.
وَجَعَلَتْ مَرْيَمُ تُرَتِّلُ لَهُنَّ وَتَقُولُ: سُبْحَانَ الرَّبِّ الْقَهَّارِ، الَّذِي قَهَرَ الْخُيُولَ وَرُكْبَانَهَا إِلْقَاءً فِي الْبَحْرِ.
هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِمْ.
وَلَعَلَّ هَذَا [هُوَ مِنَ (1) ] الَّذِي حمل مُحَمَّد ابْن كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ عَلَى زَعْمِهِ: أَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عمرَان أم عِيسَى، هِيَ أُخْت هرون ومُوسَى، مَعَ قَوْله: " يَا أُخْت هرون ".
وَقَدْ بَيَّنَّا غَلَطَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ (2) خَالَفَهُ فِيهِ.
وَلَوْ قدر أَن هَذَا مَحْفُوظ،
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: كل أحد.
(*)

فَهَذِهِ مَرْيَم بنت عمرَان أُخْت مُوسَى وهرون عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
وَأُمُّ عِيسَى عَلَيْهَا السَّلَامُ وَافَقَتْهَا فِي الِاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ وَاسْمِ الْأَخِ، لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، لَمَّا سَأَلَهُ أَهْلُ نَجْرَان عَن قَوْله: يَا أُخْت هرون فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ لَهُمْ، حَتَّى سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلُهُمْ: " النَّبِيَّةُ " كَمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ مَلِكَةٌ، وَمِنْ بَيْتِ الْإِمْرَةِ أَمِيرَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُبَاشِرَةً [شَيْئًا] (1) مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَا
هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ لَهَا، لَا أَنَّهَا نَبِيَّةٌ حَقِيقَةً يُوحَى إِلَيْهَا.
وَضَرْبُهَا بِالدُّفِّ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْأَعْيَادِ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ضَرْبَ الدُّفِّ فِي الْعِيدِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ لَنَا أَيْضًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ، لِحَدِيثِ الْجَارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَ عَائِشَةَ يضربان بِالدُّفِّ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعٌ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ إِلَيْهِمْ، وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ زَجَرَهُنَّ وَقَالَ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: " دَعْهُنَّ يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ".
وَهَكَذَا يُشْرَعُ عِنْدَنَا فِي الْأَعْرَاسِ وَلِقُدُومِ الْغُيَّابِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَالله أعلم.
وَذكروا أَنهم لما جازوا الْبَحْرَ وَذَهَبُوا قَاصِدِينَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ مَكَثُوا
__________
(1) سَقَطت من ا (*)

ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَجِدُونَ مَاءً، فَتَكَلَّمَ مَنْ تكلم مِنْهُم بِسَبَب ذَلِك، فوجدوا مَاء زعافا أُجَاجًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا شُرْبَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى فَأَخَذَ خَشَبَةً فَوَضَعَهَا فِيهِ، فَحَلَا وَسَاغَ شُرْبُهُ.
وَعَلَّمَهُ الرَّبُّ هُنَالِكَ فَرَائِضَ وَسُنَنًا، وَوَصَّاهُ وَصَايَا كَثِيرَةً.
* * * وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ [الْعَزِيزِ (1) ] الْمُهَيْمِنِ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْكُتُبِ: " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون * إِن هَؤُلَاءِ متبر ماهم فِيهِ، وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ (2) " قَالُوا هَذَا الْجَهْلَ وَالضَّلَالَ، وَقَدْ عَايَنُوا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مَا دَلَّهُمْ
عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ ذِي الْجَلَالِ [وَالْإِكْرَامِ (3) ] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا، قِيلَ كَانَتْ عَلَى صُوَرِ الْبَقَرِ، فَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُمْ: لِمَ يَعْبُدُونَهَا؟ فَزَعَمُوا لَهُمْ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ وَتَضُرُّهُمْ، وَيَسْتَرْزِقُونَ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَاتِ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ مِنْهُمْ صَدَّقُوهُمْ فِي ذَلِكَ، فَسَأَلُوا نَبِيَّهُمُ الْكَلِيمَ الْكَرِيمَ الْعَظِيمَ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا لِأُولَئِكَ آلِهَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ مُبَيِّنًا لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ: " إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ".
ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فِي تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَالِمِي زَمَانِهِمْ بِالْعِلْمِ وَالشَّرْعِ، وَالرَّسُولِ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَمَا أَحْسَنَ بِهِ إِلَيْهِمْ وَمَا
__________
(1) لَيست فِي ا (2) سُورَة الاعراف 138، 139.
(3) سَقَطت من ا.
(*)

امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِنْجَائِهِمْ مِنْ قَبْضَةِ فِرْعَوْنَ الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ، وَإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وتوريثه إيَّاهُم ماكان فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ يَجْمَعُونَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّعَادَةِ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لِأَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْقَهَّارُ، وَلَيْسَ كُلُّ بَنِي إِسْرَائِيل سَأَلَ هَذَا السُّؤَال، بل [هَذَا (1) ] الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ فِي قَوْلِهِ: " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة " أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: " وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بل زعمتم أَن لن نجْعَل لكم موعدا (2) " فَالَّذِينَ زَعَمُوا هَذَا بعض النَّاس لاكلهم.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل حنين، فمررنا بسدرة فَقُلْنَا يَا رَسُول الله اجْعَل لنا هَذِه ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.
وَكَانَ الْكَفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ [مِنْ (3) ] قَبْلِكُمْ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ، ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح.
__________
(1) سَقَطت من ا.
(2) سُورَة الْكَهْف 47، 48.
(3) لَيست فِي ا.
(*)

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن إِسْحَق وَمَعْمَرٍ وَعَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا " ذَاتُ أَنْوَاطٍ " قَالَ فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.
قَالَ: " قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قوم مُوسَى: " اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ ماهم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ " * * * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا انْفَصَلَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ وَوَاجَهَ
بِلَادَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَدَ فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْجَبَّارِينَ، مِنْ الْحَيْثَانِيِّينَ وَالْفَزَارِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
فَأَمَرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وَمُقَاتَلَتِهِمْ، وَإِجْلَائِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَهُ لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَمُوسَى الْكَلِيمِ الْجَلِيلِ، فَأَبَوْا وَنَكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ، وَأَلْقَاهُمْ فِي التِّيهِ، يَسِيرُونَ وَيَحِلُّونَ وَيَرْتَحِلُونَ وَيَذْهَبُونَ وَيَجِيئُونَ، فِي مُدَّةٍ مِنَ السِّنِينَ طَوِيلَةٍ هِيَ مِنَ الْعَدَدِ أَرْبَعُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ * وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الارض فَلَا تأس على الْقَوْم الْفَاسِقين (1) ".
يذكرهم نَبِي الله نعْمَة الله عَلَيْهِم وإحسانه إِلَيْهِم بِالنِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمُقَاتَلَةِ أَعْدَائِهِ فَقَالَ: " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا ترتدوا على أدباركم " أَي تنكصوا على أعقابكم، وتنكلوا عَن قتال أعدائكم " فتنقلبوا خاسرين " أَيْ فَتَخْسَرُوا
بَعْدَ الرِّبْحِ، وَتَنْقُصُوا بَعْدَ الْكَمَالِ.
" قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ " أَيْ عُتَاةً كَفَرَةً مُتَمَرِّدِينَ " وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا داخلون " خَافُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ وَقَدْ عَايَنُوا هَلَاكَ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ أَجْبَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدُّ بَأْسًا، وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَأَعْظَمُ جُنْدًا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَلُومُونَ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَمَذْمُومُونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، مِنَ الذِّلَّةِ عَنْ مُصَاوَلَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمُقَاوَمَةِ الْمَرَدَةِ الْأَشْقِيَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسّرين [هَاهُنَا (2) ] آثارا فِيهَا مجازفات كَثِيرَة
__________
(1) الْآيَات: 20 - 26 من سُورَة الْمَائِدَة.
(2) لَيست فِي ا.
(*) (م - 7 قصَص الانبياء 2)

بَاطِلَةٌ، يَدُلُّ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ عَلَى خِلَافِهَا مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشْكَالًا هَائِلَةً ضِخَامًا [جِدًّا (1) ] حَتَّى إِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ رُسُلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ تَلَقَّاهُمْ رَجُلٌ مِنْ رُسُلِ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَ يَأْخُذُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَيَلُفُّهُمْ فِي أَكْمَامِهِ وحجرة سَرَاوِيلِهِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَجَاءَ بِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْجَبَّارِينَ، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ حَتَّى عَرَّفُوهُ.
وَكُلُّ هَذِهِ هَذَيَانَاتٌ وَخُرَافَاتٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا.
وَأَنَّ الْمَلِكَ بَعَثَ مَعَهُمْ عِنَبًا كُلُّ عِنَبَةٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، وَشَيْئًا مِنْ ثِمَارِهِمْ لِيَعْلَمُوا ضَخَامَةَ أَشْكَالِهِمْ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَذَكَرُوا هَاهُنَا أَنَّ عُوجَ بْنَ عُنُقَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْجَبَّارِينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيُهْلِكَهُمْ، وَكَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثَمِائَةِ [ذِرَاعٍ (2) ]
وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَثُلْثَ ذِرَاعٍ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ [طُولُهُ (1) ] سِتُّونَ ذِرَاعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ ".
قَالُوا: فَعَمَدَ عُوجُ إِلَى قِمَّةِ (3) جَبَلٍ فَاقْتَلَعَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا بِيَدَيْهِ لِيُلْقِيَهَا عَلَى جَيْشِ مُوسَى، فَجَاءَ طَائِرٌ فَنَقَرَ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَخَرَقَهَا فَصَارَتْ طَوْقًا فِي عُنُقِ عُوجَ بْنِ عُنُقَ.
ثُمَّ عَمَدَ مُوسَى إِلَيْهِ فَوَثَبَ فِي الْهَوَاء عشرَة
__________
(1) لَيست فِي ا (2) من ا.
(3) ا: قلَّة (*)

أَذْرُعٍ وَطُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَبِيَدِهِ عَصَاهُ وَطُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَوَصَلَ إِلَى كَعْبِ قَدَمِهِ فَقَتَلَهُ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ نَوْفٍ (1) الْبِكَالِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي إِسْنَادِهِ إِلَيْهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ مِنْ وَضْعِ جُهَّالِ بَنِي إِسْرَائِيل، فَإِن الاخبار الكاذبة قَدْ كَثُرَتْ عِنْدَهُمْ، وَلَا تَمْيِيزَ لَهُمْ بَيْنَ صِحَّتهَا وَبَاطِلِهَا.
ثُمَّ لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَعْذُورِينَ فِي النُّكُولِ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَى نُكُولِهِمْ، وَعَاقَبَهُمْ بِالتِّيهِ عَلَى تَرْكِ جِهَادِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ.
وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنْهُمْ بِالْإِقْدَامِ، وَنَهَيَاهُمْ عَنِ الْإِحْجَامِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
" قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ " أَيْ يَخَافُونَ اللَّهَ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ " يُخَافُونَ " أَيْ يهابون " أنعم الله عَلَيْهِمَا " أَيْ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ
وَالطَّاعَةِ وَالشَّجَاعَةِ " ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ * وَعَلَى اللَّهِ فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين " أَيْ إِذَا تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ، وَاسْتَعَنْتُمْ بِهِ وَلَجَأْتُمْ إِلَيْهِ، نَصَرَكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ [وَأَيَّدَكُمْ عَلَيْهِمْ] (2) وأظفركم بهم.
" قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " فصمم ملؤهم على النّكُول عَنِ الْجِهَادِ، وَوَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَوَهَنٌ كَبِيرٌ، فَيُقَالُ إِنَّ يُوشَعَ وَكَالِبَ لَمَّا سَمِعَا هَذَا الْكَلَام
__________
(1) المطبوعة: عَوْف.
محرفة.
(2) لَيست فِي ا.
(*)

شقا (1) ثيابهما، وَإِن مُوسَى وهرون سجدا إعظاما لهَذَا الْكَلَام وغضبا لله عزوجل، وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ مِنْ وَبِيلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.
" قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، فافرق بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الْفَاسِقين " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ.
" قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الارض فَلَا تأس على الْقَوْم الْفَاسِقين " عوقبوا على نكولهم بالتيهان فِي الارض، يَسِيرُونَ إِلَى غَيْرِ مَقْصِدٍ، لَيْلًا وَنَهَارًا وَصَبَاحًا وَمَسَاءً.
وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ التِّيهِ مِمَّنْ دَخَلَهُ، بَلْ مَاتُوا كُلُّهُمْ فِي مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذَرَّارِيُّهُمْ، سِوَى يُوشَعَ وَكَالِبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
لَكِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَقُولُوا لَهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ (2) مُوسَى لِمُوسَى، بَلْ لَمَّا اسْتَشَارَهُمْ فِي الذَّهَابِ إِلَى النَّفِيرِ تكلم الصّديق فَأحْسن، وَتكلم غَيره (3) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: " أَشِيرُوا عَلَيَّ "، حَتَّى قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: كَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ
فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاء، لَعَلَّ الله أَن يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقول سعد ونشطه ذَلِك.

ترجمة العالم المالكي ابوعمران الفاسي

أبو عمران موسى بن أبي حاج الغفجومي الفاسي (ت430هـ)



يعتبر أبو عمران الفاسي أحد أعلام المدرسة المالكية في المغرب في المائة الرابعة من الهجرة وأول الخامسة منها، كما يعتبر رمزا حضاريا من رموز الوطن؛ وذلك بسبب مشروعه السياسي الذي انتهى بتوحيد المغرب والأندلس في الربع الأخير من المائة الخامسة، فقد ارتبط اسمه باسم تلميذه وجاج بن زلو اللمطي مؤسس دار المرابطين، وهو الذي نفذ مشروع أبي عمران بانتدابه لتلميذه عبد الله بن ياسين للمساهمة في الحركة التربوية والجهادية التي تكللت بقيام الدولة المرابطية.[1]

ترجمته:2

هو أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي الفاسي القيرواني: الفقيه الحافظ العالم الإمام المحدث[3]، أصله من مدينة فاس ونزل القيروان [4]، ونسبه بن أبي حاج المالكي الغَفَجُومِي: نسبة إلى غفجوم فخذ من زناتة،  وهو من بيت مشهور بالعلم والنباهة، كانوا يعرفون ببني أبي حاج..[5]
 ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وهي السنة التي ولد فيها الحافظ الشهير ابن عبد البر النمري. يقول الحافظ أبو عمر بن عبد البر: «ولدت مع أبي عمران موسى بن عيسى في سنة واحدة سنة ثمان وستين وثلاثمائة»[6].
 و قد تلقى تعليمه الأول بها، غير أن ما عرف عنه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر جعله يصطدم بحكام المدينة المغراويين، مما اضطره إلى مغادرتها، فرحل إلى الأندلس ودخل قرطبة حيث تتلمذ على أبي محمد عبد الله الأصيلي وسعيد بن مريم وعبد الوارث بن سفيان وأبي الفضل أحمد بن قاسم وغيرهم..[7]، ثم استوطن القيروان وبها تفقه على الفقيه أبي الحسن علي بن محمد القابسي؛ وكان من كبار أصحابه ؛ وسمع بها أيضا من أبي بكر الدويلي، وعلي بن أحمد اللواتي السوسي، وغيرهم.
يقول جمال بامي متحدثا عن رحلة أبي عمران العلمية: «خرج في رحلة علمية لقي فيها أعلام العصر، فدخل قرطبة وتفقه بها عند أبي محمد الأصيلي، وسمع بها من أبي عثمان سعيد بن نصر، وأحمد بن قاسم التّاهَرْتي، وعبدالوارث بن سفيان وغيرهم، وأخذ بمصر القراءات عن أبي الحسن عبد الكريم بن أحمد بن أبي جدار، وتوجه مرارا إلى المشرق حاجّاً، ثم أجمع رَحْلَه إلى بلاد العراق حيث سمع من أبي الفتح ابن أبي الفوارس، وأبي الحسن المستملي، وأخذ القراءات عن أبي الحسن علي بن عمر الحمّامي، ودرس الأصول والعقليات على شيخ المالكية بها القاضي أبي بكر الباقلاني، ولقي جماعة غير هؤلاء الجلة»[8].
يقول ابن بشكوال: «ورحل إلى المشرق فحج حججا وأخذ القراءة عرضا عن أبي الحسن علي بن عمر الحمامي المقرئ وغيره، وسمع بمكة ومصر والقيروان. وتوجه إلى بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأقرأ بها القرآن أشهرا، وشاهد مجلس القاضي أبي بكر بن الطيب، ثم انصرف إلى القيروان وأقرأ الناس بها مدة، ثم ترك الإقراء ودارس الفقه وأسمع بها الحديث»[9].
وقال عياض: « قلت : حج غير مرة ، وأخذ القراءات ببغداد عن أبي الحسن الحمامي ، وغيره ، وسمع من أبي الفتح بن أبي الفوارس، والموجودين، وأخذ علم العقليات عن القاضي أبي بكر بن الباقلاني في سنة تسع وتسعين وسنة أربعمائة»[10].
ثم رجع-أبو عمران- إلى القيروان وحصلت له بها رئاسة العلم، وأخذ يبث العلم بها يُمنة ويسرة، فاختلف إليه نبهاء الطلبة الذين حجوا إليه من كل قطر، فكانوا يتلقفون كلامه، ويحفظون أقواله؛ إذ كان رحمه الله يجلس لهم للمذاكرة والسماع في داره من غدوة إلى الظهر، وممن ركن إلى درسه وآثره على غيره كبارُ أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن الذين تركوا شيخهم في الإقراء وعزموا على الجلوس إلى أبي عمران حيث رأوا أنه لا يحل التخلف عن مثله.
يقول الأستاذ كنون: «لما عاد من رحلته الطويلة وقد امتلأ وعاؤه علما وطارت سمعته في الأقطار وأقبل الناس عليه يأخذون عنه ويسمعون منه ويخدمونه ويجلون قدره حينئذ ضاق الطغاة به ذرعا ولم يقبلوا إنكاره عليهم، فاضطهدوه وأخرجوه من بلده فاس، فلجأ إلى القيروان التي تعرفه ويعرفها، واستقر بها نهائيا إلى أن توفي.. فيكون برجوعه هذا من رحلته المشرقية إلى فاس حيث أهله وعشيرته، وبيته الذي كان بيتا شهيرا ونبيها، فلما نبتْ به فاسُ ولقي من مضايقة أهلها ووُلاتها ما لقي، خرج منها مهاجرا أو مُبعدا. فأمّ القيروان وتَديَّرَها واستوطنها بقية حياته»[11].
وقد تخرج عليه خلق من الفقهاء والعلماء، منهم عبد الله بن رشيق الأندلسي؛ تفقه عليه واختص به، والإمام شيخ المالكية أبو محمد عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي الصقلي، وواجاج بن زلو اللمطي، وغيرهم.. يقول محمد مخلوف: «وأخذ عنه الناس من أقطار، واستجازه من لم يلقه؛ منهم: ابن محرز وعتيق السوسي وأبو القاسم السيوري»[12].
وكان تلامذة أبي عمران الذين تفقهوا به وأخذوا عنه جماعة من الفاسيين و السّبْتيين و الأندلسيين فضلا عن القيروانيين كأبي القاسم بن مُحرز, وأبي إسحاق التونسي, وأبي القاسم السيّوري، وأبي حفص العطار, وابن سعدون عبد الحق الصِّقلِّي، وعتيق السوسي، وأبي محمد الفحصلي , ومحمد بن طاهر بن طاوس, وسواهم.
يقول عياض: «فلم يزل إماما بالمغرب، أخذ عنه الناس، وتفقه عليه جماعة كثيرة ممن ذكرنا في أصحاب أبي بكر وغيرهم، كعتيق السوسي وأبي محمد الفحصيلي ومحمد بن طاهر بن طاوس وجماعة من الفاسيين والسبتيين والأندلسيين، فطارت فتاويه بالمشرق والمغرب، واعتنى الناس بقوله، وكان يجلس للمذاكرة والسماع في داره من غدوة إلى الظهر فلا يتكلم بشيء إلا كتب عنه إلى أن مات-رحمه الله-»[13].

أقوال العلماء فيه:

ذكر القاضي عياض عن تلميذه وقرينه حاتم بن محمد الطرابلسي الأندلسي حيث أثنى عليه وقال: « كان أبو عمران من أعلم الناس وأحفظهم ، جمع حفظ الفقه إلى الحديث ومعرفة معانيه ، وكان يقرأ القراءات ويجودها ، ويعرف الرجال والجرح والتعديل ، أخذ عنه الناس من أقطار المغرب والأندلس، واستجازه من لم يلقه، وخرَّج من عوالي حديثه نحو مائة ورقة. وقال لم ألق أحدا أوسع علما منه ، ولا أكثر رواية»[14].
 وقال عنه ابن بشكوال في الصلة:« أقرأ الناس بالقيروان، ثم ترك ذلك، ودرس الفقه، وروى الحديث»[15].
وقال أبو زيد الدباغ في معالم الإيمان: «كان فقيها عالما بفنون العلم، منها القرآن وعلومه، والحديث وعلله ورجاله، والفقه البارع، مع الورع التام، والهيبة والوقار والسكينة، قليل الضحك، عارفا بأصول الدين» [16].
 وممن حلاه من المعاصرين: الدكتور حسن الوراكلي في مداخلته بالندوة العلمية التي نظمها مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالر ابطة المحمدية للعلماء، قال: «ولم يكن أن يتبوأ منزلته المتميزة بين علماء عصره وعلماء العصور التالية لولا ما استفرغ من جهد في طلبه وتحصيله حين جلس إلى شيوخ بلدته فاس من تلامذة أبي ميمونة دراس بن إسماعيل، ثم حين توجه إلى القيروان حيث لازم أبا الحسن القابسي وأبا بكر الزويلي وعلي بن أحمد اللواتي السوسي، ثم حين اجتاز البحر إلى عدوة الأندلس حين جلس صحبة ابن عبد البر إلى أبي محمد الأصيلي وأبي عثمان سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان وأبي الفضل أحمد بن قاسم البزاز ، ثم حين ترك الأندلس في رحلته العلمية المشرقية التي قادته إلى مكة المكرمة حيث لقي رفقة أبي عمرو الداني طائفة من شيوخها وسمع منهم أمثال: أبي ذر الهروي وأبي الحسن بن أبي فراس وأبي القاسم السقطي، ثم إلى بغداد حيث جلس إلى جماعة من أشهرهم القاضي أبو بكر الباقلاني وأبو عبد الله بن أبي بكر الرازي وغيرهما، ثم إلى مصر حيث لقي من شيوخ العلم جماعة كان منهم: أبو الحسن بن أبي جدار وعبد الوهاب بن نصر..[فكانت له] سعة في التحصيل وبسطة في الاطلاع – ومشاركة في عدة علوم أبان عن تضلع وطول باع فيها خاصة علوم القرآن والحديث والفقه والأصول-ومقدرة متميزة على الحفظ والاستظهار»[17].
صلته بتلميذه وجاج بن زلو اللمطي، ومساهمته في قيام دولة المرابطين: ومن تلاميذه  وجّاج  بن زلو الشهير الذي كان أحد المؤسسين للدولة المرابطية، أخذ عنه بفاس قبل هجرته إلى القيروان، كما في كتاب"بيوتات فاس".
وتحكي المصادر التاريخية اقتران تاريخ تأسيس الدولة المرابطية بتاريخ هذا العالم –كما يقول محمد الفاسي [18]: «فقد اعتاد المؤرخون أن يصفوا لنا اتصال يحيى بن إبراهيم الكدالي بأبي عمران الفاسي في القيروان، ذلك الاتصال الذي أدى إلى أن يبعث أبو عمران بكتاب إلى وجاج بن زلو اللمطي ليختار أحد طلبته للقيام بمهمة الإرشاد في الصحراء مع يحيى بن إبراهيم. ويقع الاختيار على عبد الله بن ياسين الذي كان دخوله نقطة تحول في تاريخ الإسلام بإفريقية، حيث رأت أقطار إفريقية الغربية والوسطى-لأول مرة- نور الحضارة والحق والإيمان، ثم كان دخوله إلى المغرب على رأس المرابطين إيذانا ببزوغ عهد جديد ودولة جديدة في تاريخ هذه البلاد»، ويضيف: «بقي أن نرجع إلى نص صاحب بيوتات فاس الذي أثبت فيه أن أبا عمران الفاسي هو الذي ندب يحيى بن إبراهيم إلى حرب طغاة زناتة وبورغواطة، واستنادا على ذلك يكون أبو عمران-وهو بعيد عن وطنه- قد خطط الخطوط الأولى مع هذا الرئيس البربري لقيام دولة مغربية قوية الأسس صحيحة العقيدة، تكون لها الصلاحية للقضاء على هذه الفوضى السياسية والعقدية التي تخبط فيها المغرب عدة سنوات، حتى صار ميدانا لرجال العصبيات والأهواء يقودون أبناءه إلى حيث لا يعرفون المصير»، ويقول أيضا: «فأبو عمران-والنصوص تؤيدنا- هو المخطط الأول لبرنامج الدولة المرابطية، ولئن حالت وفاته سنة430هـ دون أن يشاهد ثمار غرسه، فإن التاريخ قد سجل صنيعه بمداد الفخار والإعجاب. فالدولة المرابطية التي خططت أهدافها في القيروان بين أبي عمران والأمير يحيى بن إبراهيم، كانت استجابة لضرورة حتمية يمليها الضمير الديني الذي يجعل من الإسلام الدعامة الكبرى والرابطة الوثقى لقيام الوحدة بين المسلمين»[19].

وفاته: 

وكانت وفاته-رحمه الله- في 13 رمضان سنة (430 هـ)، ودفن ببيته، وقبره معروف بالقيروان إلى اليوم رحمه الله رحمة واسعة. قال أبو عمرو المقرئ:  «توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة وهو ابن خمس وستين سنة..»[20]
ويقول عبد الله كنون: «وبقي أبو عمران بالقيروان على حاله من الاشتغال بالعلم والإفتاء والنصيحة والعناية الكاملة إلى أن جد له الشوق إلى الرحلة للمشرق مرة ثانية سنة426، فحج ولقي بمكة عبد الله بن أحمد الهروي فأخذ عنه، ثم قدم إلى القيروان ولم ينشب أن مرض ومات»[21].

تآليفه:

لم يشتهر أبو عمران الفاسي بالتأليف، وإنما عكف على التدريس، وتذكر المصادر أنه ألف كتاب "التعاليق على المدونة" يقول عنه عبد الله كنون: «وهو كتاب جليل، إلا أنه لم يكمله، وخرج عوالي حديثه في نحو مائة ورقة، ويوجد في مكتبة الإسكوريال بإسبانيا منسوبا إليه مخطوط يسمى:"كتاب الأحكام"»[22].. وذكر الأستاذ عبد السلام بنسودة في دليل مؤرخ المغرب الأقصى أن لعلامتنا فهرسة أي برنامجا لرواياته ومشيخته، ولعله هو الكتاب الثاني الذي ذكره عبد الله كنون وسماه بالفهرسة..وينقل القاضي عياض في "مداركه" ما يسميه "التعليق" لأبي عمران، وتساءل عبد الله كنون هل هذا عنوان لكتاب آخر أم لا؟ لا ندري...[23]

آراؤه:

لم يكن أبو عمران فقيها مدرسا فحسب، ولكنه كان أيضا نظارا ومتكلما وعالما بمسائل الوفاق والخلاف، ولقد كانت ترد عليه المسائل العويصة، أو ترد على ملك عصره"المعز بن باديس" فيعرضها عليه وعلى غيره من علماء القيروان، وكان هؤلاء السائلون كأنما كانوا يمتحنون هؤلاء العلماء، إما بصورة مباشرة وإما بوساطة من الأمير. وتذكر المصادر التاريخية التي أرخت لهذا العالم المقتدر بعضا من مناظراته، نذكر منها اثنتين:
 حول مسألة الكفار هل يعرفون الله تعالى أو لا؟ ذكرها القاضي عياض في المدارك، وفيها أن جماعة استشكلوا في أمر الكافر فطلبوا منه ردا؛ وقد جاء في خاتمتها: « كذلك الكافر، إذا قال إن لمعبود صاحبة وولدا، وأنه جسم، وعبد بعبادته من هذه صفته، فلم يعرف الله ولم يصفه بصفاته ولم يقصد بالعبادة إلا من هذا صفته يلد. وهو بخلاف المؤمن الذي يقول لك: إن معبوده الله الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، فهذا قد عرف الله ووصف بصفته، وقصد بعبادته من يستحق الربوبية سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فقامت الجماعة وقالوا له: جزاك الله خيرا من عالم، فقد شفيت ما في نفوسنا، ودعوا له، ولم يخوضوا في المسألة بعد هذا المجلس»[24].
وفي مسألة قول القائل: «أنا خير البرية»؛ ذكرها الدباغ في معالم الإيمان، قال: «قال أبو العباس الجعفري الأندلسي: قال رجل بالقيروان: أنا خير البرية. فهمَّت به العامة، ثم لبث فحمل إلى دار أبي عمران فقيل ذلك له، فقال له: أنت مؤمن؟ قال: نعم، قال: تصلي وتصوم وتفعل الخير؟ قال: نعم، قال: اذهب بسلام، قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)[سورة البينة/الآية:7] فانفض الناس عنه»[25].
وتحفل مختلف كتب الفقهاء المالكية وغيرهم بأقوال أبي عمران الفاسي وفتاويه في الفقه، وبآرائه في الأصول، والتفسير، والتراجم والرجال، منها تعاليق تتضمن تراجم بعض الفقهاء والمحدثين وقف عليها القاضي عياض وأفاد منها في كتابه ترتيب المدارك،  وله فهرسة عرف فيها بشيوخه ومروياته تعتبر من أقدم كتب الفهارس المغربية، ومن أسف أننا لا نجد بين أيدينا اليوم شيئا من مصنفاته سوى نقول عن بعضها مبثوتة في مصادر كثيرة، أما كتاب الدلائل والأضداد وكتاب النظائر المنسوبين إليه فهناك من الباحثين من ينفي نسبتهما إليه[26].

                                                                                                       

الهوامش:


[1] من مقدمة  كتاب : "أبو عمران الفاسي حافظ المذهب المالكي" وهو كتاب يضم بحوث الندوة العلمية التي نظمها مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء بمناسبة مرور ألف عام على وفاة أبي عمران الفاسي، والتي أقيمت يوم الخميس 4جمادى الأولى1430هـ الموافق 30 أبريل2009 بالرباط.
[2] شجرة النور الزكية/ ص:255-رقم:312- التشوف إلى رجال التصوف/ ص:72-73- ترتيب المدارك:1265/ص:495- كتاب الصلة: رقم: 1340/ص:475-476- الديباج المذهب/ ج/2-ص:269- معالم الإيمان-ج/3-ص: 162- رقم:282- ذكريات مشاهير رجال المغرب/190
[3] شجرة النور الزكية في طبقات المالكية-تأليف محمد بن محمد مخلوف-تحقيق:علي عمر-مكتبة الثقافة الدينية/القاهرة-الطبعة الأولى/2006-ج/1-ص:255-رقم:312
[4] التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات يوسف بن يحيى التادلي-تحقيق:علي عمر- مكتبة الثقافة الدينية/القاهرة-الطبعة الأولى/2007-ص:72-73-
[5-6] ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض-تحقيق: علي عمر- دار الأمان/الرباط-الطبعة الأولى/2007-ص:495-رقم: 1265
[7] معلمة المغرب-ص:6184
[8] مقال جمال بامي بجريدة"ميثاق الرابطة" : 29 - 01 – 2010
[9] كتاب الصلة: رقم: 1340-ص:475-476
[10] ترتيب المدارك - ص: 546
[11] في مجلة الثقافة المغربية (عدد:1/ 1970) و ذكريات مشاهير رجال المغرب-ص:190
[12] شجرة النور-ج/1-ص:255-رقم:312
[13-14] ترتيب المدارك ج3/496.
 [15] كتاب الصلة: رقم: 1340-ص:475-476
[16] معالم الإيمان-ج/3-ص: 162- رقم:282
[17] مداخلة الدكتور حسن الوراكلي من كتاب : "أبو عمران الفاسي حافظ المذهب المالكي"-ص:81 فما فوق
[18-19] مداخلة محمد الفاسي من كتاب : "أبو عمران الفاسي حافظ المذهب المالكي"-باب: الملاحق-ص:81 3 فما فوق
[20] كتاب الصلة: رقم: 1340-ص:475-476
[21] ذكريات مشاهير رجال المغرب-عبد الله كنون-ص:90-وانظر مداخلته من كتاب : "أبو عمران الفاسي حافظ المذهب المالكي"-باب: الملاحق-ص:57 3 فما فوق
[22-23] نفسه
[24] ترتيب المدارك ج3/496
[25] معالم الإيمان-ج/3-ص: 162- رقم:282
[26] ذكريات مشاهير رجال المغرب-عبد الله كنون-ص:90-وانظر مداخلته من كتاب : "أبو عمران الفاسي حافظ المذهب المالكي"-باب: الملاحق-ص:57 3 فما فوق-وقد حفلت هذه المداخلات بالعديد من الإشارات إلى غسهام العلامة أبي عمران الفاسي في شتى مناحي العلوم : كالفقه والأصول والحديث والفتوى.

الإمام النووي .. حياة مع العلم

نسب النووي ونشأته
هو أبو زكريا، محيي الدين يحيى بن شرف النووي. ولد في قرية نوى وهي قرية من قرى حَوْران في سوريا عام 631هـ لأبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم. وفي سنة 649هـ قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي. وفي عام 651 هـ حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق، وهناك أكب على علمائها ينهل منهم.


أخلاق الإمام النووي وصفاته
كان الإمام النووي مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، يقول الحق وإن كان مرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان الزهد والورع أهم ملامح شخصيته؛ حيث أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أنه كان رأسًا في الزهد، قدوة في الورع، عديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وكان رحمه الله لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، وكان لا يأخذ من أحد شيئا، وكان كثيرًا ما يكاتب الأمراء والوزراء، وينصحهم لما فيه خير البلاد والعباد.


حياة النووي العلمية
تميزت حياته العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور:


الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه.
والثاني:سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، فقد كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا.
الثالث: غزارة إنتاجه، فقد بدأ به عام 660 هـ، أي في الثلاثين من عمره، وقد بارك اللّه له في وقته، وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةَ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار. وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم.
وكان النووي لا يضيع وقتًا في ليل أو نهار إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه كان يشتغل في تكرار أو مطالعة، وبقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين؛ ثم اشتغل بالتصنيف والمناصحة للمسلمين وولاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء، وكان بعيد المراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من السوء، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة، وكان مُحَقِّقًا في علمه وفنونه، مدققًا حافظًا لحديث رسول الله عز وجل عارفًا بأنواعه كلها، من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، كما صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل؛ فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان سريع الحفظ؛ حفظ عدة كتب في مُدَدٍ وجيزة، فنال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها.
وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار -على لسان النووي- عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط، وثالثًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين، وخامسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرسًا في إصلاح المنطق لابن السكيت في اللغة، ودرسًا في الصرف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.
وسمع منه خلق كثير من الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق، وانتفع الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه، وأكبوا على تحصيل مؤلفاته.


شيوخ الإمام النووي
سمع النووي أبا الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر، ومحمد بن أحمد المقدسي وهو أجل شيوخه، وأبا إسماعيل بن أبى إسحاق إبراهيم ابن أبى اليسر وأبا العباس أحمد بن عبد الدائم، وأبو البقاء خالد النابلسي، وأبا محمد عبد العزيز بن عبد الله محمد بن عبد المحسن الأنصاري، والضياء بن تمام الحيصي، والحافظ أبا الفضل محمد بن محمد البكري، وأبا الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد خطيب دمشق، وأبا محمد عبد الرحمن بن سالم ين يحيى الأبناري، وأبا زكريا يحيى بن الفتح الصيرفي الحراني، وأبا إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فاضل الواسطي وغيرهم.


إسهامات النووي العلمية

النووي فقيهًا
يقول ابن العطار:"كان حافظًا للمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جميعه وما هجر، سالكًا في كلها طريقة السلف".
النووي محدثًا
كلَّما جاءت فترة من الزمن جاء لها محدِّثون ووجدوا في الحديث شغلاً جديدًا: استدراكًا أو شرحًا أو تصحيحًا؛ وفي فترة العصور الإسلامية الوسطى وُجِدَ أمثال ابن الصلاح والنووي والمِزِّيّ والذهبي؛ وامتاز النووي من بينهم بأنه فقيه الأمة، وقلما اجتمع لعالم تبحر في الفقه وإتقان لعلوم الحديث [1].
ويروي ابن العطار أن النووي سمع الصحيحين (البخاري ومسلم.) وسنن أبي داود والترمذي ، والنسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإسفراييني، وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب، وأجزاء كثيرة غير ذلك.. نقلت ذلك جميعه من خط الشيخ رحمه الله".
النووي وفقه الحديث
ما كان النووي يحبس علمه في الحديث في نطاق الرواية التي هي كالنوافل للمُحَدِّثِين، وإنما كان هَمُّه في الحديث معرفة ما ذكره في مقدمة شرحه لصحيح مسلم، ثم الانصراف إلى فِقْهِهِ. وقد سمع منه الكثيرون؛ منهم أبو الفتح، والمِزِّيّ، وابن العطار.
النووي وعلم اللغة
لا يقوى أحدٌ على فهم الكتاب والسنة والتفقه بهما واستنباط الأحكام منهما، ويستوعب عبارات أئمة الدين من المتقدمين بل المتأخرين، حتى يتقن العربية: نحوها وصرفها واشتقاقها، ومعاني مفرداتها، وهذا ما يراه النووي ويحث عليه، يقول رحمه الله في مقدمة كتابه تهذيب الأسماء واللغات: "ولا حاجة إلى الإطالة في الحث عليها، فالعلماء مجمعون على الدعاء إليها، بل شرطوها في المفتي والإمام الأعظم والقاضي لصحة الولايات، واتفقوا على أن تعلمها من فروض الكفايات" [2].
وكتابا النووي "تحرير التنبيه"، "تهذيب الأسماء واللغات" يدلان على تمكن الإمام بعلم اللغة تمكنًا قل نظيره في نظرائه في عصره.


محاولة اشتغال النووي بالطب
يقول النووي: "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون (لابن سينا) وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيَّامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب فاستنار قلبي ورجع إلى حالي، وعدت لما كنت عليه أولاً" [3]؛ ولعلَّ الظلمة التي أصابت قلبه مرجعها إلى أنه لم يألف الطب، أو لعلَّه استغلقت عليه مسائله. ويجوز أن يكون النووي قد تأثر -في رغبته دراسة الطب- بمقولة إمامه الشافعي:"لا أعلم علمًا -بعد الحلال والحرام- أنبلَ من الطب" [4].


أهم مناصب النووي
باشر الإمام النووي التدريس في المدرسة الإقبالية، نيابة عن ابن خلكان إلى آخر سنة 669هـ [5]. كما ناب النووي -أي صار نائبًا- في مدرستي الفلكية والركنية [6].
وتولى النووي دار الحديث الأشرفية في الفترة (665- 676هـ)؛ وهي أشهر دار في بلاد الشام لعلم الحديث، والمتعارف عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيم وقته في العلم، وخصوصًا علم الحديث، ومن لقب بشيخ دار الحديث، نال في العلم أجل الألقاب، وقد وليها قبل النووي: تقي الدين بن الصلاح، وشهاب الدين أبو شامة المقدسي.
وقال التاج السبكي:"قال والدي: إنه ما دخلها -أي دار الحديث الأشرفية- أعلم ولا أحفظ من المزي، ولا أورع من النووي وابن الصلاح" [7].


مؤلَّفات الإمام النووي
عاش الإمام النووي (46 سنة) فقط، ورغم هذا فقد ترك من المؤلفات ما لو قسم على سني حياته لكان نصيب كل يوم كراستين [8]؛ فإذا علمنا أنه لم يبدأ العلم إلا في سن (18 سنة)، فأي مضاء وأي عزيمة وقدرة وبركة في العمر آتاه الله إياها!!


ومن أشهر ما صنَّف النووي:
- شرح مسلم: يبحث السند، واللغة وتسمية ما يجهل اسمه، وشرح المعنى، وما يستنبط من الحديث، ومن قال بظاهر الحديث ومن خالف وما حجته، مع فوائد كثيرة أخرى.
- الروضة "روضة الطالبين":والروضة من الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب الشافعي، اختصرها النووي من كتاب الإمام الرافعي "الشرح الكبير"، وأثنى عليها الأئمة.
- المنهاج: من أكثر كتب النووي تداولاً، اختصره من "المحرَّر" للرافعي، وله فيه تصحيحات واختيارات.
- رياض الصالحين: لم يبلغ كتاب من كتب الحديث والوعظ من الانتشار والثقة ما بلغه هذا الكتاب، وشرحه العلامة محمد بن علي الصديقي الشافعي في كتاب "دليل الفالحين لطريق رياض الصالحين".
- الأذكار: ذكر فيه عمل اليوم والليلة، وزاد عليها أذكار المناسبات مع كثير من الأحكام المتناسبة مع الذكر.


كتب أخرى للنووي:
التبيان، تحرير التنبيه، تصحيح التنبيه، الإيضاح في المناسك، الإرشاد، التقريب، الأربعين النووية، بستان العارفين، مناقب الشافعي، مختصر أسد الغابة، الفتاوى، أدب المفتي والمستفتي، مختصر آداب الاستسقاء، رؤوس المسائل، تحفة طلاب الفضائل، الترخيص في الإكرام والقيام، مسألة تخميس الغنائم، مختصر التذنيب، مسألة نية الاغتراف، دقائق المنهاج والروضة، التقريب والتيسير.


وفاة الإمام النووي
توفي الإمام النووي سنة (676هـ) بعد أن رجع إلى نَوى وردَّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وزار والدَه وزار بيت المقدس والخليل، ثم عاد إلى نوى؛ فمرض بها، ومات في 24 من رجب؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[1] عبد الغني الدقر: الإمام النووي ص55.
[2] النووي: تهذيب الأسماء واللغات، 1/ 3.
[3] السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث، ص6- 7، والتذكرة 4/1470.
[4] انظر: عبد الغني الدقر: الإمام الشافعي ص273.
[5] ابن كثير: البداية والنهاية 13/ 279.
[6] السابق نفسه.
[7] النعيمي، عبد القادر: الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية - بيروت 1990م، 6/ 36.
[8] والكراسة: كتيب أو فصل في كتاب؛ تقول: قرأت كراسة في كتاب سيبويه، حوالي 40 صفحة

العالمة الجليلة خديجة بنت الإمام سُحنون


العالمة الجليلة خديجة بنت الإمام سُحنون

 أنجبت القَيْروان في تونس خلال فترة ازدهارها العلمي ونبوغ حضارتها جهابذة من العلماء والمحدِّثين والفقهاء والشعراء والأدباء. هؤلاء الأعلام لم يكونوا من الرجال فحسب؛ فبعض النساء في ذلك الوقت بلغن في علمهن وأدبهن مراتب عليا وشأواً عظيماً. ومن بين ما تذكرهن المصادر التاريخية.. العالمة الجليلة خديجة بنت الإمام سُحنون رحمهما الله.
«كانت من خيار النساء ومن أحسنهن وأعقلهن» كذا وصفها القاضي عياض في كتابه: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك».

المنبت الطيب

هي بنت الإمام سحنون واسمه: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه وقاضي قضاة القيروان صاحب (المُدَوَّنة) في الفقه المالكي، المرجع الأساس للمذهب المالكي في ديار الإسلام.

وفي (تاريخ القيروان) لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي قال: قال أبو العرب: «اجتمعت في سحنون خِلالٌ قَلّما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزَّهَادة في الدنيا، والتخشّن في المَلْبس والمَطْعم، والسماحة. ولم يكن يهاب سلطاناً في حق، شديداً على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمعوا على فضله»، ولقد لُقِّب بسحنون تيمُّناً بطائر قويّ البصر، لِحدّته في مسائل الفقه وشدة ذكائه.

وهي أخت العالم الكبير محمد صاحب أول رسالة في التربية والتعليم وهي: (آداب المعلمين)، قال عنه ابن الجزار الطبيب الأديب المؤرخ: «كان إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، سمحاً بما له، كريماً في معاشرته، نفّاعاً للناس، مطاعاً، جواداً بماله وجاهه، وجيهاً عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات».

وهي بالتالي بنَتْ «دار سحنون» الشهيرة بالقيروان التي نوّه بها المؤرخون وأصحاب الطبقات قال عنها ابن حارث: «قام سؤدد العلم في دار سحنون نحو مائة عام وثلاثين عاماً من ابتداء طلب سحنون وأخيه إلى موت ابن ابنه محمد بن محمد بن سحنون».

التفوق في العلم

وصف أصحاب الطبقات تلاميذ ابن سحنون بقولهم: كان أصحاب سحنون مصابيح في كل بلدة وعددهم نحو سبع مائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجلسه.

فإذا كان هكذا حال تلاميذه؛ فكيف كان حال أهل بيته؟

كانت خديجة من العلماء الكبار والعالمات القيروانيات ممن أخذوا عن سحنون وساروا على دربه ومنهجه. وقد كان نساء زمانها يستفتينها في مسائل الدين، ويقتدين بها في معضلات الأمور لما منحها الخالق جل ثناؤه من كمال العقل والمدارك العالية.

العقل الراجح

لقد وردت أخبار عنها من ذلك أن سحنون حينما علم بقرار تعيينه قاضياً بالقيروان تَمَنَّع وتمَلََّص فأغلظ عليه الأمير محمد بن الأغلب أشد الغِلظة، وحلف عليه بأشد الأَيْمان حتى وافق، فبلغ به الغم والحزن لعِظَم الأمر عليه أنّ أحداً من الناس لم يجرؤ على تهنئته، ويروى أنه دخل على ابنته خديجة حينما عُرض عليه تولي القضاء قائلاً: «اليوم ذُبح أبوك بغير سكين»، وكان العلماء يتورّعون عن تولّي القضاء لعِظَم المسؤولية أمام الله وأمام عباده وخوفاً من مخالطة الحكام والتعرّض لضغوط منهم لإصدار الأحكام الظالمة.

يقول حسن حسني عبد الوهاب في كتابه (شهيرات التونسيات): «كان أبوها يحبّها حبّاً شديداً ويستشيرها في مهمات أمورهحتى أنه لما عُرض عليه القضاء لم يقبله إلا بعد أخذ رأيها، وكذا كان يفعل أخوها محمد بعد وفاة أبيهما».

الحياء والحشمة

قال أبو داود العطار: أرسلني أبو جعفر أحمد بن لبدة ابن أخي سحنون لأخطب له خديجة من أبيها وكانت من أحسن النساء، وأعقلهن، فذكرت ذلك لسحنون فقال لي: هممتُ بذلك، وسكت، ثم أتاه ابنه محمد فاستشاره ولم يُجب الخطبة، أي لم يوافق.

وتوفي سحنون فأرسلني ابن لبدة إلى محمد ابنه، فذكرت ذلك له فقال: «كيف أتجاسر على ما لم يصنعه أبي؟»، فسكت عنه حتى توفي محمد، فأرسلني إليها فقالت: «ما لم يفعل أبي وأخي أنا أصنعه؟ لا أفعل أبداً». 

ويعلق المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب على هذا الخبر بقوله: «لعمرك إنما منع خديجة من الزواج بقريبها العالم: الحياء والحشمة التي فُطرت عليها وكأنها أرادت احترام نيّة والدها وأخيها ولو أدّى ذلك الانقباض إلى تضحية شبابها والاقتصار على أشغال حياتها بما يُرضي الرب من صلاة وعبادة ونصيحة وإفادة».

وفاتها

ماتت وهي بِكر في حدود سنة 270هـ، ودُفنت حذو أبيها بمقبرتهم المشهورة بهم قرب مقام الصحابي أبي زمعة البلوي رضي الله عنه.

تميمة يوسف ابن تاشفين .. رجاحة العقل وحسن التدبير

 تميمة يوسف ابن تاشفين ..الأميرة التي جمعت بين رجاحة العقل وحسن التدبير


تميمة ابنة أعظم ملوك المغرب، يوسف بن تاشفين، والأخت الشقيقة لـ«علي»، ولي العهد الذي أصبح ملكا من بعد أبيه، والذي عرف عنه أنه كان فقيها زاهدا أكثر منه ملكا كان يقوم الليل ويصوم النهار.
كانت تميمة ابنة يوسف من زوجته الرومية.. والدتها كانت مسيحية أسلمت بعد زواجها بالسلطان «يوسف بن تاشفين»، وكانت تسمى لجمالها الفائق ” فاض الحسن ” و” منو»، ولكن أكثر اسم عرفت به هو «قمر» الرومية.
عرف عن الدولة المرابطية أنها منحت مكانة متميزة للمرأة وظهر في عهدهم أديبات وراويات للحديث وحافظات للقرآن وبالناظمات للشعر، ومن بين هؤلاء الأميرة تميمة.
احتفظ التاريخ في طياته بأخبار تمدح في صفاتها، وجميعها تصف الأميرة تميمة بكاملة الحسن وراجحة العقل، المشهورة بالأدب والكرم، جيدة النادرة. وكانت تنظم الشعر بشكل جيد، لكن التاريخ لم يحفظ ما جادت به قريحتها إلا من أبيات قليلة، وقيل إنها سكنت بفاس وهناك من يقول بمكناس.

الأميرة المدبرة

تربت تميمة أو أم طلحة اللمتونية، كما كانت تكنى، في كنف دولة لم يكن فيها رجال الدولة وأمراؤها يرون غضاضة في تنشئة بناتهم على دراسة الأدب رغم ما عرف عنهم من تشدد في الدين.
سمت تنشئة تميمة بها إلى مقام شهيرات عصرها في الأدب والكرم، وكانت شغوفة بالأدب والشعر، مما خول لها المشاركة، إلى جانب الكثيرات من نساء الدولة المرابطية، في الحركة الفكرية بنصيب وافر من العلم والأدب ولم تثنها هذه القيم الجمالية والفكرية عن الاهتمام بثروتها المادية والإشراف عليها من أجل تنميتها.
ورثت الأميرة تميمة عن والدها يوسف بن تاشفين ثروة كبيرة ويقال إنهم وجدوا في بيت المال بعد وفاته، ثلاثة عشر ألف ربع من الورق، وخمسة آلاف وأربعين ربعا من دنانير الذهب المطبوعة»، عملت على تنميتها وتطويرها.
زاد تميمة ثراء ما حظيت به من امتيازات في فترة حكم أخيها عليا ابن قمر الرومية، فتوسعت في جمع الثروة، شأنها شأن باقي المحظوظين من أمراء وشيوخ صنهاجة، ممن استأنسوا برقة الحضارة، خلافا لما كان عليه الدعاة الأولون الذين اشتهروا بالتقشف في حياتهم.
تبقى رجاحة العقل، وحسن تدبير الثروات، من أهم الخصال التي ميزت تميمة بنت يوسف بن تاشفين، عن باقي المحظوظين من أبناء وبنات جلدتها، الذين تباهوا بحياة البذخ والترف، فقد أتقنت تميمة لغة وفن تدبير الثروات، فغدت برجاحة عقلها وحسن تدبيرها لثروتها من أثرياء قومها، مقدمة بذلك نموذجا عن المرأة المغربية المدبرة والمسيرة للثروات في عصرها.

ناظمة الشعر

إشراف تميمة بنفسها على إدارة ثروتها، لم ينقص مما كان لها من نفوذ معنوي ومادي بين قومها، وتعيينها لمحاسب لمساعدتها في تدبير شؤون متاعها المادي، لم يرفع عنها حصانة العفيفات الطاهرات،  فسمو وشموخ ابنة يوسف بن تاشفين الذي يفضل أن يقدم نفسه كمؤمن، حشوه الخشوع والتواضع» ، يترجمهما ما قالته لكاتبها لما دخل عليها وهي سافرة، فبهت، وكانت قد أمرت بمحاسبته، فلما نظرت إليه عرفت ما دهاه، ففطنت لما اعتراه، فأومأت إليه وأنشدت قائلة:
هي الشمس مسكنها في السماء                        فعز   الفؤاد    عزاء   جميلا
فلن   تستطيع    إليها    الصـعودا                          ولن تستطيع  إليك   النزولا
كانت تميمة شقيقة أمير المسلمين «علي» تطلب العلم، وتحفظ الشعر، وتجيده، وتتخذ الموكلين والكتاب، وتظهر إليهم في غير ما حياء أو خجل، وتحاسبهم دون أن تجد غرابة في ذلك.
لم يعرف تاريخ وفاة الأميرة تميمة ولم يحفظ لها التاريخ إلا بالقليل من أخبارها وبأبيات قليلة من شعرها، للأسف، التي ضاعت كما تذكر مصادر معتمدة، لكنها تذكر ولو بتلك الأخبار المتناثرة هنا وهناك أنها من ضمن نساء الدولة المرابطية، الأديبات المشهورات بالأدب والكرم والرقة ورمزا شامخا يظهر وضعية المرأة في العهد المرابطي

قصص الأنبياء == ذِكْرُ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ 5/6

يَنْتَهُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَلَا تطغوافيه فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي، وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فقد هوى " أَيْ فَقَدْ هَلَكَ وَحَقَّ لَهُ وَاللَّهِ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ، وَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ غَضَبُ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ.
وَلَكِنَّهُ تَعَالَى مَزَجَ هَذَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ، بِالرَّجَاءِ لِمَنْ أَنَابَ وَتَابَ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى مُتَابَعَةِ الشَّيْطَانِ الْمَرِيدِ، فَقَالَ: " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى ".

سُؤال الرُّؤْيَة (1) قَالَ تَعَالَى: " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَالَ مُوسَى لاخيه هرون اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قَالَ لَنْ تَرَانِي، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ
يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِ شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا، سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ (2) ".
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ وَمُجَاهِدٌ: الثَّلَاثُونَ لَيْلَةً هِيَ شَهْرُ ذِي الْقعدَة بِكَمَالِهِ، وأتمت أَرْبَعِينَ لَيْلَة بِعشر من ذِي الْحِجَّةِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ (3) لَهُ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، وَفِي مِثْلِهِ أَكْمَلَ
__________
(1) لَيْسَ فِي ا (2) الْآيَات: 142 - 147 من سُورَة الاعراف.
(3) ا: كَلَامه لَهُ.
(*)

الله عزوجل لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَهُ، وَأَقَامَ (1) حُجَّتَهُ وَبَرَاهِينَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الْمِيقَاتَ، وَكَانَ فِيهِ صَائِمًا يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْتَطْعِمِ الطَّعَامَ، فَلَمَّا كَمَلَ الشَّهْرُ أَخذ لحاء شَجَرَة فمضغه ليطيب ريح فَمه، فَأمره اللَّهُ أَنْ يُمْسِكَ عَشْرًا أُخْرَى، فَصَارَتْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ خَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ اسْتَخْلَفَ عَلَى شعب بني إِسْرَائِيل أَخَاهُ هرون، الْمُحَبَّبَ الْمُبَجَّلَ الْجَلِيلَ.
وَهُوَ ابْنُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَوَزِيرُهُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى مُصْطَفِيهِ، فَوَصَّاهُ، وَأَمَرَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي نُبُوَّتِهِ مُنَافَاةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا " أَي فِي الْوَقْت الَّذِي
أَمر بالمجئ فِيهِ " وَكَلمه ربه " أَيْ كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَسْمَعَهُ الْخِطَابَ، فَنَادَاهُ وَنَاجَاهُ، وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ.
وَهَذَا مَقَامٌ رَفِيعٌ وَمَعْقِلٌ مَنِيعٌ، وَمَنْصِبٌ شَرِيفٌ وَمَنْزِلٌ مُنِيفٌ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَتْرَى، وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى.
وَلَمَّا أُعْطِيَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَلِيَّةَ وَالْمَرْتَبَةَ السَّنِيَّةَ، وَسَمِعَ الْخِطَابَ، سَأَلَ رَفْعَ الْحِجَابِ، فَقَالَ لِلْعَظِيمِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الابصار القوى الْبُرْهَان: " رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي " ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ تَجَلِّيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لِأَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى وَأَكْبَرُ ذَاتًا وَأَشَدُّ ثَبَاتًا مِنَ الْإِنْسَانِ، لَا يَثْبُتُ عِنْدَ التَّجَلِّي مِنَ الرَّحْمَنِ، وَلِهَذَا قَالَ: " وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني " وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: " يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِس إِلَّا تدهده (2) ".
__________
(1) ا: وَإِقَامَة.
(2) تدهده: تدحرج.
(*)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِي رِوَايَةٍ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ (1) وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " لَا تُدْرِكهُ الابصار " ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، إِذَا تَجَلَّى لشئ لَا يقوم لَهُ شئ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ".
قَالَ مُجَاهِدٌ: " وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف
تراني " فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْكَ وَأَشَدُّ خَلْقًا، " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ " فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَلِ لَا يَتَمَالَكُ، وَأَقْبَلَ الْجَبَلُ فَدُكَّ عَلَى أَوَّلِهِ، وَرَأَى مُوسَى مَا يَصْنَعُ الْجَبَلُ فَخَرَّ صَعِقَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، زَادَ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَيْثٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للجبل جعله دكا " قَالَ هَكَذَا بِأُصْبُعِهِ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، فَسَاخَ الْجَبَلُ.
لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تجلى - يعْنى من العظمة - مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ الْخِنْصَرِ فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا، قَالَ: تُرَابا، " وخر
__________
(1) السبحات: الانوار.
(*) " 8 - قصَص الانبياء 2 "

مُوسَى صعقا أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَيِّتًا.
وَالصَّحِيحُ الاول لقَوْله: " فَلَمَّا أَفَاق " فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ غَشْيٍ " قَالَ سُبْحَانَكَ " - تَنْزِيهٌ وَتَعْظِيمٌ وَإِجْلَالٌ أَنْ يَرَاهُ بِعَظَمَتِهِ أحد، " تبت إِلَيْك " أَيْ فَلَسْتُ أَسْأَلُ بَعْدَ هَذَا الرُّؤْيَةَ، " وَأَنَا أول الْمُؤمنِينَ " أَنه لَا يراك [أحد (1) ] حَيّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَا بس إِلَّا تَدَهْدَهَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق عَمْرو بن يحيى بن عمار بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٍ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟ " لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَهُ الْأَنْصَارِيُّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ.
وَفِيهِ: " لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى " وَذَكَرَ تَمَامَهُ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، أَوْ نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ وَالْعَصَبِيَّةِ، أَوْ لَيْسَ هَذَا إِلَيْكُمْ بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، وَلَيْسَ يُنَالُ هَذَا بِمُجَرَّد الرَّأْي، بل بالتوقيف.
__________
(1) من ا.
(*)

وَمَنْ قَالَ إِنَّ هَذَا قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ نُسِخَ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، فَفِي قَوْلِهِ نَظَرٌ، لَأَنَّ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَا هَاجر أَبُو هُرَيْرَة إِلَّا عَام حنين مُتَأَخِّرًا، فَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَذَا إِلَّا بَعْدَ هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَفْضَلُ الْبَشَرِ بَلِ الْخَلِيقَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجت للنَّاس " وَمَا كَمُلُوا إِلَّا بِشَرَفِ نَبِيِّهِمْ.
وَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ".
ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، الَّذِي تَحِيدُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، حَتَّى أُولُو
الْعَزْمِ الْأَكْمَلُونَ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى بن مَرْيَمَ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ - أَيْ آخِذًا بِهَا - فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الصَّعْقَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْخَلَائِقِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، حِينَ يَتَجَلَّى الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُصْعَقُونَ مِنْ شِدَّةِ الْهَيْبَةِ وَالْعَظَمَةِ والجلاء، فَيَكُونُ أَوَّلَهُمْ إِفَاقَةً مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُصْطَفَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ.
قَالَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " أَفلا أَدْرِي أصعق فأفاق قبلى؟ " أَي وَكَانَت (1) صَعْقَتُهُ خَفِيفَةً، لِأَنَّهُ قَدْ نَالَهُ بِهَذَا السَّبَبِ فِي الدُّنْيَا صَعْقٌ، " أَوْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟ " يَعْنِي فَلم يصعق بِالْكُلِّيَّةِ.
__________
(1) ا: وَكَانَت.
(*)

وَهَذَا فِيهِ شرف كَبِير لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَلِهَذَا نَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَرَفِهِ وَفَضِيلَتِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَمَّا ضَرَبَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، قَدْ يَحْصُلُ فِي نُفُوسِ الْمُشَاهِدِينَ لِذَلِكَ هَضْمٌ بِجَنَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضِيلَتَهُ (1) وَشَرَفَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وبكلامي " أَي فِي ذَلِك الزَّمَان، لاما (2) قَبْلَهُ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَفْضَلُ مِنْهُمَا، كَمَا ظَهَرَ شَرَفُهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَكَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: " سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكن من الشَّاكِرِينَ " أَيْ فَخُذْ مَا أَعْطَيْتُكَ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْكَلَامِ، وَلَا تَسْأَلْ زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ذَلِك.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ " وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ جَوْهَرٍ نَفِيسٍ، فَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَفِيهَا مَوَاعِظُ عَنِ الْآثَامِ، وَتَفْصِيلٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْحَلَال وَالْحرَام.
" فَخذهَا بِقُوَّة " أَيْ بِعَزْمٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ قَوِيَّةٍ " وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا
__________
(1) ا: فَضله (2) ا: فِيمَا قبله.
(*)

بأحسنها " أَن يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها " ساريكم دَار الْفَاسِقين " أَي سَتَرَوْنَ عَاقِبَةَ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِي، الْمُخَالِفِينَ لِأَمْرِي، الْمُكَذِّبِينَ لرسلي.
" سأصرف عَن آياتي " [أَيْ عَنْ فَهْمِهَا وَتَدَبُّرِهَا، وَتَعْقُّلِ مَعْنَاهَا الَّذِي أُرِيدَ مِنْهَا، وَدَلَّ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهَا (1) ] " الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا " أَيْ وَلَوْ شَاهَدُوا مَهْمَا شَاهَدُوا (2) مِنَ الْخَوَارِقِ والمعجزات، لَا ينقادون لِاتِّبَاعِهَا، " وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا " [أَيْ لَا يَسْلُكُوهُ وَلَا يَتَّبِعُوهُ (1) ] " وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " أَيْ صَرَفْنَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا، وَتَغَافُلِهِمْ عَنْهَا، وإعراضهم عَن التَّصْدِيق بهَا والتفكير فِي مَعْنَاهَا، وَتَرْكِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا.
" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ ".
__________
(1) سَقَطت من ا (2) ا: شاهدوه.
(*)

قصَّة عِبَادَتهم الْعجل فِي غيب كليم الله عَنْهُم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا! اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا، قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ؟ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ للَّذين هم لرَبهم يرهبون " (1) وَقَالَ تَعَالَى: " وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا، أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أم أردتم أَن يحل
__________
(1) الْآيَات: 148 - 154 من سُورَة الاعراف.
(*)

عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا، فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَن لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا * وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نفعا؟ وَلَقَد قَالَ لَهُم هرون مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هرون مَا مَنعك إِذْ رَأَيْتهمْ ضلوا * أَن لَا تتبعن أفعصيت أَمْرِي؟ * قَالَ يَابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ؟ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ، وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ، وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا، لَنُحَرِّقَنَّهُ، ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وسع كل شئ علما " (1) يذكر تَعَالَى ماكان مِنْ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ ذَهَبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ فَمَكَثَ عَلَى الطُّورِ يُنَاجِيهِ رَبُّهُ وَيَسْأَلُهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ [وَهُوَ تَعَالَى (2) ] يُجِيبُهُ عَنْهَا.
فَعمد رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ هرون السامري، فَأخذ مَا كَانُوا اسْتَعَارُوهُ مِنَ الْحُلِيِّ، فَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا وَأَلْقَى فِيهِ قَبْضَة من التُّرَاب، كَانَ أَخذهَا

السيره الذاتيه للشيخ عدنان العرعور


يحب التكلم باللغه العربيه الفصحى ويعيش في مدينه الرياص حاليا
ويعد الشيخ من احد المعارضين للنظام السوري

ومنع من دخول بلده خلال المظاهرات




درس على يد:
ودرس على يد شيوخ كثيرين من أهمهم : الشيخ محمد الحامد وهو من كبار شيوخ الشام ثم الشيخ الالباني والشيخ محمد نسيب الرفاعي ، والشيخ عبد الرحمن عبد الصمد، والشيخ محمد عيد العباسي والشيخ ابن باز رحمه الله وغيرهم. وقد شارك الشيخ في مؤتمرات دولية كبيرة, وندوات عالمية كثيرة


كتبه:
من كتبه



كتاب ثلاث صلوات مهجورة.
كتاب أحكام القنوت.
كتاب الوصية الشرعية.
كتاب أدلة الإثبات بأن [جدة ميقات.
كتاب التشاؤم أنواعه وأحكامه.
كتاب أحكام التأمين وأنواعه وأحكامه بعنوان التأمين بين التشدد والتساهل.
فهرس كتاب الترغيب والترهيب للمنذري.
فهرس معجم الطبراني.
كتيب السبيل إلى منهج أهل السنة والجماعة.
الواقع المؤلم بين المعالجة المرتجلة والتأصيل الصحيح.
التيه والمخرج.
صراع الفكر والاتباع.
صفات الطائفة المنصورة.
منهج الاعتدال:وهو وقفات في الإيمان والتكفير والسياسة والحكام ونقد الجماعات والرجال.

وكتب تحت التاليف


جامع السنة:هو كتاب يجمع السنة النبوية كلها, وقد بلغ حتى الآن أكثر من أربعين مجلداً.
قواعد معرفة الحق.
الإنصاف: معناه, قواعده, وصوره.
الاختلاف: أنواعه, أحكامه, مواقفه.
التصوير: أنواعه وأحكامه.
الطريقة النبوية لإقامة الدولة الإسلامية.
المجتمعات: أنواعها وأحكامها.

جوائزه:
جائزة الامير نايف بن عبد العزيز ال سعود العالمية للسنة النبوية الشريفة والدراسات العلمية المعاصرة في دورتها الأولى في بحث قدم بعنوان «منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر».

برامجه على tv:


من القلب إلى القلب.
جلسة صفا.
برنامج وحدة الأمة.
شارك في برنامج «الحوار الصريح بعد التراويح» وهو عبارة عن مناظره بين السنه والشيعه والذي يبث على قناة المستقلة.
شارك في برنامج «حتى لا تكون فتنة» على قناة الخليجية والذي يتناول قضية التكفير، ويشاركه في التقديم الدكتور عثمان بن عقالا.
كان يظهر على برنامج «كلمة سواء» على قناه صفا الفضائية منذ 2009 وحتى 2011.
من برامجه في دعم الاحتجاجات السوريه «الشعب السوري...ماذا يريد» على قناه وصال مع المقدم حازم العرعور، و«مع سوريا حتى النصر» على قنوات قناه صفا وقناه وصال وقناه بيانت وفضائيه سوريا الشعب ويبث من لندن.
دعمه للثوره:
قبل إنطلاق الثورة كان يرى الشيخ عدم الخروج نظرا لحرمة ذلك إسلامياً وعدم استعداد الشعب للأمر، ولكن حينما خرجت درعا وسفكت أول نقطة دم، دعم العرعور الاجتجاجات السوريه 2011 منذ انطلاقتها وخصص برنامجاً تلفزيونياً لمتابعة تطوراتها ولتحريض الناس على التظاهر كما أنه دعا المتظاهرين إلى إطلاق التكبيرات من أسطح المنازل في الليل، الأمر الذي لقي تجاوبا كبيرا في عدد من المدن السورية. كما حمل بعض المتظاهرين وخصوصاً في حمص صور العرعور ورفعوها في مسيراتهم الاحتجاجية تقديرا لدعمه لمطالبهم.

زياد علي

زياد علي محمد