الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

عتبة بن غزوان رضي الله عنه

عتبة بن غزوان هو سابع سبعـة أسلموا وبايعوا وتحـدوا قريشا ، ولما أمر
الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة الى الحبشة خرج مع إخوانه مهاجرا
ولكن عاد مجددا الى مكة ، وصمد مع الرسول الكريم والمسلمين الى أن سُمِحَ
لهم بالهجـرة الى المدينـة فكان من الرماة الأفـذاذ الذين أبلـوا في سبيـل
اللـه بـلاء حسنـا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته000


فتـح الأبُـلّـة
أرسله أمير المؤمنين الى الأبُلّة ليفتحها ويطهرها من الفرس ، وقال له عمر وهو يودّعه وجيشه

:( انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا أقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجـم ، وسر على بركة الله ويُمنـه ،

ادْعُ إلى الله من أجابـك ، ومن أبى فالجزيـة ، وإلا فالسيف في غير هوادة ، كابِـد العدو ، واتق الله ربـك )

000ومضى عُتبة على رأس جيشهم الذي لم يكن كبيرا حتى قدِمَ الأبُلّة

، وكان الفرس يحشدون جيشا من أقوى جيوشهم ، فنظم عتبة جيشه ووقف في المقدمة حاملا رُمْحَه بيده ،

وصاح بالجيش :( الله أكبر ، صدق وعده )000فما هي إ

لا جولات ميمونة حتى استسلمت الأبُلّة وتحرر أهلها من جنود الفرس000


البصرة والإمارة
اختطّ عتبة -رضي الله عنه- مكان الأبُلّة مدينة البصرة ، وعمّرها وبنى مسجدها العظيم ،

وأراد العودة الى المدينة هروبا من الإمارة ، لكن أمره أمير المؤمنين عمر بالبقاء ،

فبقي عُتبة يصلي بالناس ويفقههم في دينهم ، ويحكم بينهم بالعدل زاهدا ورِعا بسيطا000

ووقف يحارب الترف والسِّرف فقد كان يخاف الدنيا على نفسه وعلى المسلمين ، وقف خاطبا يوما :

( والله لقد رأيتني مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابع سبعة وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقُـنا

، ولقد رزقت يوما بُرْدَة فشققتها نصفين ، أعطيت نصفها سعد بن مالك ولبست نصفها الآخر )

000وحاول المترفون ممن تعودوا على المظاهر المتعالية تغير عتبة وزهده فكان يجيبهم :( إني أعوذ

بالله أن أكون في دنياكم عظيما ، وعند الله صغيرا )000ولما شعر بضيق من حوله قال :( غدا ترون الأمراء من بعدي )000


موسم الحج
وجاء موسم الحج ، فاستخلف عتبة على البصرة أحد إخوانه وخرج حاجّاً ، ولمّا قضى

حجّه توجه الى المدينة ، وحاول أن يعتذر عن الإمارة ، ولكن لم يرضى عمر أن يعفيه

عن الإمارة وبالذات أن عتبة مـن الزاهدين الورعيـن ، وكان يقـول عمر لولاتـه

:( تضعون أماناتكم فوق عنقي ، ثم تتركوني وحدي ؟000لا والله لا أعفيكم أبداً )000


وفاته
أطاع عتبة أمير المؤمنين واستقبل راحلته ليركبها راجعا الى البصرة ، ولكن

قبل ركوبها دعا ربه ضارعا ألا يرُدَّه الى البصرة ولا إلى الإمارة ،

واستجيب دعاؤه فبينما هو في طريق عودته أدركه الموت ، وفاضت روحه الى بارئها000

مارية القبطيّة مولاة الرسول

 هي ماريـة بنت شمعون القبطيـة ، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية
ومصر ، وذلك سنة سبع من الهجرة ، أسلمت على يدي حاطـب بن أبي بلتعة وهو
قادم بها من مصر الى المدينـة ، وكانت -رضي الله عنها- بيضاء جميلة ، وكان
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يطؤها بملك اليمين ، وضرب عليها الحجاب ، وفي
ذي الحجـة سنة ثمان ولدت له إبراهيم الذي عاش قرابـة السنتيـن ، وكانت أمها
روميّة ، ولها أخـت قدمت معها اسمها سيرين ، أهداها النبـي -صلى اللـه عليه
وسلم- لشاعره حسّان بن ثابت ، وقد أسلمت أيضاً مع أختها000


هدايا المقوقس
بعد أن استتـب الأمن للمسلميـن ، وقوية هيبتهم في النفـوس ، أخذ الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يوجه الرسل والسفراء لتبليغ رسالة الإسلام ، ومن أولئك ( المقوقس عظيم القبط ) وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة رسولاً إليه000وعاد حاطب الى المدينة مُحَمّلاً بالهدايا ، فقد أرسل المقوقس معه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشياء كثيرة : مارية وأختها سيرين ، وغلاماً خصياً أسوداً اسمه مأبور ، وبغلة شهباء ، وأهدي إليه حماراً أشهب يقال له يعفور ، وفرساً وهو اللزاز ،وأهدى إليه عسلاً من عسل نبها -قرية من قرى مصر-000
وقبِل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الهدايا ، واكتقى بمارية ، ووهب أختها الى شاعره حسان بن ثابت000وطار النبأ الى بيوتات الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قد اختار مارية المصرية لنفسه ، وكانت شابة حلوة جذابة ، وأنه أنزلها في منزل الحارث بن النعمان قرب المسجد000


مارية أم إبراهيم
ولقد سعدت مارية أن تهب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الولد من بعد خديجة التي لم يبقَ من أولادها سوى فاطمة -رضي الله عنها- ، ولكن هذه السعادة لم تُطل سوى أقل من عامين ، حيث قدّر الله تعالى أن لا يكون رسوله -صلى الله عليه وسلم- أباً لأحد ، فتوفى الله تعالى إبراهيم ، وبقيت أمه من بعده ثكلى أبَد الحياة000
فقد مَرِض إبراهيم وطار فؤاد أمه ، فأرسلت إلى أختها لتقوم معها بتمريضه ، وتمضِ الأيام والطفل لم تظهر عليه بوارق الشفاء ، وأرسلت الى أبيه ، فجاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليرى ولده ، وجاد إبراهيم بأنفاسه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَدَمِعَت عيناه وقال :( تَدْمَع العين ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يُرْضي ربَّنا ، والله يا إبراهيم ، إنا بك لَمَحْزونون )000


وصية الرسول
قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- :( إنّكم ستفتحون مِصـر ، وهي أرض يُسمّى فيها القيـراط ، فإذا فتحتوها فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ورَحِماً )000وقد حفظ الصحابة ذلك ، فهاهو الحسن بن علي -رضي الله عنهما- يكلّم معاوية بن أبي سفيان لأهل ( حفن ) -بلد مارية- فوضع عنهم خراج الأرض000كما أن عبادة بن الصامت عندما أتى مصر فاتحاً ، بحث عن قرية مارية ، وسأل عن موضع بيتها ، فبنى به مسجداً000


وفاتها
وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقيت مارية على العهد إلى أن توفاها الله في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في شهر محرم سنة ست عشرة000رضي الله عنها وأرضاها00

عروة بن الزبير ( رحمه الله تعالى )

* المبحث الأول : اسمه ونسبه :

هو عروة بن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفيه ، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب . الإمام ، عالم المدينة ، أبو عبدالله القرشي الأسدي المدني الفقيه الحافظ ، أحد الفقهاء السبعة ، تابعي جليل ، وهو أخو أبي خبيب عبدالله بن الزبير بخلاف أخيهما مصعب فإنه لم يكن من أمهما ، وأمهما هي ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق إحدى عجائز الجنة (1) .
كان من فقهاء أهل المدينة وأفاضل التابعين(2) .

*  المبحث الثاني : مولده :
اختلف في سنة ولادته على أقوال عدة :
قيل : كانت ولادته سنة اثنتين وعشرين (3) .
وقيل : ولد في آخر خلافة عمر وكان أصغر من أخيه عبدالله بعشرين سنة (4) ، ولد عروة بن الزبير أي في سنة ثلاث وعشرين (5).
ورجح ابن كثير : أنه ولد في سنة ثلاث وعشرين بعد وفاة ومقتل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - (6) .

وقيل : ولد سنة ست وعشرين (7) .
وقيل : ولد سنة تسع وعشرين (8) ، وهو الراجح ويشهد لهذا ما رواه هشام بن عروة عن أبيه قال : اذكر أن أبي الزبير كان ينقزني ويقول :
مُباركَُ من ولد الصدِّيق  ***   أبيضُّ من آلِ أبي عتيق
                         ألذّه كما أَلذ ويقي(9)

* المبحث الثالث : في نشأته :
ذكر بعض من ترجم له بعض المواقف التي حدثت لعروة في صباه وأيام نشأته :
فقد قال : رددت أنا وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام يوم الجمل ، استصغرنا (10) ، قال يحيى بن معين : كان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة ، لأنه ولد في سنة ثلاث وعشرين (11) .
ولا عجب في ذلك – أي رغبته في المشاركة ورغبته مع صغر سنه – فأبوه الزبير أول من سلّ سيفاً في الإسلام ومن الشجعان المعدودين وأخوه عبدالله الذي لم تسع كتب السير مواقف شجاعته وأحداث بطولته .
كذلك مما رُوي عنه في نشأته ، قوله : كنت أتعلق بشعر في ظهر أبي (12) .
ملاطفة الزبير لابنه عروة كان من أكبر الأسباب المؤثرة في نشأة عروة إلى أن ينشأ على تلك الصفات الحميدة من الصبر والعلم والعبادة كذلك الشجاعة.
ومما يروى عنه أنه قال : كنت غلاماً مالي ذواتبان ، فقمت أركع ركعتين بعد العصر ، فبصر بي عمر ومعه الدره ، فلما رأيته ، فررت منه ، فلحقني ، فأخذ بذؤابتي ، قال : فنهاني ، قلت : لا أعود .
قال الذهبي معلقاً : الأشبه أن هذا جرى لأخيه عبدالله ، أو جرى له مع عثمان (13) .
يلحظ أن هذا جرى له وهو غلام ، يعلم منه ماكان للتربية والبيت والبيئة التي خرج منها عروة من نشأته على العبادة من زمن الصغر والتربية عليها ، لهذا كان يعد عروة من العباد بعد كبره .

* المبحث الرابع : زوجاته وأبناؤه :
تزوج عروة رحمه الله أربع زوجات وأنجب منهن ، وكذلك أنجب من عدد من الإماء : وهن :
1. فاختة بنت الأسود بن أبي البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبدالعزى : وأنجب منها : عبدالله وعمر والأسود وأم كلثوم وعائشة وأم عمر .
2. أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس : ومنها
 أنجب : يحيى ومحمد وعثمان وأبي بكر وعائشة وخديجة .
3. أسماء بنت سلمة بنت عمر بن أبي سلمة بن عبدالأسد من بني مخزوم : ومنها عبيدالله بن عروة .
4. أم ولد اسمها واصلة : ومنها : مصعب بن عروة وأم يحيى .
5. أم ولد : ومنها هشام بن عروة وصفية (14) .
ومن أبنائه من روى عنه سأذكرهم – إنشالله – في المبحث الخاص بمن روى عنه وتتلمذ عليه .

*  المبحث الخامس : طلبه للعلم وحرصه عليه :
سأبدأ من هذا المبحث في  ذكر ماتميز به عروة رحمه الله من العلم والفقه ونبدأ في هذا في هذا المبحث بذكر طلبه للعلم دون من سمع عنهم – من مشائخه – لأني رأيت أفرادهم في مبحث مستقل :
فمن أكبر الأسباب التي يسرت له حمل العلم والفقه أنه حمل الهم وتطلع إلى العلم ومن ذلك ما يروى أن : المسجد الحرام جمع بين عبدالملك بن مروان وعبدالله بن الزبير وأخويه مصعب وعروة وعبدالله بن عمر أيام تآلفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان ، فقال بعضهم : هلم فلنتمن ، ، فاجتمعوا في احجر . فقال عبدالله بن الزبير : امنيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلاف ، وقال مصعب : امنيتي أن أملك العراق وأجمع بين عقليتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة ، وقال عبدالملك بن مروان : منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية ، وقال عروة : لست في شيء مما أنتم فيه ، منيتي أن يؤخذ عني العلم (15) . وقيل : أنه قال : منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة ، وأن أكون ممن يروى عنهم هذا العلم (16) . وقال عبدالله بن عمر : أما أنا فأتمنى المغفرة .
فصرف الدهر من صرفه إلى أن بلغ كل واحد منهم أمله ، ولعل ابن عمر قف غفر له .
وكان عبدالملك بن مروان يقول : من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير لأنهم لما اجتمعوا وتمنوا فلما نال كل امرئ منهم أمنيته كان في ذلك دليل على نيل عروة أمنيته (17) .
وأُردف الحرص الذي تبين لنا من خلال القصة السابقة بحرصه على العلم وطلبه فالعلم لا ينال إلا بالتعلم، والعلم لا ينال برامة الجسد كما علق ذلك الإمام مسم عن يحيى ابن كثير . يتبين لنا هذا الحرص من خلال هذه الأقوال والمواقف التالية :
فقد قال قبيصة بن ذؤيب : كنا في خلافة معاوية ، وإلى آخرها ، نجتمع في حلقةِّ بالمسجد بالليل ، أنا ومصعب ابنا وعروة ابن الزبير ، وأبو بكر بن عبدالرحمن ، وعبدالملك بن مروان ، وعبدالرحمن المسور ، وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة ، وكنا نفترق بالنهار ، فكنت أنا اجالس زيد بن ثابت وهو مترئس بالمدينة في القضاء ، والفتوى ، والقراءة ، والفرائض ، في عهد عمر وعثمان وعلي ، ثم كنت أنا وأبو بكر بن عبدالرحمن نجالس أبا هريرة . وكان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة .
وكان يقول عن نفسه : ماماتت حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين وقال : لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج ، وأنا أقول : لو ماتت اليوم ماندمت على حديثٍٍ عندها إلا وقد وعيته ، ولقد كان يبلغني عن الصحابي الحديث فآتيه ، فأجده قد قال – نام - ، فأجلس على بابه ، ثم أسأله عنه (18) .
وهكذا فلما حمل عروة همَّ العلم ثم حَرِصَ عليه وطلبه وهو صغير ، كان لنا ذلك الفقيه العالم وهو كبير ، من خلال المبحث السابق كان غرضنا إيراد بعض مواقف عروة بن الزبير في طلب العلم .

 المبحث السادس : شيوخه ومن روى عنهم :
نأتي في هذا المبحث على من روى عنهم عروة وتفقه عليهم ، وليس مرادي من ذلك أن نأتي عليهم جميعاً ولكن بمن برز منهم فيكفي من القلادة ما أحاط بالعنق :
فقد كان من أبرز من سمع منهم وتفقه عنهم هي خالته عائشة أم المؤمنين فقد روى عنها (19) ، كما أنه حدّث عن أبيه بشيئ يسير لصغره (20) ، وعن أمه اسماء بنت أبي بكر الصديق ، وعن سعيد بن زيد ، وعلي بن أبي طالب وسهل بن أبي حثمة ، وعبدالله بن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي حميد الساعدي والمغيرة بن شعبة وعن حكيم بن حزام ، وعن زيد بن ثابت وعبدالله بن عمر بن العاص ، وأخوه عبدالله بن الزبير ، وأبي أيوب الأنصاري ، وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين (21) .

  المبحث السابع : علمه وفقهه :
مرّ بنا في طلبه للعلم بعض ماعانى في طلبه للعلم الذي كانت ثمرته أن كان عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة الذين نظم منهم :
الا كل من لا يقتدي بأئمة .  قسمته ضيزى عن الحق خارجه
خذهم عبيد الله عروة قاسم . سعيد سليمان أبو بكر خارجه(22) .
قال أبو الزناد : كان فقهاء أهل المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وعبدالملك بن مروان(23) .
وقال ابن شهاب الزهري : كنت أطلب العلم من ثلاثة سعيد بن المسيب وكان افقه الناس وعروة بن الزبير وكان بحراً لا تكدره الدلاء ، وعبيدالله بن عبدالله وكنت لا أشأ أن أقع منه على علم ما أجد عند غيره إلا وقعت (24) .
وقال : أربعة وجدتهم بحوراً عروة وابن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله(25) .
وقال عمر بن عبدالعزيز : ما أحد أعلم من عروة بن الزبير – رضي الله عنه – (26) .
وقال ابن عينية : إن أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعمرة بنت عبدالرحمن(27).
 وقد كان – رحمه الله – من فقهاء المدينة وأفاضل التابعيين . قال ابنه هشام : والله ماتعلمنا جزءاً من ألفي جزء أو ألف جزءِ من حديث أبي(28) ، ومع ذلك فالزهري يقول : مارأيت أحداً أفقه منه لكنه قليل الحديث(29).
قال عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن : دخلت مع أبي المسجد ، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل ، فقال أبي : انظر من هذا ؟ ، فنظرت فإذا هو عروة ، فأخبرتهُ وتعجبت ، فقال : يابني ، لا تتعجب لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه (30) .
وقال ابن سعد : وكان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً مأموماً ثابتاً (31) .
وقال هشام عن أبيه أنه قال : يابني سلوني فلقد تركت حتى كدت أنسى ، وإلى لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي(32) .
وعن ابن شهاب ، قال : كان إذا حدثني عروة ثم حدثني عمرة صدق عندي سقْط ( حديث عمرة ) حديث عروة فملا استخبرتهما إذا عروة بحر لا ينزف(33).

*  المبحث الثامن : تلاميذه ومن روى عنه :
بعد ذكر علمه وفقهه وبعض ماقيل فيه نتطرق  الآن على تلاميذه اللذين كانوا سبباً في نقل فقهه إلى من بعدهم وإلى الأجيال القادمة ، ولا أستطيع في هذه العجالة أن آتي عليهم جميعاً ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق ، فسأتطرق بإذن الله إلى أبرزهم ومن تكرر ذكره في كتب التراجم والطبقات فإلى ذكرهم :
كان من أبرز من حدّث عنه : محمد بن شهاب الزهري وبنوه يحيى وعثمان وهشام ومحمد وعبدالله ، وحفيده عمر بن عبدالله بن عروة ، ويزيد بن رومان ، ومحمد بن المنكدر ، وأبو الزناد ، وصالح بن كيسان ، وأبو الأسود محمد بن عبدالرحمن وهويتهم عروة ، وأبو سلمة بن عبدالرحمن ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن عبدالعزيز ، ومحمد بن إبراهيم التيمي وغير هؤلاء كثير(34) .
وأختصر ابن كثير من روى عنه فقال : (( وعنه جماعة من التابعين وخلق ممن سواهم )) (35) .

* المبحث التاسع : روايته للأحاديث :
كان مما تميز به عروة من خلال مسيرته العلمية الحديث والفقه كما قال ابن سعد عنه في طبقاته : (( وكان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً مأموناً ثبتاً))(36).
وقد مر بنا أن حديثه  غلب فقهه ، كذا مر بنا قول ابنه هشام ، ما تعلمنا جزءًا من ألف جزء من أحاديثه .
وسؤرد في هذا المقام بعض ماقيل في توثيقه :
قال العجلي : (( مدني تابعي ثقة ))(37)
كما أوده ابن حبان في الثقات(38) .
وقال ابن  خراش : ثقة(39).
وقد ذكر أبو نعيم في الحلية بعض مرويات عروة بن الزبير من المسانيد عن كبار الصحابة وجمهورهم رجالاً ونساءًا مالا يحصى فمن مسانيد حديثه عن ابيه :
قال هشام بن عروة حدثنا أبي عن الزبير بن العوام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( غير والشيب لا تشبهوا باليهود )) . غريب من حديث عروة تفرد به ابن كناسة .
وعن أبي الأسود عن عروة عن علي بن أبي طالبً كرم الله وجهه هذا نص عبارة الحديث كما ذكره أبو نعيمه مع التحفظ على العبارة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)) . غريب من حديث عروة تفرد به عبدالله بن لهيفة (40)  .
وعن يحيى بن كثير عن عروة بن الزبير عن عبدالله بن عمرو قال : اشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكنه يقبض العلماء بعلمهم ، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئوا فأفتوا بغير علم فضلو وأضلوا )) هذا حديث صحيح ثابت من حديث عروة بن الزبير رواه عنه ابنه هشام بن عروة والزهري وأبو الأسود (41) .
وعن سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل الخلاء غطى رأسه(42).

*   المبحث العاشر : أقواله :
كان من آثار العلم والفقه والحديث الذي حمله عروة أن أُوتي فصاحة في لسانه وبلاغة في منطقه وكذلك حكمة في رأيه وسداداً فيه ، فنقلت عنه كلمات سارت بها الركبان لما فيها من فصاحة وجمال وبلاغة ، وإني في هذا المبحث أحاول أن أجمع بعض مقولاته التي انتقيتها من بطون الكتب والمراجع ولا أدعي أني جمعتها فهذا مما يشق ويعسر ، فمن أقواله :
قال هشام بن عروة : قال أبي : رب كلمة ذُّل احتملتها أورثتني عزاً طويل(43).

وقال : ماحدثت أحداً بشيء من العلم قط لا يبلغه عقله إلا كان ضلالة عليه(44).
وقال : كان يقال : أزهد الناس في عالم أهله(45).
وقال هشام بن عروة عن أبيه قال : إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة ، فاعلم أن لها عنده أخوات فإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات ، فإن الحسنة تدل على أخواتها وإن السيئة تدل على أخواته(46).
وعن هشام بن عروة قال : قال عروة لبنيه : يابني لا يهدين أحدكم إلى ربه عز وجل ما يستحي أن يهديه إلى كريمه فإن الله عز وجل أكرم الكرماء وأحق من اختير إليه(47).
وعن هشام قال : قال عروة لبنيه : يابنِّي تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبارهم ، وسوأناه ! ماذا أقبح من شيخ جاهل(48)؟ .
وقال : إذا رأيتم خلة شر رائعة من رجل فاحذروه وإن كان عند الناس رجل صدق فإن لها عنده أخوات ، وإذا رأيتم خلة خير رائعة من رجل فلا تقطعوا عنه إياسكم ، وإن كان عند الناس رجل سوء فإن لها عنده أخوات ، قال الناس بأزمنتهم أشبه منهم بآبائهم وأمهاتهم ، لفظ الجوهري(49).
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء(50).

قال معاوية بن إسحاق عن عروة ، قال : مابر والده من شد الطرف إليه(51).
وغيرها من الأقوال الحكم التي فاض بها فمه وتناقلها الرواة عنه مما أعجز ويشق عليِّ تتبعه واستقراؤه(52) . 

* المبحث الحادي عشر : شِعْره :
كان عروة بالإضافة إلى فقهه وروايته للحديث راوياً للشعر وكان مكثراً منه حتى عُرِف به واشتُهر عنه ، حتى قال عنه ابن كثير : (( وكان أروى الناس للشعر )) (53)  .
وعن ابن أبي الزناد ، قال : مارأيت أحداً أروى للشعر من عُروة .
فقيل له : ما أرواك للشعر ؟!
فقال : ماروايتي مافي رواية عائشة ، ماكان ينزل بها شيء إلا أنشدتْ فيه شعر(54).
فلقد كان من أكبر الأسباب التي أدت إلى روايته للشعر تأثره بخالته أم المؤمنين والتي تأثر بفقهها ولازمها وروى عنها الحديث عائشة بنت الصديق رضي الله عنها .

*  المبحث الثاني عشر : عبادته :
بالإضافة إلى علمه كان عروة رحمه الله ممن عرف بالعبادة ، والإكثار منها وقد قسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب  الأول : قيامه وقراءته القرآن :
كان عروة ممن عرف عنه الإكثار من قراءة القرآن حتى أن كان يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به الليل(55) ، وكانت قراءته للمصحف نظراً بالتدبر والتفكر حتى يذهب عامة يومه به ثم يقوم تلك الليلة بذلك الربع من القرآن على التدبر والتفكر حتى يذهب عامة ليله به وما ترك ورده من الليل إلا ليلة قطعت رجله(56) .
وروي أنه لم تيرك جزءه وورده حتى تلك الليلة(57) .
المطلب الثاني : صيامه :
أورد كثير ممن ترجم  لعروة حاله مع الصيام ، فقد روي أنه كان يصوم الدهر ويسرده إلا يوم الفطر ويوم النحر ، حتى أنه رحمه الله صام يوم قطع رجله من المفصل فما تضور وجهه ، ومات رحمه الله تعالى وهو صائم وجعلوا يقولون له : افطر ولم يفطر(58)، وغيرها من العبادات التي سأنثرها في طيات هذا البحث إنشاءالله .

*  المبحث الثالث عشر : أخلاقه :
كما تميز عروة رحمه الله بأخلاق حميدة وخصال جليلة جعلت منه ذلك الإمام المشار إليه بالبنان وذلك الإمام والعالم الذي ملأ به أهل السير سيرهم ، واقتدى به المقتدون ،
واخترت من أخلاقه ما أسعفني به أهل السير ومن ترجم له من المواقف ، وقد قسمتها على أربعة مطالب :
المطلب  الأول : كرمه :
كانت هذه الخصلة الحميدة مما فاضت به كتب السير في سيرة عروة فلقد روي أنه إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون . وكان إذا دخله ردّدّ هذه الآية فيه حتى يخرج منه (( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاءالله لا قوة إلا بالله )) (59)، حتى يخرج(60) .
وقيل : كان ينزل حوله ناس من البدو فيدخلون ويأكلون ويحملون(61).
وما ذلك إلا لكرمه وحسانه إلى الناس مما جعل الناس يذكرونه بخير حتى قال ابنه هشام : ماسمعت أحداً من أهل الأهواء يذكر أبي بسوء(62).
 
المطلب الثاني : ورعه :
المواقف التي تدعم القول بأن هذه الصفة مما اتصف به عروة كثيرة نذكر منها :
ما قاله أحمد بن عبد الله العجلي : عروة بن الزبير تابعي ثقة ، رجل صالح ، لم يدخل في شيء من الفتن (63)، وذكر نحوها في غير موضع(64).
وذكر ابن سعد في طبقاته أنه كان علي بن حسين بن علي بن أبي طالب يجلس كل ليلة هو وعروة بن الزبير في مؤخر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العشاء الآخرة ، فكنت أجلس معهما ، فتحدثنا ليلة فذكر جور من جار من بني أمية والمقام معهم وهو لا يستطيع تغيير ذلك ثم ذكرا ذلك وما يخافان من عقوبة الله لهم فقال عروة لعلي : ياعلي إن من اعتزل أهل الجور والله يعلم منه سخطه لأعمالهم فإن كان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة الله رجي له أن يسلم مما عصا بهم  ، فخرج عروة فسكن العقيق(65).
فلما اتخذ عروة قصره بالعقيق قال له الناس : جفوت مسجد رسول الله ! قال : رأيت مساجدهم لاهية ، وأسواقهم لاغية ، والفاحشة في فجاجهم عالية ، فكان فيما هنالك – عما هم فيه – عافية(66)، ولما فرغ من بنائه وبئاره ، دعا جماعةً ، فطعم الناس ، وجعلوا يبَّركون وينصرفون(67).
كذلك مما يروى من ورعه : أنه قال : كنا نقول : لا نتخذ كتاباً مع كتاب الله ، فمحوت كتبي ، فوالله لوددت أن كتبي عندي ، إن كتاب الله قد استمرت مريرته(68).
وروي أنه أحرق كتباً له فيها فقه ، يوم الحرة ، فكان يقول بعد ذلك : والله لوددت لو أني فديتها بأهلي ومالي(69)، فهو لم يحرق كتبه إلا خشية أن تختلط بكتاب الله تعالى وهذا من ورعه رحمه الله تعالى .
المطلب الثالث : تواضعه :
مع ما تميز به عروة كان يتحلى بتواضع جمِّ . فقد
قال هشام بن عروة : كان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل إخوتي وآخر سماه هشام ، فيقول : لا تغشوني مع الناس لكن إذا خلوت فسلوني ، وكان يأخذ بأحاديث في الطلاق ثم الخلع ثم الحج ثم الهدي ثم كذا ثم كذا .... (70) .
فعروة يأمر أبنائه بألا يسألوه أمام الناس ، لئلا يكون ذلك سبباً لأن يسأله الناس ، وذلك مع علمه وفقهه الذي عُرِف ومُيِّر به . فكيف بحالنا ؟؟!! .
المطلب الرابع : محنته وصبره :-
إذا ذكر اسم عروة بن الزبير فإنه غالباً ما يذكر معهما قصة بلائه ومحنته وصبره بعد ذلك وهي قصة قطع رجله لما وقعت فيها الآكلة فنشرها فما زاد على أن قال الحمدلله . وبما أننا التزمنا بذكر سيرته كان لزاماً علينا أن نورد هذه القصة فإلى تفاصيلها :
روي أن عروة خرج إلى الوليد بن عبدالملك ، حتى إذا كان بوادي القرى ، فوجد في رجله شيئاً ، فظهرت به قرحة الآكلة (71) ، ثم ترقى به الوجع ، وقدم على الوليد وهو في محْمل ، فقيل : ألا ندعوا لك طبيباً ؟ قال : إن شئتم ، فبعث إليه الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم على أن لم ينشروها قتلته ، فقال شأنكم فقالوا : اشرب المُرقد(72) ، فقال : امضوا لشأنكم ، ماكنت أظن أن خلقاً يشرب مايزيل عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل ، ولكن هلموا  فاقطعوها .
وقال ابن قتيبة وغيره : لما دعي الجزار ليقطعها قال له : نسقيك خمراً حتى لا تجد لها ألماً ، فقال : لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية ، قالوا : فنسقيك المرقد ، قال : ما أحب أن اسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه ، قال : ودخل قوم أنكرهم ، فقال : ماهؤلاء ؟ قالوا : يمسكونك فإن الألم ربما عَزَبَ معه الصبر ، قال : أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي ...
فوضع المنشار على ركبته اليسرى فنشروها بالمنشار فما حرك عضواً عن عضو وصبر حتى فرغوا منها ثم حمسوها وهو يهلل ويكبر ، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به ، ثم غشي عليه ، وهو في ذلك كله كبير السن وإنه لصائم فما تضور وجهه ، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه .
وروي أنه لما أُمر بشرب شراب أو أكل شيء يذهب عقله قال : إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإن لا أحس بذلك ولا أشعر به ، قال : فنشروا رجله من فوق الآكله من المكان الحيَّ احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي فما تصور ولا اختلج فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله .
وقيل : إنه قطعت رجله في مجلس الوليد ، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه ، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي . وقال الوليد : مارأيت قط شيخاً أصبر من هذا .
ولما رأى رجله وقدمه في أيديهم أو في الطست دعا بها فتناولها فقلبها في يده ثم قال : أما والذي حملني عليك أنه ليعلم أن مامشيت بك إلى حرام ، أو قال : إلى معصية . ثم أمر بها فغسلت وحنطت وكفنت ولفت بقطيفه ثم أرسل بها إلى المقابر .
وكان معه في سفره ذلك ابنه محمد ، ودخل محمد اصطبل دواب الوليد ، فرفسته دابة فخر ميتاً . فأتى عروة رجل يعزيه ، فقال : إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها . قال : بل أعزيك بمحمد ابنك ، قال : وماله ؟ فأخبره ، فقال : اللهم أخذت عضواً وتركت أعضاء ، وأخذت ابناً وتركت أبناءًا . فما سمع منه شيء في ذلك حتى قدم المدينة فلما قدم المدينة . أتاه ابن المنكدر ، فقال ، كيف كنت ؟ قال (( لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً )) (73)وقال : اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد ، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ولئن ابتليت لطالما عافيت ، وروي : اللهم إن كان لي بنون سبعة ... (74) .
ولما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في ابنه ورجله ، فبلغه أن بعض الناس ، قال : إنما اصابه هذا بذنب عظيم أحدثه ، فأنشد عروة في ذلك متمثلاً أبياتاً لمعن بن أوس :
لعمرك ما أهويت كفي لريبة *** ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها  *** ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماشٍ ماحييت لمنكر  *** من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة *** وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الدهر *** إلا قد أصابت فتى قبلي (75)

وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة ، فقال له : والله مابك حاجة إلى المشي ، ولا أربُ في السعي ، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة ، والكل تبع لبعض - إنشاء الله تعالى - وقد أبقى الله لنا منك ماكنا إليه فقراء  من علمك ورأيك  نفعك الله وإيانا به ، والله ولي ثوابك ، والضمين بحسابك(76)، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنوات(77). ولم يدع ورده من القرآن والقيام وحتى في هذه الليلة - كما مر بنا - .

*  المبحث الرابع عشر : رحلاته وتنقلاته :
مما ذكر من ذلك أن عروة قدم البصرة على ابن عباس وهو عامل  فيها ،  فيقال أنشده :
أمُتُّ بأرحامٍ إليك قريبةٍ  ***  ولا قُربَ بالأرحام مالم تُقرٍّب

فقال لِعروة : من قال هذا ؟ قال : أبو أحمد بن جحش ، قال ابن عباس : فهل تدري ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قال : قال له : صدقت ، ثم قال : ما أقدمك البصرة ؟ قلت : اشتدت الحال ، وأبى عبدالله أن يقسم سبع حِجَجٍ تألى حتى يقضي دين الزبير ، قال : فأجازني وأعطاني ، ثم لحق
 عصر ، فتزوج وأقام بها بعد سبع سنين ثم عاد إلى المدينة(78).
فهو انتقل إلى البصرة ثم إلى مصر فتزوج واقام بها سبع سنين ثم رجع الى المدينة .

* المبحث الخامس عشر : وفاته :
بعد هذه المسيرة الحافلة بالعلم والعبادة ، والحافلة بالدروس والعبر انطوت صفحة الإمام عروة بن الزبير وقد اختلف في سنة وفاته على أقوال عدة : فقد
وقيل : أنه توفي سنة إحدى وتسعين(79).
قيل : أنه توفي سنة اثنتين وتسعين(80).
قيل : انه توفي سنة ثلاثة وتسعين ، قاله : ابن المديني وأبو نعيم وشباب  وابن خلكان(81).
كما قيل أنه توفي سنة أربع وتسعين ، قاله : الهيثم ، والواقدي ، وأبو عبيد ، ويحيى بن معين ، والفلاس(82)وأبن سعد .
وقيل سنة خمس وتسعين ، قاله : يحيى بن بكير(83).
وقيل أنه توفي سنة تسعة وتسعين(84)
وقيل أنه توفي سنة مائه (85).
وقيل : أنه توفي سنة إحدى ومائه (86) . وقال عنه الذهبي : وليس هذا بشيء(87).
والذي يظهر أنه الراجح : أن وفاته كانت سنة أربع وتسعين ، وهو اختيار شيخ الإسلام بن كثير(88) ورجحه ابن سعد في طبقاته ، وقال : قال محمد بن عمر : وكان يقال لهذه السنة : سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيه(89).
وكانت وفاته ليلة الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول قاله يحيى بن عبدالله بن حسن(90)، ومات – رحمه الله – وهو صائم ، وجعلوا يقولون له : أفطر ، فلم يفطر ، (91) . ودفن يوم الجمعة(92).
وتوفي عروة ودفن في قرية له بمجاج بقرب المدينة يقال لها : فرع – بضم الفاء وسكون الراء – وهي من ناحية الربذة ، و تبعد عن المدينة أربع ليال ، وهي ذات نخيل ومياه(93).
وقال هشام بن عروة : أوصاني أبي ألا تذروا علي حنوط(94) .
واختلف في السن التي توفي عنها الإمام تبعاً للاختلاف في سنة مولده ووفاته.
*  وبهذا تنطوي صفحة الإمام عروة بن الزبير – رحمه الله تعالى – وجمعنا به في جنات النعيم . 

الصحابي النعمان بن بشير؟ رضي الله عنه


السؤال
من هو الصحابي النعمان بن بشير؟

الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:





فإن النعمان بن بشير هوالنعمان بن بشير بن سعدالأنصاري المدني



ولد في السنة الثانية من الهجرة، قالالواقدي: كان أول مولود



في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً، وروى عن



النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعائشة،



وروى عنه ابنه محمد ومولاه حبيب بن سالم والشعبي



وآخرون، ولي الكوفة في عهد معاوية، ثم ولي حمص



لابن الزبير، وبها قتل وذلك سنة أربع وستين أو خمس وستين.





كذا قالابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب



وابن حجر في الإصابة والسيوطي في إسعاف المبطأ.



نساء حول الرسول كبشة بنت رافع


كبشة بنت رافع

    كبشة بنت رافع واحدة من المسلمات المجاهدات اللاتي رافقن الرسالة النبوية الشريفة منذ أن أشرقت أنوارها في المدينة المنورة.
     - وهذه الصحابية الجليلة قدمت للإسلام خدمات عظيمة، ففي بيتها ترعرعت نواة الإسلام ، ومن ثنايا دارها فاحت روائح الطيب في المدينة المنورة كلها ، فانتشر فيها الإسلام ، فكانت          بركة وخيراً في الدنيا كلها.
    - وهذه الصحابية الكريمة هي أم سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته. نعم هي أم من حكم بحكم الله من فوق سبع سموات.
    - وكانت كبشة زوجة لمعاذ بن النعمان من بني الأشهل، وقد ولدت له سعداً وعمراً وإياساً وأوساً وعقرب وأم حزام.
      - أسلمت كبشة ، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لها أثر كبير في تاريخ نساء الإسلام ، وقد أثرت التاريخ بمواقف رائعة جعلتها من الأوائل في عالم نساء الصحابة ،               فما أن سطعت شمس الهداية ، وأشرقت المدينة بنور الإسلام حتى سارعت كبشة – أم سعد – لتساهم بدورها في نصرة الإسلام مهما كلفهاذلك من ثمن.
             - لقد كانت أم سعد رضي الله عنها من السابقات في مضمار الخير ، حيث كانت أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم مع أم عامر بنت يزيد بن السكن ، وحواء بنت يزيد بن                         السكن.
             - ولقد كان لها رضي الله عنها وقفات إيمانية تدل على جهادها وصبرها ، فقد خرجت في غزوة أحد مع من خرج من النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم –                    بعد أن وردت الأخبار إلى المدينة باستشهاد عدد من المسلمين ، وكان من بينهم ابنها عمرو بن معاذ رضي الله عنه لكن الأم المجاهدة كانت ترجو سلامة رسول الله صلى                        الله عليه وسلم ، وأقبلت مسرعة نحو أرض المعركة ، فلما علمت بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمدت الله تعالى واعتبرت مصيبتها هينة.
                       - وكان عمرو بن معاذ رضي الله عنه يجالد في صفوف المشركين حتى لقيه ضرار بن الخطاب فقتله وكان يومئذ ما يزال على شركه.
                    - ومن مواقف الصبر والجهاد لهذه الصحابية الجليلة موقفها يوم الخندق حين كانت مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما في حصن بني حارثة ، وقد كان رسول الله                                  صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين خرجوا إلى الخندق قد رفعوا الذراري والنساء في الحصون مخافة العدو عليهم ، قالت عائشة رضي الله عنها : فمر سعد بن معاذ                        وعليه درع مقلصة – قصيرة – قد خرجت منه ذراعه كلها ، وفي يده حربة يرفل بها وهو يرتجز بيتاً من الشعر لحمل بن سعدانة الكلبي ويقول :
                    لبثت قليلاً يشهد الهيجا حَمَل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
                فقالت أم سعد رضي الله عنها : الحق يا بني فقد والله أخرت ، وبهذه الكلمات تظهر لنا شجاعة أم سعد وحرصها على ابنها أن لا تفوته لحظة دون أن يحظى بمعية

صفية بنت عبد المطلب


صفية بنت عبد المطلب

- بنت عبد المطلب ، الهاشمية . عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي شقيقة حمزة ، وأم حواري النبي صلى الله عليه وسلم الزبير ، وأمها هالة بنت وهيب من بني زهرة .
- تزوجها الحارث ، أخو أبي سفيان بن حرب، فتوفي عنها .
- وتزوجها العوام ، أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد ، فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة.
- والصحيح أنه ما أسلم من عمات النبي صلى الله عليه وسلم سواها . وقال غير الذهبي : أسلمت أروى وعاتكة.
- وقتلت يوم الخندق رجلاً من اليهود جاء يطوف بالحصن التي هي عليه ، وهو فارع حصن حسان ، فقالت لحسان : انزل فاقتله ، فأبى ، فنزلت إليه فقتلته ، ثم قالت : انزل إليه فاسلبه فلولا أنه رجل لاستلبته ، فقال : لا حاجة لي فيه . وكانت أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين.
- وهي من المهاجرات الأول .
- توفيت في سنة عشرين ، ودفنت بالبقيع . ولها بضع وسبعون سنة.
المصدر : نزهة الفضلاء 1/145 ، والبداية والنهاية 7/104.
***
معاول الإيمان تدّك الأرض.. فيعلو الغبار ملامساً سقف السماء.. الأصوات تشدو بترتيل نداء الحق فتزيد السواعد الشامخة حماسةً لحفر خندق الدفاع... لا أحد يختبئ في منزله..
الكل مجتمع اليوم لتلبية النداء ..تمتزج سواعد الشيوخ بالأطفال بالنساء في عمل دؤوب... تتخلله معجزات يرددها النبي عليه الصلاة والسلام لتشعل في القلوب المؤمنة مزيداً من الحماسة والإقدام... حتى إذا ما انتهى الجمع من حفر الخندق وجاءت العرب تقودها قريش في عشرة آلاف فارس وقفت جامدة متصلبة... وقد فغر الصناديد أفواههم جزعاً لمشهد الخندق.... ورانت ببصرها نحو يثرب التي كانت مرمى أحلامهم للقضاء عليها وعلى الدين الجديد... لتسقط مخططات بني النضير وزعيمهم حيي بن أخطب في أعماق الخندق تحت أقدام النبي عليه السلام وأصحابه...
خلف كثبان رمال الأرض المحفورة تجمعت سيوف المؤمنين في ثلاثة آلاف ممن بايعوا الله على النصر أو الشهادة... ومن خلف اللظى جماعة اليهود من بني قريظة تختبئ في حصونها منتظرة الفرصة للغدر بالمؤمنين كذئب شرس يعشق امتصاص دماء أهل التوحيد... رغبة في بعثرة حلم العرب بالمنعة والقوة تحت ظلال الإسلام... وحسداً من أنفسهم على أمة جعل الله خاتم أنبيائه من بين ظهرانيها... وحقداً على نبي الله كسابق حقدهم على أنبياء من ظهرانيهم... فقتلوهم أو كذبوهم أو ألبسوا الحق بالباطل عبر كتب زوروها.... يشترون بها عرض الكفر بالإيمان الذي طالما عرفوه واجتنبوه... هكذا هم منذ عَهِدَهم التاريخ.. وفضحهم القرآن الكريم.
حين علم النبي صلى الله عليه وسلم بنقض بني قريظة للعهد أوجس في نفسه خيفة على نساء المسلمين وأطفالهم فجمعهن في حصن فارع وكان هذا الحصن لحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلوب الثلاثة آلاف مؤمن تختنق وجلاً ليس من عدو أمامهم بل من خنجر الغدر المسلّط على ظهورهم الذي ينتظر الفرصة لتحقيق مآرب كفار قريش ومن والاهم من غطفان ويهود بني قريظة... فأرسلوا أحد رجالهم ليستطلع أحوال حصن فارع ويزودهم بالأخبار أملاً في ألاّ يجدوا أحداً من الرجال يدافعون عن الحصن فينقضوا على من فيه من النساء والصبيان المسلمين.
كانت صفية بنت عبد المطلب ـ عمة رسول الله من أوائل النساء اللواتي اعتنقن الإسلام ـ قد لمحت قدوم اليهودي يطوف حول الحصن فاستدركت الأمر وفهمت بذكائها وعقلها الوافر مآرب يهود بني قريظة من هذا الطواف... واستشعرت بقلب المرأة المؤمنة مكمن الخطر قبل حدوثه.. تقول رضي الله عنها في هذه الحادثة : ( مر بنا رجل من يهود، فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدافع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نحور أعدائهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، فاحتجزتُ ـ أي شددت معجري ـ; ثم أخذتُ عموداً، ثم نزلتُ من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته) هذا ما فعلته سيدة بني عبد المطلب حين ظهرت الحاجة لقوة المرأة في الساعات العصيبة لتسد الثغرات التي لا يسدها الرجال... فتتسربل بدرع القوة حين تحتاجها الأمة في الدفاع عن أرضها حين يقتحم العدو دارها...
إن ما فعلته صفية بنت عبد المطلب كان رسالة لبني قريظة حين ارتد إليهم قتيلهم... مرادها أن محمدًا ترك في حصن فارع جموعاً من الرجال يدافعون عن النساء والصبيان... ولم يكن أولئك الرجال سوى صفية بنت عبد المطلب!!!
امرأة أرهبت يهود بني قريظة فأعادتهم بخفي حنين... فما بالنا لو اجتمع عشر من نساء الأمة لهنّ قلب صفية وشجاعة صفية وحكمة صفية فكيف سنكون يا معشر نساء المسلمين؟
الأمة اليوم تحتاج لشحذ همة الكبير والصغير.. النساء والرجال... لنقف صفاً واحداً عملاً بقوله تعالى : (والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ)(التوبة:71).
لم يكن هذا الموقف البطولي لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المواقف الباسلة لها.. إذ نراها في غزوة أحد وقد أصاب المسلمون الجزع لما فعلته النسوة القرشيات بأسد الله حمزة بن عبد المطلب من تشويه وتمثيل حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من الزبير ابن صفية أن يمنع أمه من رؤية أخيها خوفاً على مشاعرها.... فلقيها الزبير قبل أن تصل إلى حمزة وقال لها : ( يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولِمَ؟ وقد بلغني أن قد مُثِل بأخي وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك!! لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله) فلما أتته نظرت إليه محتسبة صابرة لا تبالي بتمثيل أو تشويه.. ثم صلت عليه واسترجعت له ـ أي قالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ـ واستغفرت له ثم رجعت بيقين الجنة حين يشتم المؤمن ريحها قبل الممات لا يعبأ بما يصيب الجسد الفاني من ضرٍّ رجاء في مرضاة الله... فينتزع بشعور المؤمن كل فزع وكل جزع يصيبه، وهكذا يكون الإيمان.
رحم الله صفية بنت عبد المطلب المرأة القوية الصابرة ، وجزى الله عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقفها ودفاعها عن الأمة وقت المحن كل خير.
مجلة المنار : العدد82 ، جمادى الأولى ، 1425 هـ.

عباد بن بشر رضي الله عنه

عباد بن بشر رجل من المدينة أقبل على مجلس مصعب بن عمير مُوفد الرسول -صلى
الله عليه وسلم- وأصغى إليه ثم بسط يمينـه مبايعا على الإسـلام ، وأخذ مكانه بين
الأنصار وفي الصفوف الأولى للجهاد في سبيل الله


غزوة ذات الرّقاع
بعد أن فرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعه المسلمون من غزوة ( ذات الرقاع ) نزلوا مكانا يبيتون فيه ، واختار الرسول الكريم

للحراسة نفر من الصحابة يتناوبـون وكان منهم ( عمّار بن ياسـر ) و ( عباد بن بشـر )فقال عباد لعمّار :

( أي الليل تحب أن أكفيكـه أوله أم آخره ؟)قال عمار :( بل اكفني أوله )

فاضطجع عمّار ونام ، وقام عباد يصلي ، وإذا هو قائم يقرأ القرآن اخترم عَضُده سهم فنزعه واستمر في صلاته ، ثم رماه

المهاجم بسهم آخر ، نزعه ، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه ، فنزعه وركع وسجد ثم مدّ يمينه

وهو ساجد الى صاحبه عمّار وظل يهزه حتى استيقظ ثم أتم صلاته ، ووثب عمّار مُحدِثا ضجة وهرولة

أخافت المتسللين وفرّوا ، ولما رأى عمّار دماء عباد قال له :( سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك ؟)

قال :( كنـت في سورة أقرؤها فلم أحـب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابـع علي الرمي ركعت فآذنتـك ،

وايم الله لولا أن أضيع ثغـرا أمرني رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظه لقطع نَفْسي قبل أن أقطعها أو أنفذها )


نوره وولاؤه
كان عباد -رضي الله عنه- شديد الولاء لله و لرسوله ولدينه ، فمنذ أن سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :

( يا مَعْشر الأنصار أنتم الشعار ، والناس الدثار ، فلا أوتينّ مِن قِبَلكم )وكان هو من الأنصار فسمعها ولم يتوانى عن بذل حياته وماله

وروحه في سبيل الله ورسوله ، فكان عابد تستغرقه العبادة ، بطل تستغرقـه البطولة ، جواد يستغرقـه الجود ، وعرفه المسلمين بهذا

الإيمان القـوي ، وقد قالت عنه السيدة عائشـة -رضي الله عنها - :( ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد ، سعد بن معاذ ، وأسَيْد بن حُضَير ، وعبّاد بن بشر )

وبات يُعْرَف بأنه الرجل الذي معه من الله نوربل أجمع بعض إخوانه على أنه إذا مشى في الظلام ينبعث منه أطياف ونور يضيء له الطريق !


معركة اليمامة والشهادة
وفي حروب الردة حمل عبّاد مسئولياته في استبسال كبير ، وفي يوم اليمامة أدرك الخطر المحيط بالمسلمين فأصبح

فدائيا لا يحرص إلا على الموت والشهادة ، ويقول أبو سعيد الخدْري -رضي الله عنه- :( قال لي عبّاد بن بشر :

( يا أبا سعيد رأيت الليلة كأن السماء قد فُرِجَت لي ثم أطْبَقَت علي ، وإني لأراها إن شاء الله الشهـادة )فقلت له :( خيرا والله رأيـت )

وإني لأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار :( احطموا جُفون السيوف ، وتميزوا بين الناس )

فسارع إليه أربعمائة رجل كلهم من الأنصار ، حتى انتهوا الى باب الحديقة فقاتلوا أشـد القتال ، واستشهـد عبّاد بن بشـر رحمه الله

، ورأيت في وجهه ضربا كثيرا ، وما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده )

زياد علي

زياد علي محمد