الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

مصطفى سعيد الخن العالم المربِّي، وشيخ علم أصول الفقه في بلاد الشَّام

اسمه ونسبه ونشأته:
هو مصطفى بن سعيد بن محمود الخنُّ، الشَّافعيُّ، الميدانيُّ، الدِّمشقيُّ، من أسرةٍ دمشقيةٍ عريقةٍ، كان لها منذ عهود العمادة والمرجعية في الميدان كلِّه.

نشأ مصطفى الخن في كَنف والديه -مع إخوته وأخواته- في جوِّ أسري يسوده الصَّفاء والهيبة والاحترام، ولمَّا بلغ الثَّامنة من العمر؛ ألحقه والده بالكُتَّاب، ثم ألحقه بعد ذلك بمدرسة الجمعية الغرَّاء الابتدائية، فلازمها سنة كاملة، انتقل بعدها إلى المدرسة الرَّسمية التي كانت تُدعى (أنموذج الميدان).

وفي صيف (1350هـ -1931م)؛ اكتشف الشَّيخ الخطَّاط محمَّد زرزور علائم النَّجابة والأهليَّة عند مصطفى الخن، الذي كان أحد التَّلاميذ المنتسبين إلى مكتبه لتعلُّم القرآن والخطِّ والحساب؛ فاستأذن والده أن يصطحبه معه إلى دروس الشَّيخ حسن حبنكة في جامع مَنْجَك، فسمح الوالد ولم يمانع.

وكان الشَّيخ الدَّاعية حسن حبنكة -رحمه الله تعالى- قد أسَّس في المسجد مدرسةً متكاملةً، تشتمل على تعليم الشَّباب المنقطعين لطلب العلم صباحاً، من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظُّهر، وتعليم الكبار-من التُّجار وأصحاب الحرف-بعد صلاة العشاء.

التحق التِّلميذ مصطفى الخن أوَّل الأمر بالقسم المسائي، و أُعجب فيه شيخه حسن خطاب؛ لمَِا لمس عنده من مخايل الحفظ والذكاء، ونقل إعجابه إلى الشَّيخ حسن، فأوصى به خيراً.

ولم تمض مدَّة حتى حُبِّب إلى التِّلميذ النَّجيب طلبُ العلم، فقرَّر الانتقال إلى القسم النَّهاري، وكانت تلك خطوةٌ جريئةٌ موفَّقة، أُقيمت على إثرها حفلةٌ في بيت الأسرة احتفاءً بأوَّل طالبِ علمٍ ينبغ في (آل الخن)، وأُلبس الطَّالب مصطفى العمامة بدلاً من (الطَّربوش!)، وأَعلن الأب رعايتَه التامَّة له.

سيرته العلمية:
شبَّ مصطفى الخن في جامع منجك، وغداً طالباً مجِدّاً نشيطاً، متعلِّماً في الصَّباح، ومعلِّماً في المساء، وشاء الله -سبحانه- للحلقات النَّهارية أن تصبح نواة لمعهد (التَّوجيه الإسلامي)، وانتقل الأستاذ مصطفى للتَّدريس في المدرسة النَّاشئة التَّابعة للمعهد.

وقد أسهم الجمع بين مهمَّتي التعلُّم والتَّعليم في صنع الشَّخصية العلميَّة للشَّيخ مصطفى الخن، وكان لتوجيه الشَّيخ حسن حبنكة الأبويِّ التَّربويَّ؛ أثرٌ كبيرٌ في التَّناغم والتَّآلف والتَّكامل بين المهمَّتين.

وكان الشَّيخ العلَّامة حسن حبنكة يرشد طلَّابه أن يزوروا العلماء الكبار، وأن يجلسوا إلى دروسهم، فكان الشَّيخ مصطفى يحرص على ذلك كل َّالحرص، ومن العلماء الربَّانيين الذين زارهم، والتقى بهم، وكان لهم مواقف خالدة، شهدها بنفسه؛ أذكر:

1. الشَّيخ علي بن عبد الغني الدقر: وهو شيخ شيوخ معهد العلوم الشَّرعية، ورئيس الجمعية الغرَّاء ومؤسِّسها، عالمٌ ربانيٌ، جمع بين التَّعليم الشَّرعي، والتَّربية الرٌّوحية، وأوجد مدرسة تُحتذى في التَّخلق بأخلاق الإسلام، وكان الشَّيخ مصطفى يزوره في مسجده و يحضر بعض دروسه.

2. الشَّيخ محمَّد أمين سويد: وهو عالمٌ مشاركٌ، وأصوليٌّ بارعٌ، ومن كبار علماء دمشق، طلب العلم في الأزهر، وعمل مدرساً في معهد الحقوق، وفي مواقع علميةٍ عديدة، وقد التقى به الشَّيخ مصطفى وجلس إليه؛ عندما كان الشَّيخ محمَّد يتردَّد إلى جامع منجك.

3. الشَّيخ إبراهيم بن محمَّد الغلاييني: وهو عالمٌ عابدٌ، له في نفوس الناس مهابةٌ ومحبَّة، وَلِيَ قضاء وادي العجم، وإمامة وخطابة جامع مدينة (قَطَنا)، وكان الشَّيخ مصطفى يزوره دائماً، وربما قضى عنده سحابة اليوم.

4. الشَّيخ أبو الحسن علي الحسني النَّدْوِي: العالم المعروف، والمؤلف المبدع، والخطيب المفوَّه، والعضو في العديد من المجامع اللُّغوية العربية، وقد لقيَه الشَّيخ مصطفى في القاهرة حين كان طالباً في الأزهر أول مرَّة، والتقى به في دمشق، في جامعتها، ثمَّ في بيت الشَّيخ حسن حبنكة، وكانت الأخيرة.

وقد شارك الشَّيخ مصطفى -في أثناء تدريسه في (معهد التَّوجيه الإسلامي)- في مختلف العلوم الشرعية، ولكنَّه تخصَّص في النِّهاية، وتميَّز بعلم أصول الفقه، وبعلوم العربية.

وفي مطلع عام (1369هـ -1949م)؛ وصل الشَّيخ مصطفى إلى القاهرة، بغية الانتساب للأزهر، ومن ثَمَّ الحصول على شهادة الإجازة التي تؤهله للتَّدريس في المدارس الحكومية السُّورية، وأُجري للشَّيخ اختبار القَبول، وقُبل في السَّنة الثَّالثة من كلِّية الشَّريعة، فأمضى مدَّة الدِّراسة المقرَّرة -سنتان- قبل أن يستحق شهادة الإجازة بتقديرٍ ممتاز.

وقد تعرَّف الشَّيخ أثناء دراسته تلك إلى علماء أفذاذ في الأصول واللُّغة، وعلى رأسهم العميد الدكتور عيسى منُّون، والدكتور عبد الله موسى، والدكتور مصطفى عبد الخالق، وأخيه الدكتور عبد الغني عبد الخالق، وأفاد منهم كثيراً في تخصُّصه، كما تزَّود بثقافة إسلاميَّة عالميَّة، ومنهجيَّة واضحة الطَّريق والهدف، ومسلك تربويِّ رصين الفكرة والتَّطبيق.

عاد الشَّيخ بعدها إلى دمشق؛ ليعمل مدرِّساً لمادَّة التَّربية الإسلاميَّة، في ثانويات حلب ودمشق، مع إسهامه الفعَّال في مجالات المناهج الدِّراسية، والكتب المدرسية، ولجان الامتحانات، وبقي فيها حتى حصوله على شهادة الدكتوراه. وفي أثناء ذلك؛ اشتغل بالتَّدريس في كلِّية الشَّريعة بجامعة دمشق محاضراً، بين عامي (1375هـ-1382هـ)، (1955م- 1962م)، وأعير لكلِّية الشَّريعة واللُّغة العربية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في الرياض، مدرِّساً، بين عامي (1382هـ-1386هـ)، (1962-1966م).

ولمَّا أصدر الأزهر قراراً يقضي بالسَّماح لخريجي الكلِّيات الأزهرية الذين أمضوا في التَّدريس الجامعي أكثر من خمس سنوات أن يتقدَّموا بتسجيل رسالة الدكتوراه مباشرة؛ أسرع الشَّيخ مصطفى وسجَّل موضوع (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى عبد الخالق، وفاز بالشَّهادة عام (1391هـ-1971م) مع مرتبة الشَّرف الأولى.

عُيِّن بعدها مدرِّساً ورئيساً لقسم العقائد والأديان في كلِّية الشَّريعة، بالإضافة إلى تعيينه مدرِّساً في كلِّية التَّربية بجامعة دمشق، وبقي في الجامعة حتى سنة (1404هـ=1983م)، وأسهم إذ ذاك في تأليف الكتاب الجامعي؛ فأصدر ثلاثة كتب مهمَّة، لا تزال تُدرَّس في كلِّية الشَّريعة إلى اليوم، وهي: الَّتفسير العام، وفقه المعاملات، ومبادئ العقيدة الإسلامية.

وبعد إحالته إلى التَّقاعد؛ سافر الشَّيخ إلى المملكة العربية السعودية للمرَّة الثانية، فعمل مدرِّساً في كلِّية الشَّريعة بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلاميَّة، ثمَّ عُيِّن أستاذاً في كلِّية التَّربية للبنات، وعضواً في المجلس العلمي لجامعة الإمام، وبقي حتى عام (1413هـ=1992م)، وأشرف في هذه المدَّة على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.

وعاد الحنين بالشَّيخ إلى دمشق مجدَّداً؛ ليصبح بيتُه مقصد طلَّاب العلم والمحبِّين.

ومنذ بداية العام الدِّراسي (1414هـ، 1993م)؛ وافق الشَّيخ على التَّدريس في قسم الدِّراسات العليا، التَّابع لجامعة أم درمان، ومركزه مجمَّع أبي النُّور التَّعليمي في دمشق، وعلى رئاسة كلِّية الشَّريعة بقسم التَّخصُّص، التَّابع لمعهد الفتح الإسلامي، وتدريس مادَّة أصول الفقه لطلَّاب السَّنوات الثلاث في الكلِّية.

وجديرٌ بالذِّكر أنَّ للشَّيخ مصطفى غرفةً خاصةً في جامع الدَّقَّاق، شهدت -ولاتزال- تاريخاً حافلاً بنشاطٍ علميٍّ غزير، تحتوي على مكتبةٍ زاخرةٍ بأمَّهات الكتب. وممن سجَّل حضوراً بين جنباتها؛ أذكر: الأستاذ أحمد راتب النفاخ، الأستاذ أحمد عرابي الخن، الشيخ خير العلبي، الأستاذ سعيد الطنطاوي، الأستاذ سهيل البري، الأستاذ صالح الأخرس، الشيخ عبد العزيز الرفاعي، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الدكتور محمد الصباغ، الأستاذ محمود المارديني، والدكتور موفق دعبول.

تعريف بمؤلَّفاته:     
بدأ الشَّيخ مصطفى الخن الكتابة في وقتٍ مبكِّرٍ من مسيرته العلمية، فكان تحصيله العلمي تأليفاً، وتأليفه تحصيلاً علمياً.

وكان يكتب لنفسه أولاً، ثمَّ ساهم في تأليف الكتب المدرسية، وأعدَّ الأمالي الجامعية، واتَّجه إلى التَّأليف العام والتَّحقيق، وكان صدره يتَّسع للمشاركة مع غيره من الأقلام، تأليفاً وتحقيقاً.

منهجه العام في التَّأليف والتَّحقيق:
1. وضوح الأسلوب، مع فصاحة الكلمات، واتساق العبارات، وتطابق المقدِّمات مع النَّتائج والأحكام.

2. ورود الشَّواهد والأدلَّة في مواضعها المناسبة، من غير إكثارٍ ولا تكلُّف.

3. الخلوُّ من الغموض والتَّعقيد، والبعد عن الكلمات الغريبة.

4. الاختصار في الحواشي، مع الحرص على سلامة النَّصِّ، وصحَّة العبارة.

5. الايجاز وعدم الإطناب، والتَّوسُّط بين التَّطويل المملِّ والاختصار المخلِّ.

المؤلَّفات الخاصَّة:
1. أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء.
2. عبد الله بن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن.
3. دراسة تاريخية للفقه، وأصوله، والاتِّجاهات التي ظهرت فيهما.
4. الحسن بن يسار البصري: الحكيم الواعظ والزَّاهد العالم.
5. الأدلَّة الشَّرعية، وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها.
6. أبحاثٌ حول أصول الفقه الإسلامي (تاريخه وتطوره).
7. الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي.

المؤلَّفات المشتركة:
1. (نزهة المتَّقين شرح رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين)، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور مصطفى البغا، و الدكتور محيي الدين مستو، و الأستاذ علي الشربجي، والأستاذ محمد أمين لطفي.
2. (الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي)، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور مصطفى البغا، و الأستاذ علي الشربجي.
3. (العقيدة الإسلامية): أركانها- حقائقها- مفسداتها، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور محيي الدين مستو.
4. (الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح)، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور بديع اللحام.

التَّحقيقات الخاصَّة:
1. (المنهل الراوي، في تقريب النواوي)، للإمام الفقيه المحدث أبي زكريا النووي الدمشقي.
2. (تسهيل الحصول على قواعد الأصول)، للعلامة محمد أمين سويد.

التَّحقيقات المشتركة:
1. (حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة)، محمد صديق القَنُّوجي البخاري. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو.
2. (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، للإمام الشوكاني. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو.
3. (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، للبيضاوي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والدكتور بديع اللحام.
4. (المنهاج القويم في مسائل التَّعليم)، لابن حجر الهيتمي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والأستاذ علي الشربجي.

العلامة المحدث السلفي محمد نذير حسين الدهلوي

هو الإمامُ العلامة الجليل، مجددُ وناشر السنَّة في الديار الهندية، بل شيخُ الحديث في عصره، ورئيسُ العلماء المحققين في وقته، أحدُ من اجتمعت فيه خصال الخير.

اسمه ونسبه ومولده:
هو محمد نذير حسين بن جواد علي بن عظمة الله بن إله بخش بن محمد الرضوي الحسيني البِهاري ثم الدِّهْلَوي، وبين المترجَم وبين الحسين بن علي رضي الله عنهما ثلاثون أباً، وكذلك العدد من جهة أمه، كما ساقه تلميذُه فضل حسين في كتابه "الحياة بعد الممات".

وُلد رحمه الله في سورج كره بولاية بِهار شرقي الهند سنة 1220 على الصحيح، ونشأ فيها، وقرأ القرآن، وأخذ مبادئ العلم والكتابة في بلدته ونواحيها.

رحلته في الطلب وشيوخه:
ارتحل المترجَم لطلب العلم سنة 1236 إلى عظيم آباد (بتنه)، فأخذ عن المجاهدَين الشهيرَين إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي السلفي صاحب "تقوية الإيمان"، وأحمد بن عرفان، الملقب كل منهما بالشهيد، وكذا أخذ عن عبد الحي بن هبة الله البدهانوي.

ثم عرَّج على غازي فور، وبَنارس، ووصل مدينة إله آباد، وقرأ على أعيان علمائها المختصرات في فنون شتى، مثل: مراح الأرواح، والزنجاني، ونقود الصرف، والجزولي، وشرح مئة عامل، وهداية النحو، وغير ذلك.

ثم ارتحل إلى عاصمة السلطنة الإسلامية دِهْلي سنة اثنتين - وقيل ثلاث - وأربعين، فوجد عالمها الشاه عبد العزيز بن ولي الله قد توفي، وكان مقصودَه في الرحلة أساساً، فأقام بالمسجد الأورنك آبادي، وقرأ الكتب الدراسية المتداولة على العلماء، ومن ذلك: الكافية، وشرح الشمسية، ونور الأنوار، والحسامي، ومختصر المعاني، وشرح الوقاية، قرأها على الشيخ عبد الخالق الدهلوي.

وقرأ الأصول الكبرى، وشرح الكافية للجامي، مع حاشيته لعبد الغفور، والزواهد الثلاثة، والشمس البازغة على شير محمد القندهاري.
وقرأ شرح السلَّم لحمد الله، وشرح القاضي مبارك، وشرح المطالع، على الفلسفي المتبحر المولوي جلال الدين الهروي.
وقرأ المطول، والتوضيح والتلويح، ومسلَّم الثبوت، وتفسير البيضاوي، وتفسير الكشاف إلى سورة النساء؛ على كرامة علي الإسرائيلي مؤلف "السيرة الأحمدية".
وقرأ خلاصة الحساب والقوشجي لبهاء الدين الآملي، وتشريح الأفلاك، وشرح الجغميني، على مهندس عصره المولوي محمد بخش الشهير بتربيت خان.
وقرأ مقامات الحريري والحميدي وشيئا من ديوان المتنبي؛ على عبد القادر الرامفوري.
وفرغ من الدراسة المذكورة في خمس سنين، وبرع في العلم.

بعد ذلك لازَمَ محدِّثَ عصره الشاه محمد إسحاق الدهلوي السلفي ملازمة تامة ثلاثة عشر عاماً، قرأ عليه أمَّات كتب الحديث كاملةً قراءةَ رواية ودراية وضبط وتحقيق، كالكتب الستة، والموطأ، والمشكاة، وغيرها كثير، كالجامع الصغير، وكنز العمال، وتفسير البيضاوي، وتفسير الجلالين، والأَمَم للكُوراني، وبعض رسائل الشاه ولي الله، كالمسلسلات وغيرها.

وكان المترجَم أخصَّ تلامذة شيخه المذكور، وأخذ عنه ما لم يأخذه غيرُه، وبه تخرَّج، وهو الذي تولى عقد قران المترجم على ابنة شيخه عبد الخالق الدهلوي سنة 1246، وكان يجعله يفتي ويقضي بين الناس بحضرته، ويمتحنه كثيراً بالمشكلات ويجيبه، وأجازه غير مرة، ثم استخلفه على مسند تدريسه لما ارتحل للحجاز سنة 1258 وأعاد كتابة الإجازة له، ولُقِّب نذير حسين بميان صاحب، وهو لقب علماء أسرة الشاه ولي الله الدهلوي.

والشيخ محمد إسحاق أخذ بالقراءة والسماع والإجازة عن جده لأمه الشاه عبد العزيز الدهلوي، وهو كذلك عن أبيه الشاه ولي الله الدهلوي صاحب "حجة الله البالغة"، وأسانيده مشهورة مبسوطة.

عودة لشيوخ نذير حسين:
ذكر تلميذُه العلامة الخانفوري في ثبته "الجوائز والصلات" (مخطوط) أن شيخه يروي عن ثمانية شيوخ بالإجازة الخاصة، وأربعة بالعامة لأهل العصر، ويهمنا القسم الأول، وهم:
1- الشاه محمد إسحاق، بروايته عن جده كما سبق، وعن عمر بن عبد الكريم العطار المكي.
2- شير محمد القندهاري، عن عبد القادر الدهلوي، عن أبيه ولي الله.
3- محمد بخش.
4- كرامت علي الإسرائيلي، كلاهما عن محمد رفيع الدين، عن ولي الله الدهلوي.
5- عبد الخالق الدهلوي، عن محمد إسحاق.
6- جلال الدين الهراني.
7- عبد القادر الرامفوري، ولم يذكر شيوخهما.
8- محمد إسماعيل الشهيد، عن أبيه عبد الغني، وعمه عبد العزيز كلاهما عن أبيهما ولي الله.

وأما شيوخ الإجازة العامة لأهل العصر فذكر عبد الرحمن الأهدل، وعبد الرحمن الكزبري، ومحمد عابد السندي، وعبد اللطيف بن فتح الله البيروتي.
فهذا ما وقفتُ عليه من أسامي شيوخه، وقد كان المترجَم غالبا ما يقتصر في إجازته على عمدته الشاه محمد إسحاق لإكثاره عنه قراءة وسماعاً، واستغنائه به عن غيره.

الإفادة والتدريس:
تصدَّر المترجَم للتدريس والتذكير والإفتاء مكانَ شيخه الشاه محمد إسحاق، ودرَّس جميع الفنون - ولا سيما الفقه وأصوله - إلى سنة 1270، وكان له ذوقٌ عظيم في الفقه الحنفي كما قال العلامة عبد الحي الحسني الحنفي، وأضاف العلامة العظيم آبادي: كان كلُّ مسائله بين عينيه؛ يأخذُ ما يريد ويدَعُ ما يريد.

ثم غلَب عليه حبُّ القرآن والحديث، فترك الاشتغالَ بما سواهما إلا الفقه.
وكان رحمه الله يدرِّس ليلاً ونهاراً، وكل وقته مقسم ما بين التدريس والإفتاء والعبادة، وكان له مجلس للوعظ بعد صلاة الفجر يحضرُه جمعٌ غفير، واشتُهر بتدريس كتب الحديث رواية ودراية، وكان على نهج السلف أهل الحديث اعتقاداً وعملاً، وآتاه الله قَبُولاً عظيماً، حتى ارتحل إليه الطلبةُ من سائر أنحاء الهند، بل تعدى صيتُه إلى ديار العرب، فارتحل إليه عددٌ من علمائها، وكثر طلبته بحيث لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى قال تلميذُه العظيم آبادي: "وقد نفع الله تعالى بعلومه خلقَه، وله منَّة عظيمة على خلق الله تعالى، أمَا رأيت كيف أنه أشاع علمَ الحديث، وكيف روَّج علم السُّنن، وما ترى من آثار السنَّة النبوية إلا أنها من أنوار فيوضاته - وإن كان غيره من النبلاء الأتقياء المحققين مشاركاً فيها - ليس في بلاد الهند بلدٌ بل ولا قرية إلا بلغت فيضانه، وتلاميذه موجودة فيها، يروون الأحاديث، وبروِّجون السنن، ويطهِّرون الناس عن اعتقاد الشركيات والبدعيات والمنكرات والمُحْدَثات، والله يتم نوره ولو كره الكارهون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وليس انحصارُ تلاميذه ببلاد الهند، بل انتشرت تلاميذُه في الآفاق من العرب والعجم والهند..".

هذا قوله قبل وفاة شيخه بستة عشر عاماً، وبقي يدرِّس إلى وفاته، وقال العلامة عبد الحي الحسني: "وأما تلاميذه فعلى طبقات؛ فمنهم العالمون الناقدون المعروفون، فلعلهم يبلغون إلى ألف نفس، ومنهم المقاربون بالطبقة الأولى في بعض الأوصاف، ومنهم من يلي الطبقة الثانية، وأهل هاتين الطبقتين يبلغون إلى الآلاف... وخلق لا يُحصون".

قلت: وقد أحصى القائمون على مدرسة الشيخ[1] الطلبةَ الذين سكنوها في مدة سبع سنوات، فبلغوا اثني عشر ألفاً، هذا سوى الذين كانوا يحضرون ولا يقيمون في المدرسة!

ولهذا أقول: ما علمتُ عالماً تخرَّج عليه عددٌ يضاهي من تخرج على يدي المترجم، وقد درَّس بضعاً وستين سنة.

ونظراً لكثرة تلاميذه، وطول مدة تدريسه لُقِّب بشيخ الكل في الكل، أي: شيخ كل العلماء في كل العلوم.

وكان إلى جانب تدريسه العلمي يربي سلوكيّاً وعمليّاً بسَمْته وهديه، وله قصص ومواقف ذات عبرة، منها ما رواه الكاتب الشهير غلام رسول مهر في كتابه "يوميات رحلة إلى الحجاز" (ص37 الترجمة العربية، طبع دارة الملك عبد العزيز) عن رفيقه الحافظ محمد صدِّيق الملتاني أحد تلامذة المترجَم، قال: "ذات يوم في المساء هطلت أمطارٌ غزيرة، وامتلأت الأسواقُ والشوارع بالمياه، كان الفصلُ فصلَ الشتاء، وكان العالِمُ الجليل قد رجَع إلى بيته بعد صلاة المغرب، إلا أن جميع الطلبة ظلوا في داخل المسجد، ولم يستطيعوا تدبير أمر الطعام، واستمر المطر يَهْطِلُ حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وسمع من في المسجد طَرَقات على باب المسجد، ولما فتحوا الباب وجدوا العالم الجليل ميان نذير حسين واقفاً وقد حمل جميع ما في بيته من طعام حتى لا يموت الطلابُ جوعاً، الله أكبر! أين نجد اليوم مثل هؤلاء العلماء الأجلاء"[2]؟

أشهر تلاميذه:
يحار الكاتب في الاختيار بين تلامذته الكبار، ولكن أقتصر على بعضهم، فمنهم: ابنه شريف حسين المتوفى في حياة والده، وعبد الله الغزنوي، وأبناؤه محمد وعبد الجبار وعبد الواحد وعبد الله، ومحمد بشير السهسواني، وعبد المنان الوزير آبادي، ومحمد حسين البتالوي، وعبد الله الغازيفوري، وشمس الحق العظيم آبادي، وعبد الرحمن المباركفوري، وأحمد الله البرتابكرهي ثم الدهلوي، وعبد السلام المباركفوري، وأبو المكارم محمد علي المووي، وأحمد بن حسام الدين المووي، وأبو القاسم البنارسي، وثناء الله الأمرتسري، ومحمد نعمان الأعظمي، ويوسف الخانفوري - وهو أحد من نشر علم الحديث في العراق - وأبو سعيد شرف الدين البنجابي.

ومن بلاد العرب: إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ، وسعد بن حمد بن عتيق، وعلي بن ناصر أبو وادي، وفوزان السابق، وأبو بكر خوقير، وعبد الله بن إدريس السنوسي المغربي، وغيرهم كثير.

وقد سرد تلميذه فضل حسين آخرَ كتابه "الحياة بعد الممات" أسامي خمس مئة عالم من تلامذته.

محنته بسبب دعوته للسنَّة:
نظراً لما كان عليه المترجَم من اتِّباع ودعوة لمنهج السلف، واشتهار وكثرة في التلاميذ، فقد أصابه ما أصاب غيره من المصلحين، فأوذي وعودي من المخالفين والمتعصبة (وما أكثرَهم هناك!) والحاسدين، وابتُلي في ذات الله غير مرة، واستطال عليه أعداؤه استعانة بالمحتل الإنكليزي! -كما فعلوا مع العلامة صدِّيق حسن خان - واتهموه بالخروج على الولاة والاعتزال عن السنَّة، فسجنه الإنكليز سنة 1280 تقريباً في روالبندي سنةً كاملة، ولما أُطلق رجع إلى التدريس والإفادة كعادته، ولما حج سنة 1300 سبقه كيد أعدائه وسعيهم عند والي مكة واتهموه بما هو بريء منه، فسجنه، وأراد به سوءاً، ثم أطلقه.

ويقول العلامة عبد الحي الحسني الحنفي: "ثم إنه لما عاد إلى الهند بدَّعوه وكفَّروه، كما كفَّر الناسُ في الزمان السالف كبارَ العلماء من الأئمة المجتهدين، والله سبحانه وتعالى مجازيهم في ذلك، فإن الشيخ كان آية ظاهرة، ونعمة باهرة من الله سبحانه في التقوى والديانة، والزهد والعلم والعمل، والقناعة والعفاف، والتوكل والاستغناء عن الناس، والصدق وقول الحق، والخشية من الله – سبحانه -، والمحبة له ولرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - اتفق الناس ممن رزقه الله سبحانه حظاً من علم القرآن والحديث على جلالته في ذلك"، وقال العلامة العظيم آبادي: "امتُحن وأوذي مرات، وكم من حاسد افترَوا عليه بالأباطيل والأكاذيب، وكم من معاند له تقوَّلوا عليه بما لم يقل به، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون، لكن هو لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخاف إلا الله".

قلت: وكان من صنيع المتعصبة أن صدُّوا كثيراً من طلبة العلم عن تعلم الحديث، ومن عباراتهم: "إن الطالب إذا قرأ الحديث في دهلي يتزلزل ذهنه ويميل إلى ترك ما كان عليه السلف (!) من تقليد أحد الأئمة ويسيء الظن بالأئمة المجتهدين"[3]!! فضلاً عن التكفير والتضليل والعياذ بالله، أما هو فكان حليماً صبوراً، لا يحسُد ولا يحقِد على أحد، رحمه الله تعالى.

مؤلفاته:
قال عبد الحي الحسني: "ولم يكن للسيد نذير حسين كثرةُ اشتغال بتأليف، ولو أراد ذلك لكان له في الحديث ما لا يقدر عليه غيرُه، وله رسائل عديدة.. وأما الفتاوى المتفرقة التي شاعت في البلاد فلا تكاد أن تحصر، وظني أنها لو جمعت لبلغت إلى مجلدات ضخام".

وقال العظيم آبادي: "أما مؤلفاته التي هي موسومة بأساميها فلم نرَ منها إلا "معيار الحق"، وهذا كتاب لم يؤلَّف مثله في بابه، و"واقعة الفتوى ودافعة البلوى"، و"ثبوت الحق الحقيق"، و"رسالة في تحلي النساء بالذهب"، و"المسائل الأربعة"، وكلها بالهندية، و"فَلاح الولي باتباع النبي"، ومجموعة بعض الفتاوى، وهاتان الرسالتان بالفارسية، و"رسالة في إبطال عمل المولد" بالعربية، أما الفتاوى المتفرقة التي شاعت في البلاد والقرى وانتفع بها خلق الله فكثيرة، ما بين مطوَّل ومتوسط ومختصر، بالألسنة الثلاثة المذكورة، يعسر عدُّها، وظني أنها لو جمعت لبلغت إلى مجلدات ضخام، وإن سُمِّيت فتاواه على نمط رسائل الحافظ السيوطي وجُعلت رسائل مستقلة في كل باب بلغت إلى مئتين".

وقال شيخي الدكتور عبد الرحمن الفريوائي في كتابه "جهود مخلصة" (ص105): "رَتَّب بعض تلاميذه فتاواه في جزأين كبيرين باسم الفتاوى النذيرية، ولو رتب أبحاثه وفتاواه كلها لكانت في مجلدات ضخام، وله كتاب جليل في مباحث الاجتهاد والتقليد "معيار الحق"، وقد ذكر مؤلف "الحياة بعد الممات" سبعة ثلاثين بحثاً أو كتاباً له".

قلت: وللأسف الشديد فإن هذه الرسائل طبعت قديماً ولم تجدَّد، وقد مضى على وفاة هذا الإمام قرن وزيادة، ومن واجب علماء تلك البلاد إعادةُ إحياء تراثه وإخراجه من جديد  .

من ثناء العلماء عليه:
قال عنه العلامة المتفنن صِدّيق حَسَن خان القِنَّوجي: ((شيخُ الإسلام، ومركزُ علوم الاستجازة والإجازة، والعالمُ الخبيرُ حقيقةَ ذلك ومَجازَه، ومن المثل السائر: لا يُفتى ومالكٌ في المدينة، ولا يسند والحاكم ببغداد)). (الحياة بعد الممات ص303).

وقال العلامة المحدّث حسين بن مُحْسِن الأنصاري اليماني: ((إن الذي أعلمه وأعتقده وأتحققه في مولانا السيد الإمام، والفرد الهمام: نَذير حسين الدِّهْلَوي أنه فَرْدُ زمانه، ومُسنِدُ وقته وأوانه، ومن أجلِّ علماء العصر، بل لا ثاني له في إقليم الهند في علمه وحلمه وتقواه، وأنه من الهادين والمُرْشِدين إلى العمل بالكتاب والسنة والمعلِّمين لهما، بل أجلُّ علماء هذا العصر المحققين في أرض الهند أكثرُهم من تلاميذه، وعقيدتُه موافقةٌ لعقيدة السَّلَف؛ الموافقة للكتاب والسنّة، وفي رؤية الشمس ما يغنيك عن زحل..)) الخ. (الحياة بعد الممات ص310).

وقال العلامة القاضي المؤرِّخ الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النَّجْدي - رحمه الله تعالى - في رسالة بتاريخ 5 من ربيع الأول 1312: ((حضرة العالم العلامة، المحدّث الفهامة، قدوة أهل الاستقامة: السيد محمد نَذير حسين)). (الحياة بعد الممات ص298).

وقال المحدّث العلامة الشيخ شمسُ الحقّ العَظيم آبادي عن نَذير حسين في "غاية المقصود شرح سنن أبي داود" (1/54-55): ((وإني صاحبْتُه ولازمتُه قريباً من ثلاث سنين، واستفضتُ منه فيوضاً كثيرة، ووجدته إماماً في التفسير والحديث والفقه، عاملاً بما فيها، حَسَن العقيدة، ملازماً لتدريس القرآن والحديث ليلاً ونهاراً، كثير الصلاة والتلاوة والتخشع والبكاء، حسن الخُلُق، كثير التودد، لا يحسد ولا يحقد، منكسر النفس، ولم أر في زمننا من أ هل العلم أكثر عبادة منه، وكان يطيل الصلاة جدا، ويمدّ ركوعها وسجودها، وكان يعظ الناس كل يوم بعد صلاة الصبح بالمسجد، ويجتمع في مجلسه خَلق كثير، ولو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيتُ بعيني مثله ولا رأى هو مثلَ نفسه في العلم والعبادة والزهد والصبر والكرم والخُلق والحلم، ما حنثت، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أرَ في معناه مثله، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، محدّث العصر، فقيه الدهر، رئيس الأتقياء، قدوة النجباء، الإمام الأجل الأكرم، شيخ العرب والعجم، عمدة المفسرين، زبدة الناسكين، ذو الكرامات الظاهرة والمقامات الفاخرة)).

وقال أيضاً (1/57): ((قال بعضُ أفاضل العَصْر وأماثل الدَّهر [في الحاشية: هو المولوي وَحيد الزمان] في ترجمته للعقيدة الصابونية: (إنَّ من علامات أهل السنّة أن يُحِبَّ أهلَ الحديث وناصِريهم، كالأئمة الستّة، والأئمة الأربعة، وغيرهم من متقدميهم ومتأخريهم - وعدَّ أسماء بعضهم، وقال في آخره -: ومنهم شيخُ الهند حضرة سيدي مولانا نَذير حسين الدِّهْلَوي). فوالله نِعْمَ ما قال هذا الفاضل الصالح، وإني أقول: إن حُبَّه من علامات أهل السنّة، وإنه لا يبغضه إلا مبتدعٌ معاند للحق)).
وترجمته في هذا الكتاب حافلة (1/51-67)، وقد ألَّفه في حياة شيخه.

وقال أيضاً في عون المعبود - الذي ألّفه في حياة شيخه أيضاً - عند ذكره للمجدِّدين عبر القرون (11/266 ط. العلمية): ((وعلى رأس الثالثة عشرة شيخُنا العلاَّمة النبيل، والفهّامة الجليل، نِبْراسُ العلماء الأعلام، سامي المجد الأثيل والمقام، ذو القدر المحمود، والفخر المشهود، حَسَنُ الاسم والصفات، ربُّ الفضائل والمَكْرُمات، المحدِّث الفقيه المفسِّر، التقيُّ الوَرِعُ النَّبيه، الشيخ الأكمل الأسعد، السيِّد الأجلُّ الأمجد، رُحْلةُ الآفاق، شيخُ العَرَب والعَجَم بالاتفاق، صاحبُ كمالات الباطن والظاهر، مُلْحِقُ الأصاغر بالأكابر، شيخُنا وبركتنا، السيد نَذير حسين، جعله الله تعالى ممن يُؤتَى أَجْرَه مرَّتين، ولا زالت أنوارُ معارفه مدى الأيام لامعة، وشموسُ عوارفه في فَلَكِ المعالي ساطعة، وحماه الله من حوادث الأزمان ونَكَباتها، وأعزَّ محله في الجنان بأعلى درجاتها)).
ولا يأتي ذكرُه في عون المعبود إلا مقروناً بالتبجيل والثناء، ومنه قوله (1/124): ((إمامُ عَصْرِه، وأستاذ دَهْرِه، العلاَّمة المحدِّث الفقيه المفسِّر، شيخنا ومعلِّمنا السيد محمد نَذير حسين الدِّهْلَوي)).

وقوله (1/220): ((سمعتُ شيخنا العلامة المحدِّث الفقيه سلطان العلماء السيد محمد نَذير حسين أدام الله بركاته علينا يَقول به)).

وقال أيضاً في التعليق المُغْني على سنن الدّارَقُطْني (1/11): ((قرأتُ بعض السنن على رئيس المحدِّثين في عصره، عمدة المحققين في دهره، مُسْنِدِ الوقت، شيخِ الإسلام، جمال الملة والدين، السيد محمد نَذير حسين الدِّهْلَوي..)).

وقال أيضاً (4/49): ((.. واختيار شيخنا العلامة الرُّحْلة، إمام عصره، فريد دهره، السيد محمد نَذير حسين المحدث الدِّهْلَوي، أدام الله بركاته علينا)).

وقال أيضاً في "الوجازة في الإجازة" (ص28) معدداً شيوخه: ((أوَّلُهم وأَشْرَفُهم وأقدَمُهم: السيّد العلاَّمة، زَيْنُ أهل الاستقامة، المحدِّث، المفسِّر، الفقيه، الكامل، النَّبيه، الوَرِعُ، الزاهد، مُلْحِقُ الأحفاد بالأجداد، الذي لم تَرَ مثلَه العُيون، ومُلئت المشارق والمغارب بتلاميذه، الإمامُ الهمام.. السيد محمد نَذير حسين، جعله الله ممن يُؤتَى أَجْرَه مَرَّتين)).

وقال مؤرِّخ الهند العلامة عبد الحي الحَسَني - والد مجيزنا العلاَّمة أبي الحسن النَّدْوي - في "نزهة الخواطر" (8/523-527): ((شيخنا السيد نَذير حُسين الدِّهْلَوي، الشيخ الإمام العالم الكبير المحدِّث العلاَّمة.. المتفق على جلالته ونَبالته في العلم والحديث.. انتهت إليه رئاسةُ الحديث في بلاد الهند، وكان رحمه الله ممن أوذي في ذات الله سبحانه غير مرة.. كان آيةً ظاهرة، ونعمةً باهرة من الله سبحانه في التقوى والدِّيانة، والزُّهد والعِلْم والعَمَل، والقناعة والعفاف، والتوكل والاستغناء عن الناس، والصِّدق وقول الحق، والخشية من الله سبحانه، والمحبة له ولرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - اتفق الناس - ممن رزقه الله سبحانه حظًّا من علم القرآن والحديث - على جلالته في ذلك.. ولم يكن للسيد نَذير حُسين كثرةُ اشتغال بتأليف، ولو أراد ذلك لكان له في الحديث ما لا يَقدر عليه غيرُه.. وأما تلامذته فعلى طبقات، فمنهم العالمون الناقدون المعروفون، فلعلهم يبلغون إلى ألف نفس، ومنهم المقاربون بالطبقة الأولى في بعض الأوصاف، ومنهم من يلي الطبقة الثانية، وأهل هاتين الطبقتين يبلغون إلى الآلاف)). وترجَمَه ترجمةً حافلة.

وقال العلامة الشيخ أبو بكر خُوقِير المَكّي في ثَبْت الأثبات الشهيرة (ص37 الغفيلي، ص55 حاتم العوني): ((شيخنا السيد نَذير حسين عالم دِهْلي المُحَدِّثُ الشهير)).

وقال تلميذه الشيخ سعد بن حَمَد بن عتيق رحمه الله تعالى: ((وممن حضرتُ عليهم؛ وسمعتُ منهم؛ وأخذتُ عنهم من العلماء الأعلام المحدِّثين الكرام: الشيخُ الفاضل النِّحرير، والعالِمُ الكامل الشهير، حاملُ لواء أهل الحديث بلا نزاع، وحليةُ أهل الدِّراية والرواية والسماع: السيد نَذير حسين الدِّهْلَوي، رفع الله درجاته، وبارك في حسناته)). (إجازة الشيخ سعد بن عتيق للشيخ عبد الله العَنْقَري بتحقيقي ص74، ومثله في إجازته للشيخ محمد بن عبد اللطيف ص33، وعنه: إتحاف النُّبلاء بالرواية عن الأعلام الفضلاء ص5).

وقال ابن عَتيق أيضاً: ((العالمُ النِّحرير، الذي ليس له في عصره نَظير، السيد محمد نَذير)). (إجازة لعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الوهاب، المذكورة في مقدمة المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ص15).

وقال شيخ السنّة في المغرب العلامة عبد الله بن إدريس السنوسي في إحدى رسائله: "والِدُنا العلامة المحدِّث الفهامة السيد محمد نذير حسين". (الحياة بعد الممات 298)

وقال العلاَّمة المحدِّث الشيخ عبد الرحمن المُبارَكْفُوري في مقدمة "تحفة الأحوذي" (1/52-53 ط.السلفية) عند كلامه على الشاه محمد إسحاق الدِّهْلَوي: ((ثم إنه هاجر إلى مكة المكرمة، واستخلف من هو فَرْدُ زمانه وقُطْبُ أوانه، رُحْلة الآفاق، شيخ العرب والعجم بالاتفاق، المجدِّدُ على رأس المئة الثالثة عشرة، أعني المحدِّث المفسِّر الفقيه شيخنا الأجل السيد: محمد نَذير حسين الدِّهْلَوي؛ في إشاعة العلوم الحديثيَّة، فولي التدريس والإفادة والإفتاء والوعظ والتذكير، ودرَّس الكتب من جميع العلوم المتداولة ثنتي عشرة سنة، ثم غَلَبَ عليه حُبُّ تدريس القرآن والحديث، فترك اشتغاله بما سواهما إلا الفقه، فاشتغل بتدريس هذه العلوم الثلاثة إلى آخر عمره، أي من سنة سبعين بعد الألف ومئتين إلى سنة عشرين بعد الألف وثلاث مئة، فجميع مدة اشتغاله بتدريس هذه العلوم الثلاثة اثنتان وستون سنة، أفاد شيخنا بعلومه ونفع بإفاضته خَلْقاً كثيراً لا يُحصى عددهم، فأنارت بأنوار فيوضه البلاد، وأضاءت بأضواء علومه الأمصار، انتشر تلامذته في جميع أقطار الأرض، من الهند والعرب وغيرهما.

فليس من بلدة ولا قرية إلا وقد بَلَّغ بها نفحاته المِسْكِيَّة، ووَصَّل إليها فوحاته العلمية، سيقت إليه المَطايا؛ وشُدَّتْ نحوه الرِّحال ليُقْتَبس من أنوار معرفته، ويُغترف من بحار علومه، ويُتلقى من مكارم أخلاقه وشمائله، ويُستمسك بمحاسن آدابه وفضائله، فَلَهُ على رقاب الناس مِنَنٌ عظيمة، وأيادٍ جسيمة، أفنى عمره العزيز في إشاعة الدين، وصَرَفَ متاعه ومالَه في نشر العلوم الدينية وترويج السنن السنيّة، لم يوجد مثله في زمانه ولا بعده في عِلْمِه وفضله، وخُلُقه وحِلْمه، وَجُودِه وتواضعه، وكَرَمه وعفوه، وكثرة عبادته لربه، وخشيته له واتقائه، وورعه وزهده، وجميع الخصال الحميدة، والشِّيَم المَرْضِيَّة، والصفات الجميلة، والسِّمات الحسنة.

وصنَّف تصانيفَ مفيدة تشهد له بطول الباع في العلوم والاطلاع على الكتب، وتدلُّ على تبحره، وسعة نظره، وكثرة مطالعته، وجودة حفظه، ودقَّة فهمه، وإصابة فكره، حصل له من الشرف والفضل ما لم يحصل لأحد ممن عاصره، وبلغ من العُلى والرِّفعة ما لم يبلغ غيره من المعاصرين)).

وقال شيخ الحديث في دهلي العلامة الشيخ أحمد الله بن أمير الدِّهْلَوي في إجازته للشيخ عبد الله القَرْعاوي رحمهما الله (ق1/ب): ((أخذتُ قراءة وسماعاً وإجازةً عن مشايخ أجلاء أعلام، وسادة كرام، من أجلِّهم شيخُنا الشريف الإمام الهمام المدقِّق سيدنا نَذير حسين الدِّهْلَوي رحمه الله)).

وقال العلامة المحدث الشيخ يوسف حُسين الهَزارَوي الخانْفُوري الأثري في ثَبْته ((الجوائز والصِّلات في أسانيد الكتب والأثبات)) (ص8): ((شيخنا ومولانا، شيخ الإسلام والمسلمين، رئيس العلماء المحققين، بقيَّة السَّلَف، حُجَّة الخَلَف، مجدد القرن الثاني عشر، معلِّم بني الأسود والأصفر والأحمر، المجتهد المطلق، الحاوي على كل ما جلَّ من العلوم الشريفة وما دقّ، الفارس الأسبق في ميدان البَراعة فلا يُلحق، المحدِّث المفسِّر الحافظ الفقيه الأصوليُّ النَّحْوِيُّ المقرئ، السيد محمد نَذير حسين، الشيخ الإمام العابد الزاهد، الثقةُ الثقةُ الثقةُ، العَدْلُ العدلُ العدلُ، الضابط المُتْقِن، ناصر السنّة، قامع البدعة، سلالة أهل بيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فِلْذَةُ كَبِدِ البَتول، قُرَّةُ عين أسد الله الغالب أبي الحسن علي بن أبي طالب، عليهم الصلاة والسلام إلى يوم القيامة)).

وقال أيضاً (ص24): ((السيِّد الإمام المجتهد المُطْلَق، المحقق الأسبق في ميدان الإرشاد والتعليم بحيث لا يُلْحَق، شيخنا الحافظ الحجّة محمد نَذير حسين المحدث الدِّهْلَوي)).

وقال أيضاً (ص47): ((شيخُ الإسلام محمد نَذير حسين الدِّهْلَوي، الإمام الحجة الحافظ الضابط)).
وقال (ص49): ((الحافظ الضابط الحجَّة الإمام المجتهد الفقيه الأصوليّ شيخ الإسلام السيد محمد نَذير حسين الدِّهْلَوي المحدِّث)).

وقال الشيخُ العلامة أبو القاسم محمد بن محمد سعيد البَنَارِسي في إجازته للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص77): ((شيخُ الكُلِّ في الكُلّ، مولانا السيِّد.. فخر المحدِّثين، تاج المُفَسِّرين، شيخنا وسيّدنا محمد نَذير حُسين المحدِّث الدِّهْلَوي)).

وقال الشيخ محمد أبو ذر النِّظامي الهِنْدي نزيل حِمْص في إجازته للشيخ سليمان الصنيع: ((العلامة الفهامة، خاتم المحدثين، محيي السنّة، مولانا الشيخ نذير حسين المحدّث الدِّهْلَوي)).

وقال العلامة الرُّحْلة المؤرّخ عبد الحفيظ الفِهْري الفاسي في "استنزال السَّكينة الرحمانية" (ص27 رقم 19): ((الشيخ نَذير حسين بن جواد علي الرِّضَوي العَظيم آبادي الدِّهْلَوي من أشهر العلماء الأثريين بالهند، ورسائله تدل على تبحُّره في علم الحديث)).

وقال شيخُنا العلاَّمة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عَقيل حفظه الله تعالى: ((الشيخ نَذير حسين إليه المنتهى والمرجع في وقته في الحديث، ونروي عنه من جانبين، من جانب شيخنا أبو وادي، ومن جانب شيخ القرعاوي: أحمد الله)).

وقال أيضاً في مقدمة "النوافح المسكية" (ص6): ((شيخ الحديث والمحدّثين في عصره، الإمام السلفي الشهير نَذير حسين الدِّهْلَوي)).

وقال لي أيضاً: ((كان شيخنا علي أبو وادي يعظم شيخه نذير حسين كثيراً، ويثني عليه، ولا سيما في الحديث)).

وقال مجيزنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي (260): ((المحدّث الكبير الشهير، المحقق الناقد، الضابط المتقن، الشيخ نذير حسين)).

ومن شاء التوسع في ثناء العلماء ولا سيما الهنود فليراجع كتاب "الحياة بعد الممات"، فقد سجل كلام الكبار، مثل محمد بشير القِنَّوجي، وعبد الحي اللكنوي الحنفي، وفضل الرحمن الكنج مراد آبادي الحنفي، وأحمد علي السهارنفوري الحنفي، وعبد الله الغازيفوري، وغيرهم.

وأُنشدت قصائد كثيرة في مدحه ورثائه، منها قصيدة محمد عبد الرحمن بقا الغازيفوري، ابن أخت العلامة عبد الله الغازيفوري، ومطلعها:
ظَعَنَتْ سُليمى فالسرورُ قبيحُ        والعين تذرِفُ والفؤاد جريحُ
والصبر في يوم  الفِراق  محرَّمٌ        أوَ ما ترى وُرْقَ الأراكِ تنوحُ

وله أيضاً:
أيا من يُضيعُ العمرَ في طول غفلةٍ        أتحسَبُ أن المرءَ في الدهرِ  خالدُ

ومنها قصيدة علي نعمت الفلواروي، مطلعها:
الحبُّ لا يستطيع الصَّبُّ يكتمُهُ        حلَّ  الغرامُ   به   ودمعُه   دمُهُ
وقلبُه   حَزِنٌ   والعينُ    باكيةٌ        تَفيضُ في الخدِّ هتَّاناً  وتسجمُه

وله فيه ميميةٌ مطلعها:
أسقى على طَلَلٍ دَرَسنَ معالمُه        مُذ هاجَرَت  هِنداتُه  وفَواطِمُه
طَوراً  أحنُّ  وتارةً  أبكي  إذا        تَبكي لهنَّ بذي الأراكِ حَمائمُه

وغيرها من القصائد بالعربية والأُردية، تنظر في كتاب "الحياة بعد الممات"، ومقدمة "غاية المقصود".

وفاته:
عاش رحمه الله مئة سنة، حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، وكان ارتحالُه من الدنيا يوم الإثنين لعشر ليال مضين من رجب سنة 1320 في دهلي، رحمه الله - تعالى - وجزاه عن السنّة وأهلها خيراً[4].

وأرَّخ وفاته المولوي الحكيم مختار أحمد بقصيدة بديعة من عشرين بيتاً، كل شطر منها يؤرِّخ سنة وفاته، وساقها صاحب الحياة بعد الممات (264)، ومطلعها:
فاتَ نور الفرقة  السُّبْحانيَهْ        إنه  أحيا  الأصول   الغاليهْ
ربَّنا   أكرِم    بهذا    وافيا        أنت مُعطي العافيات العاليهْ

أهم مصادر ترجمته:
وقد أفرد ترجمةَ السيد محمد نَذير حسين تلميذُه الشيخ فضل حُسين المُظَفَّرْفُوري في كتاب حافل بالأُرْدية اسمه ((الحياة بعد الممات))، طبع في الهند قديماً، وجُدِّد طبعُه حديثاً، وله ترجمة في مقدمة "غاية المقصود" (1/51)، و"نزهة الخواطر" (8/523)، و"فهرس الفهارس" (2/593)، و"يوميات رحلة في الحجاز" (37)، و"مشاهير علماء نجد وغيرهم" (ص458)، و"معجم المؤلفين" (3/749)، و"علماء العرب في شبه القارة الهندية" (ص875)، و"جهود مخلصة" (ص103)، و"معجم المعاجم والمشيخات" (2/313)، و"زهر البساتين من مواقف العلماء والربانيين" لسيِّد العفاني (2/191)، وانظر بقية مصادر ترجمته باللغتين العربية والأردية في حاشية كتاب ((حياة المحدّث شمس الحق وأعماله)) لمحمد عُزَير شَمْس (ص270).

اتصالي به:
لعل من دلائل قَبول هذا الإمام أن جعله الله متفرداً بعلو اتصال أمَّات كتب السنّة بالسماع في عصره وبعده، فمن أراد سماعَها بعلوٍّ فلا بد أن يرويَها من طريقه، وبفضل الله تعالى فقد اتصلت لي الأَّمات عنه سماعاً بواسطتين - وهو أعلى ما يكون - فأكثر، وكل ذلك من طريق مدرسته من أهل الحديث السلفيين، وإنما أردفت هذا بترجمته لأتمثَّل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في حق شيخه القدوة الفخر علي بن أحمد المقدسي المعروف بابن البخاري، إذ قال: ينشرح صدري إذا أدخلتُه بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأكتفي بطرف إسناد كتاب واحد من طريقه، وهو صحيح الإمام البخاري:
فأخبرنا بالصحيح من أولِه إلى آخره الشيخان المسندان: الحافظُ ثناء الله بن عيسى خان المدني، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي، بقراءتي مع غيري عليهما معاً في الجامع الكبير بالكويت.

قال الأول: أخبرنا شيخنا الحافظ عبد الله الرُّوبْري قراءة عليه لجميعه غير مرة، أخبرنا عبد الجبار بن عبد الله الغزنوي. (ح)
وقال الثاني: أخبرنا بجميعه والدي غير مرة، قال: أخبرنا جماعة، منهم محمد حسين البتالوي قراءة عليه لجميعه. (ح)
وقرأت قطعة من أوله على شيخي الفقيه عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم في أبها والرياض وما حولهما، وأجازني، قال: أخبرنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز قراءة عليه لجميعه غير مرة، أخبرنا عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي قراءة عليه لبعضه وإجازة. (ح)
وقرأته عالياً من أوله إلى آخره على شيخي العلامة عبد القيوم بن زين الله الرحماني في الهند، وبقراءتي عليه لأوله وثلاثياته مرة أخرى في منزل شيخنا عبد الله بن عقيل قرب المسجد الحرام بمكة المكرمة، قال: أخبرنا بجميعه أحمد الله المحدّث الدهلوي في المدرسة الرحمانية بدهلي. (ح)
وأخبرنا بقطعة صالحة من أوله مع ثلاثياته شيخي العلامة الجليل عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل في منزله بالرياض وأجازني سائره، قال: قرأته كله على شيخنا الضرير عبد الله بن محمد المطرودي - قال: وكان يحفظ البخاري سنداً ومتناً كالفاتحة - قال: أخبرنا علي بن ناصر أبو وادي قراءة عليه.
قال شيخنا ابن عقيل: وقرأت قطعة من أوله عالياً على شيخنا المعمر علي بن ناصر أبو وادي في مسجده بعُنيزة، وأجازني سائره، وناولنيه. (ح)
وأخبرنا بقطعة من أوله مع ثلاثياته كذلك الشيخ المعمر محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ في الرياض، وأجاز سائره، قال: قرأت ثلثيه على الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأجازني. (ح)
قال خمستهم: أخبرنا السيد نذير حسين الدهلوي قراءة لجميعه في دهلي، أخبرنا الشاه محمد إسحاق الدهلوي قراءة لجميعه، أخبرنا جدي الشاه عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي قراءة لجميعه.

وباقي السند السماعي حرّرتُه في كتابي "فتح الجليل"، فلا أطيل به.
والحمد لله أولا وآخراً.
ــــــــــــــــــــــــ
[1]   وقد يسَّر الله لي زيارة المدرسة التي كان يدرِّس فيها المترجَم، وهي في دهلي القديمة، تتكون من مبنى متواضع من ثلاثة أدوار ضيقة في وسطها فناء، وأسفلها مسجد صغير كانت دروسه فيه، فتعجبت من البركة التي طرحها الله في هذا الشيخ وتلامذته وذلك المكان المتواضع، وتأثرت لما أخبروني أن بيت هذا الإمام الكبير كان غرفة صغيرة رأيتها تحت الدرج المؤدي للدورين العلويين حيث يسكن الطلاب.
ومن نافلة القول أن المدرسة استمرت في العطاء بعد وفاة الشيخ، وتولى التدريس فيها تلميذه العلامة محمد بشير السهسواني وغيره، وبقيت تنشر السنّة إلى أن حلّت نكبة المسلمين بتقسيم الهند سنة 1366، فأُغلقت المدرسة أسوة بغيرها، إلى أن أحياها بعض المحتسبين من مدة قريبة، ولكنها ضعيفة الموارد وتحتاج إلى الدعم.
[2]   وهناك قصة أخرى عقبها في المصدر السابق أذكرها استطراداً؛ لما فيها من إضاءة لجانب آخر في المترجَم، قال: "وقال الحافظ محمد صدّيق: إنه كان يصلي خلفه الفجر كل يوم، وكان في نهاية حياته يتلو عادة سورة المرسلات، وحين يأتي إلى قوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يتغير صوته فيكون مؤثراً جداً، حتى أن عيني الحافظ تغرورقان بالدموع، وأردف قائلاً: إنه لا يمكن أن يجد مثل هذه اللذة وهو يصلي خلف إمام آخر".
ويأتي كلام العظيم آبادي الذي فيه: "كان..كثير الصلاة والتلاوة والتخشع والبكاء.. ولم أر في زمننا من أهل العلم أكثر عبادة منه، وكان يطيل الصلاة جداً، ويمدّ ركوعها وسجودها".
[3]   انظر حاشية العناقيد الغالية (47).
كما أن بعض هؤلاء حاولوا يائسين دفن حسنات وجهود هذا الإمام ومدرسته في إشاعة السنّة ونشرها في ديار الهند، فتجاهلوا ذكرها في الكتابات المتعلقة بذلك، ولكن هيهات! فلهذا الإمام وطلبته الدور الأكبر في طبع أمّات كتب السنّة وخدمتها، وسبقوا في ذلك العرب أنفسهم، شهد بذلك القاصي والداني.
[4]   وهنا فائدة ذكرها العلامة السلفي عبد العزيز الميمني الراجكوتي رحمه الله في مقال له (ضمن مجموع بحوث وتحقيقات له، جمعها محمد عزير شمس) فقال (1/18): "ولعل أكثر العلماء يعرفون الشاه ولي الله، وولده الشاه عبد العزيز، ثم شاه إسماعيل الشهيد، يُعرفون بجنوحهم إلى طريقة السلف، من دون التقيد بمذهب من المذاهب، ثم في زمن الثورة الهندية وبعدها زادت هذه الرغبة، ونشأ منهم شاه محمد إسحاق، ثم تلميذه السيد نذير حسين، الذي رأيتُه من سوء حظي ميتاً في الرابع عشر من عمري، واشتركتُ في غسله".
قلت: وأخبرني الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي في الكويت أن الذي تولى غسل نذير حسين هو تلميذه وخادمه الشيخ عثمان حسين العظيم آبادي، والد شيخنا ومجيزنا الشيخ يحيى المدرس في المسجد الحرام، حفظه الله تعالى.

محمد تقيّ العثماني.. القاضي الفقيه والداعية الرحَّالة

لمحات من حياته



اسمه ونسبه ونشأته:
هو القاضي محمَّد تقيّ العثماني ابنُ الشَّيخ المفتي محمَّد شفيع بن محمَّد ياسين بن خليفة تحسين علي بن ميانجي إمام علي، وقد اشتُهر انتماءُ هذه الأسرة إلى الخليفة عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وعُرفت بخدمة العلم وأهله.

وُلد المترجَم سنة 1362هـ (1943م)، في قرية (ديوبند) في محافظة سهارنفور الهندية، واشتُهرت قرية (ديوبند) هذه؛ لوجود أكبر مركزٍ تعليميٍّ إسلاميٍّ على أرضها، وهو مدرسة (دار العلوم) التي أُسِّست سنة 1283هـ وخرَّجت آلاف العلماء والدُّعاة ورجال الفكر الإسلامي.

وقد تولَّى والدُه الشَّيخ المفتي محمد شفيع التَّدريسَ والفتوى فيها منذ سنة 1350هـ حتى 1362هـ، وبقي جدُّه الشَّيخ محمد ياسين مدرساً فيها زهاء أربعين عاماً.
ولمَّا قرَّر الشَّيخ المفتي محمد شفيع أن يهاجرَ إلى باكستان، ليساعد في إرساء دعائم الوطن الإسلامي الجديد، رافقه ولده محمَّد تقيّ، وكان له من العمر آنذاك خمس سنوات، ونزلوا في مدينة كراتشي سنة 1367هـ(1948م).

وللمترجَم من الإخوة أربعة، نالوا جميعاً المكانةَ الرفيعة في العلم والصَّلاح، ووُفِّقوا للخير وحسن العمل، والقيام بخدمة الدِّين ونشر الدَّعوة على اختلاف مجالاتهم وتخصُّصاتهم.
في هذا الجوِّ العلمي الكريم نشأ القاضي محمَّد تقيّ العثماني يتقلَّب في مجالس العلم تعلُّماً وتعليماً، فترك هذا -فضلاً عمَّا آتاه الله من فكر وقَّاد وحافظة قوية، وصفاء نفس، وسلامة صدر- أثراً كبيراً على نُبوغه على تلك الصِّفة الكريمة، التي ملأت الأسماع ثناءً جميلاً في الأوساط العلمية، وآثاراً علمية ازدانت بها المكتبةُ الإسلامية.

طلبه للعلم:
بدأَت دراسةُ القاضي محمَّد تقيّ العثماني الابتدائية في المنزل على يد والدته، حيث درَّسته كتابَيْ (بهشتي جوهر) و(سيرة خاتم الأنبياء) باللغة الأُرْدية، ولمَّا أسَّس والدُه مدرسة دار العلوم في كراتشي التحق بها، وتلقَّى هناك بعضَ المواد بالفارسية والأردية.
ثم دخل مرحلة (الدَّرس النِّظامي) المعروف في شبه القارَّة الهندية، وهو ابنُ ثماني سنوات، وتخرَّج منها سنة 1379هـ ونال الشَّهادة العالمية بدرجة امتياز.
وحاز في هذه المرحلة قسطاً وافراً من علوم الشَّريعة وعلوم الآلة، فقد درس علم الكلام، والتَّفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والفرائض، والعلوم المتَّصلة بالأدب العربي.

وقد شعر إبَّان هذه المرحلة بأن المنهاج الذي درس ربما يقصِّر عن مواجهة الأوضاع الرَّاهنة وما يستجدُّ عليها من تحوُّلات، فاتَّجه لدراسة الحقوق والعلوم الاقتصادية والسِّياسية، ونال شهادة الإجازة في الاقتصاد والسِّياسة من جامعة كراتشي سنة 1384هـ (1964م)، كما نال الإجازة في الحقوق من الجامعة نفسها سنة 1387هـ (1967م).
ثمَّ توجَّه إلى اللُّغة العربية، ففاز بشهادة الماجستير في العلوم العربية بمرتبة الشَّرف الأولى من جامعة بنجاب سنة 1390هـ(1970هـ).

شيوخه:
كان الشَّيخ محمَّد تقيّ من أوائل الطُّلاب في دار العلوم، فاستطاع أن يستفيدَ من المشايخ الأجلاَّء الذين اضطلعوا بحمل التَّدريس فيها، وفي طليعتهم والده الشَّيخ المفتي محمد شفيع -رحمه الله- ومنهم أيضاً أذكر:

- الشَّيخ العلامة أكبر علي: كان من أفاضل أهل العلم والصَّلاح، درَّس في دار العلوم قرابة خمسين سنة. درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ الكثيرَ من الكتب، وأبرزها (التَّوضيح على التَّلويح) في أصول الفقه و (تفسير الجلالين).

- الشَّيخ المفتي وليّ حسن: عالمٌ متخصِّص بالفقه والإفتاء، وتربويٌّ فذٌّ. قرأ عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ الكثيرَ من الكتب الدِّراسية منذ بداية دراسته إلى الصف الخامس، فقرأ عليه (الهداية) للمرغيناني، وكان للشَّيخ ولي عنايةٌ خاصَّة في تكوين ذوق القراءة والمطالعة لدى تلميذه الشَّيخ محمَّد تقيّ.

- الشَّيخ المجاهد مولانا نور أحمد: كان السَّاعدَ الأيمن للشَّيخ المفتي محمَّد شفيع في تأسيس جامعة دار العلوم في كراتشي، وعُيِّن مديراً أعلى فيها، وهو الذي أسَّس المطبعة الشَّهيرة (إدارة القرآن والعلوم الإسلامية) بمدينة كراتشي، وقد درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ المرحلة الابتدائية.

- المفتي العلامة الشَّيخ رشيد أحمد: تولى التَّدريس في دار العلوم من سنة 1376هـ إلى سنة 1383هـ، وقد درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ (الصحيح) للإمام البخاري.

- الشَّيخ العلاَّمة محمد رعاية الله: أدَّى دوراً بارزاً في خدمة التَّدريس في دار العلوم، كما قام بمسؤولية تنظيم أمورها بصفة عميدٍ عامٍّ لها.

- الشَّيخ العلاَّمة الحافظ سحبان محمود: العميد الحالي لجامعة دار العلوم، وشيخ الحديث بها، وهو علمٌ بارزٌ في العلوم الحديثية والفقهية، ورمزٌ في مجال التَّربية الإسلامية.

- الشَّيخ العلاَّمة الدَّاعية الحافظ سليم الله خان: رئيس الجامعة الفاروقية ومؤسِّسها، وشيخ حديثها حالياً، قدَّم ويقدِّم خدماتٍ دينيةً جليلةً في مختلف المجالات.

- الشَّيخ العلاَّمة شمس الحق: علمٌ بارزٌ في المعرفة الدَّقيقة للفلسفة والمباحث العقلية المتَّصلة بالعقائد، كما أنه عالمٌ بصيرٌ في العلوم الحديثية والفقهية، ويشغل منصبَ مديرٍ عامٍّ في جامعة العلوم كراتشي.

وخارج فلك دار العلوم، راجع الشَّيخ محمَّد تقيّ الشَّيخ العارف بالله عبد الحي عارفي -رحمه الله- أجلَّ خلفاء الإمام أشرف علي التهانوي -رحمه الله- وتشرَّب منهجه في التَّربية، واضطلع بأفكاره في إصلاح النُّفوس، وبعد وفاته، راجع الشَّيخ مسيح الله خان -رحمه الله- واستمرت استفادته منه إلى وفاته.

مكانته العلمية:
لقد يسَّر الله سبحانه وتعالى للشَّيخ محمَّد تقيّ ما يسَّر للعلماء الصالحين الأفاضل، من أسرةٍ علميَّةٍ كريمة، وأساتذة أخيار بررة، ومواهب شخصيةٍ فذَّة، وفرصةٍ كافيةٍ للاستفادة العلمية، ودراسةٍ معمَّقة في العلوم العصرية إلى جانب العلوم الإسلامية، ثم تجارب متتالية من خلال رحلات علمية إلى مختلف دول العالم، حيث أتاحت له أن يلتقي كبار علماء العالم الإسلامي.

وقد شهدت مدة ما بعد رحيل الاستعمار الغربي عن البلاد الإسلامية فجوةً بين منهجي التَّعليم الإسلامي الأصيل والتعليم المدني الحديث، وظهرت الحاجة إلى إيجاد حلقة علمية تجمع بين الثَّقافة الإسلامية العميقة ودراسة العلوم العصرية الدَّقيقة، فانبرى لذلك ثلَّة من العلماء والمفكرين الكبار، وعلى رأسهم الشَّيخ محمَّد شفيع -رحمه الله- الذي خطا خطوات جادَّة في هذا المضمار، ثم استنهض همة نجله الذَّكي الشَّيخ محمَّد تقيّ بعدما نهل من دراسة العلوم الشَّرعية للدخول في مضمار الدِّراسات الحديثة، واختار له الاقتصاد والسِّياسة والقانون.

وأبلى الشَّيخ محمَّد تقيّ في هذا الصَّعيد بلاء حسناً، واستطاع بتوفيق الله أن يتقن هذه المواد العلمية الثَّلاث إتقان خبيرٍ محنَّك، ثم أكبَّ على إعمال الثَّقافتين إعمال النَّحل في عصارة الزَّهر، فجاء بنتاجٍ علميٍّ سائغٍ، من مزيج عناصرَ مستقاةٍ من العلوم الإسلامية الأصيلة، وتتجلَّى هذه المزيَّة في خدماته الفقهية التي ما زال يقدِّمها إلى الآن.
ومن ناحية أخرى فقد كان له ذوقٌ أدبيٌّ رفيعٌ في اللُّغات العربية، والأردية، والإنكليزية، فكان أن سخَّر ذوقَه الأدبي لخدمة الموضوعات العلمية الجافة، فيأتي بالموضوع العلمي الدَّقيق في ثوب أدبي تتسارعُ معانيه إلى الأذهان.
وقد مارس قرض الشِّعر بالأردية فجاء نموذجاً مفرداً في موضوعه.
واختار الشَّيخ محمَّد تقيّ المنهج الرصين في خطاباته ومواعظه ودروسه ودعوته، فنفع الله به العباد والبلاد.

سيرته العلمية:
ارتبطت حياة الشَّيخ العملية بحياته العلمية ارتباطَ الرُّوح بالجسد، فلم تخرج أعمالُه عن محيط العلم وخدمته، تعليماً، وتدريساً، وتأليفاً، ودعوةً إلى الله، وأبرزُ أعماله التَّدريسُ والإفتاء.

1- في مجال التَّدريس:
فُوِّض إليه تدريسُ المواد العلمية المتنوِّعة عقب تخرُّجه في دار العلوم، فخطا في هذا المجال خطاً واثقةً وكان مدرِّساً تربويّاً ناجحاً، إلى أن وصل إلى الذُِّروة، وما زال يدِّرس العلوم الحديثية والفقهية في درجتي العالمية (الماجستير) والتَّخصُّص في الفتوى (الدكتوراه) في جامعة دار العلوم.
ولم يقتصر نشاطه في التَّدريس على الجامعة، بل امتدَّ إلى خارجها، فعقد دوراتٍ تعليمية متعدِّدة في مجال الاقتصاد والسِّياسة والقانون؛ لإفادة العلماء والمفتين في مجال التخصُّص، وقدَّم محاضراتٍ علميةً في عدة جامعات أمريكية وأوربية، وشهد على نبوغه وبراعته المثقَّفون المشاركون في هذه المحاضرات المسلمون منهم وغير المسلمين.

2- في مجال الإفتاء:
بدأ الشيخ التَّمرس على كتابة الفتوى في زمن طلبه للعلم تحت إشراف والده، ونال الثَّناء من جميع أساتذته ومشايخه، وازداد اشتغالُه بالفتوى بعد تخرُّجه، ووُفِّق في إصدار آلاف الفتاوى التي تتميَّز بقوَّة الحجَّة والبرهان، ودقَّة النَّظر وعمق الدِّراسة، وحسن التَّنظيم والصِّياغة وسلاسة الأسلوب، وما زال إلى اليوم يُشرف على قسم الفتوى في دار الإفتاء.

3- في مجال التأليف:
أما التَّأليف؛ فهو موطن الجمال والجلال والجاذبية في حياته العلمية، وهو الموطن الذي جمع بين جدِّيَّة الفقيه القاضي المتبصِّر، وحكمة الدَّاعية المخلص الخبير بمواطن الدَّعوة وأساليبها، والتَّحليل الموضوعي للصَّحفي الخبير النَّاقد النَّاصح لدينه وأمته، كلُّ هذا بالإضافة إلى جمال الذَّوق الأدبي الذي يأخذ بمجامع القلوب ويعطِّر العقول والأرواح.
وقد بدأ الشَّيخ التَّأليف وهو في مَيْعة الشَّباب، مذ كان طالباً في المدرسة، ورزقه الله نفَساً طويلاً في هذا المجال، وزاده الله في ذلك على مرِّ الأيام.

جهوده في موافقة القوانين للإسلام في باكستان:
أدَّت جماعة العلماء المخلصين في باكستان جهوداً مشكورةً في إرشاد الحكومات إلى وضع قوانين توافق الشَّريعة الإسلامية، وللشيخ القاضي محمَّد تقيّ حظٌّ وافرٌ في هذه الجهود، مع أنَّه لم يكن منتمياً إلى أيِّ حزبٍ سياسيٍّ، فوفَّقه الله إلى أن يقوم بجهودٍ واسعة التأثير والمدى، بعيداً عن ضوضاء السِّياسة وهتافاتها. وأبرز المجالات التي عمل فيها هي:

1- الدَّعوة المخلصة الحكيمة إلى الجهات المعنيَّة بتدوين القوانين، وتوجيه دعوات ملحَّة إلى المجالس الدستورية لوضع المبادئ الدستورية والقانونية وَفق الشَّريعة الإسلامية، وقد رسم خطوطاً عريضةً للدستور مقتبسةً من كتاب الله تعالى في خمسَ عشرةَ نكتةً، وكانت هذه بمنزلة المصدر الأساسي لتحديد أهداف الدُّستور، وتوجيهه الوجهةَ الصَّحيحة عند وضع مواده وبنوده المفصَّلة، ثم تابع كلَّ مرحلةٍ مرَّت بها مسودةُ الدُّستور الجديد، واقفاً عند كل منها وقفة متأملٍ خبير، ليجرِّد قلمه ناقداً إن رأى العملية الدُّستورية قد حادت عن جادَّتها.

2- مشاركته في أعمال مجلس الفكر الإسلامي، منذ أن اختاره الرئيسُ ضياء الحق أحدَ أعضاء هذا المجلس، فشارك مع زملائه في خدمة تحويل القوانين في البلاد إلى الإسلام، لا سيَّما أن رغبة الرئيس كانت تتماشى مع مطالبهم، واستمرَّ في عمله في المجلس حتى عام 1981م. وقد وضع المجلس في هذه المدَّة تقارير هامَّة، منها ما وُضع في قيد التَّطبيق بعد موافقة الحكومة، ومن بينها نظام الحدود والقصاص، ومبادئ لنظام الصلاة والزكاة وإرشاد العمَّال والموظفين الحكوميين، وإرشادات مبدئية لإصلاح الاقتصاد الوطني، والنظام التعليمي والبنية الاجتماعية والإعلامية.

3- القضاء، فقد وفقه الله تعالى لدخول مجال القضاء العالي، ليقوم بخدماتٍ جليلةٍ أقوى وأبعد أثراً في سبيل تطبيق الشَّريعة الإسلامية، فقد كان أولَ المطالبين بإنشاء مجلسٍ خاصٍّ في المحكمة العليا يُمنح سلطة كاملة لتعديل أي قانون مضادّ للشَّريعة الإسلامية، ووجد هذا الصَّوت آذاناً مصغيةً في الأوساط الحكومية، فأصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بإنشاء (محكمة شرعية مركزية) فوَّض إليها مسؤولية مراجعة القوانين، ومراجعة قرارات المحاكم الجنائية، ومنحها سلطات محاكمة ومعاقبة الجناة شأن أية محكمةٍ إقليميةٍ عليا. وقد شغل الشَّيخ محمَّد تقيّ منصب القضاء في المحكمة الشرعية المركزية سنة 1982م بناء على رغبة رئيس الجمهورية، وبعد مدة حولته الحكومة إلى مجلس النَّقض والتَّمييز بالقضاء العالي، ولا يزال عضواً من أعضائه إلى الآن.

4- استغلال العلاقات الشَّخصية مع ولاة الأمر في سبيل تطبيق الشَّريعة، فقد أتيح للشَّيخ أن يعيش بمقربةٍ من بعض ولاة الأمر البارزين، وعلى رأسهم الرَّئيس محمد ضياء الحق، فكانت بينهما علاقةٌ وطيدة، وكان الرئيس كثيراً ما يراجع القاضي فيما يستجدُّ من قضايا، وخصوصاً فيما يتَّصل بالأمور الشَّرعية، فكان الشَّيخ يرفع إليه آراءه في الاجتماعات العامَّة للمجلس وفي المقابلات الاجتماعية ولم يكن يزوره في خلوته، مع إلحاح الرَّئيس عليه.
ومما يلفت النَّظر أن الشَّيخ حفظه الله ضرب المثل للدَّاعية المخلص، فلم يستغلَّ هذه العلاقة الودِّية مع الرئيس لمصالحه الشخصية أو مصالح ذويه.

جهوده في تحويل الاقتصاد للإسلام:
كان للقاضي محمَّد تقيّ دورٌ بارزٌ مضيء في مجال تحويل الاقتصاد للإسلام، وتسيير المعاملات التجارية وفق الشَّريعة الإسلامية، وشملت نشاطاته الصَّعيدَين النَّظري والعملي؛ فإلى جانب دراساته النَّظرية في القانون والاقتصاد، كان يبذل جهوداً متواصلةً على النِّطاقين المحلي والدولي لوضع نظامٍ اقتصادي مؤسَّس على المبادئ الإسلامية، يساعد المسلمين في تسيير معاملاتهم وفق الأحكام الشَّرعية، ويكون وسيلةً للقضاء على النِّظام الرِّبوي.

وقد نجح في وضع نظامٍ اقتصاديٍّ متكاملٍ للكثير من الإدارات التَّمويلية والمصرفية في عدة دول، كما قدَّم خدماته في هيئات الرقابة الشَّرعية لأكثر من عشر مؤسَّسات مالية، رئيساً وعضواً، منها:
1- رئاسة مركز الاقتصاد الإسلامي في باكستان منذ عام 1991م.
2- رئاسة الهيئة الشَّرعية بالبنك السعودي الأمريكي بجُدَّة.
3- رئاسة اللجنة الشَّرعية للمؤتمر الإسلامي بمؤسَّسة (داوجونز) بنيويورك.
4- رئاسة اللجنة الشَّرعية للاستثمار الإسلامي العالمي في بنك (HSBC  ) بلندن.
5- رئاسة الهيئة الشَّرعية لـ(CITY BANK  ) الاستثماري الإسلامي بالبحرين.
6- عضوية هيئة الرقابة الشَّرعية لبنك الاستثمار الأوَّل في البحرين.
7- رئاسة (المجلس الشَّرعي) الذي أنشأته حديثاً هيئة المحاسبة والمراجعة المالية للمؤسَّسات الإسلامية بالبحرين.
هذا فضلاً عن الكثير من الإدارات التي تستفيد من توجيهاته، وآرائه الفقهية في أعمالها، والكثير من طلبة العلم وأهل الفتوى الذين انتفعوا بالدورات العلمية والمحاضرات والبحوث التي يقدِّمها داخل جامعة دار العلوم وخارجها.

جهوده في الدَّعوة والإرشاد:
يعطي الشَّيخ حفظه الله قسطاً وافراً من أوقاته للعناية بأمر الدَّعوة والإرشاد عنايتَه بأي واجب ديني آخر، ويتجلَّى ذلك في نشاطاته الدَّعوية واسعة النِّطاق، التي يعدُّ من أبرز جوانبها ما يلي:

- الوعظ: فقد رزقه الله حظاً وافراً من حسن البيان، وله برنامج أسبوعي للوعظ والإرشاد في جامع (بيت المكرم) بمدينة كراتشي، يشترك فيه عددٌ كبيرٌ من النَّاس، وتدور دروس الشَّيخ فيه حول الأحكام الشَّرعية العامَّة، وما يتعلَّق بها من عقيدةٍ وعبادةٍ ومعاملاتٍ وأخلاق.
بالإضافة إلى أسفاره الدَّعوية، فكثيراً ما يسافر من بلدٍ إلى بلد؛ لرغبة المسلمين في مواعظه، ومطالبتهم بحضوره إليهم.

- الإرشاد والتربية: فهو لم يمتنع عن إرشاد النَّاس وتربيتهم على طريقة ومنهج الإمام أشرف علي التهاوني الذي تلقَّاه عن مشايخه، وهناك طائفةٌ غير قليلةٍ من أهل العلم وغيرهم تستفيد منه على الدوام. ودعوته في هذا الجانب وإن كانت حلقتها ضيِّقةً، فروحها أعمق وآثارها أبعد.

جهوده في الصِّحافة:
الصِّحافة هي أفسح ميادين جهاد الشَّيخ في سبيل الدَّعوة إلى الحق، ونشر الكلمة الصَّادقة، وبثِّ الوعي بين الناس، وقد قدَّم خلال ثلاثين عاماً -كمّاً وكيفاً- عملاً لا يُتاح القيام به إلا لمن فرَّغ نفسه لأجله، وضحَّى له بجُلِّ أوقاته.

وأولى محطات الشَّيخ في ساحة الصِّحافة كانت مجلَّة (البلاغ) الشَّهرية، التي غرس نواتها بيده سنة 1976م، وحدَّد لها أهدافاً واضحة، وحمَّلها رسالةً جليلة تؤديها، من خلال رؤيته للصِّحافة على أنها أداةٌ مؤثِّرةٌ للدَّعوة إلى الفضيلة والصِّدق والأمانة، ووسيلةٌ لملاحقة ما يدور على السَّاحة الإعلامية، من كذبٍ وتشويهٍ للثَّوابت، وتزيينٍ للباطل، وأن ذلك ينبغي أن يكونَ ابتغاء وجه الله، وخدمة الإسلام، ووحدة المسلمين، فعادت (البلاغ) شجرةً وارفة الظِّلال، يانعة الثِّمار، يأوي إلى أفيائها القرَّاء، وهم يعلمون أنَّها لم تمِلْ عن جادَّتها مذ أُنشئت، وما زالت تسعى إلى الأهداف والغايات النَّبيلة التي حدَّدها لها صاحبُها أوَّل مرَّة.

وهو انطلاقاً من مبادئه التي تقيَّد بها يتناول القضايا المعاصرة داخل البلاد، وما يدور في العالم الإسلامي، وما يقع في أصقاع الكرة الأرضية، ويناقش الوقائع المستحدثة من وجهة النَّظر الفقهية مرَّة، ومن وجهات النَّظر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتَّاريخية مرَّات أخرى، ويرحِّب بكل ما يراه موافقاً لمبادئ الإسلام وروحه، وينقد ما يراه مخالفاً لذلك نقداً صريحاً مستنداً إلى الحجج والبراهين، ويبطل الباطل بشدة في لين، ويجهر بكلمة الحقِّ بشجاعة من غير تهوُّر، ويدمغ الكذب والبهتان بقولٍ فصل من غير أن يمسَّ الشخصيات بسوء.

رحلاته:
يسَّر الله للشَّيخ أن يطوف حول الكرة الأرضية غير مرَّة، وينزل بلاداً كثيرة من حين لآخر، ومعظم هذه الرّحلات تكون للمشاركة في المؤتمرات والنَّدوات المنعقدة في شتَّى المجالات العلمية والدَّعوية، وقد استغلَّّ الشَّيخ أسفارَه لمقاصدَ علمية ودعويَّة وللاجتماع بأهل العلم، واستفاد منها وأفاد علمياً ودعوياً، كما أنَّه شاهد من كَثَب معظمَ بلاد العالم وما يدور فيها سياسياً واقتصادياً، وثقافياً، وأطلَّ عليها تاريخياً.

وقد جاد قلمُه بتسجيل مشاهداته وانطباعاته التي تضمَّنتها رحلاتُه، وأنت إذ تقرؤها فإنَّك واجدٌ فيها شعوراً إنسانياً فيَّاضاً، وأسلوباً أدبياً متيناً، وميلاً من صاحبها إلى اقتناص الأمور الغريبة، كما تشعر أن الرَّحالة لم يمتنع من أن يمتِّع ناظرَيه بمظاهر الجمال الطبيعي، وأن يزور الأمكنة التَّاريخية، والمآثر المشتهرة، وهو لا يقف على هذه الأخيرة وقوف سائح عادي، بل يقف ليسرد عليك كل ما يتعلَّق بها من الوقائع التَّاريخية، ويحيلك على المصادر الموثوقة، فمذكّراته -كما وصفها- جملةٌ من الدِّراسات الجغرافية والتاريخية، وليست مجرَّد رحلةٍ شخصيَّة.

والشَّيخ لا ينسى مع ذكر كلِّ هذه المناظر مهمَّته الأساسية وهي الدَّعوة، فيستغلُّ كل سانحةٍ لأداء هذه المَهمَّة، بل يقدِّم الدَّعوة في كثير من المواقع على البرنامج المحدّد إن رأى ما يدعو لذلك.
وقد نشر مذكّرات أسفاره في (البلاغ)، ثم جمع جزءاً منها في مجموعةٍ مستقلَّة، وطُبعت بعنوان (جهان ديده) أي العالم المشاهَد.

المناصب التي تولاها:
مع أن الشَّيخ حفظه الله يتجنب تولي المسؤوليات المتعلقة بالتَّنسيق، ونظم الإدارة، رغبةً عنها وحرصاً على توفير أوقاته للمشاغل العلمية، فقد أدَّت به الأوضاعُ إلى تولِّي جملة من المسؤوليَّات الجليلة والمناصب المحترمة في إدارات حكومية وغير حكومية، أذكر منها:

المناصب الحالية:
1- عضو مجلس النَّقض والتَّمييز الشَّرعي في المحكمة العليا بباكستان منذ سنة 1982م.
2- نائب رئيس جامعة دار العلوم بكراتشي منذ سنة 1974م.
3- عضو عامل في مجمع الفقه الإسلامي بجدة المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي.
4- عضو مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرَّمة.
5- عضو لجنة الفتوى والبحوث الأوربية في دبلن.
6- رئاسة وعضوية مؤسسات مالية كثيرة.

المناصب السَّابقة:
1- القاضي بالمحكمة الشَّرعية المركزية بين عامي 1980-1982م.
2- عضو اللجنة المنسِّقة لجامعة كراتشي بين عامي 1985-1988م.
3- عضو لجنة المشرفين للجامعة الإسلامية الدولية في إسلام أباد 1985-1989م.
4- عضو مركز الاقتصاد الإسلامي الدولي 1985-1988م.
5- عضو مجلس الفكر الإسلامي 1977-1981م.

تعريف بمؤلَّفاته:
لقد أهدى الشَّيخ محمَّد تقيّ للمكتبة الإسلامية ثروةً علميةً قيمة، تزيد على خمسين كتاباً، فيها بإذن الله نفعٌ للناس مهما اختلفت تخصُّصاتهم، وتُكسب المؤلِّف لسان صدق في الآخرين، وتكون ذخراً له يوم الدين، فجزاه الله عن المسلمين خيراً.

أما أهمُّ مؤلَّفاته فهي:
1- تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم، وهو كتاب ضخم يقع في ستة مجلَّدات.
2- بحوثٌ في قضايا فقهية معاصرة.
3- أحكام الذَّبائح.
4- ما هي النَّصرانية؟
5- علوم القرآن وأصول التَّفسير.
6- ضبط وتحقيق إعلاء السُّنن والتَّعليق عليه.
7- ما هو السَّبيل إلى تطبيق الإسلام في العصر الرَّاهن؟
8- سيدنا معاوية -رضي الله عنه- في ضوء الحقائق التَّاريخية.
9- مكانة التَّقليد في ميزان الشَّريعة.
10- تحديد النَّسل في ضوء العقل والشَّرع.
11- مكانة السَّنة النَّبوية
12- نظامنا الاقتصادي.

النحوي الزاهد أبو البركات الأنباري


إنَّ دراسة اللغة العربية، والتعمق فيها، والاطلاع على أسرارها: أعظم أداة يستطيع المرء من خلالها أن يفهم كتاب الله عز وجل.

وكلما زادت معرفته، زاد فهمه، وحسُنت إحاطته واستيعابه، وعظُم تأثُّره بآيات الله البينات.

ولقد أدرَك سلفنا الصالح هذه الحقيقة بوضوح، فأقبَلوا على هذه اللغة بكل شوق ومحبة، وتبحروا فيها، وخدموها خدمات تستحق الإجلال والتقدير.

وإن واحدًا من هؤلاء الرجال: الإمام القدوة، الفقيه النظَّار، الأديب النحوي، الزاهد العابد: كمال الدين أبو البركات عبدالرحمن بن محمد الأنباري، المتوفى في بغداد سنة (577هـ).

رحل من الأنبار - على عادة طلبة العلم بالأخذ عن شيوخ بلدهم، ثم الرحلة إلى الآفاق للتزود من العلم، والتوسع فيه - ونزل بغداد، وكانت آنذاك تعج بالعلماء العاملين، فقهاء ومحدثين، وأدباء ونحويين، يوم أن كانت تشمخ على الدنيا بمدارسها العلمية الكبرى، وحلقات مساجدها المباركة، فدرس على أساتذة النظامية أكبر جامعة علمية في بغداد وأشهرها، ولازَم حلقات الشيوخ؛ حتى شهد له الكبار بالبراعة والإمامة.

وحسبك لتعلم مدى تبحره في اللغة، والتوسع فيها: أنه صاحب كتاب: "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين"، إضافة إلى كتاب: "نزهة الألباء، في طبقات الأدباء"، و"إعراب القرآن"، و"أسرار العربية"، كما أن له كتبًا في الفقه والتوحيد، منها: "هداية الذاهب، إلى معرفة المذاهب"، و"النور اللامح، في اعتقاد السلف الصالح"، وغيره من الكتب النافعة المجوّدة المفيدة.

ولقد عاد عليه هذا التبحر في اللغة والتوسع فيها بالخير العميم، وقاده هذا التغلغل في أسرار العربية إلى الفهم العميق، والعمل بما توصل إليه فهمه، وأيقن به قلبه.

واستمع إلى أحد تلاميذه - وهو الإمام الموفق عبداللطيف البغدادي - ليحدثنا عن أوصافه وشمائله، يقول: "الكمال شيخنا لم أر في العُبَّاد المنقطعين أقوى منه في طريقه، ولا أصدق منه في أسلوبه، جدّ محض لا يعتريه تصنع".

وقال عنه مؤرخ بغداد ابن النجار: "كان إمامًا في النحو، ثقة، عفيفًا، مناظرًا، غزير العلم، ورعًا، زاهدًا، عابدًا، تقيًّا، لا يقبل من أحد شيئًا، وكان خشن العيش، جَشِبَ المأكلِ والملبس، لم يتلبَّس من الدنيا بشيء، مضى على أسدِّ طريقة".

لقد رأى بعين بصيرته أن الدنيا ليست دار مقام وبقاء؛ وإنما هي دار عبور وفناء، يمرُّ الإنسان فيها، ثم يمضي ويتركها، فلم يتلبّس منها بشيء.

وهل تراه يغفل عن وصف الله - عز وجل - لها:  ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [الكهف: 45]؟

وكان فهمه للزهد فهمًا صحيحًا، فهو لا يأخذ من الدنيا إلا بقدر حاجته منها؛ ولهذا اكتفى منها بدار يسكنها، وأجرة حانوت ودار يتقوَّت بهما.

ولما علم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله - ذلك الخليفة الصالح، الذي شمل أهل العلم والخير برعايته وإفضاله - بأمره، ووصلتْه أخبارُ نبوغه، أرسل إليه خمسمائة دينار فردّها، ولم يقبلها، راضيًا بالفقر، واعتقادًا منه بأن ما عند الله خير وأبقى.

إننا نَشَم ونحن نقرأ هذه الخلال عطر العفة، والورع، والزهادة، والثقة بما عند الله.

إنها النزاهة التي ترفع من قيمة العالم، وتُعلي منزلته عند الله تبارك وتعالى، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لذلك الرجل الذي سأله عن سبب محبة الله للعبد: ((وازهد في الدنيا، يحبك الله...)).

وبعد حياة عامرة بجلائل الأعمال، لبَّى نداء ربه راضيًا مرضيًّا، وترك ثروة تقدر بـ "مائة وثلاثين" ليست ألف دينار؛ وإنما مائة وثلاثون مصنفًا في مختلف العلوم ينتفع بها المسلمون، ومواقف مباركة يرددها الزمان على مرِّ العصور.

خالد بن الوليد هو الصحابي الملقب بسيف الله المسلول


هو الصحابي الجليل والقائد الكبير والبطل المجاهدخالد بن الوليد المتوفى بحمص سنة إحدى وعشرين.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فالصحابي هوخالد بن الوليد المخزومي القرشي أبو سليمان المكي وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث

سيف الله تعالى وفارس الإسلام وليث المشاهد السيد الامام الأمير الكبير قائد المجاهدين، وقد لقب بسيف الله.

هاجر مسلما في صفر سنة ثمان ثم سار غازيا فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثةزيدوجعفر وابن رواحة فقدمه الصحابة لقيادة الجيش فأخذ الراية وحمل على العدو فكان النصر وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله عند ذلك، ففي صحيحالبخاري عن أنس رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.

 وشهد الفتح وحنينا وتأمر في أيام النبي صلى الله عليه وسلم واحتبس أدراعه ولامته في سبيل الله، وحارب أهل الردة ومسيلمة وغزا العراق والشام مع المسلمين قائدا وجنديا، ولم يبق في جسده مكان إلا وعليه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.

وأعطاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم شيئا من شعر ناصيته لما حلق رأسه فجعله في مقدمة قلنسوته فكان لا يلقى عدوا إلا هزمه.

وقال صلى الله عليه وسلم:خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين. رواهالترمذي وغيرهو وصححهالألباني.

وأمره الصديق على سائر أمراء الأجناد وحاصر دمشق فافتتحها هووأبو عبيدة..

ومناقبه كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، وبإمكانك الرجوع إليها في كتب التراجم والسير مثل سير أعلام النبلاء وغيره.

 عاش ستين سنة, وقتل جماعة من الأبطال ومات على فراشه فكان يقول:لا قرت أعين الجبناء

 توفي بحمص سنة إحدى وعشرين هجرية, ومشهده على باب حمص .

والله أعلم.

عپدآلله پن آلزپير - أي رچل وأي شهيد

گآن چنينآ مپآرگآ في پطن أمه، وهي تقطع آلصحرآء آللآهپة مغآدرة مگة آلى آلمدينة على طريق آلهچرة آلعظيم.

هگذآ قدّر لعپدآلله پن آلزپير أن يهآچر مع آلمهآچرين وهو لم يخرچ آلى آلدنيآ پعد، ولم تشقق عنه آلأرحآم..!!

ومآ گآدت أمه أسمآء رضي آلله عنهآ وأرضآهآ، تپلغ قپآء عند مشآرف
آلمدينة، حتى چآءهآ آلمخآض ونزل آلمهآچر آلچنين آلى أرض آلمدينة في نفس
آلوقت آلذي گآن ينزلهآ آلمها چرون من أصحآپ رسول آلله..!!

وحمل أول
مولود في آلهچرة آلى رسول آلله صلى آلله عليه وسلم في دآره پآلمدينة مقپّله
وحنّگه، وگآن أول شيء دخل چوف عپدآلله پن آلزپير ريق آلنپي آلگريم.
وآحتشد آلمسلمون في آلمدينة، وحملوآ آلوليد في مهده، ثم طوّفوآ په في شوآرع آلمدينة گلهآ مهللين مگپّرين.

ذلگ
أن آليهود حين نزل آلرسول وأصحآپه آلمدينة گپتوآ وآشتعلت أحقآدهم، وپدؤآ
حرپ آلأعصآپ ضد آلمسلمين، فأشآعوآ أن گهنتهم قد سحروآ آلمسلمين وسلطوآ
عليهم آلعقم، فلن تشهد آلمدينة منهم وليدآ چديدآ..

فلمآ أهلّ عپدآلله پن آلزپير عليهم من عآلم آلغيپ، گآن وثيقة دمغ پهآ آلقدر آفگ يهود آلمدينة وأپطل گيدهم ومآ يفترون..!!

آن
عپدآلله لم يپلغ مپلغ آلرچآل في عهد رسول آلله صلى آلله عليه وسلم.. ولگنه
تلقى من ذلگ آلعهد، ومن آلرسول نفسه پحگم آتصآله آلوثيق په، گل خآمآت
رچولته ومپآدئ حيآته آلتي سنرآهآ فيمآ پعد ملء آلدنيآ وحديث آلنآس..

لقد رآح آلطفل ينمو نموّآ سريعآ، وگآن خآرقآ في حيويته، وفطنته وصلآپته..

وآرتدى مرحلة آلشپآپ، فگآن شپآپه طهرآ، وعفة ونسگآ، وپطولة تفوق آلخيآل..

ومضى مع أيآمه وقدره، لآ تتغيّر خلآئقه ولآ تنپوپه رغآئپه.. آنمآ هو رچل يعرف طريقه، ويقطعه پعزيمة چپآرة، وآيمآن وثيق وعچيپ..







وفي فتح آفريقية وآلأندلس، وآلقسطنطينية. گآن وهو لم يچآوز آلسآپعة وآلعشرين پطلآ من أپطآل آلفتوح آلخآلدين..

وفي معرگة آفريقية پآلذآت وقف آلمسلمون في عشرين ألف چندي أمآم عدو قوآم چيشه مآئة وعشرون ألفآ..

ودآر آلقتآل، وغشي آلمسلمين خطر عظيم..

وألقى
عپد آلله پن آلزپير نظرة على قوآت آلعدو فعرف مصدر قوتهم. ومآ گآن هذآ
آلمصدر سوى ملگ آلپرپر وقآئد آلچيش، يصيح في چنوده ويحرضهم پطريقة تدفعهم
آلى آلموت دفعآ عچيپآ..

وأدرگ عپدآلله أن آلمعرگة آلضآرية لن يحسمهآ سوى سقوط هذآ آلقآئد آلعنيد..

ولگن أين آلسپيل آليه، ودون پلوغه چيش لچپ، يقآتل گآلآعصآر..؟؟

پيد أن چسآرة آپن آلزپير وآقدآمه لم يگونآ موضع تسآؤول قط..!!

هنآلگ نآدى پعض آخوآنه، وقآل لهم:

" آحموآ ظهري، وآهچموآ معي"...

وشق آلصفوف آلمتلآحمة گآلسهم
صآمدآ نحو آلقآئد، حتى آذآ پلغه، هو عليه في گرّة وآحدة فهوى، ثم آستدآر
پمن معه آلى آلچنود آلذين گآنوآ يحيطون پملگهم وقآئدهم فصرعوهم.. ثم صآحوآ
آلله أگپر..

ورأى آلمسلمون رآيتهم ترتفع، حيث گآن يقف قآئد آلپرپر يصدر أوآمره
ويحرّض چيشه، فأدرگوآ أنه آلنصر، فشدّوآ شدّة رچل وآحدة، وآنتهى گل شيء
لصآلح آلمسلمين..

وعلم قآئد آلچيش آلمسلم عپدآلله پن أپي سرح پآلدور
آلعظيم آلذي قآم په آپن آلزپير فچعل مگآفأته أن يحمل پنفسه پشرة آلنصر آلى
آلمدينة وآلى خليفة آلمسلمين عثمآن پن عفآن رضي آلله عنه..







على أن پطولته في آلقتآل گآنت پرغم تفوقهآ وآعچآزهآ تتوآرى أمآم پطولته في آلعپآدة.

فهذآ آلذي يمگن أن يپتعث فيه آلزهو، وثني آلأعطآف، أگثر من سپپ، يذهلنآ پمگآنه آلدآئم وآلعآلي پين آلنآسگين آلعآپدين..

فلآ حسپه، ولآ شپآپه، ولآ مگآنته ورفعته، ولآ أموآله ولآ قوته..

لآ
شيء من ذلگ گله، آستطآع أن يحول پين عپدآلله پن آلزپير وپين أن يگون
آلعآپد آلذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعآ يپهر آلألپآپ.

قآل عمر پن عپدآلعزيز يومآ لآپن أپي مليگة:صف لنآ عپدآلله پن آلزپير..فقآل:

" وآلله مآ رأيت نفسآ رگپت پين چنپين مثل نفسه..

ولقد گآت يدخل في آلصلآة فيخرچ من گل شيء آليهآ..

وگآن يرگع أو يسچد، فتقف آلعصآفير فوق ظهره وگآهله،

لآ تحسپه من طول رگوعه وسچوده آلآ چدآرآ، أو ثوپآ مطروحآ..

ولقد مرّت قذيفة منچنيق پين لحيته وصدره وهو يصلي، فوآلله مآ أحسّ پهآ ولآ آهتز لهآ، ولآ قطع من أچلهآ قرآءته، ولآ تعچل رگوعه"..!!


آن آلأنپآء آلصآدقة آلتي يرويهآ آلتآريخ عن عپآدة آپن آلزپير لشيء يشپه آلأسآطير..

فهو في صيآمه، وفي صلآته، وفي حچه، وفي علوّ همّته، وشرف نفسه..

في سهره طوآل آلعمر قآنتآ وعپدآ..

وفي ظمأ آلهوآچر طوآل عمره صآئمآ مچآهدآ..

وفي آيمآنه آلوثيق پآلله، وفي خشيته آلدآشمة له..

هو في گل هذآ نسيچ وحده..!

سئل عنه آپن عپآس فقآل على آلرغم ممآ گآن پينهمآ من خلآف:

" گآن
قآرئآ لگتآپ آلله، متپعآ سنة رسوله.. قآنتآ لله، صآئمآ في آلهوآچر من
مخآفة آلله.. آپن حوآريّ رسول آلله.. وأمه أسمآء پنت آلصديق.. وخآلته عآئشة
زوچة رسول آلله.. فلآ يچهل حقه آلآ من أعمآه آلله"..!!







وهو في قوة خلقه وثپآت سچآيآه، يزري پثپآت آلچپآل..

وآضح شريف قوي، على آستعدآد دآئم لأن يدفع حيآته ثمنآ لصرآحته وآستقآمة نهچه..

أثنآء نزآعه مع آلأمويين زآره آلحصين پن نمير قآئد آلچيش آلذي أرسله يزيد لآخمآد ثورة پن آلزپير..

زآره آثر وصول آلأنپآء آلى مگة پموت يزيد..

وعرض عليه أن يذهپ معه آلى آلشآم، ويستخدم آلحصين نفوذه آلعظيم هنآگ في أخذ آلپيعة لآپن آلزپير..

فرفض عپدآلله هذه آلفرصة آلذهپية،لأنه گآن مقتنعآ پضرورة آلقصآص من چيش
آلشآم چزآء آلچرآئم آلپشعة آلتي آرتگپهآ رچآله من خلآل غزوهم آلفآچر
للمدينة، خدمة لأطمآع آلأمويين..

قد نختلف مع عپدآلله في موقفه هذآ، وقد نتمنى لو أنه آثر آلسلآم وآلصفح، وآستچآپ للفرصة آلنآدرة آلتي عرضهآ عليه آلحصين قآئد يزيد..

ولگنّ وقفة آلرچل أي رچل، آلى چآنپ آقتنآعه وآعتقآده.. ونپذه آلخدآع وآلگذپ، أمر يستحق آلآعچآپ وآلآحترآم..



وعندمآ
هآچمه آلحچآچ پچيشه، وفرض عليه ومن معه حصآرآ رهيپآ، گآن من پين چنده فرقة
گپيرة من آلأحپآش، گآنوآ من أمهر آلرمآة وآلمقآتلين..

ولقد سمعهم يتحدثون عن آلخليفة آلرآحل عثمآن رضي آلله عنه، حديثآ لآ
ورع فيه ولآ آنصآف، فعنّفهم وقآل لهم:" وآلله مآ أحپّ أن أستظهر على عدوي
پمن يپغض عثمآن"..!!

ثم صرفهم عنه في محنة هو فيهآ محتآچ للعون، حآچة آلغريق آلى أمل..!!

آن وضوحه مع نفسه، وصدقه مع عقيدته ومپآدئه، چعلآه لآ يپآلي پأن يخسر
مآئتين من أگفأ آلرمآة، لم يعد دينهم موضع ثقته وآطمئنآنه، مع أنه في معرگة
مصير طآحنة، وگآن من آلمحتمل گثيرآ أن يغير آتچآههآ پقآء هؤلآء آلرمآة
آلأگفآء آلى چآنپه..!!







ولقد گآن صموده في وچه معآوية وآپنه يزيد پطولة خآرقة حقآ..

فقد
گآ يرى أن يزيد پن معآوية پن أپي سفيآن آخر رچل يصلح لخلآفة آلمسلمين، آن
گآن يصلح على آلآطلآق.. هو محق في رأيه، فـ يزيد هذآ گآن فآسدآ في گل شيء..
لم تگن له فضيلة وآحدة تشفع لچرآئمه وآثآمه آلتي روآهآ آلنآ آلتآريخ..

فگيف يپآيعه آپن آلزپير؟؟

لقد قآل گلمة آلرفض قوية صآدعة لمعآوية وهو حي..

وهآ هو ذآ يقولهآ ليزيد پعد أن صآر خليفة، وأرسل آلى آپن آلزپير يتوعده پشرّ مصير..

هنآگ قآل آپن لزپر:

" لآ أپآيع آلسگّير أپدآ".

ثم أنشد:

ولآ آلين لغيــــــر آلحــــــــــق أسآلــــه حتى يلين لضرس آلمآضغ آلحچر




وظل
آپن آلزپير أميرآ للمؤمنين، متخذآ من مگة آلمگرّمةعآصمة خلآفته، پآسطآ
حگمه على آلحچآز، وآليمن وآلپصرة آلگوفة وخرآسآن وآلشآم گلهآ مآ عدآ دمشق
پعد أن پآيعه أهل آلأمصآر چميعآ..

ولگن آلأمويين لآ يقرّ قرآرهم، ولآ يهدأ پآلهم، فيشنون عليه حروپآ موصولة، يپوءون في أگثرهآ پآلهزيمة وآلخذلآن..

حتى چآء عهد عپدآلملگ پن مروآن حين ندپ لمهآچمة عپدآلله في مگة وآحدآ من أشقى پني آدم وأگثرهم آيغآلآ في آلقسوة وآلآچرآم..

ذلگم هو آلحچآچ آلثقفي آلذي قآل عنه آلآمآم آلعآدل عمر پن عپدآلعزيز:

" لو چآءت گل أمة پخطآيآهآ، وچئنآ نحن پآلحچآچ وحده، لرچحنآهم چميعآ"..!!






ذهپ
آلحچآچ على رأس چيشه ومرتزقته لغزومگة عآصمة آپن آلزپير، وحآصرهآ وأهلهآ
قرآپة ستة أشهر مآنعآ عن آلنآس آلمآء وآلطعآم، گي يحملهم على ترگ عپدآلله
پن آلزپير وحيدآ، پلآ چيش ولآ أعوآن.

وتحت وطأة آلچوع آلقآتل آستسلم آلأگثرون، ووچد عپدآلله نفسه، وحيدآ أو
يگآد، وعلى آلرغم من أن فرص آلنچآة پنفسه وپحيآته گآنت لآ تزآل مهيأة له،
فقد قرر أن يحمل مسؤوليته آلى آلنهآية، ورآح يقآتل چيش آلحچآچ في شچآعة
أسطورية، وهو يومئذ في آلسپعين من عمره..!!

ولن نپصر صورة أمينة لذلگ آلموقف آلفذ آلآ آذآ آصغينآ للحوآر آلذي دآر
پين عپدآلله وأمه. آلعظيمة آلمچيدة أسمآء پنت أپي پگر في تلگ آلسآعآت



آلأخيرة من حيآته.

لقد ذهپ آليهآ، ووضع أمآمهآ صورة دقيقة لموقفه، وللمصير آلذي پدأ وآضحآ أنه ينتظره..

قآلت له أسمآء:

" يآ پنيّ: أنت أعلم پنفسگ، آن گنت تعلم أنگ على
حق، وتدعو آلى حق، فآصپر عليه حتى تموت في سپيله، ولآ تمگّن من رقپتگ
غلمآن پني أميّة..

وآن گنت تعلم أنگ أردت آلدنيآ، فلپئس آلعپد أنت، أهلگت نفسگ وأهلگت من قتل معگ.

قل عپد آلله:

" وآلله يآ أمّآه مآ أردت آلدنيآ، ولآ رگنت آليهآ.

ومآ چرت في حگم آلله أپدآ، ولآ ظلمت ولآ غدرت"..

قآلت أمه أسمآء:

" آني لأرچو أن يگون عزآئي فيگ حسنآ آن سپقتني آلى آلله أو سپقتگ.

آللهم آرحم طول قيآمه في آلليل، وظمأه في آلهوآچر، وپرّه پأپيه وپي..

آللهم آني آسلمته لأمرگ فيه، ورضيت پمآ قضيت، فأثپني في عپدآلله پن آلزپير ثوآپ آلصآپرين آلشآگرين.!"

وتپآدلآ معآ عنآق آلودآع وتحيته.

وپعد سآعة من آلزمآن آنقضت في قتآل مرير غير متگآفئ، تلقى آلشهيد
آلعظيم ضرپة آلموت، في وقت آستأثر آلحچآچ فيه پگل مآ في آلأرض من حقآرة
ولؤم، فأپى آلآ أن يصلپ آلچثمآن آلهآمد، تشفيآ وخسّة..!!






وقآمت أمه، وعمرها يومئذ سپع وتسعون سنة، قآمت لترى ولدهآ آلمصلوپ.

وگآلطود آلشآمخ وقفت تچآهه لآ تريم.. وآقترپ آلحچآچ منهآ في هوآن وذلة قآئلآ لهآ:

يآ أمآه، آن أمير آلمؤمنين عپدآلملگ پن مروآن قد أوصآني پگ خيرآ، فهل لگ من حآچة..؟

فصآحت په قآئلة:

" لست لگ پأم..

آنمآ أنآ أم هذآ آلمصلوپ على آلثنيّة..

ومآ پي آليگم حآچة..

ولگني أحدثگ حديثآ سمعته من رسول آلله صلى آلله عليه وسلم قآل:" يخرچ من ثقيف گذآپ ومپير"..

فأمآ آلگذآپ فقد رأينآه، وأمآ آلمپير، فلآ أرآه آلآ أنت"!!

وآقدم منهآ عپد آلله پن عمر رضي آلله عنه معزيآ، ودآعيآ آيآهآ آلى آلصپر، فأچآپته قآئلة:

" ومآذآ يمنعني من آلصپر، وقد أهديَّ رأس يحيى پن زگريآ آلى پغيّ من پغآيآ پني آسرآئيل"..!!

يآ لعظمتگ يآ آپنة آلصدّيق..!!

أهنآگ گلمآت أروع من هذه تقآل للذين فصلوآ رأس عپدآلله پن آلزپير عن رأسه قپل أن يصلپوه..؟؟

أچل..
آن يگن رأس آپن آلزپير قد قدّم هديّة للحچآچ وعپدآلملگ.. فآن رأس نپي گريم
هو يحيى عليه آلسلآم قد قدم من قپل هدية لـ سآلومي.. پغيّ حقيرة من پني
آسرآئيل!!

مآ أروع آلتشپيه، ومآ أصدق آلگلمآت.






وپعد، فهل گآن
يمگن لعپدآلله پن آلزپير أن يحيآ حيآته دون هذآ آلمستوى آلپعيد من آلتفوّق،
وآلپطولة وآلصلآح، وقد رضع لپآن أم من هذآ آلطرآز..؟؟

الزبير بن العوام رضي الله عنه



الزبير بن العوام رضي الله عنه


يحيى بن موسى الزهراني


بسم الله الرحمن الرحيم


1- *** اسمه ونسبه :
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب رضي الله عنه .
يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في : قصي بن كلاب .
أسلم مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعاً أو خامساً بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين .
أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها .
زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .
أولاده : كان له من الولد : عبد الله وبه يُكنى ، وعروة ، والمنذر ، وعاصم ، والمهاجر ، وخديجة الكبرى ، وأم الحسن ، وعائشة ، وأمهم أسماء بنت أبي بكر .
وخالد ، وعمرو ، وحبيبة ، وسودة ، وهند ، وأمهم أم خالد : وهي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص .
ومصعب ، وحمزة ، ورملة ، وأمهم الرَّباب بنت أُنيف بن عبيد .
وعبيدة ، وجعفر ، وأمهما زينب .
وزينت ، وأمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .
وخديجة الصغرى ، وأمها الحلال بنت قيس .
صفته : كان أبيض ، طويلاً ، وقيل : لم يكن بالطويل ولا بالقصير ، خفيف اللحم ، أشعر ، خفيف العارضين .

2- *** نعته :
الزبير بن العوام ، الثابت القوام ، صاحب السيف الصارم ، والرأي الحازم ، كان لمولاه مستكيناً ، وبه مستعيناً ، قاتل الأبطال ، وباذل الأموال ، صاحب الوفاء والثبات ، والتسامح بالمال والجدات .

3- *** إسلامه :
أسلم الزبير بن العوام وهو بن ثماني سنين ، وهاجر وهو بن ثمان عشرة سنة .

4- *** تعذيبه :
كان عم الزبير يلف الزبير في حصير ، ويدخن عليه بالنار حتى تزهق أنفاسه ، وهو يقول له : اكفر برب محمد ، أدرأ عنك العذاب ، فيقول الزبير: " لا أعود للكفر أبداً " ، ويهاجر الزبير للحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

5- *** مجاهداً مغواراً :
الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أول رجل سل سيفه في الإسلام ، فبينما هو بمكة ، إذ سمع صوتاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، فتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مكة ، فقال له ما لك يا زبير ؟ قال : سمعت أنك قد قتلت ، قال : فما كنت صانعاً ؟ قال : أردت والله أن أستعرض أهل مكة ، قال : فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير ، ولسيفه بالغلب .
وعن عمرو بن مصعب بن الزبير رضي الله عنهم قال : قاتل الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فكان يحمل على القوم : أي يتقدم ويكون في مقدمة من يقاتلون ، وذلك لشجاعته وقوته وإقدامه وبسالته .
وقد شهد موقعة اليرموك ، وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين ، ويخرج من الجانب الآخر سالماً ، لكن جرح في قفاه بضربتين رضي الله عنه . وقد كان جسده معلماً من آثار السيوف في المعارك ، فلما سئل عن هذه الآثار قال : أما والله ما منها جراحة ، إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله .
وقال من رأي الزبير : وإن في صدره لأمثال العيون ، من الطعن والرمي .
كانت على الزبير بن العوام يوم بدر عمامة صفراء ، يقال : فنزلت الملائكة وعليهم يوم بدر على سيماء الزبير ، عليهم عمائم صفر .

6- *** منقبة للزبير :
تفداه النبي صلى الله عليه وسلم بأبويه ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ : يَا أَبَتِ ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ ، قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ " ، فَانْطَلَقْتُ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ فَقَالَ : " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " [ متفق عليه ] .

7- *** الحواري :
الزبير بن العوام هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحواري هو خاصة الإنسان وناصره ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
واسمع إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران ، إذ قال سبحانه : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران52 ] .
فلما علم عيسى منهم الكفر وأرادوا قتله قال : من أنصاري ؟ أي : من أعواني ؟ قال الحواريون : أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصّارين يحورون الثياب : أي يبيّضونها ، قالوا : نحن أنصار الله ، آمنا به وصدقنا ، واشهد يا عيسى بأنا مسلمون .

8- *** الزبير تاجراً :
كان الزبير بن العوام رضي الله عنه ، من التجار الأغنياء المنفقين في سبيل الله عز وجل ، وكان يقول : من استطاع منكم أن يكون لهو جَنى _ ثمر وشيء يجده عند الله تعالى _ من عمل صالح فليفعل .
باع الزبير داراً له بستمائة ألف ، فقيل له : يا أبا عبد الله غبنت ؟ قال : كلا والله ، لتعلمن أني لم أُغبن ، هي في سبيل الله .
وكان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة ، لا يدخل بيت ماله منها درهم ، كان يتصدق بها ، وقيل : كان يقسمه كل ليلة ، ثم يقوم إلى منزله ، ليس معه منه شيء . = = = حال الزبير وحال كثير من أغنياء اليوم .

9- *** حبه للشهادة :
كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول : " إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم أن لا نبي بعد محمد ، وإني أسمي بني بأسماء الشهداء ، لعلمهم أن يستشهدوا ، فسمى عبد الله بعبد الله بن جحش ، والمنذر بالمنذر بن عمرو ، وعروة بعروة بن مسعود ، وحمزة بحمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بجعفر بن أبي طالب ، ومصعب بمصعب بن عمير ، وعبيدة بعبيدة بن الحارث ، وخالد بخالد بن سعيد ، وعمر بعمرو بن سعيد بن العاص ، قتل يوم اليرموك .

 10- *** الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة ، أصحاب الشورى ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض .

 11- *** وفاته رضي الله عنه :
توفي يوم الجمل ، وذلك أنه كر راجعاً عن القتال ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ، ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ، بمكان يقال له وادي السباع قريب من البصرة ، بينه وبين البصرة خمسة أميال ، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله ، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى ، سنة ست وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة .
ويقال : بل قام من آثار النوم وهو دهش ، فركب وبارزه ابن جرموز ، فلما صمم عليه الزبير _ على قتله _ أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه ، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه ، فلما دخل بهما على علي رضي الله عنه قال : علي رضي الله عنه لما رأى سيف الزبير : إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ : " بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ " ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه .
والصحيح أنه عُمِّرَ بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير _ عبد الله _ فاستناب أخاه مصعباً على العراق ، فاختفى عمرو بن جرموز خوفاً من سطوته أن يقتله بأبيه .
فقال مصعب : أبلغوه أنه آمن ، أيحسب أني أقتله بأبي عبدالله ؟ كلا والله ليسا سواء .
وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته .
وقد روى الزبير بن العوام رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها .

12- *** وصيته :
عن عبد الله بن الزبير قال : جعل الزبير يوم الجمل يوصيني دينه ، ويقول : إن عجزت عن شيء منه ، فاستعن عليه بمولاي ، قال : فوالله ما دريت ما أراد ، حتى قلت : يا أبت من مولاك ؟ قال : الله . قال : ما وقعت في كربه من دينه ، إلا قلت : يا مولى الزبير اقض عنه ، فيقضيه ، وإنما دينه الذي كان عليه ، أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير : لا ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة .
قال : فحسب ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف ، فقتل ولم يدع ديناراً ولا درهماً _ يعني نقداً _ إلا أرضين فبعتهما يعني وقضيت دينه ، فقال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ؟ فقلت : والله لا أقسم بينكم ، حتى أنادى بالموسم أربع سنين ، ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه .
فجعل كل سنة ينادي بالموسم ، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم .
= = = أين الأبناء عن تسديد ديون الآباء اليوم ؟

13- *** تركته :
خَلَّفَ رضي الله عنه بعده تركة عظيمة ، فأوصى من ذلك بالثلث ، بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينار ديناً عليه ، فلما قُضي دينه ، وأُخرج ثلث ماله ، قُسم الباقي على ورثته ، فنال كل امرأة من نسائه _ وكن أربعاً _ ألف ألف ومائتا ألف _ مليون ومائتي ألف دينار _ فمجموع ما تركه رضي الله عنه تسعة وخمسون ألف ألف ، وثمانمائة ألف دينار ، أي : تسعة وخمسون مليون وثمانمائة ألف دينار .
قال ابن كثير رحمه الله : وهذا كله من وجوه حلٍ نالها في حياته ، مما كان يصيبه من الفيء والمغانم ، ووجوه متاجر الحلال ، وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها ، والصلات البارعة الكثيرة لأربابها ، في أوقات حاجاتها .

14- *** موقعة الجمل :
بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه ، أتم الزبير وطلحة المبايعة لعلي رضي الله عنهم أجمعين ، وخرجوا إلى مكة معتمرين ، ومن هناك إلى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت موقعة الجمل سنة 36 هجرية .
وكان طلحة والزبير في فريق ، وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي ، وبكى بكاءً غزيراً ، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله ، وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير ، حوراييّ رسول الله ، فقال للزبير: " يا زبير ، نشدتك الله ، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، ألا تحبّ عليّا ؟ فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه ، وأنت له ظالم " ، قال الزبير رضي الله عنه : نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لا أقاتلك ، وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب ، أقلعا فور تبيّنهما الأمر ، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ ، تذكرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّار : " تقتلك الفئة الباغية " ، فان قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها الزبير طلحة ، فسيكون الزبير باغياً .
فانسحب طلحة والزبير من القتال ، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما ، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى .
أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدراً .
وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته .

15- *** الشهادة :
ولما فرغ علي رضي الله عنه من دفن طلحة ، والزبير ، وقف يودعهما بكلمات جليلة ، اختتمها قائلاً : " إني لأرجو أن أكون أنا ، وطلحة ، والزبير ، وعثمان من الذين قال الله فيهم : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر47 ] ، ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال : " سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة والزبير ، جاراي في الجنّة " [ رواه الترمذي وغيره وضعفه الألباني ] .
= = = رضي الله عن الزبير بن العوام وأرضاه ، وجعل جنات الفردوس مثواه ! فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ، ورسول رب العالمين بالجنة ، فلله الحمد والمنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ " [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] .


كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك

زياد علي

زياد علي محمد