الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها

هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة ، أبوها سيد بني النضير ، من سبط لاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، ثم من ولد هارون بن عمران ، أخي موسى عليه السلام ، وأمها هي برة بنت سموءل من بني قريظة .

كانت مع أبيها وابن عمها بالمدينة ، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني  النضير ساروا إلى خيبر ، وقُتل أبوها مع من قُتل مِن بني قريظة.

تزوجها قبل إسلامها سلام بن مكشوح القرظي– وقيل سلام بن مشكم –  فارس قومها ومن كبار شعرائهم ، ثم تزوّجها كنانة بن أبي الحقيق ، وقتل كنانة يوم خيبر ، وأُخذت هي مع الأسرى ، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وخيّرها بين الإسلام والبقاء على دينها قائلاً لها : ( اختاري ، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي – أي : تزوّجتك - ، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ) ، فقالت : " يا رسول الله ، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني ، حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب ، وما لي فيها والد ولا أخ ، وخيرتني الكفر والإسلام ، فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي "  .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوّجها ، وجعل عتقها صداقها ، وكانت ماشطتها أم سليم التي مشطتها ، وعطرتها ، وهيّأتها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم  .

وأصل هذه القصة ما ورد في الصحيح عن أنس قال : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قتل زوجها وكانت عروسا ، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل ، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً فقال : من كان عنده شيء فليأتِ به ، فجعل الرجل يجيء بالتمر ، وآخر  يجيء بالسمن ، وثالثٌ بالسويق ، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة . قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحوِّي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره ، فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ) رواه البخاري.

ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها لطمة فقال: ( ما هذه ؟ ) ، فقالت : إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب ، فسقط في حجري ، فقصصت المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني ، وقال : تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب ، فهذه من لطمته.

وكان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من زواجها إعزازها وإكرامها ورفع مكانتها ، إلى جانب تعويضها خيراً ممن فقدت من أهلها وقومها ، ويضاف إلى ذلك إيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم ، ويمهد لقبولهم دعوة الحق التي جاء بها .

وأدركت صفية رضي الله عنها ذلك الهدف العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجدت الدلائل والقرائن عليه في بيت النبوة ، فأحست بالفرق العظيم بين الجاهلية اليهودية ونور الإسلام ، وذاقت حلاوة الإيمان ، وتأثّرت بخلق سيد الأنام ، حتى نافس حبّه حب أبيها وذويها والناس أجمعين ، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثّرت رضي الله عنها لمرضه ، وتمنت أن لو كانت هي مكانه ، فقد أورد ابن حجر في الإصابة وابن سعد في الطبقات ، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: " اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: إني والله يا نبي الله لوددتُ أنّ الذي بك بي ، فتغامزت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : والله إنها لصادقة ".

كانت رضي الله عنها امرأة شريفة ، عاقلة ، ذات حسب أصيل ، وجمال ورثته من أسلافها ، وكان من شأن هذا الجمال أن يؤجّج مشاعر الغيرة في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد عبّرت زينب بنت جحش عن ذلك بقولها : " ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم التنافس الذي حصل بين صفية رضي الله عنها وبين بقيّة أمهات المؤمنين ، ومحاولاتهن المتكرّرة للتفوّق عليها ، ولم يَفُتْ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يسلّيها ويهدئ ما بها .

تقول صفيّة : رضي الله عنها " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة و حفصة كلام ، فقلت له : بلغني أن عائشة و حفصة تقولان نحن خير من صفية ، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، فقال : ( ألا قلت : وكيف تكونان خيراً مني ؟ وزوجي محمد وأبي هارون وعمّي موسى ) .

ومن مواقفها الدالة على حلمها وعقلها ، ما ذكرته كُتب السير من أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث عمر يسألها ، فقالت : أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ماحملكِ على ما صنعت ؟ قالت : الشيطان قالت : اذهبي فأنت حرة .

ولم تكن – رضي الله عنها - تدّخر جهداً في النصح وهداية الناس ، ووعظهم وتذكيرهم بالله عز وجل ، ومن ذلك أن نفراً اجتمعوا في حجرتها ، يذكرون الله تعالى ويتلون القرآن ، حتى تُليت آية كريمة فيها موضع سجدة ، فسجدوا ، فنادتهم من وراء حجاب قائلة : "  هذا السجود وتلاوة القرآن ، فأين البكاء ؟ " .

ولقد عايشت رضي الله عنها عهد الخلفاء الراشدين ، حتى أدركت زمن معاوية رضي الله عنه ، ثم كان موعدها مع الرفيق الأعلى سنة خمسين للهجرة ، لتختم حياة قضتها في رحاب العبادة ، ورياض التألّه ، دون أن تنسى معاني الأخوة والمحبة التي انعقدت بينها وبين رفيقاتها على الدرب ، موصيةً بألف دينار لعائشة بنت الصدّيق ، وقد دفنت بالبقيع ، فرضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين.

مشاهد مشرقة لعلماء الدعوة السلفية

 مشاهد مشرقة لعلماء الدعوة السلفية





إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الأنبياء - عليهم السلام -، والعلماء ورثة الأنبياء، وقد سطّر علماء الدعوة السلفية في هذا البلاد أروع الأمثلة وأصدقها في هذا المقام، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر عن علم وبصيرة وحكمة وروية.

وهاك أخي القارئ جملة من المشاهد العملية لهؤلاء الأعلام لعلّها أن تكون باعثاً للتأسي بهم والسير على طريقهم:

- ((كان الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله - (ت 1339هـ) جالساً في جامع الرياض، فسمع صوت غناء من جهة الجنوب، أتى بها هبوب الرياح، فلما سمع ذلك وعظ الناس موعظة بليغة، ثم قام من فوره إلى ذلك النكر، وخرج ومن الباب الجنوبي، فأزال المنكر)) تذكرة أولي النهى لأبن عبيد 2/278.

- وكان الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - (ت 1378هـ) منذ نشأته قائماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أوذي في سبيل ذلك..وكان بعض السفهاء يهددونه ويخوّفونه، فلم يثنه تهديد ولا وعيد عن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.انظر كتاب سير وتراجم بعض علمائنا لعمر عبد الجبّار ص 197.

- وكان الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي - رحمه الله - (ت 1389هـ) داعياً إلى الخير، فكان يتجول في شوارع عنيزة وأسواقها آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، فلا يرى متخلفاً عن الجماعة في المسجد أو امرأة مظهرة شيئاً من زينتها إلا زجرهم ونصحهم. (أنظر: روضة الناظرين للقاضي 2/41).

- وأما الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - (ت 1395هـ) غيوراً على محارم الله - تعالى -، ولما تولى رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنجد سنة 1345هـ اجتهد في تتبع المنكرات والقضاء عليها، فكان يباشر الإنكار بنفسه. (أنظر: روضة الناظرين للقاضي 2/131).

- ونختم هذه المقالة بما كان عليه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - من الاحتساب ومنذ كان الشيخ قاضياً في الدلم وهو يتابع رجال الحسبة بالنصيحة والتشجيع والاجتماع معهم، وكان يخرج للسوق العام في اجتماع الناس يومي الاثنين والخميس للبيع والشراء ويقوم خطيباً في وسط السوق مقابلاً للرجال وقريباً من النساء اللاتي كن يبعن في وسط السوق فيعظ الجميع ويذكرهم وينصحهم.

وأخيراً كم نحتاج إلى مثل هذه المواقف الرائعة ذات الواقع العملي الإيجابي، ولا يزال الخير باقيا في هذه الأمة المرحومة، فهل نحن فاعلون؟

مناقب سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه

 بسم الله الرحمان الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله


ما هي فضائل ومناقب سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه؟



 لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف شخصية خالد، وما يتميز به من عقل بين فتيان قريش؛ ولذلك استغرب تأخُّره في الإسلام، وقد تحدث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أمام أخيه الوليد بن الوليد - رضي الله عنه - الذي كان مسلمًا؛ لينقل الحديثَ إلى خالد، وكان مما نقله الوليد أن الرسول قال في عمرة القضاء: ((أين خالد؟))، فقلت: يأتي به الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما مثل خالد جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجدَّه على العدو، لكان خيرًا له، ولقدَّمناه على غيره))[61].


لقد كانت معرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخصائص خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وثناؤه على عقله، دافعًا له للبحث عن الإسلام والقناعة به بعد ذلك.

ثم بدأت العلاقة بين خالد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأخذ شكلاً مميزًا، يتضح ذلك من يوم إسلام خالد، فيقول في الرواية التي نقلت عنه: "عمدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيني أخي، فقال أسرع؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرك، فأسرعت المشي فطلعت، فما زال يتبسم لي - صلى الله عليه وسلم - حتى وقفت عليه، وسلَّمت عليه بالنبوة، فردَّ عليَّ السلام بوجهٍ طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً، رجوتُ أن لا يسلمك إلاَّ إلى خير))، قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا عن الحق، فادعُ الله يغفر لي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الإسلام يجبُّ ما كان قبله))، قلت: يا رسول الله على ذلك، فقال: ((اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك))"[62].

لقد كان خالد يحس من رسول الله عناية خاصة، حتى إنه قال: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أسلمت يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حزبه"[63].

لقد كان خالد منذ أسلم يعرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لديه من مشكلات مختلفة؛ ليوجِّهه الوجهة الصحيحة، فقد كانت تعرض له بعض المشكلات النفسية التي عرضها على رسول الله، حيث كان يرى في منامه ما يروعه، فشكا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ((قل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون))[64].

كما أن وجود أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي خالة لخالد - رضي الله عنه - مع وجود أم خالد حية تعيش في المدينة، جعل خالدًا ممن يدخلون كثيرًا بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخصوصًا حينما يكون في حجرة خالته ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها - ودلتْ أحاديثُ كثيرة على مشاركة خالد الطعامَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت الرسول، ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس: "أن خالد بن الوليد الذي يقال له سيف الله، أخبره أنه دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ميمونة - وهي خالته وخالة ابن عباس - فوجد عندها ضبًّا مَحْنُوذًا، قد قدمتْ به أختُها حُفيدةُ بنتُ الحارث من نجد، فقدَّمت الضبَّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- وكان قلما يقدم يده لطعام حتى يحدَّث به ويسمَّى له، فأهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبِرْنَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما قدمتنَّ له، فقلن: هو الضبُّ يا رسول الله، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد: أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه))، قال خالد: فاجتررتُه فأكلته ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليَّ"[65].

كما وردت أخبار أخرى في هذا الجانب، منها ما رواه الترمذي من حديث الفضل بن العباس - رضي الله عنه - قال: "دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتْنا بإناء فيه لبن، فشرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي: الشربة لك، فإن شئتَ آثرت بها خالدًا، فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك[66]..." الحديث[67].

وكذلك مما يدل على قوة علاقة خالد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ورد من كثرة استشارة خالد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمور الأسرة، ليس من باب الفتوى فقط؛ بل من أبواب الشكوى والإصلاح، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سلمة: "أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، أخبرتْه أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا، ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأتَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته..." الحديث[68].

وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حَسَنَ الظن بخالد بن الوليد، فقد روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبدالمطلب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبدالمطلب، فعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي عليه صدقة ومثلها معها))[69].

ومع حسن تعامُل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد، فقد كان يؤدِّبه ويوجِّهه عند الحاجة، ويذكِّره بفضل الصحابة الذين سبقوه في الإسلام، فقد روى مسلم: "أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبدالرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه))[70].

كما روى أحمد عن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - قال: "كان بيني وبين عمار بن ياسر كلامٌ، فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فجعل يغلظ له، ولا يزيد إلا غلظة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول، ألا تراه؟ فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه قال: ((من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله))، قال خالد: فخرجتُ، فما كان شيء أحب إلي من رضا عمارٍ، فلقيتُه فرَضِيَ"[71].

ومع هذا التوجيه والتأديب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقد كان يمنع من الإساءة إليه، روى مسلم في صحيحه قال: "قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سَلَبَه، فمنعه خالد بن الوليد وكان واليًا عليهم، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عوفُ بن مالك فأخبره، فقال لخالد: ((ما منعك أن تعطيه سلبه؟))، قال: استكثرتُه يا رسول الله، قال: ((ادفعه إليه))، فمر خالد بعوف فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فاستُغضب، فقال: ((لا تُعطِه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مَثَلُكم ومثَلهم كمثَل رجلٍ استُرعي إبلاً أو غنمًا فرعاها، ثم تحيَّن سقيَها فأوردها حوضًا، فشرعتْ فيه، فشربتْ صفوَه، وتركتْ كدَرَه، فصفوُه لكم، وكدرُه عليهم))[72].

وقد وضع البخاري في صحيحه بابًا سماه: باب مناقب خالد بن الوليد - رضي الله عنه[73].

كما أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خالد بن الوليد فيما رواه الترمذي، الذي وضع بابًا خاصًّا في مناقب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - روى فيه عن أبي هريرة قال: "نزلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلاً، فجعل الناس يمرُّون، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من هذا يا أبا هريرة؟))، فأقول: فلان، فيقول: ((نِعْمَ عبدُ الله هذا))، ويقول: ((من هذا؟))، فأقول: فلان، فيقول: ((بئس عبدُ الله هذا))، حتى مرَّ خالدُ بن الوليد، فقال: ((من هذا؟))، فقلت: هذا خالد بن الوليد، فقال: ((نعم عبدالله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله))[74].

وقد روى الإمام أحمد: "أن أبا بكرٍ - رضي الله عنه - عقد لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - على قتال أهل الردة، وقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((نِعْمَ عبدُ الله وأخو العشيرة خالدُ بن الوليد، وسيف من سيوف الله سلَّه الله - عز وجل - على الكفار والمنافقين))[75].

وقد كان خالد - رضي الله عنه - مستعدًّا لتنفيذ ما يأمره به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليًّا - رضي الله عنه - إلى اليمن، فبعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذُهَيْبة، فقسمها بين الأربعة... فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدَعنا؟! قال: ((إنما أتألفهم))، فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق، فقال: اتقِ الله يا محمد، فقال: ((من يطع الله إذا عصيت؟! أيأمنني الله على أهل الأرض، فلا تأمنوني؟!))، فسأله رجل: أقتلُه؟ - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى، قال: ((إن من ضِئْضِئِ هذا - أو في عقب هذا - قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدَعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد))[76].

وقد استعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بن الوليد - رضي الله عنه - على قيادة جيوش من المسلمين في أكثر من مرة[77]، فقد "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أن يدخل من أعلى، فقُتل من خيل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يومئذٍ رجلان"[78].

وقد شارك خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في غزوة حُنين، وأبلى فيها بلاء حسنًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقية أصحابه، وأصيب في هذه الغزوة ببعض الجراح، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يبحث عنه، ففي رواية لأبي داود: "عن عبدالرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد".

وقد وضع البخاري في صحيحه بابًا سماه: باب بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة[79]، وروى "عن سالم عن أبيه، قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يُحسِنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيرَه، حتى إذا كان يومٌ أمر خالد أن يقتل كلُّ رجلٍ منا أسيرَه، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرناه، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده فقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) مرتين"[80].

وقد كان بعد إسلامه في مقدمة الجيوش التي يغزو بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد وردت أخبار تدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في غزاة على مقدمته خالد بن الوليد[81]، كما روى البخاري في صحيحه عن البراء بن مالك - رضي الله عنه - قال: "بعثَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه"[82].

وقد كان خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أحد قواد النبي في غزوة تبوك، وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، فأُخذ، فأتوه به، فحقن له دمه، وصالَحه على الجزية"[83].

وفي حجة الوداع حينما حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه، خص خالدَ بن الوليد - رضي الله عنه - بشيءٍ من شعره، فأعطاه ناصيته، وقيل: إنهم ابتدروا شعره - صلى الله عليه وسلم - فأخذ خالد ناصيته، فجعلها في قلنسوته[84]؛ تبركًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -[85].

وقد كان خالد - رضي الله عنه - يعيش في مجتمع المدينة بعد هجرته إليها كأي فرد من المسلمين، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويتأثر بما فيه من أحداث كأي فرد من المسلمين.

وكان يشارك المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير المجتمع من المعاصي، وقد وردت العديد من النصوص التي تثبت مشاركة خالد في تنفيذ الحدود الشرعية على مستحقيها، فقد روى مسلم في صحيحه أن المرأة الغامدية التي زنتْ، بعد أن ولدت: "أتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدتُه، قال: ((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه))، فلما فطمتْه أتتْه بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا - يا نبي الله - قد فطمتُه وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيُقبِل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدمُ على وجه خالد فسبَّها، فسمع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سبَّه إياها، فقال: ((مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ، لغفر له))، ثم أمر بها فصلَّى عليها ودفنت"[86].

وقد روى خالد بن الوليد - رضي الله عنه - عدة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أورد بعضًا منها الإمامُ أحمد في مسنده في (باب حديث خالد بن الوليد)[87]، كما روى عن خالد جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: (عبدالله بن عباس، وجبر بن عبدالله، وقيس بن أبي حازم، وأبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب، ومالك بن الأشتر النخعي، وأبو عبدالله الأشعري، واليسع بن المغيرة المخزومي)[88].

علاقته بالخلفاء:
عاصر خالد بن الوليد - رضي الله عنه - خلافة أبي بكر الصدِّيق وجزءًا من خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ولا شك أن علاقته بهذين الخليفتين مرَّتْ بأحداث مختلفة، فقد كان من أوائل المبايعين للصدِّيق، وألقى خطبة بعد البيعة اشتهرتْ عنه في الثناء على أبي بكر وتأييده، وقد أعجب أحدُ شعراء الأنصار بما قاله خالد في خطبته، فامتدح خالدًا ببعض الأبيات، ومنها:
وَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ كَثِيرَةٌ
فَلَمْ يَكُ مِنْهُمْ فِي الرِّجَالِ كَخَالِدِ[89]

كان خالد أهم أمراء الصدِّيق وقادته، استعمله في حرب المرتدين، وفي أول فتوحه في العراق، كما وجهه إلى الشام قبيل اليرموك، وقد كانت علاقة خالد بالصديق علاقة إمام للمسلمين وخليفة بقواده، يحترمهم ويقدرهم، ويحترم آراءهم، وعلى الرغم من وجود خلاف في وجهات النظر دعت الصديقَ - رضي الله عنه - إلى توجيه خالد وتقويمه في بعض الأحيان، مثلما حدث في مقتل مالك بن نويرة وزواج خالد من امرأته، إلا أن ثقة الصديق بخالد قوية لم تتزعزع، ولم تشبْها شائبة، ولذلك فإن الروايات التي أوردها المحدثون عن الصديق في ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - على خالد بن الوليد، أوردها الصديق ردًّا على من حاول الطعن في خالد بن الوليد، حينما عيَّنه الصديق في حروب الردة[90]، وقد دخل خالد على أبي بكر في يوم من الأيام، فرأى منه كل ما يحب، وخرج من عنده مسرورًا، فعرف عمر أن أبا بكر قد أرضى خالدًا[91]، واستمرت العلاقة بينهما حتى توفي الصديق - رضوان الله عليه.

أما علاقة خالد بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فهي علاقة احترام متبادل، رغم الخلاف في وجهات النظر بينهما في بعض المواقف، وقد حاول بعض المؤرخين التجني على هذه العلاقة، واختلاق أسبابٍ واهية للخلاف بينهما، فهم يتحدثون عن تأليب عمر لأبي بكر في محاولات متكررة لعزل خالد ومعاتبته باستمرار، وذهب بعضهم إلى أن العداوة بين خالد وعمر تعود لأيام الصبا؛ بسبب كسر خالد لرِجل عمر[92].

وفي بداية خلافة عمر أصدر أمرًا بعزل خالد عن ولاية أجناد الشام، وتعيين أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - مكانه[93]، وكان هذا العزل محلَّ استغراب، حتى إن أحد الشبان من بني مخزوم اشتدَّ على عمر في محاورة بينهما عن عزل خالد، فهدأه عمر ولم يردَّ عليه[94]، كما أن بعض المؤرخين ألمحوا إلى خطأ عمر في حق خالد[95].

ومن خلال دراسة فاحصة للقضية، يتضح لنا هدف عمر من هذا العزل، وهو حرص عمر على عدم تقديس الأشخاص، من حيث رأى تعلق الناس بخالد؛ لكثرة انتصاراته، والناس في بلاد الفتح كانوا في مرحلة دخول في الإسلام، فخشي من غلو البعض في خالد، وأراد أن يكون تعلُّق الناس بالله لا بالبشر، وقد بيَّن عمر - رضي الله عنه - هذا الهدف بوضوح، حيث كتب رسالة عامة إلى الأمصار يبيِّن فيها أسباب عزل خالد، وكان مما ورد فيها: "إني لم أعزل خالدًا عن سخط ولا خيانة، ولكن الناس فُتنوا به، فخفتُ أن يوكلوا إليه، ويُبتلوا به، فأحببتُ أن يعلموا أن الله هو الصانع، وأن لا يكونوا بعرض فتنة"[96]، كما قال عمر: "أردت أن يعلم الناس أن الله إنما ينصر دينه"[97].

وهذه النصوص واضحة في سبب العزل، وأنه ليس كرهًا لخالد، ولا علاقة له بأمور شخصية كما يتصوَّر بعضهم، وعلى الرغم من ورود أخبار مختلفة عن نقد عمر لتصرفات خالد في كثير من الأحيان، إلا أن عمر - رضي الله عنه - كان يحب خالدًا ويشفق عليه، فحينما أخطأ خالد - رضي الله عنه - في حق بني جذيمة، ناقشه عمر وبعض الصحابة - رضي الله عنهم - فقال خالد: فإني استغفر الله وأتوب إليه، فانكسر عنه عمر وقال له: ويحك، ائت رسول الله يستغفر لك[98]، وهذا يدل على حرص عمر على خالد، وشفقته عليه، وحبه له.

كما أن عمر - رضي الله عنه - قال: لو أدركتُ خالدًا ثم وليته، ثم قدمت على ربي فقال لي: من استخلفتَ على أمة محمد؟ لقلتُ: سمعت عبدك وخليلَك يقول لخالد: ((سيف من سيوف الله، سله الله على المشركين))[99].

وقد كان عمر يثني على خالد كثيرًا في غيابه وبعد فاته، حيث إنه سأل أحد الشعراء عن ما قاله في خالد بن الوليد، وطلب منه أن ينشده ما قال في خالد، فأنشده، فقال له عمر: قصرتَ في الثناء على أبي سليمان - رحمه الله - ثم قال: إنه ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرِّض لمقت الله، ثم أنشد أبياتًا لأحد الشعراء في الرثاء، وقال: "رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خيرٌ له مما كان فيه، ولقد مات سعيدًا، وعاش حميدًا، ولكني رأيت الدهر ليس بقائل"[100].

وبالمقابل فإن خالدًا، وعلى الرغم من أنه رأى قسوةً من عمر - رضي الله عنه - إلا أنه كان يقدِّر الأسباب التي دفعتْ عمرَ لمثل هذه التصرفات؛ ولذلك فإنه حين حضرتْه الوفاة قال: "عرفتُ أن عمر كان يريد اللهَ بكل ما فعل، كنت وجدت في نفسي حين بعث إليَّ من يقاسمني مالي، حتى أخذ فردَ نعلٍ، وأخذت فرد نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السابقة، ومَن شهد بدرًا، وكان يغلظ عليَّ، وكانت غلظته على غيري نحوًا من غلظته علي، وكنت أدلي عليه بقرابة، فرأيته لا يبالي قريبًا، ولا لوم لائم في غير الله، فذلك الذي أذهب ما كنت أجد عليه، وكان يكثر علي عنده، وما كان ذلك مني إلا على النظر، كنت في حرب ومكايدة، فكنت شاهدًا، وكان غائبًا، وكنت أعطي على ذلك، فخالفه ذلك من أمري، فقد جعلت تركتي ووصيتي وإنفاذ أمري إلى عمر بن الخطاب"[101].

ولا شك أن اختيار خالد لعمر على وصيته من بعده[102] يدل على ما لعمرَ في نفس خالد، وقناعته بتصرفاته، وصفاء نفسه نحو عمر، وحسن ظن خالد به - رضي الله عنهما.

علاقته بالأمراء:
لقد كان خالد - رضي الله عنه - رجلاً مؤمنًا صادقًا في إيمانه، يؤدِّي دوره في الإسلام على أي حال كان رئيسًا أو مرؤوسًا، وقد تولى قيادة الجيوش زمنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمن أبي بكر الصديق، حتى إذا جاءت خلافة عمر بن الخطاب عزل خالدًا عن الإمارة، فأصبح فردًا من الناس، مع ما له من مكانة في قلوبهم، ومع هذا فقد استمر في علاقة طبيعية مع الأمراء، ولم يؤثِّر في نفسه عزلُه عن الإمارة، وكان ناصحًا لهم يؤدي ما عليه من دور في هذا الجانب، وكانت له علاقته الخاصة بأمير حمص أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - حيث كان يقيم خالد - رضي الله عنه - في آخر حياته، وقد وردت العديد من النصوص التي تدلُّ على احترام كل واحد منهما للآخر، ووضوح هذا الأمر فيما بينهما، مع أن أبا عبيدة حل محلَّ خالد في منصبه، فقد روى أحمد قال: "استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد بن الوليد: بُعث عليكم أمينُ هذه الأمة، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))، قال أبو عبيدة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((خالد سيف من سيوف الله - عز وجل - ونعم فتى العشيرة))"[103].

وهذا الثناء المتبادل بينهما يدل على صفاء قلوبهما، وعلى حسن علاقة كل واحد منهما بالآخر، وعلى عدم غضب خالد حينما حل محلَّه أبو عبيدة - رضي الله عنهما - في إمارة حمص كما روى "عن خالد بن حكيم بن حزام قال: تناول أبو عبيدة رجلاً بشيء، فنهاه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقال: أغضبت الأمير، فأتاه فقال: إني لم أرد أن أغضبك؛ ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشدُّ الناس عذابًا للناس في الدنيا))"[104]، وقد استمر خالد - رضي الله عنه - مجاهدًا تحت لواء أبي عبيدة كأي جندي دون كلل أو ملل[105].
                                                                                                                       حديث النبي عن خالد
سكن خالد:
من المعروف أن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - قد أقام في مكة قبل إسلامه، وكان يسكن في دور آل المغيرة من بني مخزوم، ولهم فيها آبار خاصة، وكانت مواقع رباعهم في أجياد[106] من مكة المكرمة، وكانت للوليد بن المغيرة ولأبنائه دورهم الخاصة في هذا الرباع[107]، حيث كان لخالد مكانة خاصة بين أبناء الوليد.

كما اتخذ خالد دارًا في المدينة بعد إسلامه وهجرته إليها، وهي الدار التي أقامت فيها أمُّه حينما سكنتِ المدينة، وكانت على ما يبدو قريبة من سكن خالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، كما ورد أنه اتخذها بالبطيحاء في المدينة، وكانت بجوار دار لعمرو بن العاص، في الناحية الشرقية من المسجد النبوي[108]، وقد شكا خالد بن الوليد ضيق منزله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ((اتسع في السماء))[109]، وقد استمرتْ أم خالد تعيش في داره بالمدينة رغم رحيله إلى العراق ثم إلى الشام، وهذه الدار هي التي كانت فيها حين بَلَغَها موتُ خالد بن الوليد، واجتمعت فيها نساء بني مخزوم عند أم خالد حين بلغها وفاته.

وقد ورد أن خالدًا حبس داره بالمدينة لا تباع ولا توهب[110].

وقد تنقل خالد - رضي الله عنه - أثناء حروبه ضد المرتدين وأثناء فتوحه في العراق، ويبدو أنه لم يستقرَّ بمكان معين أثناء تلك المرحلة من حياته، ولعله أسكن أهله في الحيرة كغيره من المجاهدين بعيد فتحها، حيث ذكر موت بعض أبنائه فيها[111]، ويظهر من نصوص مختلفة أنه كانت تضرب له قبة من أدم في تنقله أثناء الجهاد[112]، وبعد جهاده في الشام استقر به المقام في حمص، بعد أن قسمت الخطط فيها على الفاتحين من العرب[113]، فكان له بها دار وجيران[114].

وتدل الروايات أنه كان يخرج باستمرار تحت لواء أبي عبيدة مجاهدًا، فلما توفي آثر خالد - رضي الله عنه - الاستقرار في داره بحمص، ولم يخرج منها[115].

وقد ورد ذكر لهذه الدار في بعض الروايات، ففي رواية عند مالك ما يدل على وجود سقيفة في حجرة مغلقة في دار خالد بن الوليد[116].

وقد وردت بعض الأخبار عن زيارة مفاجئة لعمر بن الخطاب لخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - في داره بحمص[117]، كما وردت روايات عن زيارات مختلفة لأبي الدرداء الأنصاري - رضي الله عنه - لخالد في داره بحمص[118]، ولا شك أنه كان لخالد في داره عدد من الجيران احتك بهم، وتعامل معهم كما يتعامل الكرماء من الرجال مع جيرانهم، وهو المشهور بالكرم والشهامة.



باب مناقبخالد بن الوليدرضي الله عنه

3846حدثناقتيبةحدثناالليثعنهشام بن سعدعنزيد بن أسلمعنأبي هريرةقالنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ياأبا هريرةفأقول فلان فيقول نعم عبد الله هذا ويقول من هذا فأقول فلان فيقول بئس عبد الله هذا حتى مرخالد بن الوليدفقال من هذا فقلت هذاخالد بن الوليدفقالنعم عبد اللهخالد بن الوليدسيف من سيوف اللهقال أبو عيسى هذا حديث غريب ولا نعرفلزيد بن أسلمسماعا منأبي هريرةوهو عندي حديث مرسل قال وفي الباب عن أبي بكر الصديق

سطور مضيئة من حياة الأديبة المجاهدة حميدة قطب



الداعية المجاهدة

عرفت حميدة قطب الإخوان المسلمين بعد أن التحق الشقيق الأكبر "الشهيد سيد قطب” بدعوة الإخوان بعد عودته من أمريكا، وسارت على نهجه أختاه حميدة وأمينة، ونشطت حميدة مع الحاجة زينب الغزالي في نشر الدعوة وسط النساء، حتى دخلت الجماعة في طور محنة حادثة المنشية عام 1954م فاعتقل أخوها سيد ومعظم الإخوان، وحكم عليهم بأحكام متفاوتة بين الإعدام والسجن، ولم تستكن حميدة قطب، لكنها اشتركت مع السيدة أمينة علي و نعيمة خطاب وزينب الغزالي وخالدة الهضيبي في رعاية أسر الإخوان المعتقلين.


وعندما بدأ تنظيم 1965 يتشكل في عام 1957م، واختير الشهيد سيد قطب ليكون مسئولاً عن التنظيم، وكان ما زال داخل السجن اختيرت حميدة قطب لتقوم بدور الرسول بين قادة التنظيم خارج السجن وبين أخيها سيد داخل السجن، وظلت تقوم بهذا الدور لسنوات عدة حتى اعتقلت عام 1965م.


تكبدت حميد قطب المشاق ولم يتجاوز عمرها 21 عامًا من أجل دعوتها فرحلة ذهابها إلى الشهيد سيد قطب في سجن طره كان يستغرق ما يزيد عن "5 ساعات”، وانتظارها في حر الشمس خروج تصريح لمقابلة أخيها الشهيد.


تعرَّضت أسرة المجاهدة حميدة قطب لكثير من المحن، ففي عام 1954 حُكم على سيد قطب الشقيق الأكبر بالسجن لمدة 15 عامًا، وفي 1965 قبض على أفراد أسرة آل قطب كلهم، وعُذِّبوا عذابًا شديدًا، ونصبت المحاكم العسكرية، وتولى الفريق محمد فؤاد الدجوي رئاسة المحكمة، وحكم على أخيها سيد قطب بالإعدام.


وجهت إلى حميدة قطب تهم كثية منها: "نقل معلومات وتعليمات من الشهيد سيد قطب إلى زينب الغزالي والعكس، توصيل ملازم معالم الطريق إلى الإخوان خارج السجون، إعانة العائلات في الفترة بين 1954م- 1964م”.


وأحيلت إلى المحكمة العليا في الجناية رقم 12 لسنة 1965م، "أمن دولة عليا”؛ حيث أصدر صلاح نصار رئيس النيابة قرارًا بإحالة 43 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، كانت حميدة قطب رقم 40 في الصحيفة والتي حوت القرار، وكان عمرها آنذاك 29 عامًا ولم تتزوج بعد.


وحكم عليها بالسجن ظلمًا  10 سنوات مع الأشغال الشاقة، قضت منها ست سنوات وأربعة أشهر بين السجن الحربي وسجن القناطر حتى أفرج عنها أوائل عام 1972م.


الأديبة

برزت المواهب الأدبية للأخ الأكبر سيد، فاتجه إلى الشعر والأدب، وسار على نهجه بقية إخوته: محمد وأمينة وحميدة، وكان سيد هو الموجه والمربي والمعلم لباقي إخوته، وأصدروا معًا كتاب (أطياف أربعة) في عام 1945م، و ذكر الشهيد سيد أخته حميدة في هذا الكتاب بقوله:”تلك الصبية الناشئة "حميدة” إنها موفورة الحس أبدًا، متفزِّعة من شبحٍ مجهول ".



وكان الإخوة الأربعة يجلسون فيتدارسون العلم، وعندما التحق سيد قطب بالإخوان، وأُسند إليه الإشراف على جريدة "الإخوان المسلمون”، نهض بها، وفتح صفحاتها أمام إخوته ليكتبوا فيها، فأثروا الصحيفة بكثير من المقالات، منها: مقالة "لا إله إلا الله” للأخت حميدة، كما نشر لها مقالات في مجلة "المسلمون” وكتبت قصة بعنوان:    "درس في الصغر”، وعندما رحلت أختها أمينة كتبت مقالاً جياشًا قالت فيه: "تفضلت مجلة "منبر الداعيات” الحبيبة إلى قلبنا فطلبت مني أن أكتب إليها نُبذة عن "أمينة قطب” شقيقتي.. شقيقة الدم وشقيقة الروح، التي غادرت دنيانا قبل أيام قلائل وذهبت، بعد رحلة شاقة في دار الشقاء، ندعو الله الرحمن الرحيم بعباده أن يجعلها في دار سعادة وجنة عرضها السموات والأرض”.

ومن أعمالها الأدبية:” كتاب نداء إلى الضفة الأخرى، كتاب رحله في أحراش الليل، قصة درس في الصغر، قصة جنة الرعب، كتاب الأطياف الأربعة مع إخوتها”

داعية إسلامية بباريس

انتقلت حميدة قطب مع زوجها الدكتور حمدي مسعود طبيب القلب إلى باريس وعاشت معه هناك لتستكمل مشوارها الدعوى من هناك وجعلت من منزلها بباريس بيتا للدعوة، وصالونا للقاء الأخوات المسلمات هناك.


ورفضت حميدة تقديم صورة لها بدون حجاب حتى يمنح لها حق الإقامة بباريس وفضلت الرحيل وعدم الإقامة، مما أجبر السلطات هناك على إعطائها حق الإقامة وكذالك كل المسلمات هناك دون أن يطلب منهم خلع حجابهم.

واستمرت في دعوتها وجهادها إلى أن التحقت برحاب ربها يوم الثلاثاء 17 من يوليو لعام 2012م .

الإمام ابن تيمية

 إنَّ الحمد لله نحْمَده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

أمَّا بعد:

"فهذه صفَحات مُضِيَّة من ترجمة الإمام ابنِ تيميَّة".

حياة هذا الإمام مليئةٌ بالأمور الجليلة القدْر، كثيرة المعارِف، متشعِّبة المسالِك، بحيث يصحُّ أن تُفرَد كل مرحلة من مراحل حياته، أو يفرد كل جانب مِن جوانب شخصيته بمصنَّف مستقل، ودراسة فاحِصة لها، تبحث عن الدُّرِّ المكنون بيْن صدفاتها، لكن هذه إطلالة على بعضها - كما هو دأبُ الباحثين - وسيكون ذلك خلال ما يلي:

اسمه ولقبه وكنيته[1]:

هو الإمام الربَّاني، الفقيه المجتهد، المجدِّد، بحْر العلوم العقلية والنقلية، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن الشيخ الإمام شهاب الدِّين أبي المحاسن عبدالحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبي البركات عبدالسلام بن أبي محمَّد عبدالله بن أبي القاسم الخَضر بن محمَّد بن تيميَّة بن الخضر بن علي بن عبدالله النميري.

لقبه: لُقِّب بشيخ الإسلام[2]، وبابن تيمية[3]، وغالبًا ما يُجمع بينهما فيقال: شيخ الإسلام ابن تيمية.

كنيته: كني بأبي العباس، مع أنه لم يتزوَّج[4]؛ ذلك أنَّه من السُّنة أن يكنى المسلِم، ولو لم يُولد له، أو كان صغيرًا؛ لحديث عائشة أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها -: أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، كل نسائك لها كُنية غيري، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اكتني بابنِك عبدالله [يعني: ابنَ الزبير] أنت أمُّ عبدالله))[5]، ولقول أنس - رضي الله عنه -: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل فرأى ابنًا لأبي طلحةَ، يُقال له: أبو عُمَير، وكان له نُغَير يلعب به، فقال: ((يا أبا عُمير، ما فعَل النُّغَير؟))[6].

ولادته وأسرته ونشأته:

ولادته[7]: وُلِد الإمام ابن تيمية في يوم الاثنين 10 ربيع الأول سنة 661 هـ في حران.

أسرته: وهي أسرةٌ معروفة بالعِلم والصلاح؛ إذ إنَّهم يتوارثون العلم فيما بينهم، وكانت لهم الصَّدارة في المسجد الجامع، ومِن هذه الأسرة الطيبة الإمام مَجْد الدين بن عبدالسلام، وولده الإمام الشيخ عبدالحليم والد الإمام أحمد ابن تيمية، وكانتْ هذه الأسرة تسلك في التدليلِ على المسائل العقدية والفقهية مسلكَ الحنابلة، فشرِب الإمام العلمَ منذ نعومة أظفاره في حجْر أبيه، فكان للعلم تقديرٌ خاص لديه؛ بسبب إجلال أسرته للعلم، وشهرتها به، فدرس علومَ الشريعة المختلفة منذ صِغَره، حيث كان يحضر المحافلَ العامة، فكان يناقش ويردّ ويفتي وهو في ريعان الشباب، حتى إنَّه تولَّى الدرس بعد موت أبيه، وحضَر له كبارُ أئمَّة ذلك العصر، وأُعجِبوا من علمه، وسُرعة استحضاره، مما يشهد ببراعته منذ صِغره.

نشأته: لقد أثَّرتْ فيه بيئتُه أيَّما تأثير؛ ذلك أنَّ البيئةَ المحيطة به بيئةُ عِلمٍ وصلاح، "فنشأ بها أتمَّ إنشاءٍ وأزكاه، وأنبته الله أحسنَ النبات وأوفاه، وكانت مخايلُ النجابة عليه في صِغره لائحة، ودلائلُ العناية فيه واضحة، [وقد أثَّرت فيه هذه النشأة أيَّما تأثير، وجعلتْه منذ] صِغره مستغرقَ الأوقات في الجِد والاجتهاد، فختَم القرآن صغيرًا، ثم اشتغل بحِفظ الحديث و[دراسة] الفِقه والعــربية، حتى برع في ذلك، مع ملازمة مجــالس الذِّكْر وسمــاع الأحاديث والآثار"[8]، فنُموُّه في تلك البيئة جعله من المنهومين بطلب العلم، والناهلين من منابعِ المعرفة بعَينٍ فاحصة متخصصة، ثم ظهر ذلك من خلال كتاباته وتآليفه ومواقفه؛ دفاعًا عن الشريعة الغرَّاءِ بكل ما يستطيع من جهْد، وبكلِّ ما أُوتي من قوة، وهذه ثمراتُ نشأته الأولى، وبيئته وأسرته؛ إذ اكتحلتْ عيناه برؤية كِبار علماء عصره، وشنفتْ أذناه بسماع الحديث والآثار مِن أئمة عصره، فارْتشَف العلم منذ نعومة أظفاره، ممَّا كان له أكبرُ الأثر في تكوين مَلَكته العلمية، والتي أهَّلته للإمامة عبرَ العصور.

شيوخه وتلاميذه:

إنَّ نفْسًا عملاقة كنفْس الإمام ابن تيمية، تُنبئ عن تعدُّد مناهِل المعرفة، وتنوُّع روافد أصول العلم التي تلقَّى ثقافتَه ومعرفته مِن خلالها، وهذا بدوره يؤكِّد أنَّ الإمام ابن تيمية قد تلقى العلم على أيدي كثيرٍ من الشيوخ والشيخات، وتعددُ الشيوخ والشيخات راجعٌ إلى تعدُّد روافده، وتنوع العلوم التي درسَها، والمعارف التي تلقَّاها، واستوعبتْها ذاكرتُه الحديدية، وأدركها بعقله الكبير، وطبيعي أنَّ مَن هذه أحوالُه - إضافة إلى ترجمته الحافِلة بأنواع شتَّى من جهاد وتعليم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولهج بذِكْر الله، وحسن عِشْرة ومعاملة، وزهد في منصب وفي دنيا - أن يكون لـه تلاميذُ يحملون عنه عِلمَه الغزير، وهؤلاء الذين تلقوا عنه، أصبح كلُّ واحد منهم إمامًا.

أما شيوخه: وهم الذين تلقَّى على أيديهم أصولَ العلم والمعرفة منذ صِغره، بل ظلَّ كذلك يستفيد مِن أهل العلم في كِبره من الأئمَّة من شيوخ عصره وشيخاته، "وشيوخه الذين سمع منهم أكثرُ من مائتي شيخ"[9]، كما سمع من أرْبع شيخات[10]، فسمع الحديث من الإمام ابن عبدالدايم[11]، ومن شيوخه والده الإمام شِهاب الدين أبو المحاسن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية، ومنهم الإمام عبدالرحمن بن محمَّد بن قدامة[12]، والشيخ علي الصالحي[13]، والشيخ عفيف الدين عبدالرحمن بن فارس البغدادي[14]، والشيخ المنجا التيوخي[15]، والشيخ محمَّد بن عبدالقوي[16]، والشيخ شرَف الدِّين المقدسي[17]، والشيخ الواسطي[18]، والشيخ محمَّد بن إسماعيل الشيباني[19]، ومن الشيخات فعمَّتُهُ ستُّ الدار[20]، والشيخة أمُّ الخير الدمشقية[21]، والشيخة أمُّ العرب[22]، والشيخة أمُّ أحمد الحرانية[23]، والشيخة أم محمَّد المقدسية[24]، فهؤلاء الشيوخ والشيخات وغيرهم، تلقَّى على أيديهم وتعلَّم، وكان لهم أبرزُ الأثر في عِلمه وسلوكه، ونبوغه وعبقريته وألمعيته.

تلاميذه: إنَّ شخصيةً كشخصية الإمام ابن تيمية لا بدَّ وأن يكون لها آثارٌ بارزة؛ لهذا فقد تأثَّر به وبمنهاجه الكثيرُ، كما لازمه كثيرون، وأصبحوا من خواصِّه، وتتلمذوا على يديه، ونهلوا من مَعِينه الصافي، بحيث أصبح الواحدُ منهم بعد ذلك إمامًا في فنِّه، ومشكاةً يضيء للآخرين بما أُوتي من فَهْم ثاقب، وعلمٍ غزير، ومن هؤلاء التلاميذ: الإمام ابن قيِّم الجوزية، والإمام الذهبي، والإمام ابن كثير، والحافظ البزار، والإمام ابن عبدالهادي[25]، والشيخ الواسطي[26]، والشيخ ابن الوردي[27]، والشيخ ابن رشيق[28]، والإمام ابن مُفلِح[29]، وغيرهم الكثير والكثير، والذين قد حملوا عِلمَه، وسلَكوا منهاجَه في تبليغ الشريعة.

وبالنظر إلى تلاميذ هذا الإمام العملاق، تظهر منزلتُه، ويبين قدرُه، فإذا كان تلاميذه أئمة، ولهم من العلم ما لهم مِن تآليف، وتولٍّ لقضاء أو إصلاح، فكيف يكون قدرُ أستاذهم وشأنه؟!

إنَّه بحر لا ساحلَ له، وموسوعةٌ عِلمية ومكتبية متنقِّلة، مع العلم والعمل، والزهد وترْك المناصب، واللهج بذِكْر الله - عز وجل - والدعوة إلى نُصْرة شرْعه بنفسه ورُوحه وماله كله، وهذا معروفٌ وواضح من أحواله، بما ترجم له مَن رآه، أو رأى مَن رآه، وبما تواترتْ أخباره بيْن ناقليها مِن جميع فئات شعبي دمشق ومصر، وبما ترَك خلفَه من آثار: سواء في تلاميذ، أو كتب، أو إصلاح.

عقيدته ومذهبه:

عقيدته: عقيدة الإمام ابن تيمية التي يعتقِدها هي عقيدة السلف الصالح: أهل السنة والجماعة، المتمثِّلة في القرون الثلاثة الأولى، على ما كان عليه النبيُّ محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((خير أمَّتي قرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))[30]، فلا علاقة لمعتقده بشخصٍ معيَّن، ولا بمذهب معيَّن، لا حنبلي ولا غيره؛ بل بما جاء في كتاب الله - عز جل - وبما ثبَت في صحيح السنة النبوية المطهَّرة، وتفسير لما فيها بما ثبت عن الصحابة الكِرام، وعن تابعيهم بإحسانٍ من تلك القُرون الثلاثة الفاضلة، ومع أنَّ إمامه في الفقه هو الإمام أحمد بن حنبل[31]، فإنَّ الإمام ابن تيمية لم يَدْعُ أحدًا قط إلى الْتزام العقيدة على منهج الحنابلة؛ بل كان يدعو إلى الْتزام معتقد السلف الصالح، وقد أبان ذلك هو بنفسه إذ قال: "أما الاعتقاد، فإنَّه لا يُؤخذ عني ولا عمَّن هو أكبرُ مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وما أجمع عليه سلفُ الأمَّة، فما كان في القرآن وجَب اعتقادُه، وكذلك ما ثبَت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيحي البخاري ومسلم...وكان يَرِدُ عليَّ مِن مصر وغيرها مَن يسألني عن مسائلَ في الاعتقاد أو غيره، فأُجيبه بالكتاب والسُّنة، وما كان عليه سَلفُ الأمة"[32]، وقد كتَب الإمام ابن تيمية هذه العقيدةَ التي يَدين اللهَ بها حينما طُلِب منه أن يَكتبها، فكتبَها فيما بيْن الظُّهر والعصر[33]، وهذه العقيدة هي:

الإيمانُ بالله وملائكته، وكُتبه ورسله، والبعْث بعد الموت، والإيمان بالقَدر خيره وشرِّه، وإثبات معيَّة الله لخلْقه، وأنها لا تُنافي علوَّه فوقَ عرْشه، ورؤية المؤمنين لربِّهم يومَ القيامة.

ومِن الإيمان بالله - تعالى -: الإيمانُ بكلِّ الأسماء والصفات الواردة في الكتاب وصحيح السنة، ثم الإيمان بالقُرآن الكريم، وأنَّه كلام الله، منزَّل، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله تكلَّم به حقيقة، وأنَّ هذا القرآن الذي أنزله على محمَّد - صلى الله عليه وسلم - هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره.

ثم الإيمان باليوم الآخِر، وما يكون فيه من أمورٍ بعد هذه الفِتنة، إمَّا نعيم وإمَّا عذاب، إلى أن تقومَ القيامة الكبرى، فتُعاد الأرواح إلى الأجساد، ثم تقوم القيامة، فيقوم الناس مِن قبورهم لربِّ العالمين حفاةً عراةً غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويُلجمهم العرق، وتُنصب الموازين، فتوزَن بها أعمالُ العباد، وتنشَر الدواوين، ثم الإيمان بالحِساب.

والإيمان بحوْض النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي من شرِب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا، والإيمان بالصِّراط، وهو منصوبٌ على متْن جهنم: وهو الجِسر الذي بين الجَنَّة والنار، يمرُّ الناس على قدْر أعمالهم، فمَن مرَّ على الصِّراط، دخَل الجنة، فإذا عبَرُوا عليه وقفوا على قنطرة بيْن الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم مِن بعض، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذِن لهم في دخول الجَنَّة، وأوَّل مَن يَستفتح بابَ الجنة محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - وأوَّل مَن يدخل الجنة مِن الأمم أمَّتُه - صلى الله عليه وسلم - وله - صلى الله عليه وسلم - في القيامة ثلاثُ شفاعات:

الأولى: يشفع في أهْل الموقف حتى يُقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياءُ عنها؛ آدم فمَن بعده، حتى تنتهي إليه - صلى الله عليه وسلم -.

الثانية: يشفع في أهل الجَنَّة أن يدخلوها.

الثالثة: يشفع فيمَن استحقَّ النار، وهذه الشفاعة لـه ولسائرِ النبيِّين والصِّدِّيقين وغيرهم، فيشفع فيمَن استحق النار ألاَّ يدخلها، ويشفع فيمَن دخلها أن يخرج منها.

كما يعتقد أنَّ الإيمان قولٌ وعمل، يَزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو متَّبع لمعتقد أهل السُّنة والجماعة؛ الفرْقة الناجية، في عدم تكفير أهْل القِبلة بمُطلق المعاصي والكبائر؛ بل الأُخوَّة الإيمانية ثابتةٌ مع المعاصي.

ومما يعتقده: وجوب سلامة القلْب واللِّسان لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتولَّى آل بيت رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويحبُّهم، كما يتولَّى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين، وأنهنَّ أزواجه في الدنيا وفي الآخرة، كما أنَّه يُمسك عما شجَر بين الصحابة - رضي الله عنهم - لأنَّ الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كذب، ومنها ما قد زِيدَ فيه ونقص وغُيِّر عن وجهه.

والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مُصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، مع الاعتقاد بأنَّ كل واحد من الصحابة ليس بمعصومٍ عن كبائر الإثم وصغائره، لكن لهم من السوابق والفضائل ما يُوجِب مغفرةَ ما يصدر منهم إنْ صدر، حتى إنهم يُغفر لهم من السيئات ما ليس لمن بعدَهم، أو بتوبة أو شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هم أحقُّ الناس بشفاعته، أو ابتُلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحقَّقة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟!

وأنَّهم خيرُ الخلْق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمَّة التي هي خيرُ الأمم، وأكرمُها على الله.

كما يؤمِن بكرامات الأولياء، وما يُجري الله على أيديهم من خوارقِ العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، إضافةً إلى إيمانه بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما تُوجبه الشريعة، وكذلك يرى إقامةَ الحج والجهاد والجُمع والأعياد مع الأمراء؛ أبرارًا كانوا أو فجَّارًا.

وهو تابع لأهل السُّنة بأنهم يَدينون بالنصيحة للأمَّة، والصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء، والرضا بمرِّ القضاء، ويدْعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والعفو عمَّن ظلم، ويدْعون إلى برِّ الوالدين، وصِلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، والبُعد عن الأخلاق السيِّئة؛ كل ذلك اتباعًا للكتاب والسنة، وتطبيقًا للشريعة التي بُعِث بها محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.

وأما مذهبه، فقد نشَأ وتربَّى وتعلَّم على أصول المذهب الحنبلي، فأبوه وجَدُّه - بل أسرته - أعلامُ الحنابلة في دمشق والشام، ولكنَّه لم يقتصرْ في دراسته على المذهب الحنبلي؛ بل درس المذاهب الفقهية الأخرى، ثم آل أمره في آخر حياته إلى عدم التقيُّد بمذهب معيَّن، بل كان يُفتي بما يترجَّح له دليلُه، ومع ذلك فلم يكن يتعصَّب لإمام أو شيخ أو مذهب، بل يرى أنه مِن اليُسر اتباع الناس لأيِّ رأي من آراء العلماء؛ لهذا لما سأله تلميذُه الحافظ البزار تأليفَ نصٍّ في الفقه يجمع اختياراتِه وترجيحاتِه؛ ليكون عمدةً في الإفتاء، فقال له ما معناه: "الفروع أمرها قريب، ومَن قلَّد - المسلم - فيها أحدَ العلماء المقلَّدين، جاز لـه العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه"[34].

وكان يذكُر أنَّ اختلاف العلماء رحمةٌ واسعة، فقال: "ولهذا كان بعضُ العلماء يقول: إجماعهم حُجَّة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة"، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول[35]: ما يَسرُّني أنَّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا؛ لأنَّهم إذا أجمعوا على قول فخالفَهم رجلٌ كان ضالاًّ، وإذا اختلفوا فأخَذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمْر سَعة، وكذلك قال غيرُ مالك من الأئمَّة: ليس للفقيه أن يحملَ الناس على مذهبه [ثم نقَل عن بعض الشافعية قولَ بعضهم: ] وليس لأحدٍ أن يُلزم الناس باتِّباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحُجج العلمية، فمَن تبيَّن له صحَّةُ أحد القولين تبِعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكارَ عليه"[36]، ومع هذا هو مجِلٌّ للأئمة، فيحترمهم ويدافع عنهم، وينهى عن الطعن فيهم، وأنهم وإنِ اختلفوا في مسائل، فهذا الخلاف إنما نشأ عن اجتهادِ كلِّ واحد منهم، ثم أرجع أسباب الاختلاف إلى أعذار ثلاثة، هي[37]:

الأول: عدم اعتقاده [أي: العالِم] أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله.

الثاني: عدم اعتقاده إرادةَ تلك المسألة بذلك القول.

الثالث: اعتقاده أنَّ ذلك الحُكم منسوخ، ثم فصَّل القول على هذه الأعذار الثلاثة في رسالته: "رفْع الملام عن الأئمَّة الأعلام".

أخلاقه وسجاياه وبعض أقواله:

الكلام على أخلاق الإمام ابن تيميَّة وسجاياه، إنَّما هو كلامٌ على الآداب الإسلامية التي تجلَّت في شخصِه، وبرزت أخلاقه خلالَ اتِّباعه وتمسكه بالكتاب والسنة، فكان يُطبِّق ما فيها، حتى ظهرَ عليه في معاملاته وحُسْن عشرته.

والكلام على سجاياه يشمل الخِلْقية والخُلُقية: أما سجاياه الخِلقية، فيَصفه مؤرِّخ الإسلام الإمام الذهبي بقوله: "كان أبيضَ، أسودَ الرأس واللحية، قليلَ الشَّيْب، جَهْوَرِيَّ الصوت، شعره إلى شحمة أذنيه، فصيح اللِّسان، أعين كأنَّ عينيه ناطقتان، رَبْعة من الرِّجال، بعيد ما بيْن المنكبين، تعتريه حدَّة، لكن يقهرها بالحِلم"[38].

وأمَّا سجاياه الخُلُقية، فكثيرة كثيرة يصعُب حصرها في بحْث واحد، والأمر كما قال الإمام ابن الزملكاني:

"مَـاذَا يَقُـولُ الْوَاصِفُونَ لَـهُ وَصِفَـاتُهُ جَلَّتْ عَـنِ الْحَصْـرِ"[39]

والحافظ البزَّار بقوله: "فإنَّه قلَّ أن سُمع بمثله"[40].

ومن هذه الأخلاق ما يلي:

1- "إيثاره مع فقره: فكان - رضي الله عنه - مع رفْضه للدنيا وتقلُّله منها، مؤثِرًا بما عساه يجده منها؛ قليلاً كان أو كثيرًا، ولا يحتقر القليلَ فيمنعه ذلك عن التصدُّق به، حتى إنه إذا لم يجد شيئًا يتصدَّق به نزَع بعض ثيابه فيصِلُ بها الفقراء، وكان يستفضِل من قُوته الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسِه"[41]، وفي مرَّة رأى "الشيخُ محتاجًا إلى ما يعتمُّ به، فنزع عمامته من غير أن يسألَه الرجل ذلك، فقطعها نِصفين، واعتمَّ بنصفها، ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل"[42].

2- كرمه: لقد عُرِف الإمام ابن تيمية بالكرم؛ لأنَّه "كان مجبولاً عليه، لا يتطبَّعه ولا يتصنَّعه؛ بل هو له سجية؛ فكان لا يردُّ مَنْ يسأله شيئًا يقدِر عليه مِن دراهم ولا دنانير ولا ثياب، ولا كتب، ولا غير ذلك، ولقد كان يجود بالميسور كائنًا ما كان، وقد جاءَه يومًا إنسانٌ يسأله كتابًا ينتفع به، فأمَرَه أن يأخُذ كتابًا يختاره، فرأى ذلك الرجل بيْن كتب الشيخ مصحفًا قدِ اشْتُري بدراهم كثيرة، فأخَذَه ومضى.

ومِن كرَمِه أنه كان ينكر إنكارًا شديدًا على مَن يُسأل شيئًا من كتب العلم التي يملِكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممَّن يطلبه"[43]، ومن جُودِه في العلم أنَّه كان كريمًا في نشْره للعلم، وبثِّه بين صفوف المجتمع كله، كما ذكر ذلك تلميذُه النجيب الإمام ابن القيم: "ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله رُوحَه - في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سُئل عن مسألة حُكمية ذَكَر في جوابها مذاهبَ الأئمة الأربعة إذا قدَر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكَر متعلِّقات المسألة التي ربَّما تكون أنفعَ للسائل من مسألته، فيكون فرحُه بتلك المتعلقات واللوازم أعظمَ من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه - رحمه الله - بيْن الناس، فمن أحب الوقوفَ عليها رأَى ذلك، فمن جُودِ الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألةِ السائل؛ بل يذكر له نظائرَها ومتعلقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه"[44]، وهذه حال هذا الإمام مع مَن يسأله كلها كَرَم.

3- ورعه: فكان مِن الغاية التي يُنتهى إليها في الورَع؛ لأنَّ الله - تعالى - أجراه مدةَ عمره كلها على الوَرَع، فإنَّه ما خالطَ الناس في بيع ولا شراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولا مشاركة ولا مزارعة ولا عمارة، ولا كان ناظرًا أو مباشرًا لمال وقْف، ولم يقبل جراية ولا صِلةً لنفسه مِن سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا كان مدَّخرًا دِينارًا ولا درهمًا ولا طعامًا؛ وإنما كانت بضاعتُه مدَّةَ حياته وميراثه بعدَ وفاته - رضي الله عنه - العلمَ؛ اقتداءً بسيد المرسَلين وخاتم النبيين سيِّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحْبه أجمعين، فإنَّه قال: ((إنَّ العلماء ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دِينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَثَّوا العلم، فمَن أخذ به، أخذ بحظٍّ وافر))[45].

والاتِّصاف بصِفة الورع من أبرز صِفات العالِم الربَّاني؛ ذلك أنَّه متطلع إلى ما عند الله، متسامٍ عن الدنيا، ومترفعٌ على مناصبها وزخارفها.

4- كراماته وفِراسته: لقد أظْهر الله - تعالى - على يدي هذا الإمام كراماتٍ، وأعطاه فِراسةً عُرِفت عنه، وشاهدها مَن رافقه؛ وذلك لاتِّباعه للكتاب والسنة، وهدْي السلف الصالح، ومنها ما حكاه الإمام البزَّار نفسه وشاهده، حيث قال: "جرى بيني وبيْن بعض الفضلاء منازعةٌ في عدة مسائلَ، وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كلِّ مسألة بأن نرجع إلى الشيخ وما يرجِّحه من القول فيها، ثم إنَّ الشيخ - رضي الله عنه - حضَر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سبقَنا هو، وشَرَع يذكر لنا مسألةً مسألةً كما كنا فيه، وقال: وكنت في خلال الأيام التي صحبتُه فيها إذا بحَث مسألة يحضر لي إيراد، فما يستتمُّ خاطري به حتى يشرَعَ فيورده، ويذكر الجواب من عدَّة وجوه، وحكَى عن رجل أنه قدم دمشق وأنفق ما معه فقابلَه الشيخ[46] ولم يعرفْه، فجاءَه وهشَّ في وجهه، ووضع في يده صُرَّة فيها دراهم صالِحة، فسأل: من هذا؟! قالوا: هذا ابن تيمية، وإنه لم يمرَّ بهذا الدرب منذ مدة طويلة.

وحدَّث عن شخص آخَر قال: إنَّه ذهب إلى مصر ومرِض، ولم يعرف أحد بحاله، واتَّفق أنَّ ذلك كان حين إقامة الشيخ بها، فما أحسَّ إلا بمن يناديه باسمه وكنيته، فدخل عليه ناسٌ وسألوه عن مرِضه ونقلوه، فقال لهم: كيف عرفتُم بقدومي وأنا قدمتُ في هذه الساعة؟ فذكروا أنَّ الشيخ أخبرَنا بأنك قدمتَ وأنت مريض!.

وحكَى أنَّ من عادة الشيخ أنه كان يزور المرضى في البيمارستان بدمشق في كلِّ أسبوع، فجاء على عادته فعادَهم، فوصل إلى شابٍّ منهم، فدعا له، فُشفي سريعًا، وجاء إلى الشيخ يقصد السلامَ عليه، فلما رآه هشَّ لـه وأدناه، ثم دفع إليه نفقة، وقال: قد شفاك الله، فعاهِدِ الله أن تعجِّلَ الرجوع إلى بلدك، أيجوز أن تتركَ زوجتَك وبناتِك أربعًا ضيعةً، وتقيم ها هنا؟! فقبَّل يده وقال: يا سيِّدي، أنا تائب إلى الله - تعالى -، وقال الفتى: وعجبتُ ممَّا كاشفني به، وكنت قد تركتُهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرَف بحالي أحدٌ من أهل دمشق.

وكراماتُ الشيخ - رضي الله عنه - كثيرة جدًّا، ومِن أظهر كراماته أنَّه ما سمع بأحد عاداه أو غضَّ منه إلا وابتُلي بعدَه بلايا، غالبها في دِينه، وهذا ظاهرٌ مشهور، لا يحتاج فيه إلى شرْح صفته"[47].

5- تواضعه وعدم تكبُّره: وهذا الخُلُق عرَفه كلُّ مَن رأى الشيخ، أو تعامل معه، فلم يُعهد عليه تكبُّر على أحدٍ مِن خلْق الله؛ بل كان دائمَ التودُّد إلى الناس، خاصَّة عوام الناس والمرْضى، والمساكين والمعوزين، فقد كان يختلط بهم، ويتكلَّم معهم، ويتعرَّف أخبارَهم، ويقضي لهم حاجاتِهم.

كما كان يذهب إلى الظَّلَمة ويردُّ إلى المسلمين الضعاف أموالَهم، كما حَدَث مع قطلو بك الكبير، وكذلك كان حريصًا على زيارة المرضى في البيمارستان كلَّ أسبوع، ولا يشغله عِلمُه وتعليمُه وجهادُه عن فِعْل تلك الأشياء، فكانت محبَّته في قلوب الصِّغار والكبار، حُكَّامًا ومحكومين، وعندما يقابل محتاجًا أو مسكينًا يهشُّ في وجهه ويُعطيه ما تيسَّر، وأحق الناس بالكلام عن تِلك الصفة مَن عاشره ولازَمه من تلاميذه، كما قال الحافظ البزار: "وأمَّا تواضعه، فما رأيتُ ولا سمعتُ بأحد من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني والصالح والفقير، وكان يُدني الفقيرَ الصالح، ويكرمه ويؤنسه، ويباسطه بحَديثه المستحلى زِيادةً على مثله مِن الأغنياء، حتى إنه ربما خدَمه بنفسه، وأعانه بحَمْل حاجته؛ جبرًا لقلْبه، وتقربًا بذلك إلى ربِّه، وكان لا يسأم ممن يستفتيه أو يسأله؛ بل يُقبِل عليه ببشاشة وجه، ولِين عَرِيكة، ويقف معه حتى يكونَ هو الذي يفارقه؛ كبيرًا كان أو صغيرًا، رجلاً أو امرأةً، حرًّا أو عبدًا، عالمًا أو عاميًّا، حاضرًا أو باديًا، ولقد بالَغ معي [القائل الحافظ البزار] في حال إقامتي بحضرتِه في التواضُع والإكرام، حتى إنه لا يذكرني باسمي؛ بل يُلقِّبني بأحسن الألقاب"[48].

كذلك كان يداعِب الصغار ويلاطفهم، وكان مِن تواضعه أنَّه إذا خرَج مع بعض تلاميذه لقِراءة الحديث "كان هو بنفسه يحمل الكِتاب، ولا يدع أحدًا يحمله، فلما قيل له في ذلك، وأنهم يخافون من سوء الأدب، فيقول: لو حملتُه على رأسي لكان ينبغي ألاَّ أحملَ ما فيه كلام رسولِ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ وكان يجلس تحتَ الكرسي ويدَع صدر المجالِس، فيعجب تلاميذه مِن تواضعه، ورَفْعهم عليه في المجلس"[49]، وكان هذا حالَه مع غيره ممَّن يتعامل معه، حتى كانتْ محبته في قلوب كلِّ مَن رآه، أو سمع به.

وأما أقواله: فهي عباراتٌ رقْرَاقة قالها فحُفظت عنه وانتشرت، وهي إما أن تكون تلخيصًا لفِكرة، أو دعوة لفضيلة، أو تشجيعًا لعبادة، أو توضيحًا لأمْر، وأحيانًا تخرج منه تلقائيًّا أثناءَ جوابه لسؤال، أو تعليقه على موقِف معيَّن، وهي نتيجة لتبحُّره في العلوم، وتمكُّنه منها، وإنَّ انتشار تلك العبارات دليلٌ على إخلاصه؛ حيث وسائلُ نقل المعلومات محدودة في تلك الأزمان، ولكنَّها انتشرت وعُرِفت عنه، ولا يمكن لباحثٍ جمعها كلها إلا بمشقة لتناثرها، ولو جُمعت لكانتْ في مجلدة ضخمة، و"لابن تيمية كلامٌ خاص يستميلُ العقول، وله عباراتٌ أخَّاذة مؤثرة تُعلم بالاستقراء أنَّها لابن تيمية، فمَن سبر كتبَه، وقرأ رسائله، وتبحَّر في علومه حفِظ له مصطلحاتٍ وجملاً وكلمات، كأنَّها من الأمثال عندَ الشعراء، أو من الشواهد عند البلغاء، حتى تصلح أن تُكتب في براويز، وأن تُعلَّق من جودتها ومِن سطوعها"[50].

ومن هذه العبارات:

1- "المـؤمن مأمورٌ بأن يفعـل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور"[51].

2- " الذِّكْر للقلْب مثل الماء للسمك"[52].

3- " إنَّ في الدنيا جَنَّةً[53] مَن لم يدخلها[54] لا يدخُل جَنَّةَ الآخرة"[55].

4- "المحبوس مَن حُبِس قلْبه عن ربه - تعالى - والمأسور مَن أَسَره هواه"[56].

5- "ما يَصنع أعدائي بي؟! أنا جَنَّتي وبُسْتاني في صدري[57]، أين رحتُ فهي معي لا تُفارقني؛ إنَّ حبسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي مِن بلدي سياحة"[58].

6- "العبادة: اسمٌ جامِع لكلِّ ما يحبه الله ويرْضاه، مِن الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة"[59].

7- "النَّفْس لا تزكو وتصلح حتى تُمحَّصَ بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيِّده من رديئه، حتى يفتنَ في كِير الامتحان"[60].

8- "الطاعة والعبادة هي مصلحةُ العبد التي فيها سعادتُه ونجاته"[61].

9- "ما يقوم بالقلْب من الشعور والحال يُوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر مِن سائر الأعمال يُوجِب للقلب شعورًا وأحوالاً"[62].

10- "المشارَكة في الهديِ الظاهر تُورِث تناسبًا وتشاكلاً بيْن المتشابهين، يقود إلى موافقةٍ ما في الأخْلاق والأعمال"[63].

11- "كلُّ قائل إنَّما يُحتَجُّ لقوله لا به، إلا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -"[64].

12- "ما ينبغي أن يُمنَع العِلمُ ممَّن يطلبه"[65].

13- "لن يخاف الرجلُ غيرَ الله إلا لمرَض في قلبه"[66].

14- "الإمامة في الدِّين موروثةٌ عن الصبر واليقين"[67].

15- "حصول العِلم في القلْب كحصول الطعام في الجِسم"[68].

16- "لا يُنال الهُدى إلا بالعلم، ولا يُنال الرَّشاد إلا بالصَّبْر"[69].

17- "العبادة مبناها على الشَّرْع والاتباع، لا على الهوى والابتداع"[70].

18- "كلُّ نقمة منه عدل، وكلُّ نِعمة منه فضل"[71].

19- "مَن أراد السعادة الأبدية، فلْيلزم عتبة العبودية"[72].

20- "لا تجعل قلْبك للإيرادات والشُّبهات مِثل السفنجة فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعلْه كالزُّجاجة المصمَتة، تمرُّ الشبهات بظاهرها، ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته"[73].

21- "مَن فارق الدليل ضلَّ السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -"[74].

تولِّيه التدريس:

تولَّى الإمام ابن تيميَّة منصبَ التدريس، وهو شابٌّ في العشرين من عمره، وهو أمر ليس بجديدٍ على تلك الأُسرة المعروفة بالعلم، فحياة الإمام ابن تيمية، ونشأته الأولى بيْن يدي أُسرته المعروفة بالعِلم، ونهله العلمَ منها ومِن علماء عصره منذ صغره، وكذلك ما ظهَر عليه من نبوغ منذُ صِغره، أهَّله لتولِّي منصب التدريس، فقد كان المكان له مهيَّئًا، وكرسي التدريس كان شاغرًا، حيث كان لأبيه مشيخةُ الحديث، فلمَّا توفي سنة 682هـ، تولَّى مكان أبيه بعدَ موته بسَنة؛ أي: وعمره اثنتان وعشرون سَنة، ممَّا جعله جديرًا بأن يتبوَّأ أعْلى المناصِب العلمية، مع ما منَّ الله - تعالى - عليه ووَهبه من هبات تكوَّنت بها شخصيته، وهو مع هذا وذاك "كان يحضر المدارسَ والمحافل في صِغره، فيُناظر ويفحم الكِبار، ويأتي بما يتحيَّرون منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سَنة، وشرَع في الجمع والتأليف وبعُدَ صِيته في العالَم، فطبق ذِكْره الآفاق، وأخَذ في تفسير الكتاب العزيز أيَّام الجُمع [في سنة 681هـ] على كرسي مِن حفظه، فكان يورد المجلسَ ولا يتلعثم، وكذلك الدرس بتُؤدة وصَوْت جهوري فصيح"[75]، يبهر مَن سمع أو حضر، وحاله هذه مع حضور كِبار علماء عصره له، ومع ذلك لا يَسعُهم عند انتهائه من درسه إلا أن يُثنوا عليه، وعلى درْسه، وكثرة فوائده، ويُبدون دهشتَهم من سرعة بديهته واستحضاره، ثم ظل يترقَّى "بهذه الصِّفات الشخصية، وهذه المواهِب، وتلك المدارس، وذلك العلم الغزير، فألْقى دروسه في الجامِع الكبير بلِسان عربي مبين، فاتَّجهت إليه الأنظارُ، واستمعتْ إليه أفئدةُ سامعيه، وانتقل كثيرون مِن المستمعين إلى تلاميذ مريدين متحمِّسين معجبين، وصار له مِن بينهم مخلِصون إخلاص الحواريِّين الصدِّيقين، وكانت دروسه تجمع الموافِقَ والمخالِف، والبدعي والسني، ومعتنق مذاهب الجماعة ومذهب الشيعة، فكثر تلاميذه، وكثُر سامعوه، وكثر التحدُّث باسمه في المجالس العلمية، ودروسه وإنْ تعددت نواحيها تجمَعُها جامعةٌ واحدة، واتجاه واحد وهو إحياءُ ما كان عليه الصحابةُ أهل القَرْن الأول، الذي تلقى الإسلام صافيًا لم يرنق بأفكار غريبة، ولم تدرس في نحل بائدة، [بل] كان ينهج النهجَ الذي يعود بالإسلام إلى عهْد الصحابة في عقائده وأصوله وفروعه"[76].

وإنَّ تولِّيَه تدريس العلوم الشرعية، والدعوة إلى دِين الإسلام، والرد على الطاعنين: كافرين ومبتدعين، ومقلدين جامدين، ظلَّ ملازمًا له، حتى صعدتْ رُوحه إلى باريها، ولقد درَّس الناس وأفتاهم في الشام ومصر، وأجاب عن أسئلة واستشكالات كانت ترِدُ إليه من سائر بقاع الأرض، ومع كثرة ما يُوجد في شُروحه مِن إيضاحات وفوائد ولطائف، إلا أنَّه لم يكن يستعدُّ لشَرْح شيء معيَّن، فإنه "كان لا يُهيِّئ شيئًا من العلم ليلقيَه ويورده؛ بل يجلس بعد أن يصلِّيَ ركعتين، فيحمد الله ويُثني عليه، ويصلي على رسوله - صلى الله عليه وسلم - [إذ إنَّه] كان لا يذكُر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطُّ إلا ويُصلِّي ويسلِّم عليه على صفة مستحْسَنة مستعذبة، ثم يشرع فيفتح الله عليه إيرادَ علوم وغوامض، ولطائف ودقائق، وفنون واستدلالات، بآيات وأحاديث، وأقوال العلماء، ونصر بعضها وتبيين صحَّته، أو تزييف بعضها وإيضاح حُجَّته، واستشهاد بأشعار العَرَب، وهو مع ذلك يَجري كما يَجري السيلُ، ويفيض كما يفيض البَحْر، وذلك كله مع عدم فِكْر فيه أو رويَّة، من غير تعجرُف ولا توقُّف ولا لحن، بل فيْض إلهي حتى يبهرَ كلَّ سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمتَ، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب، ويُحيِّر الأبصار والعقول.

وإذا فرَغ مِن درْسه يفتح عينية، ويُقبِل على الناس بوجهٍ طلق بشيش، وخُلُق دمِث، كأنَّه قد لقِيَهم حينئذٍ، وربما اعتذَر إلى بعضهم من التقصير في المقال، مَع ذلك الحال"[77]، مع اختلاف منازلِ الحاضرين وعِلمهم مِن "علماء ورؤساء وفضلاء، من القرَّاء والمحدِّثين والفقهاء والأدباء، وغيرهم من عوام الناس"[78].

ويصِفُه تلميذه الحافظ البزَّار بقوله: "ولقد كان إذا قُرِئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم، يشرَع في تفسيرها، فينقضي المجلس بجُملته، والدرس برُمَّته، وهو في تفسير بعض آية منها، وكان مجلسه في وقتٍ مقدَّر بقدر رُبُع النهار، يفعل ذلك بديهةً من غير أن يكون له قارئ معيَّن يقرأ له شيئًا معينًا يُبيِّته؛ ليستعدَّ لتفسيره، بل كان مَن حضر يقرأ ما تيسَّر، ويأخذ هو في القول على تفسيره، وكان غالبًا لا يقطع إلا ويَفْهَم السامعون أنَّه لولا مُضي الزمن المعتاد لأوردَ أشياء أُخرَ في معنى ما هو فيه من التفسير، لكن يقطع نظرًا في مصالِح الحاضرين"[79]، ممَّا جعل محبته في قلوب الناس على اختلافِ مشاربهم، وتنوُّع توجهاتهم؛ لِمَا لمسوه من حرْصه عليهم، وعدم تكبُّره عليهم، ومخالطته لهم، ولا يمنَعُه من تعليمهم حبسٌ ولا ترسيم، وكذلك لا يمنعه لقاءُ عدوٍّ، أو أمْن وسِلْم في وطنه أو خارجه، أو كان على سفر.

مِن مِحْراب العلم إلى مَيْدان القتال[80]:

العالِم الربَّاني عابدٌ لله - تعالى - في كـل وقت، وعلى أيِّ حال، فإنْ كان في المسجد فهو المعلِّم الواعظ المرشِد، وإنْ كان على مِنبر فهو الخطيب المصقاع، وإنْ كان في الطريق، فهو ذاكِرٌ لله - عز وجل - آمِرٌ بمعروف أو ناهٍ عن منكر أو ناصح، وإنْ دعا داعي الجهاد كان أوَّلَ الملبِّين، وإنِ التحم الصفَّان كان هو المقاتلَ الصنديد، والمدافعَ المِقْدام الشجاع، وإنْ كان هناك مكانٌ شاغر من أماكن المرابطة، كان السابقَ إليه؛ لعلمه بفضْلِه وأهميته، كما أنَّ العالم يدخل بيْن الصفوف يشجِّع الجنود، ويُعلي مِن هِممهم، ويتلو عليهم آياتِ الجهاد والشهادة والمرابطة، ويَعِدهم بالنصْر الذي وعَد ربُّهم، وكان هذا حالَ الإمام ابن تيمية، فمَع أنه يعلِّم، فهو يقاتل، ولقد "كان الإمام ابن تيمية عاكفًا على الدَّرْس والفَحْص، والوعظ والإرشاد، وبيان الدِّين صافيًا نقيًّا، كما نزَل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكما تلقَّاه السلف الصالح - رضوان الله - سبحانه وتعالى - عليهم أجمعين.

ومع عُكوفه على الدَّرْس، كان متصلاً بالحياة والأحياء، يُقيم الحسبة، ويبلغ ولاة الأمر إن رأى أمرًا يُوجِب تبليغهم، [هذا وإن] ذلك العالِم الجليل ما كان يشغله درسُه عن شؤون الدِّين العامَّة، والقيام على حِراسته وحمايته مِن المتهجِّمين عليه، وأنه في سبيل حمايته لا يخشَى في الله لومةَ لائم"[81]، فالعالِم العامِل الربَّاني يحمل بيده مُصحفًا وسيفًا في الأخرى؛ إذ همَا بالنسبة إليه كجناحي الطائر، لا يُغني أحدهما عن الآخَر، وإنَّ وقوفه في مَيْدان القِتال وشجاعته، قد ضُرِبت بها الأمثال، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان، سواء ممَّن عاصروه أو تَرْجموا لـه، فكان ينزل منزلَ الموت عندَ اللِّقاء، ولا يراه المحارِبون إلا بعدَ انتهاء المعركة، وفي أثنائها مَن يراه يرى أسدًا هَصورًا مندفعًا، يصول ويجول، ويقاتل الأعداء طالبًا الشهادةَ، وإنْ رأى من الجنود وَهنًا أو ضعفًا أو جبنًا، شجَّعهم وثبَّت قلوبَهم مِن خلال تلاوته عليهم آياتِ الجهاد، وبما يرونه مِن قتاله وبسالته، وإنَّ تتبُّع كلِّ المعارك والوقائع التي شهِدها الإمام، أو حصْر مواقفه الشُّجاعة، ليست من السهولة بمكان، وبفَرْض حصرها، فجمُعها وسردها يحتاج إلى كتابةٍ مسهبة، ولكن الذي يُمكِنُنا هو الإشارةُ إلى بعض تلك المواقِف، الدالَّة على شجاعته وجرأته مع الأعداء على اختلاف مشاربهم وتنوُّعهم، كما يلي:

1- جهاده وقتاله ضدَّ التتار - وهو الأغلب.

2- جِهاده وقتاله ضدَّ النَّصارَى.

3- جهاده ضد الروافض والمعتدين.

أمَّا جِهاده ضدَّ التتار، فمعروفٌ ومشهور، فمِن ذلك موقفُه من غازان ملك التتر، حيث ذهب إليه هو ووفدٌ من أعيان دمشق في 699هـ، حيث أغلَظ له القول، وكان ذلك الموقف سببًا في عدم اعتداء ذلك الملِك على دمشق، وكذلك بعدَ رحيل التتار خاف الناس مِن عودتهم مرَّةً أخرى، فاجتمعوا حولَ الأسوار لحِفظ البلاد، وكان الإمام يدور عليهم كلَّ ليلة يُثبِّت قلوبهم ويصبِّرهم، وبعد ذلك في سنة 700هـ لما طارتْ شائعة قدوم التتار مرَّةً ثانية لغزو الشام، وخاف الناس وهَرَب كثيرٌ من الأعيان والأُمراء والعلماء، ولكن الإمام ابن تيمية جلَس في الجامِع يحرِّض الناس على القِتال، وينهاهم عن الفرار، ويحثُّهم على فضْل الإنفاق في سبيل الله.

ولما تسامعتِ الأخبار بأنَّ السلطان تراجَع عن الحرْب، سافَر إليه الإمام، وأتى مصر ليحثَّه على الجهاد ويثبِّت قلْبه، ووعْده بنصْر الله - عز وجل - ثم خاطَب السلطان بلهجةٍ غليظة قائلاً لـه: "إنْ كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمْنا سلطانًا يحوطه، ويستغلُّه في زمن الأمْن"[82]، ولقد ظهرتْ شجاعة الإمام ابن تيمية، ولمعَتْ في جهاده في نوبة شَقْحب سنة 702هـ، بتحريضه على القِتال، وبتثبيت السلطان والأمراء والجنود، ووعْده إيَّاهم بالنصر، وكان يقبل على الخليفة تارةً، وعلى السلطان أُخْرى، ويربط جأشهما ويشجعهما، حتى كتَب الله النصر للمسلمين، فارتفعتْ منزلة الشيخ، وعلا قدرُه عند العامَّة والخاصَّة، وعرَفوا فضله، ودوره في إحراز النصْر.

وأمَّا جهاده ضدَّ النَّصارى، فقد حكَى تلميذه وصاحبه الحافظ البزَّار عمَّن رأَوا الشيخ وشاهدوه في جهاده ضدَّ النصارى، فقال: "وحدَّثوا أنهم رأَوْا منه في فتْح عكة أمورًا من الشجاعة يُعجَز عن وصفها. قالوا: ولقد كان السببُ في تملُّك المسلمين إيَّاها بفِعْله ومشورته"[83].

وكان ذلك في سَنة 690هـ، وكان عمره أقلَّ من ثلاثين سَنة، وهذا ليس بمستغرَب، فقد عُرِف وهو صغير، واشتهر أمره، وتناقلت الأخبار في البلدان منذ نعومة أظفاره بإلْقائه الدروسَ، وإفحامه لخصومه، كما اشتهر وهو دون العشرين وجلَس مجلس التفسير وهو في نفس سِنِّ قتاله مع النصارى، فلا بدَّ وأنه قد شارَك معهم، وعُرِف أمره، واشتهر في تلك المعركة لَمَّا نادى منادي الجهاد، فاستعدَّ المسلمون للقِتال "ونُودِي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكة... وخرجت العامَّة والمتطوِّعة يجرون في العجل حتى الفقهاء والمدرِّسين والصلحاء... وخرج الناس من كل صوب"[84].

ومِن جهاده ضدَّهم أنه "لمَّا ظهر السلطان غازان على دمشق المحروسة، جاءه ملِك الكَرَج وبذَل له أموالاً كثيرةً جزيلةً؛ على أن يمكِّنَه من الفتْك بالمسلمين من أهل دمشق، ووصل الخبرُ إلى الشيخ، فقام من فوْره، وشجَّع المسلمين ورغَّبهم في الشهادة، ووعدهم بالنصر والظفر، والأمن وزوال الخوف، فانتُدب منهم رجالٌ مِن وجوههم وكبرائهم وذوي الأحلام منهم، فخرجوا معه إلى حضرةِ السلطان غازان، فلما رآهم السلطان، قال: من هؤلاء؟ فقيل: هم رؤساء دمشق، فأذن لهم، فحَضَروا بيْن يديه، فتقدَّم الشيخ - رضي الله عنه - أولاً، فلمَّا أن رآه، أوقع الله له في قلْبه هيبةً عظيمة، حتى أدناه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه أولاً في عكس رأيه عن تسليط المخذول ملِك الكَرَج على المسلمين، وضَمِن له أموالاً، وأخبره بحُرْمة دماء المسلمين، وذكَّره ووعَظه، فأجابه إلى ذلك طائعًا، وحُقِنت بسببه دماءُ المسلمين، وحُميت ذراريهم، وصِين حريمُهم"[85].

فجهاده ضد النصارى كان مباشرةً بالسيف، كما كان غيرَ مباشر عن طريق دفْع ضررهم، وإحباط محاولتهم الفاشلة في الاستيلاء على المسلمين من قِبَل التتار.

وأمَّا جهاده ضدَّ الروافض والمعتدين، فمِن ذلك في سنة 704 هـ، حيث إنَّه "لم يزل الشيخ - رحمه الله - قائمًا أتمَّ قيام على قِتال أهل جبل كِسْروان، وكتب إلى أطراف الشام في الحثِّ على قتالهم، وأنها غزاة في سبيل الله، ثم توجَّه هو بمَن معه لغزوهم بالجبل، وبصُحبته ولي الأمر نائب المملكة، وما زال مع وليِّ الأمر في حِصارهم، حتى فتح الله الجبل، وأجلى أهله"[86]، ونصَره الله عليهم، وأخْمد فِتنتهم، وألْزمهم اتِّباعَ الشريعة المطهَّرة قولاً وعملاً واعتقادًا.

مكانته ومرتبته الاجتهادية:

لقد تبوَّأ الإمامُ ابن تيمية مكانةً عِلميةً عاليةً مرموقة، وظلَّ طوالَ حياته يترقَّى، حتى صار أعلمَ أهل زمانه بالمعقول والمنقول، وكانت لـه اليدُ الطُّولَى في التصنيف، كما كان مبرزًا في علوم اللغة، وكان عَلَمًا في الجهاد والإصلاح والصلاح، شهِد بذلك كلُّ مَنْ رآه أو تعامل معه، و"لقد أجمع الذين عاصروه على قوَّة فِكْره، وسَعة علمه، وأنه بعيدُ المدى، عميقُ الفِكرة، يستوي في ذلك الأولياء والأعداء؛ فإنَّ تلك القوة الفكرية هي التي أثارتِ الأولياء لنُصرته، وأثارتِ الأعداء لعداوته"[87].

و"أما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه، فإنه في ذلك مِن الجبال التي لا تُرْتَقى ولا يُنال سنامها، فقلَّ أن ذُكِر لـه قول إلا وقد علِمه بمبتكره وذاكره، وناقله وأثره... حتى كان إذا ذَكَر آية أو حديثًا وبيَّن معانيَه وما أُريد به، أُعجِب العالِم الفطن من حُسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقَف عليه منه"[88].

ووُصِف بأنه كان غزيرَ العلم "أما غزارة علومه، فمنها: ذكْر معرفته بعلوم القرآن المجيد، واستنباطه لدقائقه، ونقْله لأقوال العلماء في تفسيره، واستشهاده بدلائله، وما أوْدَعه الله - تعالى - فيه من عجائب وفنون حِكَمِه، وغرائب نوادره، وباهر فصاحته، وظاهر ملاحته، فإنَّه فيه الغايةُ التي يُنتهى إليها، والنهاية التي يُعوَّل عليها"[89].

وقد قال أحدُ أصحابه وتلاميذه ممن يكبره سِنًّا[90]: "ولا يعرف حقَّه وقدْرَه إلا مَن عرَف دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحقه وقدْره"[91]، فمكانته العِلمية كانت في الذروة من العلماء، وكان مرجعَ الناس في العلوم العقلية والنقلية.

وأمَّا مرتبته الاجتهادية، فإنَّه قد بلَغ مرتبةً اجتهادية عالية، وهذه المنزلة هي أنَّه مِن كِبار المجتهدين المنتسبين إلى مذهب الحنابلة في الفِقه، و"إنه - بلا شكٍّ - مِن حيثُ أدواتُ الاجتهاد، والمدارك الفقهيَّة، ومن حيث عِلْمه بالسُّنة واللُّغة، ومناهج التفسير وفَهْمه للقرآن وأصول السُّنة، وإحاطته بالحديث دِرايةً وروايةً، يُوضَع في الدرجة الأولى مِن الاجتهاد، فإنْ نظرنا إلى ذلك وحْده، فسنضعه في مرتبة المجتهدين المستقلِّين، ولكن نجده قد سلَك في استنباطه مسلَكَ الإمام أحمد في الجُملة، متقيدًا بأصوله، وفوقَ ذلك أنَّ الذي انفرد به لا يُعدُّ كثيرًا؛ بل نادرًا لا يكاد ينفرد - كما نوهنا - فإنْ تقيدْنا بهذه الناحية، فإنَّا بمقتضى القواعد المقرَّرة نضعه ضمنَ المجتهدين في المذهب الحنبلي، إنَّه - بلا شك - قد استوفى في شخْصه كلَّ شروط المجتهد المطلَق من الأدوات، والعِلْم والمدارك، ولكن مِن ناحية الموضوعاتِ التي وصَل فيها إلى نتائجَ مخالفة، ومِن حيث منهاجُه، نجدها لا تخرُج به عن الإطار المذهبي"[92].

ونحْن مع الشيْخ أبي زهرة فيما قرَّره من المرتبة العِلميَّة لشيخ الإسلام وتربُّعِهِ - رحمه الله - على عرْش الاجتهاد المطلَق، إلا أنَّنا لا نُسلِّم بالقول بأنَّ اجتهاداته لا تخرج به عن الإطار المذهبي؛ لأنَّ هذا يخالف الواقع، وما قرَّره شيْخ الإسلام نفسُه وكِبار تلامذته؛ مثل: الإمام ابن قيِّم الجوزية وغيره، فقد كان - رحمه الله - مجتهدًا مطلقًا، غير متقيِّدٍ بمذهب معيَّن، ولا دائر في فلَك المذهبيَّة، وكان لا يَقبل من أقوال المذاهب إلا ما وافَقَ الدليل، ومما يدلُّ على صِحَّة ما نقول، ما خالَف فيه شيخُ الإسلام المذاهبَ الأربعةَ من المسائل، ومِن أشهر هذه المسائل بَحْثُه في جواز طواف الحائض إذا لم يُمكن لها أن تطوفَ طاهرةً، وخَشِيت فواتَ رفقتها، واعتبار طلاق الثلاث بلفظ واحِد طلقةً واحدةً ولو فُرِّقت، وأنَّ الحَلِف بالطلاق يَمينُه مكفّرة.

وهذه المرتبة العِلمية والاجتهادية إنَّما وصل إليها؛ "نظرًا لاستبحاره في السُّنة، وتفسير القرآن، وعلوم السلف"[93]، ونتيجةً لعلوِّ كعْبه في العلوم الشرعية، فإنه أصبح في آخِر عمره لا يتقيَّد بمذهب معيَّن؛ بل بما أدَّاه إليه اجتهاده، وقد وصفَه تلميذه الإمام الذهبي بقوله: "وبقِي عدَّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن؛ بل بما قام الدليلُ عليه عنده"[94]، ويرجع هذا لرِفْعة شأنه، وعلوِّ كعْبه، وتبحُّره في العلوم الشرعية والعقلية، حيث تأتي إليه الفتاوى فيُفتي بما أدَّاه إليه اجتهادُه وإدراكه، مع إحاطته بعلوم السَّلف، ولربَّما خرَج من نتائج فتاواه لموافقةِ إمام من الأئمَّة المتبوعين، أو وافَق عالِمًا من سلف هذه الأمَّة من غير تقليد، وإنَّ القارئ لفِقه ابن تيمية في كلِّ أبوابه يلمَح فيه عقليةَ الفقيه المجتهد، الذي تحرَّر من القيود المذهبية في دِراسته، ولا يلمح فيه المقلِّدَ التابع من غيْر بيِّنة وبُرْهان، هذا بالنسبة للفِقه، أمَّا في الاعتقاد، فهو على مذهَب السَّلف الصالِح؛ مذهب أهل السنة والجماعة.

أقوال العلماء فيه:

لَقَدْ أثْنى كِبارُ علماء عصْر الإمام ابن تيمية عليه، وأكثروا من ذلك؛ لِمَا لمسوه من جَمْعه بيْن القول والعمل، وبيْن الإمامة في الدِّين والزهد في الدنيا بزَخارِفها، وبما رأَوْا منه من موافقة للسلف الصالح، وإحيائه لهَدْيهم، وحمْله رايةَ الجهاد في سبيل الله.

ولو أردْنا استقصاءَ كلِّ مَن أثْنى عليه مِن علماء عصْره، ومَن أتى بعده، لَمَا استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ نظرًا لكثرة مَن أثنى عليه من علماء عصره، أو مَن أتى بعدهم، أمَّا ما يتعلَّق بعلماء عصره، فإنَّنا "نستطيع أن نقول: إنَّ كل علماء عصْره عَلِموا قدْرَ علمه، حتى مَن ناوأه وحاول إيذاءه؛ لأنَّه قد ضاق صدرُه حرجًا بمخالفته، وما يأتي به من جديد، وإنْ لم يستمدَّ من القديم قوته، فلم يوافق عليه"[95]، ولنقتبس بعضًا مِن تلك المشكاة، والتي تكوَّنت من العلماء الذين أثْنَوْا عليه، فمن هؤلاء:

• الإمام ابن دقيق العِيد: "لَمَّا اجتمعتُ بابن تيمية رأيتُ رجلاً كلُّ العلوم بيْن عينيه، يأخذ ما يريد ويدَع ما يريد، وقلت له: ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله بقِي يخلُق مثلَك! "[96].

• ومنهم الإمام الذهبي: "كان آيةً من الذكاء وسُرْعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسُّنة والاختلاف، بحرًا في النقليَّات، هو في زمانه فريدُ عصْره علمًا وزهدًا، وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرةَ تصانيف"[97]، وقال أيضًا: "وهو أكبرُ مِن أن يُنبِّهَ على سِيرته مثلي، فلو حُلِّفتُ بين الركن والمقام، لحلفتُ أني ما رأيت بعَيني مثلَه، وأنه ما رَأَى مثلَ نفسه في العِلم"[98].

• وقال الإمام عَلم الدِّين البِرْزَالي: "كان إمامًا لا يُلحق غبارُه في كل شيء، وبلغ رُتبةَ الاجتهاد، واجتمعت فيه شروطُ المجتهدين"[99].

• وقال الإمام ابن الزَّمْلَكاني: "اجتمعتْ فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وإنَّ له اليدَ الطُّولى في حسن التصنيف، وجَوْدة العبارة، والترتيب والتقسيم، والتديُّن، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات:

"مَاذَا يَقُولُ الْوَاصِفُونَ لَهُ وَصِفَاتُهُ جَلَّتْ عَنِ الْحَصْرِ

هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ قَاهِرَةٌ هُوَ بَيْنَنَا أُعْجُوبَةُ الدَّهْرِ

هُوَ آيَةٌ فِي الْخَلْقِ ظَاهِرَةٌ أَنْوَارُهَا أَرْبَتْ عَلَى الْفَجْرِ" [100]

• وقال الإمام ابن سيِّد الناس: "ألفيتُه ممَّن أدْرك من العلوم حظًّا، وكان يستوعب السُّنن والآثار حِفظًا، إن تكلَّم في التفسير فهو حامِل رايته، وإنْ أفْتى في الفِقه فهو مدرك غايته، أو ذاكَر بالحديث فهو صاحِب عِلْمه، وذو روايته، أو حاضَر بالنِّحل والمِلل لم يُرَ أوسعُ من نِحلته، ولا أرْفعُ من درايته، برَّز في كلِّ فن على أبناء جِنسه، ولم ترَ عينُ مَن رآه مثلَه، ولا رأتْ عينه مثلَ نفسه"[101].

• وقال الإمام المِزيُّ: "ما رأيتُ مثلَه، ولا رأى مثلَ نفسه، وما رأيت أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا أتبع لهما منه"[102].

• وقال الإمام ابن الحريري[103]: "إنْ لم يكن ابن تيمية شيخَ الإسلام، فمَن هو؟! "[104].

• وقال أبو حيَّان التوحيدي: "ما رأتْ عيناي مثله، ثم مدحه أبو حيان على البديهة لَمَّا اجتمع به في المجلس"، فقال:

لمََّا أَتَيْنَا تَقِيَّ الدِّينِ لاَحَ لَنَا *** دَاعٍ إِلَى اللَّهِ فَرْدٌ مَا لَهُ وَزَرُ

عَلَى مُحَيَّاهُ مِنْ سِيمَا الأُولَى صَحِبُوا *** خَيْرَ الْبَرِيَّةِ نُورٌ دُونَهُ الْقَمَرُ

حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبَرًا *** بَحْرٌ تَقَاذَفَ مِنْ أَمْوَاجِهِ الدُّرَرُ

قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِرْعَتِنَا *** مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ

فَأَظْهَرَ الْحَقَّ إِذْ آثَارُهُ دَرَسَتْ *** وَأَخْمَدَ الشَّرَّ إِذْ طَارَتْ لَهُ الشَّرَرُ

كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ حَبْرٍ يَجِيءُ فَهَا *** أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي قَدْ كَانَ يُنْتَظَرُ

• وقال الإمام ابن الوردي:

إِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ فِي كُلِّ العُلُومِ أَوْحَدُ

أَحْيَيْتَ دِينَ أَحْمَدٍ وَشَرْعَهُ يَا أَحْمَدُ [105].

فهذه بعضُ النقول عن تِلْك الأعلام من كِبار علماء عصْره، والذين شاهدوه وعاصروه، وقالوا ما قالوه فيه بعدَ الاجتماع به، وأمَّا أقوال المتأخِّرين، فكثيرةٌ جدًّا، وإنما ينقُلون عن هؤلاء الأئمَّة الأعلام، وبعضهم يقول فيه مِن خلال مؤلفاته وتراجمه، ومِن هؤلاء المتأخِّرين عنه الإمام ابن رجب الحنبلي[106]: "الإمام الفقيهُ، المجتهد المحدِّث، الحافِظ المفسِّر الأصولي، الزاهد، شيخ الإسلام، وعَلَم الأعلام، وشهرته تُغْني عن الإطناب في ذِكْره، والإسهاب في أمره"[107].

والإمام ابن حجر العسقلاني[108] بقوله: "قرَأ بنفسه ونَسَخ سُنن أبي داود، وحصَّل الأجزاء، ونظر في الرجال والعِلل، وتفقَّه وتمهَّر، وتميَّز وتقدَّم، وصنَّف ودرَّس وأفْتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سُرعة الاستحضار، وقوَّة الجَنان، والتوسُّع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السَّلَف والخَلَف"[109].

والإمام السيوطي بقوله: "شيخ الإسلام، أحَدُ المجتهدين"[110].

والإمام الشوكاني[111] بقوله: "شيْخ الإسلام، إمام الأئمَّة، المجتهد المطلق"[112].

والشَّيْخ محمَّد أبو زهرة[113] بقوله: "الإمام الجَريء، العالِم الكاتِب، الخطيب المجاهِد"[114]، كـما وصفَه بـأنَّه مـجتهدٌ منتسِب لمـذهب الحنابلة[115].

كما وصَفه الإمام مـرْعي الكرمي[116]، بقوله: "شيْخ الإسلام، وبحْر العلوم، ومفْتي الفِرق، المجتهد تقي الدِّين، ابن تيمية"[117]. وغيرهم الكثير والكثير، ممَّن ترْجَموا لهذا الإمام، فمنهم مَن ترجَمه في كتاب مِن كتبه، ومنهم في أكثر مِن ذلك، كما أنَّ مَن يترجمون لحياة هذا الإمام إمَّا تكون ترجمةً لجانب معين: علمي أو فقهي أو تربوي، أو عقدي أو إصلاحي، وإما ترْجمة عامَّة لحياته، مما يدلُّ على علوِّ كعْبه، ورِفْعة شأنه بيْن العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين.

دَوْره الإصلاحي والجهادي وسبب محنته:

دَوْره الإصلاحي: هناك ثمَّة فرْق بيْن المصلحين والصالحين: فالمصلِحون يبنون الأجيال والجماعات والأمم، بينما الصالِحون لا يَبنون إلا أنفسَهم، وشأن المصلِحين عظيم؛ إذ إنَّه يرتبط، بمصير أمَّته، وإنَّ إمامًا كالإمام ابن تيمية كان مِن كِبار المصلحين؛ لأنَّه ما تخلَّى عن أمَّته وعكَف على كتبه ودرسه، بل شارك أمَّتَه همومَها وأفراحها، وتمثَّل إصلاحه في أمور خارجية لها ارتباطٌ بالأمم الأخرى.

فمِن الأمور الداخلية يبرز دورُه الإصلاحي في نشْر العلم، وتعظيم الكتاب والسُّنة، وتوقير أئمَّة السلف الصالح، وذلك بالتطبيق العملي للاقتداء والاتباع ونَبْذ التقليد، ومِن ذلك أيضًا فتْح باب الاجتهاد، ومِن الأمور الداخلية أيضًا القضاءُ على بعض البِدع، والتي قد تسرَّبت إلى الأمَّة الإسلامية، وكذلك حثُّه للسلطان على قِتال الطوائف الممتنِعة عن تطبيق الشريعة، وإفتاؤه بأنَّ قتالهم هو من جِنس قِتال الخوارج الذين قاتلَهم عليٌّ - رضي الله عنه - ومِن جنس الذين قاتلَهم أبو بكرٍ الذين امتنعوا مِن إعطاء الزكاة، ومن تلك الطوائف مَن يكونون ذوي شوكة، فيحاربون من قِبَل السلطان، ومنهم غير ذلك، فيجادلون بالحُجَّة ويقارعون، حتى يرجعوا إلى أحكام الشريعة المطهَّرة.

ومِن الأمور التي كان له دورٌ في إظهارها: أمرُه بالمعروف ونهيه عن المنكر، بدءًا مِن السلطان والأمراء، بحثِّهم على تطبيق الشَّرْع، وإقامة حكم الله - سبحانه وتعالى - ومرورًا بالعلماء والقضاة، ودَوْره في اختيار بعضهم إذا طلَب منه الأمير ذلك، وانتهاءً بالعامَّة وتعليمهم، سواء في المسجد، أو في السُّوق، أو في الحياة العامَّة، حتى في الحَبْس والسِّجن، ودعوتهم لفِعْل الخيرات وترْك المنكرات.

ومِن الأمور الخارجية، والتي هي متعلِّقة بالأُمم الأخرى: دحْضُ افتراءات المعتدين، وتفنيد شبهاتهم، وردُّه عليهم تارةً، ودعوتهم إلى الإسلام تارةً أخرى، وأيضًا كان لـه دَوْر في محاربة البِدع الوافدة على المسلِمين من أمور التشبُّه والأعياد، أموأمأ وتقديس المخلوقات كما في كتابه: "اقتضاء الصِّراط المستقيم"، ومنها أيضًا الردُّ على من يَسُبُّ النبيَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كما في كتابه: "الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -".

وقد بارَك الله لهذا الإمام في مَسْعاه، فما قُبِضت رُوحُه إلا وقد طبقتْ شهرته الأرض شرقًا وغربًا، وكان لكلامه وأحواله وتآليفه أبلغُ الأثر في إحياء الأُمم، ونهضة الشعوب، وإيقاظ الهمم، حتى إنَّه قد اعتنق آراءَه الإصلاحية كثيرٌ من العلماء بعدَه، واستنار المجدِّدون بهداه لِمَا التزم به من التقيُّد بالكتاب والسُّنة على فَهْم علماء هذه الأمَّة من السلف السابقين، وممَّن اتبعهم بإحسان، كما قامتْ حركات إصلاحية في شتَّى بقاع الأرْض، وأقامت مبادئها على تلك الأصول والقواعد التي أسَّسها ذلك الإمامُ العملاق.

أمَّا جهاده، فهو غُرَّة في تاريخ ذلك الإمام، حتى إنَّه ليكادُ أن تكون حياته كلُّها جهادًا، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، وقد مرَّتِ المواقِف الجهاديَّة والقتالية، وسبقت الإشارةُ إلى شجاعته وجُرأته مع التتار، أو مع النصارى، أو حتى مع الفِرَق المبتدعة الضالَّة ذات الشوكة الخارجة عن السلطان، وكذلك مِن جِهاده بالكلمة أمامَ الحكَّام؛ لإلزامهم بتطبيق الأحكام الشرعية.

أما مِحَنه، وهي التي كانت ملازمةً له في حياته، و"لسنا نقصد بمِحْنة الشيخ إهانتَه، فقد عاش - رحمه الله - معزَّزًا مكرمًا، حتى في محْبَسه، فحيثما حلَّ كان الإجلالُ والاحترام؛ وإنما نقصد بالمِحْنة: الحبس وتقييد حُريَّته في الخروج والدعوة"[118]؛ إذ العالِم أشد شيءٍ على نفسه حبسه عن تبليغ شرْع الله، وعدم تعليمه الناس، والمسلِم يبتليه الله - سبحانه وتعالى - بابتلاءات، وهي "محنٌ من الله - تعالى - يبتليه بها، ففرْضُه فيها الصبر والتسلِّي"[119].

وهي في ظاهرِها مِحن، ولكنَّها مِنَح وعطايا في صورة بلايا، وإنَّما ابتُلي هذا الإمام بتلك المحن على مرِّ سِنِي عمره؛ نظرًا لأنَّه قد "بلغتْ مكانته الذروةَ، فقد علا على المنافسة، وصار اسمُه في كلِّ مكان، وكان ذا عزيمة من حديد، ولسان ذرب قوي، وإرادة عاملة، وقد كان ذلك لمصلحةِ الإسلام والمسلمين، وقد أثارتْ منزلته حِقدَ مَن لم يبلغ شأوَه من هذه الصفات، ولم يصلْ إلى مرتبته منها"[120].

فصدْعُه بالحق مع إخلاصه، جعلاه كالشامة بيْن علماء عصره، والذين قبعوا على التقليد الأعْمى، أو التعصُّب المقيت، أو الهوى؛ طمعًا في منصب لا يدوم، "وهكذا نجد ابنَ تيمية المصلح والمربِّي، يدخل في معركة متعدِّدةِ الجبهات، ويحارب على مختلف الواجهات؛ دفاعًا عن مصدرية القرآن والسُّنة، ودحضًا لكلِّ وساطة مهما كان شكلُها وصاحبها، مما ألَّب عليه خُصومَه من المذاهب والطرق، وسلطان زمانه الذي أدْخله سجنَه، حتى مات فيه - رحمه الله - لكنَّه ترَك لنا تراثًا ضخمًا، يؤصِّل فيه للمنهج التوحيدي في مجال التديُّن وتربية الناس عليه، شكَّل مادةً مرجعية هامَّة للحركات الإصلاحية التي جاءتْ بعد"[121].

وعلى كلٍّ، فمِحن هذا الإمام جعلَها الله - سبحانه - مِنحًا عليه وعلى مَن حلَّ ومكث عندَهم، فلما "سار إلى مصرَ، وكان ذلك سنة 705هـ، وحيثما حلَّ كان نورًا وهداية، فعندما مرَّ بغزة عقَد في جامعها مجلسًا كبيرًا، وألْقى درسًا من دروسه الحَكيمة... وكذلك في سنة 707هـ قام بالتدريس في مصر، حتى نفَعَ الله به خَلْقًا كبيرًا، ورَأَوْا فيه رجلاً خالصًا في قلْبه وعقْله لله ربِّ العالمين"[122].

ولكن كان ما كان مِن أصحاب الحَسَد الدفين في قلوب المرْضى من هؤلاء، إنَّما كان لجهره بكلمة الحقِّ وخضوعهم، ولأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وتركهم، ولمحبَّة الناس لـه، بل إنَّ منهم مَن وشى ضدَّه عند ذوي السلطان؛ لأنَّه خالفهم في آرائهم؛ كغُلاة المتصوِّفة والمبتدعة، وجهلة المقلدة، وأصحاب المناصِب والخائفين على أماكنهم، والذين قد باعوا دِينَهم بدنيا غيرهم.

وكذلك حياةُ الإمام منظومة مِن المِحن تتابعتْ عليه، حيث إنَّه سُجِن سبع مرَّات[123]: أربع مرات بمصر، بالقاهرة والإسكندرية، وثلاث مرَّات بدمشق، وكانت بداية السجن له حينما بلَغ الثانية والثلاثين من عمره، وبعد عودته من الحج، حيث بدأ تعرُّضه لأخبئةِ السجون، وبلايا الاعتقال والترسيم عليه؛ "أي: الإقامة الجبرية" خلالَ أربعة وثلاثين عامًا، ابتداءً من عام 693هـ إلى يوم وفاته في سجن القلعة بدمشق، يومَ الاثنين 20 ذي القعدة سنة 728هـ، ولسجناته أسباب متعدِّدة:

أما السجنة الأولى، فكانتْ بدمشق عام 693 هـ لمدة قليلة.

وأمَّا السجنة الثانية، فكانتْ بمصر بسبب مسائلَ في الصِّفات؛ كمسألة العرْش والنزول، وكانتْ لمدة سَنَة وسِتَّة شهور مِن رمضان 705هـ - شوال ربيع الأول 707 هـ.

وأما السجنة الثالثة، فكانتْ بمصر بسبب مسألة منْعِه الاستغاثةَ والتوسل بالمخلوقين، وكلامه في ابن عربي الصوفي، وكانت هذه المدة يسيرة، ابتداءً من أول شوال 707 هـ - 18 شوال 707 هـ.

وأمَّا السجنة الرابعة، وكانتْ بمصر، وهي امتدادٌ للثالثة لمدَّة تزيد على شهرين من آخر شوال 707 هـ - أول سنة 708 هـ.

وأما السجنة الخامسة، فكانت بمصر، وهي امتدادٌ للرابعة، حيث وقَع الترسيم عليه بالإسكندرية لمدة سبعة شهور وأيام، من غرة ربيع الأول 709 - شوال 709هـ، وكان ذلك بإيعازٍ من بعض المغرِضين.

وأما السجنة السادسة، فكانتْ بدمشق بسبب مسألة الحَلِف بالطلاق، وأنه من الأَيْمان المُكفَّرة، وكانتْ لمدة خمسة شهور وثمانية وعشرين يومًا من 12 رجب 720 هـ - إلى 10 محرم 721 هـ.

وأما السجنة السابعة والأخيرة، فكانت بدمشق بسببِ مسألة الزِّيارة السُّنية والبدعية للمقابر، ودامت لعامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، ابتداءً من يوم الاثنين 6 شعبان 726 هـ - إلى ليلةِ وفاته ليلة الاثنين 20 ذي القعدة 728 هـ[124].

وجعَل الله - سبحانه وتعالى - له وللأمَّة خيرًا كثيرًا، ولقد هدَى الله - عز وجل - على يديه في السجن خَلْقًا كثيرًا، كما انتشر علمُه من مصر إلى شمال إفريقيا والأندلس، والأمر كما قال الله - عز وجل -: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً) [النساء: 19]، وقال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

عزوفه عن الزواج وسببه:

لقد حثَّ الإسلام على الزواج، ورغَّب فيه، وحضَّ عليه؛ ذلك أنَّ الإسلام دِين الفطرة، كما قال - سبحانه -: ?فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا? [الروم: 30]، فهو يدعو إلى الفِطْرة، ويحافظ عليها، وأكَّد عليها، وسدَّ كلَّ باب وكلَّ منفذ يخدِش جانبًا من جوانبها، واستمرارًا لهذه الفِطرة؛ حثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الزواج، ودعَا إليه الشباب بقوله: ((يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفَرْج))[125]؛ لأنه "أمر مركوزٌ في الطبيعة الإنسانية، يسعى الإنسان إليه بدافع الفِطرة، وهو شطر هام كبير مِن الحاجة الأصلية في هذه الحياة، محقِّق لاكتمال الذات، وإنشاء الذرية، وبقاء النسل والنوع الإنساني، وعمارة الكون... ولما له أيضًا من آثار طيِّبة على سلوك الإنسان في طُهْره وعفافه، وكمال دِينه، واستقرار نفسه، وسلامة خواطره... فلذا كان الزواج - إلى جانبِ أنه متعةٌ مشروعة - أمرًا أساسيًّا، وحاجة أصلية مِن حاجات الإنسان في الحياة، يصعُب عليه التخلِّي عنها إلاَّ لشوق غلاَّب محرق، أو لتعلُّق شديد بعزيز غالٍ على النفس جدًّا، يفوق تعلُّقَها بالزواج ويزيد عليه؛ تملُّكًا للقلب، واستيلاءً على الخاطر: مثل طلب العلم في بعض العلماء، والقيام بالجهاد عند بعض المجاهدين، وتحصيل عليا الرغائب لدَى ذوي النفوس الطماحة الشماء"[126].

فهذه الأمور قد اجتمعتْ في الإمام ابن تيمية، مضافًا إليها دورُه الدعوي والإصلاحي، وتربية النشء، ودَوْره الجهادي، وتعرُّضه للحبس والترسيم، وتنقُّله من مكان لآخر، واغترابه عن الوطن والأهل، مجاهدًا وداعيًا ومعتقلاً، ومدافعًا عن المسلمين وديارهم، وهذه الأمور الآنِفة الذِّكْر أو بعضها، جعلتِ الإمامَ ابن تيمية وغيرَه من كبار العلماء مِن صالحي هذه الأمة يعزفون عن الزواج، لا رغبةً عنه ورهبنة؛ بل تعتبر مثل "حالهم هذه - والله أعلم - أنها مسلكٌ شخصي فردي، اختاروه لأنفسهم مايزوا فيه ببصيرتهم الخاصَّة بيْن خير الزواج وخير العلم الذي يقومون به، فرجح لديهم خيرُ العلم على خير الزواج لهم، فقدَّموا مطلوبًا على مطلوب، ولم يَدْعُوا أحدًا من الناس إلى الاقتداءِ بهم في هذا المسلَك، ولا قالوا للناس: التبتُّل للعلم أفضلُ من الزواج، ولا ما نحن عليه أفضلُ مما أنتم عليه"[127]، بل إنهم ترَكوا الزواج وهم عالِمون بأحكامه، وبما دلَّت عليه الشريعة، ولهم من العِلم ما يرْقَى بهم ويسمو عن أن يفعلوا شيئًا جاهلين بأحكامه، وكيف يكون هذا؟! ولهم في مصنَّفاتهم كلامٌ رصين، متينٌ موزون، أبانوا فيه أحكامَه الشرعية؛ بل وتكلَّموا على سائر الموضوعات التي لها علاقةٌ بالزواج، سواء من قريب أو من بعيد، بمعرفةٍ فاحصة، وعِلم غزير، وفَهْم ثاقب مستنير، والإمام ابن تيمية له مصنَّف كامل كله فتاوٍ عن النِّكاح، صفحاته 362 صفحة[128].

كما أنَّ لـه كلامًا كثيرًا متناثرًا في فتاواه في الأمور المتعلِّقة بالزواج؛ من خِطبة وعِشرة، وطلاق وخُلع و... في مواضع متعدِّدة، تدل على رسوخ قدمِه في العلم، ومدى تبحُّره في العلم، وأنه إنما ترَكَه اختيارًا منه، وإيثارًا للعلم والجهاد، والدعوة والتربية والإصلاح، ومَن راجع فتاواه[129] وجَد علمًا غزيرًا، واطلاعًا على سائر المذاهب الفقهية، مع ذِكْر الأدلة والاحتجاج بها بما يَزيدها بهاءً، ومما يدلُّ على ذلك قوله: "الامتناع من فِعْل المباحات مطلقًا، كالذي يمتنع من أكْل اللحم... ويمتنع من نِكاح النساء، ويظن أنَّ هذا من الزهد، فهذا جاهلٌ ضالٌّ من جنس زهَّاد النصارى، قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُون) [المائدة: 87 - 88]، نزلتْ هذه الآية بسبب أنَّ جماعةً من الصحابة كانوا قد عزَموا على ترْك أكْل الطيِّبات كاللحم ونحوه، وترْك النكاح، وفي الصحيحين[130]: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما بال رجالٌ يقول أحدُهم: أمَّا أنا فأصوم ولا أُفطر، ويقول الآخر: أمَّا أنا فأقوم ولا أنام، ويقول الآخَر: أما أنا فلا آكُل اللحم، لكني أصوم وأُفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساء، وآكُل اللحم، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني))... ومن حرَّم الطيبات التي أحلَّها اللهُ من الطعام واللِّباس والنِّكاح، وغير ذلك، واعتقد أنَّ ترْك ذلك مطلقًا هو أفضلُ من فِعله لمَن يستعين به على طاعة الله، كان معتديًا معاقبًا على تحريمه ما أحلَّ الله ورسولُه، وعلى تعبُّده لله - تعالى - بالرهبانية، ورغبته عن سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فرَّط فيه من الواجبات، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"[131].

وقد قرَّر العلماء أنَّ مجرَّدَ الترْك لا يستلزم التحريم، يقول الإمام الشاطبي: "والتارِك لأمر لا يلزم أن يكون محرِّمًا له، فكم من رجل ترَك الطعام الفلاني أو النِّكاح؛ لأنَّه في [ذلك] الوقت لا يشتهيه، أو لغير ذلك من الأعذار، حتى إذا زال عذرُه تناول منه"[132]، ثم ساق أدلة على ذلك، ووضَّح أن الترْك ليس للتحريم، بل لشيءٍ آخرَ، مثل: "أن يكون مجرَّدَ ترْك لا لغرض؛ بل لأنَّ النفس تكرهه بطبعها، أو لا تكرهه حتى تستعمله، أو لا تجد ثمنَه، أو تشتغل بما هو آكَد وما أشبهَ ذلك"[133].

وأمرُ المفاضلة بيْن التخلِّي للعبادة أم النكاح، إنما هو في المقام الأول يرجِع إلى نفْس الشخص، ومما لا شكَّ فيه أنَّ للزواج والأهل والأولاد تبعاتٍ وشغلاً عن غيرهم، ولو أُضيف إلى ذلك علمٌ وجهاد، ودعوةٌ وإصلاح، وتربية للمستفيدين، ورعاية لهم، وحبس واعتقال وترسيم، وإبعاد عن الوطن والأهل والأصحاب، ممَّا يجعل هذا الأمر يتردَّد من شخص لآخرَ، وجوبًا أو استحبابًا، وكذلك هل فعْلُه أفضل أو تركه؟

كما قال الإمام النووي: "أمَّا الأفضل من النِّكاح وترْكه، فقال أصحابنا [أي: الشافعية]: الناس فيه أربعة أقسام: قسم تتوقُ إليه نفسُه ويجد المؤنَ، فيستحبُّ له النكاح، وقسم لا تتوق ولا يجد المؤن، فيكره له، وقسم تتوق ولا يجد المؤن، فيكره لـه، وهذا مأمور بالصوم لدفْع التوقان، وقسم يجد المؤن ولا تتوق، فمذهب الشافعي وجمهور أصحابنا أنَّ ترْك النكاح لهذا والتخلِّي للعبادة أفضلُ، ولا يُقال: النكاح مكروه، بل ترْكه أفضل، ومذهب أبي حنيفة وبعضِ أصحاب الشافعي وبعضِ أصحاب مالك: أنَّ النكاح لـه أفضل... [وقال: ] وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فمَن رغِب عن سُنَّتي، فليس مني)) فمعناه: مَن رغِب عنها؛ إعراضًا عنها غيرَ معتقدٍ لها على ما هي عليه، والله وأعلم"[134].

وعلى هذا؛ "فالحُكم على شخص واحد بأنَّ الأفضل له النِّكاح أو العزوبة مطلقًا، قصورٌ عن الإحاطة بمجامِع هذه الأمور [يعني: آفات النِّكاح أو فوائده]، بل تُتَّخذ هذه الفوائد والآفات معتبرًا [أي: مقياسًا] ومحكًّا، ويُعرَض المرء على نفسه: فإنِ انتفت في حقِّه الآفات، واجتمعت الفوائدُ، بأن كان له مالٌ حلال، وخُلُق حَسن، وجِدٌّ في الدِّين تام، لا يشغله النِّكاح عن الله - تعالى - وهو مع ذلك شابٌّ محتاج إلى تسكين الشهوة، ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزِل، والتحصُّن بالعشيرة، فلا يُمارَى أنَّ النكاح أفضل له، مع ما فيه من السعي في تحصيل الولد، فإنِ انتفت الفوائد، واجتمعت الآفات، فالعزوبة أفضل له"[135].

وممَّا تقدَّم يتضح أنَّ الإمام ابن تيمية ما ترَك النكاح رغبةً عنه ورهبنة، ومصادمة للفِطرة، أو تحريمًا له؛ بل عزوفُه اختيارٌ منه؛ لأنَّه آثَرَ غيرَه عليه من عِلم وجهاد، ودعوة وإصلاح، وتربية للمستفيدين على اختلاف منازلهم وعلومهم ورعايتهم، يُضافُ إلى ذلك ما ابتُلي به مِن حبس واعتقال واغتراب؛ لذا ما كان عزوفُه رغبةً عنه؛ لأنَّه يعرف قدرَه ومنزلته في الشريعة، وهو مِن أساطين العلماء الداعين إلى نشْرها وتطبيقها، وكانتْ حياته كلُّها مسخَّرةً لنصرتها، والذبِّ عنها، وإبراز مقاصدها، ووجوب الاعتصام بها.

وفاته ورثاؤه:

وفاته[136]: تُوفِّي الإمام ابن تيمية في ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة سنة 728هـ، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا بها، وحضَر جمعٌ كثيرٌ إلى القلعة، وأُذِن لهم في الدخول عليه، ثم انصرفوا، واقتصر الجلوسُ على مَن يُغسِّله، أو يساعد على تغسيله، وكانوا جماعةً من أكابر الصالحين، وأهل العلم كالمِزِّيِّ وغيره، وما فُرغ من تغسيله حتى امتلأتِ القلعة وما حولها، واجتمع الخَلْق بالقلعة والطريق إلى الجامِع، ولمَّا سَمِع الناس بموته لم يبقَ في دمشق مَن يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك، وضجَّ الناس بالبكاء والثناء والترحم، وأُخرج الشيخ إلى جامع بني أُميَّة؛ ظنًّا أنه يسع الناس، فصُلِّي عليه في الجامع، وبقي كثير من الناس خارجَ الجامع، ثم حُمل على أيدي الكبراء والأشراف، ومَن حصل له ذلك مِن جميع الناس، ووضع بأرْضٍ فسيحة متسعة الأطراف، وصلَّى عليه الناس، وأخرج النعش، واشتد الزحام، وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب، والترحم عليه والثناء والدعاء له، وصار النعش على الرؤوس، تارةً يتقدم، وتارةً يتأخر، وتارة يقف حتى يمرَّ الناس، وصرخ صارِخ: هكذا تكون جنائز أئمَّة السُّنة، فبكى الناس بكاءً كثيرًا، ووضعت الجنازة فدُفِن في مقبرة الصوفية، وكان دفنه قبلَ العصر بيسير، وحُرز مَن حضر من النساء بـ(15) ألفًا، والرِّجال ما بين (60 - 200) ألف، ولم يُرَ لجنازة أحدٍ ما رُؤي لجنازته مِن الوقار والهَيْبة، والعظمة والجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إيَّاها، وتفخيمهم أمْر صاحبها، وثنائهم عليه، إلاَّ ما كان للإمام أحمد بن حنبل؛ لِمَا كان عليه من العِلم والعمل، والزهادة والعبادة، والإعراض عن الدنيا، والاشتغال بالآخرة، وكانت وفاته قد ابتدأتْ بمرَضٍ يسير.

ولقد فاضتْ رُوح هذا الإمام إلى بارئها، وهو على حاله مجاهدًا في ذات الله - تعالى - صابرًا محتسبًا، لم يجبن ولم يهلَعْ، ولم يضعف ولم يتتعتع؛ بل كان إلى حين وفاته مشتغلاً بالله عن جميع ما سواه، وإنَّ مِن حُسْن الختام لهذا الإمام أن يموتَ بعد انتهائه من قراءة قوله - تعالى -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 54 - 55][137].

وأما رثاؤه، فموتُ الإمام ابن تيمية جعَل كثيرًا من الفضلاء والعلماء يَرْثُونهُ بقصائدَ متعدِّدة، وإنَّما قيلت هذه القصائد في حقِّ الشيخ من قِبل قائليها؛ "لِمَا وجب للشيخ - رضي الله عنه - عليهم من الحقِّ في إرْشادهم إلى الحقِّ والمنهج المستقيم، بالأدلة الواضحة الجلية، النقلية والعقلية، خصوصًا في أصول الدين"[138]، ولقد قال الإمام ابنُ فضْل الله العمري[139]: "رثاه جماعاتٌ من الناس بالشام ومصر، والعراق والحجاز، والعرب من آل فضل"[140] بِمَراثٍ كثيرة، نثرًا ونظمًا، وقد قال الإمامُ ابن حجر العسقلاني: "ورَثَاه شهابُ الدين بن فضل الله بقصيدة رائية مليحة... ورثاه زَينُ الدين ابن الوردي بقصيدة لطيفة طائية"[141].

أما قصيدة الإمام ابن فضْل الله العمري، فمنها[142]:

أَهَكَذَا فِي الدَّيَاجِي يُحْجَبُ الْقَمَرُ *** وَيُحْبَسُ النَّوْءُ حَتَّى يَذْهَبَ الْمَطَرُ

طَرِيقُهُ كَانَ يَمْشِي قَبْلَ مِشْيَتِهِ *** بِهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوْ عُمَرُ

مِثْلُ الأَئِمَّةِ قَدْ أَحْيَا زَمَانَهُمُ *** كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ وَهْوَ مُنْتَظِرُ

مِثْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةٍ فِي السِّجْنِ مُعْتَقَلٌ *** وَالسِّجْنُ كَالْغِمْدِ وَهْوَ الصَّارِمُ الذَّكَرُ

فِي يُوسُفٍ فِي دُخُولِ السِّجْنِ مَنْقَبَةٌ *** لِمَنْ يُكَابِدُ مَا يَلْقَى وَيَصْطَبِرُ

يَا لَيْتَ شِعْرِيَ هَلْ فِي الْحَاسِدِينَ لَهُ *** نَظِيرُهُ فِي جَمِيعِ الْقَوْمِ إِنْ ذُكِرُوا؟!

هَلْ فِيهِمُ صَادِعٌ لِلْحَقِّ مَقْوَلَةٌ *** أَوْ خَائِضٌ لِلْوَغَى وَالْحَرْبُ تَسْتَعِرُ

قَدَّمْتَ لِلَّهِ مَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ *** وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ ذَمُّوكَ أَوْ شَكَرُوا

وَكَيْفَ تَحْذَرُ مِنْ شَيْءٍ تَزِلُّ بِهِ *** أَنْتَ التَّقِيُّ فَمَاذَا الْخَوْفُ وَالْحَذَرُ؟

وأما قصيدة الإمام ابن الوردي، فمنها[143]:

قُلُوبُ النَّاسِ قَاسِيَةٌ سِلاَطُ *** وَلَيْسَ لَهَا إِلَى الْعُلَيَا نَشَاطُ

أَيَنْشَطُ قَطُّ بَعْدَ وَفَاةِ حَبْرٍ *** لَنَا مِنْ نَثْرِ جَوْهَرِهِ الْتِقَاطُ

تَقِيُّ الدِّينِ ذُو وَرَعٍ وَعِلْمٍ *** خُرُوقُ الْمُعْضِلاَتِ بِهِ تُخَاطُ

تُوُفِّيَ وَهْوَ مَحْبُوسٌ فَرِيدٌ *** وَلَيْسَ لَهُ إِلَى الدُّنْيَا انْبِسَاطُ

وَحَبْسُ الدُّرِّ فِي الْأَصْدَافِ فَخْرٌ *** وَعِنْدَ الشَّيْخِ بِالسِّجْنِ اغْتِبَاطُ

فَيَا لَلَّهِ مَا قَدْ ضَمَّ لَحْدٌ *** وَيَا لَلَّهِ مَا غَطَّى الْبَلاَطُ

هُمُ حَسَدُوهُ لَمَّا لَمْ يَنَالُوا *** مَنَاقِبَهُ فَقَدْ مَكَرُوا وَشَاطُوا

وَلَكِنْ يَا نَدَامَةَ حَابِسِيهِ *** فَشَكُّ الشِّرْكِ كَانَ بِهِ يُمَاطُ

أَلَمْ يَكُ فِيكُمُ رَجَلٌ رَشِيدٌ *** يَرَى سِجْنَ الإِمَامِ فَيُسْتَشَاطُ

سَيَظْهَرُ قَصْدُكُمْ يَا حَابِسِيهِ *** وَنِيَّتُكُمْ إِذَا نُصِبَ الصِّرَاطُ

فَهَا هُوَ مَاتَ عَنْكُمْ وَاسْتَرَحْتُمْ **** فَعَاطُوا مَا أَرَدْتُمْ أَنْ تُعَاطُوا

وَحُلُّوا وَاعْقِدُوا مِنْ غَيْرِ رَدٍّ *** عَلَيْكُمْ وَانْطَوَى ذَاكَ الْبِسَاطُ

وهناك الكثيرُ والكثير من قصائد الرثاء[144]، ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الإمام "مِن كبار الأئمة المحقِّقين، وعلماء الأمَّة العاملين الراسخين، وأكابِر الأولياء العارفين"[145]، وهي مِن أكبر الأدلَّة على علوِّ كعْبه، ورِفْعة شأنه؛ لأنَّه عاش داعيًا مجاهدًا في سبيل نُصْرة الشريعة المطهَّرة.

وحسنُ الثناء والذِّكْر بعد الموت، منحةٌ مِن الله يهبها مَن يشاء مِن عباده، وقد سأله نبيُّ الله إبراهيم - عليه السلام - وأُعطيها، كما قال - تعالى -حاكيًا - قوله: ?وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ? [الشعراء: 84]، وقد امتنَّ الله على أنبيائه - عليهم السلام - بذلك فقال: ?وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا? [مريم: 50].

والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد، وآله وصحْبه، والتابعين كلَّما ذَكَره الذاكرون، أو غفل عن ذِكْره الغافلون.

أحمد عيسى المعصراوي.. شيخ المقرئين


ولد الشيخ أحمد عيسى حسن المعصراوي، بقرية "دنديط" التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية إحدى محافظات جمهورية مصر العربية، وكانت ولادته بتاريخ 1/3/1953م، ونشأ في مسقط رأسه "دنديط" التي كانت كشأن كل القرى المصرية محبة للقرآن وأهله، فلا يكاد بيت من بيوتها يخلو من حافظ أو ساع إلى ذلك.. فلما بلغ السادسة من عمره ذهب به أهله إلى إحدى مدارس القرية، إلا من ناظر المدرسة لاحظ نبوغ الصبي في حفظ القرآن الكريم، فنصح جده لأمه الشيخ على السحيمي الذي كان يقوم بتربيته ورعايته؛ لأن والده كان يقيم خارج هذه القرية، نصيحة غالية بإلحاق حفيده بإحدى كتاتيب القرية، فانشرح صدر الجد لهذه النصيحة، واستجاب لها فورًا.



تلميذ الأكابر



كان الاختيار الأول لكُتَّاب جده لأبيه الشيخ عبدالحميد المعصراوي، ثم انتقل إلى كُتَّاب الشيخ عبدالحميد حجاج، الذي كان رفيقًا بالتلاميذ عطوفًا عليهم، فمكث بهذا الكُتَّاب الجديد سنة واحدة حفظ فيها القرآن كاملاً، وذلك سنة 1964م.. ويحكي الشيخ المعصراوي بعض ذكرياته في هذا الكُتَّاب قائلاً:"لم يضربني الشيخ حجاج إلا مرة واحدة، ولم تكن بسبب الحفظ، بل كانت بسبب اللعب، إذ تغيبت مع بعض رفقائي في الدراسة في أحد الأيام، وعندما عدنا إلى الكُتَّاب في اليوم التالي سألنا الشيخ: أين كنتم؟ فأشار له زملائي بأنني سبب غيابهم عن الكُتَّاب.



ومن يومها كنت أبكي إن تقدم عليَّ أحد في الحفظ".. ويضيف حول هذه الفترة: "أكرمني الله تعالى بأن حفظت القرآن الكريم بقريتي على يد الشيخ عبدالحميد حجاج رحمه الله وكان عندي حينئذ عشر سنوات، ثم ذهبت فجودته برواية حفص عن عاصم على يد الشيخ أحمد إسماعيل عبده رحمه الله وكان من علماء القراءات السبع فقد تلقى القراءات السبع عن الشيخ الصندباسطي عن والده الشيخ إسماعيل عبده، وكان عنده حينئذ من العمر 84 عامًا، وبعد من جودت رواية حفص قرأت عليه برواية نافع.. بعدها ذهبت إلى مصر وكان يقطن بها والدي رحمه الله فالتحقت بمعهد القراءات، وفي أثناء دراستي في هذا المعهد كان هناك الكثير والكثير من العلماء الفطاحل الذين قل من يوجد مثلهم في هذا الزمان ومنهم الشيخ الهمزاني رحمه الله، والشيخ أحمد الأشموني، والشيخ أحمد السيرتي، والشيخ أحمد مرعي، والشيع عبدالمتعال عرفة، والشيخ أحمد عيطة".



نجاح تلو نجاح



وبعد من تخرج الفتى من هذا الكُتَّاب.. صادف من استمع إلى تلاوته أحد وكلاء الأزهر الشريف، فأُعجَب به، وأشار عليه بالالتحاق بأحد المعاهد الأزهرية للقراءات، فوقع الاختيار على معهد قراءات شبرا الأزهري بالخازندارة بالقاهرة، قريبا من عمل والده، وبالفعل غادر الفتى بلدته لأول مرة متوجها إلى العاصمة، لكنه لم ينبهر بأضوائها، إنما سلك الطريق الذي من أجله جاء، فأتم في معهد القراءات دراسته حيث حصل على جميع الشهادات التي تُمنَح للطالب في مختلف مراحله، ثم التحق بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، وحصل على الإجازة العالية في الدراسات الإسلامية والعربية، وذلك سنة 1980م، ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية للعمل بكلية المعلمين من سنة 1981 إلى 1985م.. بعدها واصل جهوده في تحصيل العلوم والمعارف وشتى الثقافات النافعة، فسجَّل بقسم الدراسات العليا؛ للحصول على الماجستير، وكان موضوع البحث بعنوان "الأحاديث العقدية في الكتب الستة"، فوُفِّقَ لنيل درجة الماجستير بتقدير ممتاز سنة 1989م، ثم سجَّل بقسم درجة العالمية "الدكتوراه" في الحديث النبوي وعلومه بعنوان: (كتاب الآثار" للإمام أحمد بن الحسن الشيباني، تحقيق وتخريج ودراسة) فحصل على هذه الدرجة العلمية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى سنة 1992م..



وقد تقلَّب فضيلته في العلم والمعرفة حتى اكتسب ثقة القائمين على الشئون العلمية، فأسندوا إليه مهام علمية في مختلف البحوث، ومنها من تم تعيينه مدرسًا للعلوم الشرعية بالمعاهد الأزهرية، وكان آخر معهد درَّس فيه معهد القراءات الأزهري بشبرا بالقاهرة، ثم تمَّ نقله مدرسًا للحديث بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الأزهر، ثم رُقِّيَ إلى درجة أستاذ مساعد بالقسم المذكور، ثم حصل على الترقية إلى أستاذ بنفس القسم، كما عمل أستاذًا بقسم الدراسات العليا بكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بطنطا، وعلى عضوية لجنة مراجعة المصاحف بمجمع البحوث الإسلامية سنة 1988م، ثم عُيِّن نائبًا لرئيس لجنة المصحف الشريف بالمجمع المذكور، وذلك عام 1999م، ثم تمَّ اختياره رئيسًا للجنة مراجعة المصاحف بتاريخ 6/1/2003م، كما عُيِّن عضوًا باللجنة الموحدة لاختيار القراءات بالإذاعة والتلفزيون المصري 1999م، وعين شيخًا لمقرأة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة منذ عام 1980م، وشارك في معظم المسابقات القرآنية الدولية، كما شارك في المراجعة النهائية لكل من مصحف: الإمارات، سلطنة عمان، قطر، الكويت، وسلطنة بروناي.. واختير شيخًا لعموم المقارئ المصرية بتاريخ 24/4/سنة 2004م.



القراءات العشر



يقول الشيخ المعصراوي: "كنا نقرأ القراءات على الشيوخ الأجلاء وندرسها دراسة جيدة، ونجمع الروايات، فكنا نقرأ الروايات القرآنية سواء جمعًا أو فرادى، فتعلمنا في هذه المرحلة ما لا نجده الآن في هذه الآونة في معاهد القراءات".. وقد شارك الشيخ في تحكيم كثير من المسابقات في شتى أقطار العالم الإسلامي، كما شارك في كثير من اللقاءات الدولية للوعظ وللإمامة وصلاة التراويح في كثير من أقطار الدنيا.



وقد تربَّى فضيلته على يد علماء أفذاذ، وجثى ركبتيه أمام أساتذة أماجد، فتلقى منهم القراءات العشر الكبرى، والصغرى، والسبع، فمنهم الشيوخ: عبدالحكيم عبداللطيف عبدالله، أحمد عبدالحميد عبدالله، عبدالحميد حجاج، أحمد إسماعيل عبده الدنديطي، عامر السيد عثمان شيخ عموم المقارئ المصرية الأسبق، بكري عبدالمجيد الطرابيشي الدمشقي صاحب السند العالي.. ولقد تتلمذ على فضيلته جم غفير، وعدد كبير ما بين المعاهد القرآنية الأزهرية والخاصة، من بينهم الداعية الإسلامي أحمد حسان، والشيخ مصطفى اللاهوني.



أما رحلاته القرآنية فقد طاف فضيلته وتجوَّل في بلاد الشرق والغرب في سبيل خدمة القرآن الكريم، والإشراف على المشروعات المتعلقة به وعلومه في كافة الأجهزة السمعية والمرئية، فمن الدول التي استضافته: السعودية، أوغندا، ماليزيا، السودان، باكستان، اليمن، غانا، جامبيا، تايلاند، بروناي، المالديف، الهند، يوغسلافيا، سلطنة عمان، قطر، الكويت، البحرين، المغرب، الإمارات، الإكوادور، تركيا، سوريا، لبنان، سويسرا، لندن، كندا، ومعظم الولايات المتحدة الأمريكية.



عطاء متواصل



ولم يقتصر دور الشيخ المعصراوي في خدمة العلم والمعرفة على الخطب المنبرية والمحاضرات في الدوائر والمجامع العلمية، بل أسهم في ذلك بقلمه الفيَّاض، فألف كتبًا، ونشر مقالات في الصحف والمجلات، فمن مؤلفاته: الدر النثير والعذب النمير، شرح التيسير في القراءات السبع، تحقيق كتاب "مناهل العرفان في علوم القرآن"، منحة الفتاح في أحاديث النكاح، نكاح المتعة بين التحليل والتحريم في ضوء السنة النبوية المطهرة، معالم الاهتداء في أحاديث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، أحكام النذور من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أحكام الهبة والهدية من سنة خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشفاعة في ضوء الكتاب والسنة، صريح المنقول في الحديث الموضوع، القراءات الواردة في السنة النبوية المطهرة، وغيرها من الكتب القيمة.



أدب طالب العلم



وطبقًا لمبادئ الإصلاح والتجديد في مضمار الشئون القرآنية والثقافة القرآنية ومكافحة الأميَّة القرآنية المنتشرة بين كثير من المسلمين والمسلمات، افتتح الشيخ المعصراوي مركزا للدراسات القرآنية كمعقلٍ علميٍّ ينطلق منه لتحقيق هذه العملية الإصلاحية لأوضاع القراء، والمقرئين من حيث الأداء القرآني؛ ليتعلم المسلمون القرآن المجيد تلاوة وحفظاً وتجويداً، مع تزيين ذلك بتربيتهم على التخلق بأخلاق القرآن السامية، والتأدب بشمائله الكريمة مما يؤهلهم لأن يكونوا نخبة ممتازة ذات إسهام في تعليم القرآن، وتحفيظه على الطريقة الصحيحة السديدة.

زياد علي

زياد علي محمد