الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

الليث بن سعد

الليث بن سعد



لله درك يا إمام.. لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم، والعمل، والزهد والورع.
في سنة 94هـ، وفي أحد أيامها المباركة ولد الليث بن سعد، في قرية (قرقشندة) من قرى مصر، ونشأ ذلك الطفل بين ربوع تلك القرية، فوجد الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون القرآن الكريم، فأسرع الليث إلى منزله، وأحضر أوراقه وقلمه، وبدأ يحفظ القرآن الكريم، ثم درس الحديث والفقه والعلوم العربية، فسبق زملاءه، وساعده على ذلك نبوغه المبكر، وذكاؤه الفريد.
واصل الليث الدراسة والتعلم والحفظ، فكان كلما قرأ شيئًا في الفقه أو الحديث عَلَقَ بذاكرته وحفظه فلا ينساه أبدًا، فقد كان قوي الذاكرة، جيد الحفظ، ولفت الفتى الليث الأنظار إليه بعلمه وورعه، وأصبحت له مكانة كبيرة بين أهله، يعرفون فضله، ويقدمونه على من سواه، ولكن الفتى لم يغترَّ بهذه الشهرة، ولم يخلد إليها ولا إلى التقدير الذي كان له وسط العلماء، بل استمر يتعلم ويتزود وينهل من غيره من العلماء، حتى صار أستاذًا يدرس للعلماء.
واشتاقت نفس الليث يومًا لزيارة بيت الله الحرام وزيارة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فشدَّ رحاله وأعد نفسه للسفر، وهناك في تلك الأراضي المقدسة كانت حلقات العلم منتشرة في كل مكان؛ والتقى هناك بـ(عطاء بن أبي رباح) و(ابن أبي مليكة) و(نافع مولى ابن عمر) و(ابن شهاب الزهري).. وغيرهم، فأخذ عنهم ونهل منهم رغم رسوخه في العلم، ومضت الأيام والسنون، وأصبح الليث شيخًا جاوز الخمسين من عمره، وهو لا يمل العلم والتعلم؛ حتى أصبح من كبار العلماء في عصره.
وكان الإمام الفقيه الليث بن سعد غنيًّا، ينفق كل سنة على الفقراء والمساكين أكثر من خمسين ألف دينار ولا يدخر منها شيئًا لنفسه، ويتصدق في كل صلاة على ثلاثمائة مسكين، ويطعم الناس عسل النحل وسمن البقر في الشتاء، واللوز والسكر في الصيف.
جاءته امرأة ذات يوم وقالت له: يا شيخنا، إن لي ابنًا مريضًا يشتهي أكل العسل، فقال الليث: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل (والمرط: مائة وعشرون رطلاً) وكان مع المرأة إناء صغير الحجم، فلما رآه الغلام قال: يا شيخنا إنها تطلب قليلاً من العسل، فقال الليث: إنها طلبت على قَدْرِهَا ونحن نعطيها على قدرنا، وأمره أن يعطيها المرط.
ولم يكن الليث بن سعد كريمًا على أهل بلده فحسب، بل كان سخيًّا كريم اليد على الآخرين، فيحكى عنه أنه لما جاء إلى المدينة المنورة بعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق من الرطب، فلم يشأ الليث أن يرد الطبق إلى الإمام مالك خاويًا، فوضع في الطبق ألف دينار ورده إليه.
وقد شهد له كثير من علماء عصره بعلمه وفضله؛ سئل الإمام أحمد بن حنبل ذات مرة عن الليث، فقال: الليث بن سعد كثير العلم، صحيح الحديث، وقال عنه يحيى بن بكير: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، لم أَرَ مثله.
وقد عرض عليه الخليفة المهدي ذات يوم أن يتولى القضاء، ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فرفض وقال: إني عاهدت الله ألا ألي شيئًا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله ألا أفي بعهدي، فقال له المهدي: الله.. قال الليث: الله.. قال المهدي: انطلق فقد أعفيتك، وكان الليث زاهدًا في حكام الدنيا، مشغولاً عن الجاه والسلطان بغرس الأخلاق العظيمة في نفوس الناس، وكان يصل النهار بالليل في العلم والعبادة ليرضي ربه.
وفي سنة 175هـ توفي الإمام الكبير الليث بن سعد، فحزن الناس عليه حزنًا شديدًا، وكان الشافعي -رضي الله عنه- يحب لقاءه، فلم يمهله القدر فوقف يومًا على قبره وقال: لله درك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم، والعمل، والزهد، والورع

علي بن المديني 161 - 234 هـ

نسبهُ :

هو علي بنُ عبدِ اللهِ بنِ جعفر بنِ نجيح بنِ بكر بن سعد، هكذا نسبه الخطيب في تاريخ بغداد .


كنيتهُ ونسبتهُ :

كنيته أبو الحسن ، واشتهر بابن المديني - بفتح الميم - وكسر الدال - نسبة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسبة إليها بهذه الصيغة قليلة وأكثر ما ينسب إليها المدني بدون ياء ، وإنما نسب إليها لأن أصله منها كما ذكر ذلك البخاري  في التاريخ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وابن الأثير في اللباب .

وكانت ولادته ونشأته بالبصرة ، ولهذا ينسب إليها فيقال له : البصري ، ويقال له : السعدي من بني سعد بن بكر نسبة إليهم نسبة ولاء وهو مولى عروة بن عطية السعدي كما في تهذيب الأسماء واللغات للنووي .


ولادتهُ :

ولد ابن المديني سنة إحدى وستين ومائة نقله الخطيب في تاريخه عن علي بن أحمد بن النضر وقال الخطيب : " كان مولده بالبصرة " ، وكذا أرخه الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن السبكي في طبقات الشافعية.


ابنُ المديني من بيتِ علمٍ :

الإمام ابن المديني أحد أعلام المحدثين الذين اشتهروا بحفظ الحديث ومعرفة علله ، وأبوه وجده من حملة الحديث ونقلته ؛ فأبوه عبد الله محدث مشهور روى عن غير واحد من مشيخة مالك بن أنس ، وجده جعفر بن نجيح روى عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ذكر ذلك الخطيب في تاريخه .


ممن روى عنهم :

سمع الحديث من كثير من المحدثين فرواه عن أبيه ، وحماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، وابن علية ، وأبي ضمرة ، وبشر بن المفضل ، وحاتم بن وردان ، وخالد بن الحارث ، وبشر بن السري ، وأزهر بن سعد السمان ، وحرمي بن عمارة ، وحسان بن إبراهيم ، وشبابة ، وسعيد بن عامر ، وأبي أسامة ، ويحيى بن سعيد القطان ، ويزيد بن زريع ، وهشيم بن بشير ، ومعاذ بن معاذ ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وعبد الله بن وهب ، وعبد العزيز العمى ، والفضل بن عنبسة ، وفضيل بن سليمان ، وغندر ، ومحمد بن طلحة التيمي ، ومرحوم بن عبد العزيز ، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، ومعن بن عيسى ، وأبي النضر ، وهشام بن يوسف ، وعبد الرزاق ، ويوسف بن يعقوب الماجشون ، وأبي صفوان الأموي ، وجعفر بن سليمان ، وعبد العزيز الدراوردي ، ومعتمر بن سليمان ، وجرير بن عبد الحميد ، والوليد بن مسلم ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الوهاب الثقفي ، وأبي الوليد الطيالسي ، وغيرهم ، وكتب عن الشافعي[  ]  كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن ابن مهدي فأعجب بها ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص 103.


ممن رووا عنه :

روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والذهلي ، وإبراهيم بن الحارث البغدادي ، والحسن بن علي الخلال ، وأبو مزاحم سباع بن النضر ، وأبو بكر عبد القدوس الحبحباني ، وأبو بكر بن أبي عتاب الأعين ، ومحمد ابن عمرو بن نبهان الثقفي ، وإبراهيم الجوزجاني ، وحميد بن زنجويه ، وأبو داود الحراني ، ومحمد بن عبد الله ابن عبد العظيم ، ومحمد بن جعفر بن الإمام ، وهلال بن العلاء الرقي ، وعباس بن عبد العظيم العنبري ، وروى عنه سفيان بن عيينة ، ومعاذ بن معاذ وهما من شيوخه ، وأحمد بن حنبل ، وعثمان بن أبي شيبة ، وهما من أقرانه ، وابنه عبد الله بن علي ، وأحمد بن منصور ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي ، وحنبل بن إسحاق ، وصالح جزرة ، وأبو قلابة ، وأبو حاتم والصاغاني ، والفضل بن سهل الأعرج ، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة ، ويعقوب بن شيبة ، وأبو شعيب الحراني ، وأبو الحسين بن البراء ، وصالح بن أحمد بن حنبل ، ومحمد بن علي بن الفضل المديني فستقة ، وأبو خليفة الجمحي ، ومحمد بن يونس الكديمي ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وأبو يعلى الموصلي ، والبغوي ، وعبد الله بن محمد بن الحسن الكاتب ، وآخر الذين رووا عنه موتا عبد الله بن محمد بن أيوب الكاتب ، وأقدمهم شيخه سفيان بن عيينة ، وبين وفاتيهما مائة وثمان وعشرون سنة ذكره الخطيب وهذا من أمثلة السابق واللاحق .


من خرج حديثه :

خرج حديثه البخاري في صحيحه ، وروى عنه فيه ثلاثمائة وثلاثة أحاديث نقل ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب ، وخرج حديثه أبو داود في سننه ، وقد روى عنه البخاري وأبو داود بدون واسطة ، وروى عنه أبو داود أيضا بواسطة ، وخرج حديثه الترمذي والنسائي في سننهما وابن ماجة في التفسير رووا عنه بواسطة .


ثناء الأئمة عليه :

وكان علي بن المديني موضع تقدير كبار المحدثين أثنوا عليه في حفظه وفي علمه وتبحره وبصره في علل الحديث وأثنوا عليه بوجه عام .

فمن الثناء عليه بوجه عام :

قال أبو حاتم الرازي : " وكان أحمد لا يسميه إنما يكنيه تبجيلا له " قال : "وما سمعت أحمد سماه قط ".

وقد بلغ مبلغا عظيما قال فيه عباس العنبري : " كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل " .

وقال البخاري : " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني " .

وقال النسائي : " كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن " .

وقال النووي : " وأجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن وتقدمه على غيره " .

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال : " وأما علي بن المدين فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن بل لعله فرد زمانه في معناه " .

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : " ثقة ثبت إمام " .


حفظهُ :

وكان علي بن المديني من الحفاظ المبرزين قال فيه الذهبي : " حافظ العصر وقدوة أرباب هذا الشأن " ، وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : " الحافظ المبرز " ، وقال الخطيب في تاريخه : " هو أحد أئمة الحديث في عصره والمقدم على حفاظ وقته " .


علمهُ :

ومن ثناء الأئمة عليه في علمه قول عبد الرحمن بن مهدي : " ابن المديني أعلم الناس " . وقول أبي عبيد القاسم بن سلام : " انتهى العلم  إلى أربعة : أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له ، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه ، وعلي بن المديني أعلمهم به ، ويحيى بن معين أكتبهم له " .


بصرهُ بعللِ الحديثِ :

ومن ثناء الأئمة عليه وإشادتهم بمعرفته التامة بعلل الحديث قول أبي حاتم : " كان ابن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل".

وقال ابن حجر في التقريب : " أعلم أهل عصره بالحديث وعلله " .

وقال الذهبي في ا لميزان : " إليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي " .

وقال ابن الأثير في اللباب : " وكان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وقال أبو داود : " ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل " .

وفي تارخ الخطيب: سئل الفرهياني عن يحيى بن معين وعلي وأحمد وأبي خيثمة فقال : " أما علي فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحيى أعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء " .

وقال صالح بن محمد : " أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني ، وأفقههم في الحديث أحمد ابن حنبل، وأمهرهم في الحديث سليمان الشاذكوني ".


دخولهُ في محنةِ القولِ بخلقِ القرآنِ وأثرُ ذلك وكيف انتهى أمره :

وكان علي بن المديني رحمه الله ممن دخل في محنة القول بخلق القرآن دخول الخائف على نفسه ولم يصبر كما صبر الإمام أحمد بن حنبل وغيره ، بل هاب الإرهاب والقمع الذي حصل لمن لم يوافق دعاة القول بخلق القرآن إلى ما يريدون ومن أجل ذلك لم يرو عنه بعض المحدثين كالإمام مسلم .

ولكنه تاب وأناب واتضح من قوله وقول غيره أن دخوله لم يكن عن عقيدة ، وإنما كان خوفا على النفس  . وقد صرح بذلك عن نفسه وصرح به غيره ، وقد أورد الذهبي علي بن المديني في كتابه الميزان لكون العقيلي أورده في كتاب الضعفاء وأنحى باللوم على العقيلي لذلك وذب عن هذا الإمام وأشاد بذكره والثناء عليه قال في كتابه الميزان ( 3/138) : " أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، فبئس ما صنع ، فقال : جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية وحديثه مستقيم إن شاء الله"، ثم ذكر الذهبي بعض ثناء الأئمة عليه ثم قال : " وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني وقال : ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن الديني ، ولو ترك حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وذكر أناسا آخرين سماهم ، لغلقنا الباب وانقطع الخطاب ، ولماتت الآثار ، واستولت الزنادقة ، ولخرج الدجال  ، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلم ، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك فهذا مما لا يرتاب فيه محدث " .

وقال الذهبي في الميزان أيضا : " كان ابن المديني خوافا متاقيا في مسألة القرآن مع أنه كان حريصا على إظهار الخير فقد قال ابن أبي خيثمة في تاريخه : سمعت يحيى بن معين يقول : كان ابن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة وإذا ورد البصرة أظهر التشيع ثم قال الذهبي: قلت : كان ذلك بالبصرة ليؤلفهم على حب علي رضي الله عنه، فإنهم عثمانية ". انتهى .

وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: " عابوا عليه إجابته في المحنة لكنه تنصل وتاب واعتذر بأنه كان خاف على نفسه "، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ بعد أن ذكر كثيرا من ثناء الأئمة عليه : " قلت مناقب هذا الإمام جمة لو ما كدرها بتعلقه بشيء من مسألة خلق القرآن وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد إلا أنه تنصل وندم وكفر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له ". انتهى .

وقد جاء عنه الثناء على الإمام أحمد في صبره في المحنة وقال : " إن الله أعز هذا الدين برجلين، أبو بكر الصديق  يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة ".

وقال ابن أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل : " وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة وكان أبي يروي عنه لنزوعه عما كان منه " .

وفي تاريخ بغداد أن عباس العنبري روى عنه أنه قال : " قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى " وقال ابن عمار : " ما أجاب إلى ما أجاب ديانة إلا خوفا "، وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية : " وكان علي بن المديني ممن أجاب إلى القول بخلق القرآن في المحنة فنقم ذلك عليه وزيد عليه في القول، والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف " قال ابن عدي : "سمعت مسددا ابن أبي يوسف الفلوسي يقول : قلت لابن المديني : مثلك في علمك يجيب إلى ما أجبت إليه . فقال يا أبا يوسف : ما أهون عليك السيف "، وعنه : " خفت أن أقتل ولو ضربت سوطا واحدا لمت " .

وهكذا نجد أن ابن المديني رحمه الله دخل في المحنة خائفا على نفسه لا معتقدا صحة ذلك كما صرح بذلك عن نفسه وصرح غيره كما في النقول المذكورة وإن دخوله هذا أثر في إعراض بعض المحدثين عن الرواية عنه ولما كان قد تاب واعتذر بأن الذي حمله على الدخول الخوف على نفسه لم يلتفت إلى ما سلف منه كثير من المحدثين فرووا عنه وعلى رأسهم الإمام البخاري الذي شحن صحيحه بالرواية عنه وبلغ جملة ما رواه عنه في الصحيح ثلاثمائة وثلاثة أحاديث .


شيوخهُ يستفيدون منه :

وكما كان ابن المديني يستفيد من شيوخه فهم أيضا يستفيدون منه وقد صرح بعضهم بذلك .

قال شيخه يحيى بن سعيد القطان : " كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا " .

وقال سفيان بن عيينة : " يلومونني على حب علي، والله كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني " .


آثارهُ :

ألف ابن المديني في الحديث مصنفات كثيرة العدد جليلة القدر  .

قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : " وكان علي أحد أئمة الإسلام المبرزين في الحديث صنف فيه مائتي مصنف لم يسبق إلى معظمها ولم يلحق في كثير منها" .

وقد أورد الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث - ص 89 - فهرست مؤلفاته نقله عن شيخه محمد بن صالح الهاشمي قال : " سمعت الشريف القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي قاضي القضاة يقول: هذه أسامي مصنفات علي بن المديني :

1- كتاب الأسامي والكنى - ثمانية أجزاء .

2- كتاب الضعفاء - عشرة أجزاء .

3- كتاب المدلسين - خمسة أجزاء .

4- كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم - جزء .

5- كتاب الطبقات : عشرة أجزاء .

6- كتاب من روى عن رجل لم يره - جزء .

7- كتاب علل المسند - ثلاثون جزءا .

8- كتاب العلل لإسماعيل القاضي - أربعة عشر جزءا .

9- كتاب علل حديث ابن عيينة - ثلاثة عشر جزءا .

10- كتاب من لا يجنح بحديثه ولا يسقط - جزءان .

11- كتاب الكنى - خمسة أجزاء .

12- كتاب الوهم والخطأ: خمسة أجزاء .

13- كتاب قبائل العرب - عشرة أجزاء .

14- كتاب من نزل من الصحابة  سائر البلدان - خمسة أجزاء .

15- كتاب التاريخ - عشرة أجزاء .

16- كتاب العرض على المحدث - جزءان .

17- كتاب من حدث ثم رجع عنه - جزءان .

18- كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال - خمسة أجزاء .

19- كتاب سؤلاته يحيى - جزءان .

20- كتاب الثقات والمثبتين - عشرة أجزاء .

21- كتاب اختلاف الحديث - خمسة أجزاء .

22- كتاب الأسامي الشاذة - ثلاثة أجزاء .

23- كتاب الأشربة - ثلاثة أجزاء .

24- كتاب تفسير غريب الحديث - خمسة أجزاء .

25- كتاب الإخوة والأخوات - خمسة أجزاء .

26- كتاب من يعرف باسم دون اسم أبيه - جزءان .

27- كتاب من يعرف باللقب - جزء .

28- كتاب العلل المفرقة - ثلاثون جزءا .

29- كتاب مذاهب المحدثين - جزءان .

هكذا سردها الحاكم وقد أضفت إليها الترقيم، وبعد فراغه من سياقه قال : "إنما اقتصرنا على فهرست مصنفاته في هذا الموضع ليستدل به على تبحره وتقدمه وكماله". انتهى .

أقول : " وإن مما يؤسف له أن هذه المكتبة الكبيرة لا وجود لها في الوقت  الحاضر، بل إن ذكر أسماء هذه المصنفات قليل في كثير من المصنفات فما رأيت أحدا من مؤلفي المصادر التي رجعت إليها في ترجمته - والتي أثبتها في نهاية الترجمة - تعرض لتسميتها اللهم إلا العليمي صاحب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد المتوفى سنة 928هـ فقد أورد هذا الفهرس الذي سقته هنا عن الحاكم دون أن يشير إلى المصدر الذي استمده منه. ويوجد من آثاره كتاب علل الحديث ومعرفة الرجال مخطوطا في خزانة أحمد الثالث في تركيا وصورته في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة رقم 743 فهرس التاريخ .


وفاتهُ :

قال البخاري : " مات علي بن المديني ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين". وقال الحارث بن أبي أسامة وغير واحد : " مات بسر من رأى في ذي القعدة"، وكانت وفاته في يوم الاثنين كما في التاريخ الكبير للبخاري .


ممن ترجم له :

1- ترجم له الحافظ الذهبي في العبر 1-418 والميزان 3-138 وتذكرة الحفاظ 2-15.

2- وابن حجر العسقلاني في التقريب 2-39 وتهذيب التهذيب 7-349

3- البخاري في التاريخ الكبير 2-3-284

4- الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 11-458

5- الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال 133

6- ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين 356

7- ابن العماد في شذرات الذهب 2-81

8- السمعاني في الأنساب 516 مخطوط

9- ابن الأثير في اللباب 3-115

10- ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 1-225

11- العليمي في المنهج الأحمد 1-97

12- أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء 103

13- ابن السبكي في طبقات الشافعية 1-266

14- النووي في تهذيب الأسماء واللغات 1-350

15- ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1-3-193 وفي مقدمته 319 .

شبير أحمد العثماني


هو العلامة شبر أحمد العثماني ابن الشيخ فضل الرحمن العثماني الديوبندي ولد عام 1305هـ / 1887م ، والتحق بالروضة في 7 من عمره. وتخرج من جامعة ديوبند عام 1325هـ / 1907م. وكان من أبرز تلاميذه العلامة شيخ الهند محمود حسن الديوبندي. درّس أولاً في المدرسة العالية فتح بوري بدهلي، ثم عين أستاذاً بجامعة ديوبند عام 1328هـ / 1910م. وكان تدريسه لصحيح مسلم معروفا ومقبولاً في أوساط العلماء والتلاميذ.

وفي عام 1352هـ / 1933م عين شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية تعليم الدين بمدينة دابهيل بغوجرات ، وعلى إلحاح من الشيخ أشرف علي التهانوي وغيره من المشايخ الكبار تولّى منصب الرئيس العام للجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند عام 1362هـ / 1944م، إلى جانب توليه شياخة الحديث في جامعة دابهيل.

كان العلامة شبير أحمد العثماني أحد الخطباء المصاقع والأدباء المترسلين المبرزين باللغة الأردية، ألّف عدداً من الكتب تنمّ عن عميق علمه ، وسعة اطلاعه، و طول باعه في العلوم الإسلامية إلى جانب تحركاته و نشاطاته السياسية وبلائه الحسن في تحرير البلاد.

وتولّى منصب عضو بارز في حركة الخلافة عام 1333هـ / 1914م . وكان من كبار قادة جمعية علماء الهند، ورأسها لمدة ، انضمّ عام 1365هـ / 1946م إلى العصبة الإسلاميّة . وقبل تقسيم الهند بعام واحد، وفي عام 1366هـ / 1947م انتقل إلى باكستان، واحتفي فيها احتفاءً كبيراً، وعرف بشيخ الإسلام وعين عضواً في لجنة وضع الدستور ورئيساً للجنة أيضاً.

وله حواش وتعليقات مفيدة جدّاً على ترجمة أردية للقرآن الكريم للعلامة محمود حسن الديوبندي، وقد قام بطبعها وتوزيعها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة منذ سنوات، بكميات كبيرة.

توفي رحمه الله في 21/ صفر 1369هـ الموافق 13/ ديسمبر 1949م بمديرية بهاول بور بباكستان ودفن بكراتشي.

سيرة الإمام الزاهد مُعتزِل الفتن

هو إمام من أئمة المسلمين .
آتاه الله العلم ، فأخذ منه بِـحـظٍّ وافـر .
ولذا لما أطلّت الفتنة بقرونها ولاّها ظهره واعتزلها ، رغبة فيما عند الله ، وطمعاً في سلعة الله الغالية .
هو مِن صغار الصحابة رضي الله عنهم ، ومع ذلك صار عالماً من علماء الصحابة يُشار إليه بالبنان .
إن تكلّم سُمِع كلامه ، وإن أفتى أُخِذ بقوله ، وإن قال صدق .
فلله درّه .
هو صحابي وابن صحابي رضي الله عنه وعن أبيه .
وكفى بصحبة خير البشر وسيد ولد آدم فخراً ورفعة .
مالت الدنيا بأقرانه ولم يمل مع مَن مال .
فمَـن هـو هذا العَالِم العَلَم ؟

اسمـه : عبد الله

وكنيته : أبو عبد الرحمن

هو :
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل رضي الله عنهما .

قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله :
الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي ثم المدني .
أسلم وهو صغير ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم واستُصغِر يوم أحد ، فأولّ غزواته الخندق ، وهو ممن بايع تحت الشجرة ، وأمه وأمّ أم المؤمنين حفصة زينب بنت مظعون ، أخت عثمان بن مظعون الجمحي .
وقال :
روى علما كثيراً نافعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن أبيه وأبي بكر وعثمان وعلي وبلال وصهيب وعامر بن ربيعة وزيد بن ثابت وزيد عمه وسعد وابن مسعود وعثمان بن طلحة وأسلم وحفصة أخته وعائشة وغيرهم . انتهى .

روى عنه خلق كثير .

وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية ، وأحد العبادلة الأربعة ، وثانيهم ابن عباس ، وثالثهم عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورابعهم عبد الله بن الزبير .

جهاده :
كان مُجاهداً منذ نعومة أظفاره .
قال ابن عمر رضي الله عنهما : عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال ، وأنا ابن أربع عشرة سنة ، فلم يُجزني ، وعرضني يوم الخندق وأنا بن خمس عشرة سنة ، فأجازني . رواه البخاري ومسلم .

وشهِد فتح مكة وله عشرون سنة .

وقدِم الشام والعراق والبصرة وفارِس غازياً .
وشهِد فتح مصر .
روى حجاج بن أرطاة عن نافع أن ابن عمر بارز رجلاً في قتال أهل العراق ، فقتله ، وأخذ سَلَبه .

عبادته :
كان رضي الله عنه عابداً كثير العبادة
قال ابن عمر رضي الله عنهما : كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت غلاماً شاباً ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطيّ البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار . قال : فلقينا مَلَك آخر فقال لي : لم ترع ، فقصصتها على حفصة ، فقصّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل . فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا . رواه البخاري ومسلم .

قال حبيب بن الشهيد : قيل لنافع : ما كان يصنع ابن عمر في منزله ؟ قال : لا تطيقونه ؛ الوضوء لكل صلاة ، والمصحف فيما بينهما .

وقال نافع : كان ابن عمر لا يصوم في السفر ، ولا يكاد يفطر في الحضر .

زُهده :
كان رضي الله عنه زاهداً مُعرضاً عن الدنيا والافتتان بها .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

وقال : لقد رأيتنا ونحن متوافرون ، وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر .
وقال حذيفة رضي الله عنه : ما مِنّـا أحد يُفتش إلا يُفتش عن جائفة أو منقلة إلا عمر وابنه .
( والجائفة هي الطعنة الواصلة للجوف ، والـمُنَقِّلـة وهي ما توضّح العظم وتهشمه ) قال ذلك كناية عن المعائب .
وقال جابر رضي الله عنه : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا ابن عمر .
وقالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من ابن عمر .
وقال ميمون بن مهران : دخلت على ابن عمر فقوّمت كل شيء في بيته من أثاث ما يسوى مئة درهم !

وقال مولاه نافع : إنْ كان ابن عمر ليفرّق في المجلس ثلاثين ألفا ، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم .

اتِّـباعـه للسنة :
كان ابن عمر رضي الله عنهما مِن أكثر الناس اتّباعاً للسنة رضي الله عنه .
وكان شديد الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم
ولذا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو تركنا هذا الباب للنساء . قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات . رواه أبو داود .

ومن ذلك
ما رواه مسلم عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها . قال فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن . قال : فأقبل عليه عبد الله فسبّـه سـبّـاً سيئا ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟

رقّـة ابن عمر رضي الله عنهما :
قال نافع : كان ابن عمر إذا قرأ : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) بكى حتى يغلبه البكاء .
وروى عاصم بن محمد العمري عن أبيه قال : ما سمعت ابن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بكى .
وقال يوسف بن ماهك : رأيت ابن عمر عند عبيد بن عمير ، وعبيد يقصّ ، فرأيت ابن عمر ودموعه تهراق .
و عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه أنه تلا : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) فجعل ابن عمر يبكي حتى لثقت لحيته وجيبه من دموعه ، فأراد رجل أن يقول لأبي : أقصر فقد آذيت الشيخ .

اعتزاله الفتن :
كتب الحجاج إلى ابن عمر : بلغني أنك طلبت الخلافة ، وإنها لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور . فكتب إليه : أما ما ذكرت من الخلافة فما طلبتها وما هي من بالي ، وأما ما ذكرت من العي فمن جمع كتاب الله فليس بعيي ، ومن أدى زكاته فليس ببخيل ، وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري !

لما أُريد ابن عمر على الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه أبـى ، وهرب على مكة فرضي الله عنه .
قال حبيب بن أبي ثابت أن ابن عمر قال يوم دومة جندل : جاء معاوية على بختي عظيم طويل فقال : ومن الذي يطمع في هذا الأمر ويمدّ إليه عنقه ، قال ابن عمر : فما حدّثت نفسي بالدنيا إلا يومئذ ، هممت أن أقول : يطمع فيه من ضربك وأباك عليه ، ثم ذكرت الجنة ونعيمها فأعرضت عنه .

قال ابن عمر رضي الله عنهما : دخلت على حفصة ونوساتها تنطف فقلت : قد كان من الناس ما ترين ، ولم يُجعل لي من الأمر شيء . قالت : فالحق بهم ، فإنهم ينتظرونك وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقة ، فلم يرعه حتى ذهب قال : فلما تفرق الحكمان خطب معاوية فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع إليّ قرنه ! فنحن أحق بذلك منه ومن أبيه . يُعرّض بابن عمر !
فقال له حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته فداك أبي وأمي ؟ فقال ابن عمر : حللت حبوتي فهممت أن أقول : أحق بذلك منك من قاتلك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة تفرّق الجمع ، ويسفك فيها الدم ، فذكرت ما أعد الله في الجنان . رواه البخاري .

وقال سلام بن مسكين : سمعت الحسن يقول : لما كان من أمر الناس ما كان زمن الفتنة أتوا ابن عمر فقالوا : أنت سيد الناس وابن سيدهم ، والناس بك راضون ، اخرج نبايعك . فقال : لا والله لا يُهراق فيّ محجمة من دم ، ولا في سببي ما كان فيّ روح .

إمامته رضي الله عنه :
يدلّ على إمامته هذه القصة :
لما ابتنى معاوية بالأبطَح مجلسا جلس عليه ومعه ابنه قُرَظَة ، فإذا هو بجماعة على رحال لهم ، وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى :
من يساجلني يساجل ما جداً *** يملأ الدلـو إلى عقد الكُرب
قال : من هذا ؟
قالوا : عبدالله بن جعفر .
قال : خلُّوا لـه الطريق .
ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يتغنى :
بينما يذكرنني أبصرنني *** عند قِيد الميل يسعى بي الأغر
قلن تعرفن الفتى ؟ قلن : نعم *** قد عرفناه وهل يخفى القمر ؟
قال : من هذا ؟
قالوا : عمر بن أبي ربيعة .
قال : خلُّوا لـه الطريق فليذهب .
قال : ثم إذا هو بجماعة وإذا فيهم رجل يُسأل ، فيقال لـه : رميت قبل أن أحلق ؟ وحلقت قبل أن أرمي ؟ في أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحج ، فقال : من هذا ؟
قالوا : عبد الله بنُ عمر ، فالتَفَتَ إلى ابنه قُرَظَة وقال : هذا الشرف . هذا والله شرف الدنيا والآخرة .

قال الإمام مالك : كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر ، مكث ستين سنة يُفتي الناس .

شِدّته في الحق :
حدّث إسحاق بن سعيد بن عمرو الأموي عن أبيه عن ابن عمر أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال : يا عدو الله استُحلّ حرم الله ، وخرب بيت الله . فقال : يا شيخا قد خرّف ، فلما صدر الناس أمر الحجاج بعض مسوّدته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر ، فمرض ومات منها ، ودخل عليه الحجاج عائداً ، فسلم فلم يرد عليه ، وكلّمه ، فلم يُجبه .
وروى ابن سيرين أن الحجاج خطب فقال : إن ابن الزبير بدّل كلام الله ، فعلم ابن عمر فقال : كذب ! لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت . قال الحجاج : إنك شيخ قد خرّفت الغد ! قال ابن عمر : أما إنك لو عدتَ عدتُ .

وفاته رضي الله عنه :
توفي رضي الله عنه سنة ثلاث وسبعين من الهجرة .
وهو ابن خمس وثمانين سنة .
فرضي الله عنه وأرضاه .

اللهم إنا ،ُشهدك على حب عبد الله بن عمر ، وعلى حب أبيه من قبله ، فاحشرنا في زمرتهم 

الأديب الكبير / يوسف العظم في سطور (1350 ـ 1428)

الأديب الكبير / يوسف العظم في سطور (1350 ـ 1428)


حسين بن رشود العفنان


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

* هو الأديب الكبير والشاعر القدير والناقد البصير والداعية البليغ والوزير الموفق يوسف العظم

* ولد في معان (جنوب الأردن) عام 1350

* تخرج من كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية ، ومن معهد التربية للمعلمين بجامعة عين شمس .

* درس الثقافة الإسلامية والأدب العربي في الكلية العلمية الإسلامية بعمان (1954 م ـ 1962 م)

* عمل وزيرا للتنمية و عضوا في مجلس النواب الأردني وفي عدد من اللجان الإدارية و التربوية والإعلامية

* أسهم في وضع مناهج التربية الإسلامية ورياض الأطفال بتكليف من وزارة التربية والتعليم الأردنية

* شارك في أكثر من 400 محاضرة وندوة

* شارك في عدة مؤتمرات في البلاد العربية والغربية

* قدم للإعلام الأردني عددا من البرامج الثقافية وكتب في كثير من صحفه

* كان له مواقف في رد مفتريات خصوم الإسلام في عدد من اللقاءات والندوات

* من مؤلفاته:
في رحاب الأقصى (شعر) 1400
عرائس الضياء (شعر) 1404
الأعمال الشعرية الكاملة 2003م
مذكرات ثلاثة أرباع قرن 2004م
الشعر والشعراء في الإسلام
رحلة الضياع للإعلام العربي المعاصر
يا أيها الإنسان (قصص)

رحمه الله رحمة واسعة وجزاه كل خير ومغفرة ورفعة!
وإنا لله وإنا إليه راجعون!

سيرة السيد العفيف والشهم الكريم


وكان من أشراف قريش وعقلائها ونبلائها .
وكانت خديجة عمته .
وكان الزبير ابن عمه .

فمن هـو ؟

اسمه : حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو خالد القرشي الأسدي .

مولده : وُلِد حكيم في جوف الكعبة ، وعاش مئة وعشرين سنة .
قال البخاري في تاريخه : عاش ستين سنة في الجاهلية ، وستين في الإسلام .

إسلامه : أسلم يوم الفتح ، وحسن إسلامه ، وغزا حنيناً والطائف .

حدث عنه ابناه هشام بن حكيم ، وهو صحابي مثل أبيه .
وكان ابنه هذا صليباً مهيباً ، كان يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، فكان عمر رضي الله عنه إذا رأى مُنكراً قال : أمّا ما عِشتُ أنا وهشام بن حكيم ، فلا يكون هذا .

قال الإمام الذهبي : وكان حكيم علامة بالنسب فقيه النفس كبير الشأن .

من مناقبه : قال حكيم بن حزام رضي الله عنه : كان محمد صلى الله عليه وسلم أحب الناس إلي في الجاهلية ، فلما نبىء وهاجر ، شهد حكيم الموسم كافراً ، فوجد حلة لذي يزن تباع ، فاشتراها بخمسين دينارا ، ليهديها إلى رسول الله ، فقدم بها عليه المدينة ، فأراده على قبضها هدية ، فأبى . قال : إنا لا نقبل من المشركين شيئا ، ولكن إن شئت بالثمن . قال حكيم : فأعطيته حين أبى علي الهدية ، يعني بالثمن .
فلبسها ، فرأيتها عليه على المنبر ، فلم أر شيئا أحسن منه يومئذ فيها ، ثم أعطاها أسامة ، فرآها حكيم على أسامة ، فقال : يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن ؟ قال : نعم ! والله لأنا خير منه ، ولأبي خير من أبيه .

قال حكيم بن حزام رضي الله عنه : يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة رحم ، فهل فيها من أجر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما سلف من خير . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : قلت : فو الله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله . وكان أعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير ، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير .

قال مصعب بن عثمان سمعتهم يقولون : لم يدخل دار الندوة للرأي أحد حتى بلغ أربعين سنة إلا حكيم بن حزام فإنه دخل للرأي وهو ابن خمس عشرة .
وهذا يدلّ على رجاحة عقله رضي الله عنه .

كرمه : قال حكيم : كنت تاجرا أخرج إلى اليمن وآتي الشام فكنت أربح أرباحا كثيرة فأعود على فقراء قومي ، وابتعت بسوق عكاظ زيد بن حارثة لعمتي بست مئة درهم ، فلما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته زيداً فأعتقه ، فلما حج معاوية أخذ معاوية مني داري بمكة بأربعين ألف دينار فبلغني أن ابن الزبير قال : ما يدري هذا الشيخ ما باع . فقلت : والله ما ابتعتها إلا بِـزِقّ من خمر ، وكان لا يجيء أحد يستحمله في السبيل إلا حمله .

ولما حاصر مشركو قريش بني هاشم في الشعب كان حكيم تأتيه العير بالحنطة فيقبلها الشعب ثم يضرب أعجازها ، فتدخل عليهم فيأخذون ما عليها .

وقال مصعب بن ثابت : بلغني والله أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة ومعه مئة رقبة ومئة بدنة ومئة بقرة ومئة شاة ، فقال : الكل لله .

ولما توفي الزبير لقي حكيم عبد الله بن الزبير ، فقال : كم ترك أخي من الدَّين ؟ قال : ألف ألف . قال : عليّ خمس مئة ألف .

استعفافه : قال حكيم بن حِزامٍ رضيَ اللّهُ عنه : سألتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثمّ سألتهُ فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ثمّ قال : يا حكيمُ ! إنّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوة ، فمن أخذَهُ بَسخاوةِ نفسٍ بوركَ له فيه ، ومن أخذَهُ بإشْرافِ نفسٍ لم يُبارَك له فيه ، كالذي يأكلُ ولا يشبَعُ . اليدُ العُليا خيرٌ منَ اليدِ السّفلى . قال حكيمٌ : فقلتُ : يا رسولَ اللّهِ ، والذي بَعثكَ بالحقّ لا أرزأُ أحداً بعدَكَ شيئاً حتى أُفارِقَ الدنيا . متفق عليه .
فكان أبو بكرٍ رضيَ اللّهُ عنهُ يَدعو حكيماً إلى العطاءِ فيأبى أن يَقبلَه منه ، ثمّ إن عمرَ رضيَ اللّهُ عنهُ دعـاهُ ليعطِيَهُ فأبى أن يَقبلَ منهُ شيئا ، فقال عمرُ : إني أُشهِدُكم يا معشرَ المسلمينَ على حكيمٍ أني أعرِضُ عليهِ حقَّهُ من هذا الفَيْءِ فيأبىَ أن يأخُذَه ، فلم يَرْزَأْ حكيمٌ أحداً منَ الناسِ بعدَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حتى تُوُفّي . كما عند البخاري .

وفاته : مات سنة أربع وخمسين من الهجرة فرضي الله عنه وأرضاه .
وكان يقول عند الموت : لا إله إلا الله ، قد كنت أخشاك وأنا اليوم أرجوك .

صفحات من حياة الشيخ عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي

الحمد لله الذي رفع قدر أهل العلم بقوله تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات }.
والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل : ( العلماء ورثة الأنبياء ) رواه الإمام أحمد وغيره أما بعد:-
فإن العلماء مصابيح الدجى، وأعلام الهدى .
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم؛ يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائهٍ قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ،ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ..... ).
وقال الإمام الآجري عن العلماء:(فهم سراج العباد ومنار البلاد وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيأ قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر .....).
ومن جميل ما يقرأ لهم القراءة في سيرهم، ومعرفة تراجمهم، وقد صنف المصنفات الكثيرة في هذا .
ولقد تشرفت بصحبة شيخنا المحدث عبدالعزيز الطريفي، وحرصت على معرفة سيرته لما فيها من التفوق والنبوغ. فعرضت عليه أسئلة في حياته العلمية والعملية- والشيخ متردد في الإجابة حول سيرته حتى بعد أن أجاب على أسئلتي حادثني بالإعفاء وعدم نشرها _ ولكن أحسب أن في نشرها شحذ للهمم، والاستفادة من طرائق الشيخ في التحصيل.
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً للعلم النافع، والعمل الصالح .


صالح بن عبدالعزيز الثويني
Sal10@naseej.com


تنبيه :لم يكن في البال أن انشر ترجمة الشيخ في هذا الوقت لرفض الشيخ لذلك لكن نشرت من أحد الأخوة دون رجوع ! (بحسن قصد غفر الله له) .ولذا أحببت نشرها ... .



------------------------------------


صفحات من حياة الشيخ عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي


[1]- نود التعريف والنشأة مبتدءاً بالاسم فالمولد ومكانه والدراسة وغير ذلك ؟
قبل الدخول في إجابة سؤالك أخي الفاضل, أفضل ذكر أمر أحسبه مهماً, وهو أن متلقي العلم والمعرفة إن رام الفائدة أن يقصدها ولا يهتم بقائلها ما دام أنه على معتقد صحيح, والناس في هذا بين طرفي نقيض, إما واردٌ على كل منبع وإما حارمٌ نفسه من الفائدة لأنه لا يأخذ إلا ممن يهواه ويوافقه
يقول ابن رشيق القيرواني:

خذ العلوم ولا تحفل بناقلها ... واطلب بذاك وجه الخالق الباري
أهل الروايات كالأشجار يانعةً ... كل الثمار وخل العود للنار

وما أجمل ما قاله الخليل:

أعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي --- ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري

وأعود إلى سؤالك حول التعريف فالاسم عبد العزيز بن مرزوق الطَّريفي, والطَّريفي كما قال السيوطي في "الأنساب":
( الطَِّريفي بفتح الطاء وكسرها بطن من طيء) . وننتسب للأسلم .

أما النشأة فالحديث عنها طويل فقد ولجت عدة دول ولمّا أميز، ولدت -خارج السعودية - في دولة الكويت، أنا وسائر إخوتي لظروف عمل الوالد وطلبه الرزق –رحمه الله-, حيث ذهب في فتوته قبل الستينات الميلادية أو في أوائلها –فيما أظن-, وكان يتردد بين الكويت والموصل ومصر، ثم لم يلبث أن عاد لهذه البلاد قبل أن أُمَيِّز، وأقام نحو عقد ونصف خارجها .
وكان تاريخ الميلاد 7/12/1396 للهجرة.
وأما الدراسة الجامعية فأنهيتها من كلية الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود في مدينة الرياض .
وأما العمل فباحث علمي في وزارة الشئون الإسلامية, ثم مديراً لإدارة البحوث والدراسات في مركز البحوث والدراسات, ثم باحثاً علمياً فيها ..

[2]- متى بدأتم طلب العلم ؟ وما هي الطريقة في ذلك ؟
لا أذكر حداً في ذلك, خاصةً إذا اعتبرنا انتشار العلم وتوسعه حتى أصبح يناله الكثير, لكنني أذكر أني ابتدأت حفظ المتون العلمية في سن الثالثة عشرة, وكان أول متن حفظته هو (البيقونية) في المصطلح وكان الطريقة في بداية الأمر غير منضبطة, ولكن بدأت بالقراءة والحفظ والقراءة الكثيفة في سن الخامسة عشرة, وأذكر أني قرأت حينها عشرات المجلدات, كـ"تفسير ابن كثير" و"زاد المعاد" و"سيرة ابن هشام" و"فتاوى ابن تيمية" (المرة الأولى) وغيرها وكان هناك حضور متفرق لبعض طلاب العلم, في سن البلوغ وبعده بقليل .
والإنسان لا ينتهي من التعلم, فالعلم من المهد إلى اللحد ولن يُحَصِّل إلا قليلاً, فالعلم بحر .. بحر ...

وأما الطريقة في التحصيل:
فكان هناك حضور قليل للدروس نحو ثلاث دروس أسبوعية, لكن كانت أغلب الساعات في القراءة والتلخيص، من غير لزوم فن معين بل في العقيدة والسنة والفقه والسيرة والتاريخ واللغة والشعر, والأدب، وقد وجدت فائدة تلخيص الكتب المطولة كثيراً, فقد اختصرت في سن السادسة والسابعة عشرة "تفسير ابن كثير" كاملاً و"زاد المعاد" وأجزاء من "المغني" وأجزاء من "فتاوى ابن تيمية" بيدي ولا زلت أحتفظ بها في مكتبتي وقد أطلعتك على جملة منها.
كما اختصرت نحو شطر "الاستذكار" لابن عبدالبر، واعتنيت بضبط مسائله وحفظ الشواهد الشعرية التي يوردها، ووضعت فهرساً مخطوطاً لفتاوى ابن تيمية مستخرجاً منها القواعد الفقهية والحديثية وغيرها والأعلام والبلدان والمذاهب.
ومع مرور الوقت يجد الإنسان أخطاءً في التحصيل يبدأ التصحيح شيئاً فشيئاً, والأولى أن تكون القراءة والاطلاع هي الملازم في كثير من الوقت .

[3]- ما هي المتون التي حفظتموها أو قرأتموها على بعض العلماء ؟ وأبرز من تتلمذتم عليه ؟
ولقد ذكرت أن أول متن حفظته البيقونية في سن الثالثة عشرة, ثم حفظت في سن البلوغ وما قبله وبعده بيسير حفظت كثيراً من المتون منها " الأصول الثلاثة" و"كشف الشبهات" و"كتاب التوحيد" و"فضل الإسلام" و"المنظومة الرحبية" و"بلوغ المرام"، ومئات الأبيات الشعرية من الشواهد وغيرها، وهذا حتى سن الثامنة عشرة.
ثم في تلك السنة بدأت في البخاري فصحيح مسلم, فسنن أبي داود فبقية الأصول.
وشرعت بحفظ مسائل شرح الزركشي على مختصر الخرقي ويقع في سبع مجلدات في مذهب أحمد حتى كتاب الصلاة ثم توقفت وبدأت بحفظ روايات المذهب منه ..
وكذلك اعتنيت بضبط مسائل "منار السبيل" لابن ضويان، وأدلته .
وكذلك "الرسالة" لابن أبي زيد القيرزاني في فقه مالك وقرأت من شروحها نحو الخمسة شروح.
وغير ذلك مما تيسر ..
أما ما قرأته على أهل العلم:
فجل ما أتلقاه عنهم سماعاً من الدروس وقراءتي على العلماء قليلة, فقرأت على بعضهم شيئاً يسيراً من سنن أبي داود والبخاري وبعض الكتب في علوم الآلة وغيرها ..

أما من أخذت عنهم :
فهم يتفاوتون زمناً في طول التلقي, وقدر الاستفادة، ولكن سأذكر جملة منهم:
*الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حضرت دروسه نحواً من أربع سنين, تخللها فوت يسير.
*محمد عبد الله الصومالي "المكي" رحمه الله شيئاً يسيراً.
وهو من أهل العلم المعمرين الحفاظ، يُقصد من القريب والبعيد، الكبير والصغير، قليل ذات اليد.
* الأستاذ حسن الأثيوبي في النحو والصرف.
* الدكتور الأديب محمد أجمل الإصلاحي.
عضو مجمع اللغة العربية بدمشق, عالم أديب متواضع, ولا زلت على صلة به وزيارات وثيقة.
* الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله.
* الشيخ محمد البرني الهندي في "فتح الباري".
*الشيخ عبد الله بن عقيل حفظه الله رئيس اللجنة الدائمة في "مجلس القضاء".
*الشيخ عبد الرحمن البراك, شهور يسيرة في الاعتقاد للبيهقي .
*الشيخ عبد الكريم الخضير قرأت عليه "الباعث الحثيث" فقط، عام 1418هـ .
*الشيخ صالح آل الشيخ قرأت عليه في مجالس يسيرة من "مفردات غرائب القرآن" للراغب الأصفهاني و "سنن أبي داود" عام 1418 هـ تقريباً .

[4]- ما هي طريقتكم في حفظ الأحاديث ؟ خاصة الأسانيد ؟
الأحاديث أحفظها بالطريقة المعتادة وهي التكرار – بالطبع – لكن الإشكال في المداومة في ذلك, فالانقطاع يورث صعوبة في العودة للحفظ, وأما قدر ما كنت أحفظه في اليوم من ثلاثين إلى خمسين حديثاً قد تزيد وقد تنقص ..
وأما الأسانيد فأحفظ ما عليه مدار الحديث إذا كان صحيحاً وأما إذا كان معلولاً ومشكلاً فأحفظ جميع طرقه في الغالب .

[5]- هل ذكرتم بعض الكتب المطولة التي تيسر لكم قراءتها ؟ مع ذكر طريقتكم في اقتناص الفوائد من تلك الكتب ؟ ومدة القراءة اليومية عندكم ؟ وما هي الكتب التي شرحتموها ؟
ذكرها يطول ولكن ما قرأته من كتب السنة جلها, كسنن البيهقي وسنن سعيد بن منصور وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق (أكثر من مرة) والمحلى لابن حزم (عدة مرات) والأوسط لابن المنذر ومعرفة السنن و الآثار للبيهقي وسنن الدارقطني و"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" وأكثر الأجزاء الحديثية المسندة وغيرها .. وكثير من فقه السلف فيها محل العناية .
وفي مثل هذه الكتب لا أكاد أدون منها شيء .. لأن مثله يصعب تدوينه ولكن يحرص القاري على استذكار موضعه واستحضاره .
ويلحق في هذا كتب العلل كشرح علل الترمذي لابن رجب وعلل الدارقطني وعلل ابن أبي حاتم وعلل ابن المديني وعلل ابن معين وعلل الخلال وعلل أحمد وغيرها .
وفي الفقه كثير: كالتمهيد والاستذكار لابن عبد البر والمدونة والمقدمات وجملة من شروح الرسالة وغيرها في فقه مالك .
وفي فقه أبي حنيفة الحجة على أهل المدينة والآثار لأبي يوسف ومحمد بن الحسن, وحاشية ابن عابدين.
وفي فقه أحمد جميع مسائل أحمد فيما أعلم التي وقفت عليها كمسائل أحمد برواية عبدالله ومسائل صالح ومسائل ابن هانيء ومسائل مهنا ومسائل الخلال ومسائل أبي داود ومسائل الخلال ومسائل الكوسج ويلحق في هذا ما ينقل عن أحمد في غير المسائل كطبقات الحنابلة وغيرها، ومن الكتب في فقه أحمد شرح الزركشي على مختصر الخرقي والشرح الكبير وكشاف القناع ومنار السبيل "مراراً" وغيرها..
وفي فقه الشافعي الأم والمجموع والشرح الكبير وغيرها ..
وأما التفسير: فالذي يغلب على الظن قراءة جل التفاسير المسندة كتفسير ابن جرير وتفسير ابن أبي حاتم وتفسير البغوي .. وكذلك تفسير ابن المنذر فقد قرأت الموجود منه "مخطوطاً" قبل أن يطبع، وكذلك تفسير عبد بن حميد قرأت قطعته مخطوطة والموجودة في حاشية تفسير ابن المنذر، وقرأت تفسير ابن كثير، بل اختصرت فوائده.
ولي قراءات متفاوته في تفسير القرطبي وابن عطية والزمخشري والثعلبي وغيرها ..
وأما التاريخ : فقرأت كتب الطبقات وتاريخ الإسلام للذهبي وأجزاء من شذرات الذهب وتاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنهاية .
والتاريخ ومعرفته هي عمر الإنسان الحقيقي وخبرته، فينبغي أن يكثر من قراءته ، فكم من هو كهل في معرفته وهو صغير السن في عمره، بسبب معرفته بالتاريخ والحوادث والوقائع والفتن وكيف آلت إليه وحال أصحابها قبل وبعد وكيف تعامل معها العقلاء.
ولا يكاد يوجد واقعة إلا ولها نظير في التاريخ، ومن المؤسف حقاً أن نرى أخطاء التاريخ تتكرر بسبب الجهل به.
والإعجاب بالعقل والرأي والتدبير في الأمور العظام داء خطير جر على الأفراد والشعوب والحكام الويلات والنكبات .
وأما تدوين الفوائد فهي إما بالتلخيص للكتاب كله وهذا نادر جداً أو بتدوين رؤوس المسائل التي يخشى فواتها على غلاف الكتاب .. وأن احتيج للمزيد تكتب في ورق وتوضع في داخل الكتاب لمراجعتها عند الحاجة .
وأما المدة الزمنية في القراءة فغير منضبطة, فتتراوح بين العشر إلى ثلاث عشرة ساعة بحسب الأيام والفصول ولكن هذا متوسطها, وقد تزيد في الإجازات إلى خمس عشرة ساعة بين قراءة وكتابة.

والكتب التي قمت بشرحها أو التعليق عليها :
* شرح العلل لابن رجب.
* علل ابن المديني .
* المنتخب من علل الخلال .
* سنن الترمذي, وأنهينا ثلثيها .
* المحرر لابن عبد الهادي وانتهينا من قريب الثلثين.
* كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب مراراً .
* التمييز لمسلم .
* نخبة الفكر في المصطلح مراراً .
* الموقظة للذهبي مراراً .
* الأربعين النووية مراراً .
* صحيح البخاري إلى كتاب الصلاة .
* زاد المستقنع . وغيرها ..

[6]- هل لكم قراءة في الكتب الأدبية والفكرية ؟
لي قراءات متفاوتة في الكتب الأدبية كالعقد الفريد وزهرة الآداب والمقامات وكتب الجاحظ بالأخص وغيرها ولكني لست مكثراً .
أما الفكرية فلي قراءات فيها, وخاصة في شأن التيارات والأفكار المعاصرة كالعلمانية والليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وكذلك في التيارات المنتسبة للإسلام وكذلك متابعة بعض المجلات والدوريات بهذا الشأن, وكذلك قراءة للمقالات في بعض الصحف اليومية، والقراءة في الصحف إنما هي للخطوط العريضة منها، وما يهم، وإلا فمتابعة الصحف بوضعها الذي هي عليه الآن إهدار للوقت والجهد، غث وغثاء وعبث ..
ولي رسالة في بعض التيارات سميتها (الحرية بين الفكر والكفر) لم يؤذن لها بالنشر.
ولي متابعة متواضعة لما تنشره دور النشر التي تعنى بالأفكار الغربية باللغة العربية سواء التي مقرها لندن كـ"دار الساقي" أو بيروت كـ"دار رياض الريس" وغيرها، وفي مكتبتي مئات الكتب والدوريات من هذا النوع قرأت شيء منها، واطلعت مروراً على الجميع فيما أظن ..
وقرأت بعض كتب الفلاسفة الأوائل فقرأت "رسائل الفارابي" والسياسة المدنية له، وبعض رسائل أرسطو وقسطا بن لوقا، وأرطميدورس الإفسي وغيرهم، وبعض الفلاسفة المنتسبين للإسلام كابن سينا وابن ملكا وابن رشد وغيرهم ولكن بعد قراءتي لها ولنظائرها لا أنصح بقراءتها إطلاقاً .
وكل المدارس الفكرية التي راجت عند بعض المسلمين والعرب في وقتنا ما هي إلا صور للمدارس الغربية وغيرها، من آثار الانفتاح الحاصل على الأمم والشعوب الأخرى، كما حصل في القرن الثالث والرابع وما بعدها، وكل حضارة قوية لها أتباع ومقلدة، وإذا تلاشت تلاشوا معها، فالشيوعية فُتن بها الناس زمناً، ماتت وكُفِّن بها أصحابها، وهكذا ستتبعها العلمانية والليبرالية، والتاريخ مليء من ذلك ولكننا لا نقرأ.

[7]-إجازتكم في الرواية عمن أخذتموها ؟
لي إجازات لا بأس بها عن جماعة من العلماء منهم :
* محمد عبد الله الصومالي رحمه الله.
* الدكتور سهيل حسن عبدالغفار .
* الدكتور محمد لقمان الأعظمي الندوي رحمه الله.
* محمد البرني الهندي رحمه الله.
* محمد المنتصر الكتاني المغربي .
* الشيخ الأديب عبد القادر كرامة الله البخاري رحمه الله, وقد زرته عام 1417 وقال عمري: 92 عاماً, وأهدى لي قصيدة بخط يده، ومقطوعات أدبية، وكتاب "فهرس الفهارس" للكتاني.
* العلامة الأديب محمد بو خبزة الحسيني المغربي, وكذلك بيني وبينه مراسلات قديمة وعندي منها شيء بخطه .
* محمد إسماعيل العمراني اليمني .
* العلامة عبد الله بن عقيل الحنبلي .
* عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي .. وغيرهم

[8]- الإجازة عند كثير من طلاب العلم بين المبالغة والتقصير ما رأيكم في ذلك؟
الإجازات فيها شرف الاتصال بالسالفين وعلى رأسهم خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم, ولكن فائدتها ليست بتلك, ومع شرف الانتساب فلها فائدة حفظ الكتب من التشكيك فيها أو في نسبتها لمؤلفيها .
وهناك من يبالغ فيها ويضيع عمره في تتبعها ومطاردتها في البلدان سفراً وترحالاً وهذا من المبالغة والجهد الضائع .

[9]- أهل الحديث في الهند من يراد بهم ؟
أهل الحديث في الهند هم جماعة نشأت في مواجهة التعصب للمذهب الحنفي قصداً للدليل, وكان أهل الحديث في أول الأمر ليسوا على عقيدة صافية, بل فيهم النقشبندي والديوبندي والماتريدي وغيرهم, فأصل مسمى أهل الحديث ليس سلامة المعتقد بل التحرر من التقليد الفقهي لمذهب أبي حنيفة, ثم بعد اتصالهم ببلاد أهل السنة والجماعة صححت عقائدهم .

[10]- متى بدأتم التأليف ؟ وما هو أول كتاب ألفتموه ؟
الكتابات كثيرة وكثير منها يقصد الشخص به تأليفاً ثم يتضح له بعد أمد أنه لا يستحق النشر, وقد كتبت عدة مؤلفات لا أرى مناسبتها لأسباب منها عدم نضجها, ومنها عدم مناسبة الوقت في إخراجها ونحو ذلك ..
وأول كتاب نشر هو كتاب (التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل) انتهيت منه عام 1420 للهجرة في سن الرابعة والعشرين تقريباً .

[11]- ما يثار حول طرحكم سواء في الأمور العلمية أو غيرها ؟
أما بشأن الأمور العلمية فما أذكر أني رجحت قولاً وليس لي فيه سابق وسلف معتبر, ولكن ربما يستشكل الإنسان قولاً لأنه لم يسمع به من قبل في بلده أو عند علمائه وهو قول معروف له دليله, وما دام للقائل سلف في قوله فلا ملامة ما لم يكن في إظهار هذا القول فتنة ومفسدة فكل شيء بقدره ..
وقد يطبق أهل بلد ما على عمل ضعيف، ويظن بعض الناس أن عملهم إطباق وإجماع وما يخالفهم شذوذ، وهذا هو سبب الإشكال، وهذا وجد في العصور الأولى، قد يعمل البصريون قاطبة بعمل يخالف ما عليه أهل المدينة، أو مكة أو العكس، ولو أفتى بصري بقول المكيين، عورض وشدد عليه، لا اعتراض على الاعتراض، وإنما الاعتراض على التشنيع، والتجهيل، وربما وقع هذا من بعض أهل الفضل، فعكرمة وهو من فقهاء التابعين أنكر على عمل رآه في الصلاة من أحدهم، ووصفه بـ ( الأحمق )، فسمعه ابن عباس وقال: هو على سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
أحمق في علم عكرمة، ومتبع السنة في علم ابن عباس !
وابن عباس على علم وحجته بالوحي الذي استند إليه رضي الله عنه وأرضاه .
ولهذا نظائر كثير لمن اطلع على مذاهب السلف والخلف .
حال الفتوى راقب من يعلم السر والعلن، لا غيره، وزن الأمور بميزان القسط، فما كل حق يقال، ومن الحق ما يجب أن يقال ولا بد.
وأما غير العلمية, فلا أدري إن كنت تقصد الأحداث فكم تمنيت أن يعلم أني من أشد الناس تألماً لما يحدث في هذا البلد في كل فتنة, وأني ربما لا ألتذ بنوم لأجل فتنة نزلت, أو دم سفك أو مال هدر بغير حق, أو قالة وفتنة تروج بين الناس، أو تجرؤ ناشئة حدثاء في أمور مصيرية, ولكن هناك من لا يريد إلا شيئاً واحداً منك, ولو تحدثت بكل خير وفضل لاقتنص المشتبه عليه من بين حديثك ليكون له ما يريد، ثم أنه لم يُفرض على العقلاء على مر العصور أن لا يقولوا شيئاً حتى يعرضوه على غيرهم ليُجاز، بل يقولوا ما يروه حقاً ما دام أنهم مستحضرون لنظر الرقيب سبحانه وتعالى . ثم لتعلم أن رضى الناس غاية لا تدرك .
نحن في هذا البلد في مركب واحد يجب أن نتدارك فيه أخطائنا بالحسنى واللين بعيداً عن الظنون وقلب المصطلحات والمعاني ..
إن انشغال البعض عن الواضحات إلى لي عنق الألفاظ والمعاني حتى يشكل منها أفكاراً وعقائداً لأشخاص داء مستفحل، وإن وجد أمثال هؤلاء آذاناً صاغية فذلك نذير خطر وشؤم.
حينما يخالفك غيرك لا يعني أنه عدو لك، بل أنه يرى نفسه في مركب وسفينة أنت فيها فإن لم يأخذ على يديك ستغرق ويغرق هو ويغرق المجتمع بأسره، فلا بد أن نأخذ على أيدي بعض فلا أحد معصوم.
ولقد تمكن في ظل هذا الصراع أصحاب التيارات التغريبية من رمي الشباك فوقع في شراكهم شيء مما يريدون, ونحن نفتش عن النوايا والمقاصد للأسف, وسيكون لهذا التفتيش ضحايا كثير للأسف ...

زياد علي

زياد علي محمد