الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

الشيخ عبدالرحمن الوكيل ومنهجه العلمي في الكتابة عن التصوف (2)

الشيخ عبدالرحمن الوكيل ومنهجه العلمي في الكتابة عن التصوف (2)


أخي أثلج الله صدرك بالتقوى، وأقر عينك بالهداية، وجعلك للصواب هادياً، ويسرك للخير وجعلت للخير ميسراً. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته وبعد.



فقد ذكرت لك منهج الشيخ عبدالرحمن الوكيل رحمه الله في الكتابة عن الصوفية الفكرة والسلوك وقد انتهينا إلى أن الرجل كان مثال الاتصاف بالعدل في العرض. وأنه كان رحمه الله منصفاً أكثر من الذين يتعصبون للتصوف بجهالة ومن الذين يتعصبون ضد التصوف بجهل.



وبعد معايشة طويلة لفكر وكتابات الشيخ الوكيل رحمه الله انتهيت إلى أن مجمل رأيه في الصوفية الفكرة والسلوك لا يخرج عن كون الصوفية يسوون بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب، فالوجود هو الرب عندهم. وكان لهذا الوجود صفة الإطلاق، ثم شاء أن يتعين فظهر في صورة الحقيقة المحمدية، أو صورة قطب الأقطاب بمعنى آخر ثم تكثرت هذه الحقيقة المحمدية، أو تجزأت، فظهرت في صورة مختلفة، منها الأقطاب الحادثون، والأوتاد والأبدال، فكل واحد من هؤلاء جزء من الرب، أو هو الرب في أحد تعيناته، هذا هو نظام الوجود عند الصوفية.



إنهم أبوا تصديق الله فيما تكلم به عن نفسه، وأبوا تصديق الرسول فيما وصف به ربه، ونبذوا العقل، وصدقوا وثنية الفلسفة المارقة وجعلوا من قضاياها هوية الحقيقة وإنِّيتها، فأخذوا منها التسوية بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب.



ثم جانبوا بعد ذلك الفلسفة كما جانبوا الدين وذهبوا يبنون نظاماً للوجود في غيبه وشهادته، وروحيته وماديته لا يقره عقل ولا يجيزه دين من الأديان.



ولما رأوا أن العقل يخالفهم اخترعوا أسطورة "الذوق" وقد عرفه الكمشخانلي يقوله: "هو أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي"[1].



وعرفه ابن عربي: بقوله: "الذوق أول مبادئ التجليات الإلهية"[2].



ولقد قالوا أي الصوفية: إنما تستمد معارفنا من الذوق لا من العقل، والحقيقة عند الصوفية لا تدرك بالعقل وإنما "بالذوق" ولهذا تتعدد الحقائق بتعدد الأذواق فلكل صوفي ذوق خاص يدرك به الحقيقة.



والصوفية في هذا أشبه السوفساطئيين في ناحية المعرفة غير أن السوفسطائيين جعلوا الإحساس الجزئي أساس المعرفة، أما الصوفية فهم اخترعوا أسطورة "الذوق" هذا للتخلص من أحكام العقل.



أما تحايلهم للتخلص من الدين الحق فيتمثل في اختراع أسطورة الظاهر والباطن. فالصوفية عندما وجدوا أن خرافاتهم ينكرها الشرع. راحوا يقولون إن للقرآن أو الشريعة ظاهراً وباطناً.



أما الظاهر فهو لعلماء الرسوم، وأما الباطن فللصوفية فقالوا بالشريعة والحقيقة. أما الشريعة فهي ما يؤخذ من الكتاب والسنة، وأما الحقيقة فهي ما يؤخذ من باطنها مؤيداً بذوقهم فحرفوا الكلم عن مواضعه، فهذا ابن عربي يفسر قوله تبارك وتعالى: حكاية عن فرعون: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 29].



يفسرها بقوله (لأجعلنك من المستورين) ويبرر ذلك بقوله أن السين من الحروف الزائدة، فإذا حذفت من كلمة "سجن" بقى جن ومعناه الوقاية والستر ولقد عمدت الصوفية إلى هذا التحايل عندما وجدت أن اللغة لا تسعفها.



ولقد أدت فكرة الظاهر والباطن بالصوفية إلى القول بوجود ما يسمى بالمملكة الباطنية وهي القطب وأعوانه والديوان الباطني ومكانه.



• والقطب عند الصوفية قطب حادث وقديم أو حسي ومعنوي، والقطب الحسي حادث يستخلف بدلاً منه عند موته من أقرب الأبدال منه، فحينئذ يقوم مقامه بدل هو أكمل الأبدال.



• والأبدال هم أربعون رجلاً لكل منهم درجة مخصوصة اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق كلما مات واحد منهم استبدال مكانه آخر، ومن هؤلاء الأبدال الأربعين يتعين ثلاثة أوتاد ومن هؤلاء الأوتاد يختار القطب الحادث، وبذلك يكون القطب الحسي قطب مسبوق بقطب، ويخلفه قطب، فقطبيته حادثة محدودة بوقت أما قطب الأقطاب فهو قطب معنوي قديم غير مسبوق بقطب، ولا يخلفه قطب آخر، فهو واحد منذ القدم سرمدي القطبائية أبديها. وهو قطب بالنسبة إلى ما في عالم الغيب والشهادة.



• وحتى لا يظن أحد الغلو بالشيخ رحمه الله فقد ذكر بعض تعاريف القطب المعنوي أو قطب الأقطاب كما جاءت عند كبارهم فيقول القاشاني:

"هو قطب بالنسبة إلى جميع المخلوقات في عالم الغيب والشهادة ولا يستخلف بدلاً من الأبدال ولا يقوم مقامه أحد من الخلائق، وهو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة لا يسبقه قطب ولا يخلفه آخر، وهو الروح المصطفوي المخاطب بلولاها ما خلقت الكون وتدور عليه دوائر الكون ويحيط بأقطارها"[3].



ولقد خرج الصوفية بمعنى الولاية من مدلولها الشرعي إلى مدلول آخر غير شرعي. وقد دانت الصوفية بفكرة ختم الولاية التي وضعها الحكيم الترمذي وادعت أن خاتم الأولياء أفضلهم قياساً على خاتم النبوة بل إن بعضهم جاهر بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء. لأن خاتم الأولياء يأخذ عن الله مباشرة، أما خاتم الأنبياء فيأخذ عن الله بواسطة الملك.



كما خرجوا بلفظ المحبة عن مدلوله الشرعي إلى مدلول بدعي فأطلقوا لفظ العشق بدلاً من لفظ المحبة فصار حالهم بدعياً لا شرعياً وجرهم ذلك إلى الحديث عن الفناء وفناء الفناء الذي قادهم إلى عقيدة الحلول ووحدة الوجود ثم وحدة الأديان لا وحدة الدين.



كذلك تدين الصوفية ويكثر الحديث بينهم عن الكرامات التي ينسبوها لشيوخهم أحياء وأمواتاً. بل إن المناوي يقول: إن أول كرامات الصوفية إحياء الموتى. وناهيك عما في كتب الشعراني من تلك الخرافات. وإيمان الصوفية بما جاء في كتبهم لا حدود له. وإذا قرأت شيئاً منها على أحدهم وسمع ما فيها من مخازٍ وأقوال ضالة صاح وقد ملكته رعدة وهو يقول (إن هذا مدسوس) فإذا خلا إلى نفسه قال: لعل الشيخ اطلع على قدر الله المغيب.



وعن التصوف النظري والتصوف العملي يرى الشيخ عبدالرحمن الوكيل أنه لا يوجد فرق بين تصوف قديم وتصوف حديث وأن السلوك وليد الفكرة والفكرة وليدة السلوك.



وبعد: فقد بقيت لنا كلمة: إذا كان ما في التصوف من الإسلام فقد كفانا الإسلام مؤونة ذلك. وإذا كان ما في التصوف خارج عن الإسلام فلا حاجة لنا به.

سيرة سيدة نساء العالمين(فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم )

إذا افتخرت بنت بأبيها ، فيكفي سيدة نساء العالمين أنها بنت إمام المتقين صلى الله عليه وسلم .
وإذا افتخر مُفتخر بنسبه ، فإن سيدة نساء العالمين تفوق بذلك من افتخر .
وإذا تعاظم شخص في نفسه ، فحسب سيدة نساء العالمين هذا اللقب ( سيدة نساء العالمين ) .

هي :
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام الذهبي : سيدة نساء العالمين في زمانها البضعة النبوية والجهة المصطفوية .

أم أبيها ، بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية ، وأم الحسنين .

كانت فاطمة أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه .

مولدها :
قبل المبعث بقليل .

من فضائلها :
روت عن أبيها .
وروى عنها ابنها الحسين وعائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وغيرهم ، وروايتها في الكتب الستة .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبها ويكرمها ويُسرّ إليها .
ومناقبها غزيرة ، وكانت صابرة ديّنة خيرة صيّنة قانعة شاكرة لله .
وقد غضب لها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا الحسن همّ بما رآه سائغا من خطبة بنت أبي جهل فقال : والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله ، وإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها . رواه البخاري ومسلم .
فترك عليٌّ الخطبة رعاية لها ، فما تزوّج عليها ولا تسرّى ، فلما توفيت تزوج وتسرّى رضي الله عنهما ، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم حزنت عليه وبكته وقالت : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . يا أبتاه أجاب ربا دعاه . يا أبتاه جنة الفردوس مأواه .
وقالت بعد دفنه : يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

وقد قال لها في مرضه : إني مقبوض في مرضي هذا . فبكت وأخبرها أنها أول أهله لحوقاً به ، وأنها سيدة نساء هذه الأمة ، فضحكت ، وكتمت ذلك فلما توفي صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة فحدثتها بما أسرّ إليها .

وقالت عائشة رضي الله عنها : اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُغادر منهن امرأة ، فجاءت فاطمة تمشي كان مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مرحبا بابنتي . فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم أنه أسرّ إليها حديثاً ، فبكت فاطمة ، ثم إنه سارّها ، فضحكت أيضا . فقلت لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن . فقلت لها حين بَكَتْ : أخصّك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه دوننا ثم تبكين ، وسألتها عما قال ، فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قُبض سألتها ، فقالت : إنه كان حدثني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة ، وأنه عارضه به في العام مرتين ، ولا أراني إلا قد حضر أجلي ، وإنك أول أهلي لحوقاً بي ، ونعم السلف أنا لك ، فبكيت لذلك ، ثم إنه سارّني ، فقال : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة ، فضحكت لذلك . رواه البخاري ومسلم .

وكان عليه الصلاة والسلام يقوم لها وتقوم له ، ويُقبّلها وتُقبّله رضي الله عنها .

زواجها :
تزوجها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذي القعدة أو قُبيله من سنة اثنتين بعد وقعة بدر ( قاله الذهبي ) .
وقال ابن عبد البر : دخل بها بعد وقعة أُحد ، فولدت له الحسن والحسين ومحسنا وأم كلثوم وزينب .

صداقها :
أصدق عليّ رضي الله عنه فاطمة درعه الحُطمية .
فأي خير بعد ذلك في التفاخر بكثرة الصداق ؟
وأي خير في غلاء المهور ؟
وهل نساء الدنيا أجمع خير أم فاطمة ؟

خدمتها في بيت زوجها :
كانت فاطمة رضي الله عنها تعمل في بيت زوجها ، حتى أصابها من ذلك مشقّة .
قال عليّ رضي الله عنه : شَكَتْ فاطمة رضي الله عنها ما تلقى من أثر الرّحى ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم سبي ، فانطلقت فلم تجده ، فوجدت عائشة فأخبرتها ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبت لأقوم ، فقال : على مكانكما ، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري ، وقال : ألا أدلكما على خير مما سألتماني ؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبران أربعا وثلاثين ، وتسبحان ثلاثا وثلاثين ، وتحمدان ثلاثا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم . رواه البخاري ومسلم .

فإذا كان هذا هو حال سيدة نساء العالمين ، فما في حياة الترف خير .

حياؤها رضي الله عنها :
قالت فاطمة رضي الله عنها لأسماء بنت عميس رضي الله عنها : إني أستقبح ما يصنع بالنساء ، يُطرح على المرأة الثوب فيصفها. قالت : يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة ؟ فَدَعَتْ بجرائد رطبة ، فَحَنَتْها ، ثم طرحت عليها ثوباً . فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله ، إذا متّ فغسليني أنت وعلي ، ولا يدخلن أحد عليّ .
قال ابن عبد البر : هي أول من غُطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة .

أولادها رضي الله عنها :
تقدّم ما لها من أبناء في ترجمة عليّ رضي الله عنه .
وكان لها من البنات :
أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وزينب زوجة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما .
فيكيف يجتمع حب آل البيت وبغض أصهارهم ؟!
فعمر رضي الله عنه زوج أم كلثوم بنت عليّ رضي الله عنه وعنها .

وإذا ضاقت عليهم المذاهب أنكروا زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم !

فاطمة رضي الله عنها وميراث أبيها :
قال الإمام الذهبي رحمه الله :
ولما توفي أبوها تعلقت آمالها بميراثه ، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق ، فحدّثها أنه سمع من النبي يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، فَوَجَدَتْ عليه ، ثم تعللت . انتهى كلامه رحمه الله .

وحدّث الشعبي قال : لما مرضت فاطمة أتى أبو بكر فاستأذن ، فقال عليٌّ : يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ، فقالت : أتحبّ أن آذن له ؟ قال : نعم . فأذِنَتْ له ، فدخل عليها يترضّاها ، وقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت . قال : ثم ترضّاها حتى رضيت . رواه البيهقي في الكبرى وفي الاعتقاد .


شُبهات وجوابها :
صح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل فاطمة وزوجها وابنيهما بكساء وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
وهذه منقبة لهم ، ولا يُفهم منه انحصار آل البيت في هؤلاء كما تفهمه الرافضة .

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني . رواه البخاري .
تقول الرافضة : إن أبا بكر أغضب فاطمة رضي الله عنها ، فهو داخل في هذا الحديث .
وليس الأمر كما زعموا ، فإن أبا بكر رضي الله عنه عمِل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما سيأتي ، وعمِل بما اتفق عليه الخلفاء من بعده ووافقوه عليه بما في ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
فهل يُقال : إن علياً رضي الله عنه أغضب فاطمة بهذا ؟

وتقدّم سبب ورود الحديث في سيرة أبي الحسن رضي الله عنه وأرضاه .

روى الإمام البخاري في صحيحه أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر . فقال أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث . ما تركنا فهو صدقة . إنما يأكل آل محمد من هذا المال . يعني مال الله . ليس لهم أن يزيدوا على المأكل ، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتشهد عليّ رضي الله عنه ، ثم قال : إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك ، وذَكَرَ قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم ، فتكلم أبو بكر فقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي .
فأين هذا من زعم الظلم لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟؟؟

وروى الإمام مسلم في صحيحه أن عمر رضي الله عنه كان في مجلسه فاستأذن عليه عباس وعلي رضي الله عنهما ، فأذن لهما فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، فقال القوم : أجل يا أمير المؤمنين ، فاقض بينهم وأرِحهم .
فقال عمر : اتئدا . أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة ؟
قالوا : نعم .
ثم أقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركناه صدقة ؟
قالا : نعم .
فقال عمر : إن الله جل وعز كان خصّ رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره . قال : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول )

ثم إن الرافضة تزعم أن أبا بكر وعمر ظلما فاطمة ميراثها

وها هو العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وها هو علي رضي الله عنه زوج ابنته يُقرّان بقول النبي صلى الله عليه وسلم ويتذكّرانه يوم ذكّرهما به عُمر رضي الله عنه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم :

((( لا نورث ما تركناه صدقة )))

ثم إن كان الظلم وقع كما زعموا
لـِـمَ لَـمْ يردّه علي رضي الله عنه يوم تولّى الخلافــة ؟؟؟

لِمَ لَمْ يَردّ الحق إلى ورثة فاطمة من زوج وأولاد ؟؟؟

أم أن علياً رضي الله عنه ظلم فاطمة بعد موتها ولم يفِ لها بحقّها الذي كان يُطالب به ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم .
ولكن الرافضة قوم لا يعقلون .

ومع أن أبا بكر رضي الله عنه لم يظلم فاطمة رضي الله عنه ، إلا أنه ترضّاها عند موتها رضي الله عنها حتى رضيت ، كما تقدّم .

وإنما ذكرت هذا لأن الرافضة يُشنّعون به ، ويُدندنون حوله ، ويهرفون بما لا يعرفون !

وفاتها :
توفيت رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر أو نحوها ، وعاشت أربعا أو خمسا وعشرين سنة وأكثر ما قيل إنها عاشت تسعا وعشرين سنة .

فرضي الله عن فاطمة البتول وأرضاها .
وصلى الله وسلم على من رباها .
وإلى لقاء في سيرة علم من أعلام الأمة .

عبد الله بن سلام بن الحارث

عبد الله بن سلام بن الحارث

كنيته :
أبو يوسف من ذرية يوسف عليه السلام
صحابي جليل ، وهو من بني إسرائيل ، بل هو من ذُريّـة يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام .
كان عبد الله يهودياً من يهود بني قينقاع ، فأراد الله به خيراً فأسلم .

قال عنه الذهبي في السير : الإمام الحبر ، المشهود له بالجنة حليف الأنصار ، من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .

إســلامــه
لِنَدَعـه يُحدّثنا بقصته
قال رضي الله عنه
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتُّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، وكان أولُ شيء تكلم به أن قال : أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصَلُّـوا والناسُ نيام تدخلوا الجنة بسلام . رواه احمد والترمذي وغيرهما ، وهو حديث صحيح .

ولا يعرف الفضل لأهله إلا أهل الفضل

أسئلته للنبي صلى الله عليه وسلم

لما عرف تيقّن أنه ليس بكذّاب أراد أن يسأله عن أشياء لا يعرفها إلا نبي

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : سَمِعَ عبدُ الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف ، فأتى النبيَ صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي :
فما أول أشراط الساعة
وما أول طعام أهل الجنة
وما ينـزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟
قال : أخبرني بهن جبريل آنفا .
قال : جبريل ؟!
قال : نعم .
قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة !
فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ )
ثم قال :
أما أولُ أشراط الساعة فنار تحشرُ الناس من المشرق إلى المغرب
وأما أولُ طعامِ أهل الجنة فزيادة كبدِ حوت
وإذا سبق ماءُ الرجل ماء المرأة نـزع الولد ، وإذا سبق ماءُ المرأة نزعت .
قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ، يا رسول الله إن اليهود قومٌ بُهْت ، وإنـهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني .
فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيُّ رجلٍ عبدُ الله فيكم ؟
قالوا : خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا .
قال : أرأيتم إن أسلم عبدُ الله بن سلام ؟
فقالوا : أعاذه الله من ذلك !
فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
فقالوا : شرُّنا وابن شرِّنا وانتقصوه !
قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله .

وفي رواية للبخاري :
جاء عبد الله بن سلام فقال : أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم ، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ ، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلوا فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق فأسلموا . قالوا : ما نعلمه .
قال : فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟
قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا !
قال : أفرأيتم إن أسلم ؟
قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم !
قال : أفرأيتم إن أسلم ؟
قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم !
قال : أفرأيتم إن أسلم ؟
قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم !
قال : يا ابن سلام اخرج عليهم ، فخرج ، فقال : يا معشر اليهود اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، وأنه جاء بحق .
فقالوا : كذبت فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفيه نزل قوله تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ )
ولهذه الآية قصة فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يوما وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يومَ عيدٍ لهم ، فكرهوا دخولنا عليهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا يشهدون أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يُحبط الله عن كلِّ يهوديٍ تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه .
قال : فأسكتوا ما جاء به منهم أحد .
ثم رد عليهم فلم يجبه أحد .
ثم ثلّث فلم يجبه أحد .
فقال : أبيتم ! فوالله إني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم .
ثم انصرف وأنا معه حتى إذا كدنا أن نخرج فنادى رجل من خلفنا : كما أنت يامحمد .
قال : فأقبل ، فقال ذلك الرجل : أي رجل تعلمون فيكم يا معشر اليهود ؟
قالوا : والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك . قال : فإني أشهد له بالله إنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة . قالوا : كذبت . ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شرا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كَذَبْتم لن يقبل الله قولكم . أمّا آنفا فتُثنون عليه من الخير ما أثنيتم ، ولما آمن كذّبتموه وقلتم فيه ما قلتم ، فلن يقبل الله قولكم . قال : فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وعبد الله بن سلام وأنزل الله عز وجل فيه الآية . أخرجه الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في التلخيص وأخرجه ابن حبان والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين . وهو حديث صحيح .
فيُحتمل أن تكون القصة وقعت لفريقين من اليهود دون علم كلِّ فريق بما حصل للآخر ، وذلك أن رواية البخاري جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم فجاءوا ، والرواية الأخرى أنه دخل عليهم كنيسة لهم في يوم عيد لهم .

ومن فضائله :
من فضائله رضي الله عنه أنه من المبشرين بالجنة
فعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بقصعةٍ فأكل منها ففضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجئ رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة .
قال سعْدٌ : وكنت تركت أخي عميراً يتوضأ . قال فقلت : هو عمير .
قال : فجاء عبد الله بن سلام . رواه أحمد وغيره .

وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام . قال : وفيه نزلت هذه الآية ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) الآية .

وأنه ممن يؤتون أجورهم مرتين
فعبدالله بن سلام من الذين يؤتون أجرهم مرتين . لقوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت عنده أمةٌ يطؤها فأدبـها فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران . أخرجه البخاري ومسلم .
وفيه _ أي في عبدالله بن سلام _ نـزل قوله تعالى : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ )
فعلى رأي بعض المفسرين أن الذي عنده علم من الكتاب هو عبد الله بن سلام .

وأخرج البخاري ومسلم عن قيس بن عُبَاد قال : كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع فقالوا : هذا رجل من أهل الجنة ، فصلى ركعتين تجوّز فيهما ثم خرج وتبعته فقلت : إنك حين دخلت المسجد قالوا : هذا رجل من أهل الجنة . قال : والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه ورأيت كأني في روضة _ ذَكَرَ من سَعتها وخضرتـها _ وسَطَها عمودٌ من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عُروة ، فقيل لي : ارقـه . قلت : لا أستطيع . فأتاني منصف _ والمنصف الخادم _ فرفع ثيابي من خلفي فرَقَيْتُ حتى كنت في أعلاها ، فأخذت بالعروة فقيل لي استمسك فاستيقظت وإنـها لفي يدي فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تلك الروضة الإسلام ، وذلك العمود عمود الإسلام ، وتلك العروة العروة الوثقى ، فأنت على الإسلام حتى تموت . قال الراوي : وذاك الرجل عبد الله بن سلام .

ومن مناقبه رضي الله عنه أنه نصر عثمان يوم الدار .

وفاته :
توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة ثلاث وأربعين .

فرضي الله عنه وأرضاه

هذا شيء من خبره رضي الله عنه ، وهو من علماء أهل الكتاب
ولكنه عرف الحق واتّـبـعه
ثم قارن هذا الموقف منه رضي الله عنه بموقف آخر لعالم من علماء اليهود وقد عرف الحق أيضا

ذلكم هو شيطان بني النضير حُيي بن أخطب ، فقد حدّثت عنه ابته صفية – رضي الله عنها – فقالت : كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه . قالت : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا قالت : فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغمّ . قالت : وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حُيي بن أخطب : أهو هو ؟ قال : نعم والله قال :أتعرفه وتثبته ؟ قال : نعم . قال : فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ! رواه ابن إسحاق في السيرة فيما ذكره ابن هشام .

فكلهم صدّقوا وعرفوا أنه النبي الذي يجدونه عندهم في التوراة
ولكن من عرف وأقر وتابع نجا
ومن عرف ولم يُتابع ولم يُقرّ فما له من نجاة .

ابن قاسم جامع مجموع فتاوي شيخ الاسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
من سعد الحصيّن أمّا بعد: فالشيخ/ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي ولد عام1312 في قرية (البير) شمال الرّياض وتوفاه الله عام1392 رحمه الله.جدّ في طلب العلم على علماء نجد، وأشهرهم: عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وابراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وحمد بن فارس وسعد بن عتيق وعبد الله العنقري ومحمد بن ابراهيم آل الشيخ ومحمد بن نافع رحمهم الله جميعاً.ونفع الله بحسن خطّه وسرعته في الكتابة فنسخ بقلمه كثيراً من كتب العلوم الشرعيّة قبل أن تتيسّر الطباعة في المملكة المباركة، وكان أبرزها في البداية: جمع أجوبة علماء نجد على أسئلة الأحكام الشرعيّة منذ عهد المجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصر ابن قاسم أسكنهما الله الفردوس من الجنة، بعنوان: (الدّرر السّنية في الأجوبة النّجديّة) في(11) مجلّداً، وأكملها بالمجلّد(12) في تراجم العلماء الذين سجّل أجوبتهم جزاه الله رفقة رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته.وله بضعة عشر مؤلفاً في الاعتقاد والفقه والحديث والتفسير والفرائض واللغة وتَوَّجها بجمع فتاوى ابن تيمية رحمه الله في(35) مجلّداً حثه على إنجازها الشيخ محمد بن ابراهيم وموّل وشجَّع جَمْعَها وطَبْعها الملك سعود رحمهما الله، وساعد الشيْخَ في جمعها وإعدادها للطبع ابْنُه محمد رحمه الله وخلفه على أهله بصلاحهم.وعمل الشيخ في الدّولة السّعوديّة السّلفيّة أكثر من (30)سنة في العلم والعمل الشرعي (رعاية ونشر الكتب والمراجع الدّينيّة بخاصّة)، وطلب التّقاعد قبل وفاته ببضع سنين ليتطوّع لما ميّزه الله به: جمع ونشر العلوم الشرعيّة.رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته وخلفه في عقبه، وجزاه عن الاسلام والمسلمين خير ما يجزي الله الدّعاة إلى سبيله على بصيرة. كتبه/ سعد بن عبد الرحمن الحصيّن في1435/5/4هـ

عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كتبه أحد تلاميذه


هو الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي من قبيلة تميم ، ولد في بلدة عنيزة في القصيم ، وذلك بتاريخ 12 محرم عام ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية ، وتوفيت أمه وله أربع سنين ، وتوفي والده وله سبع سنين ، فتربى يتيماً ولكنه نشأ نشأة حسنة ، وكان قد استرعى الأنظار منذ جداثة سنه بذكائه ورغبته الشديدة في العلوم ، وقد قرأ القرآن بعد وفاة والده ثم حفظه عن ظهر قلب ، وأتقنه وعمره أحد عشر سنة ، ثم اشتغل في التعلم على علماء بلده وعلى من قدم بلده من العلماء ، فاجتهد وجد حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم ، ولما بلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة جلس للتدريس فكان يتعلم ويعلم ، ويقضي جميع أوقاته في ذلك حتى أنه في عام ألف وثلاثمائة وخمسين صار التدريس ببلده راجعاً إليه ، ومعول جميع الطلبة في التعلم عليه .

بعض مشايخ الشيخ
أخذ عن الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر ، وهو أول من قرأ عليه وكان المؤلف يصف شيخه بحفظه للحديث ، ويتحدث عن روعه ومحبته للفقراء مع حاجته ومواساتهم ، وكثيراً ما يأتيه الفقير في اليوم الشاتي فيخلع أحد ثوبيه ويلبسه الفقير مع حاجته إليه ، وقلة ذات يده رحمه الله ، ومن مشايخ المؤلف الشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل ، قرأ عليه في الفقه وعلوم العربية وغيرهما ، ومنهم الشيخ صالح بن عثمان القاضي (قاضي عنيزة) قرأ عليه في التوحيد والتفسير والفقه أصوله وقروعه وعلوم العربية ، وهو أكثر من قرأ عليه المؤلف ولازمه ملازمة تامة حتى توفي رحمه الله ، ومنهم الشيخ عبد الله بن عايض ، ومنهم الشيخ صعب القويجري ، ومنهم الشيخ على السناني ومنهم الشيخ على الناصر أبو وادي ، قرأ عليه في الحديث ، وأخذ عنه الأمهات الست وغيرها وأجازه في ذلك ، ومنهم الشيخ محمد بن الشيخ عبد العزيز المحمد المانع (مدير المعارف في المملكة العربية السعودية) في ذلك الوقت ، وقد قرأ عليه المؤلف في عنيزة ، ومن مشائخه الشيخ محمد الشنقطي (نزير الحجاز قديماً ثم الزبير) لما قدم عنيزه وجلس فيها للتدريس قرأ عليه المؤلف في التفسير والحديث وعلوم العربية ، كالنحو والصرف ونحوهما .

نبذة من أخلاق المؤلف
كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة ، متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير ، وكان يقضي بعض وقته في الإجتماع بمن يرغب حضوره فيكون مجلسهم نادياً علمياً ، حيث أنه يحرص أن يحتوي على البحوث العلمية والاجتماعية ويحصل لأهل المجلس فوائد عظمى من هذه البحوث النافعة التي يشغل وقتهم فيها ، فتنقلب مجالسهم العادية عبادة ومجالس علمية ، ويتكلم مع كل فرد بما يناسبه ، ويبحث معه في المواضيع النافعة له دنيا وأخرى ، وكثيراً ما يحل المشاكل برضاء الطرفين في الصلح العادل ، وكان ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء ماداً يد المساعدة لهم بحسب قدرته ويتسعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات ، وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله ، وكان من أحسن الناس تعليماً وأبلغهم تفهيماً ، مرتباً لأوقات التعليم ، ويعمل المناظرات بين تلاميذه المحصلين لشخذ أفكارهم ، ويجعل الجعل لمن يحفظ بعض المتون ، وكل من خفظه أعطى الجعل ولا يحرم منه أحد .

ويتشاور مع تلاميذه في اختيار الأنفع من كتب الدراسة ، ويجرع ما عليه رغبة أكثرهم ومع التساوي يكون هو الحكم ، ولا يمل التلاميذ منطول وقت الدراسة إذا طال لأنهم يتلذذون من مجالسته ، ولذا حصل له من التلاميذ المحصلين عدد كثير ولا يزال كذلك ، متع الله بحياته ، وبارك الله لنا وله في الأوقات ورزقنا وإياه التزود من الباقيات الصالحات .

مكانة المؤلف بالمعلومات
كان ذا معرفة تامة في الفقه ، أصوله وفروعه . وفي أول أمره متمسكاً بالمذهب الحنبلي تبعاً لمشائخه ، وحفظ بعض المتون من ذلك ،وكان له مصنف في أول أمره في الفقه ، نظم رجز نحو أربعمائة بيت وشرحه شرحاً مختصراً ، ولكنه لم يرغب ظهوره لأنه على ما يعتقده أولاً .
وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم ، وحصل له خير كثير بسببهما في علم الأصول والتوحيد والتفسير والفقه وغيرها من العلوم النافعة ، وبسبب استنارته بكتب الشيخين المذكورين صار لا يتقيد بالمذهب الحنبلي ، بل يرجح ما ترجح عنده بالدليل الشرعي . ولا يطعن في علماء المذاهب كبعض المتهوسين ، هدانا الله وإياهم للصواب والصراط المستبين . وله اليد الطولى في التفسير ، إذ قرأ عدة تفاسير وبرع فيه ، وألف تفسيراً جليلاً في عدة مجلدات ، فسره بالبديهة من غير أن يكون عنده وقت التصنيف كتاب تفسير ولا غيره ، ودائماً يقرأ والتلاميذ في القرآن الكريم ويفسره ارتجالاً ، ويستطرد ويبين من معاني القرآن وفوائده ، ويستنبط منه الفوائد البديعة والمعاني الجليلة ، حتى أن سامعه يود أن لا يسكت لفصاحته وجزالة لفظه وتوسعه في سياق الأدلة والقصص ، ومن اجتمع به وقرأ عليه وبحث معه عرف مكانته في المعلومات ، كذلك من قرأ مصنفاته وفتاويه .

مصنفات المؤلف

تفسير القرآن الكريم المسمى "تيسير الكريم المنان" في ثماني مجلدات أكمله في عام 1344 ولم يطبع .

حاشية على افقه استدراكاً على جميع الكتب المستعمله في المذهب الحنبلي ولم تطبع .

إرشاد أولي البصائر والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب ، رتبه على السؤال والجواب ، طبع بمطبعة الترقي في دمشق عام 1365 على نفقة المؤلف ووزعه مجاناً .

الدرة المختصرة في محاسن الإسلام ، طبع في مطبعة أنصار السنة عام 1366هـ

الخطب العصرية القيمة ، لما آل إليه أمر الخطابة في بلده اجتهد أن يخطب في كل عيد وجمعة بما يناسب الوقت في المواضيع المهمة التي يحتاج الناس إليها ، ثم جمعها وطبعها مع الدرة المختصرة في مطبعة أنصار السنة على نفقته ووزعها مجاناً .

القواعد الحسان لتفسير القرآن ، طبعها في مطبعة أنصار السنة عام 1366 ، ووزع مجاناً .

تنزيه الدين وحملته ورجاله ، مما افتراه القصيمي في أغلاله ، طبع في مطبعة دار إحياء الكتب العربية على نفقه وجيه الحجاز "الشيخ محمد افندي نصيف" عام 1366هـ .

الحق الواضح المبين ، في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين .

توضيح الكافية الشافية ، وهو كالشرح لنونية الشيخ ابن القيم

وجوب التعاون بين المسلمين ، وموضوع الجهاد الديني ، وهذه الثلاثة الأخيرة طبعت بالقاهرة السلفية على نفقة المؤلف ووزعها مجاناً .

القول السديد في مقاصد التوحيد ، طبع في مصر "بمطبعة الإمام" على نفقة عبد المحسن أبا بطين عام 1367

مختصر في أصول الفقه ، لم يطبع

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ، طبع على نفقة المؤلف وجماعة من المحسنين ، وزرع مجاناً ، طبع بمطبعة الإمام

الرياض الناضرة ، وهو هذا ـ طبع بمطبعة الإمام (الطبعة الأولى)

وله فوائد منثورة وفتاوى كثيرة في أسئلة شتى ترد إليه من بلده وغيره ويجيب عليها ، وله تعليقات شتى على كثير مما يمر عليه من الكتب ، وكانت الكتابة سهلة يسيرة عليه جداً ، حتى أنه كتب من الفتاوى وغيرها شيئاً كثيراً .
ومما كتب نظم انب عبد القوي المشهور ، وأراد أن يشرحه شرحاً مستقلاً فرآه شاقاُ عليه ، فجمع بينه وبين الانصاف بخط يده ليساعد على فهمه فكان كالشرح له ، ولهذا لم نعده من مصنفاته .

غايته من التصنيف :
وكان غاية قصده من التصنيف هو نشر العلم والدعوة إلى الحق ، ولهذا يؤلف ويكتب ويطبع ما يقدر عليه من مؤلفاته ، لا ينال منها عرضاً زائلاً ، أو يستفيد منها عرض الدنيا ، بل يوزعها مجاناً ليعم النفع بها ، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً ، ووفقنا الله إلى ما فيه رضاه .
وفاته :
وبعد عمر مبارك دام قرابة 69 عاماً في خدمة العلم انتقل إلى جوار ربه في عام 1376هـ في مدينة عنيزة من بلاد القصيم رحمه الله رحمة واسعة .

نزهة الأنفس في سيرة الشيخ عبد السلام بن برجس

إعداد / فريد المرادي:

مقدمة

(( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، و يُبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيَوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، يَنفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجتمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، و في الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلِّين ))([1]).

و أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله، و صلى الله عليه و آله و صحبه أجمعين و من تبعه إلى يوم الدين، و بعد:

روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، و لكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبقِ عالماً؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا ))([2]).

(( هذا الحديث الشريف يدل على أهمية العلم، و على عظم شأن العلماء، و أن فقدهم و ذهابهم إنما هو قبض للعلم...وأن قبض العلماء كما قد جاء في كلام بعض أهل العلم: ( ثُلمة في الدين)، و أنه نقص للمسلمين حيث ذهب العلماء الذين يُرجع إليهم، و يُستفاد من علمهم، و يُدلونهم و يُبصرونهم، فإن ذلك نقص كبير على الناس ))([3]).

بل (( إن فقدهم خسارة فادحة، و موتهم مصيبة عظيمة، لأنهم نور البلاد، و هداة العباد، و منار السبيل، فقبضهم قبض للعلم، إذ إن ذهاب العلم يكون بذهاب رجاله و حملته و حفاظه ))([4]).

قال الإمام الآجري رحمه الله عن العلماء: (( حياتهم غنيمة، و موتهم مصيبة ))([5]).

و قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: (( اعلم أخي أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله و إنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا، و ذهاب الإخوان، و قلة الأعوان، و ظهور البدع، و إلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمّة من ذهاب العلماء، و أهل السنة، و ظهور البدع ))([6]).

هذا و إن من الفجائع المؤلمة، و المصائب الموجعة، و التي حدثت بالأمة الإسلامية قبل أشهر قليلة؛ وفاة الفقيه الفاضل، و العالم العامل؛ الشيخ عبد السلام بن برجس تغمده الله بواسع رحمته، و في الحقيقة لا أستطيع ـ لا بلساني و لا بقلمي ـ أن أصف حالتي حين اطلعت على خبر وفاته رحمه الله، و قد وجدتُ يقيناً ما قاله أحد أئمة سلفنا الصالح؛ و هو الإمام أيوب السختياني: (( إنه ليبلُغني موت الرجل من أهل السنة؛ فكأنما أفقد بعضاً من أعضائي )).

و أنا في حقيقة الأمر لم ألتق بالشيخ رحمه الله، و لا هو يعرفُني، لكني كنت قد استفدت كثيراً ـ كما استفاد الكثير ـ من رسائله و محاضراته التي تيسرت لي، فلهذا شعرت بأسى عميق لفقده رحمه الله؛ فالإنسان مجبول على محبة من يُحسن إليه، فكيف إذا كان الإحسان فيما فيه سعادة المرء في الدارين؟

و كيف لا يشعر بالحزن و الأسى كل مخلص و صادق؛ لموت طالب علم سني، بَلهَ عالم سلفي؟
لمثل هذا يموت القلب من كمد إن كان في القلب إسلام و إيمان

(( و إن ذهاب مثل هذا العالم هو في الحقيقة نقص على المسلمين و مصيبة، و نسأل الله عز و جل الذي هو سبحانه و تعالى له ما أخذ و له ما أعطى: أن يعوض المسلمين خيراً، و أن يوفق المسلمين لما فيه خيرهم و سعادتهم، و أن يُوفِّق طلبة العلم للعناية بتحصيله و طلبه و معرفته، إنه سبحانه و تعالى جواد كريم ))([7]).

ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله في ’’سير أعلام النبلاء‘‘(9/504) عن أبي سعيد بن يونس قال: (مات([8]) في ثاني شهر ذي الحجة سنة أربع و مائتين)، ثم علَّق قائلاً: (( و فيها([9]) مات قبله الشافعي و أشهب بمصر، فمثل هؤلاء الثلاثة إذا خلت منهم مدينة في عام واحد فقد بان عليها النقص )).

و كيف لا يظهر النقص؟ و قد رُزئت الأمّة الإسلاميّة في هذه السنوات القليلة بفقد ثُلة طيبة من كبار العلماء و طلبة العلم، فإن لله.

و لا ريب أن الخير باق في هذه الأمّة إلى يوم القيامة، و مثل هذه المصائب يجب أن تكون حافزاً و باعثاً لهمة الشباب في طلب العلم، و الجد و الاجتهاد في تحصيله، قبل أن يذهب العلم بذهاب أهله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (( هل تدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء ))، رواه الدارمي رحمه الله (رقم 249).

و قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، و قبضه أن يُذهب بأصحابه ))، رواه الدارمي (رقم 145).

و قال علي رضي الله عنه: (( يموت العلم بموت حملته ))، رواه الخطيب في’’الفقيه و المتفقه‘‘(رقم 176).

و قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (( ما لي أرى علماءكم يذهبون، و جهالكم لا يتعلمون، تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم؛ ذهاب أهله))، رواه حافظ المغرب ابن عبد البر في ’’جامع بيان العلم و فضله‘‘ (رقم 1044).

و عن أبي وائل قال: (( قال حذيفة رضي الله عنه: أتدري كيف ينقص العلم؟ قال: قلت: كما ينقص الثوب، كما ينقص الدرهم، قال: لا، و إن ذلك لمَنِهُ قبض العلماء ))، رواه الدارمي (رقم 250).

فلما ذهب عني هول الصّدمة قمتُ بجمع كل ما وقفت عليه منشوراً على شبكات الإنترنت عن فضيلة الشّيخ ابن برجس رحمه الله، ثم ظهر لي أن أربط بينها و أُنسّق بين أطرافها، و مراجعة ما اتّفق لديّ من كتبٍ و أشرطةٍ للشّيخ رحمه الله، حتّى أجعل منه موضوعاً متكاملاً، و أكون بهذا قد أدّيت بعض ما للشّيخ رحمه الله عليّ من منّة، خاصة و قد قرأتُ بعض ما كتبه أحد أذناب الخوارج في موقع تكفيري ـ لا أعرفه و لا أحبّ أن أعرفه ـ، عن فضيلته رحمه الله، و قد نقله بعضهم إلى موقعٍ يجمع بين الغثّ و السّمين، فوالّذي نفسي بيده لقد دمعت عيني لبشاعة كلامه، و سوء قاله، و فيمن؟ في عالم فاضل قد شهد له القريب و البعيد بالعلم و الدِّين، و لكن هذا ما يفعل الهوى بأصحابه ،و عند الله تجتمع الخصوم.

قال ( المنصِف الكبير المربّي الفاضل العلاّمة الذهبي رحمه الله )([10]) في ’’سير أعلام النبلاء‘‘ (8/448): (( فمن الذي يسلم من ألسنة الناس، لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضرّه ما قيل فيه، و إنّما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل و الورع )).

فتأكّدت نيّتي في كتابة هذا البحث، عسى أن أُذكّر من خلاله ببعض بمآثر الشّيخ رحمه الله و سيرته العطرة، (( و إنَّ القلم ليعجز عن ذكر محاسنه، و عدّ مناقبه و مآثره، و لئن مات الشيخ فعلمه لم يمت، و قد نشره في كلِّ مكان، و لئن مات الشيخ فأعماله و مآثره لم تمت و قد سارت بها الركبان، و لئن مات الشيخ فهو حيّ بين الناس يذكرونه بالفضل و الإحسان.

قد مات قوم و ماتت مكارمهم و عاش قوم و هم في الناس أموات

و قال آخر:

و ما دام ذكر العبد بالفضل باقياً فذلك حي و هو في التّرب هالك ))([11]).

و مع هذا (( فليس القصد من الكتابة عن شخصٍ ما مدحه و إبرازه، و إنّما القصد هو الاستفادة من جهوده و الإقتداء بسيرته، و الانتفاع بخبرته ))([12]).

و في هذه المقدّمة أُشير إلى أنّي قد استفدت كثيراً من مقال للأخ هاني بن سالم الحسيني الحارثي وفّقه الله نشره في جريدة (الجزيرة) السعوديّة، و استفدت كذلك من عدد ممّن كتب في الموضوع، فجزاهم الله خيراً، و حالي في هذا الجمع كما قال الشّيخ العلاّمة بكر أبو زيد حفظه الله في كتابه ’’النّظائر‘‘(ص17): (( و جميع ما ذكرته ليس لي فيه من فضل سوى الجمع و التّرتيب، و بعد ديمومة النّقلة و التّرحال من كتاب إلى آخر، حتّى لو قلت لكلّ جملة منها: عودي إلى مكانِك لما بقيَ لي منها إلاّ النّزر اليسير )).

و مع هذا أقول أنّ النّقص حاصل، و الخطأ وارد، و النّصح منكم آكد، فمن كانت له زيادات أو تصحيحات أو توجيهات؛ فإنّا لها لمنتظرون، فهل من مشمّر؟([13])

و قد جعلت البحث ـ بعد هذه المقدّمة ـ على النّحو الآتي:

(1) اسمه و نسبه.
(2) مولده و نشأته و بداية طلبه للعلم.
(3) دراسته النظاميّة.
(4) مشايخه.
(5) عقيدته و منهجه.
(6) مناصبه و أعماله التي زاولها.
(7) تلاميذه.
(8) أخلاقه.
(9) مؤلّفاته وتحقيقاته و مقالاته و محاضراته المسجلّة.
(10) الشّيخ عبد السّلام شاعراً.
(11) وفاته رحمه الله.
(12) ثناء أهل العلم عليه و بعض ما قيل بعد وفاته.
(13) تأثّر النّاس بوفاته.
(14) بعض المراثي التي قيلت فيه.
(15) موقع الشيخ على شبكة الإنترنت.

(( هذا و أسأل الله الكريم أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، صواباً على النّهج القويم، و أن يجعله قربةً لي عنده مدّخرة ليوم الدّين، و أن ينفع به من يطّلع عليه من المسلمين، و أن يغفر لي ما اعتراه من خطأ أو زلل، و يوفّقني عاجلاً غير آجلٍ لإصلاحه؛ إنّ ربّي لطيفٌ لما يشاء إنّه هو العليم الحكيم.

ثمّ أتوجّه ـ برغبةٍ صادقةٍ ـ إلى من طالع بحثي هذا، أن يُتحفني بنصحه و توجيهه، و يرشدني لما يقف عليه من خطأ في عزوٍ، أو تصحيف لنقلٍ، أو استدراك لأمر، سائلاً الله التوفيق للجميع لما فيه الخير و الصلاح و السداد)) ([14]).

و صلّى الله و سلّم على نبيّنا محمّد و على آله و صحبه أجمعين، و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين.

العلامة ناصر السعدي

اســــــــمــــه ونـــــســـــبـــــــــــــــــــــــــه:



هو أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، من نواصر بني تميم.


نــــــــــــشـــــــــــــــــــــــأتــــــــه:



وُلِدَ في عنيزة (12/1/1307)(1) وتوفيت والدته وعمره أربع سنين، ثم توفي والده وعمره سبع سنوات، فنشأ يتيم الأبوين، وكفلته زوجة والده، وأحبته كثيراً، فلمَّا شبَّ صار في بيت أخيه الأكبر: حمد، الذي دَفَعَ به إلى حلقات العلم، وكفاه مؤونة العيش. أما والده فقد كان حافظاً للقرآن، محباً للعلم وأهله، مشهوراً بالبذل والإحسان، وكان يقرأ على الناس الكتب النافعة أدبار الصلوت، وينوب عن إمام المسجد وخطيبة، وأما أمه فهي من آل عثيمين، من الوهبة.
نشأ الشيخ نشأة صالحة، فحفظ القرآن ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ثم انصرف إلى طلب العلم وتحصيله بِهِمَّة عالية على شيوخ بلده وغيرهم ممن وفدوا إليها، ومن أبرزهم:
1- إبراهيم بن حمد بن جاسر (ت133.
2- إبراهيم بن صالح بن عيسى (ت1343).
3- صالح بن عثمان القاضي (ت1351).
4- صعب بن عبد الله التويجري (ت1339).
5- عبد الله بن عايض العويضي الحربي (ت1322).
6- علي بن محمد السناني (ت1339).
7- علي بن ناصر أبو وادي (ت1361).
8- محمد الأمين محمود الشنقيطي (ت1351).
9- محمد بن عبد العزيز بن مانع (ت1385).
10 محمد بن عبد الكريم الشبل (ت1343).
وقد أُعجب به مشايخه؛ لذكائه ونبله واستقامته، وحرصه على الطلب، وسمو أخلاقه. وكان يحفظ كثيراً من المتون عن ظهر قلب، وإذا استشهد بها لم يُعْنِتْه الاستشهاد، يهذها هذاً؛ لأنه كان يتعادها دائماً، وقد تأثر الشيخ كثيراً بمدرسة الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فقرأ كتبهما، ولخصها، وشرحها، وحثَّ الطلاب على قراءتها، وبدا أثر تتلمذه على مؤلفاتهما واضحاً في كلامه واختباراته الفقهية، وطريقة استنباطه، وتحرره من رِبْقَة التقليد، وحرصه على اتِّباع الدليل.



أعمــــــــــــــــــــا لـه وتعليمـه:



لمَّا ظهر نبوغ الشيخ وهو في ريعان الشباب صار أقرانه يرجعون إليه، ويستفيدون منه، ولمَّا بلغ الثالثة والعشرين من عمره جلس للتدريس مع عدم انقطاعه عن الطلب، ومن عام (1350هـ) صار مرجعَ الناس في بلده في التدريس والفتيا، وأصبح عليه المعول في أخذ العلوم، ومن تلاميذه:
1- إبراهيم بن عبد العزيز الغُرير (ت1401).
2- إبراهيم بن محمد العامود (ت1394).
3- حمد بن إبراهيم القاضي (ت1395).
4- حمد بن محمد البسام.
5- حمد بن محمد المرزوقي.
6- سليمان بن إبراهيم البسام (ت1377).
7- سليمان بن محمد الشبل (ت1386).
8- صالح بن عبد الله الزغيبي إمام المسجد النبوي (ت1372).
9- عبد العزيز بن علي بن مساعد (ت1411).
10- عبد العزيز بن محمد السلمان، صاحب المؤلفات المشهورة (ت1422).
11- عبد الله بن عبد الرحمن البسام، عضو هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي.
12- عبد الله بن عبد العزيز الخضيري (ت1393).
13- عبد الله بن عبد العزيز العقيل، عضو مجلس القضاء الأعلى سابقاً.
14- علي بن حمد الصالحي (ت1415).
15- علي بن زامل آل سليم (ت141.
16- محمد بن سليمان البسام.
17- محمد بن صالح الخزيم (ت1394).
18- محمد بن صالح العثيمين، أشهر تلاميذ الشيخ، وعضو هيئة كبار العلماء (ت1421).
19- محمد بن عبد العزيز المطوع (ت1387).
20 محمد بن عثمان القاضي.
21- محمد بن منصور الزامل (ت1413).
وغيرهم كثير، رحم الله الميت، ومتَّع ونفع بالحي. ومع هذه المهمة الأساس كان يقوم بأعمال جمَّة: كإمامة الجامع، والفتيا، وكتابة الوثائق، وتحرير الأوقاف والوصايا، وعقود الأنكحة، وكان مستشاراً أميناً لكل من استشاره واستنصحه، ولم يكن يأخذ على شيء مما كان يعمله شيئاً من حطام الدنيا، كما كان أحد المساهمين في تأسيس المكتبة الوطنية بعنيزة عام (1359)، وتأمين المراجع العلمية؛ لتكون في متناول الطلبة، كما قام بالإشراف على المعهد العلمي بعنيزة لما افتح عام (1373)، وقد عين له راتب شهري مقابل إشرافه، فتركه الشيخ احتساباً. كما عرض عليه القضاء عام (1360)، فامتنع تورعاً وحرصاً على عدم الالتزام بعمل رسمي يشغله عن العلم والتعليم، وكُرِّر عليه العرض مراراً فلم يقبل.
أما عن تنظيمه لوقته، فقد كان يجلس أربع جلسات في اليوم، حيث كان يصلي الفجر بالناس، ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس، ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى ارتفاع الضحى، ثم يعود إلى المسجد لدرس الطلبة فنوناً متنوعة على ترتيب اختاره الشيخ، ويستمر حتى صلاة الظهر، فيصلي بالناس، ثم يعود إلى بيته إلى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يلقي درساً في بعض ما يهم الناس معرفته من دينهم في بضع دقائق، وبعد صلاة المغرب يلقي على طلابه درساً حتى يصلي العشاء، وذلك كل يوم.
وكان من هديه مع طلابه: أنه يستشيرهم في الكتاب الذي يريدون قراءته، ويعقد المناظرات بينهم لإحياء التنافس في الطلب، وترسيخ المسائل في الذهن، ويطرح عليهم المسائل ليستخرج منهم الجواب، وأحياناً يتعمد تغليط نفسه ليعرف المنتبه والفاهم من بين الحضور، وقد يصور المسألة الخلافية بين الطالبين، كل واحد يتبنى قولاً ويدافع عنه، ثم يرجح الشيخ القول الصحيح بالدليل أو التعليل، وكان كثيراً ما يطلب من التلاميذ إعادة ما فهمون من الدرس، ولم يكن يغفل في بداية الدرس منافشة الطلبة بما أخذوه في الدرس السابق، مما يدفعهم إلى الاستذكار والمراجعة.
وكان رحمه الله يخصص المكافآت لهم تشجيعاً على طلب العلم، وإعانةً لهم على العيش.



صفــــــــــــــــــــــــــــــــاته الخَلْقية والخُلُقية:


كان الشيخ قصير القامة، ممتلئ الجسم، أبيضَ اللون، مشرباً بالحمرة، مدورَ الوجه، طَلْقَه، كثَّ اللحية، بيضاءَ، قد ابيضت مع رأسه وهو صغير، ووجه حسن، عليه نور في غاية الحسن، وصفاء اللون.
أما أخلاقه فكان آية في مكارم الأخلاص، أوفي فيها على الغاية، ولد اليد الطولى ـ بفضل الله ـ في كل سجية؛ لا يكاد يشق عليه غبار في هذا الميدان، مع ما أوتيه من التواضع الجم للصغير والكبير، والقريب والبعيد، والزهد في الدنيا، والإعراض عنها مع إقبالها إليه، عُرضت عليه المناصب فأباها، وأقبلت عليه الدنيا فنفاها، وكان رحمه الله كثير الحج، عفيفاً، عزيز النفس مع قلة ذات يده، يسلم على الصغير والكبير، يجيب الدعوة، ويعود المرضى، ويشيّع الجنائز، تستوقفه العجوز والطفل الصغير فيقضي حوائجهم، ويجيب مسائلهم، وكان يكلم كل إنسان بما يُصْلحه ويصلح له، أوتي قدرة على حل المعضلات التي تحل بالناس بيسر وسهولة، وعلى فض المنازعات بذكاء وحنكة.
قال تلميذه الشيخ عبد الله البسام: له أخلاق أرق من النسيم، وأعذب من السلسبيل، لا يعاتب على الهفوة، ولا يؤاخذ بالجفوة، يتودد ويتحبب إلى البعيد والقريب، يقابل بالبشاشة، ويحيي بالطلاقة، ويعاشر بالحسنى، ويجالس بالمنادمة، ويجاذب أطراف الحديث بالأنس والود، ويطعف على الفقير والصغير، ويبذل طاقته ووسعه، ويساعد بماله وجاهه وعلمه ورأيه ومشورته ونصحه، بلسان صادق، وقلب خالص، وسر مكتوم.
كما كان جريئاً في الحق، ناصحاً للخلق، لا تأخذه في الله لومة لائم، نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً.
وقد مدحه واصفوه بقوة الحافظة، وسرعة الاستحضار، ودقة الاستنباط، وسهولة المأخذ، وصفاء القريحة، وحضور البديهة، وحسن الصوت، مما جعل لأحاديثه ومحاوراته وقعاً في قلوب الخلق، حملهم على محبته والثقة به، ومَنْ قرأ كتبه عرف أن وراءها فَحْلاً من فحول العلم.
وكان من شدة حرصه على نفع الخلق، ونشر العلم، ودعوة الناس يكثر الاجتمع بالناس، لا ينقطع عن زيارتهم في بيوتهم، ومشاركتهم في مناسباتهم، مع دعابة لا تُسقِط من حرمته، ولا تخلّ بوقاره، مع ما كان عليه من شدة الحب والرحمة للفقراء، خصوصاً من طلاب العلم؛ حرصاً منه على تفريغهم له، وقطع ما يشغلهم عنه، من الكسب والكد.
وكان يسمع إلى نصح الناس واقتراحاتهم، ويأخذها مأخذ الجد، ويتقبلها بصدر رحب، جاءه أحد الصالحين فأشاؤر عليه بأن يضع مكبرَ صوتٍ في المسجد؛ ليسمع الناس النداء والخطبة بلا عناء، وبيَّن له فوائد هذا الصنيع، فشرح الله صدر الشيخ، وشكر الناصح، ووعده أن يتم ما اقترحه خلال الأسبوع، فكان الشيخ أولَ من أدخل هذا الجهاز إلى مساجد بلده.


يقرُّ له بالفضل من كان منصفاً إذا قال قولاً كان بالقول أمثلا


وقد حُدِّثْتُ أن أحد تلاميذه رآه بعد موته، فسأله عما صنع الله به؛ فبشَّر بخير. قال التلميذ: بِمَ نلت ذلك؟ فقال: بحسن الخُلُق. فهنيئاً له، فليس في ميزان المؤمن شيء أثقل يوم القيامة من حُسن الخلق، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.


مـــــــــــــــــــؤلــــفـــــــــــــــــــاتــــــــه:


عني الشيخ بالتأليف، وتقريب العلوم للعامة والخاصة، وقد ألينت له الكتابة، وذلل له التصنيف، فلم يكن متكلفاً في هديه كله، ولا في تآليفه، ومَنْ طالع كتبه تَعَجَّب من سهولة عبارته، وقرب مأخذه، وفخامة المعاني التي يحوم حولها، ويريد تقريرها، ولم يشغل نفسه في شيء من فضول العلم وزغله، مما لا يحتاج إليه في فهم الإسلام، والسير إلى الملك العلام، وقد نَيّفَت مؤلفاته على الأربعين كتاباً، ما بين كبير في مجلدات، وصغيرٍ في ورقات. ومن أهمها:
1- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، أشهر كتب الشيخ، وقد كتبه قبل بلوغه الأربعين، ويقع في ( مجلدات، وطُبع مؤخراً في مجلد واحد، بتحقيق الدكتور: عبد الرحمن اللويحق.
2- القواعد الحسان لتفسير القرآن.
3- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن. وهذه الثلاثة في التفسير.
4- بهجة قلوب الأبرار، وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، وهو في الحديث.
5- القول السديد في مقاصد التوحيد.
6- سؤال وجواب في أهم المهمات.
7- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان.
8- الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية.
9- الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية.
وهذه الخمسة كلها في العقيدة.
10- منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، وهو كتابنا هذا.
11- المختارات الجلية في المسائل الفقهية.
12- الإرشاد إلى معرفة الأحكام.
13- المناظرات الفقهية.
14- نور البصائر والألباب في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق والآداب. بتحقيق: د/ خالد السبت.
وهذه كلها في الفقه.
15- القواعد والأصول الجامعة، والفروق والتقاسيم البديعة النافعة.
16- رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة.
17- تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب. تحقيق: د/ خالد المشيقح.
وهذه في أصول الفقه وقواعده.
18- الرياض الناضرة والحدائق الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة.
19- الخطب المنبرية.
20- الوسائل المفيدة للحياة السعيدة.
وهذه كلها في محاسن الإسلام وقضايا المسلمين.
21- الفتاوى السعدية (وقد جمعت بعد وفاته).
22- طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول. ضمنه (1015 فائدة وقاعدة وضابطاً من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم).
23- التعليق وكشف النقاب على نظم قواعد الإعراب. بتحقيق: تلميذ الشيخ/ محمد بن سليمان البسام، وقد ضَمَّنَه ترجمة مفيدة لشيخه.
وكان للشيخ عناية بالنَّظْم والشعر، وبعض ما سبق من كتبه منظوماتٌ، وقد نيفت منظومته في الفقه على (400) بيت، وقد نظمها في مقتبل عمره، وله منظومة في القواعد الفقهية في (47) بيتاً، نظمها وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر، وله أشعار جميلة، ومراثٍ مؤثرة، وأبيات طريفة.
وقد طبعت كتب الشيخ مجموعة في (16) مجلداً، تولى جمعها وطبعها: مركز ابن صالح في الجمعية الصالحية بعنيزة.


وفــــــــا تـــــــه:رحمه الله


أُصيب الشيخ في آخر حياته بمرض ضغط الدم، فكان لابد لعلاجه من السفر خارج البلاد، وقد أرسلت الدولة السعودية طائرة خاصة نقلته إلى بيروت، فعولج بها، وبقي قرابة الشهرين حتى شفاه الله، وذلك عام (1372)، ثم عاد إلى عنيزة، وأعاد جميع أعماله التي كان يزاولها، رغم نهي الأطباء له عن الإجهاد، مما كان له أثر على معاودة الضغط.
وفي ليلة الأربعاء 22/6/1376 بعد أن صلى العشاء في الجامع الكبير في عنيزة، وبعد أن أملى الدرس المعتاد على جماعة المسجد أحسَّ بثقلٍ وضعفِ حركة، غأشار إلى أحد تلاميذه بأن يمسك بيده ويذهب به إلى بيته، ففعل لكنه أغمي عليه فور وصوله البيت، ثم أفاق وطمأن الحاضرين على صحته، ثم عاد إليه الإغماء فلم يتكلم بعدها حتى مات، وفي الصباح دعوا له الطبيب، فقرر أن نزيفاً في المخ قد حصل له، فأبرقوا لولي العهد، فأصدر أمراً بإسعافه بالطائرة، لكن حال دون نزولها السحاب الكثيف والمطر الغزير، وعادت مرة أخرى صبيحة الخميس لعلها تتمكن من الهبوط، لكنها تلقت نبأ وفاته وهي في الجو فعادت أدراجَها.
وكانت وفاته قبيل فجر الخميس 23/6/1376، عن (69) عاماً قضاها في العلم والتعليم والدعوة والتأليف والتوجيه والإرشاد.
وقد صلي عليه بعد ظهر ذلك اليوم صلاة لم تشهد عنيزة لها مثيلاً من قبل، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من جناته.
وقد رقي بمراثٍ كثيرة، وتركت وفاته فراغاً هائلاً في نفوس أهل بلده وفي نفوس المسلمين، وعرف الناس بموته كم هي الأعمال التي كان يقوم بها، والأعباء التي كان يتحملها، وصدقات السر التي كان يتعاهد بها فقراء بلده، فلله درّه ما أعظم أثره على الناس، وما أحسن خبره فيهم.


ما مات من نشر الفضيلة والتقى وأقام صرحاً أسُّه لا يكسر(2)


الهوامـــش:(1) جميع التواريخ المذكورة إنما هي بالتاريخ الهجري القمري، وهو الأصل عند المسلمين، ولذا لم نضع رمز (هـ) عقيب العام.
(2) هذه الترجمة ملخصة من ترجمة الدكتور عبد الله الطيار التي دبّجَ بها كتابه: (فقه الشيخ السعدي) ومن مقدمة الشيخ محمد بن سليمان البسام لكتاب التعليق وكشف النقاب، مع زيادات أخرى، وللاستزادة ينظر في ترجمته: علماء نجد 2/422، وروضة الناظرين 1/220، وكتاب: سيرة العلامة السعدي، ومقالاً للعدوي في مجلة الجامعة الإسلامية، السنة الحادية عشرة، العدد الرابع ص205، ومشاهير علماء نجد ص396، ودراسات منفصلة عن السعدي، مقالات للدكتور عبد الله بن محمد الرميان في جريدة الجزئرة، أعداد شهر شوال 1421، ومقدمات مؤلفات الشيخ، ففيها تراجم مختلفة من طلابه ومحبيه

زياد علي

زياد علي محمد