الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

لابن أبي العز " شارح الطحاوية - رحمه الله - .



اسْـمُـهُ وَنَـسَـبُـهُ :
هو الإمـامُ الـعـلامـةُ صَـدرُ الديـن ، أبو الـحـسـن عـلـيُّ بن عـلاءِ الـديـن عليِّ بن شـمـس الدين أبي عبد الله محمد بن شرف الدين أبي البركات محمد بن عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهب الأذرعي الأصـلِ ، الدمـشـقـي الـصـالـحيَّ الـحـنـفـي ، المعروف بابن أبي العز .

ولادتُـهُ :
ولـد في الـثـاني والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة ،

مـذهـبـهُ :
نـشـأ في كنف أسرة جميعُ أفرادها كانوا ينتحاون مذهب أبي حنيفة ، ومعظمهم قد تولى القضاء ، وقد درس هذا المذهب على أبيه دراسة متقنة أهلته لتولي القضاء فيه ، ولكنه تخلص من رقة التقليد ، ويرجح ما استبان له الدليل .

الـمـنـاصـبُ الـعـلـمـيـةُ التي وَلِـيـهـا :
تولى عدة مناصب منها :
1 - التدريس بالقيمازية في سنة (748 هـ ) .
2 - التدريس بالمدرسة الرَّكنية سنة (777 هـ ) .
3 - التدريس بالعزيَّـة الـبَـرَّانِـيـة (784 هـ ) .
4 - التدريس بالجوهرية .
5 - تولى الخطابة بـحُـسْـبَـان قاعدة البلقاء .
6 - ولي قـضـاء الـحـنـفـيـة بدمشق في آخر (776 هـ ) .

مـؤلـفـاتـه :
1 - شرح العقيدة الطحاوية .
2 - الـتـنـبـيـه على مـشـكـلات الـهـدايـة . ذكره السخاوي وغيره .
3 - رسالة تتضمن الإجابة على مسائل فقهية منها :
- صحة الاقتداء بالمخالف .
- حكم الأربع بعد أداء الجمعة .
4 - النور اللامع في ما يعمل به في الجامع . أي الجامع الأموي .
5 - الاتـبـاع . وهو رد على الرسالة التي ألفها معاصره أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد الحنفي المتوفى سنة 786 هـ ، ورجح فيها تقليد مذهب أبي حنيفة ، وحض على ذلك ، وقد وجد فيها ابن أبي العز مواضع مشكلة ، فأحب أن ينبه عليها خوفا من التفرق المنهي عنه ، واتباع الهوى الردي ، وقد كان موفقا كل التوفيق في هذا الرد .

قال الشيخ الإمام العالم القاضي علي بن أبي العز
أما بعد : فإني وقفت على رسالة لبعض الحنفية رجح فيها تقليد مذهب مذهب أبي حنيفة وحض على ذلك ووجدت فيها مواضع مشكلة فأحببت أن أُنَبِّه عليها خوفا من التفريق المنهي عنه واتباع الهوى المردي امتثالا لقوله تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " وقوله تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيئا " وقوله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " وقوله تعالى : " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون " زُبُراً : أي كتبا . وقوله تعالى : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " . وقوله تعالى : " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " . ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - : فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة . رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثيرة في النهي عن التفرق واتباع الهوى .ا.هـ.

مـحـنـتـه :
لقد نال من الأذى ما نال غيره من العلماء والفضلاء ، فقد أهاجوا عليه ذوي السلطان بسبب ما علقه على قصيدة ابن أبيك في مواضع مشكلة منها ، تبين له خطؤها ، فجرد بسبب ذلك من جميع وظائفه ، وحبس مدة أربعة أشهر ، وعُزر ، وحملوه على التراجع عن تلك الاعتراضات ، مع أن الصواب كان في عُظمها إلى جانبه .

وقد بقي ابن أبي العز بعد هذه المحنة ملازما لبيته إلى سنة ( 791 هـ ) ، ففي ربيع الأول من هذه السنة تقدم إلى الأمير سيف الدين يَـلـبُـغـا بن عبد الله الناصري الأتابكي أحد كبار الأمراء بطلب وظائفه وأن يُرد إليه اعتباره ، فرسم هذا الأمير بردها ، وعاد إلى وظائفه ، فخطب بجامع الأفرم ، ودرس بالجوهرية .

وفـاتـهُ :
في ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة توفي الإمام العلامة صدر الدين علي بن أبي جعفر ، ودفن بسفح قاسيون ، رحمه الله رحمة واسعة .

لخصتُ بتصرف هذه الترجمة من مقدمة شرح الطحاوية ، والتي بتحقيق الدكتور عبد الله التركي ، وشعيب الأرنؤوط . والله أعلم .

ابن الإسلام سلمان الفارسي

ابن الإسلام سلمان الفارسي


تنقَّل سلمان بين أساطين المسيحية باحثًا عن الحق، طالبًا له، وانتهى به الأمر مع صاحب عَمُّورية إلى التعرف على النبي المنتظَر بصفاته، وما يتصل به من الأرض التي تزدهر عليها دعوته، ثم مات صاحب عمُّورية، ولم يجد سلمان بدًّا من الانتِظار.



يقول سلمان: ثم مرَّ بي نفر من كلب تجّار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأُعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه، قالوا: نعم.



فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني لرجل يهوديٍّ عبدًا، فكنتُ عنده، ورأيت النخلَ فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يَحق في نفسي - أي: هذا الرجاء.



فبينما أنا عنده إذ قَدِم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه، فاحتمَلني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي لها فأقمتُ بها.



وبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكْر مما أنا فيه من شغل الرقِّ، ثم هاجر إلى المدينة.



فوالله إني لفي رأس عذْقٍ - النخلة عليها الثمر - لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه، قال: يا فلان، قاتَل الله بني قَيلة، والله إنهم لمُجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم يَزعمون أنه نبي.



قال سلمان: فلمَّا سَمعتها أخذتْني الرعدة حتى ظننتُ أني ساقط على سيدي، فنزلتُ عن النخلة فجعلت أقول لابن عمِّه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟

قال: فغضبَ سيدي فلكَمَني لكمةً شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟! أَقبِل على عملك.



قال: فقلت: لا شيءَ إنما أردتُ أن أستثبِته عما قال.



قال: وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلمَّا أمسيتُ أخذته، ثم ذهبتُ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلتُ عليه فقلت له: إنه قد بلَغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتُكم أحق به مِن غيركم.



قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كُلوا، وأمسَكَ يدَه فلم يأكل،

فقلتُ في نفسي: هذه واحدة.



ثم انصرفتُ عنه فجمعت شيئًا، وتحوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئتُه فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتُك بها.



قال: فأكَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه فأكَلوا معه.



قال: فقلتُ في نفسي: هاتان ثِنتان.



قال: ثم جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قد تبعَ جنازةَ رجل من أصحابه، وعليه شملتان، وهو جالس في أصحابه، فسلمتُ عليه، ثم استدبرتُه أنظر إلى ظهره: هل أرى الخاتم الذي وصَف لي صاحبي؟



فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرتُه عرف أني أستثبِت في شيء وصِف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببتُ عليه أُقبِّله وأبكي.



فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَحوَّل))، فتحوَّلتُ بين يدَيه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس، فأعجَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذاك أصحابه.



قال سلمان: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كاتب يا سلمان)).



فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائة نخلة أُحييها له بالفقير - حفرة تُزرع فيها النخلة - وأربعين أوقية.



فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أعينوا أخاكم)).



فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين وديَّة - نخلة صغيرة صالحة للزراعة - والرجل بعِشرين وديَّة، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعَشر، يُعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمع لي ثلاثمائة ودية.



فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فأْتني أَكُن أنا أضعها بيدي)).



قال: ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغتُ جئته فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلْنا نقرِّب إليه الوديَّ، ويَضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدِه، ويُسوِّي عليها، فوالذي نفْس سلمان بيده ما ماتَت منها وديَّة واحدة.



فأديتُ النخل وبقيَ على المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثْل بيضة الدجاجة من ذهب مِن بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المُكاتب؟ فدُعيتُ له، فقال: خذ هذه يا سلمان فأدِّها ما عليك.



فقلت: وأين تقع هذه مما عليَّ يا رسول الله؟

قال: خذْها فإن الله سيؤدي بها عنك.



فأخذتها فوزنتُ لهم منها، فوالذي نفْس سلمان بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية، فأوفيتُهم حقهم.



وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد، ثم عتقت فشهدتُ الخندقَ، ثم لم يَفتْني معه مشهد.



هذه هي حياته قبل الإسلام، وكيف وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم على يدَيه، وهي أصحُّ الروايات: أخرجها أئمة الحديث كأحمد والطبراني والحاكم والخطيب وغيرهم، وقال الهيثمي عن سند هذه الرواية: رجاله عند أحمد والطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن إسحاق فإنه ثقة مُدلِّس، وقد صرَّح بالسماع من شيخه فانتفَت تُهمة التدليس عنه.



وقد وردَت روايات أخرى صحيحة في كيفية إسلامه تُفصِّل بعض ما أُجمل في الرواية السابقة: وتبيِّن بعض ما أُبهم؛ روى الذهبي في تاريخه بسند جيد عن أبي عثمان النهديِّ قال:

كان سلمان مِن أهل "رامهرمز" فجاء راهب إلى جبالها يتعبَّد فكان يأتيه ابن دهقان رئيس القرية، قال: ففطنتُ له فقلت: اذهب بي معك.



فقال: لا حتى أستأمره، فاستأمره فقال: جئ به معك، فكنا نختلف إليه حتى فطن لذلك أهل القرية، فقالوا: يا راهب، إنك قد جاورتنا فأحسنَّا جوارك، وإنا نراك تُريد أن تفسد علينا غلماننا، فاخرُج عن أرضنا.



قال: فخرج وخرجتُ معه، فجعل لا يزداد ارتفاعًا في الأرض إلا ازداد معرفة وكرامة، حتى أتى الموصل فأتى جبلاً من جبالها، فإذا رهبان سبعة، كل رجل في غار يتعبَّد فيه، يصوم ستة أيام ولياليهنَّ، حتى إذا كان يوم السابع اجتمَعوا فأكلوا وتحدَّثوا.



فقلت لصاحبي: اتركني عند هؤلاء النسَّاك فأبى عليَّ إلا أن نَنطلِق.



فقلتُ: فإني أخرج معك.



قال: فانطلقت معه، فلمَّا انتهَينا إلى بيت المقدس، فإذا على باب المسجد رجل مُقعد.



قال: يا عبدالله، تصدَّق عليَّ، فلم يكن معه شيء يُعطيه إياه، فدخل المسجد، فصلى ثلاثة أيام ولياليهنَّ، ثم إنه انصرف فخطَّ خطًّا وقال: إذا رأيت الظل بلغ هذا الخط فأيقِظْني، فنام.



قال: فرثيتُ له من طول ما سهر، فلم أوقظه حتى جاوز الخط، فاستيقظ فقال: ألم أقل لك؟

قلت: إني رثيتُ لك من طول ما سهرت.



فقال: ويحك، إني أستحي من الله أن تَمضي ساعة من ليل أو نهار لا أذكره فيها، ثم خرَج.



فقال المقعد: أنت رجل صالح دخلتَ وخرجتَ ولم تَصَدَّق عليَّ.



فنظر يَمينًا وشمالاً فلم يرَ أحدًا، قال: أَرِني يدك، قم بإذن الله، فقام ليس به علَّة، فشغَلني النظر إليه، ومضى صاحبي في السِّكك، فالتفتُّ فلم أرَه فانطلقتُ أطلبه.



قال: وسِرتُ رفقة جماعة من العراق، فاحتملوني فجاؤوا بي إلى المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت قولهم أنه لا يأكل الصدقة ويقبَل الهدية، فجئت بطعام إليه، فقال: ما هذا؟

قلت: صدقة.



فقال لأصحابه: ((كلوا))، ولم يَذقْه، ثم إني رجعت وجمعت طعيمًا، فقال: ((ما هذا يا سَلمان؟)).

قلت: هدية، فأكل.



قلت: يا رسول الله، أخبرني عن النصارى؟

قال: لا خير فيهم، فقمت وأنا مُثقَل.



قال: فرجعت إليه رجعةً أخرى فقلت له: يا رسول الله، أخبِرني عن النصارى؟

قال: لا خير فيهم ولا فيمَن يُحبُّهم، فقمت وأنا مُثقَل، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ [المائدة: 82].



فأرسل إليَّ فقال: يا سلمان، صاحبك أو أصحابك من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى.



لقد تعرَّف على المسيحية بالكنيسة في قريته، ثم تساءل عنها بين خلصائه فعرف أن ابن دهقان القرية يذهب إلى الراهب بالجبل، فذهب معه، وتوثَّقت صلته بالراهب.



ورحل مع الراهب برفقة جماعة من التجار إلى الشام كما في الرواية الأولى، ولعله كان متستِّرًا أو مُتنكِّرًا ليتمكن من الخروج من قريته.



وفي الطريق إلى الشام تتحدَّث الرواية الثانية عن حال الراهب ومكانته الدينية، وكيف انفصل عن سلمان وتركه ببيت المقدس.



وتُكمل الرواية الأولى ما بعد ذلك من سؤال عن أفضل المسيحيِّين عِلمًا، وكيف دلُّوه على الأسقف، ثم تتحدث عن انتقاله من رجل صالح إلى رجل آخر حتى تنتهي به الرِّحلة إلى المدينة، وهو ما أبهمته الرواية الثانية؛ حيث انتقلت به متعجِّلةً من بيت القدْس إلى المدينة.



أما عن التقائه بالرسول صلى الله عليه وسلم، واختباره لحاله، وتعرُّفه عليه بما عليه من صفاته ثم إسلامه بعد ذلك، فالروايتان مُتَّفقتان في ذلك.



وبهذا يمكن القول: إن كلاًّ من الروايتين تُكمِل الأخرى، وكِلاهما صحيحة.



ولعلَّ سؤالاً يَنتج من المقارنة بين الروايتين السابقتين: هل كان أبو سلمان دهقان القرية أم كان دهقانها غيره؟

إن الرواية الأولى تُخالف الثانية في ذلك.

والواقع أن رواية ثالثة تَزيد هذا الاختلاف.

قرن مع العلم .. الشيخ المجاهد المعمر محيي الدين القادري

ولادته ونسبه:

ولد الشيخ محيي الدين بن أحمد بن علي القادري الجِيلاني (بكسر الجيم) الحسَني نسبًا الشافعي مذهبًا في مدينة قَطَنا في الغوطة الغربية من دمشق نحو عام 1310هـ / 1892م.



لعائلة فقيرة تعمل في الزراعة ورعي الأغنام، وكان ولدًا وحيدًا ليس له إخوة ولا أخوات. وترعرع في القرية الصغيرة حينئذٍ ما بين مقام الشيخ حسن الراعي القطناني المتوفَّى سنة 606هـ، والجامع العُمَري القديم في المدينة، وكان يساعد أهله بالزراعة والرعي.



طلبه العلم:

كان الشيخ من أوائل من طلب العلم في مدينة قطنا؛ إذ بدأ منذ نعومة أظفاره بالدراسة على العلماء حتى أصبح واحدًا منهم، مع أن طلبه كان مقتصرًا على الكتاتيب على قلَّتها في قريته التي تبعد 25 كم عن دمشق العاصمة. وعن هذه المرحلة يقول: (كان يرسلني أبي لرعي الأغنام فأذهب إلى الكُتَّاب لأحفظَ القرآن وأتعلَّم القراءة والكتابة).



لازم من بداية رحلته العلميَّة الشيخَ الزاهد العابد العالم مفتي قطَنا إبراهيم الغلاييني رحمه الله، فكان يدرس عليه عند سارية الجامع العُمَري القديم، وعلى يديه أتمَّ حفظ القرآن، والكثير من الأحاديث النبوية قبل بلوغه العاشرة من عمره. وكان الشيخ الغلاييني رحمه الله يقول لتلامذته: (كونوا مثلَ الشيخ محيي الدين ينام ثلاثَ ساعات من الليل، ثم يحيي الباقي ويتعلَّم). وبقي ملازمًا لشيخه الغلاييني قرابة خمسين عامًا، وله إجازةٌ منه.



لكنَّ طلب العلم وتحصيله يتطلَّب الرحلةَ إلى الشام، للأخذ عن علمائها وشيوخها، فانطلق إلى جامعتها في ذلك الوقت (الجامع الأموي) كعبة العلم ومحطِّ العلماء.



فحضر مجالس المحدِّث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسَني ولازمه وأخذ عنه، ودرس على مؤسِّس الجمعيَّة الغرَّاء العالم الشيخ علي الدَّقر، وانتفع بالشيخ بديع زمانه عيسى الكُردي رحمهم الله جميعًا، وغيرهم من أعيان الأعلام.



وكان من أصدقائه مفتي الجمهورية الشيخ الطبيب محمد أبو اليُسر عابدين، وكان من صحبه مع فارق العمر بينهما الشيخ عبد الله بن إبراهيم الغلاييني وأخوه الشيخ محمد رحمهم الله، وكانوا يُكثرون من زيارته.



واتصلت أسبابه بأسباب عدد من كبار علماء الشام مثل الشيخ المجاهد حسن حَبنَّكة، والشيخ أبو الخير الميداني رحمهما الله.



ولم يدرُس الشيخ في أيِّ مدرسة أو جامعة نظاميَّة، ولكنَّه تلقَّى العلم من أفواه العلماء الأجلَّة، فكان يغرف من بحر علومهم، ويقطف من ثمرات عقولهم ما نفعه الله به في قابل. وله إجازةٌ من الشيخ توفيق الأيوبي فضلاً عن إجازته من الشيخ الغلاييني.



مكانته العلميَّة:

أثمر جلَده في طلب العلم وملازمة العلماء أن غدا مقرئًا للقرآن الكريم مجوِّدًا، ومفسِّرًا للذكر الحكيم مجدِّدًا، وراوية للسنَّة النبوية محدِّثًا، ونابغًا في الفقه ومسائله، ومتبحِّرًا في العقيدة وقضاياها، مع حفظ مجلَّداتٍ من عيون الشعر والمتون والحِكَم والعِبَر.



وحَذِقَ علم الفرائض (المواريث)، وهو من أصعب العلوم وأعقدها، لما فيه من مسائلَ متشابكة معقَّدة، تحتاج إلى ذهن رياضي متَّقد، وقد كان الشيخ يستمتع في تحقيق هذه المسائل، ويقول تلامذته: (ليس في الفرائض مسألةٌ إلا وللشيخ رسالةٌ فيها).



وكان في اللغة العربية والنحو علَمًا من أعلامها، ولا سيَّما إعراب القرآن، وأوتي براعةً في تقريب معاني القرآن للعامَّة بأسلوب سهل قريب، معتمدًا تفسير القرآن بالقرآن.



حفظ ألفيَّة ابن مالك في شهرين وهو في طريقه من قطَنا إلى قرية كَفر حَوَر حيث كان إمامًا وخطيبًا فيها، يذهب ماشيًا أو على أتانه (حمارته)؛ إذ لم يكن هناك وسائلُ نقل، فيردِّد في طريقه أبياتها حتى ختمها حفظًا، إضافة للجزَرية والشاطبية وغيرها الكثير من المتون.



وكان معنيًّا بعلم الكلام، ذا اطِّلاع على قضايا الفكر الإسلاميِّ، والسياسة الشرعية، ونظام الحكم في الإسلام، مع معرفة بالتاريخ، ومقاصد الشريعة.



دعوته وتعليمه:

كان الشيخ رحمه الله من الذين أنعم الله عليهم بحبِّ العلم والرغبة في نشره وتعليمه، فامتلك أسلوبًا لينًا رائعًا في إيصال العلوم كما أخبرني خال أبنائه الشيخ العابد بدر الدين بدر أبو حسين رحمه الله: (لقد كان كلام الشيخ محيي الدين صادقًا يخرج من القلب إلى القلب، لا يسأله أحدٌ في شيء إلا ويجيبه بما يعلم).



بدأ عمله الدعوي في مدينته قطَنا إمامًا وخطيبًا للجامع العُمَري القديم عام 1925م، ثم عُيِّن إمامًا وخطيبًا في قرية كَفر حَوَر إحدى قرى جبل الشيخ، ثم مضى مدرِّسًا وإمامًا وخطيبًا إلى قرية القرعون في بِقاع لبنان عام 1939م، وخرَّج هناك الكثيرَ من الحافظين والحافظات لكتاب الله والسنَّة النبوية، وذاع صيتُه في لبنان واشتَهر. وقد زرتُ البِقاع قبل سنة تقريبًا فما سألت أحدًا كبيرًا عن الشيخ محيي الدين إلا وأثنى عليه.



وبعد مضيِّ أكثرَ من ربع قرن على بدء عمله الدعويِّ، كان لابدَّ للشيخ العالم المحنَّك أن يفيضَ علمُه في رحاب الجامع الأمويِّ بدمشق، إذ صدر قرار بتاريخ 15/3 /1951م بتعيينه مدرِّسًا فيه، بعد خضوعه لاختبار علميٍّ دقيق؛ كان شرطًا للتدريس تحت قبَّة النسر في الجامع الأموي، ويتولَّى الاختبار أكثرُ من عشرين عالمًا من كبار علماء دمشق، ومن أعضاء مجلس الإفتاء الأعلى، وقد نال درجة ممتاز.



ثم عهد إليه المفتي الشيخ الطبيب محمد أبو اليُسر عابدين رحمه الله في 16/4 /1958م إعادةَ تأهيل سجناء القلعة بدمشق، فكان يخطُب فيهم الجمعة ويدرِّسهم، فغدا السجن مدرسةً يُتلقَّى فيها العلم لا مكانًا لنشر الرذيلة - كما هو اليوم - أو معتقلاً لأصحاب الكلمة الحرَّة!



ثم أحيلت إليه لجنة الخطابة والإمامة في قاعة جامع تنكز بدمشق.



ثم أُسند إليه التدريس الدينيُّ في عموم البلاد بقرار صادر من دائرة الإفتاء العامِّ، بتوقيع مفتي الجمهورية الشيخ عبد الرزَّاق الحمصي رحمه الله، ينصُّ: على أن الشيخ محيي الدين القادري يعيَّن مدرِّسًا عامًّا في الجمهورية العربية السورية أينما حلَّ ونزل في كلِّ جوامعها ومدنها.



ومن ثَمَّ كانت له بصَمات علميَّة وتعليميَّة في كثير من المدن والقرى السورية، منها مَضايا والزَّبَداني وسُبَينة وعَرْطُوز وبَيت جِنّ وزاكِيَة... وغيرها.



وفي السبعينيَّات الميلادية من القرن الماضي وما بعدها بدأ التضييقُ على علماء سورية، لكنَّ الشيخ استمرَّ في دعوته ونشره العلم والهدى بتأييد وتيسير من الله العظيم.



وكان يُكثر من ترداد هذه الأبيات للإمام الشافعيِّ رحمه الله:

إن الملوكَ بلاءٌ حيثُما حلُّوا
فلا يكُن لكَ في أبوابهم ظلُّ
ماذا تؤمِّل من قومٍ إذا غضبوا
جاروا عليكَ وإن أرضيتَهم ملُّوا
فاستَغنِ بالله عن أبوابهم كرَمًا
إنَّ الوقوفَ على أبوابهم ذُلُّ


أما مُعَضَّميَّة الشام خاصرة دمشقَ فكانت المحطَّةَ الأخيرة للشيخ خارج قطَنا، وقد قضى فيها أكثر من خمسَ عشرةَ سنة؛ مدرِّسًا وإمامًا وخطيبًا، وداعيًا محبوبًا من أصغر طفلٍ فيها حتى أكبر شيخ، وكان له صَولاتٌ وجَولاتٌ لا تُنسى في مساجدها؛ جامع الزيتونة وجامع عمر بن الخطَّاب وجامع الإيمان.



وخلَّف وراءه في المُعَضَّميَّة الكثيرَ من طلبة العلم والمريدين الذين يبحثون عن الله ويتوقون إلى العلم الشرعيِّ النافع، ومن أشهرهم الشيخ أبو النور الجلب حفظه الله. وكان يقصده طلبَة العلم من مناطقَ شتَّى.



وألقى دروسًا في المسجد الأقصى بالقُدس قبل احتلاله، وفي المسجد الحرام بمكَّة المكرَّمة، وفي الروضة النبوية بالمدينة المنوَّرة.



عمله وآثاره:

عمل فلاَّحًا يأكل من كدِّ يده، يحمل مِعوَلًا بيد وكتابًا بالأخرى، يزرع ويسقي، ينتظر الثمر، يحلُب البقر، يرعى الغنم، وكان صوَّامًا في النهار قوَّامًا في الليل، ويقول لي أحد أبنائه: كان يصوم الأشهرَ الحرُم من كلِّ سنة، والاثنين والخميس من كلِّ أسبوع.



ويقول لي أحد أصهرته: كان ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ في الواحدة مساءً، يبقى يصلِّي حتى صلاة الفجر، يذهب فيوقظ أهلَ الحيِّ بطرَقاتٍ خفيفة على أبوابهم، فيصلِّي الفجرَ بالناس في جامع الغلاييني بقطَنا، ثم يلقي درسه أو يعود ليقرأ القرآن حتى الضُّحى، ثم يصلِّي الضحى بثمان ركعات يقرأ فيهنَّ سورة الكهف، ثم يَقيل قيلولةً قصيرة، ثم يمضي إلى حقله على أتانه، فيعمل فيه، ثم يعود إلى طلبة العلم في البيت أو إلى حلقته في الجامع الأمويِّ.



وكان إذا أتاه شخصٌ يطلب فتوى لا يجيبه مباشرة، ولكن يعينُه على الوصول إلى الجواب، فيقول له: اذهب إلى الرفِّ كذا في مكتبتي، واجلب الكتابَ كذا، وافتح الصفحة الفلانية، في السطر الفلاني تجد ضالَّتك! وهذه الرواية سمعتُها من أكثر من عشَرة أشخاص حدثت معهم!



لم يؤلِّف الشيخ الكثيرَ من الكتب إذ كان منشغلاً بالتعليم والعبادة والزراعة لكي يأكلَ من عرَق جبينه، ويكفيَ نفسه وأهله. فترك لنا بعض المؤلَّفات النفيسة بحسَب تلميذه أبو النور الجلب - عافاه الله - منها: (شرح شُعَب الإيمان للإمام البيهقي في عدَّة مجلَّدات، ومسائل فقهيَّة، وفقه المواريث، وكتاب في عدد من الأجزاء جمع فيه خُطَبه ودروسه) ولا تزال جميعًا مخطوطة!



شمائله وطلابه:

عُرف الشيخ بشدَّة التواضع وكان يحثُّ الناس على هذه السِّمة، وحين يستقبل الشيوخَ الذين هم دونه في العمر والعلم ما كان يرحِّب بهم إلا بقوله: أهلًا بأستاذي، وكان يقول: أنا في الصفِّ الثالث الابتدائيِّ أمام العلماء.



وعانى الشيخ طَوالَ حياته آثارَ كسر في الظهر، فكان منحنيًا إلى الأمام مذ كان في العشرين من عمره، حيث وقع على ظهره صخرةٌ كانوا يسوُّون بها الأرض (مدحلة) بقي بعدها أكثر من أربعة أشهر طريحَ الفراش، لكنَّه لم يتوقَّف عن طلب العلم واستمرَّ في دعوته.



وفقد اثنين من أبنائه، الأول شهيدًا واسمه عبد الرحيم في حرب تشرين، والآخر حرقًا واسمه بشير، وكان له من الأولاد ثلاثةَ عشرَ وزوجتان؛ الأولى من بلدته قطَنا والأخرى من كَفر حَوَر.



وكانت له مشاركة في الجهاد مع الجيش العثماني لحماية ثغور الدولة الإسلاميَّة في بدايات القرن العشرين، ومشاركة في الثورة السورية ضد الفرنسيِّين داعيًا مع الثوَّار.



حجَّ الشيخ إلى بيت الله الحرام أكثر من 23 حِجَّة، وكان يقول: لعلَّ القادمة تكون مقبولةً أكثر.



وشُيِّد في مدينته قطَنا جامعٌ يحمل اسمه في عام 2010م.



وترك كثيرًا من التلامذة النجباء، من أشهرهم العلامة الأصوليُّ الشيخ د. محمد أديب صالح[1]، ومحمد الجلب أبو النور، ود. هشام مروة، وعضو مجمع اللغة العربية د. ممدوح خسارة، والأستاذ اللغويُّ ميخائيل سمعان (نصراني)، وولده الدكتور شافع القادري، وابنته الداعية آمنة القادري حفظهم الله جميعًا، والأستاذ أحمد صالح شقير رحمه الله.



فضلاً عن مئات الشباب والفتيات في بلدان شتَّى؛ قطَنا ومعضَّميَّة الشام ودمشق ولبنان وفلسطين والهند وغيرها. وأجاز عددًا منهم.



كلماتٌ خالدة:

كان يقول: (شهدتُّ كل الحروب والحِقَب السياسيَّة التي مرَّت بسورية منذ عام 1900م حتى الآن، لم أصفِّق لأحد؛ لملك أو رئيس أو أيِّ ذي منصب حتى ألقى الله وهو عني راض).



وسألته ابنته الحاجَّة آمنة قبل وفاته: ما الذي خرجتَ به من هذه الحياة الدنيا؟

فقال: (شيء واحد ثابتٌ وهو: اعلمي أن الله حقٌّ، وأن الإسلام حقٌّ، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم حقٌّ، والقرآن كلام الله حقٌّ، وغيرُ هذا لا قيمة له! وهذا الكلام قانوننا ودستورنا الذي نمشي عليه وهو منجينا ومنقذنا؛ نسيرُ جميعًا في طريق الله، وإلى الله، نرجو رحمته ونخشى عذابه).



رحيله مودِّعًا الدنيا:

في منتصف التسعينيَّات وبعد أكثرَ من مئة عام في طلب العلم ونشره استقال الشيخُ من التدريس، وكان بلغَ مرتَّبه ألف ليرة سورية.



لم يمتلك سيارةً، وكان لديه أتانٌ يقضي عليها شؤونه دون أيِّ خجل من أحد.



وفي السنوات الأخيرة من عمُره عاد إلى مكتبته الملأى بالكتب النادرة والأوراق الثمينة التي تعود لعشَرات السنين، وانقطع لتدريس طلاب العلم الذين كانوا يؤمُّون بيته وسَط المدينة.



وقبل وفاته بأيام ذهب إلى المقبرة وطلب من أبنائه أن يحفروا له قبرَه في موضع حدَّده لهم، وبعد عودته إلى بيته لم يلبث أن مرض مرضَه الأخير، وكان يغفو ويصحو، ومع ذلك يستقبل من يعودُه ويتحدَّث إليهم.



وكان يراجع القرآن غيبًا مع أحد أبنائه، ومرَّة سكت هُنيهة، فردَّه ابنه، فقال له: (لم أخرَف يا ولد)! ومضى في مراجعته القرآن من أوله حتى أتمَّ سورةَ النساء. وطلب إليه أحدُ تلامذته أن يوصيَه، فتلا عليه قولَ الحقِّ سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ ﴾ فجعل الآيةَ وصيَّته له، وأوصى أولادَه أن يبقى بيتُه بيتَ علم، مُشرعًا أبوابه لطلابه.



وفي صباح يوم الخميس 26 من جُمادى الآخرة 1418هـ (28 تشرين الأول 1997م) استقبل نداء ربِّه مغادرًا الدنيا عن مئة وثماني سنين من الجهاد وطلب العلم والدعوة والتعليم في سبيل الله.



وشُيِّع جُثمانه الكريم من جامع الشيخ إبراهيم الغلاييني رحمه الله في موكبٍ لم تشهد له المدينة مثيلًا من قبل، إذ توافدت الجموعُ إلى المدينة من كلِّ حدَب وصَوب، وخرج فيها كلُّ أهل قطَنا وما حولها، وشهدت المدينة عزاءً يليق بقامة عاشت عمُرَها من أجل رفع كلمة (لا إله إلا الله).



رحمه الله وجعله في علِّيين، وعوَّض الأمَّة بفقده خيرًا، وبارك في عقِبه وطلابه، وجعل ما يبذلونه من علم وعمل في صحيفة الشيخ.

 

[1] ذكر الأستاذ أيمن بن أحمد ذوالغنى في صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك): في زيارتي لشيخنا العلامة الأصولي المربي د. محمد أديب صالح حفظه الله ورعاه (في ثاني أيام عيد الفطر 1435هـ) سألته عن الشيخ محيي الدين القادري. فذكره بالخير وأثنى عليه جدًّا، مشيدًا بأثره الطيِّب في بلدتهم (قطَنا)، ومنوِّهًا بفضله وموسوعيَّة معارفه.

وأخبرني أن الشيخ محيي الدين أولُ مشايخه، إذ كان شيخَ الكتَّاب في قطَنا، وقرأ عليه ختمةً كاملة من القرآن، وحفظ منه كثيرًا من الأحاديث الشريفة. كلُّ ذلك وشيخنا أديب في السابعة من عمره قبل دخوله المدرسة الابتدائيَّة!

وقد أحبَّه شيخه جدًّا، وحظي لديه، وله معه ذكرى طريفة رواها لي قائلاً:

إن الشيخ القادري كان تزوَّج امرأة أخرى من كَفر حَوَر وكان يتردَّد إلى هناك بين فينة وأخرى لزيارة أهل زوجته. ورغب مرَّة أن يصطحبَ معه تلميذه النابغ الصغير ليقرأ القرآن في مجلس وجهاء المنطقة.

استأذن الطفل أديب والدته وكان يتيمًا فأذنت له. وهناك تباهى الشيخ بتلميذه المتميِّز، الذي قرأ القرآن على الملأ فنال إعجابَ الجميع لإتقانه وحُسن تلاوته، ثم اختبره الشيخ بسؤاله بعضَ الأسئلة فأجاب عن كل الأسئلة بثقة. فرح الشيخ جدًّا، ولكنَّ الطفل ما لبث بعد أن أبدى الجرأةَ والثقة والحفظَ والفهم أن تذكَّرَ أمَّه فحنَّ إليها، وبدأ يبكي بكاء شديدًا طالبًا إعادته إلى حجرها! فاضطرَّ الشيخ محيي الدين إلى قطع زيارته والعودة بتلميذه إلى قطَنا.

رحم الله الشيخ العالم المربِّي محيي الدين القادري، وحفظ شيخنا العلامة الأصولي محمد أديب صالح وبارك في عمره وهمَّته.

المحدِّث المسنِد والطبيب المعمَّر الشيخ محمد أكبر الفاروقي (الهندي)

المحدِّث المسنِد والطبيب المعمَّر
الشيخ محمد أكبر الفاروقي (الهندي)


هو الشيخ الصالح والمحدِّث المسنِد والطبيب المعمَّر محمد أكبر بن محمد زكريا بن إحسان الله الفاروقي، ينتهي نسبه إلى الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
ولد سنة تسع وثلاثين بعد الثلاث مئة والألف (1339هـ)، في قرية فِريَوا، بمديرية بَرْتابْ كَرَه، من ولاية أُتْرا بَرادَيْش الهندية.
فهو يبلغ من العمر (95) سنة، بارك الله في صحَّته وهمَّته وأدام النفع بعلمه.

طلبه للعلم:
تتلمذ في قريته على الشيخ محمَّد أيوب الفاروقي أحد طلاب العلامة المحدِّث نذير حسين المشمولين بإجازته.
ثم قصد دِهلي (بكسر الدال) حاضرة الهند، والتحق بالمدرسة الفيَّاضية، ثم بالمدرسة الرحمانية، وبقي فيها سنوات، درس على مشايخها التفسيرَ والحديث والفقه والنحو والصرف والأصول والمنطق.
ثم انتقل إلى المدرسة الزُّبيدية بعد انتقال شيخه أحمد الدِّهلوي إليها من المدرسة السابق ذكرُها، وهو بلديُّه إذ كلاهما من مديرية بَرْتابْ كَرَه.
وبعد أن فرغ من القراءة عليه، اتجه إلى دراسة الطبِّ في كلية الطبِّ والجراحة، وحصل على شهادتها.

عُمدة أشياخه:
يعدُّ الشيخ أحمد الله الدِّهلوي عمدةَ أساتذته وشيوخه، وقد قرأ عليه (صحيح البخاري) كاملاً، والمجلدَ الثاني من (صحيح مسلم).
وكان قبلُ قرأ (صحيح البخاري)، و(موطأ مالك) على الشيخ عُبيد الله المُبارَكفوري، والمجلد الأول من (صحيح مسلم) على نذير أحمد الأَمْلَوِيّ، ثم أتمه على أحمد الله الدِّهلوي، وهو دائم الافتخار بأخذه عنه، لأنه من تلاميذ العلامة المسنِد نذير حسين الدِّهلوي، و من ثَم اقتصر عليه في إجازته التي منحها لطلابه.
وله أخذٌ يسير - دون إجازة - عن غيره من أصحاب نذير حسين، منهم: عبد الرحمن الدُّوكَمي، وأبو القاسم البَنارِسيّ، وصحب عبد الرحمن المُبارَكفوريَّ أيامًا حين قدِم دِهلي للمداواة، وقام على خدمته.

عمله:
بعد إتمامه الدراسة في دِهلي رجع إلى قريته، لكنه لم يلبث أن عاد إلى دِهلي بعد سنتين، ليعمل فيها طبيبًا مدة ثماني سنين، ثم كرَّ إلى قريته وأقام فيها سنتين أخريين، ثم طُلب منه أن يكون إمامًا وخطيبًا لمسجد أهل الحديث في دِهْرَهْ دُونَ بشماليّ الهند، فاستجاب واستقرَّ به المقام فيها، معلمًا وداعيًا وناصحًا، وطبيبًا مداويًا ومعالجًا، ومصنِّعًا للأدوية التي حظيت بقَبول كبير فتولى إنتاجها مصنع (هَمالَيَه) للأدوية.

إسناده إلى الإمام البخاري:
أما إسناد الشيخ إلى (صحيح البخاري) فمن طريقين؛ طريق أهل الهند، وطريق أهل اليمن.

طريق أهل الهند:
قال الشيخ حفظه الله: أخبرنا أحمد الله بن أمير الله الدِّهلوي قراءة عليه، قال: أخبرنا نذير حسين بن جواد علي الدِّهلوي، قال: أخبرنا محمد إسحاق بن محمد أفضل الدِّهلوي، قال: أخبرنا جدِّي لأمي عبد العزيز بن أحمد الدِّهلوي، قال: أخبرنا أبي أحمدُ بن عبد الرحيم الدِّهلوي [الشهير بولي الله الدِّهلوي] (من أوله إلى كتاب الحج)، قال: أخبرنا أبو طاهر بن إبراهيم الكُوراني....
إلى: عبد الرحمن بن محمد الداودي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّرَخْسي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفِرَبْري، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح.

طريق أهل اليمن:
قال الشيخ حفظه الله: أخبرنا أحمد الله بن أمير الله الدِّهلوي قراءة عليه، قال: أخبرنا حسين بن محسن الأنصاري، قال: أخبرنا الحسن بن عبد الباري الأهدَل، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، قال: أخبرنا والدي سليمان بن يحيى الأهدل، وعمي أبو بكر، وإسماعيل بن محمد الرَّبَعي، وابنه أحمد؛ قالوا: أخبرنا أحمد بن محمد شريف الأهدل (سماعًا للأولَين، وإجازة إن لم يكن سماعًا للآخَرَين)، زاد الأولان: وعبد الخالق بن أبي بكر المِزْجاجي، قالا: أخبرنا يحيى بن عمر الأهدل....
إلى: عبد الرحمن بن محمد الداودي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّرَخْسي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفِرَبْري، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح.


وهذان الإسنادان من أحسن الأسانيد في رواية البخاري وأجلِّها رجالاً، مع علوِّ اتصالهما سماعًا بوليِّ الله الدِّهلوي ويحيى بن عمر الأهدل، وهما من أساطين الرواية المتأخِّرة.

ويعد إسناد الشيخ محمد أكبر الفاروقي عن شيخه أحمد الله الدِّهلوي، عن نذير حسين: أعلى أسانيده جميعًا في رواية (صحيح البخاري).

ومدار أسانيد المتأخِّرين من أهل الهند ترجع إلى ثلاثة أثبات، هي:
- (الإرشاد) لوليِّ الله الدِّهلوي أحمد بن عبد الرحيم.
- و(إتحاف الأكابر) للشوكاني محمد بن علي.
- و(النفَس اليَماني) للأهدل عبد الرحمن بن سليمان.
وللشيخ محمد أكبر الفاروقي رواية لهذه الأثبات الثلاثة وغيرها.

صفحات من سيرة فارس الدعوة السلفية محمد صفوت نور الدين رحمه الله

" من أراد أن يتأسى فليتأسى بمن مات؛فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"
هو الشيخ السلفي محمد صفوت نورالدين بن أحمد بن مرسي،ولد مصر في العشرين من يونيو لسنة (1943م) ببلدة (بلبيس) محافظة الشرقية،وتخرج من كلية العلوم عام (1964م)،فعمِلَ مُدرساً للكيمياء في التعليم الثانوي،إلى أن تولى منصباً رفيعاً في إدراة التعليم بمصر.
إلتحق وهو في المرحلة الإعدادية بجماعة أنصار السنة المحمدية التي تأسست عام (1926م) على يد الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله-والتي سنتحدث عن هذه الجماعة المباركة في مقال مُفصل بإذن الله-.
الشيخ وفق بأن عاش في كنف العلم مُنذ نعومة أظفاره،في أسرة متدينة حافظاً لكتاب الله عز وجل،ومن ثم في جماعة العلم والعلماء والمنهج الصحيح أنصار السنة.
أما من مشايخه فيقول:
"أما مشايخي فهم مشايخ جماعة أنصار السنة المحمدية إن كانوا في الفروع القريبة،فمنهم عمي عبدالله أحمد مرسي-رحمه الله-الذي بعث الدعوة من رقادها من المكان الذي كنا نسكن فيه،والشيخ محمد علي حسين وهو من الشيوخ القريبين منا،ولما انتقلت إلى الجامعة في القاهرة كنت أحضر الدروس التي كان يقيمها محمد خليل هراس والشيخ عبدالرحمن الوكيل والشيخ عبدالفتاح سلامة وشيوخ جماعة أنصار السنة المحمدية،وكان يتردد علينا الكثير من هؤلاء الشيوخ منهم الشيخ إبراهيم سلامة،وقد استفدنا منهم فوائد كثيرة،وكذلك رافقت الشيخ محمد علي عبدالرحيم في الفترة التي كان فيها رئيساً للجماعة،وكنت أجلس إليه جلوساً طويلاً أستفيد فيها بالفوائد العلمية الكثيرة."
عُرف الشيخ بنشاطه في الكلية فقد كان شُعلة في الدعوة إلى الله.
اختير عضواً في المركز العام للجماعة عام (1977م)فعمل وهو طالب في كلية المعلمين سكرتراً لهذا الفرع،ثم أنشأوا فرعاً في مدينة بلبيس.ثم عمل سكرتيراً للفرع في بدء إنشـائه،ثم اختير عضواً في المركز العام سنة 1977م.
،ثم رئيساً عاماً لجماعة أنصار السنة المحمدية عام (1992م) ،بالإضافة إلى توليه لرئاسة تحرير مجلة التوحيد؛منبر الدعوة السلفية الإعلامي في مصر.يقول الشيخ عن إلتحاقه حتى أصبح رئيساً: "كلفت في جماعة أنصار السنة المحمدية عضوا بمجلس إدارتها منذ 1978م،وكنت أميناً للدعوة بها منذ عام 1988م حتى وفاة الشيخ محمد علي عبدالرحيم-رحمه الله تعالى-حيث توفي في عام 1992م،فكلفني إخواني برئاسة الجماعة،وهي من أعمال الخدمة التي نسأل الله العون عليها أو أن يعفينا منها فهي ليست أمينة،إنما هي تكليف لا ينبغي لعاقل أن يسعى إليه،فإن ابتلى به وجب عليه أن يستعين بالله فيه ويلزم الشرع،ويسأل الله الإخلاص ويطلب منه أن يجنبه الفتنة."
كانت له العديد من البحوث العلمية القيمة،والرسـائل النافعة،والتي بث عدد كبير منها في مجلة التوحيد وغيرها من المجلات الشرعية.
لهُ مؤلفات عديدة منها:
الأقصى ودعوة الرسل.
مُنذ رئاسته تطورت الجمعية حتى وصلت إلى (120) فرع،وتطورت المجلة كما ترى اليوم هذا التطور المذهل.
حمل الشيخ همّ الأمة في صدره،وترجم ما يجب لها في فعله.
كان له أثر طيب في تصحيح العقيدة والإنكار على أهل البدع.
شارك في الكثير من المؤتمرات العلمية والمؤتمرات التي تخدم الأمة.
نشر العلم في كثير من الدورات العلمية التي أقامها في مصر وغيرها كالخليج.
وبرنامجه اليومي كما يقول الشيخ كالآتي:
"نحن نتعاون في أمر الدعوة إلى الله-عز وجل-في مصر بدءاً بدرس نقيمه بعد صلاة الفجر في مسجد التوحيد ببلبيس المدينة التي أسكنها ويتكون هذا الدرس من ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
شرح حديث من أحاديث صحيح البخاري نتدرج في الأبواب ويكون شرحاً مختصراً في حدود دقائق عشر،ثم قراءة تفسير آية أو أكثر والتعليق عليها من كتاب تيسير الكريم الرحمن للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي،ثم يقوم بعض الأخوة بعد ذلك بذكر فائدة لغوية أو تدريس برنامج في النحو،ويدرس بين الحين والآخر فوائد من علم التجويد ويقوم به أيضاً بعض الإخوة،ونتخذ في هذه الأيام توجيه بعض الشباب على إلقاء الدروس فيطلب من بعضهم بدءاً من هذا لبرنامج أن يعد كلمة تأخذ في حدود ربع ساعة إلى (20)دقيقة يقولها على الحاضرين بعد صلاة الفجر،ثم نرجع إلى البيت..بيتي ومكتبتي شيء واحد،يعني المكتة في بعض حجرات البيت،فأقوم فيها بمراجعة المقالات والكتب والرد على الرسائل والاتصالات الهاتفية،ولي دروس أسبوعية منتظمة."
وعن تلاميذه يقول:
"نحن نتحرك في مختلف الفروع،ويأتينا بعض أبنائنا،قد يأتي بعضهم ليقرأ رسالة أو كتاب،أو يستنصح بمسألة أو سائل يسأل،فنحن نساهم في أمر الدعوة،أما أن نقول هؤلاء تلاميذنا،فالشيخ صفوت الشوادفي-رحمه الله-كان من تلامذتنا،ولكن الله عز وجل فتح عليه،فكنت أنظر إليه في أيامه التي يعمل بها،إنه أستاذ أتعلم منه،وإن كان هو في بادئ الأمر من تلامذتنا،المسألة أن التلميذ والأستاذ كلاهما من طلبة العلم يتعلم كل منهم من الآخر،ومن يحضر لي دروساً كثر وهم في صفوف الأساتذة أذكر منهم،أكثر الناس ملازمة لي في دروس السبت الشيخ عبدالحميد عبدالمطلب-إمام في وزارة الأوقاف في الكويت-وكان من الملازمين في كثير من الدروس والشيخ أحمد زكي-وهو إمام في وزارة الأوقاف أيضاً-وممن يحضرون الدروس أيضاً الدكتور جمال المراكبي-والذي هو الآن رئيس تحرير مجلة التوحيد-والدكتور إبراهيم الشربيني-وهو صاحب دار ابن كثير-والشيخ أحمد رجب-من المحررين في المجلة وهو الآن مدرس في مدينة الرياض-والشيخ حمد سليمان-وله جهود طيبة علمية-والشيخ محمد بن عبدالعزيز-ويعمل باحثاً في إدراة الدعوة لجماعة أنصار السنة المحمدية،وهو الآن مدرس في الرياض-.
والتلامذة بفضل الله في الأيام الأخيرة أعدادهم كبيرة،وهم ينظرون إلينا بوصفنا مدرسيهم ومعلميهم وإن كان الله قد فتح عليهم فتوحاً علمية نحتاج نحن إلى كثير من آرائهم وأقوالهم،ونسعد إذا برزت هذه الآراء وتلك الأقوال."
أما أخلاقه وهي الأهم:
فله سمت الصالحين،صاحب تواضع،ذو وجهٍ بشوش،وجانب هين ولين،حكيم ذو حنكة وبعد نظر،ما جالسه أحد إلا أحبه.
بعض آرائه وأهدافه:
له بعض الآراء التي حققها والتي حاول تحقيقها،فمثلاً مشكلة المهاجرين أو الدارسين في الخارج ومشكلة الجيل الثاني فكان له رأي طيب وهو:
"أمريكا وأوربا فيها أكثر من 50 مليون مسلم،بالإضافة إلى 5 ملايين طفل،جميعهم يريدون أن يربوا أبنائهم على الإسلام،وفي أوربا لا يمكن أن يتربىالإنسـان على الإسلام.
والحـل أن تبنى مدارس ومعاهد تستوعب أبناء المسلمين المهاجرين حتى على مستوى المراحل الأولى حتى يحصل على المتوسطة والثانوية من مدراس بلاد عربية إسلامية يتعلمون فيها لغة العرب ويتعلمون فيها الإسلام،ثم إذا شاء الرجوع إلى أوربا لإستكمال دراسته فلا مانع،لأنه قد تحصن وعرف أموراً كثيرة عن دينه تساعده على الحياة في أوربا.
فهذه المدارس ستحمي الأبناء من أمور كثيرة وسوف تربي أبناء المسلمين على النظام الذي يحتاجونه."
له رأي في التعامل مع العلمانيين الذين واجهوا وجهة الإعلام وهي دعه يموت من دون أن يحظى بردك ولعلك تطلع على هذا الرأي الذي عمل عليه:
"العلمــانية باختصار شديد هي وليدة ونبتة الشيوعية،فلما انحسرت وماتت الشيوعية في منابتها،أراد رجالها أن يدافعوا عن أنفسهم فقالوا:نحن أصحــــاب منهج فكر،فترابطوا وأصبحوا يرفعون الأصوات،إذ تجد أن أصواتهم علت حتى يبقوا على أنفسهم أحياء وذلك لما انهارت الشيوعية،وهؤلاء يكثرون من جلب المتعاونين معهم والأصدقاء،حتى يبقوا أحياء،لكننا نقول:إنهم سيلقون المصير نفسه الذي لقيه الشوعيون ،فهم إلى موت،وهذه صرخات الموت،فالعلمانية إلحاد،لأنهم يؤمنون بأن الذي يدير الكون ليس هو الله عز وجل،وإنما الذي تديره نظريات علمية كما هو في الفكر الشيوعي،فهو الذي عندهم.
والعلمـــانية ليست من الإسلام في شيء،فنحن نؤمن بالله رباً يسيّر الكون،أنزل شرعاً نعمل به،فإذا جاؤوا إلى هذه الكلمــة فهم مسلمـــون،فالإسلام واضح في أمر تعبده،لكن سبيل المنافق أن يقول: "أنــا مؤمن ولكنني علمــــاني" هذا تمسح بالقضاء،فالعلمـــانية إلحـــــــاد.
وعند الحديث عن حرية الفكر المسموح به في الشريعة الإسلامية نقول:إن حرية الفكـــــــــــر لا حرية الكـــــــفر،فالأصول العقدية في أركان الإيمان الستةفي القرآن الكريم،هذه هي الحرية التي ضمنها الشرع،والمشكـــلة للصحـــــافة،وهذا واضح حتى إذا جــاء الناشر يتكلم منعوه،أين صوت الدعــاة في الصحف؟أبواب الصحف التي تفتح للدعاة؟ إذا تكــــــلم علمــــــاني فتحت له هذه الصحف وإذا أراد أحد الرد فهذا ممنوع له،يفتح مثلاً لمن يتكلم عن الشفاعة وينكرها،ولا يُفتح وعلى الصفحــــات نفسها للعلمـــاء الذين يتكلمون ويردون عليه،حتى يظن الكثير أن العلمـــاء صامتون ولا يتكلمون،الصحـــــــــف نشرت،لكنها تنشر لنشر العلمـــــانية،لكن الله عز وجل خاذلهم وإن ظنوا أنهم أصحــــاب أصوات عالية والله أعلم.
كمـــا ينبغي أن نقف في وجه أولئك الذين يرفعون أسمــــاء العلمانيين ويرددون كلمـــاتهم ثم يطلبون مواقف الأمة فيها،لأن هؤلاء العلمــــــــانيين كالحشـــــــــــرات،إنمــــا تسعى إذا قل الضوء وانتشر الظلام،فإذا نشرنا العلم وعرفنا الناس بالصواب لم تصل لأقوالهم من ميدان،لأن هذه الأقوال قديمة وموجدة،يقول بها كثيرون لكن لا يسمع إليهم أحد،لكن لما صار إلى هؤلاء ويرددون أسمـائهم جعلوا العلمانيين يتكلمون وكأن هذه الأقوال لها رجال ولها منتسبون ولها أعداد كبيرة،فمن هو سلمان رشدي الذي هز العالم الإسلامي كله حتى يدفع (2)مليون لمن يأتي برأسه،وهذا جعل العالم الغربي يقول:إن المسلمين عالم تافه،لدرجة أن رجل يكتب رواية في ديار الغرب تهز كراسي المسلمين في بلادهم،هذه المسألة يجب أن ننتبه إليها،فخالد محمد يوم أن كان كاتباً علمانياً مبتدعاً كتب كتاباً يهاجم فيه الإسلام ولم يجد له قراء،ولم يجد أحد لهذا الكتاب ينشره أو يقرأه،فكتب هو بنفسه رداً عليه وبين عواره وأرسل به أحد الشباب إلى صحيفة من الصحف الإسلامية لينشروه،فلما قرأه رئيس تحريرِ الصحيفة وجد كلاماً باطلاً والرجل يرد عليه بحماس شديد،فجعل الكتاب !
ينتشر،وحيدر حيدر إنســـان تافه ألّف رواية وهو في جحر من الجحور وصارت له كتب ولما نشرت هذه الكتب أصبحت المكتبات تتلقف كتب حيدر حيدر وتنشرها،لذلك يجب أن يكون عندنا الوعي في مسألتين:
المســــألة الأولى:
أن نعلم الصواب حتى إذا جاء الخطأ عرف أنه خطأ من غير لبس.
المســـألة الثانية:
ألا نروج لهؤلاء الذين يروجون الباطل."
وآراء وأفكار أخرى بإمكانك أن تتطلع على جزء منها من خلال أربع حوارات مرفقة لقاء مع مجلة الفرقان وآخر كذلك وآخر مع مجلة السمو وآخر مع جريدة الجزيرة.
آخر أيامه:
في اليوم 3/7/1423هـ سُلم الشيخ أسئلة لمقابلة صحفية مع "مجلة السمو" ووعدهم خيراً،وأثناء هذه الأيام عقد العزم على السفر لأداء العمرة والجلوي بضعة أيام بجوار الحرم،تلك البقعة المقدسة،وخير الأماكن إلى الله،فوصل اليوم العاشر من شهر رجب،وأخذ عمرته.
ومنذ أخذه للعمرة وهي لا يكل ولا يمل من عبادة إلى أخرى،أحيا تلك الأيام بالعمل الصالح وبما يقربه إلى الله،من صلاة وطواف،وذكر،وقراء للقرآن،ونوافل،وصدقات إلى يوم الجمعة.
وفي يوم الجمعة 13/7/1423هـ ذهب الشيخ إلى الحرم مُبكراً،وقرأ سورة الكهف ثم صلى الجمعة.
وبعد الصلاة عاد إلى الفندق الذي يقطنه-وكان مقابل للباب العمرة-فلما وصل إلى الفندق قام الموظف بإحضار المفتاح،وإذ بالشيخ يشعر بألم حاد في القلب فوضع يديه على صدره مُردداً(لا إله إلا الله)،ثم جلس على كرسي بجواره وهو يردد (لا إله إلا الله)،ثم أسلم الروح لباريها،فعلى (لا إله إلا الله) عاش،وعليها مات.
وما أحسنها من خاتمة؛ يقول الشيخ عبدالمحسن العجيمي-حفظه الله-:
" ولكن عزائي أن خاتمته-بفضل الله حسنة- لقد قبض الله روحه على رأس الستين من عمره بعد أداء العمرة،والمكث في المسجد الحرام طلة أربعة أيام يشغل وقته بقراءة القرآن والذكر والدعاء والطواف بالبيت،حتى إذا أدى مع المسلمين صلاة الجمعة 13/7/143هـ وتضلع بعدها بماء زمزم،خرجت روحه الطيبة من جسده الطاهر،وسـالت كما تسيل القطة من فيّ السقاء،وكان آخر كلامه من الدنيا (شهادة)أن لا إله إلا الله".
وقد صُليَّ على الشيخ-رحمه الله-بالمسجد الحرام بعد صلاة المغرب من نفس اليوم-وهي السنة التي حيّا عليها وداعياً إليها ومات عليها-ودفن في مقبرة الشرائع،فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كتبها أخوكم
وليد العلي
وهذه كلمات لبعض العلماء والدعاة في رثاء الشيخ.

لقد فجع المسلمون خاصة العلماء والدعاة إلى الله تعالى أهل عقيدة التوحيد الخالص بموت فضيلة الشيخ العلاَّمة الرئيس العام لجماعة أنصار السنّة المحمدية بمصر محمد صفوت نور الدين الذي أمضى حياته كلها في خدمة الإسلام والمسلمين عن طريق هذه الجماعة بنشاطتها المختلفة وعن طريق مجلة التوحيد التي تصدر عنها وقارع أهل البدع والتصوف والانحراف وجادل أهل الباطل بالتي هي أحسن ونافح عن العقيدة والمنهج،يسافر ويتجمل المشاق في سبيل ذلك.
فرحمه الله رحمة واسعة،ولقد شاء الله تعالى أن يكون موته في البقعة التي يتمنى أن يموت فيها في حرم الله الشريف بمكة المكرمة،حيث صُلي عليه به ودفن بإحدى مقابر مكة،نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ويخلف على المسلمين وينصر الحق وأهله ودعاته.
وقد عرفت فضيلته منذ مدة طويلة عفيفاً شريفاً ذا أخلاق فاضلة وصفات حميدة يدعو إلى الله بالتي هي أحسن،عرفته يتحمل المشاق في سبيل ذلك،يحب جمع الكلمة،ويدعو إلى الائتلاف..الاجتماع على العروة الوثقى،عرفته يحب أهل العقيدة السليمة ويدعو إليها.
يزورني كلما حضر إلى المملكة العربية السعودية مأوى السلفيين أمثاله يحب علماءها وولاة أمرها لحبهم التوحيد الخالص ودعوتهم إليه ومساعدتهم لأهله في بقاع الأرض،عرفته لا يحب المراء والمجادلة،عرفته في حسن عبادته وكثرة ذكره لله تعالى أحسبه والله حسيبه,
قلت ذلك لذكر محاسنه حيث أُمرنا بذكر محاسن موتانا،أسأل الله أن يدخله جنات الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،ويجمعنا بهم في الفردوس الأعلى بعد عمر طويل عامر بتقواه وأن يخلف على أنصار السنّة بمصر الخلف الصالح ويجبر مصيبتهم ومصيبة أهله وأولاده ومصيبة المسلمين في كل مكان.
وهكذا يتوالى موت العلماء،فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،وإنا إليه راجعون.
بقلم الشيخ عبدالله بن محمد المعتاز-حفظه الله-.
رئيس إدارة المساجد والمشاريع الخيرية.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى وصحبه أجمعين...
لقد ترك رحيل الشيخ محمد صفوت نور الدين الداعية والمعلم رئيس جماعة أنصار السنَّة المحمدية بمصر أثراً عميقاً في نفوسنا،وحزناً شديداً في قلوبنا،ولكن يخفِّف هذا الألم والحزن ما نعرفه عن هذا الشيخ الفاضل والداعية المبارك الذي هو قدوة صالحة للدعاة،ونموذج رائع لطلاب العلم والمصلحين نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً أبداً،ومما نغبط عليه الشيخ أن الله سبحانه وتعالى قبض روحه في أشرف مكان وأشرف زمان بعد أن هيأه لعمل صالح قبضه عليه وهو العمرة،وأرجو أن تكون هذه من علامات حسن الخاتمة إن شاء الله،وإنني أتذكر هذا الشيخ من خلال لقائتي الكثيرة به سواء في الحج أو بعض المجالس الحافلة والعامرة بالدعوة إلى الله،أرى فيه الوقار وأرى فيه السمت الصالح والتواضع الجم وحسن الوعظ،مع الحرص على هدي السلف والصدور عن الكتاب والسنة ومما أعجب له وأغبط عليه هذا الشيخ كثرة أسفاره في الدعوة لدينه حتى إنني إذا تصفحت بعض المجلات التي تعنى بأخبار الدعوة إلى الله والمؤتمرات والملتقيات العالمية إذا الشيخ في مقدمة الصفوف على رأس المشاركين مع ما أسمع عنه جزاه الله الجزاء الأوفى من كثرة التنقلات في أرض الكنانة بم!
صر حرسها الله ولكن لا نقول في هذه المناسبة إلا أحسن الله عزاء الأمة فيه ونخص أهله وأبناءه وزوجه والعلماء والدعاة في مصر والعالم الإسلامي أجمع،وجميع المسلمين ولا يسعنا إلا أن نتمثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن القلب ليحزن وأن العين لتدمع وإنا على فراقك يا شيخ صفوت نور الدين لمحزونون {إن لله وإنا إليه راجعون}[البقرة:156] اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلفنا خيراً فيها والحمد لله رب العالمين،وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
بقلم الشيخ متعب الطيـــــــــار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،وعلى آله وصحبه الكرام إلى يوم الدين وبعد:
فقد منيت الساحة الدعوية وجل مصابها في مصر،بل في العالم الإسلامي أجمع ظهر يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب لعام ثلاثة وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة بأرض مكة المكرمة،برحيل علم من أعلام الدعوة إلى الكتاب والسنَّة على منهج السلف الصالح جملة وتفصيلاً،ألا وهو الشيخ المجـــاهد السلفي القدوة،ناشر السنَّة،أبو عبدالرحمن محمد صفوت نور الدين رئيس عام جماعة أنصار السنَّة المحمدية بمصر،ولا يسعنا في مثل هذا المقام إلا أن نقول {إنا لله وإنا إليه راجعون}[البقرة:156]،اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها،وإن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا هو حسبنا ونعم الوكيل.
وجماعة أنصار السنَّة المحمدية التي كان يرأسها الشيخ-رحمه الله- غنية عن التعريف فهي منذ أسسها العلاَّمة الشيخ محمد حامد الفقي-أسكنه فسيح جناته-كانت ومازالت-زادها الله قوة ومنعه-الركن الحصين والسد المنيع للذَّب عن سنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومحاربة الشرك والبدع ونبذ الشعوذة والخرفات حتى عظم نفعها،والشيخ-رحمه الله-منذ أن أخذ على عاتقه همّض الدعوة صابراً محتسباً يبغي مرضاة ربه عاملاً بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}[النحل:125]،محباً لعلماء الأمة،معظماً لجهودهم،مقتدياً بأعلامهم العاملين بالكتاب والسنَّة بفهم سلف الأمة،مشاركاً في توعية المسلمين ومحذّراً من المؤامرات والخطط التي تحاك ضدهم،غيوراً على دين الله عزّ وجل،مظهراً ومقتدياً بسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم،ناطقاً بالحق في مرضاة الله ذاباً بقلمه ولسانه عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،نابذاً للتقليد والتعصب حريصاً على توجيه الشباب إلى العلم الشرعي وتعليمه ونشره مع الرؤية الدقية لأثر هذا العلم في مواجهة التعصب والطيش والعجلة والحماس الذي قد يضر بعموم الأمة ومستقبلها الدعوي،كثير التأكيد على !
أن معالجة الغلو في الدين أو ما يسمى اليوم بالتطرف،أو الإرهاب لا يمكن مواجهته إلا بنشر العلم الشرعي هكذا عرفناه -رحمه الله-.
وإن كان مما يهوَّن علينا وعلى الأمة المصيبة،هو تذكرنا لمصيبتنا العظمى،ألا وهي مصيبتنا برسول الله صلى الله عليه وسلم،حيث قال: ((إذا أصيب أحدكم بمصيبة،فليذكر مصيبته بي،فإنها أعظم المصائب)) .
اللهم تقبل عمله،وأسبغ عليه الواسع من فضلك،والمأمول من إحسانك،اللهم أتم عليه نعمتك بالرضا،وآنس وحشته في قبره بالرحمة،واجعل جودك بلالاً ن ظمأ البلى،ورضوانك نوراً له في ظلام الثرى،والله-وحده-الهادي إلى سواء السبيل.

عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين

و الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد العزيز بن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس ، الملقب كأسلافه " أبا بطين " العائذي بطن من " عبيدة " إحدى قبائل قحطان. ولد في بلدة روضة سدير في ذى الحجة من عام 1194هـ .

نشأته وطلبه للعلم :

نشأ الشيخ في بلدته ( روضة سدير ) نشأة حسنة في الديانة والنزاهة والعفاف ، فقرأ على والده و كان عالماً ، ثم قرأ على قاضي بلدته وعالمها وفقيهها الشيخ محمد بن طراد الدوسرى ، فأدركه إدراكاً جيداً ، ولازمه ملازمة تامة ، لما وهبه الله من ذكاء وفهم وقوة ذاكرة ، وبطء النسيان ، فمهر في الفقه وفاق أهل عصره إبان شبيبته.
ثم ارتحل إلى شقراء فقرأ على قاضيها الشيخ العالم عبد العزيز الحصيَّن ، ثم رحل إلى" الدرعية " فقرأ على علمائها حتى صار من كبار العلماء الذين يشار إليهم بالبنان ، رحمه الله .

مشايخه:

أخذ الشيخ عبدالله رحمه الله عن كثير من كبار العلماء ، منهم:
1ـ والده الشيخ عبدالرحمن أبابطين قرأ عليه في روضة سدير .
2- الشيخ محمد بن عبد الله بن طراد الدوسري قرأ عليه في روضة سدير حتى تفقَّه.
3- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين قاضي شقراء قرأ عليه في شقراء، وكان يعينه على القضاء
4- الشيخ العالم عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب .
5- الشيخ العلامة حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي.
6 - الشيخ العالم أحمد بن حسن بن رُشَيد العفالقي الاحسائى ، والذي أجازه بسنده المتصل إلى الشيخ عبد الله بن سالم البصري في ثبته الشهير : " الإمداد بعلو الاسناد" ، وهؤلاء العلماء الثلاثة قرأ عليهم في الدرعية.
7- السيد حسين الجفري قرأ عليه النحو في الطائف حينما كان المترجَم له قاضيا هنالك .

أعماله :

ـ عيَّنه الإمام سعود بن عبد العزيز رحمه الله ، قاضيا على الطائف وملحقاته عام 1220هـ .
ـ وفي ولاية الإمام عبد الله بن سعود صار قاضيا على عمان .
ـ ثم ولاَّه الإمام تركي بن عبدالله قضاء منطقة الوشم( شقراء ) .
ـ و في عام 1239هـ جمع له الإمام تركي مع قضاء الوشم قضاء سدير .
ـ وفي عام 1248هـ نقله الإمام تركي إلى قضاء القصيم وصار مقره في مدينة عنيزة .

مكانته العلمية :

أثنى عليه كثير من معاصريه ومن بعدهم في سعة الاطلاع ، فقد نبغَ في كثيرٍ من الفنون و العلوم حتى صار مرجعا من مراجع المسلمين في بلدان نجد ، و "مفتياً للديار النجدية" في زمنه .
قال الشيخ إبراهيم بن عيسى: ( الإمام والحبر الهمام العالم العلامة والقدوة الفهامة الشيخ عبد الله أبابطين مهر في الفقه وفاق أهل عصره في ابان شبيبته) ، و قال المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر عنه أنَّه : ( إمامٌ في كلِّ العلوم ) ، و قال تلميذه الشيخ محمد بن حميد في السحب الوابلة: ( واما اطِّلاعه على خلاف الأئمة الأربعة بل على غيرهم من السلف والروايات والأقوال المذهبية فأمر عجيب ،ما أعلم أني رأيت من يضاهيه بل ولا من يقاربه).

مكانته عند أهل عصره :

كانت رحمه الله له كلمة مسموعة وإشارة نافذة لدى الكبير والصغير والخاص والعام ، فقد كان موضع التقدير والاجلال من ملوك آل سعود في دولتيهم الأولى والثانية ، لما يرون فيه من العفاف والتقى ، ولما يعلمونه عنه من الكفاءة والمقدرة في أعماله و مناصبه التي تقلَّدها ، كما كان موضع الثقة من علماء الدعوة السلفية ، حيثُ عاصر شيخها في وقته الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله ، و الذي كان يُجِلُّه ويُقَدِّرُه ، كما كان محبوباً لدى العامة وعمدةً لهم في مكاتباتهم وفتاويهم ومشاوراتهم ، لما هو عليه من الثقة والكفاءة وسداد الرأى .


بذله للعلم :

كان رحمه الله باذلاً للعلم ، قد عمَر أوقاته وشغلها بالتدريس والوعظ والارشاد والافتاء ، لا يَمَلُّ ولا يضجَرُ من الدرس والافادة ، فدرَّس التوحيد وعقائد السلف والتفسير والحديث والفقه وأصولها والعلوم العربية في جميع المناطق التى أقام بها قاضياً ، في الطائف وشقراء وسدير وعمان والقصيم ونفع الله به نفعاً عظيماً ، حتى تخرَّج على يديه خلقٌ من كبارِ علماء نجد .
وبعد وفاة الإمام تركي عاد إلى شقراء و تفرغ للتدريس والتعليم والإفتاء إلى أن توفي رحمه الله .

تلامذته:

1- الشيخ الفقيه على بن محمد آل راشد وكان ينيبه في القضاء في عنيزة إذا سافر.
2- الشيخ محمد بن إبراهيم السنانى ، وليَ القضاء بعده في عنيزه ست أشهر ثم توفي رحمه الله.
3- الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع ، و كان منزوجاً من ابنة المترجم له فأنجبت له أبناء علماء .
4- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع ابن الذي قبله وسبط المترجم له ، وقد ولى قضاء الاحساء الامام فيصل .
5- الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد صاحب السحب الوابلة. ( وقد ترجم له في كتابه ( 2 / 626)
6- الشيخ صالح بن عبد الرحمن بن عيسى ، وكان ينوب عنه في الإمامة و الخطابة في المسجد الجامع عند غيابه.
7 ـ الشيخ عبد الله بن عائض قاضي عنيزه .
8 ـ - الشيخ سليمان بن على بن مقبل ، قاضي بريدة .
9 ـ الشيخ محمد بن عمر بن سليم ، قاضي بريدة .
10- الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ، قاضي بريدة .
11- الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى ، قاضي شقراء .
12- الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى ، قاضي شقراء ، و هو ابن الذي قبله.
13- الشيخ الفقيه على بن عبد الله بن إبراهيم بن عيسى ، قاضي شقراء .
14- الشيخ صالح بن حمد بن نصر الله قاضى القطيف للامام تركى.
15ـ محمد بن عبد الله بن مانع .
وغير هؤلاء كثيرٌ من أهل العلم ممن أدرك في العلم و بلغ فيه شأوا كبيراً رحمهم الله .

أخلاقه وسجاياه :

كان زاهدا عابدا ورعا كريما سخيا ساكنا وقورا ، دائم الصمت ، قليل الكلام ، قليل المجيء إلى الناس .
قال عنه تلميذه ابن حميد : وأما اطلاعه على خلاف الأئمة الأربعة ، بل وغيرهم من السلف والروايات والأقوال المذهبية فأمر عجيب ، ما أعلم أني رأيت في خصوص هذا من يضاهيه بل ولا من يقاربه ، وكان جلدا على التدريس لا يمل ولا يضجر ولا يرد طالبا في أي كتاب .

وفـاته:

بعد اعتزاله قضاء عنيزه عام 1270هـ استقر في شقراء لنشر العلم ونفع المسلمين ولم يزل على سيرته الحميدة حتى توفي في جمادى الأول عام 1282هـ بعد أن أمضي في خدمة العلم ونفع المسلمين قرابة تسعين سنة ، فعَظُم ذلك على الناس ، وحزنوا لفقده ، رحمه الله .


مؤلفاته:

أـ في العقيدة

1ـ تأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس ،مطبوع .
2- الانتصار في الرد على ابن جرجيس أيضا.
3ـ التفصيل و البيان في تنزيه الرحمن ـ مخطوط ، في مكتبة الشيخ عبدالله البسام رحمه الله .
4 ـ " الرد على البردة " مطبوع .


مؤلفاته الفقهية :

5- "حاشية على الروض المربع" مطبوعة .
6ـ. "حاشية نفيسة على شرح المنتهى" ، جردها من نسخته تلميذه وسبطه الشيخ عبد الرحمن بن محمد المانع.
7- "مختصر بدائع الفوائد" لابن القيم ، مخطوط .
8- مختصر إغاثة اللهفان لابن القيم ، مطبوع .
9- رساله في تجويد القرآن الكريم ، انتهى بعض طلبة العلم من تحقيقها .
10 - له فتاوى وتحريرات سديدة ، بعضها طُبع في مجاميع رسائل علماء نجد وبعضها لم يطبع ، ولو جُمعت وحدها لجاءت مجلدا حافلا بالفوائد وغرائب المسائل.
11 ـ مجموع فتاويه ، بجمع و ترتيب ابراهيم الحازمي ، مطبوع 

الشيخ عبدالرحمن الوكيل ومنهجه العلمي في الكتابة عن التصوف (2)

الشيخ عبدالرحمن الوكيل ومنهجه العلمي في الكتابة عن التصوف (2)


أخي أثلج الله صدرك بالتقوى، وأقر عينك بالهداية، وجعلك للصواب هادياً، ويسرك للخير وجعلت للخير ميسراً. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته وبعد.



فقد ذكرت لك منهج الشيخ عبدالرحمن الوكيل رحمه الله في الكتابة عن الصوفية الفكرة والسلوك وقد انتهينا إلى أن الرجل كان مثال الاتصاف بالعدل في العرض. وأنه كان رحمه الله منصفاً أكثر من الذين يتعصبون للتصوف بجهالة ومن الذين يتعصبون ضد التصوف بجهل.



وبعد معايشة طويلة لفكر وكتابات الشيخ الوكيل رحمه الله انتهيت إلى أن مجمل رأيه في الصوفية الفكرة والسلوك لا يخرج عن كون الصوفية يسوون بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب، فالوجود هو الرب عندهم. وكان لهذا الوجود صفة الإطلاق، ثم شاء أن يتعين فظهر في صورة الحقيقة المحمدية، أو صورة قطب الأقطاب بمعنى آخر ثم تكثرت هذه الحقيقة المحمدية، أو تجزأت، فظهرت في صورة مختلفة، منها الأقطاب الحادثون، والأوتاد والأبدال، فكل واحد من هؤلاء جزء من الرب، أو هو الرب في أحد تعيناته، هذا هو نظام الوجود عند الصوفية.



إنهم أبوا تصديق الله فيما تكلم به عن نفسه، وأبوا تصديق الرسول فيما وصف به ربه، ونبذوا العقل، وصدقوا وثنية الفلسفة المارقة وجعلوا من قضاياها هوية الحقيقة وإنِّيتها، فأخذوا منها التسوية بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب.



ثم جانبوا بعد ذلك الفلسفة كما جانبوا الدين وذهبوا يبنون نظاماً للوجود في غيبه وشهادته، وروحيته وماديته لا يقره عقل ولا يجيزه دين من الأديان.



ولما رأوا أن العقل يخالفهم اخترعوا أسطورة "الذوق" وقد عرفه الكمشخانلي يقوله: "هو أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي"[1].



وعرفه ابن عربي: بقوله: "الذوق أول مبادئ التجليات الإلهية"[2].



ولقد قالوا أي الصوفية: إنما تستمد معارفنا من الذوق لا من العقل، والحقيقة عند الصوفية لا تدرك بالعقل وإنما "بالذوق" ولهذا تتعدد الحقائق بتعدد الأذواق فلكل صوفي ذوق خاص يدرك به الحقيقة.



والصوفية في هذا أشبه السوفساطئيين في ناحية المعرفة غير أن السوفسطائيين جعلوا الإحساس الجزئي أساس المعرفة، أما الصوفية فهم اخترعوا أسطورة "الذوق" هذا للتخلص من أحكام العقل.



أما تحايلهم للتخلص من الدين الحق فيتمثل في اختراع أسطورة الظاهر والباطن. فالصوفية عندما وجدوا أن خرافاتهم ينكرها الشرع. راحوا يقولون إن للقرآن أو الشريعة ظاهراً وباطناً.



أما الظاهر فهو لعلماء الرسوم، وأما الباطن فللصوفية فقالوا بالشريعة والحقيقة. أما الشريعة فهي ما يؤخذ من الكتاب والسنة، وأما الحقيقة فهي ما يؤخذ من باطنها مؤيداً بذوقهم فحرفوا الكلم عن مواضعه، فهذا ابن عربي يفسر قوله تبارك وتعالى: حكاية عن فرعون: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 29].



يفسرها بقوله (لأجعلنك من المستورين) ويبرر ذلك بقوله أن السين من الحروف الزائدة، فإذا حذفت من كلمة "سجن" بقى جن ومعناه الوقاية والستر ولقد عمدت الصوفية إلى هذا التحايل عندما وجدت أن اللغة لا تسعفها.



ولقد أدت فكرة الظاهر والباطن بالصوفية إلى القول بوجود ما يسمى بالمملكة الباطنية وهي القطب وأعوانه والديوان الباطني ومكانه.



• والقطب عند الصوفية قطب حادث وقديم أو حسي ومعنوي، والقطب الحسي حادث يستخلف بدلاً منه عند موته من أقرب الأبدال منه، فحينئذ يقوم مقامه بدل هو أكمل الأبدال.



• والأبدال هم أربعون رجلاً لكل منهم درجة مخصوصة اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق كلما مات واحد منهم استبدال مكانه آخر، ومن هؤلاء الأبدال الأربعين يتعين ثلاثة أوتاد ومن هؤلاء الأوتاد يختار القطب الحادث، وبذلك يكون القطب الحسي قطب مسبوق بقطب، ويخلفه قطب، فقطبيته حادثة محدودة بوقت أما قطب الأقطاب فهو قطب معنوي قديم غير مسبوق بقطب، ولا يخلفه قطب آخر، فهو واحد منذ القدم سرمدي القطبائية أبديها. وهو قطب بالنسبة إلى ما في عالم الغيب والشهادة.



• وحتى لا يظن أحد الغلو بالشيخ رحمه الله فقد ذكر بعض تعاريف القطب المعنوي أو قطب الأقطاب كما جاءت عند كبارهم فيقول القاشاني:

"هو قطب بالنسبة إلى جميع المخلوقات في عالم الغيب والشهادة ولا يستخلف بدلاً من الأبدال ولا يقوم مقامه أحد من الخلائق، وهو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة لا يسبقه قطب ولا يخلفه آخر، وهو الروح المصطفوي المخاطب بلولاها ما خلقت الكون وتدور عليه دوائر الكون ويحيط بأقطارها"[3].



ولقد خرج الصوفية بمعنى الولاية من مدلولها الشرعي إلى مدلول آخر غير شرعي. وقد دانت الصوفية بفكرة ختم الولاية التي وضعها الحكيم الترمذي وادعت أن خاتم الأولياء أفضلهم قياساً على خاتم النبوة بل إن بعضهم جاهر بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء. لأن خاتم الأولياء يأخذ عن الله مباشرة، أما خاتم الأنبياء فيأخذ عن الله بواسطة الملك.



كما خرجوا بلفظ المحبة عن مدلوله الشرعي إلى مدلول بدعي فأطلقوا لفظ العشق بدلاً من لفظ المحبة فصار حالهم بدعياً لا شرعياً وجرهم ذلك إلى الحديث عن الفناء وفناء الفناء الذي قادهم إلى عقيدة الحلول ووحدة الوجود ثم وحدة الأديان لا وحدة الدين.



كذلك تدين الصوفية ويكثر الحديث بينهم عن الكرامات التي ينسبوها لشيوخهم أحياء وأمواتاً. بل إن المناوي يقول: إن أول كرامات الصوفية إحياء الموتى. وناهيك عما في كتب الشعراني من تلك الخرافات. وإيمان الصوفية بما جاء في كتبهم لا حدود له. وإذا قرأت شيئاً منها على أحدهم وسمع ما فيها من مخازٍ وأقوال ضالة صاح وقد ملكته رعدة وهو يقول (إن هذا مدسوس) فإذا خلا إلى نفسه قال: لعل الشيخ اطلع على قدر الله المغيب.



وعن التصوف النظري والتصوف العملي يرى الشيخ عبدالرحمن الوكيل أنه لا يوجد فرق بين تصوف قديم وتصوف حديث وأن السلوك وليد الفكرة والفكرة وليدة السلوك.



وبعد: فقد بقيت لنا كلمة: إذا كان ما في التصوف من الإسلام فقد كفانا الإسلام مؤونة ذلك. وإذا كان ما في التصوف خارج عن الإسلام فلا حاجة لنا به.

زياد علي

زياد علي محمد