السبت، 24 أغسطس 2019

الشيخ الرئيس الامام عبد الحميد بن باديس

مولده ونشأته:
نشأ عبد الحميد ابن باديس في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه ، و في بيتها
الكريم ترعرع معززا مكرما ، لاينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة ؛فلم يدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة فحفظ القرءان و تجويده على يد الشيخ المقرئ محمد ابن المداسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة ، ونشأ منذ صباه في رحاب القرءان فشب على حبه والتخلق بأخلاقه . ولشدة إعجابه بجودة حفظه وحسن سلوكه قدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسؤولية ،وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام .
تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشايخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ احمد أبو حمدان الونيسي ابتداء من 1903 الذي حبب إليه العلم ووجهه الوجهة المثلى فيه وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني وفي سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ الونيسي على الهجرة إلى المشرق حين ذاق ذرعا بالحياة تحت ا لحكم الفرنسي الطاغي ، ولشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر أن يسافر معه ويلحق به مهاجرا في طلب العلم ، غير أن أباه لم يوافقه على ذلك ووجه إلى طلب العلم في تونس.

ابن باديس في جامع الزيتونة:
نظرا لما كان يبدوا على "عبد الحميد"من فطنة ونباهة وميل إلى الجد في فترة التعليم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرص أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه ،فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه " الونيسي "1908م إلى المشرق تاركا الزوجة والوالد في كفاله والديه ،وسنه في ذلك تسعة عشرة سنة .وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع عام 1911موقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة ،وكان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناءا على وجوده في راس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير "التونسية’ وأقام أثناء دراسته بمدرسة النخلة الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة ،وكان يسكن بجانبه احد شيوخه وهو المرحوم " سعد السطايفي "وبقي بعد التخرج سنة أخرى يدرس ويدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد .
وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء ،واخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية ،من أمثال الشيوخ :محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري ،والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقي عليه المنطق وقرا عليه كتاب التهذيب فيه ،ومحمد بالحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي اخذ على يده الفقه ، والبشير صفر، ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين ،وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس،وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط ،وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع ،كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا انه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين"دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
عودته من تونس :
عاد الشاب "عبد الحميد "إلى بلاده يحمل شهادة التطويع فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان ،كان مغتبطا اشد الاغتباط بنجاحه وعودته ،ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته ،ويزيدها مجدا وشرفا ،فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصدائها في إرجاء البيت الفسيح ،وقد اثر هذا الاستقبال في عبد الحميد أيما استقبال ...
بعد ذلك بدا عبد الحميد نشاطه بالتفرغ لتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة ،فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء الدروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء "للقاضي عياض ، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد ،غير أن مدة تعليمه في الجامع الكبير لم تطل، لأن مفتي المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب "الإمام الخطيب بهذا الجامع ،منعه من مواصلة التدريس ، بحجة انه لا يملك إذنا بذلك ، والحقيقة إن الشاب عبد الحميد رخص له في ذلك ، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة ، وسعي له في الحصول على إذن بتدريس في الجامع الكبير فأذن له ولكن بإذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن موهوب هذا العمل اعتداء على سلطته ،لأنه لم يستشره في ذلك ، واعتبره تدخلا سافرا فيما هم من اختصاصه ، لان والد الشاب وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوي البلدية والعمالة والوطن ، وله مكانة إلا انه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين ، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب ، ومن هنا بدأت المواجهة بينة وبين المعلم الشاب ، الذي لم يكن هدفه إلا نشر المعرفة وخدمة بلاده ، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل ،
ولم تمضي سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضوع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج ، فقبل والده ووافقه ، وهيأ له الأسباب ا لتي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة .





رحلته إلى الحجاز
من الله على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام 1331ه الموافق ل سبتمبر 1913م.وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها ، وأثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة "الشيخ الونيسي "الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها ، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه :الشيخ حسين احمد الفيض أبادي الهندي ، الشيخ الوزير التونسي ، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف ، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه .وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء في المدينة إلى جوار أستاذه فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها ، لما يعرف من أوضاع بلده .لكن الشيخ حسين احمد الهندي لم يوافقه على ذلك ،بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ ، وقبل بنصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن ، عند ذاك حذره أستاذه الونيسي من أن يكون عبدا للوظيفة ، لأنه تأكد إن الحكومة ستعرض عليه الوظائف ، قال له "احذر أن تقبل الوظيفة الحكومية ، فهي قيد لك ، يحد من نشاطك ...واخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة ،وان لا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية ، فعاهده تلميذه على ذلك ، ووفى بهذا العهد.
وقد حرص "عبد الحميد "في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده ،ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا ، متأثرين بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز ن وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب ن هو الشيخ " محمد البشير الإبراهيمي " المقيم مع والديه في المدينة ، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شان الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر ، واتفقا على الخدمة بلادهما متى عاد إليها . وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة ، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر ، ويحددان شروط وسائل نهضتها . ولم يكن أي منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الديار ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح والنضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينيات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرج على الشام وزار المسجد الأقصى وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر ، فتعارفا وتذاكرا وأجازه ، وفي القاهرة لقي مفتي الديار الشيخ " محمد بخيث المطيعي "رفيق محمد عبده ، والمدافع عن فكرته بعد وفاته ، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه الونيسي فأحسن استقباله ، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة ،وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا .هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي ،ليعرف ما فيه ، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
العودة إلى الوطن والشروع في الإصلاح:
آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم ، وهي الدعوة التي حمل لوائها الشيخ محمد عبده ، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة 1321_1903م ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم ، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ، ومقاومة الزيف والخرافات ، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار .
وبمجرد أن عاد إلى وطنه شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال ، واستصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بان يدرس بالمجان في الجامع الأخضر احد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة .
وهكذا بدا التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني ، يخول له ذلك ،فنضم دروسا لعامة الناس ، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقي بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش ، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها آجرا .وكان من دروسه العامة تفسير القرءان ، ضل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عاما ، فاحتلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هالموافق ل 12 جوان 1938.والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358ه الموافق لجوان 1939م..أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة ،ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
و يعد الجانب التعليمي و التربوي من أبرز المساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذين بلغوا سن التعلم، و لم يجدوا لهم مكانا في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس و لكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم و معرفة دينهم و تاريخهم، فأسس سنة 1926م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر " مكتب " أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء: السيد العربي و السيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، و البناء المتصل به، و كان فوق بيت الصلاة محل السكن و الكراء، فأزالاه عن ذلك، و أبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب" و أطلق عليه "المكتب العربي" و أسندت إدارته إلى أحد طلاب ابن باديس الأوائل و هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية، التي تأسست سنة 1336 هـ الموافق لـ 1917 م لاتساعها... و في سنة 1930 م تم تطوير المكتب إلى مدرسة جمعية باديس. و قد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، و المعارف الدينية و العربية، و الصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين و بناتهم، و يجدر بالذكر أن قانون الجمعية نص على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين تتعلم البنات كلهن مجانا.
كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة في تونس، و بعث بمقترحاته إلى لجنة وضعت مناهج الإصلاح التي شكلها حاكم تونس سنة 1350 هـ الموافق لـ 1931 م و تضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية و التعليم، و التفسير و الحديث و الأخلاق و التاريخ و الجغرافيا و مبادئ الطبيعة و الفلك و الهندسة، و جعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة و تستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، و قسم التخصص و مدته سنتان، و يضم ثلاثة فروع: فرع للقضاء و الفتوى، و فرع للخطاب و الوعظ، و فرع لتخريج الأساتذة.
محاولة اغتيال ابن باديس
في 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926 م عندما كان عائدا إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، تعرض الى محاولة اغتيال دبرها له الاستعمار الفرنسي واعوانه و لما دنا منه الجاني هوى عليه بهراوة و أصابه بضربتين على رأسه و صدعه، فشج رأسه و أدماه، لكن الشيخ أمسك به و نادى النجدة و حاول المجرم أن يسل خنجرا ليجهز به على الشيخ، و لكن الله نجاه بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه و أرادت الفتك به فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته ، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، و صدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجن. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، فأطلقوا سراحة
و في هذه الحادثة أنشد محمد العيد آل خليفة قصيدة منها:
حمتك يد المولى و كنت بها أولى
فيا لك من شيخ حمته يد المــــولى
فيا لوضيع النفس كيف تطاولـــت
به نفسه حتى أسر لك القتــــــــــلا

شخصية ابن باديس و عوامل تكوينها
إذا تتبعنا حياته و درسنا جوانب شخصيته نلمس بوضوح جوانب مختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة و الخطابة المؤثرة و قول الشعر الوطني، الإمامة في العلم و الدين، و الزعامة والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع و عمق التفكير، و متانة في الخلق و استقامة في السلوك، و ذكاء حاد و وعي كامل بمشكلات العصر، و إدراك شامل لوضعية شعبه، و ما ينبغي أن يكون عليه، إذ أخذ بأسباب الحياة ـ كان رحمه الله ـ قائد ركب و محرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية في وقت ساد فيه الجهل، و عم فيه الجمود، و انتشرت فيه الخرافة و انحطت كرامة الإنسان العربي و أهدرت قيمة المسلم، و زاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا و وضوحا بسلوكه المثالي و تفكيره المتزن و المتوازن و بحكمته و حنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يساند حركته، فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.


وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس
مساء يوم الثلاثاء 68 ربيع الأول سنة 1359ه، الموافق ل16 افريل 1940م ،على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها ، بمسقط رأسه مدينة قسنطينة
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي من وفاته ، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير، طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مئة ألف نسمة ،جاؤوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير ،وقد تولى أداء صلاة الجنازة الشيخ العربي التبسي ،ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته الأخيرة التي أوصى بدفنه في مقبرة شعبية .
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس فرغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية ،وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها ،وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص ، والوطني الغيور على دينه ، ولغته ، وشعبه ،ووطنه ، وعلى الإسلام و العروبة ،بصفة خاصة وقد قال الشيخ العربي بن بلقا سم التبسي في تأبينه في المقبرة مايلي :"لقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس في جهاده وأعماله ، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد ابن باديس ".

أصحاب الكهف

في زمان ومكان غير معروفين لنا الآن، كانت توجد قرية مشركة. ضل ملكها وأهلها عن الطريق المستقيم، وعبدوا مع الله مالا يضرهم ولا ينفعهم. عبدوهم من غير أي دليل على ألوهيتهم. ومع ذلك كانوا يدافعون عن هذه الآلهة المزعومة، ولا يرضون أن يمسها أحد بسوء. ويؤذون كل من يكفر بها، ولا يعبدها. في هذه المجتمع الفاسد، ظهرت مجموعة من الشباب العقلاء. ثلة قليلة حكّمت عقلها، ورفضت السجود لغير خالقها، الله الذي بيده كل شيء. فتية، آمنوا بالله، فثبتهم وزاد في هداهم. وألهمهم طريق الرشاد. لم يكن هؤلاء الفتية أنبياء ولا رسلا، ولم يتوجب عليهم تحمل ما يتحمله الرسل في دعوة أقواهم. إنما كانوا أصحاب إيمان راسخ، فأنكروا على قومهم شركهم بالله، وطلبوا منهم إقامة الحجة على وجود آلهة غير الله. ثم قرروا النجاة بدينهم وبأنفسهم بالهجرة من القرية لمكان آمن يعبدون الله فيه. فالقرية فاسدة، وأهلها ضالون. عزم الفتية على الخروج من القرية، والتوجه لكهف مهجور ليكون ملاذا لهم. خرجوا ومعهم كلبهم من المدينة الواسعة، للكهف الضيق. تركوا وراءهم منازلهم المريحة، ليسكنوا كهفا موحشا.



زهدوا في الأسرّية الوثيرة، والحجر الفسيحة، واختاروا كهفا ضيقا مظلما. إن هذا ليس بغريب على من ملأ الإيمان قلبه. فالمؤمن يرى الصحراء روضة إن أحس أن الله معه. ويرى الكهف قصرا، إن اختار الله له الكهف. وهؤلاء ما خرجوا من قريتهم لطلب دنيا أو مال، وإنما خرجوا طمعا في رضى الله. وأي مكان يمكنهم فيه عبادة الله ونيل رضاه سيكون خيرا من قريتهم التي خرجوا منها. استلقى الفتية في الكهف، وجلس كلبهم على باب الكهف يحرسه. وهنا حدثت معجزة إلاهية. لقد نام الفتية ثلاثمئة وتسع سنوات. وخلال هذه المدة، كانت الشمس تشرق عن يمين كهفهم وتغرب عن شماله، فلا تصيبهم أشعتها في أول ولا آخر النهار.



وكانوا يتقلبون أثناء نومهم، حتى لا تهترئ أجاسدهم. فكان الناظر إليهم يحس بالرعب. يحس بالرعب لأنهم نائمون ولكنهم كالمستيقظين من كثرة تقلّبهم. بعد هذه المئين الثلاث، بعثهم الله مرة أخرى. استيقضوا من سباتهم الطويل، لكنهم لم يدركوا كم مضى عليهم من الوقت في نومهم. وكانت آثار النوم الطويل بادية عليهم. فتساءلوا: كم لبثنا؟! فأجاب بعضهم: لبثنا يوما أو بعض يوم. لكنهم تجاوزوا بسرعة مرحلة الدهشة، فمدة النوم غير مهمة. المهم أنهم استيقظوا وعليهم أن يتدبروا أمورهم. فأخرجوا النقود التي كانت معهم، ثم طلبوا من أحدهم أن يذهب خلسة للمدينة، وأن يشتري طعاما طيبا بهذه النقود، ثم يعود إليهم برفق حتى لا يشعر به أحد. فربما يعاقبهم جنود الملك أو الظلمة من أهل القرية إن علموا بأمرهم. قد يخيرونهم بين العودة للشرك، أو الرجم حتى الموت. خرج الرجل المؤمن متوجها للقرية، إلا أنها لم تكن كعهده بها. لقد تغيرت الأماكن والوجوه. تغيّرت البضائع والنقود. استغرب كيف يحدث كل هذا في يوم وليلة. وبالطبع، لم يكن عسيرا على أهل القرية أن يميزوا دهشة هذا الرجل. ولم يكن صعبا عليهم معرفة أنه غريب، من ثيابه التي يلبسها ونقوده التي يحملها. لقد آمن المدينة التي خرج منها الفتية، وهلك الملك الظالم، وجاء مكانه رجل صالح. لقد فرح الناس بهؤلاء الفتية المؤمنين. لقد كانوا أول من يؤمن من هذه القرية. لقد هاجروا من قريتهم لكيلا يفتنوا في دينهم. وها هم قد عادوا. فمن حق أهل القرية الفرح. وذهبوا لرؤيتهم. وبعد أن ثبتت المعجزة، معجزة إحياء الأموات. وبعدما استيقنت قلوب أهل القرية قدرة الله سبحانه وتعالى على بعث من يموت، برؤية مثال واقي ملموس أمامهم. أخذ الله أرواح الفتية. فلكل نفس أجل، ولا بد لها أن تموت. فاختلف أهل القرية. فمن من دعى لإقامة بنيان على كهفهم، ومنهم من طالب ببناء مسجد، وغلبت الفئة الثانية. لا نزال نجهل كثيرا من الأمور المتعلقة بهم. فهل كانوا قبل زمن عيسى، أم كانوا بعده. هل آمنوا بربهم من من تلقاء نفسهم، أم أن أحد الحواريين دعاهم للإيمان. هل كانوا في بلدة من بلاد الروم، أم في فلسطين. هل كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، أم خمسة سادسهم كلبهم، أم سبعة وثامنهم كلبهم. كل هذه أمور مجهولة. إلا أن الله عز وجل ينهانا عن الجدال في هذه الأمور، ويأمرنا بإرجاع علمهم إلى الله. فالعبرة ليست في العدد، وإنما فيما آل إليه الأمر. فلا يهم إن كانوا أربعة أو ثمانية، إنما المهم أن الله أقامهم بعد أكثر من ثلاثمئة سنة ليرى من عاصرهم قدرة على بعث من في القبور، ولتتناقل الأجيال خبر هذه المعجزة جيلا بعد جيل.

قال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال : لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق. قال ابن عباس : فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله، يبكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر : مكسلمينا وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم، ومجسيميلنينا وتمليخا ومرطونس، وكشطونس، وبيرونس، وديموس، ويطونس وقالوش.

عبد الله بن عمر ( المثابر, الأوّاب )

عبد الله بن عمر ( المثابر, الأوّاب )



  تحدّث وهو على قمة عمره الطويل فقال:

"لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فما نكثت ولا بدّلت إلى يومي هذا..

وما بايعت صاحب فتنة..

ولا أيقظت مؤمنا من مرقده"..

وفي هذه الكلمات تلخيص لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين, والذي بدأت علاقته بالإسلام والرسول, وهو في الثالثة عشر من العمر, حين صحب أباه في غزوة بدر, راجيا أن يكون له بين المجاهدين مكان, لولا أن ردّه الرسول عليه السلام لصغر سنه..

من ذلك اليوم.. بل وقبل ذلك اليوم حين صحب أباه في هجرته إلى المدينة.. بدأت صلة الغلام ذي الرجولة المبكرة بالرسول عليه السلام والإسلام..



  ومن ذلك اليوم إلى اليوم الذي يلقى فيه ربه, بالغا من العمر خمسة وثمانين عاما, سنجد فيه حيثما نلقاه, المثابر الأوّاب الذي لا ينحرف عن نهجه قيد أشعرة, ولا يند عن بيعة بايعها, ولا يخيس بعهد أعطاه..

وان المزايا التي تأخذ الأبصار إلى عبدالله بن عمر لكثيرة.

فعلمه وتواضعه, واستقامة ضميره ونهجه, وجوده, وورعه, ومثابرته, على العبادة وصدق استمساكه بالقدوة..

كل هذه الفضائل والخصال, صاغ ابن عمر عمره منها, وشخصيته الفذة, وحياته الطاهرة الصادقة..

لقد تعلم من أبيه عمر بن الخطاب خيرا كثيرا.. وتعلم مع أبيه من رسول الله الخير كله والعظمة كلها..

لقد أحسن كأبيه الإيمان بالله ورسوله.. ومن ثم, كانت متابعته خطى الرسول أمرا يبهر الألباب..

فهو ينظر, ماذا كان الرسول يفعل في كل أمر, فيحاكيه في دقة وإخبات..

هنا مثلا, كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي.. فيصلي ابن عمر في ذات المكان..

وهنا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قائما, فيدعو ابن عمر قائما...

وهنا كان الرسول يدعو جالسا, فيدعو عبدالله جالسا..

وهنا وعلى هذا الطريق نزل الرسول يوما من فوق ظهر ناقته, وصلى ركعتين, فصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه السفر بنفس البقعة والمكان..



  بل انه ليذكر أن ناقة الرسول دارت به دورتين في هذا المكان بمكة, قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها, ويصلي ركعتين, وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائيا لتهيئ لنفسها مناخها.

لكن عبدالله بن عمر لا يكاد يبلغ  ها المكان يوما حتى يدور بناقته, ثم ينيخها, ثم يصلي ركعتين للله.. تماما كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله..



  ولقد أثار فرط إتباعه هذا, أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت:

"ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله, كما كان يتبعه ابن عمر".

ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق, حتى لقد جاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول:

"اللهم أبق عبدالله بن عمر ما أبقيتني, كي أقتدي به, فاني لا أعلم أحد على الأمر الأول غيره".



  وبقوة هذا التحري الشديد لخطى الرسول وسنته, كان ابن عمر يتهيّب الحديث عن رسول الله ولا يروي عنه عليه السلام حديثا إلا إذا كان ذاكرا كل حروفه, حرفا.. حرفا.

وقد قال معاصروه..

"لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه, من عبدالله بن عمر"..!!



  وكذلك كان شديد الحذر والتحوّط في الفتيا..

جاءه يوما رجل يستفتيه, فلما ألقى على ابن عمر سؤاله أجابه قائلا:

" لا علم لي بما تسأل عنه"

وذهب الرجل في سبيله, ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفه جذلان فرحا ويقول لنفسه:

"سئل ابن عمر عما لا يعلم, فقال لا أعلم"..!

كان يخاف أن يجتهد في فتياه, فيخطئ في اجتهاده, وعلى الرغم من أنه يحيا وفق تعاليم الدين العظيم, للمخطئ أجر وللمصيب أجرين, فان ورعه أن يسلبه ورعه كان يسلبه الجسارة على الفتيا.

وكذلك كان ينأى به عن مناصب القضاة..

لقد كانت وظيفة القضاء من أرقع مناصب الدولة والمجتمع, وكانت تضمن لشاغرها ثراء, وجاها, ومجدا..

ولكن ما حاجة ابن عمر الورع للثراء, وللجاه, وللمجد..؟!



  دعاه يوما الخليفة عثمان رضي الله عنهما, وطلب إليه أن يشغل منصب القضاة, فاعتذر.. وألح عليه عثمان, فثابر على اعتذاره..

وسأله عثمان: أتعصيني؟؟

فأجاب ابن عمر:

" كلا.. ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة..

قاض يقضي بجهل, فهو في النار..

وقاض يقضي  بهوى,  فهو في النار..

وقاض يجتهد ويصيب, فهو كفاف, لا وزر, ولا أجر..

واني لسائلك بالله أن تعفيني"..

وأعفاه عثمان, بعد أن أخذ عليه العهد ألا يخبر أحدا بهذا.

ذلك أن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس, وانه ليخشى إذا عرف الأتقياء الصالحون عزوفه عن القضاء أن يتابعوا وينهجوا نهجه, وعندئذ لا يجد الخليفة تقيا يعمل قاضيا..



  وقد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر سمة من سمات السلبية.

بيد أنه ليس كذلك, فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليس هناك من يصلح له سواه.. بل هناك كثيرون من أصحاب رسول الله الورعين الصالحين, وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتية بالفعل..

ولم يكن في تخلي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء, ولا إلقاء بها بين أيدي الذين لا يصلحون لها.. ومن ثمّ قد آثر البقاء مع نفسه, ينمّيها ويزكيها بالمزيد من الطاعة, والمزيد من العبادة..



  كما أنه في ذلك الحين من حياة الإسلام, كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال, وكثرت المناصب والإمارات.

وشرع إغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة, مما جعل بعض أصحاب الرسول, ومنهم ابن عمر, يرفعون راية المقاومة لهذا الإغراء باتخاذهم من أنفسهم قدوة ومثلا في الزهد والورع والعزوف عن المناصب الكبيرة, وقهر فتنتها وإغرائها...

 

  لقد كان ابن عمر,أخا الليل, يقومه مصليا.. وصديق السحر يقطعه مستغفرا وباكيا..

ولقد رأى في شبابه رؤيا, فسرها الرسول تفسيرا جعل قيام الليل منتهى آمال عبدالله, ومناط غبطته وحبوره..



  ولنصغ إليه يحدثنا  عن نبأ رؤياه:

"رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة إستبرق, وكأنني لا أريد مكانا في الجنة إلا طارت بي إليه..

ورأيت كأن اثنين أتياني, وأرادا أن يذهبا بي إلى النار, فتلقاهما ملك فقال: لا ترع, فخليّا عني..

فقصت حفصة - أختي- على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبدالله, لو كان يصلي من الليل فيكثر"..

ومن ذلك اليوم والى أن لقي ربه, لم يدع قيام الليل في حله, ولا في ترحاله..

فكان يصلي ويتلو القرآن, ويذكر ربه كثيرا.. وكان كأبيه, تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن.



  يقول عبيد بن عمير: قرأت يوما على عبدالله بن عمر هذه الآية:

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا(41)يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42))..(النساء)

فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.

وجلس يوما بين إخوانه فقرا:

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1)الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6))..( المطففين )

ثم مضى يردد الآية:

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6)).( المطففين )

ودموعه تسيل كالمطر. حتى وقع من كثرة وجده وبكائه..!!

 

  ولقد كان جوده, وزهده, وورعه, تعمل معا في فن عظيم, لتشكل أروع فضائل هذا الإنسان العظيم.. فهو يعطي الكثير لأنه جواد..

ويعطي الحلال الطيب لأنه ورع..

ولا يبالي أن يتركه الجود فقيرا, لأنه زاهد..!!



  وكان ابن عمر رضي الله عنه, من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة, إذ كان تاجرا أمينا ناجحا شطر حياته, وكان راتبه من بيت المال وفيرا.. ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط, إنما كان يرسله غدقا على الفقراء, والمساكين والسائلين..

يحدثنا أيوب بن وائل الراسبي عن أحد مكرماته, فيخبرنا أن ابن عمر جاءه يوما بأربعة آلاف درهم وقطيفة..

وفي اليوم التالي, رآه أيوب بن وائل في السوق يشتري لراحلته علفا نسيئة – أي دينا- ..

فذهب ابن وائل إلى أهل بيته وسألهم أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن – يعني ابن عمر – بالأمس أربعة آلاف وقطيفة..؟

قالوا: بلى..

قال: فاني قد رأيته اليوم بالسوق يشتر علفا لراحلته ولا يجد معه ثمنه..

قالوا: انه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعها, ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره, خرج.. ثم عاد وليست معه, فسألناه عنها. فقال: انه وهبها لفقير..!!

فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف. حتى أتى السوق فتوقف مكانا عاليا, وصاح في الناس:

" يا معشر التجار..

ما تصنعون بالدنيا, وهذا بن عمر تأتيه ألف درهم فيوزعها, ثم يصبح فيستدين علفا لراحلته"..؟؟!!



  ألا إن من كان محمد أستاذه, وعمر أباه, لعظيم, كفء لكل عظيم..!!

إن وجود عبد الله بن عمر, وزهده  وورعه, هذه الخصال الثلاثة, كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة.. وصدق البنوّة..

فما كان لمن  يمعن في التأسي برسول الله, حتى انه ليقف بناقته حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يوقف ناقته. ويقول" لعل خفا يقع على خف".!

والذي يذهب برأيه في بر أبيه وتوقيره والإعجاب به إلى المدى الذي كانت شخصية عمر تفرضه على الأعداء, فضلا عن الأقرباء. فضلا عن الأبناء..

أقول ما ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول, ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبدا..

ولقد كانت الأموال تأتيه وافرة كثيرة.. ولكنها تمر به مرورا.. وتعبر داره عبورا..

ولم يكن جوده سبيلا إلى الزهو, وإلا إلى حسن الأحدوثة.

ومن ثم. فقد كان يخص به المحتاجين والفقراء.. وقلما كان يأكل الطعام وحده.. فلا بد أن يكون معه أيتام, أو فقراء.. وطالما كان يعاتب بعض أبنائه, حين يولمون للأغنياء, ولا يأتون معهم بالفقراء, ويقول لهم:



"تدعون الشباع. وتدعون الجياع"..!!



  وعرف الفقراء عطفه, وذاقوا حلاوة بره وحنانه, فكانوا يجلسون في طريقه, كي يصحبهم إلى داره حين يراهم.. وكانوا يحفون به كما تحف أفواج النحل بالأزاهير ترتشف منها الرحيق..!

 

  لقد كان المال بين يديه خادما لا سيدا,,

وكان وسيلة لضرورات العيش لا للترف..

ولم يكن ماله وحده, بل كان للفقراء فيه حق معلوم, بل حق متكافئ لا يتميز فيه بنصيب..

ولقد أعانه على هذا الجود الواسع زهده.. فما كان ابن عمر يتهالك على الدنيا, ولا يسعى إليها, بل ولا يرجو منها إلا ما كان يستر الجسد من لباس, ويقيم الأود من الطعام..



  أهداه أحد اخوانه القادمين من خراسان حلة ناعمة أنيقة, وقال له:

لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان, وانه لتقر عيناي, إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه, وترتدي هذا الثوب الجميل..

قال له ابن عمر: أرنيه إذن..

ثم لمسه وقال: أحرير هذا.؟



قال صاحبه: لا .. انه قطن.

وتملاه عبد الله قليلا, ثم دفعه بيمينه وهو يقول:"لا.اني أخاف على نفسي.. أخاف إن يجعلني مختالا فخورا.. والله لا يحب كل مختال فخور"..!!



  وأهداه يوما صديقا وعاء مملوءا..

وسأله ابن عمر: ما هذا؟

قال: هذا دواء عظيم جئتك به من العراق.

قال ابن عمر: وماذا يطبب هذا الدواء..؟؟

قال: يهضم الطعام..

فالتفت ابن عمر وقال لصاحبه:" يهضم الطعام..؟ إني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما".!!



  إن هذا الذي لم يشبع من الطعام منذ أربعين عاما, لم يكن يترك الشبع خصاصة, بل زهدا وورعا, ومحاولة للتأسي برسوله وأبيه..

كان يخاف أن يقال له يوم القيامة:

(أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها)..



  وكان يدرك انه في الدنيا ضيف أو عابر شبيل..

ولقد تحدث عن نفسه قائلا:

"ما وضعت لبنة على لبنة, ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم"..

ويقول ميمون بن مهران:

" دخلت على ابن عمر, فقوّمت كل شيء في بيته من فراش, ولحاف وبساط. ومن كل شيء فيه, فما وجدته تساوي مئة ردهم"..!!

لم يكن ذلك عن فقر فقد كان ابن عمر ثريا..

ولا كان ذلك عن بخل فقد كان جوّدا سخيا..

بل كان عن زهد في الدنيا, وازدراء للترف, والتزام لمنهجه في الصدق والورع..

ولقد عمّر ابن عمر طويلا, وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيها لأموال وانتشرت الضياع, وغطى البذخ أكث الدور.. بل قل أكثر القصور..

ومع هذا, بقي  ذلك الطود الجليل شامخا ثابتا, لا يبرح نهجه ولا يتخلى عن ورعه وزهده.

وإذا ذكّر بحظوظ الدنيا ومتاعها التي يهرب منها قال:

"لقد اجتمعت وأصحابي على أمر, واني أخاف إن خالفتهم ألا ألأحق بهم"..

ثم يعلم الآخرين أنه لم يترك دنياهم عجزا, فيرفع يده إلى السماء ويقول:

"اللهم انك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في هذه الدنيا".



أجل.. لولا مخافة ربه لزاحم في الدنيا, ولكان من الظافرين..

بل انه لم يكن بحاجة إلى أن يزاحم, فقد كانت الدنيا تسعى إليه وتطارده بطيباتها ومغرياتها..

وهل هناك كمنصب الخلافة إغراء..؟

لقد عرض على ابن عمر مرات وهو يعرض عنه.. وهدد بالقتل ان لم يقبل. فازداد له رفضا, وعنه إعراضا..!!



  يقول الحسن رضي الله عنه:

" لما قتل عثمان بن عفان, قالوا لعبد الله بن عمر: انك سيّد الناس, وابن سيد الناس, فاخرج نبايع لك الناس..

قال: إن والله لئن استطعت, لا يهراق بسببي محجمة من دم..

قالوا: لتخرجن, أ, لنقتلنك على فراشك.. فأعاد عليهم قوله الأول..

فأطمعوه.. وخوّفوه.. فما استقبلوا منه شيئا"..!!



  وفيما بعد.. وبينما الزمان يمر, والفتن تكثر, كان ابن عمر دوما هو الأمل, فيلح الناس عليه, كي يقبل منصب الخلافة, ويجيئوا له بالبيعة, ولكنه كان دائما يأبى..

ولقد يشكل هذا الرفض مأخذا يوجه إلى ابن عمر..

بيد أن كان له منطقه وحجته.فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه, ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر بالسوء والخطر..



  وابن عمر وان يك زاهدا في جاه الخلافة, فانه يتقبل مسؤلياتها ويحمل أخطارها, ولكن شريطة أن يختاره جميع المسلمين طائين, مختارين, أما أن يحمل واحد لا غير على بيعته بالسيف, فهذا ما يرفضه, ويرفض الخلافة معه..

وآنئذ, لم يكن ذلك ممكنا.. فعلى الرغم من فضله, وإجماع المسلمين على حبه وتوقيره, فان اتساع الأمصار, وتنائيها, والخلافات التي احتدمت  بين المسلمين, وجعلتهم شيعا تتنابذ بالحرب, وتتنادى للسيف, لم يجعل الجو مهيأ لهذا الإجماع الذي يشترطه عبدالله بن عمر..



  لقيه رجل يوما فقال له: ما أحد شر لأمة محمد منك..!

قال ابن عمر: ولم..؟ فوالله ما سفكت دماءهم, ولا فرقت جماعتهم, ولا شققت عصاهم..

قال الرجل: انك لو شئت ما اختلف فيك اثنان..

قال ابن عمر: ما أحب أنها أتتني, ورجل يقول: لا, وآخر يقول: نعم.



  وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطا طويلا, واستقر الأمر لمعاوية.. ثم لابنه يزيد من بعده.ز ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها..

حتى في ذلك اليوم, وابن عمر شيخ مسن كبير, كان لا يزال أمل الناس, وأمل الخلافة.. فقد ذهب إليه مروان قال له:

هلم يدك نبايع لك, فانك سيد العرب وابن سيدها..

قال له ابن عمر: كيف نصنع بأهل المشرق..؟

قال مروان: نضربهم حتى يبايعوا..

قال ابن عمر:"والله ما أحب أنها تكون لي سبعين عاما, ويقتل بسببي رجل واحد"..!!

فانصرف عنه  مروان وهو ينشد:

                                إني أرى فتنة تغلي مراجلها             والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

يعني بأبي ليلى, معاوية بن يزيد...

 

 هذا الرفض لاستعمال القوة والسيف, هو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار علي وأنصار معاوية, موقف العزلة والحياد جاعلا شعاره ونهجه هذه الكلمات:

"من قال حي على الصلاة أجبته..

ومن قال حي على الفلاح أجبته..

ومن قال حي على قتل أخيك المسلم واخذ ماله قلت: لا".!!

ولكنه في عزلته تلك وفي حياده, لا يمالئ باطلا..

فلطالما جابه معاوية وهو في أوج سلطانه بتحديات أوجعته وأربكته..

حتى توعده بالقتل, وهو القائل:" لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت"..!!



  وذات يوم, وقف الحجاج خطيبا, فقال:" إن ابن الزبير حرّف كتاب الله"!

فصاح ابن عمر في وجهه:" كذبت, كذبت, كذبت".

وسقط في يد الحجاج, وصعقته المفاجأة, وهو الذي يرهبه كل شيء, فمضى يتوعد ابن عمر بشرّ جزاء..

ولوح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج, وأجابه الناس منبهرون:" إن تفعل ما تتوعد به فلا عجب, فانك سفيه متسلط"..!!

ولكنه برغم قوته وجرأته ظل إلى آخر أيامه, حريصا على ألا يكون له في الفتنة المسلحة دور ونصيب, رافضا أن ينحاز لأي فريق...

يقول أبو العالية البراء:

" كنت أمشي يوما خلف ابن عمر, وهو لا يشعر بي, فسمعته يقول لنفسه:

" واضعين سيوفهم على عواتقهم, يقتل بعضهم بعضا يقولون: يا عبد الله بن عمر, أعط يدك"..؟!



  وكان ينفجر أسى وألما, حين يرى دماء المسلمين تسيل بأيديهم..!!

ولو استطاع أن يمنع القتال, ويصون الدم لفعل, ولكن الأحداث كانت أقوى منه فاعتزلها.

ولقد كان قلبه مع علي رضي الله عنه, بل وكان معه يقينه فيما يبدو, حتى لقد روي عنه أنه قال في أخريات أيامه:

" ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل مع عليّ, الفئة الباغية"..!!



 على أنه حين رفض أن يقاتل مع الإمام علي الذي كان الحق له, وكان الحق معه, فانه لم يفعل ذلك هربا, وإلا التماسا للنجاة.. بل رفضا للخلاف كله, والفتنة كلها, وتجنبا لقتال لا يدو بين مسلم ومشرك, بل بين مسلمين يأكل بعضهم بعضا..

ولقد أوضح ذلك تماما حين سأله نافع قال:" يا أبا عبد الرحمن, أنت ابن عم.. وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنت وأنت, فما يمنعك من هذا الأمر_ يعني نصرة علي_؟؟

فأجابه قائلا:

" يمنعني أن الله تعالى حرّم عليّ دم المسلم, لقد قال عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ(193))( البقرة )

ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله,أما اليوم. فيم نقاتل..؟؟

لقد قاتلت الأوثان تملأ الحرم.. من الركن إلى الباب, حتى نضاها الله من أرض العرب..

أفأقاتل اليوم من يقول لا اله إلا الله".؟!

هكذا كان منطقه, وكانت حجته, وكان اقتناعه..



  فهو إذن لم يتجنب القتال ولم يشترك فيه, لاهروبا, أو سلبية, بل رفضا لإقرار حرب أهلية بين الأمة المؤمنة, واستنكافا على أن يشهر مسلم في وجه مسلم سيفا..

ولقد عاش عبد الله بن عمر طويلا.. وعاصر الأيام التي فتحت أبواب الدنيا على المسلمين, وفاضت الأموال, وكثرت المناصب, واستشرت المطامح والرغبات..



  لكن قدرته النفسية الهائلة, غيّرت كيمياء الزمن..!! فجعلت عصر الطموح والمال والفتن.. جعلت هذا العصر بالنسبة إليه, أيام زهد, وورع ويلام, عاشها المثابر الأواب بكل يقينه, ونسكه وترفعه.. ولم يغلب قط على طبيعته الفاضلة التي صاغها وصقلها الإسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاهقة..

لقد تغيّرت طبيعة الحياة, مع بدء العصر الأموي, ولم يكن ثمّة مفر من ذلك التغيير.. وأصبح العصر يومئذ, عصر توسع في كل شيء.. توسع لم تستجب إليه مطامح الدولة فحسب, بل ومطامح الجماعة والأفراد أيضا.

ووسط لجج الإغراء, وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع, وبمغانمه, ومباهجه, كان ابن عمر يعيش مع فضائله, في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدمه الروحي العظيم.

ولقد أحرز من أغراض حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروه فقالوا:

( مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل)



  بل لقد كان يطيب لهم حين يبهرهم ألق فضائله, أن يقارنوا بينه وبين والده العظيم عمر.. فيقولون:

( كان عمر في زمان له فيه نظراء, وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير)..!!

وهي مبالغة يغفرها استحقاق ابن عمر لها, أما عمر فلا يقارن بمثله أحد.. وهيهات أن يكون له في كل عصور الزمان نظير..

 

  وفي العام الثالث والسبعين للهجرة.. مالت الشمس للمغيب, ورفعت إحدى سفن الأبدية مراسيها, مبحرة الى العالم الآخر والرفيق الأعلى, حاملة جثمان آخر ممثل لعصر الوحي _في مكة والمدينة_ عبد الله بن عمر بن الخطاب.  كان آخر الصحابة رحيلا عن الدنيا كلها أنس بن مالك رضي الله عنه, توفي بالبصرة, عام واحد وتسعين, وقيل عام ثلاث وتسعين.

الصحابية ' أروى بنت كريز ' والـدة عثمان بن عفان رضي الله عنهما

أروى بنت كريز
رضي الله عنها

أروى بنت كُريز بن ربيعة بنت حبيب بن عبد شمس العبشمية
والـدة عثمان بن عفان ، أمهـا البيضاء بنت عبد المطلـب
عمّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم


تزوّجها عفان بن أبي العاص فولدت له عثمان وآمنة ، ثم تزوجها عقبة بن أبي معيط فولدت له الوليد وعمارة وخالداً وأم كلثوم وأم حكيم وهنداً ، وأسلمت أروى وهاجرت بعد ابنتها أم كلثوم ، وبايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولم تزل بالمدينة حتى ماتت ولها تسعون سنة ، فحمل عثمان سريرها وصلى عليها ، ودفنها بالبقيع ورجع وقد صلى الناس ، فصلى وحده وذلك في خلافته 

الصحابية ' أمُّ هانىء بنت أبي طالب ' ابنة عمِّ النبي -صلى الله عليه وسلم

أمُّ هانىء بنت أبي طالب
رضي الله عنها
أمُّ هانىء بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، ابنة عمِّ النبي -صلى
الله عليه وسلم- ، وكانت زوجَ هُبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي


الخطبة


خطب النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- إلى أبي طالب أمَّ هانىء ، وخطبها منه هُبيرة ، فزوّجَ هُبيـرة ، فعاتَبَه النبـي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو طالب :( يا ابن أخي إنّا قد صَاهَرنا إليهم ، والكريم يُكافىء الكريم ) ثم فرّق الإسلام بين أمّ هانىء وهُبيرة ، فخطبها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت :( والله إنّي كنتُ لأحِبُّكَ في الجاهلية ، فكيف في الإسلام ؟ ولكني امرأةٌ مُصْبِيَةٌ فأكره أن يؤذوك ) فقال :( خَيْرُ نساءٍ رَكِبنَ الإبلَ نساءُ قريشٍ احنَاهُ على وَلَدِ ) 
وفي رواية أخرى أنها قالت :( يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، لأنت أحبُّ إليّ من سمعي وبصري ، وحقُّ الزوجِ عظيمٌ ، وأنا أخشى أن أضيِّعَ حقَّ الزوج ) فقال الرسول الكريم الحديث 

سعيد بن عامر ( العظمة تحت الأسمال )

  سعيد بن عامر ( العظمة تحت الأسمال )
  أيّنا سمع هذا الاسم, وأيّنا سمع به من قبل..؟

أغلب الظن أن أكثرنا, إن لم نكن جميعا, لم نسمع به قط.. وكأني بكم إذ تطالعونه الآن تتساءلون: ومن يكون عامر هذا..؟؟

أجل سنعلم من هذا السعيد..!!

 

  إنه واحد من كبار الصحابة رضي الله عنهم, وان لم يكن لاسمه ذلك الرنين المألوف لأسماء كبار الصحابة.

انه واحد من كبار الأتقياء الأخفياء..!!

ولعل من نافلة القول وتكراره, أن ننوه بملازمته رسول الله في جميع مشاهده وغزواته.. فذلك كان نهج المسلمين جميعا. وما كان لمؤمن أن يتخلف عن رسول الله في سلم أو جهاد.

أسلم سعيد قبيل فتح خيبر, ومنذ عانق الإسلام وبايع الرسول, أعطاهما كل حياته, ووجوده ومصيره.

فالطاعة, والزهد, والسمو.. والإخبات, والورع, والترفع.

كل الفضائل العظيمة وجدت في هذا الإنسان الطيب الطاهر أخا وصديقا كبيرا..

وحين نسعى للقاء عظمته ورؤيتها, علينا أن نكون من الفطنة بحيث لا نخدع عن هذه العظمة وندعها تفلت منا وتتنكر..

فحين تقع العين على سعيد في الزحام, لن ترى شيئا يدعوها للتلبث والتأمل..

ستجد العين واحدا من أفراد الكتيبة .. أشعث أغبر. . ليس في ملبسه, ولا في شكله الخارجي, ما يميزه عن فقراء المسلمين بشيء.!!

فإذا جعلنا من ملبسه ومن شكله الخارجي دليلا على حقيقته, فلن نبصر شيئا, فان عظمة هذا الرجل أكثر أصالة من أن تتبدى في أيّ من مظاهر البذخ والزخرف.

إنها هناك كامنة مخبوءة وراء بساطته وأسماله.

أتعرفون اللؤلؤ المخبوء في جوف الصدف..؟ إنه شيء يشبه هذا..



  عندما عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام, تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه.

وأسلوب عمر في اختيار ولاته ومعاونيه, أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر, والدقة, والأناة.. ذلك أنه كان يؤمن أن أي خطأ يرتكبه والٍ في أقصى الأرض سيسأل عنه الله اثنين: عمر أولا.. وصاحب الخطأ ثانيا..

  ومعاييره في تقييم الناس واختيار الولاة مرهفة, ومحيطة,وبصيرة, أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذا..

والشام يومئذ حاضرة كبيرة, والحياة فيها قبل دخول الإسلام بقرون, تتقلب بين حضارات متساوقة.. وهي مركز هام لتجارة. ومرتع رحيب للنعمة.. وهي بهذا, ولهذا درء إغراء. ولا يصلح لها في رأي عمر إلا قديس تفر كل شياطين الإغراء أمام عزوفه.. وإلا زاهد, عابد, قانت, أواب..

وصاح عمر: قد وجدته, إليّ بسعيد بن عامر..!!

وفيما بعد يجيء سعيد إلى أمير المؤمنين ويعرض عليه ولاية حمص..

ولكن سعيدا يعتذر ويقول: " لا تفتنّي يا أمير المؤمنين"..

فيصيح به عمر:

" والله لا أدعك.. أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي.. ثم تتركوني"..؟؟!!



  واقتنع  سعيد في لحظة, فقد كانت كلمات عمر حريّة بهذا الإقناع.

أجل. ليس من العدل أن يقلدوه أمانتهم وخلافتهم, ثم يتركوه وحيدا..وإذا انفض عن مسؤولية الحكم أمثال سعيد بن عامر, فأنّى لعمر من يعينه على تبعات الحكم الثقال..؟؟

خرج سعيد إلى حمص ومعه زوجته, وكانا عروسين جديدين, وكانت عروسه منذ طفولتها فائقة الجمال والنضرة.. وزوّده عمر بقدر طيّب من المال.

ولما استقرّا في حمص أرادت زوجته أن تستعمل حقها كزوجة في استثمار المال الذي زوده به عمر.. وأشارت عليه بأن يشتري ما يلزمهما من لباس لائق, ومتاع وأثاث.. ثم يدخر الباقي..

وقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا..؟؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة, وسوقها رائجة, فلنعط المال من يتاجر لنا فيه وينمّيه..

قالت: وإن خسرت تجارته..؟

قال سعيد: سأجعل ضمانا عليه..!!

قالت: فنعم إذن..

وخرج سعيد فاشترى بعض ضروريات عيشه المتقشف, ثم فرق جميع المال في الفقراء والمحتاجين..



  ومرّت الأيام.. وبين الحين والحين تسأله زوجه عن تجارتهما وأيّان بلغت من الأرباح..

ويجيبها سعيد: إنها تجارة موفقة.. وإن الرباح تنمو وتزيد.

وذات يوم سألته نفس السؤال أمام قريب له كان يعرف حقيقة الأمر فابتسم. ثم ضحك ضحكة أوحت إلى روع  الزوجة بالشك والريب, فألحت عليه أن يصارحها الحديث, فقال لها: لقد تصدق بماله جميعه من ذلك اليوم البعيد.

فبكت زوجة سعيد, وآسفها أنها لم تذهب من هذا المال بطائل فلا هي ابتاعت لنفسها ما تريد, وإلا المال بقي..

ونظر إليها سعيد وقد زادتها دموعها الوديعة الآسية جمالا وروعة.

وقبل أن ينال المشهد الفاتن من نفسه ضعفا, ألقى بصيرته نحو الجنة فرأى فيها  أصحابه السابقين الراحلين فقال:

" لقد كان لي أصحاب سبقوني إلى الله... وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها"..!!



  وإذ خشي أن تدل عليه بجمالها, وكأنه يوجه الحديث إلى نفسه معها:

" تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان, ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا, ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا.. فلأن أضحي بك من أجلهن, أحرى أولى من أن أضحي بهن من أجلك"..!!

وأنهى حديثه  كما بدأه, هادئا مبتسما راضيا..

وسكنت زوجته, وأدركت أنه لا شيء أفضل لهما من السير في طريق سعيد, وحمل النفس على محاكاته في زهده وتقواه..!!



  كانت حمص أيامئذ, توصف بأنها الكوفة الثانية وسبب هذا الوصف, كثرة تمرّد أهلها واختلافهم على ولاتهم.

ولما كانت الكوفة في العراق صاحبة السبق في هذا التمرد فقد أخذت حمص اسمها لما شابهتها...

وعلى الرغم من ولع الحمصيين بالتمرّد كما ذكرنا, فقد هدى الله قلوبهم لعبده الصالح سعيد, فأحبوه وأطاعوه.

ولقد سأله عمر يوما فقال: " إن أهل الشام يحبونك".؟

فأجابه سعيد قائلا:" لأني أعاونهم وأواسيهم"..!

بيد أن مهما يكن أهل حمص حب لسعيد, فلا مفر من أن يكون هناك بعض التذمر والشكوى.. على الأقل لتثبت حمص أنها لا تزال المنافس القوي لكوفة العراق...

وتقدم البعض يشكون منه, وكانت شكوى مباركة, فقد كشفت عن جانب من عظمة الرجل, عجيب عجيب جدا..

طلب عمر من الزمرة الشاكية أن تعدد نقاط شكواها, واحدة واحدة..

فنهض المتحدث بلسان هذه المجموعة وقال: نشكو منه أربعا:

" لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار..

ولا يجيب أحدا بليل..

وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه,

وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا, وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين"..

وجلس الرجل:

وأطرق عمر مليا, وابتهل إلى الله همسا قال:

" اللهم إني أعرفه من خير عبادك..

اللهم لا تخيّب فيه فراستي"..

ودعاه للدفاع عن نفسه, فقال سعيد:

أما قولهم إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار..

" فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب.. انه ليس لأهلي خادم, فأنا أعجن عجيني, ثم أدعه يختمر, ثم اخبز خبزي, ثم أتوضأ للضحى, ثم أخرج إليهم"..

وتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله.. والثانية..؟!

وتابع سعيد حديثه:

وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل..

فوالله, لقد كنت أكره ذكر السبب.. إني جعلت النهار لهم,والليل لربي"..

أما قولهم: إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما...

" فليس لي خادم يغسل ثوبي, وليس بي ثياب أبدّلها, فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر أن يجف بعد حين.. وفي آخر النهار أخرج اليهم ".

وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين  والحين..

" فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة, وقد بضعت قريش لحمه, وحملوه على جذعه, وهم يقولون له: أحب أن محمدا مكانك, وأنت سليم معافى..؟ فيجيبهم قائلا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي, معي عافية الدنيا ونعيمها, ويصاب رسول الله بشوكة..

فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته أنا يومئذ من المشركين, ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها, أرتجف خوفا من عذاب الله, ويغشاني الذي يغشاني"..

وانتهت كلمات سعيد التي كانت تغادر شفتيه مبللة بدموعه الورعة الطاهرة..

ولم يمالك عمر نفسه ونشوه, فصاح من فرط حبوره.

" الحمد لله الذي لم يخيّب فراستي".!

وعانق سعيدا, وقبّل جبهته المضيئة العالية...



  أي حظ من الهدى ناله هذا الطراز من الحق..؟

أي معلم كان رسول الله..؟

أي نور نافذ, كان كتاب الله..؟؟

وأي مدرسة ملهمة ومعلمة, كان الإسلام..؟؟

ولكن, هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عددا كثيرا من هذا الطراز..؟؟

انه لو حدث هذا, لما بقيت أرضا, إنها تصير فردوسا..

أجل تصير الفردوس الموعود..

ولما كان الفردوس لم يأت زمانه بعد فان الذين يمرون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل.. قليلون دائما ونادرون..

وسعيد بن عامر واحد منهم..

كان عطاؤه وراتبه بحكم عمله ووظيفته, ولكنه كان يأخذ منه ما يكفيه وزوجه.. ثم يوزع باقيه على بيوت أخرى فقيرة...

ولقد قيل له يوما:

" توسّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك"..

فأجاب قائلا:

" ولماذا أهلي وأصهاري..؟

لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة"..



  وطالما كان يقال له:

" توسّع وأهل بيتك في النفقة وخذ من طيّبات الحياة"..

ولكنه كان يجيب دائما, ويردد أبدا كلماته العظيمة هذه:

" ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول, بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجمع الله عز وجل الناس للحساب, فيجيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمام, فيقال لهم: قفوا للحساب, فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه.. فيقول الله: صدق عبادي.. فيدخلون الجنة قبل الناس"..

 

  وفي العام العشرين من الهجرة, لقي سعيد ربه أنقى ما يكون صفحة, وأتقى ما يكون قلبا, وأنضر ما يكون سيرة..

لقد طال شوقه إلى الرعيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده, وتتبع خطاه..

أجل لقد طال شوقه إلى رسوله ومعلمه.. والى رفاقه الأوّابين المتطهرين..

واليوم يلاقيهم قرير العين, مطمئن النفس, خفيف الظهر..

ليس معه ولا وراءه من أحمال الدنيا ومتاعها ما يثقل ظهره وكاهله,,

ليس معه إلا ورعه, وزهده, وتقاه, وعظمة نفسه وسلوكه..

وفضائل تثقل الميزان, ولكنها لا تثقل الظهور..!!

ومزايا هز بها صاحبها الدنيا, ولم يهزها غرور..!!



  سلام على سعيد بن عامر..

سلام عليه في محياه, وأخراه..

وسلام.. ثم سلام على سيرته وذكراه..

وسلام على الكرام البررة.. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

السيدة الفضلى أم هانىء بنت أبي طالب الهاشمية رضي الله عنها

يرة الى نجران, وقال حين فرّ من مكة معتذرا من فراره هذه الأبيات:

لعمرك ما وليت ظهري محمدا..................وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكنني قلبت أمري فلم أجد .................. لسيفي غناء ان ضربت ولا نبلي
وقفت فلما خفت ضيقة موقفي .................رجعت لعود كالهزير الى الشبل

ولما بلغه اسلام أم هانىء رضي الله عنها وهي لا زالت على ذمته, قال:

وعاذلة هبّت بليل تلومني ................. وتعذلني بالليل ضلّ ضلالها
وتزعم أني ان أطعت عشيرتي .................سأردى وهل يرديني الا زوالها
فان كنت قد تابعت دين محمد....................وعطفت الأرحام منك حبالها
فكوني على أعلى سحيق بهضبة .................. ململة غبراء يبس بلالها

أخت الرجال رضي الله عنها

يوم فتح مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم منزلها وصلى فيه ثمان ركعات الضحى, بعد ذلك لجأ اليها الحارث بن هشام مستجيرا بها, فدخل عليها أخوها علي رضي الله عنه, وأخبرته خبر الحارث بن هشام, فنهض علي رضي الله عنه وهرع الى سيفه فاستله من غمده ليقتل الحارث, فقالت له: يا ابن أم! اني قد أجرته! وعندما لم يسمع كلامها وثبت اليه وقبضت على يديه وأحكمت قبضتها عليه بحيث لم يعد يستطع أن يرفع قدمه عن الأرض, أو يفلت يده منها, وقالت: والله لا تقتله وقد أجرته, وفي هذه الأثناء وهما بين مد وجزر, اذ دخل عليهما النبي صلى الله عليه وسلم, وعندما رات رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدخل عليهما قالت : يا رسول الله! ألا ترى أني أجرت الحارث بن هشام, وعلي يريد قتله, فردّ عليها صاحب الخلق الكريم والقلب الرحيم صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت, ولا تغضبي عليّا, فانّ الله يغضب لغضبه, خلي سبيله وأطلقي سراحه. وبعدماامتثلت لأمر النبي صلى الله عليه وسلم, قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه ممازحا اياه: يا علي! غلبتك امرأة! فاعترف علي بصلابة وقوة ورباطة جأش اخته أم هانىء رضي الله عنهما وقال: والله يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لقوله رضي الله عنه.

اعتذارها للنبي صلى الله عليه وسلم

ولما فرّق الاسلام بين أم هانىء رضي الله عنها وبين زوجها هبيرة الذي لم يرغب بالاسلام, تقدّم النبي صلى الله عليه وسلم لخطبتها, فقالت له: والله ان كنت لأحبك في الجاهلية, فكيف في الاسلام؟ ولكني امرأة مصبيّة- أي كثيرة الأولاد- وأكره أن يؤذوك.
وفي رواية اخرى انها قالت له صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! لأنت أحبّ اليّ من سمعي وبصري, وحق الزوج عظيم, فأخشى ان أقبلت على زواجي أن أضيّع بعض شأني وولدي, وان أقبلت على ولدي أن أضيّع حق الزوج.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انّ خير نساء ركبن الابل نساء قريش, أحناه على ولد في صغره, وأرعاه على بعل في ذات يده.
وفاتها رضي الله عنها

في السنة ال 50 الهجرة لبّت نداء بارئها رضي الله عنها.

فرضي الله عن أم هانىء وعن جميع الصحابة وصل الله وسلم على من رباهم 

زياد علي

زياد علي محمد