مولده ونشأته:
نشأ عبد الحميد ابن باديس في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه ، و في بيتها
الكريم ترعرع معززا مكرما ، لاينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة ؛فلم يدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة فحفظ القرءان و تجويده على يد الشيخ المقرئ محمد ابن المداسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة ، ونشأ منذ صباه في رحاب القرءان فشب على حبه والتخلق بأخلاقه . ولشدة إعجابه بجودة حفظه وحسن سلوكه قدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسؤولية ،وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام .
تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشايخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ احمد أبو حمدان الونيسي ابتداء من 1903 الذي حبب إليه العلم ووجهه الوجهة المثلى فيه وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني وفي سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ الونيسي على الهجرة إلى المشرق حين ذاق ذرعا بالحياة تحت ا لحكم الفرنسي الطاغي ، ولشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر أن يسافر معه ويلحق به مهاجرا في طلب العلم ، غير أن أباه لم يوافقه على ذلك ووجه إلى طلب العلم في تونس.
ابن باديس في جامع الزيتونة:
نظرا لما كان يبدوا على "عبد الحميد"من فطنة ونباهة وميل إلى الجد في فترة التعليم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرص أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه ،فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه " الونيسي "1908م إلى المشرق تاركا الزوجة والوالد في كفاله والديه ،وسنه في ذلك تسعة عشرة سنة .وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع عام 1911موقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة ،وكان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناءا على وجوده في راس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير "التونسية’ وأقام أثناء دراسته بمدرسة النخلة الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة ،وكان يسكن بجانبه احد شيوخه وهو المرحوم " سعد السطايفي "وبقي بعد التخرج سنة أخرى يدرس ويدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد .
وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء ،واخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية ،من أمثال الشيوخ :محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري ،والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقي عليه المنطق وقرا عليه كتاب التهذيب فيه ،ومحمد بالحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي اخذ على يده الفقه ، والبشير صفر، ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين ،وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس،وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط ،وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع ،كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا انه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين"دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
عودته من تونس :
عاد الشاب "عبد الحميد "إلى بلاده يحمل شهادة التطويع فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان ،كان مغتبطا اشد الاغتباط بنجاحه وعودته ،ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته ،ويزيدها مجدا وشرفا ،فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصدائها في إرجاء البيت الفسيح ،وقد اثر هذا الاستقبال في عبد الحميد أيما استقبال ...
بعد ذلك بدا عبد الحميد نشاطه بالتفرغ لتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة ،فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء الدروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء "للقاضي عياض ، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد ،غير أن مدة تعليمه في الجامع الكبير لم تطل، لأن مفتي المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب "الإمام الخطيب بهذا الجامع ،منعه من مواصلة التدريس ، بحجة انه لا يملك إذنا بذلك ، والحقيقة إن الشاب عبد الحميد رخص له في ذلك ، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة ، وسعي له في الحصول على إذن بتدريس في الجامع الكبير فأذن له ولكن بإذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن موهوب هذا العمل اعتداء على سلطته ،لأنه لم يستشره في ذلك ، واعتبره تدخلا سافرا فيما هم من اختصاصه ، لان والد الشاب وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوي البلدية والعمالة والوطن ، وله مكانة إلا انه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين ، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب ، ومن هنا بدأت المواجهة بينة وبين المعلم الشاب ، الذي لم يكن هدفه إلا نشر المعرفة وخدمة بلاده ، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل ،
ولم تمضي سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضوع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج ، فقبل والده ووافقه ، وهيأ له الأسباب ا لتي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة .
رحلته إلى الحجاز
من الله على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام 1331ه الموافق ل سبتمبر 1913م.وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها ، وأثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة "الشيخ الونيسي "الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها ، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه :الشيخ حسين احمد الفيض أبادي الهندي ، الشيخ الوزير التونسي ، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف ، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه .وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء في المدينة إلى جوار أستاذه فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها ، لما يعرف من أوضاع بلده .لكن الشيخ حسين احمد الهندي لم يوافقه على ذلك ،بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ ، وقبل بنصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن ، عند ذاك حذره أستاذه الونيسي من أن يكون عبدا للوظيفة ، لأنه تأكد إن الحكومة ستعرض عليه الوظائف ، قال له "احذر أن تقبل الوظيفة الحكومية ، فهي قيد لك ، يحد من نشاطك ...واخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة ،وان لا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية ، فعاهده تلميذه على ذلك ، ووفى بهذا العهد.
وقد حرص "عبد الحميد "في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده ،ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا ، متأثرين بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز ن وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب ن هو الشيخ " محمد البشير الإبراهيمي " المقيم مع والديه في المدينة ، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شان الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر ، واتفقا على الخدمة بلادهما متى عاد إليها . وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة ، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر ، ويحددان شروط وسائل نهضتها . ولم يكن أي منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الديار ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح والنضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينيات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرج على الشام وزار المسجد الأقصى وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر ، فتعارفا وتذاكرا وأجازه ، وفي القاهرة لقي مفتي الديار الشيخ " محمد بخيث المطيعي "رفيق محمد عبده ، والمدافع عن فكرته بعد وفاته ، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه الونيسي فأحسن استقباله ، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة ،وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا .هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي ،ليعرف ما فيه ، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
العودة إلى الوطن والشروع في الإصلاح:
آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم ، وهي الدعوة التي حمل لوائها الشيخ محمد عبده ، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة 1321_1903م ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم ، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ، ومقاومة الزيف والخرافات ، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار .
وبمجرد أن عاد إلى وطنه شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال ، واستصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بان يدرس بالمجان في الجامع الأخضر احد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة .
وهكذا بدا التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني ، يخول له ذلك ،فنضم دروسا لعامة الناس ، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقي بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش ، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها آجرا .وكان من دروسه العامة تفسير القرءان ، ضل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عاما ، فاحتلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هالموافق ل 12 جوان 1938.والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358ه الموافق لجوان 1939م..أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة ،ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
و يعد الجانب التعليمي و التربوي من أبرز المساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذين بلغوا سن التعلم، و لم يجدوا لهم مكانا في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس و لكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم و معرفة دينهم و تاريخهم، فأسس سنة 1926م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر " مكتب " أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء: السيد العربي و السيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، و البناء المتصل به، و كان فوق بيت الصلاة محل السكن و الكراء، فأزالاه عن ذلك، و أبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب" و أطلق عليه "المكتب العربي" و أسندت إدارته إلى أحد طلاب ابن باديس الأوائل و هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية، التي تأسست سنة 1336 هـ الموافق لـ 1917 م لاتساعها... و في سنة 1930 م تم تطوير المكتب إلى مدرسة جمعية باديس. و قد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، و المعارف الدينية و العربية، و الصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين و بناتهم، و يجدر بالذكر أن قانون الجمعية نص على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين تتعلم البنات كلهن مجانا.
كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة في تونس، و بعث بمقترحاته إلى لجنة وضعت مناهج الإصلاح التي شكلها حاكم تونس سنة 1350 هـ الموافق لـ 1931 م و تضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية و التعليم، و التفسير و الحديث و الأخلاق و التاريخ و الجغرافيا و مبادئ الطبيعة و الفلك و الهندسة، و جعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة و تستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، و قسم التخصص و مدته سنتان، و يضم ثلاثة فروع: فرع للقضاء و الفتوى، و فرع للخطاب و الوعظ، و فرع لتخريج الأساتذة.
محاولة اغتيال ابن باديس
في 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926 م عندما كان عائدا إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، تعرض الى محاولة اغتيال دبرها له الاستعمار الفرنسي واعوانه و لما دنا منه الجاني هوى عليه بهراوة و أصابه بضربتين على رأسه و صدعه، فشج رأسه و أدماه، لكن الشيخ أمسك به و نادى النجدة و حاول المجرم أن يسل خنجرا ليجهز به على الشيخ، و لكن الله نجاه بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه و أرادت الفتك به فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته ، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، و صدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجن. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، فأطلقوا سراحة
و في هذه الحادثة أنشد محمد العيد آل خليفة قصيدة منها:
حمتك يد المولى و كنت بها أولى
فيا لك من شيخ حمته يد المــــولى
فيا لوضيع النفس كيف تطاولـــت
به نفسه حتى أسر لك القتــــــــــلا
شخصية ابن باديس و عوامل تكوينها
إذا تتبعنا حياته و درسنا جوانب شخصيته نلمس بوضوح جوانب مختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة و الخطابة المؤثرة و قول الشعر الوطني، الإمامة في العلم و الدين، و الزعامة والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع و عمق التفكير، و متانة في الخلق و استقامة في السلوك، و ذكاء حاد و وعي كامل بمشكلات العصر، و إدراك شامل لوضعية شعبه، و ما ينبغي أن يكون عليه، إذ أخذ بأسباب الحياة ـ كان رحمه الله ـ قائد ركب و محرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية في وقت ساد فيه الجهل، و عم فيه الجمود، و انتشرت فيه الخرافة و انحطت كرامة الإنسان العربي و أهدرت قيمة المسلم، و زاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا و وضوحا بسلوكه المثالي و تفكيره المتزن و المتوازن و بحكمته و حنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يساند حركته، فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.
وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس
مساء يوم الثلاثاء 68 ربيع الأول سنة 1359ه، الموافق ل16 افريل 1940م ،على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها ، بمسقط رأسه مدينة قسنطينة
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي من وفاته ، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير، طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مئة ألف نسمة ،جاؤوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير ،وقد تولى أداء صلاة الجنازة الشيخ العربي التبسي ،ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته الأخيرة التي أوصى بدفنه في مقبرة شعبية .
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس فرغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية ،وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها ،وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص ، والوطني الغيور على دينه ، ولغته ، وشعبه ،ووطنه ، وعلى الإسلام و العروبة ،بصفة خاصة وقد قال الشيخ العربي بن بلقا سم التبسي في تأبينه في المقبرة مايلي :"لقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس في جهاده وأعماله ، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد ابن باديس ".
نشأ عبد الحميد ابن باديس في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه ، و في بيتها
الكريم ترعرع معززا مكرما ، لاينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة ؛فلم يدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة فحفظ القرءان و تجويده على يد الشيخ المقرئ محمد ابن المداسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة ، ونشأ منذ صباه في رحاب القرءان فشب على حبه والتخلق بأخلاقه . ولشدة إعجابه بجودة حفظه وحسن سلوكه قدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسؤولية ،وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام .
تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشايخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ احمد أبو حمدان الونيسي ابتداء من 1903 الذي حبب إليه العلم ووجهه الوجهة المثلى فيه وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني وفي سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ الونيسي على الهجرة إلى المشرق حين ذاق ذرعا بالحياة تحت ا لحكم الفرنسي الطاغي ، ولشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر أن يسافر معه ويلحق به مهاجرا في طلب العلم ، غير أن أباه لم يوافقه على ذلك ووجه إلى طلب العلم في تونس.
ابن باديس في جامع الزيتونة:
نظرا لما كان يبدوا على "عبد الحميد"من فطنة ونباهة وميل إلى الجد في فترة التعليم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرص أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه ،فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه " الونيسي "1908م إلى المشرق تاركا الزوجة والوالد في كفاله والديه ،وسنه في ذلك تسعة عشرة سنة .وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع عام 1911موقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة ،وكان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناءا على وجوده في راس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير "التونسية’ وأقام أثناء دراسته بمدرسة النخلة الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة ،وكان يسكن بجانبه احد شيوخه وهو المرحوم " سعد السطايفي "وبقي بعد التخرج سنة أخرى يدرس ويدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد .
وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء ،واخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية ،من أمثال الشيوخ :محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري ،والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقي عليه المنطق وقرا عليه كتاب التهذيب فيه ،ومحمد بالحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي اخذ على يده الفقه ، والبشير صفر، ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين ،وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس،وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط ،وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع ،كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا انه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين"دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
عودته من تونس :
عاد الشاب "عبد الحميد "إلى بلاده يحمل شهادة التطويع فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان ،كان مغتبطا اشد الاغتباط بنجاحه وعودته ،ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته ،ويزيدها مجدا وشرفا ،فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصدائها في إرجاء البيت الفسيح ،وقد اثر هذا الاستقبال في عبد الحميد أيما استقبال ...
بعد ذلك بدا عبد الحميد نشاطه بالتفرغ لتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة ،فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء الدروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء "للقاضي عياض ، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد ،غير أن مدة تعليمه في الجامع الكبير لم تطل، لأن مفتي المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب "الإمام الخطيب بهذا الجامع ،منعه من مواصلة التدريس ، بحجة انه لا يملك إذنا بذلك ، والحقيقة إن الشاب عبد الحميد رخص له في ذلك ، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة ، وسعي له في الحصول على إذن بتدريس في الجامع الكبير فأذن له ولكن بإذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن موهوب هذا العمل اعتداء على سلطته ،لأنه لم يستشره في ذلك ، واعتبره تدخلا سافرا فيما هم من اختصاصه ، لان والد الشاب وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوي البلدية والعمالة والوطن ، وله مكانة إلا انه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين ، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب ، ومن هنا بدأت المواجهة بينة وبين المعلم الشاب ، الذي لم يكن هدفه إلا نشر المعرفة وخدمة بلاده ، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل ،
ولم تمضي سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضوع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج ، فقبل والده ووافقه ، وهيأ له الأسباب ا لتي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة .
رحلته إلى الحجاز
من الله على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام 1331ه الموافق ل سبتمبر 1913م.وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها ، وأثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة "الشيخ الونيسي "الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها ، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه :الشيخ حسين احمد الفيض أبادي الهندي ، الشيخ الوزير التونسي ، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف ، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه .وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء في المدينة إلى جوار أستاذه فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها ، لما يعرف من أوضاع بلده .لكن الشيخ حسين احمد الهندي لم يوافقه على ذلك ،بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ ، وقبل بنصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن ، عند ذاك حذره أستاذه الونيسي من أن يكون عبدا للوظيفة ، لأنه تأكد إن الحكومة ستعرض عليه الوظائف ، قال له "احذر أن تقبل الوظيفة الحكومية ، فهي قيد لك ، يحد من نشاطك ...واخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة ،وان لا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية ، فعاهده تلميذه على ذلك ، ووفى بهذا العهد.
وقد حرص "عبد الحميد "في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده ،ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا ، متأثرين بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز ن وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب ن هو الشيخ " محمد البشير الإبراهيمي " المقيم مع والديه في المدينة ، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شان الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر ، واتفقا على الخدمة بلادهما متى عاد إليها . وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة ، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر ، ويحددان شروط وسائل نهضتها . ولم يكن أي منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الديار ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح والنضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينيات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرج على الشام وزار المسجد الأقصى وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر ، فتعارفا وتذاكرا وأجازه ، وفي القاهرة لقي مفتي الديار الشيخ " محمد بخيث المطيعي "رفيق محمد عبده ، والمدافع عن فكرته بعد وفاته ، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه الونيسي فأحسن استقباله ، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة ،وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا .هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي ،ليعرف ما فيه ، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
العودة إلى الوطن والشروع في الإصلاح:
آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم ، وهي الدعوة التي حمل لوائها الشيخ محمد عبده ، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة 1321_1903م ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم ، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ، ومقاومة الزيف والخرافات ، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار .
وبمجرد أن عاد إلى وطنه شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال ، واستصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بان يدرس بالمجان في الجامع الأخضر احد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة .
وهكذا بدا التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني ، يخول له ذلك ،فنضم دروسا لعامة الناس ، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقي بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش ، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها آجرا .وكان من دروسه العامة تفسير القرءان ، ضل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عاما ، فاحتلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هالموافق ل 12 جوان 1938.والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358ه الموافق لجوان 1939م..أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة ،ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
و يعد الجانب التعليمي و التربوي من أبرز المساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذين بلغوا سن التعلم، و لم يجدوا لهم مكانا في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس و لكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم و معرفة دينهم و تاريخهم، فأسس سنة 1926م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر " مكتب " أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء: السيد العربي و السيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، و البناء المتصل به، و كان فوق بيت الصلاة محل السكن و الكراء، فأزالاه عن ذلك، و أبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب" و أطلق عليه "المكتب العربي" و أسندت إدارته إلى أحد طلاب ابن باديس الأوائل و هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية، التي تأسست سنة 1336 هـ الموافق لـ 1917 م لاتساعها... و في سنة 1930 م تم تطوير المكتب إلى مدرسة جمعية باديس. و قد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، و المعارف الدينية و العربية، و الصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين و بناتهم، و يجدر بالذكر أن قانون الجمعية نص على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين تتعلم البنات كلهن مجانا.
كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة في تونس، و بعث بمقترحاته إلى لجنة وضعت مناهج الإصلاح التي شكلها حاكم تونس سنة 1350 هـ الموافق لـ 1931 م و تضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية و التعليم، و التفسير و الحديث و الأخلاق و التاريخ و الجغرافيا و مبادئ الطبيعة و الفلك و الهندسة، و جعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة و تستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، و قسم التخصص و مدته سنتان، و يضم ثلاثة فروع: فرع للقضاء و الفتوى، و فرع للخطاب و الوعظ، و فرع لتخريج الأساتذة.
محاولة اغتيال ابن باديس
في 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926 م عندما كان عائدا إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، تعرض الى محاولة اغتيال دبرها له الاستعمار الفرنسي واعوانه و لما دنا منه الجاني هوى عليه بهراوة و أصابه بضربتين على رأسه و صدعه، فشج رأسه و أدماه، لكن الشيخ أمسك به و نادى النجدة و حاول المجرم أن يسل خنجرا ليجهز به على الشيخ، و لكن الله نجاه بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه و أرادت الفتك به فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته ، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، و صدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجن. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، فأطلقوا سراحة
و في هذه الحادثة أنشد محمد العيد آل خليفة قصيدة منها:
حمتك يد المولى و كنت بها أولى
فيا لك من شيخ حمته يد المــــولى
فيا لوضيع النفس كيف تطاولـــت
به نفسه حتى أسر لك القتــــــــــلا
شخصية ابن باديس و عوامل تكوينها
إذا تتبعنا حياته و درسنا جوانب شخصيته نلمس بوضوح جوانب مختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة و الخطابة المؤثرة و قول الشعر الوطني، الإمامة في العلم و الدين، و الزعامة والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع و عمق التفكير، و متانة في الخلق و استقامة في السلوك، و ذكاء حاد و وعي كامل بمشكلات العصر، و إدراك شامل لوضعية شعبه، و ما ينبغي أن يكون عليه، إذ أخذ بأسباب الحياة ـ كان رحمه الله ـ قائد ركب و محرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية في وقت ساد فيه الجهل، و عم فيه الجمود، و انتشرت فيه الخرافة و انحطت كرامة الإنسان العربي و أهدرت قيمة المسلم، و زاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا و وضوحا بسلوكه المثالي و تفكيره المتزن و المتوازن و بحكمته و حنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يساند حركته، فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.
وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس
مساء يوم الثلاثاء 68 ربيع الأول سنة 1359ه، الموافق ل16 افريل 1940م ،على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها ، بمسقط رأسه مدينة قسنطينة
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي من وفاته ، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير، طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مئة ألف نسمة ،جاؤوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير ،وقد تولى أداء صلاة الجنازة الشيخ العربي التبسي ،ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته الأخيرة التي أوصى بدفنه في مقبرة شعبية .
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس فرغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية ،وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها ،وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص ، والوطني الغيور على دينه ، ولغته ، وشعبه ،ووطنه ، وعلى الإسلام و العروبة ،بصفة خاصة وقد قال الشيخ العربي بن بلقا سم التبسي في تأبينه في المقبرة مايلي :"لقد كان الشيخ عبد الحميد ابن باديس في جهاده وأعماله ، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد ابن باديس ".