الاثنين، 2 سبتمبر 2019

نائلة بنت الفرافصة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نائلة بنت الفرافصة

في عصر تجلت فيه شمس الإسلام باسقة... تجوب الأصقاع وترافق الحشود المؤمنة لنشر دين الله... تضحك فرحة مستبشرة وهي ترى أشعتها ساطعة من برقة غرباً إلى سيحون شرقاً... والأصوات المجاهدة تنشد بالحق ليصل الصوت إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. فتشمخ بعز من بارئها وسيف ذي النورين يقود أمة التوحيد... يزيدها وهجاً بنوره ومطايا الخير الذي حمله حين سقى المسلمين من بئر رومة وجهز جيش العسرة...

لكن هذه الشمس الشامخة غابت في أواخر عهده.. حين اعترضتها غيوم سوداء أمطرت سجيلاً على الجموع المسلمة فاختلط الحابل بالنابل.. ولم تكن أعين يهود بعيدة عن تلك الغيمة، فقد كانوا -لعنهم الله- سبباً في إشعالها... حين حرك ابن سبأ خيوط المؤامرة من وراء الأستار –كعادتهم- وعاث في الجموع من وراء حجاب يبطن الشرّ ويظهر الولاء... حتى وصلت الغيوم السوداء إلى سماء مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتفرغ حمولتها في فتنة شعواء عصفت بأمة الإسلام ردحاً من الزمان....

حاول ذو النورين - رضي الله عنه - منع غبار النقع الأسود من الالتفاف حول شمس الإسلام لكن جموع الغوغاء من ضعاف النفوس المحاصرين لداره أبت إلا صب النار على الهجير..

في دار عثمان بن عفان –رضي الله عنه- كانت تسكن امرأة من بني كلب.. أحد أشهر بطون العرب في الفصاحة والبلاغة.. ولم تكن فصاحة قومها تقتصر على رجالهم بل شملت نسائهم أيضاً.. خطبها عثمان - رضي الله عنه - فحملها أهلها له، وحين اجتمع بها رفع قلنسوته عن رأسه فظهر الصلع فيه فقال لها: "يا بنت الفرافصة، لا يهولنك ما ترين من صلعي! فإن تحته ما تحبين". فأمسكت عن الكلام.. فبادرها بقوله: "إما تقومي إليّ، وإما أن أقوم إليك.." فقالت: "أما ما ذكرت من الصلع فإني من نساء أحب بعولتهن إليهن السادة الصلع، وأما قولك: إما أن تقومي إلي، وإما أن أقوم إليك، فوالله إن ما تجشمته من قطع الصحراء الواسعة والسفر الطويل، لأبعد مما بيني وبينك، بل أقوم إليك".

فقامت وجلست إلى جواره.. فمسح على رأسها ودعا لها بالبركة، فبوركت بفضل من الله - عز وجل -.. فقد جعل كرم عثمان –رضي الله عنه- وحنانه في قلبها مودة ورحمة له.. تهبها المرأة المسلمة لزوجها حين يزرع الزوج نبتة الحب في قلبها..

أنجبت نائلة بنت الفرافصة لعثمان بنتاً وقيل بنتاً وولداً... وكانت له طيلة حياتها معه الزوجة المطيعة الحانية.. حتى وصل الطوفان إلى المدينة قادماً من البصرة والفسطاط.. يحمل معه آلافاً من الغوغاء الذين تأبطوا الشر بسيوفهم يريدون قتل الخليفة عثمان بن عفان –رضي الله عنه-... فحاصروا بيته ونائلة معه تشد من عزيمته وتؤنس وحدته..

حتى إذا خشي الرعاع من المحاصرين قدوم جيش من الشام لإنقاذ الخليفة المحاصر.. قفزوا على داره لا يألون لبيته حرمة ولا لصحبته مكانة ولا لفضائله ذكراً في نفوسهم الآثمة، فقرروا قتله وهو صائم يقرأ القرآن... عندها أرادت نائلة أن تمنع دخولهم إلى حرمة منزلها فنشرت شعرها ظناً منها أن في قلوبهم بضعاً من إيمان وغض طرف يصون عليهم دينهم.. لكن عثمان - رضي الله عنه - منعها في قوله لها: "خذي خماركِ، فلعمري لدخولهم عليّ أهون من حرمة شعرك..."، فلم يكن من نائلة وهي ترى السيوف تقترب من زوجها الحبيب إلا وضع يديها لتتقي السيف عن عثمان فقطع السيف أصابعها ومضى في بطن الخليفة الراشدي الثالث.. وزوجته تحاول صد السيوف عن جسده حتى قتل..

فخرجت نائلة تجمع شعث همومها في موكب دفنه عند أطراف البقيع حيث وارى الثرى - رضي الله عنه - وأرضاه وكفاه ببطشه ما فعلته الغوغاء فيه.

لا أود الخوض في حديث الفتنة الكبرى هنا رغم أنها أم الفتن التي انهالت على أمة الإسلام حتى يومنا هذا، ولكني أردت أن أبحث في موقف امرأة لم تكن من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً ولكنها نهلت من معين أحد صحابته كزوجة لعثمان وحبيبة له... كانت بجانبه يوم شدته ودافعت عنه بجسدها حتى قطعت أصابعها.. لأقف بكم أيها القراء الأعزاء أمام صورة لحب قلّ نظيره في زماننا بل ووفاء نادرٍ لزوج حبيب بقي خالداً في ذكرى نائلة بنت الفرافصة.. إذ بعد وفاة عثمان خطبها معاوية بن أبي سفيان فرفضته، وقالت حين سئلت عن سبب رفضها قولاً شهيراً: "إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، وإني خفت أن يبلى حزني على عثمان فيطلع مني رجل على ما اطلع عثمان وذلك ما لا يكون أبداً..".

فأين نحن من نائلة بنت الفرافصة تلميذة مدرسة عثمان بن عفان –رضي الله عنه-.. التي تعلمت فيها حب الزوج حين أحبها فوهبته حياتها حياً وميتاً.. ودافعت عنه بجسدها حين داهمه الخطر..

لن أقول في قصة نائلة: أيتها المرأة المسلمة أحبي زوجك ليحبك!!!! ولكني سأوجه خطابي للرجل فأقول له: يا أيها الرجل أحبّ زوجتك لتحبك وتعطيك ماء عينيها..

رحم الله عثمان بن عفان بما أحب نائلة.. ورحم الله نائلة في إخلاصها لعثمان

سلسلة اعلام القرن العشرين ❂حسن محمود الشافعي ❂➌

نشأة حسن الشافعي
ولد الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي سنة 1930م تقريبا، وحفظ القرآن الكريم صغيرا، والتحق بمعهد القاهرة الديني الأزهري، وقد برز وهو طالب بين زملائه، فكانت شخصيته تقدمه إلى الصفوف العالية، ثم تقدمه كذلك على كثير ممن هم في مثل سنه، وعلى من هم أكبر منه سنًّا أحيانًا.

وألزم نفسه، وهو فتى نحيل الجسم صغير الحجم بالزى الأزهري المتمثل في عمامة رأسية على الرأس و"كاكولة" سابغة على الجسم. وهذا الزى إن لم يكــن يُكْســب صاحبه الوقار، فإنه يفــرض عليــه التوقّر، ويُلزمه بسلوك في معهده، وطريقة في مشيته، وعلاقة بزملائه.

وكان، وهو طالب بالمعهد الديني يتردد على المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية لحضور درس الثلاثاء للأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وتأثر به كثيرا، وترك بصماته في فكره وسلوكه.

ولا عجب فكلاهما حسن، هذا بنا، وذاك شافعي. وقد لا يكون الاسم في كثير من الأحيان معبرا عن الشخصية، وليس بالضروري أن يكون كل من يحمل اسما يكون له نصيب منه، لكن من التوفيق الرباني أن يكون للإنسان من اسمه نصيب، وأن يصنع على عين الإرادة الإلهية، فيكون اسمه وأعماله وحياته صناعة ربانية، يصطفى من خلقه من يشاء، ويعز من يشاء، ويوفقه لطاعته، ويذل من يشاء بما ارتكبت يداه من معصيته.

يقول الدكتور السعيد بدوي:
لم يكن حسن الشافعي في الماضي وليس هو في الحاضر من دعاة العنف ولا من مروجيه. ولكن يبدو أن وقفته التي وقفها في شرفة كلية الشريعة ذات صباح من عام 1950م، وما بدا فيها من قدرته على تحريك الجماهير والتلاحم معها، وجدت من يرصدها ويصنف صاحبها خطرًا على النظام الذي كان يمثله هؤلاء الراصدون، فيتخذون من الإجراءات ما يضمن إزاحته من الطريق.

ويحكى د. حسن الشافعي عن لقائه ببعض الإخوان:
لقد التقيت أول مرة بالدكتور العسال عام 1950م في منطقة شبرا، وكان خارجًا لتوِّه من معتقل الطور، وكان بصحبة الشيخ يوسف القرضاوي العالم الجليل، والدكتور علي عبد الحليم (حفظه الله)، وبعد فترة كان اللقاء مرةً أخرى في السيدة زينب، وعدت من هذا اللقاء ومعي أول نسخة من كتاب "التشريع الجنائي في الإسلام" للشهيد عبد القادر عودة.

وتواصلت علاقتنا، وكان هو في كلية الشريعة وأنا في معهد القاهرة الديني، وكانت هذه الفترة أيامًا حافلة، وفترة حاسمة في حياة مصر.

حسن الشافعي الشاب الوطني مع كتائب الإخوان
ولم يكن حسن الشافعي، وهو في مقتبل الشباب بمعزل عن قضية مصر والجلاء والمقاومة في القناة، يقول د عبد اللطيف محمد عامر رئيس قسم الشريعة الأسبق بكلية دار العلوم في جامعة الفيوم:

كانت قد ألغيت معاهدة 1936م، وبدأت فصائل المقاومة من شباب الجامعات تندفع إلى منطقة القناة لتقاوم المستعمر الإنجليزي، وتبلي بلاءً حسنًا في هذه المقاومة، ولم يكن حسن الشافعي كما لم يكن غيره من الشباب المؤمن بمعزل عن هذه الانتفاضة إن صح التعبير.

فلقد أخذ هؤلاء الشباب سمْت المجاهدين بعد أن خلعوا ملابسهم المدنية، وارتدوا الكاكي، وهو رمز الزى العسكري. وتحولت الأحاديث بينهم من أحاديث الرحلات الترفيهية إلى أحاديث المعسكرات التدريبية، ومن حشد الفرق للمباريات الرياضية إلى جمع السلاح للأغراض الجهادية.

وفي مرة سمعت أن هناك ندوة ليلية ستقام فتمتد إلى فجر اليوم التالي، وكانوا يسمونها "كتيبة"، وعلى الرغم من أن هذه الكتيبة كانت لطلبة معهد القاهرة، فقد اندسست بينهم في هذه الليلة، وكأنني "أحب الصالحين ولست منهم". وذلك حين علمت أن حسن الشافعي هو "مندوب" هذه الكتيبة، أو قائدها، أو رئيسها، أو ما شئت من هذه الألقاب.

ولكنني قبل ذلك وبعده عرفت حسن الشافعي كما لم أعرفه من قبل، وأدركت أن حداثة السن لا تغطي أصالة النفس، وأن تواضع المرء لا يحجب علوّ منزلته، فعلى الرغم من أن سنّه حينئذ لم يكن يدفعه إلى الزعامة، فإن روحه حينئذ كانت ترسخه للقيادة، والزعامة تفرضها على الناس ما يعرف في عالم السياسة "بالكاريزما"، والقيادة يرشِّح لها ما يسمى بالقبول.

في ظل الأزهر ودار العلوم بين العلم والاعتقال
وفى عام 1953م التحق بكليتي أصولِ الدّين بِجامعة الأزهر ودار العلوم بجامعة القاهرة، وتخصص في دراسة الفلسفة الإسلامية، ليدرس في الكليتين في وقت واحد، وكان مسموحا به في ذلك الوقت.

وتم اعتقاله سنة 1954م، وهو في الفرقة الثانية بكلية دار العلوم ليقضى في السجن ست سنوات عجاف، يقول الدكتور السعيد بدوي : جرى اعتقاله عام 1954م وهو مجرد طالب بالفرقة الثانية بكلية دار العلوم وبالفرقة الثالثة بكلية أصول الدين في الوقت ذاته, وجرى تعذيبه وضربه بالكرابيج التي لا تزال آثارها التي تستعصي على الإحصاء خالدة على ظهره إلى اليوم.

لا ندري مدى الخطورة التي كان حسن الشافعي يشكلها على النظام المصري في ذلك الوقت، والتي استدعت تقديمه للمحاكمة العسكرية والتي جعلت رئيس المحكمة العسكرية يختصه بـ"إنت بالذات يا بن الـ... هاديلك مؤبد"، وقد فعل.

ويخرج في سنة 1960، ليكمل دراسته في الكليتين أصول الدين بالأزهر الشريف، ودار العلوم جامعة القاهرة ويتخرج فيهما معا سنة 1963 م، ويحصل على مرتبة الشرف الأولى في كلية دار العلوم، ويتم تعيينه معيدا بقسم الفلسفة الإسلامية.

يقول د عبد اللطيف محمد عامر:
وأحسب أن هذا النزوع إلى هذا التصوّف الرشيد هو الذي وجّهه إلى كلية أصول الدين دون غيرها من كليات الأزهر ليدرس فيها العقيدة، وليتعمق في دراسة الفلسفة والتصوف على أيدي مشايخه المتخصصين.

كما أحسست أن التوكل الواعي هو الذي دفعه إلى الجمع بين هذه الدراسة في أصول الدين، والدراسة العصرية إلى حد ما في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ولم يسمح لإحدى الكليتين أن تكون ضرّة للأخرى تستحوذ عليه، وإنما نجح في أن يجعلهما صديقتين تعطيه كل منهما حبًّا، ويعطي كلا منهما عناية وحرصًا.

مما حقق له مركزًا مرموقًا في كل من الكليتين، فهو إما الأول على دفعته، وإما الثاني دائمًا، فينفرد بالأولوية أحيانًا، ويتناوبها مع أحد زملائه أحيانًا أخرى بالرضا والاتفاق.

ولقد سمعت منه بعد ذلك أنه بعد حصوله على الليسانس بامتياز في الكليتين عُيّن معيدًا بكل منهما، وحرص فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله على استبقائه بأصول الدين، ولكن دار العلوم بادلت فضيلة الشيخ هذا الحرص على ابنها الموفق المتفوق، وكانت إرادة الله غالبة؛ إذ خصّت دار العلوم به، ثم كان مبعوثها إلى جامعة لندن للحصول على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. فكان ابن الجامعات الثلاث الذي مازال يدين بالفضل والوفاء لكل منها حتى اليوم.

وأثناء دراسته للماجستير يتم اعتقاله سنة 1964م، ثم يخرج ويعاد اعتقاله ثانية سنة 1966م.
يقول الدكتور السعيد بدوي معلقا على اعتقاله: ولم أكن أنا من جماعة الإخوان المسلمين التي كان حسن الشافعي على الرغم من حداثة سنه واحدًا من نجومها، كذلك لم أكن من المتعاطفين مع كثير مما كان يتم باسم الجماعة في ذلك الوقت على الرغم من الصداقة التي كانت قد جمعتني بمحمد شمس الدين عبد الحافظ وأفراد قليلين من مثله لا أكاد الآن أذكر أسماءهم.

في المعتقل بقي حسن الشافعي المعيد بكلية دار العلوم سنوات مُجَرّمًا بلا جريمة، وبريئًا بدون حرية، إلى أن دار الزمان دورته وبصق العدو في وجه الوطن، بعد أن سبقه الساحر وبصق في وجوه المواطنين.

خرج من السجن بعد أربع سنوات أخرى أثناء دراسته للماجستير، وهو أعز نفسا وأرسخ إيمانا ممن سجنوه ظلما وعدوانا، عاد بالرغم من القسوة والظلم والتعذيب أقوى عزيمة وإصرارا على مواصلة الكفاح، مرّت رغم قسوتها بردا وسلاما. يقول الدكتور عبد اللطيف محمد عامر: فلقد التقينا بعد هذه المرحلة وبعد انقشاع دخانها، فكأنها لم تفعل شيئًا، وكأنها لم تنقص منا إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر.

عاد للدراسة أصلب عودا وأشد إصرارا على التحمل والمثابرة حتى حصل على درجة الماجستير سنة 1969م في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم.

الدكتوراه من بريطانيا
ولعل الله قد أراد أن يعوضه ما ألمّ به؛ فأنعم عليه بالبعثة لدراسة الدكتوراه في بريطانيا؛ ليتقن اللغة الإنجليزية ويطلع على الثقافة الغربية وما يثار حول القضايا الفكرية التي يهاجم بها المفكرون الأوروبيون الإسلام ويثيرون حولها الشبهات، ويستطع خدمة الثقافة الإسلامية. سجل وقد استطاع إنجاز رسالته للدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن سنة 1977م، ثم يعود ويقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم.

سياحة علمية
ولم يكد يحصل على الدكتوراه حتى تلقفته الجامعات الإسلامية للتدريس بها، فلم يستطع إلا أن يلبي، ففي عام 1979م عمل بالجامعة الإسلامية بأم درمان بالسودان. وفى عام 1981 م أعير إلى الجامعة الإسلامية بباكستان ثم عميدا لكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية عام 1983م،ثم عميدا للشئون الإسلامية لشئون إسلام أباد عام 1984م، ثم نائبا لرئيس الجامعة للشئون الأكاديمية عام 1985م حتى عام 1988م؛ ليعود للتدريس بكلية دار العلوم ثم وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا سنة 1989م حتى عام 1994م، وفى نفس العام اختير عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم عاد إلى الجامعة الإسلامية بباكستان رئيسا لها حتى عام 2004 م، ثم يعود للتدريس بدار العلوم.

وهكذا هو في حياته لا يخلد إلى الراحة، من بلد إلى آخر، وهو بحق كما قال عنه الدكتور السعيد بدوي "الشافعــي.. شاهد يحمل شهادته على ظهره" يجوب العالم العربي والإسلامي، يلبي لا يرفض، يعطي لا يأخذ، إنه حقا يدرك أن العلم أمانة يجب أن يؤديه لأهله.

مؤلفات حسن الشافعي
وللدكتور حسن الشافعي إنتاج علمي غزير حيث أصدر منذ عام 1971 عشرة كتب بالعربية في الفلسفة الإسلامية والتوحيد وعلم الكلام والتصوف، وأكثر من 30 بحثاً علميًّا في العديد من المجلات والدوريات العلمية في مصر والخارج، وخمسة نصوص تراثية محققة، وأربعة كتب مترجمة إلى الإنجليزية، هذا فضلا عن الإشراف والحكم على عشرات من الرسائل الجامعية في مصر والعالم العربي وباكستان وماليزيا.

ومن مؤلفاته و أبحاثه:

الآمدي وآراؤه الكلامية.
علم الكلام بين ماضيه وحاضره.
فصول في التصوف.

التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية.
أبو حامد الغزالي.. دراسات في فكره وعصره وتأثيره.
الإمام محمد عبده وتجديد علم الكلام.
حركة التأويل النسوي للقرآن والدين.
تجديد الفكر الإسلامي... "المفهوم والدواعي والخطوات"
البيوتات العلمية بين مصر وتونس.
تطور الفكر الفلسفي في إيران - محمد إقبال ترجمة د. حسن الشافعي.

من أقوال حسن الشافعي وآرائه
يقول الدكتور حسن الشافعي: عندما يتحدث عني أحد زملائي أو تلامذتي أشعر بأنهم يتكلمون عن شخص آخر، فأنا أعرف نفسي جيدًا، وأرجو ألا يخدعني هذا الكلام عن حقيقة نفسي، فأقرب الأشياء إليك نفسك التي بين جنبيك، فأنا أشعر في بعض جوانب تجربتي أو رحلتي أنني مقصر وأنني شبه مسئول عن الشباب المسلم الذي يعطي في نطاق العمل الإسلامي، ويبدأ من الصفر، وبعد أن تسيل الدماء وتنفق الأوقات والجهود، قد تضيع على الأمة إرادات ونوايا أعتقد أنها صادقة، كما أؤكد أن لدي إحساسًا بالذنب؛ لأن الله أعطاني لسانًا وقلمًا يمكن أن أصور بهما أعمال الآخرين أو مواقفهم.

العالم الحق هو من يعمل بعلمه وليس من يدون الكتب والحواشي.

حسن الشافعي وسر الخلود
إن أي إنسان في الحياة يأمل في خلود اسمه في الحياة حتى بعد الموت، ومنهم من يرى خلوده وبقاء اسمه في وجود ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به، كما أشار الحديث الشريف. ولعل سر خلود الدكتور حسن الشافعي في وسطيته واعتداله في جميع حياته، فتجده صوفيا بلا غلو ولا شاطحات ولا بدع، يأخذ من التصوف زهده وروحانيته، ولا يترك نصيبه من الدنيا، وكثيرا ما تجد من أستاتذة العلم جفاءً وقسوة ًغير مبررة تجعلك تنفر من العلم رغبة في البعد عن مجالستهم، أما حسن الشافعي فكلما نظرت إليه ازددت إيمانا بالله، وحبا له ورغبة في مجالسته والأخذ عنه حتى تشعر بأنك في روضة من رياض الجنة.

تجد كثيرا من العلماء يعتزلون الناس للاعتكاف على علمهم في البحث والتأليف لا يهتم أحدهم بمن حوله من الطلاب والجيران والأهل والأصحاب، قاطع الأرحام، لا أثر له في دنيا الناس غير صفحات يجمعها ويكتبها ويخرجها كتاباً، أما حسن الشافعي فكان علما وعملا، مربي أجيال، خدوما لطلابه وأصدقائه، بارا بجيرانه، واصلا لأرحامه، معينا ذا الحاجة على نوائب الدهر، جَمَّله خُلق كريم، لا انفصام عنده بين العلم والعمل، فهو القائل:

العالم الحق هو من يعمل بعلمه، وليس من يدون الكتب والحواشي.

لا عجب وهو العالم تجده يستمع إلى النصيحة، فكان في طريقه يوما، فقابله رجل فقال له: عليك بخدمة الخلق ثم خدمة الخلق ثم خدمة الخلق، فيقول: ومن يومها وأنا أسير على هذا الدرب بقدر الطاقة.

حقا لقد ربى حسن الشافعي طلابه في مصر والعالم العربي والإسلامي بسلوكه وأخلاقه أكثر مما رباهم بعلمه، تجد كثيرا من الأستاذة والمشايخ يتكلمون بلسانهم، أما حسن الشافعي، فيخرج الكلام من قلبه، وإذا خرج الكلام من القلب فلا يصل إلا إلى القلب. وغالبا ما ينسى الطلاب أستاذتهم بعد مرور الزمن، لكن من يجلس أمام الدكتور حسن الشافعي لا يستطيع أن ينساه أبدا، وكيف ينساه، وقد استقرت كلماته في القلب؟!.. حقيقة إن من البشر من يصنعه الله على عينه، فيحبه ويجعل له القبول في الأرض.

حسن الشافعي في عيون معاصريه
حقيقة إن أقرب الناس من الإنسان هم أكثر الناس معرفة به، ولعل رأيهم يكتسب أهمية إذا كان خارج المنفعة الشخصية، وإذا أردنا أن نتعرف على شخصية الدكتور حسن الشافعي ونقترب منه أكثر فلابد أن نستمع إلى رأى زملائه ومعاصريه عنه، وهى شهادة لها أهميتها من زملائه الذين يرونه أخا وصديقا، وتلامذته الذين يرون فيه الأستاذ والوالد، وكل منهم يراه من وجهة نظره ومعرفته به، وقد قال أصدقاؤه وتلامذته الكثير والكثير عنه وعن علمه وأخلاقه..

فمنهم من قال: إن الدكتور حسن الشافعي هو من بقية السلف الصالح في هذا الزمان؛ عالم قدوة، دال على الله تعالى بحاله ومقاله.

ومنهم من يرى أن الشافعي ليس مجرد فيلسوف عميق، فهو أيضًا لغوي أصيل.. أي أنه فيلسوف لغوي، أو لغوي فيلسوف.

والكثير منهم يجزم بأن عطاء الأستاذ الدكتور حسن الشافعي في إصداراته العلمية العديدة، وفي الألوف من تلامذته النجباء، وفي نشاطاتــه وإسهاماتــه الفكريــة والعلمية والإدارية يرشحه لأن يكون من أجدر رجالات العلم والمعرفة الإسلامية بالتبجيل والتكريم وعرفان الجميل.

ويرى الدكتور محمد عمارة أن الدكتور حسن الشافعي تمتع بعشر خصال أطلق عليها: العَشَرَة الطيبة، فيقول: إن الدكتور حسن الشافعي جمع من المحاسن في الفكر والقيم العديد من الصفات أذكر منها "عَشرة طيبة" من هذه القيم التي جمعها الدكتور حسن الشافعي:

جمع بين الأزهر ودار العلوم.
جمع بين السلفية والتجديد.
جمع قلب الصوفي وعقل الفيلسوف.
جمع بين التحقيق والتأليف.
جمع بين الإبداع الأكاديمي والعمل الدعوى.
جمع بين صناعة الفكر وتربية الشباب.
عشق العربية، وأبدع في الإنجليزية تأليفًا وترجمة.
جمع بين صلابة أهل الصعيد، ودماثة الحضر وأبناء الوجه البحري.
جمع بين الوطنية والعروبة والإسلامية والإنسانية.
جمع بين الحب لله والحب لخلق الله.

عشر صفات وعشر قيم جمع فيها بين الحسنيين، فهي عَشَرة طيبة، وهي بعض من القيم والخصال والشيم والمآثر التي جمعها الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، أمدَّ الله في عمره ومتَّعه بالصحة والسعادة.

أما الدكتور حسن الشافعي في عيون تلامذته، فيوضحها الدكتور د. عبد الباري محمد الطاهر:

إذا نظرت إليه رأيت الابتسامة الحانية تكسو جبهته، وغمرتك بالسعادة طلعته، يبادرك بالسلام، ويشد على يديك بحب واحترام، يسألك عن أحوالك وأحوال ذويك، ويذكر لك طرفًا من آخر لقاء بينك وبينه، فيشعرك أنك به موصول، وأنك لم تغب عن ذاكرته وإن طال الزمان، وإن كنت تلقاه لأول مرة، تشعر أنك تعرفه منذ فترة طويلة، وأن صلتك به حميمة، فإذا عرف اسمك حفر في ذاكرته، فيبادرك في اللقاء الثاني بادئًا باسمك.

أما دعواته الطيبة التي تلاحقك وتحفك من كل جانب فهي دعوات تخرج من قلب صادق محب، تعرفها حين يتحقق ما يقدره الله لك منها في الدنيا، ساعتها تجزم أن الرجل من عباد الرحمن المخلصين.

الشيخ المقريء حسن بن مصطفى الوراقي المصري

هو فضيلة شيخنا وأستاذنا القارئ المقريء أبي أحمد حسن بن مصطفى بن أحمد الورَّاقي [ نسبة إلى بلدته وراق العرب بالجيزة ] المصري - نزيل الطائف- ، المقرئ بالمعهد العلمي الأزهري بمساكن كورنيش النيل روض الفرج القاهرة ، وعضو هيئة التدريس بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين جامعة الطائف بالسعودية ، وشيخنا حالياً يدرس بكلية المعلمين التابعة لجامعة الطائف ، وفي الإجازة الصيفية يقريء بمصر بالمعهد العلمي بروض الفرج القاهرة .

* طلبه للعلم وشيوخه :
حفظ شيخنا القرآن ودخل معهد القراءات وحصل منه على شهادات ، ثم تلقى شيخنا القراءات السبع ثم العشر وعدة روايات وقراءات منفردة وأجيز في ذلك كله ، وأجيز أيضاً في بعض المتون العلمية في التجويد وغيره ، وتلقى شيخنا ذلك عن عدد من كبار علماء القراءات بمصر والشام وغيرها بالأسانيد العالية ومنهم :
1- فضيلة الشيخ / عبد الباسط هاشم – حفظه الله - ، أجيز منه بقراءة عاصم من الشاطبية ، وبرواية حفص من طريقي " الفيل وزرعان " لابن المعدل من طيبة النشر ، ثم أجيز منه في السبعة ، وأجيز منه أيضاً في متني " التحفة والجزرية " بعد أن قرأهما في مجلس واحد غيباً، وكل هذا أخذه الشيخ في خلال سبع سنوات مع الصبر والجلد.
2- فضيلة الشيخ / حسنين جبريل– حفظه الله – قرأ عليه القرآن برواية حفص عن عاصم من الشاطبية ، وأجازه فيها الشيخ .
3- فضيلة الشيخ الدكتور المحقق / علي محمد توفيق النحاس ، قرأ عليه القراءات العشر من " الشاطبية والدرة "وأجازه بها ، وكذا أجازه بجميع كتبه ومؤلفاته في التجويد والقراءات ، وأجازه أيضاً إجازة عامة في الفقه والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك .
4- فضيلة الشيخ العلامة / أحمد مصطفى أبو الحسن – حفظه الله- قرأ عليه شيخنا برواية حفص من طريق " المصباح " للشهرزوري من الطيبة إلى سورة الشعراء وأجازه الشيخ بما قرأ وبباقي القرآن .
5- فضيلة الشيخ العلامة المقريء / بكري عبد المجيد الطرابيشي الدمشقي – حفظه الله - ، أعلى القراء إسناداً اليوم في العالم في القراءات السبع من " الشاطبية "، علم شيخنا أنه أعلى القراء إسناداً فسافر إليه في دمشق وتلقى منه قراءة الإمامعاصم من الشاطبية وأجازه الشيخ بها ، وسند شيخنا من الشاطبية عن الطرابيشيعالٍ جداً .
6- فضيلة الشيخ المقريء / محمد بن نبهان بن حسين مصري ، أستاذ القرآن والقراءات بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، قرأ عليه شيخنا القرآن كله بقراءة الإمام عاصم من الشاطبية ، وأجازه بها.
7- فضيلة الشيخ الدكتور / أيمن بن رشدي سويد الدمشقي ، قرأ عليه شيخنا متن " الجزرية " للإمام ابن الجزري في مجلس واحد غيباً ، وأجازه بها الشيخ أيمن بالسند المتصل لابن الجزري
8- فضيلة الشيخ المقريء / عبد الفتاح بيومي مدكور – حفظه الله تعالى – أخذ منه الشيخ رواية حفص عن عاصم ورواية ورش عن نافع من الشاطبية ومتن " التحفة والجزرية والسلسبيل الشافي ورسالة قصر المنفصل وهما للشيخ عثمان مراد – رحمه الله –وكذا متن الشاطبية "وأجازه الشيخ بكل ما سبق إجازة شفوية وأخرى خطية ، وسند الشيخ /عبد الفتاح في رواية حفص يعتبر مثل الشيخ / أحمد الزيات – رحمه الله -.
9- فضيلة الشيخ / سلمان بن محمد بن عبد السلام – حفظه الله تعالى - ، أخذ منه الشيخ القراءات السبع بعد أن قرأ عليه بعض القرآن بها من طريق الشاطبية ، والشيخ /سلمان في رتبة الشيخ / أحمد الزيات – رحمه الله تعالى - في السند في القراءات السبع من الشاطبية.
10- فضيلة الشيخة المقرئة المعمرة / نفيسة بنت عبد الكريم زيدان – حفظها الله تعالى – أخذ منها الشيخ القراءات العشر والشواذ ومتن" التحفة والجزرية والشاطبية والدرة والطيبة" بعد أن قرأ عليها بعض القرآن وبعض المتون وأجازته الشيخة بكل ما سبق إجازة شفوية وأخرى خطية .
11-فضيلة الشيخ / إلياس بن أحمد البرماوي ، المقرئ بالمسجد النبوي ، قرأ عليه شيخنا "التحفة والجزرية" غيباً وأجازه الشيخ بهما .
12- فضيلة الشيخ / محمد بن محمد الحنفي الدمشقي ، إمام جامع الخير بدمشق ، قرأ عليه الشيخ بعض القرآن في مسجده بدمشق الشام بقراءة الإمام ابن كثير براوييه ، وأجازه الشيخ بما قرأ وبباقي القرآن .
* كما حصل شيخنا على شهادة تزكية في حفظ وضبط وتجويد وإتقان القرآن الكريم من الشيخ الدكتور / أحمد عيسى المعصراوي – حفظه الله - شيخ عموم المقارئ المصرية ، وذلك وقت تدريسه بدار الحرمين بالطالبية قبل سفره بعام ، و التي كان يشرف عليها فضيلة الشيخ / عبد الحكيم عبد اللطيف ، والشيخ / المعصراوي ، وبعض أعضاء لجنة المصحف .
(تنبيه )
قال شيخي حسن الورّاقي – حفظه الله - : غالباً ما أقول في كلامي : بأن سند الشيخ / عبد الفتاح مدكور في حفص ، أو سند الشيخ / سلمان محمد عبد السلام في السبعة مثل سند الشيخ / أحمد الزيات – رحمه الله - ؛ لأن كثيراً من الناس- وخاصة طلبة الشيخ / الزيات – رحمه الله - يظن أن الشيخ / أحمد الزيات – رحمه الله – ما يوجد أعلى منه ولا مثله في أي رواية أو قراءة ، وهذا خطأ ؛ لأنه يوجد مثله في الصغرى والكبرى وهو الشيخ / محمد عبد الحميد السكندري ، وقد ظهر عدة شيوخ هم في رتبة الشيخ / أحمد الزيات في السند ؛ لأنهم أخذوا عن الشيخ الفاضلي على أبو ليلة الذي هو في رتبة / عبد الفتاح هنيدي ، وهو على إسماعيل إسماعيل أبو النور ، وهو على عبد الله ابن عبد العظيم الدسوقي ، وهو على / على الحدادي ، وهو على / إبراهيم العبيدي ، نفس سند الشيخ الزيات ، ولكن مع التفرقة في العلو والنزول بحسب الرواية أو القراءة أو القراءات السبع أو العشر الصغرى أو الكبرى ، وقد فصلت ذلك بتوسع مع الأمثلة من القراءة المعاصرة في بحثي " الإجازات القرآنية في سؤال وجواب " ، وأقولها صراحة :إن هذا الأمر يقلق طلبة الشيخ الزيات – رحمه الله – ، حيث إنهم يظنون أنهم أعلى سند بعد شيخهم ، وقد وجدت ذلك بنفسي عن عدد من الذين أخذوا من الشيخ الزيات – رحمه الله - ؛ بل بعضهم ينكر بجهل علو شيخنا / بكري الطرابيشي على الشيخ / الزيات – رحمه الله – في السبعة ، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل .


* شيوخه في العلوم الشرعية :
لم يكتفِ شيخنا بتعلم القرآن والقراءات فقط وحفظ المتون فيهما ، بل كان له نصيباً في بعض العلوم الأخرى لاسيما - العقيدة السلفية - ففرَّغ وقته للقراءة على كبار المشايخ ، فقرأ الحديث المسلسل بالأولية، وثلاثيات البخاري والترمذي ، وأوائل الكتب الحديثية والأربعين النووية للنووي ، والأصول الثلاثة ،والقواعد الأربع ،وكشف الشبهات ،وكتاب التوحيد مع شرحه فتح المجيد لحفيد المؤلف قرأه الشيخ من أوله إلى آخره قراءة بحث وتحقيق ، وكذلك قرأ أكثر كتب ورسائل الشيخ محمد – رحمه الله – وقرأ " لمعة الاعتقاد " لابن قدامة ، والواسطية والحموية والقصيدة اللامية لابن تيمية ، والطحاوية للطحاوي ، والآجرومية لابن آجروم ، وغير ذلك من الكتب والرسائل والمتون ، وممن قرأ عليهم شيخنا وأجيز منهم في كل ما سبق وغيره من كتب الفقه والعقيدة والحديث واللغة والتفسير وغير ذلك :
1- فضيلة الشيخ العلامة فقيه الطائف ومفتيها الشيخ المعمر/ عبد الرحمن بن سعد العيَّاف الدوسري – حفظه الله - ، وهو أكثر من لازمه شيخنا وقرأ عليه .
2- فضيلة الشيخ / مشعان بن زايد الحارثي – حفظه الله – .
3- فَضِيْلَةُ الشيْخ العلامة المعمر، شيخ الحنابلة الفقيْه القَاضِي بَقِيَّة السلف وقدوة الخلف حسنة الوقْت المسند الكبيْر : عبدِ اللهِ بن عبد العزيز العقِيل - حفظه الله تعالى - ، وأجاز الشيخ ابن عقيْل شيخنا إِجازة عامة وخاصة فِي ثبتِه »فتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة ابن عقِيل".
4- الشيخ المحدث السلفي، والمسند الكبيرعبد الوكيل بن الشيخ المحدث عبد الحَق الهَاشِميِّ، أجاز شيْخنا إِجَازَة عَامة وخَاصَة فِي جميع مرْوياته، وأَسَانِيْدِهِ، ومُؤلَّفَاتِه .
5- الشيخ المعمر الكبير المحدث / عبد الله بن أحمد الناخبي – رحمه الله –قرأ عليه شيخنا الحديث المسلسل بالأولية ، وثلاثيات الإمام البخاري والترمذي ، وأجازه الشيخ في ذلك إجازة خاصة ، كما أجازه إجازة عامة في جميع مروياته ومسموعاته بثبته "إجَازَةٌ عَامَّةٌ في الأسَانِيْدِ والمَرْوِيَّاتِ« .
6- فضيلة الشيخ المحدث المعمر / عبد العزيز بن عبد الله الزهراني – حفظه الله تعالى - .
7- فضيلة الشيخ المعمر/ حامد بن محمد بن عبد الله العبَّادي – رحمه الله تعالى -، المدرس بالمسجد الحرام سابقاً .
8- الشيخ المحدث / عبد الله بن أحمد بن بخيت – حفظه الله تعالى - .
9- الشيخ القارئ المقرئ الدكتور / على بن محمد بن توفيق النحاس – حفظه الله تعالى - ، أجاز شيخنا إجازة عامة في جميع كتبه ومؤلفاته ومروياته بثبت الأمير الكبير المعروف .
10- الشيخ المحدث المعمر/محمد بن نادر البرماوي ، أجاز شيخنا إجازة عامة في جميع مروياته .
11- محدث باكستان الشيخ المعمر / عبد القيوم الرحماني – حفظه الله - أجاز شيخنا إجازة عامة في جميع مروياته .
12- الشيخ المحدث / عبد الله بن يعقوب الاندجاني الأثري ، أجاز شيخنا في ثبته المسمى " الفتح الرباني في ثبت عبد الله اندجاني" ، إجازة خاصة وفي بقية مروياته إجازة عامة ، كذا أجازه الشيخ حسن الوراقي بمروياته فتدبجا .
13- فضيلة الشيخ / عبد الله بن سفر عبادة الغامدي ، سمع منه شيخنا حديث الرحمة المسلسل بالأولية وأوائل الكتب الحديثية وكتاب التوحيد وغير ذلك ، وأجازه في ذلك ، كذا أجاز فضيلته شيخنا حسن الوراقي فتدبجا .
14- فضيلة الشيخ المحدث / عبد الرحمن بن عمر فقيه الغامدي ، أجاز شيخنا إجازة عامة في جميع مروياته .
15- فضيلة الشيخ / بدر بن طامي العتيبي ، قرأ عليه شيخنا من كتب ومؤلفات الشيخين ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب وغيرهما وأجازه بكل مروياته .
16- فضيلة الشيخ / محمد جميل زينو ، المدرس بدار الحديث سابقاً ، أجاز شيخنا إجازة خاصة في جميع كتبه ومؤلفاته .
17- فضيلة الشيخ الدكتور / يحيى بن عبد الله الثمالي ، قرأ عليه شيخنا كتاب التوحيد مع تعليقات الشيخ عبد الرحمن السعدي المسماه " القول السديد في مقاصد التوحيد " .
18- فضيلة الشيخ / محمد أمين الهرري ، المدرس بدار الحديث بمكة سابقا .
وغيرهم من أهل العلم والفضل ، ولقد التقى شيخنا بالشيخ العلامة/ صالح الفوزان- حفظه الله - وحضر له بعض الدروس بالطائف في الصيفية ، وكذلك التقى بمفتى المملكة الشيخ / عبد العزيز آل الشيخ ، وغيره من العلماء الكبار ، واستفاد الشيخ حسن الوراقي كثيرا في العقيدة لاسيما في الأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع ، وكشف الشبهات ، وكتاب التوحيد ، والواسطية ولمعة الاعتقاد والطحاوية وغبر ذلك من شروحات العقيدة من هؤلاء العلماء : الشيخ محمد بن العثيمين – رحمه الله - ، والشيخ صالح آل الشيخ ،والشيخ صالح الفوزان ،والشيخ عبد العزيز الراجحي ، والشيخ عبد الله الغنيمان ، والشيخ خالد المصلح ، والشيخ عبد الله الفوزان – حفظ الله الجميع وبارك في أعمارهم - وغيرهم ممن استمع لأشرطتهم وقرأ في كتبهم .
الذين أجيزوا من الشيخ في القرآن:
الشيخ- حفظه الله تعالى – قد أجاز ما يزيد عن الخمسين ما بين شيخ وطالب علم قرءوا عليه في مصر والسعودية ومن أبرزهم :
1- شيخه السلفي المعمر فضيلة الشيخ / عبد الرحمن بن سعد العياف الدوسري – حفظه الله تعالى – ، [ رواية حفص من الشاطبية ] ، بحي العقيق بالطائف .
2- شيخه المحدث المعمر فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله الزهراني – حفظه الله تعالى - ، [ رواية حفص من الشاطبية ] ، ببلاد زهران قرب الباحة بالسعودية .
3- الشيخ المقريء / محسن جمعة القزاز ، المقرئ بالجمعية الخيرية بالطائف [ قراءة نافع وابن كثير وعاصم والكسائي وأبي جعفر من الشاطبية ، ومتن الجزرية ] ، بالطائف حالياً .
4- فضيلة الشيخ / سعيد بن على عبد الله الأسمري ، مدرس العقيدة والعلوم الشرعية بالمعهد العلمي بالطائف سابقا وبمكة حالياً ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ].
5- فضيلة الشيخ / عوض بن عبد الله بن عوض القرني ، مدرس العقيدة والعلوم الشرعية بالمعهد العلمي بالطائف سابقا وبمكة حالياً، [ قراءة عاصم من الشاطبية ] .
6- فضيلة الشيخ / جابر عبد الصادق المصري ، عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين جامعة الطائف ، ومدرس بمعهد القراءات بالبحيرة مصر، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، ومتني التحفة والجزرية ] ، بالبحيرة ويدرس حاليا بالطائف .
7- فضيلة الشيخ / عدنان محمد نمر محمد الأسيوطي المصري ، عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين جامعة الطائف سابقا ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ] ، بأسيوط حاليا .
8- الشيخ / عثمان السيد هلال المصري ، المدرس بالجمعية الخيرية بالطائف ، [ قراءة ابن كثير من الشاطبية ] ، بالطائف .
9- الشيخ القارئ / محمد بن عبد الله زارب القحطاني ، الأول على جائزة خادم الحرمين الدولية في القرآن الكريم ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ] ، ويقطن الطائف .
10- الشيخ / سيد مختار أبو شادي ، مدير معهد الرحمة العلمي بمساكن كورنيش النيل روض الفرج القاهرة ، [ متني التحفة والجزرية والآن تحت قراءة عاصم من الشاطبية ]
11- الشيخ المقرئ / خالد بن محمد بن عبد الله ، المقريء بالمعهد العلمي بمساكن كورنيش النيل بالقاهرة . [ قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة ، ومتني التحفة والجزرية ]
12-الشيخ / عبد الله بن حسين درويش ، المقريء بالمعهد العلمي بمساكن كورنيش النيل ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة، ومتني التحفة والجزرية ]
13- الشيخ / عصام بن سعيد مهران ، المقريء بالمعهد العلمي بمساكن كورنيش النيل ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة ، ومتني التحفة والجزرية ]
14- الشيخ /حسن بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحلواتي ، المشرف بالجمعية الخيرية بالطائف ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، ومتني التحفة والجزرية ، والآن يقرأ ابن كثير ]
15- الشيخ المبصر بقلبه القارئ والمقريء بالعشر / مصطفى فتحي على نُصير ، المقرئ بمعهد الرحمة العلمي للقرآن بمساكن كورنيش النيل القاهرة ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، ومتن التحفة والجزرية والشاطبية والدرة والطيبة ]
16- الشيخة المقرئة / أم سلمى رضا بنت عبد الوهاب السبكي ، مقرئة بمسجد قباء وراق العرب ، [قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة ، ومتن التحفة والجزرية والسلسبيل الشافي] وهي أخذت أيضا من الشيخ / الزيات – رحمه الله - ، والشيخ / عبد العزيز عبد الحفيظ – رحمه الله - ، والشيخ / عرفان – حفظه الله - وغيرهم ، كما أخبرني الشيخ / حسن .
17- زوجة الشيخ / أم أحمد رانيا بنت رشدي بن أحمد ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة ، ومتني التحفة والجزرية ] ، كما قرأت وأجيزت من عدة شيوخ وشيخات .
18- الشيخ / إيهاب بن محمد بن أحمد الرفاعي ، إمام مسجد قباء بوراق العرب [ قراءة عاصم من الشاطبية ] .
19- الشيخ / أسامة فتحي شهاب الدين المنوفي ، [ قراءة عاصم من الشاطبية ، ومتني التحفة والجزرية] ، بالمنوفية .
20- العبد الفقير إلى ربه / شريف بن أحمد مجدي عطية ، مشرف موقع خيمة القراءات القرآنية [ قراءة عاصم من الشاطبية ، وحفص من بعض طرق الطيبة ، ومتني التحفة والجزرية ] ، بإمبابة .
وممن أجيز أيضا من الشيخ :
الشيخ / سيد محمد بإمبابة ، محمد محمود سلطان بالوراق ، وسيد صابر بإمبابة ، وعبد الواحد محمد حسن بيصار بالمطرية ، ومحمد عبد المنعم بإمبابة ، وأحمد صبري بإمبابة ، وياسر مصطفى بإمبابة ، وأحمد رشدي بإمبابة ، وسامح معوض بإمبابة ، ووائل أحمد محمود بوراق العرب ، و أحمد بن متعب المطيري بالطائف ، ومحمود محمد عبد الجيد بروض الفرج ، ومحمد عبد الهادي بكفر الشيخ ، وصلاح عويس بالطالبية الجيزة ، ومصطفى محمد بالطالبية الجيزة ، وخالد على أحمد بإمبابة ، وعبد الرافع عبد الصمد الأفغاني بالطائف ، وهشام محمد حافظ على بالمنيا ويقطن بفيصل ، الدكتورة جيهان عبد الحي إبراهيم زوجة الدكتور مجدي جعيصة بمصر الجديدة ، وفاطمة مجدي محمد جعيصة ، وتسنيم مجدي محمد جعيصة ، وهدى بنت الشيخ عبد الله سفر الغامدي بالطائف ، وابتهاج بنت الشيخ عبد الله سفر الغامدي ، وهناك الكثير يقرأ على الشيخ الآن ولما يتم بعد .

" تنبيهان "

1- كل ما سبق قرأ على شيخنا القرآن كاملاً بحفص أو عاصم أو غير ذلك من الروايات والقراءات ، إلا بعض المشايخ المتخصصين والمجازين فقد قرءوا بعض القرآن وأجازهم الشيخ بما قرءوا وبباقي القرآن ، والشيخ لا يقرئ إلا القرآن كاملاً ؛ ليستفيد الطالب من " كيفية إتمام الحركات ، وعدم التكلف في حركات الفم ونطق بعض الحروف ، والوقف والابتداء " وغير ذلك من الفوائد التي يعطيها الشيخ .
2- الشيخ يفرِّغ نفسه وقتاً كبيراً للإقراء خاصة إذا نزل مصر في الإجازة الصيفية شهر ( 7-8 ) أفرنجي ، وأما في السعودية فهو يقرئ في أكثر الأوقات، ومن بركة هذا التفرغ قرأ عليه الكثير بفضل الله – عز وجل - .



وأما في غير القرآن :
فقد قرأ على شيخنا وأجيز منه في العقيدة وغيرها نحو الأربعين ومنهم :
1- الشيخ / عصام بن عوض الثبيتي – حفظه الله – قرأ على شيخنا الوراقي : الحديث المسلسل بالرحمة ، وثلاثة الأصول ، والقواعد الأربع ، وكشف الشبهات ، وكتاب التوحيد ، وشروط الصلاة للشيخ محمد عبد الوهاب، وثلاثيات البخاري والترمذي ، والأربعين النووية ،وبعضا من لمعة الاعتقاد ،وأجازه في ذلك وفي جميع مروياته .
2- الشيخ / عادل بن سعيد بن صالح الخديدي – حفظه الله – قرأ على شيخنا : القواعد الأربع ، والأصول الثلاثة ، وأجازه الشيخ في ذلك وفي جميع مروياته .
3- الشيخ / عبد الرحمن بن سعود الجعيد – حفظه الله تعالى - قرأ على شيخنا : القواعد الأربع ، والأصول الثلاثة ، والواسطية واللامية ، وأجازه الشيخ في ذلك وفي جميع مروياته .
4- فضيلة الشيخ / وائل علام المصري ، قرأ على شيخنا الأوائل الحديثية ، وكشف الشبهات وكتاب التوحيد والعقيدة الواسطية والقصيدة اللامية ، وغير ذلك ، وأجازه الشيخ بكل هذا.
الشيخ / أبو العلا محمد بدوي الشهير بالشيخ مسعد ، مسجد قباء بوراق العرب ، قرأ الأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع وغيرهما .
1- الشيخ / أسامة فتحي شهاب الدين المنوفي ، قرأ الأصول الثلاثة ، والقصيدة اللامية ، وأجازه الشيخ .

من أعمال شيخنا :
1- إعانة المستفيد بضبط متني " التحفة والجزرية " في علم التجويد .
2- فتح العلي في بيان اللحن الجلي والخفي .
3-الإجازات القرآنية في "سؤال وجواب " وهو موسع وفيه زيادات عن المنتشر في النت.
4-تحقيق المأمول بشرح ثلاثة الأصول للشيخ محمد عبد الوهاب .
5- التحفة الورَّاقية شرح المقدمة الجزرية . وهو شرح مطول فيه فوائد جمة .
6- فتح ذي الجلال بشرح تحفة الأطفال ، وغير ذلك .
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل ، وأن يجعله خالصا لوجهه سبحانه الكريم، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة ، ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمر شيخنا وأن يزيده علما وعملاً ، وأن يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه ويريه الباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الشيخ أبو بكر جومي

الشيخ أبو بكر جومي

ولد الشيخ أبو بكر محمود جومي عام 1341هـ في بلدة جومي بولاية سكوتو في نيجيريا،

 درس القرآن الكريم على يد أبيه، ثم التحق بالمدارس النظامية وتخرج في كلية الشريعة،

ثم واصل تعليمه في السودان حيث حصل على دبلوم عال في اللغة العربية، وبعد عودته إلى نيجيريا

أرسلته الحكومةُ الفيدرالية النيجيرية كمسئول عن بعثة الحج إلى السعودية، ثم تدرج في المناصب

حيث عين مساعدًا لرئيس القضاء الأعلى في محكمة الاستئناف الشرعية العليا،

 ثم أصبح رئيس القضاء في الإقليم الشمالي من البلاد، وفي عام 1396هـ عين مفتي البلاد الأكبر.

إلى جانب ذلك كان الشيخ أبو بكر المستشار والساعد الأيمن للحاج أحمدو بللو (ت 1966م)

وشاركه في إنشاء (جماعة نصر الإسلام) التي قام من خلالها بجهود كبيرة في الدعوة الإسلامية

 ومحاربة البدع والخرافات، ثم أسس بعد ذلك (جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة) حتى أصبح

الشيخ أبو بكر جومي زعيم الحركة الإصلاحية المناهضة للصوفية في غرب إفريقيا

 في القرن العشرين، وكان -رحمه الله- عضوًا في المجلس الأعلى العالمي لشؤون المساجد،

 والمجمع الفقهي بمكة، ومجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، والمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية

 في القاهرة، وهو عضو مؤسس لرابطة العالم الإسلامي بمكة، وجماعة أحمدو بللو،

ومجلس كبار العلماء في نيجيريا، أما آخر منصب تولاه فهو رئاسته لمجلس مركز التعليم في بلاده.

له كتاب (العقيدة الصحيحة بموافقة الشريعة)، وكتاب (رد الأذهان إلى معاني القرآن) وهو في التفسير،

 كما ترجم معاني القرآن الكريم إلى لغة الهوسا، وأشرف على ترجمة عدد من الكتب التي

 ألفها علماء نيجيريون باللغة العربية إلى لغة الهوسا، وكان له نشاط كبير في الإذاعة

والصحف والمجلات، نال جائزة الملك فيصل رحمه الله العالمية لخدمة الإسلام عام 1407 

سلسلة قَصَصُ الأنْبِيَاءِ للإمام ابن الحافظ ابن كثير{ 13~قصّة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم

ذكر قصّة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم



وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولا نَبِيّاً، وَنَادَيْنَاهُ

مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً، وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}.‏

وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن. وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة، وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير،

 وسنورد سيرته ها هنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.

قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ

 طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ

 وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.

يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً }، أي تجبّر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرّب الأعلى، وجعل أهلها شيعا، أي قسم رعيته إلى أقسام

وفَرِقٍ وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل، الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط

عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ}.

وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على

 يديه وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث

 بها القبط فيما بينهم ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذراً من وجود هذا الغلام ولن يغني حذر من قدر.

وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت المقدس فأحرقت

 دور مصر وجميعَ القبط ولم تضر بني إسرائيل. فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحزقة والسحرة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل

 مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.

ولهذا قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} وهم بنو إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ} أي الذين يؤول ملك مصر وبلادها إليهم {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي

 الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} أي سنجعل الضعيف قوياً والمقهور قادراً والذليل عزيزاً، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل كما قال تعالى:

 {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسرائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} الآية. وقال تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ

 وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إسرائِيلَ} وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.‏

والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون

 من ساعته.

وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.

وهذا فيه نظر بل هو باطل، وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} ولهذا قالت

 بنو إسرائيل لموسى {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}.

فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولاً حذراً من وجود موسى.‏

هذا، والقدر يقول: يا أيها ذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا تخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه،

 وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتفداه، ولا تطلع على

 سر معناه. ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو

 الفعال لما يريد وأنه هو القويّ الشديد ذو البأس العظيم، والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.

وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان

بنو إسرائيل يعالجون. فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً، وأن يتركوا عاما، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم،

 فضاقت أمه به ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل. فلما وضعت ألهمت أن تتخذ له تابوتاً ربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه

 فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.‏

قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً

 إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}.

هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد، كما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا، يَخْرُجُ مِنْ

 بُطُونِهَا..} الآية.

وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين، بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.

قال السهيلي: واسم أم موسى "أيارخا"، وقيل "أياذخت". والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني فإنه إن ذهب فإن الله سيرده

 إليك وأن الله سيجعله نبياً مرسلاً يعلي كلمته في الدنيا والآخرة. فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار

 فرعون {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}‏

قال الله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} قال بعضهم، هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقاً بقوله فالتقطه. وأما إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام وهو أن آل فرعون قُيّضوا

لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً صارت اللام معللة كغيرها والله أعلم. ويقوي هذا التقدير الثاني قوله {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } وهو الوزير السوء {وَجُنُودَهُمَا} المتابعين لهما

 {كَانُوا خَاطِئِينَ} أي كانوا على خلاف الصّواب فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.

وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرون على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد

 الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته. حكاه السهيلي فالله أعلم.

وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصّة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.

 فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً. فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟

 وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه {وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا، أي لا حاجة لي به. والبلاء مُوكَّل بالمنطق وقولها:

 {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا} وقد أنالها الله ما رَجَتْ من النفع. أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد.

 قال تعالى: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده؟

وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى (دربتة) ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل.

وقال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ

 الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} أي من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى

{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أي صبرناها وثبتناها {لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لأُخْتِه} وهي ابنتها الكبيرة،{قُصِّيهِ}، أي اتبعي أثره

 واطلبي لي خبره {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} قال مجاهد عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال {وَهُمْ لا يَشْعُرُون} وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر

 بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة، فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل. كما قال تعالى {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ}

فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت:

 {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}. قال ابن عباس: لما قالت ذلك قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته.

فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى {آسية} يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها

 وعرضت عليها أن تكون عندها، وان تحسن إليها فأبت عليها، وقالت إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا، إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها ورتبت لها رواتب، وأجرت

عليها النفقات والكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.‏

قال الله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ

لا يَعْلَمُونَ}.

وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال: {مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ

 لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه وتغّذى بأطيب المآكل، وتلبس

أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك ولك وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ

 إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.‏

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي

 مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،

 قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.

لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى وهو احتكام الخَلْق والخُلقُ وهو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه

الله حكماً وعلماً وهو النبوة والرسالة التي كان بشّر بها أمه حين قال {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ}.

ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.

قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي، وذلك نصف النهار. وعن ابن عباس بين العشائين.

{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ} أي يتضاربان ويتهاوشان {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} أي إسرائيلي {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه} أي قبطي. قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق.

{فَإسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}، وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد

عزوا وصارت لهم وجاهة وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه

 موسى {فَوَكَزَهُ}. قال مجاهد: أي طعنة بجمع كفه. وقال قتادة بعصا كانت معه {فَقَضَى عَلَيْهِ} أي فمات منها.

وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه ومع هذا {قَالَ} موسى {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ

إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي من العز والجاه { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا

 قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ

إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.

يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً - أي من فرعون وملئه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم

 أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم.

فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم {خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر

 قد قاتله، فعنّفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}.

 ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً

 بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ}.

 قال بعضهم إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلاً إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله

 {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}، فقال ما قال لموسى وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل

 هذا هو القبطي. وأنه لما رآه مقبلاً إليه خافه ورأى من سجيته جيداً للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة، إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام

 الإسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.

والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ساعياً إليه مشفقاً عليه فقال

 {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ} أي من هذه البلدة {إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ} أي فيما أقوله لك.‏

قال الله تعالى {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلاً {رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ

 قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ

وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.

يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج

 من مصر قبلها.‏

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} أي اتجه له طريق يذهب فيه {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}. أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود. وكذا وقع، فقد أوصلته

إلى المقصود، وأي مقصود.

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} وكانت بئراً يستقون منها. ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب عليه السلام. وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في

 أحد قولي العلماء.

 وَلَمَّا وَرَدَ المَاءَ المذكور {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} أي تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.

 وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات. وهذا أيضاً من الغلط ولعلهن كن سبعاً ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن. وهذا الجمع ممكن أن كان ذاك محفوظاً، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له

 سوى بنتين {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف

 أبينا وكبره قال الله تعالى {فَسَقَى لَهُمَا}.

قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم

 جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده. ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر. كما كان. قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة وإنما استقى ذنوباً واحدا فكفاهما.

 ثم تولى إلى الظل. قالوا: وكان ظل شجرة من السمر. وروى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.

الإمام شيخ الإسلام، أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى ابن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي المو

ولد في ثالث شوال سنة عشر ومائتين، فهو أكبر من النسائي بخمس سنين، وأعلى إسناداً منه.

لقي الكبار، وارتحل في حداثته إلى الأمصار باعتناء أبيه وخاله محمد ابن أحمد بن أبي المثنى، ثم بهمّته العالية.

شيوخه:

أحمد بن حاتم الطويل، وأحمد بن جميل، وأحمد بن عيسى التستري، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وأحمد بن منيع، وأحمد ابن محمد بن أيوب، وإبراهيم بن الحجاج السامي، وإبراهيم ابن الحجاج النيلي صاحب سلام بن أبي مطيع، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإبراهيم بن زياد سبلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإسحاق بن موسى الخطمي، وإسحاق ابن إسماعيل الطالَقاني، وأبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وأبي إبراهيم إسماعيل الترجماني، وإسماعيل بن عبد الله بن خالد القرشي، وأيوب بن يونس البصري.

تلاميذه:

وهيب، والأزرق بن علي أبي الجهم، وأمية ابن بسطام, وبشر بن الوليد الكندي، وبشر بن هلال، وبسام بن يزيد النقال, وجعفر بن مهران السباك، وجبارة بن المغلس، وجعفر بن حميد الكوفي, وحوثرة بن أشرس العدوي، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحكم بن موسى، والحارث بن مسكين، والحارث بن سريج، وحفص ابن عبد الله الحلواني، وحجاج بن الشاعر, وخلف بن هشام البزار، وخالد بن مرداس، وخليفة بن خياط, وداود بن عمرو الضبي، وداود بن رشيد, وروح بن عبدالمؤمن المقرئ، والربيع بن ثعلب, وأبي خيثمة زهير بن حرب، وزكريا بن يحيى زحمويه، وزكريا بن يحيى الرقاشي، وزكريا بن يحيى الكسائي الكوفي، وأبي الربيع الزهراني.

وأبي الربيع سليمان بن داود الختلي، وأبي أيوب سليمان بن داود الشاذكوني، وسليمان بن محمد المباركي، وسعيد بن عبد الجبار، وسعيد بن أبي الربيع السمان، وسعيد بن مطرف الباهلي، وسريج بن يونس، وسهل ابن زنجلة الرازي, وشيبان بن فروخ, والصلت بن مسعود الجحدري، وصالح بن مالك الخوارزمي،

وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الله بن سلمة البصري، عن أشعث بن براز الهجيمي، وعبد الله بن عون الخراز، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن بكار البصري، وعبد الله بن عمر مشكدانة، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعبيد الله بن معاذ، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي، وعبد الرحمن بن صالح الأزدي، وأبي نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمّار، وعبد الواحد بن غياث، وعبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، وعبد الأعلى بن حماد النّرسي، وعلي بن الجعد، وعلي بن حمزة المعولي، وعلي بن المديني، وعمرو الناقد، وعمرو بن الحصين، وعمرو بن أبي عاصم النبيل، وعيسى بن سالم، وعثمان بن أبي شيبة, وغسان بن الربيع, والفضل بن الصباح, وقطن بن نسير, وكامل بن طلحة.

ومصعب بن عبد الله، ومنصور بن أبي مزاحم، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن سعيد القطان، ومحمد بن جامع العطار وضعفه، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن بكار مولى بني هاشم، وأبي كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن خالد الطحان، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي.

ونعيم بن الهيصم.

وهدبة بن خالد، ويحيى بن معين، ويحيى بن أيوب المقابري، ويحيى الحماني، وخلق كثير سواهم، مذكورين في " معجمه ".



ثناء العلماء عليه وعلى مسنده:

قال أبو موسى المديني: أخبرنا هبة الله الأبرقوهي عمّن ذكره: أن والد أبي عبد الله بن مندة رحل إلى أبي يعلى، وقال له: إنما رحلت إليك لإجماع أهل العصر على ثقتك وإتقانك.

وقال السلمي: سألت الدارقطني عن أبي يعلى، فقال: ثقة مأمون.

قال يزيد بن محمد الأزدي في " تاريخ الموصل ": ومنهم أبو يعلى التميمي.

فذكر نسبه وكبار شيوخه، وقال: كان من أهل الصدق والأمانة، والدين والحلم...

إلى أن قال: وهو كثير الحديث، صنف المسند وكتباً في الزهد، والرقائق، وخرّج الفوائد، وكان عاقلاً، حليماً صبورا، حسن الأدب، سمعته يقول: سمعت ابن قدامة: سمعت سفيان يقول: ما تمتع متمتع بمثل ذكر الله، قال داود عليه السلام: ما أحلى ذكر الله في أفواه المتعبدين.

وقد بلغنا عن أبي عمرو بن حمدان: أنه كان يفضل أبا يعلى الموصلي على الحسن بن سفيان، فقيل له: كيف تفضِّله و " مسند " الحسن أكبر، وشيوخه أعلى ؟ قال: لأن أبا يعلى كان يحدث احتساباً، والحسن بن سفيان كان يحدث اكتساباً.

وقد وثّق أبا يعلى؛ أبو حاتم البستي وغيره، قال ابن حبان: هو من المتقنين المواظبين على رعاية الدين وأسباب الطاعة.

وقال ابن عدي: ما سمعت " مسنداً " على الوجه إلا مسند أبي يعلى، لأنه كان يحدِّث لله عز وجل.

قال ابن المقرئ: سمعت أبا إسحاق بن حمزة يثني على " مسند " أبي يعلى ويقول: من كتبه قلّ ما يفوته من الحديث.

وقال الحافظ عبد الغني الأزدي: أبو يعلى أحد الثقات الأثبات، كان على رأي أبي حنيفة.

قال الذهبي: قلت: نعم، لأنه أخذ الفقه عن أصحاب أبي يوسف.

قال ابن مندة: أحمد بن علي بن المثنى بن عيسى بن هلال بن دينار التميمي، أبو يعلى، أحد الثقات، مات سنة سبع وثلاث مئة.

وقد وصف أبو حاتم البستي أبا يعلى بالإتقان والدين، ثم قال: وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنفس.

قال أبو سعد السمعاني: سمعت إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الحافظ يقول: قرأت المسانيد كمسند العدني، ومسند أحمد بن منيع، وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مجتمع الأنهار.

قلت: صدق، ولا سيّما " مسنده " الذي عند أهل أصبهان من طريق ابن المقرئ عنه، فإنه كبير جداً، بخلاف " المسند " الذي رويناه من طريق أبي عمرو بن حمدان عنه، فإنه مختصر.

مصنّفاته:

1 - " المعجم " قال الذهبي: وقد خرّج لنفسه معجم شيوخه في ثلاثة أجزاء.

2 - " المسند ": ولمسند أبي يعلى روايتان:

الأولى: رواية طويلة رواها أبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ، عن أبي يعلى، وهي التي اعتمد عليها ابن حجر في: (المطالب العالية)، والبوصيري في (إتحاف المهرة)، في تخريج زوائدها على الكتب الستة، وتسمى هذه الرواية بـ (المسند الكبير).

والثانية: رواية قصيرة رواها أبو عمرو بن حمدان، وهذه الرواية هي التي اعتمد عليها الهيثمي في كتابيه: (المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي) و (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).

والرواية القصيرة هي التي وصلت إلينا، وقد أتم تحقيقها الأستاذ حسين أسد في ثلاثة عشر مجلداً، مع ثلاثة مجلدات للفهارس، كما حُقِّقت في عدد من الرسائل العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود.

3 - " الفوائد ": ذكره الأزدي في " تاريخ موصل ", والذهبي في السير (14/178).

4 - " المفاريد ": ذكره الدكتور فؤاد سزكين في تاريخ التراث (1/430).

5 - " الزهد والرقائق ": ذكره الأزدي في " تاريخ الموصل ", والذهبي في السير (14/178).

6 - " حديث محمد بن بشار عن شيوخه ": ذكره عبد الله الجديع في مقدمة تحقيقه لكتاب "المفاريد", وأنّ منه نسخة خطيّة في الظاهرية يعمل على تحقيقها.

وفاته:

قال الذهبي: عاش أبو يعلى إلى أثناء سنة سبع وثلاث مئة، فقده أبو الحسين بن المنادي في رابع عشر جمادى الأولى.

قال الذهبي: قلت: وانتهى إليه علو الإسناد، وازدحم عليه أصحاب الحديث، وعاش سبعاً وتسعين سنة.ومات معه في سنة سبع عدّة من الكبار: كالحافظ...))اهـ.

قال يزيد بن محمد الأزدي: كان أبو يعلى من أهل الصدق والأمانة والدين والحلم؛ غلّقت أكثر الأسواق يوم موته, وحضر جنازته من الخلق أمر عظيم.

حياة الرسل (تابع) داود سليمان عليهما السلام



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



داودعليه السلام

سليمان بن داود عليهما السلام




(17)

"داود عليه السلام"

هو من الرسل الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل، وقد آتاه الله الملك والنبوة، وهو من سِبط يهوذا بن يعقوب، وقد ذكره الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، وقال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55].


*نسب داود عليه السلام:

أثبت أهل التوراة وأهل الإِنجيل نسبه على الوجه التالي:

هو داود بن يسى "إيشا" بن عَوْبيد بن بوعز "أفصان" بن سلمون بن نحشون بن عِمّيناداب بن إرَام، بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب "إسرائيل" عليه السلام.


*حياة داود عليه السلام في فقرات:

)أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة داود عليه السلام ما يلي:

أولاً- مقدمة عن حال بني إسرائيل منذ وفاة موسى عليه السلام حتى قيام ملك داود عليه السلام:

1-بعد انقضاء المدّة التي أقامها بنو إسرائيل في التيه -وهي (40) سنة- وبعد وفاة هارون وموسى، تولى أمر بني إسرائيل نبي من أنبيائهم اسمه (يوشع بن نون عليه السلام)، فدخل بهم بلاد فلسطين، وقسم لهم الأرضين. وكان لهم تابوت "صندوق" يسمونه تابوت الميثاق أو "تابوت العهد"، فيه ألواح موسى وعصاه ونحو ذلك، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248].


2-لما توفي يوشع بن نون، تولى أمر بني إسرائيل قضاة منهم، ولذلك سمي الحكم في هذه المدّة: حكم القضاة.

وفي هذه المدة دبّ إلى بني إسرائيل التهاون الديني، فكثرت فيهم المعاصي، وفشا فيهم الفسق، إلى أن ضيعوا الشريعة، ودخلت في صفوفهم الوثنية، فسلَّط الله عليهم الأمم، فكانت قبائلهم عرضة لغزوات الأمم القريبة منهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من مواقعهم مع عدوهم، وكثيراً ما كان خصومهم يخرجونهم من ديارهم وأموالهم وأبنائهم.

3-وفي أواخر هذه المدّة سَلب الفلسطينيون منهم "تابوت العهد"، في حربٍ دارت بين الطرفين، وكان ممّن يدبر أمرهم في أواخر مدّة حكم القضاة نبي من أنبياء بني إسرائيل من سِبط لاوي اسمه: (صمويل = شَمْويل)، يتصل نسبه بهارون عليه السلام.

فطلب بنو إسرائيل من (صمويل) أن يجعل عليهم ملكاً يجتمعون عليه، ويقاتلون في سبيل الله بقيادته، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246].


فسأل شمويل ربه في ذلك، فأوحى الله إليه أن الله قد جعل عليهم ملكاً منهم اسمه (طالوت= شاؤول) من سبط بَنْيامين، وكانت قبيلة بنيامين في ذلك العهد قد أوشكت على الفناء في حرب أهلية وفتن داخلية قامت بين بني إسرائيل، فاستنكروا أن يكون طالوت ملكاً عليهم.

قال الله عزّ وجلّ: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247].


فسألوا عن دليل رباني يدلهم على أن الله ملَّكه عليهم، فقال لهم صمويل:

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَى وَءالُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248].


وأعطاهم صمويل موعداً لمجيء التابوت تحمله الملائكة، فخرجوا لاستقباله فلما وجدوا التابوت قد جيء به حسب الموعد أذعنوا لملك طالوت، فكان أول ملك من ملوك بني إسرائيل.

4-جمع طالوت صفوف بني إسرائيل، وهيأهم لمحاربة عدوهم، وخرج بهم، ثم اصطفى منهم خلاصة للقتال، يقارب عددها عدد المسلمين في غزوة بدر. قالوا: وكان عددهم نحواً من (319) مقاتل، وذلك بطريقة قصها القرآن علينا في قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].


وهؤلاء القلة هم الذين اصطفاهم طالوت للقتال بعد رحلة برية شاقة سار بهم فيها، وقد اشتد فيها ظمأ القوم، وبهذه القلة التي جاوزت النهر واجه طالوت الأعداء.

5-لقي طالوت خصومه الوثنيين الفلسطينيين، وكان رئيسهم جالوت (جليات عند العبرانيين) قوياً شجاعاً فرهبه بنو إسرائيل.

وهنا دخل في صفوف بني إسرائيل المقاتلين فتى صغير من سِبط يهوذا كان يرعى الغنم لأبيه "اسمه داود"، ولم يكن في الحسبان أن يدخل مثله في المقاتلين، ولكن أباه أرسله إلى إخوته الثلاثة الذين هم مع جيش طالوت ليأتيه بأخبارهم.

قالوا: فرأى داود جالوت وهو يطلب المبارزة معتداً بقوته وباسه، والمقاتلون من بني إسرائيل قد رهبوه وخافوا من لقائه.

فسأل داود -وهو الفتى الصغير- عما يصير لقاتل هذا الرجل الجبار شديد البأس، فأُجيب بأن الملك "طالوت" يغنيه ويزوِّجه ابنته، ويجعل بيت أبيه حراً في إسرائيل.

فذهب داود إلى الملك طالوت وطلب منه الإِذن بمبارزة جالوت، فضنَّ به طالوت وحذره.

فقال له داود: إني قتلت أسداً أخذ شاة من غنم أبي، وكان معه دبّ فقتلته أيضاً، فألبسه طالوت لامَة الحرب وعدة القتال، فلم يستطع داود أن يسير بها لعدم خبرته السابقة بذلك، فخلعها وتقدم بعصاه ومقلاعه وخمسة أحجار صلبة انتخبها من الوادي.

وأقبل داود على جالوت وجرت بينهما مكالمةٌ عن بعد، وأظهر جالوت احتقار الفتى وازدراءه، والعفة عن مبارزته لصغر سنِّه، لكن داود أخذ مقلاعه -وكان ماهراً به- وزوَّده بحجرٍ من أحجاره، ورمى به فثبت الحجر في جبهة جالوت الجبار فطرحه أرضاً، ثم أقبل إليه وأخذ سيفه وفصل به رأسه، وتمت الهزيمة لجنود جالوت بإذن الله!

قال الله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].


ووفَّى طالوت لداود بالوعد، فزوجه ابنته (ميكال) وأغناه.

6-ومنذ ذلك التاريخ لمع اسم (داود) في جماهير بني إسرائيل، ثم توالت الانتصارات لبني إسرائيل على يد داود، وخاف طالوت على ملكه منه فلاحقه ولاحق أنصاره وعَزَمَ على التخلص منه بالقتل، إلاَّ أن الله سلَّم داود منه، ولم يكن من داود لطالوت إلاَّ الوفاء والطاعة وحسن العهد، وقد تهيأت له الفرصة عدة مرات أن يقتله فلم يفعل ولو شاء لانتزع منه الملك.

7-ولما لم يجد داود سبيلاً لإِصلاح نفس طالوت عليه، اعتزل عنه بعد عدة محاولات وفاء قام بها نحوه، فلم يخفف ذلك من حسده وقلقه وآلامه.

ومن ثَمّ بدأت الهزائم تلاحق طالوت في حروبه مع أعداء بني إسرائيل، حتى قُتل هو وثلاثة من بنيه، وهُزم رجاله. قالوا: وقد ندم طالوت على ما كان منه وتاب.

وكان نبيهم صمويل قد تغير على طالوت وهجره لما بدر منه نحو داود، وقد أُخبر داود أن المُلكَ صائر إليه بعد موت طالوت.

ثانياً- داود في الملك:

8-علم داود بمقتل طالوت، فصعد إلى حبرون (مدينة الخليل)، فجاء رؤساء سبط يهوذا وبايعوه بالملك.

أما بقية أسباط بني إسرائيل فقد دانوا بالطاعة لولد من أولاد طالوت اسمه: (إيشبوشت).

ثم قامت حروب بين جنود داود وجنود إيشبوشت، انتهت بمقتل ابن طالوت بعد سنتين أو ثلاث، واستتب لداود الملك العام على بني إسرائيل، وكان عمره (30) سنة.

9-اتسعت مملكة بني إسرائيل على يد داود عليه السلام، وآتاه الله مع الملك النبوة، وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل يحكم بالتوراة، كما أنزل عليه (الزبور) - أحد الكتب السماوية الأربعة الكبار - وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.

10-قالوا: وقد دام ملكه (40) سنة ثم توفي عليه السلام، ودفن في "بيت لحم" بعد أن أوصى بالملك لابنه سليمان، فيكون عمره على هذا حين قبض عليه السلام (70) سنة. والله أعلم.

)ب) وقد تعرض القرآن الكريم في عدة سور لحياة داود عليه السلام،بشكل تناول أهم النقاط البارزة في حياته، مما يتصل ببدء ظهور اسمه في بني إسرائيل، وملكه ونبوته، وبعض صفاته ونعم الله عليه، وأبرز ما جاء فيه النقاط التالية:

1-إثبات نبوته ورسالته، وأن الله أوحى إليه وأنزل عليه الزبور، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وعلمه مما يشاء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحق.

2-إثبات أنه قتل جالوت في المعركة التي قامت بين بني إسرائيل وعدوهم بقيادة طالوت.

3-إثبات أن الله أنعم عليه بنعم كثيرة منها:

)أ) أن الله آتاه الملك وشدّه له، وجعله خليفة في الأرض، وأعطاه قوةً في حكمه.

(ب) أن الله سخر الجبال والطير يسبحن معه في العشي والإِبكار.

"فقد آتاه الله صوتاً حسناً، وقدرة على الإِنشاد البديع، فهو يصدح بصوته بتسبيح الله وتحميده، ويتغنى فيه بكلام الله في الزبور في العشي والإِبكار، فترجّع الجبال معه التسبيح والتحميد، وتجتمع عليه الطير فترجع معه تسبيحاً وترنماً وغناءً.

)جـ) أن الله آتاه علم منطق الطير، كما آتى ولده سليمان من بعده مثل ذلك.

)د) أن الله ألان له الحديد، "فهو يتصرف بَطيّه وتقطيعه ونسجه، كما يتصرف أحدنا بالأشياء اللينة بطبعها.

)هـ) أن الله علَّمه صناعة دروع الحرب المنسوجة من زرد الحديد.

قالوا: وكانت هذه الصناعة غير معروفة قبل داود عليه السلام.

4-عرض قصة استفتاء فقهي وُجِّه إليه، فأفتى فيه بوجه، وكان ابنه سليمان فتىً صغيراً حاضراً مجلس الاستفتاء فأفتى بوجه آخر، وكان ما أفتى به سليمان أضمن للحق وأقرب للصواب.

وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 78-79].


نفشت:أي رعت ليلاً بلا راعٍ.

قال المفسرون: إن زرعاً دخلت فيه ليلاً غنم لغير أهله، فأكلته وأفسدته، فجاء المتحاكمون إلى داود - وعنده سليمان -، فحكم داود بالغنم لصاحب الحرث عوضاً عن حرثه الذي أتلفته الغَنم ليلاً. فقال سليمان - وهو ابن إحدى عشرة سنة -: غير هذا أرفق، فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث لينتفعوا بألبانها وأولادها وأشعارها، وبدفع الحرث إلى أهل الغنم ليقوموا بإصلاحه حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادّان.

5-عرض قصة الخصمين اللذين تسوّرا على داود، ودخلا عليه المحراب في وقت عبادته الخاصة التي يخلو بها ولا يسمح لأحد أن يدخل عليه فيها، ففزع داود منهما، لأنهما لم يستأذنا بالدخول عليه، ولم يدخلا محرابه من بابه، فقالا له:

{لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ}[ص: 22]أي: لا تَجُرْ في الحكم - {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}.

فأصغى لهما داود، فقال أحد الخصمين:

{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} - أي: ملكنيها- {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23] أي: غلبني في المخاصمة بنفوذٍ أو بقوة.

وسكت الآخر سكوت إقرار.

فقال داود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}[ص: 24].

وانصرف المتسوران دون أن يعلِّقا بشيء على ما أفتى به داود.

فرجع داود إلى نفسه، فعرف أن الله أرسل إليه هؤلاء القوم بهذا الاستفتاء ابتلاء، وذلك لينبهه على أمر ما كان يليق به أن يصدر منه بحسب مقامه، فوبخ نفسه: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} تائباً من ذنبه، خائفاً من ربه.


وتطبيقاً لمبدأ عصمة الرسل عليهم السلام، فإن ما فُتِنَ به داود ونبِّه عليه عن طريق الخصمين المستفتيين ينبغي أن لا يكون معصية ثابتة، وإنما هو من المباحات العامة التي لا تليق بمقام الرسل المصطفين عليهم السلام.

هذا إذا كانت الحادثة بعد النبوة، أما إذا كانت قبل النبوة فينبغي أن لا تكون من الكبائر، إذ الكبائر لا تليق بآحاد المؤمنين، فضلاً عن الذين يهيؤون للرسالة. والله أعلم.

وذكر فريق من المفسرين أنّ فتنة داود عليه السلام كانت لأنه حكم بمجرّد سماع الدعوى، دون أن يسأل البيِّنة، أو يسمع كلام المدَّعى عليه، ولذلك قال الله له بعد ذلك كما جاء: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].


(18)

"سليمان بن داود عليهما السلام"

هو من الرسل الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل بعد أبيه داود عليهما السلام، وقد انفردا من بين الرسل بأن الله آتاهما الملك والنبوة. وقد ذكر الله سليمان في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، فقال تعالى في سورة النساء: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا...} [النساء: 163].


*حياة سليمان عليه السلام في فقرات:

)أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة سليمان عليه السلام ما يلي:

1-أوصى داود عليه السلام بالملك لولده سليمان، ولما مات داود ورثه سليمان في الملك، وكان عمره حينئذٍ اثنتي عشرة سنة، وكان سليمان - على حداثة سنه - ممن آتاهم الله الحكمة والفطانة وحسن السياسة.

2-اتسع ملك سليمان، وغالَبَ الأمم من حوله، حتى ضرب الجزية على جميع ملوك الشام، ثم امتد ملكه حتى كان له نفوذ على ملوك اليمن، وخضعت له ملكة سبأ، فآمنت به ودخلت في دينه وطاعته.

3-قام بعمارة بيت المقدس - تنفيذاً لوصية أبيه داود عليه السلام - بعد أربع سنين من توليه الملك، وأنفق في ذلك أموالاً كثيرة، وانتهى من عمرانه بعد سبع سنين، وأقام السور حول أورشليم (مدينة القدس).

ثم بنى الهيكل (القصر الملكي)، قالوا: وقد أتم بناءه في مدة ثلاث عشرة سنة، وأنشأ مذبح القربان، وكان له اهتمام عظيم بالإِصلاح والعمران، وكان له أسطول بحري، قالوا: وكانت السفن تجلب له من الهند الذهب والفضة والبضائع، والفيلة والقرود والطواويس، وكان له عناية فائقة بالخيل، يروضها ويعدها للحرب، وكانت له مجموعة كبيرة من النساء الحرائر والسراري.

قالوا: وقد قام بأعمال تجارية واسعة في البر والبحر، وأدخل نظام الضرائب والسُّخرة، حتى أصبحت عظمة حكمه مضرب الأمثال.

4-وأورد المؤرخون أن سليمان عليه السلام حجَّ إلى بيت الله الحرام بمكة، في ركبٍ مَلَكيٍ كبيرٍ وفّى فيه نذره، وقدم في حجته ذبائح وقرابين كثيرةً، وأنه بعد حجه عليه السلام سافر بركبه إلى اليمن، ودخل أرض صنعاء. والله أعلم.

5-ولبث في الملك (40) سنة ثم توفي عليه السلام، وقد بلغ عمره (52) سنة.

)ب) وقد تعرض القرآن الكريم في عدة سور لحياة سليمان عليه السلام،بشكل تناول أهم النقاط البارزة في حياته، مما يتصل بنبوته وملكه، وبعض صفاته ونعم الله عليه، وذكر منها ما لم يتعرض له أهل التاريخ، وأبرز ما جاء في الكتاب العزيز مما يتصل به عليه السلام النقاط التالية:

1-إثبات نبوته ورسالته، وأن الله أوحى إليه كما أوحى إلى سائر الرسل، وأن الله آتاه علماً، وفضله وأباه على عالمي زمانه، كما قال أبوه داود من قبل:{الحمد الله الذي فَضَّلَنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين}.

2-إثبات أنه أوَّاب، ولذلك أثنى الله عليه بقوله :

{وَوهبنا لداود سليمان نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30].


3-إثبات أن الله أنعم عليه بنعم كثيرة منها ما يلي:

)أ) أن الله آتاه الملك ميراثاً من أبيه داود عليه السلام، قال تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16].


(ب) أن الله آتاه علم منطق الطير، كما آتى أباه داود مثل ذلك من قبله.

(جـ) أن الله آتاه الحكمة على حداثة سنه، ويشهد لذلك قصة الاستفتاء الفقهي الذي وُجِّه إلى أبيه داود، فأفتى فيه بوجه، فاستدرك سليمان فأفتى بوجه آخر، وكان ما أفتى به سليمان أضمن للحق وأقرب للصواب، وقد أوردنا هذه القصة فيما سبق عند الكلام على حياة داود عليه السلام.

(د) أن الله سخَّر لسليمان الريح تجري بأمره حيث أراد، غُدُوُّها شهر ورواحها شهر، فإذا أرادها رخاء جرت بأمره رخاء حيث أصاب، وإذا أرادها عاصفةً جرت بأمره عاصفة إلى الأرض التي أراد.

فتسوق له السفن حسب إرادته، وتتجه بأمره إلى الأرض التي يوجهها إليها حسب المصالح التي يقدرها.

وهذا التسخير من المعجزات التي اختص الله بها سليمان عليه السلام.

(هـ) أن الله سخر له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمر الله يذقه من عذاب السعير، يعملون له ما يشاء من محاريب، وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات. كما سخر له من الشياطين - وهم مَرَدَة الجن - من يغوصون له في البحار، لاستخراج ما يريد منها، ومن يبنون له المباني الضخمة، كما سلطه الله على آخرين من الشياطين إذ يكف شرهم عن الناس، وذلك بتقييدهم بالأغلال. قال الله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ}.


مقرّنين في الأصفاد: مقيدين في الأغلال.

)و) أن الله سخر له الجنود من الجن والإِنس والطير، يجتمعون بأمره ويطيعونه. قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}.


يوزعون:يؤمرون فيطيعون، ويمنعون فيمتنعون.

(ز) أن الله أسال له عين القِطر - وهو النحاس - فكان النحاس يتدفق له مذاباً من عين خاصةٍ كتدفق الماء، ولعل ذلك كان في أرض بركانية.

4-ومن الأحداث التي جرت لسليمان عليه السلام، قصته مع ملكة سبأ، قالوا: واسمها بلقيس. والله أعلم.

وخلاصة هذه القصة - مقتبسة مما جاء في الكتاب المجيد في سورة (النمل) - كما يلي:

عرفنا أن الله سخَّر لسليمان الطير يستخدم كلاً منها في مهماته، ضمن حدود القدرات التي وهبها الله ذلك الصنف من الطير، وكان قد اختصه الله بفهم منطقها، وكيفية خطابها وإفهامها أوامره ونواهيه، وتلك معجزة خاصة من الله لسليمان.

وكان من الطير المسخرة له (الهدهد)، إلاَّ أن هذا الهدهد قد وهبه الله امتيازاً إدراكياً خاصاً، يستطيعأن يدرك به بعض ما يدركه الناس.

وذات مرة تفقّد سليمان جنوده من الطير، فلم يجد بينها طائر الهدهد.

قال سليمان: {مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل: 20-21].

ثم أقبل الهدهد، وحضر بين يدي سليمان عليه السلام، وسمع تأنيبه على غيابه، وتوعُّدَه له إلاَّ أن يأتي بسلطانٍ مبين يبرر غيابه.

فقال الهدهد لسليمان: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22].

فسأله سليمان: ما هو هذا النبأ اليقين؟

فأجاب الهدهد: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 23-26].

قال سليمان: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 27-28].

حمل الهدهد كتاب سليمان، وطار به حتى وصل إلى ملكة سبأ، فألقاه إليها، ففضته وقرأته.

ثم قالت لوزرائها ومستشاريها: {يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29]، فاسمعوا محتواه: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 30-31].

ولما قرأت عليهم الكتاب قالت لهم: {يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي} [النمل: 32].

قال ملَؤها ومستشاروها: "نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد"، فإن كنت تريدين الحرب فنحن أهل لها، وقد ذكروا ذلك ليشدوا من قوى مليكتهم، ويشيروا عليها بعدم الاستسلام، ثم قالوا لها: {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33]. معلنين بذلك كمال الطاعة لما تأمر به.

قالت الملكة: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً} - أي: عنوة وعن طريق القتال - {أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 34-35]؟!

فالرأي أن نصانعه أولاً بالهدايا، ونحمِّلها لرجال دهاة منا، ينظرون مدى قوة سليمان، ثم بعد ذلك نقرر ما يجب أن نفعله في ضوء ما يأتينا من معلومات عنه.

حمل رسل ملكة سبأ هداياهم إلى سليمان، فلما وصلوا إليه ووضعوها بين يديه، قال سليمان: {أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36]!!.

وبذلك أعلن لهم أنه ليس بحاجة إلى مال، وإنما هو رسول صاحب دعوة ربانية. ثم قال لرئيس رسل ملكة سبأ:

{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37].

فرجع الرسل، ووصفوا لمليكتهم ما شهدوه عن عظمة ملك سليمان، وقوة بأسه، وأنه لم يقبل هداياها، ولم يرضَ المصانعة، وأنه عازمٌ على ما ذكر في كتابه لها.

فعزمت الملكة على الاستسلام والانقياد، وشدّت رحالها وأحمالها، وسارت بركابها إلى سليمان.

علم سليمان عليه السلام بأن القوم وافدون إليه طائعين منقادين، فقال لوزرائه ومستشاريه، وسائر حاشيته من الإِنس والجن:{ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]؟!

فتسارع جنود سليمان وأنصاره لتلبية الطلب.

قال عفريت من الجن: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39].

وكان لسليمان مجلس ملكي يجلس فيه للاستشارة والقضاء، وتصريف مهام الملك.

قال الذي عنده علم من الكتاب: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}.

وإذا بعرش ملكة سبأ حاضر بين يدي سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه.

فلما رآه مستقراً عنده قال:{ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].

وأعدّ سليمان لها صرحاً خاصاً قبل أن تصل إليه، وجعل أرضه ممردة من زجاج متلامع، مهيأ بشكل يخَاله الناظر لُجّةً.

وأراد عليه السلام أن يغير بعض معالم عرش ملكة سبأ، وينكِّره لها، ليمتحن قوة ملاحظتها وانتباهها إذا جاءت وشهدت مظاهر عظمة هذا الملك المؤيد بالخوارق والعجائب، ودهشت بها، ولذلك: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ}.

{فَلَمَّا جَاءَتْ}فوجئت بأول امتحان، فعرض عليها عرشها و "قيل: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ}؟! فنظرت إليه - وكانت صاحبة فطنة وذكاء - وتأملته ثم "قالت: كأنه هو" وهي قولة فَطِنٍ حَذِر.

وكأنها أدركت السرَّ، وأنه عرشها حقاً نقل من اليمن إلى مركز ملك سليمان، ونُكِّر لها لامتحانها واختبار قوة ملاحظتها، فقالت: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}.

وأعلنت بذلك أن الذي جاء بها إلى سليمان - من بلادها - مسلمة طائعة، ما كان قد حصل لديها من العلم بما عند سليمان من قوى خارقة وملك عظيم، وأنه مؤيد بما لم يؤيَّد به ملك آخر.

إنها امرأة ذات عقل راجح، وفطنة عالية، ولديها استعداد سريع لإِدراك الحقيقة والإِيمان بالله العلي القدير، إلا أن وجودها في بيئة كافرة - اعتادت أن تعبد من دون الله - هو الذي كان قد صدّها عن إدراك الحقيقة والإِيمان بها: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ}.

ثم دُعيت إلى دخول الصرح الذي أعدَّ لها:

"قيل لها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا}.

قال سليمان لها: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ}.

وهنا أدركت أن ذكاءها البالغ قد خانها في هذه اللحظة، إذ امتحنت بأمر لم يسبق لها فيه ملاحظة أن تجربة، فأعلنت إيمانها مع سليمان لله رب العالمين.

"قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44].

5-ومن الأحداث التي جرت لسليمان عليه السلام مروره على وادي النمل، وذلك ما تضمنه قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 17-19].


فهذه القصة تتضمن أن الله خلق في هذه النملة قوة إدراك أدركت به مرور سليمان وجنوده في الوادي، فأمرت سائر النمل بدخول مساكنهم خشية أن يحطمهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، إذ لا غرض لهم بتحطيمهم، إنما هم قوم يجتازون في طريقهم، وكان ذلك هبة خاصة اختص الله بها وادي النمل هذا من دون سائر النمل.

وسمع سليمان قول النمل بما آتاه الله من معجزات، فتبسّم ضاحكاً من قولها، وتأمل في ما آتاه من نعمة الرسالة، ونعمة الملك، ونعمة اختصاصه بكثير من المعجزات، فدعا الله أن يُوزِعه - يلهمه - أن يشكر نعمته التي أنعم بها عليه وعلى والديه، وأن يعمل عملاً صالحاً يرضاه، وأن يدخله برحمته في عباده الصالحين.

6-وقد تعرض القرآن الكريم لحادثةٍ جرت لسليمان عليه السلام، تتصل باهتمامه بإعداد خيول الجهاد في سبيل الله وإشرافه عليها، لأن الخيول كانت من أعظم وسائل القتال قبل وجود هذه الآليات الحربية الحديثة.

وخلاصة هذه الحادثة: أنه عليه السلام كان قد أمر بإعداد مجموعة كبيرة من خيول الجهاد، ثم أراد أن يشاهد ما بلغت إليه هذه الخيول وفرسانها من قوة وترويض، فعقد لذلك مشهداً في عشية يوم من الأيام، فعرضت عليه مجموعة الخيول بكامل عدتها الحربية، فسره مرآها، وأعجبته كثرتها وقوتها. ورأى جنود سليمان وخاصته إعجابه بهذه الخيول وحبه لها، وإقباله على اقتنائها ورياضتها، فقال مبيناً سرّ ذلك: "إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي"، أي: إنني ما أحببت هذه الخيول تلبية لشهوة من شهوات النفس، ولا تحقيقاً لغرض من أغراض الدنيا، وإما أحببتها ابتغاء تقوية دين الله، ونشر الحق والخير. وإذا كان أناس يحبون أشياء من مظاهر الدنيا حب الشر، ورغبة في تلبية المطالب الدنيئة للأَنفس، فإني أحببت حب الخير، ورغبة بتحقيق طاعة الله تعالى. ثم إن هذا الحب ليس أثراً صادراً عن النفس التي تدفع كثيراً من ذوي السلطان إلى الظلم والعدوان، وبسط النفوذ على الشعوب لأغراض دنيوية، ولكنه أثر صادر عن ذكر الله تعالى، وذكر الله يدفع المؤمن إلى السعي في طاعته، والعمل ابتغاء مرضاته، وإن من طاعة الله تعالى الإِعداد للجهاد في سبيل نشر دينه.

ثم أمر عليه السلام بإجرائها فانطلق بها فرسانها من الجهة التي هو فيها، وتابعها النظر "حتى توارت بالحجاب" أي غابت عن بصره، ثم قال: "ردوها علي"، فلما وصلت إليه، وسرّه منظر صلفها وقوتها، وأعجبه ترويضها، أقبل عليها وطفق في تواضع كريم يمسح بيده سوقها وأعناقها تكريماً لها.

وإلى هذه الحادثة أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ* فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 30-33].


7-وقد تعرض القرآن الكريم لقصّة فتنة سليمان، وإلقاء الجسد على كرسيه، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 34-35].


ولم يثبت بخبرٍ صحيح الأمر الذي فتن الله به سليمان، ولا المراد من قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}. وقد ذكر المفسرون عدة وجوه يحتملها النص، ولكن لا سبيل إلى الجزم بواحد منها، ولأهل الحشو حول ذلك قصص لا أصل لها! وعليه فنحن نفوض الأمر إلى الله تعالى حتى يأتينا ما يكشف لنا المراد بوضوح.

وقد استأنس بعض المفسرين في شرح المراد من هذه الآية بما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن سليمان قال:

لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون.

قالوا: فلعل المراد من فتنة سليمان ابتلاؤه بما آتاه الله من ملك عظيم، ونساء كثيرات حرائر وإماء، وتمنيه أن يكون له من صلبه أولاد كثيرون يقاتلون في سبيل الله، ويوطدون دعائم الدولة الربانية، ونسيانه تعليق ذلك على مشيئة الله تعالى، وذلك إذ أخذ على نفسه أن يطوف في ليلة واحدة على عدد كبير من نسائه، تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، وتجاوز بذلك حدود بشريته، ونسي أن يفوض تحقيق الأمر إلى مشيئة الله تعالى، فجوزي على هذا بأن النساء اللواتي طاف عليهن لم يحملن منه إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. قالوا: فلعل هذا الشق هو المراد من قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}، فلما رأى سليمان ذلك رجع إلى ربه وأناب، وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}. وبذلك فوض أمر توطيد الملك - الذي لا ينبغي لأحد من بعده - في مملكته الربانية إلى الله تعالى، لا إلى المجاهدين في سبيل الله من أولاده.

8-وقد تعرض القرآن المجيد أيضاً لقصّة موت سليمان عليه السلام، وبعض الملابسات التي رافقت ذلك، فقال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14].


المنسأة: العصا.

فهذا النص القرآني يدلّ على أن سليمان عليه السلام قضى الله عليه الموت فمات، وبقي أمر موته مجهولاً، وأنه كان قبل موته متكئاً على عصاه، فلما مات بقيت العصا هي الحافظة لتوازن جسمه من أن يخرّ.

لبث هكذا حتى جاءت دابة الأرض - قالوا: وهي الأرضة - فأخذت تأكل عصاه، إلى أن ضعفت العصا بتأثير الأرضة عن حمل جثة سليمان، فانكسرت فخرّ جسمه على الأرض، عند ذلك علموا موته، وأقبلوا عليه ودفنوه، وظهر لهم بعد البحث أن الموت قد حصل من زمن غير قصير. ولما رأت الجن - المسخرون لسليمان بالأعمال الشاقة من كل بناء وغواص - ذلك تبينوا أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين هذه المدة الواقعة ما بين موته وعلمهم به!!

والذي يظهر: أن سليمان عليه السلام كان إذا دخل محرابه وخلا لنفسه، واعتكف لعبادة ربه، لم يستطع أحد أن يدخل عليه - سواء كان من أهله أو من غير أهله، وسواء كان من الإِنس أو من الجن - حتى يأذن له. وذلك بما وهبه الله من هيبة وسلطان في الملك، وما يعلمون عنه من معجزات وخوارق عادات، وقوى نافذة يستطيع أن يسخر بها الجن والطير، والريح الرخاء والريح العاصفة، وبخاصة بعد أن استقر ملكه، وتمرس به نوَّابه، وكبرت سنه، وصار ميّالاً للخلوات، يعبد فيها ربه، ويتجرد فيها من كل علائق الدنيا. وأما طعامه وشرابه وحاجاته فإنهم يعلمون أن ذلك أيسر ما في الأمر عليه، فلا يضعونها في حسابهم، بل يفوضون له الأمر، حتى يأمر بشيء منها.

وبهذا التحليل تُدفع طائفة الإِشكالات التي قد تخطر على البال حول كيفية بقائه مدة من الزمن ميتاً، وهو ملك البلاد دون أن يعلم بذلك أهله وخاصته، والجن والشياطين المسخرون للعمل بأمره. والله أعلم.

زياد علي

زياد علي محمد