الثلاثاء، 3 سبتمبر 2019

الفقيه محمد ضياء الدين الدكالي العوني المغربي حفظه الله

هو الفقيه الأصولي الزاهد المدرس محمد ـ بفتح الميم الأولى ـ ضياء الدين ،بن محمد ـ بضم الميم الأولى ـ بن عبد القادر ، بن موسى ، بن علي ، بن رحال الدكالي العوني.
حفظ القرآن ببلدته دكالة بقرائتي الإمامين :نافع وابن كثير رحمهما الله ،ثم توجه لطلب العلم ،فاخذ عن علامة دكالة ، وحامل لواء العلم بها : الشريف البحياوي الفقيه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله الزواوي الشخاشخي الملقب بالفقيه سي الحاج ، مبادئ علوم العربية من نحو وتصريف وبلا غة وعروض والحديث والفقه والمنطق والأصلين (أصول الدين وأصول الفقه) ، والمصطلح والفرائض والحساب وغير ذلك من المواد التي كانت تدرس بدكالة . وقد لازمه كثيرا على ما يقرب ثلاثة عشر سنة على حسب ما حكى لي بعض الطلبة الذين درسوا مع الشيخ .
ثم انتقل الى سوس ،فأخذ بمدرسة "اداومنو" بهشتوكة قرب "اولاد تايمة" عن الشيخ العلامة الحاج عبد الله الصوابي شيئا من اصول الفقه.
ثم ذهب الى قرية "اكلي " شرق مدينة "تارودانت" فأخذ عن العلامة الأديب الحاج محمد\ الغالي الدداسي الأصول نوالأدب ن والعروض والسيرة والحد\يث وغير ذلك من المواد التي كان يدرسها الشيخ حفظه الله .
ثم رحل الى مدينة طنجة ، فأخذ عن العلامة الفقيه المحدث الشيخ عبد الله التليدي التفسير والحديث والتوحيد والمصطلح والصول والسيرة والفقه ،واخذ عن الصولي الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري التفسير والحديث ، وحضر دروس الأديب المعقولي الشيخ الحسن بن الصديق الغماري التي كان يلقيها بالمسجد العتيق ، ودروس اخيه العلامة المحدث الشيخ عبد العزيز بن الصديق ، رحمهما الله جميعا، ودروس العلامة الشيخ محمد البقالي ، وغيرهم من اعلام عروس الشمال .
ثم استقر اخيرا بمدينة "قصبة تادلا "، وألقى بها عصا التسيار ن فانتصب للإمامة والخطابة والإقراء ن وقد كتب مجموعة من الرسائل ، بعضها كمل ن وبعضها لم يكمل بعد ، منها:
ـ رسالة في المنطق سماها : "رفع الإشكال عن وضع الأشكال ".وأخرى في المنطق سماها :" التحقيق في احكام التصور والتصديق".
ـ رسالة في أصول الفقه سماها : " الإشراف على طرق الدلالات لدى الأحناف". وله أيضا أخرى في أصول الفقه سماها :"إظهار الملاءمة في استدلا ل النظار بالملازمة ". وله في الأصول كذلك :" المصلحة المرسلة وما يكتنفها من القواعد الفقهية والأصولية ".
ـ رسالة في المناظرة سماها : " زبدة الأقوال في شرح دربة الأطفال ". اه

قلت ( طارق الدكالي):
و الشيخ حاليا يدرس في مدينة التادلة في المغرب حفظه الله...

حوار مع الداعية البريطاني عبدالله الأندلسي

حوار مع الداعية البريطاني عبدالله الأندلسي


لطالما كان الإسلام منارة الحق والنور للباحثين عن الحقيقة والهدى، يجدون ما يصبون إليه

من راحة الروح وسلامة الفطرة، فإذا ما اتخذوه منهجاً وحياةً عملوا على نشر خيره وانطلقوا دعاة

في مشارق الأرض ومغاربها....

 ضيفنا هو الداعية المهتدي: عبدالله الأندلسي (فيليب سانتوس سابقاً):

• هو داعية بريطاني وناشط إسلامي عالمي من جذور برتغالية.

• اعتنق الإسلام وهو في سن الرابعة عشرة بعد أن تعرف عليه وهو في العاشرة من عمره.

• تفرغ الداعية الأندلسي لدراسة الإسلام في العمق من لحظة اعتناقه له ولم ينقطع يوماً عن تحصيل علومه،

 وهو يتمتع بخبرة معتبرة بالعمل مع المجتمع المسلم داخل بريطانيا وخارجها، ولديه أبحاث وكتابات

ومحاضرات ومناظرات حول النهضة الإسلامية واللاهوت والفلسفة والعلوم العصرية

والفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا أي علم الإنسان والفلسفة السياسية.

• في العام 2009 شارك الداعية الأندلسي في تأسيس منتدى «مبادرة الحوار الإسلامية»،

 المتخصص بالحوار المفتوح والمناظرات النقدية مع المفكرين والأكاديميين والسياسيين وذوي المشارب المختلفة الأخرى.



 فإلى الحوار:

منبر الداعيات:  ما نمط التربية التي تلقيتها عند أهلك في بُعدها الديني؟

عبدالله الأندلسي : لقد نشأت في عائلة علمانيّة التوجّه، فلم أتلقَّ من والديَّ تربية دينية حقيقية،

 ولم يتجاوز فهمي الديني إلا المعاني العامة لمصطلحات الجنة والنار، والخطيئة والإله والشيطان.

 وكان معظم تحصيلي الديني من مدرستي الأنجليكانية، ومن الكتب والبرامج التلفزيونية التعليمية.

منبر الداعيات:  إلى أيِّ مدى تؤدي القراءة دورها في إزالة الشبهات وإبعاد المرء

 عن سبل الغواية والضلال؟ وكيف نجعل القراءة أساسية في حياة الشباب المسلم؟

عبدالله الأندلسي : كان والداي من الطبقة العاملة، ولم يكن لهما اهتمام كافٍ أو مقدرة على شراء الكتب الجديدة.

 ولكنني كنت أحصل أحياناً على بعض الكتب بأسعار زهيدة وأقرأها، وعلى مرّ السنين، فإن المعلومات

 الوفيرة في هذه الكتب أطلقت العنان لفُضُوليَّتي للتعرف على أشياء كثيرة، وهي عزّزت لدي الرغبة في قراءة المزيد.

إن القراءة مهمة جداً، كونها تتيح لنا الوصول عموماً إلى الكثير من المعلومات الصحيحة، وأحياناً الدقيقة،

 التي تكشف لنا الكثير من المفاهيم الخاطئة التي يؤمن بها سواد البشر. ولكي تجعل طفلك يقبل

 على القراءة ضعه في غرفة مليئة بالكتب، وذلك لإثارة الفضول لديه للتعرف عليها.



منبر الداعيات:

كيف كانت ردّة فعل أهلك وأصدقائك بعد إعلان إسلامك؟ وكيف تعاطيت مع هذا التحدّي؟

وهل كانت لديهم محاولات لثنيك عمّا أقدمت عليه؟

عبدالله الأندلسي : لم يكن لوالديّ أية ردة فعل تذكر لدى تصريحي لهما باعتناقي للإسلام. فأمي كانت تعتقد،

 بسبب صغر سني حينئذ (14 سنة)، أن قناعاتي مؤقتة وسرعان ما ستتغيّر، أما أبي فكان

علمانياً فأقلقه إمكانية تحولي إلى متطرف أو إرهابي. ولكنهما عندما رأياني أصبحت أكثر

صلاحاً واحتراماً بدأا يتقبلانني ويناقشانني للتعرف العملي إلى الإسلام.

منبر الداعيات:  هل عملت على دعوة والدَيْك للإسلام؟ وكيف كان موقفهما؟

عبدالله الأندلسي : حاولت أن أدعو والديّ إلى الإسلام، ولكني وجدت ذلك صعباً، على الرغم من قناعة

والدتي أن عيسى عليه السلام ليس إلهاً. والملفت أن عامة المسيحيين الكاثوليك لا يؤمنون بأن يسوع

عليه السلام هو الله، أو حتى أن الله جزء من عقيدة التثليث. لكنهم في المقابل يعتقدون

أن يسوع هو رجل استثنائي، وأن لقب ابن الله إنما هو مجرد وصف معنوي.

أما أبي فقد كان من الناشطين العلمانيين. وكان يعتقد بعدم تقبّل أي دين له لشدة شعوره بالذنب

من كثرة آثامه السابقة، إضافة إلى خوفه عليّ من التطرف. لكن، والحمد لله، إن أبي وأمي

 أصبحا مسلمين بالاسم وبالصلاة حالياً، وسأسعى إلى اكتمال تحولهما إلى الإسلام.



منبر الداعيات:

ما أبرز ما أثّر فيك في الإسلام؟ ومن له الأثر الأكبر على قرارك المصيري؟

عبدالله الأندلسي : المفهوم الأساسي الذي تأثرت به في الإسلام كان المفهوم المبسّط والمباشر لمعنى الإله،

 واعتبار أن الهدف من حياتنا يدور حوله، وأن الله يهدينا بالقوانين التي يرسلها إلينا عبر الرسل الكرام.

 ولكن مفهوم الحجاب بالإسلام كان بالتأكيد السبب المباشر لاعتناقي للإسلام والمضي قدماً لمعرفة المزيد عنه.

منبر الداعيات:  يتعرض المسلم لفتن كثيرة، تبث شبهاتها وسائل الإعلام... المناهج التربوية...

 أنظمة الحكم الفاسدة...؛ كيف يتعامل المسلمون وشبابهم خاصة مع هذه التحديات؟

يواجه المسلمون تحديات كبيرة لأن التأثيرات الغربية المباشرة في مجتمعهم بدأت منذ أكثر من 100 عام،

 وقد صُمّمت كي تؤثر بطريقة فعّالة على نفسية المتلقي، ولاحقاً تم تعزيزها من قبل

 المجتمع نفسه من خلال تكرار مفرداتها الأيديولوجية في الأماكن العامة.

يجب أن يكون فهم الإسلام سليماً في أذهان المسلمين، وأن يعرفوا لماذا هم مسلمون، وماذا يعني الإسلام،

 ولماذا هو الأمثل بين جميع الأديان؟ وفي الوقت عينه، عليهم أن يشنوا هجوماً سلمياً معاكساً

وعلنياً ضد الفكر أو الثقافة الغربية، وأن ينشروا الثقافة الإسلامية الحقّة لدى الأجيال الصاعدة جنباً

إلى جنب مع العلوم الدنيوية. ويجب علينا مواجهة وسائل الإعلام المروّجة للثقافة الغربية بابتكار

 أفكارنا الإسلامية الخاصة، بأساليب تقنية معاصرة من فيديو وصور وصوتيات وإنترنت بغية توصيل

 رسالة الإسلام للآخرين. وحين نقوم بنقد إحدى المشاكل التي نعاني منها باعتبارنا مسلمين،

علينا توضيح أن الإسلام لديه القدرة على إيجاد الحلول لها، وحينئذ فقط يمكننا قيادة مجتمعاتنا من الظلمات إلى النور.



منبر الداعيات:  من خلال تجربتك (عندما اعتنقت الإسلام) ما هي النصائح والإرشادات التي باستطاعتك

 تقديمها للمهتدين الجُدُد للوقوف والثبات أمام صدّ الأهل - أو البيئة - وسخطهم،

مع العمل على طاعتهم وكسب رضاهم؟ وماذا تقول للأهل أيضاً؟

عبدالله الأندلسي : إن الإسلام يأمر الأبناء بالطاعة لأهاليهم، ما لم يأمروهم بما لا يرضي الله.

 وإن المهتدي الجديد للإسلام سوف يواجهه أهله بعراقيل ومصاعب وعدم تفهّم لفكرة تحوله للإسلام.

 لكن أفضل الطرق لتخطي تلك العقبات هي أن يبرهن لهم أن أخلاقه وسلوكه قد تحسنا عن ذي قبل،

وأن يوصل رسالة الإسلام إليهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبشكل

غير مباشر، وأن يأتيَ الشيء متأخراً لهو أفضل من أن لا يأتي أبداً.

وأنصح أهالي المسلمين الجدد أن يجلسوا مع أبنائهم ويحاوروهم، وذلك باعتماد الحجج

 المنطقية واللاعاطفية بالحوار، بعيداً عن أسلوب التقليد الأعمى لما توارثوه.

وأيضاً أنصحهم بإعطاء فرصة لأبنائهم ليعبروا عن أفكارهم، ولا يدمروا علاقتهم بهم لاختيارهم ما يرضي ضمائرهم.

منبر الداعيات:  ما سرّ سرعة استجابة المسلم الجديد لأوامر الإسلام ونواهيه، ما لا نلمسه

عند بعض المسلمين أنفسهم الذين ولدوا من أبوين مسلمين وتربوا على الإسلام؟

عبدالله الأندلسي : يُقال: «إن من يتعب ويجهد في الحصول على شيء ما سوف يقدّره ويحافظ عليه

 أكثر ممن يحصل عليه مجاناً». إن المهتدى الجديد يفهم الإسلام على أنه هدف وخط سير وأسلوب حياة،

وأما مَن يولد مسلماً فينظر إلى دينه على أنه جزء من حياته وواقعه وهويته وثقافته، لا أسلوب حياة

وخط سير باتجاه هدف، ولذلك يتعين علينا تشجيع هذا الأخير على التعرف إلى الإسلام

الحق واعتناقه مجدداً لكن كهدف للحياة وليس كنكهة خارجية.



منبر الداعيات:  اهتمامكم بما يجري في العالم الإسلامي يبدو جلياً؛ كيف نعمّق اهتمام الشباب بحال الأمة؟

 وكيف نزيد من تفاعلهم ووعيهم بما يجري حولهم وما يحاك لهم وللمسلمين عامّة في الخفاء والعلن؟

عبدالله الأندلسي : بداية الطريق أن يتعلم المسلم التفكير بطريقة صحيحة، ولذا عليه أن يسأل نفسه

حول كل ما يعرف من أمور، وهل يعرفها بالشكل الصحيح؟ لماذا تحدث الأشياء؟

 وما أسباب حدوثها؟ ولماذا يختلف بعضها عن البعض الآخر؟

بهذا النهج، يتأصّل الإسلام في نفوس المسلمين. فإن كان أحدنا لا يملك القدرة على الفهم السايكولوجي

والفكري - وليس الروحاني الغامض- لمعاني الإيمان والكفر والتقوى، فكيف يمكنه التبشير ببعضها وانتقاد بعضها الآخر؟

لذا، علينا باعتبارنا مسلمين توسيع نطاق تفكيرنا ودراسة الإسلام جنباً إلى جنب مع غيره من العلوم

(مثل الهندسة، والفيزياء، والبيولوجيا...). عندها فقط نعي الواقع والهدف ونستطيع التغيير.

منبر الداعيات:  برأيك، ماذا يُريد الغرب من الإسلام؟ ولماذا يحاربه بمختلف الوسائل؟

عبدالله الأندلسي : إن الغرب يحارب الإسلام ويخشاه ليس فقط لأنه المنافس الأوحد لحضارته،

 وإنما لأنه دحضٌ حيّ لقيمة أساسية يؤمن بها الغرب، ألا وهي تبجيل الفرد ورفعه فوق أي شيء،

في حين أن الإسلام يرى أن الله تعالى هو الموجود الحقيقي والأوحد، الذي له الملك والحكم،

 وهو على كل شيء قدير. ولذلك نرى حتمية محاربة الغرب لنا.

وفي المقابل يعلم الغرب علم اليقين أنه عاجز عن القضاء على مصادر الإسلام، القرآن والسنة،

أو المسلمين لكثرة عددهم، لذا فهو يهاجمه بشكل غير مباشر، ليعيد صياغة فهم المسلمين للإسلام

على طريقته، فيصبحون فكرياً أسرى الروحانيات الصرفة التي لا يمكن تطبيقها على الساحة السياسية

والاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي ليس لها أي تأثير يذكر على حياة البشر؛ وهذا عن طريق أداتهم البغيضة:

 العلمانية. فكون الإسلام عصيّاً على الارتشاء والمساومات والتسويات في مقابل مكاسب دنيوية مادية،

 وكونه حضارة قائمة وأمة ذات مبادئ وتتمتع بشريعة منظمة لكل أمور الحياة والمجتمعات،

فإنها يوماً ما ستمنع الهيمنة الغربية على العالم والجور الاجتماعي المكرّس في قوانين حكومات الدول العلمانية.



منبر الداعيات:

بماذا تنصح المسلمين في مخاطبتهم للغرب وتعاملهم معه؟

عبدالله الأندلسي : إن معظم الشعوب الغربية لا تدري أنّ حكوماتها تتعمد التشهير أمامهم بالمسلمين والإسلام،

 وتقنعهم بأن المسلمين همجيون وأنهم الأعداء الحقيقيون للإنسانية. وفي الوقت عينه يُفهِمونهم بأن

المسلمين «المعتدلين»، أي العلمانيين منهم والليبراليين والمتهاونين بدينهم، هم الصالحون وصائبو التوجه،

الممكن التعامل معهم. لذا فأفضل وسيلة لتعرفهم على الإسلام هي إصلاح الصورة عنه في أذهانهم وإثبات شموليته وصفائه وتحضّره.

وإنني أشدّد على مبادرة المسلمين إلى إعلام المواطن الغربي بصلاحية الشريعة الإسلامية في إصلاح ما هدمه الغرب.

وتبقى المعضلة الأهم هي حمل شعوب تلك الدول على الولاء الحقيقي للإسلام.

في ختام الحوار نشكر ضيفنا على هذا الحوار القيّم سائلين المولى أن ينفع به ويسدد خطاه.. اللهم آمين

الشيخ عبدالعزيز بن محمد الداود .. معلم الخير

الشيخ عبدالعزيز بن محمد الداود .. معلم الخير


هو الشيخ الخلوق، ذو السمت السمح، بقية السلف الصالح، عبدالعزيز بن محمد بن عبدالرحمن الداود،

 والذي لَبِث في حَقْل التدريس والتربية ما يزيد عن الثلاثين عامًا، ساهم خلالها في تخريج أ

جيال وأجيال من العلماء والدعاة، الذين تأثَّروا بعظيم أخلاقه قبل بَحْر علمِه الواسع، وأثروا الحياة العامة

 بدَوْرهم ثمرة تعليمه إياهم، يصفه الشيخ "عبدالوهاب بن ناصر الطريري" في إحدى حلقات برنامج "سماء الذاكرة"، فيقول:

"دخل علينا ونحن في السنة الرابعة من كلية الشريعة، وقد مرَّت علينا أربعُ سنوات في تلك الكلية،

 مرَّت علينا فيها أساتذة كُثُر، وبالتالي ارتفع معيارُنا في الرضا بالمدرِّس؛ حيث لم يكن أي "مدرس" يملأ عيوننا،

لم يعد أي شيخ "يقنعنا"، فلما دخل، شعرتُ بشعور عجيب غريب لرؤيته، شدَّني فيه أشياء مؤثِّرة،

لم أزل إلى الآن أجدِّد في نفسي هذا الأثر، دخل الفصل ليس معه من نور البصر إلا بصيص ضئيل

 في إحدى عينيه، ولكنه كان مستنيرَ البصيرة، وأولُ شيء شدَّني حينما دخل هذه السكينةُ النفسية،

 والنفسُ الرَّضِيَّة، والطمأنينة، واللهج بالذكر الذي لا ينقطع، يدخلُ الفصل فيجلس فينتظر الطالَب

الذي يقرأ قائمة أسماء الطلاب ويقيِّد الغائبين، هذه اللحظات التي كانتْ تُقرأ فيها أسماء الطلاب كنتُ أنا أنظر إليه

وأردِّده بصري، كنتُ ألاحظ أنه لا تَفلِتُ منه ثانية واحدة من دون اللهج بذكر الله، من أول ما يجلس يستمر

في اللهج بصوت خفي: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله"، كان - رحمه الله - يسبِّح ويذكر الله بتأله ملحوظ،

لا عادة اعتادها، بشكلٍ يُورِث الناظر إليه خشيةً، عندما رأيتُه تذكَّرت قول النبي - صلى الله عليه وسلم -

في الحديث الذي قال فيه: ((ألا أُخبِرُكم بخيرِ الناسِ؟))، قالوا: بلى يا رسول الله؟

 قال: ((الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله))، وأشهد باللهِ أن رؤيته كانتْ تذكِّرنا بالله"؛ اهـ.



هو الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن عبدالرحمن الداود، ولد في محافظة "حريملاء" في عام 1350هـ،

 في بيت علمٍ وأدب؛ حيث درس جزءًا من القرآن الكريم على يد عمِّه "حمد بن عبدالرحمن بن داود"،

 ثم استكمل دراسة القرآن وإعرابِه على يد الأستاذ "محمد بن عبدالله الحرقان"، وابتدأ الدراسة عنده

 من أول ما يبدأ الطالب المستجد بالهجاء، وبعد أن أنهى الإعراب بكل مراحله، أكمل دراسةَ القرآن

على يديه من حيث توقَّف عند عمه حمد - رحمه الله - إلى أن أتمَّ دراسة القرآن الكريم كاملاً حفظًا وتلاوة،

 ثم بدأ في القراءةِ على الشيخ قاضي حريملاء "عبد الرحمن بن سعد آل حسن"، فقرأ عليه في العقيدة،

والتفسير، والحديث، وغيرها من العلوم، حتى استوفَى الجزء الأساسي من علوم الشريعة على يديه.

طلب الشيخ العلم، فانتقل إلى مدينة الرياض؛ حيث قرأ فيها على بعض المشايخ؛ منهم:

 فضيلة الشيخ "محمد بن إبراهيم آل الشيخ"، والشيخ "عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ"، وفي عام 1371هـ

 فُتحَ المعهد العلمي بالرياض؛ فالتحق الشيخ به إلى أن تخرَّج في كلية الشريعة عام 1378هـ.

ولنبوغ الشيخ العلمي؛ عُيِّن - قبل تخرُّجه في كلية الشريعة - مدرِّسًا في معهد شقراء العلمي،

وذلك في عام 1377هـ؛ حيث درَّس فيه للطلاب لمدَّة عامين، وبعد تخرُّجه في الكلية عام 1379،

عرض عليه سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ: "محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف" - رحمه الله -

أن يعمل قاضيًا في محكمة الرياض الكبرى، وامتنع من ذلك، وأبدى أعذارًا كثيرة، إلا أنها باءتْ بالفشل،

وقال له - رحمه الله -: "لا بدَّ من العمل في المحكمة؛ نظرًا لحاجة المحكمة إليك، والقضاة

عددُهم قليل في ذلك الوقت"، وبعد مُضِي زمن طويل استجاب إلى رغبةِ الشيخ في العمل في المحكمة قاضيًا،

 وذلك في تاريخ 6/ 6/ 1379هـ، وذلك بِناءً على وعدٍ منه - رحمه الله- بنقله من المحكمة متى تيسَّر بديل؛

وذلك لخشية الشيخ الداود الشديدة من عظم مسؤولية القضاء، ولكبير تورُّعه عن المناصب.



ومكَث - حفظه الله- ثلاثَ سنوات وأكثرَ يعملُ في المحكمة مع مراجعةِ سماحة الشيخ - رحمه الله-

 كلما سنحتْ فرصة، ثم طلب نقله بعد ذلك إلى كلية الشريعة بالرياض مؤقتًا،

وذلك في تاريخ 1/ 9/ 1382هـ؛ حيث مكث فيها مدرسًا ما يقرب 29 سنة، درَّس فيها الفقه

والفرائض والمعاملات وغيرها لعديد من أجيال الطلاب، الذين تتلمذوا على يديه،

 وصاروا دعاة وعلماء يشار إليهم بالبنان بعد ذلك.

وقد استكمل الشيخ الداود دراستَه العليا بكلية الشريعة في الفترة ذاتها، وحصل فيها على درجة

الماجستير في الفقه في تاريخ 13/ 7/ 1397هـ، وكان عنوان بحثه "مفسدات الصيام

وأحكام القضاء والكفارة"، بإشراف الدكتور "شحاته محمد شحاته".

ولم يبخل الشيخ بعلمه في مجال إلقاء الدروس بين الناس، فكانت له دروسٌ في مسجد الحي لا يعتذر

 عنها إلا في الملمَّات، وكان يقصد دروسه العديدُ من طلبةِ العلم من أماكنَ شتَّى في الرياض وغيرها،

 وكانتْ دروسُه إما بعد العصر، أو بعد المغرب، أو بعد العشاء حسب ما يناسب كلَّ مجموعة من الطلاب،

 وقد شَمِلتْ دروسُه كتبَ التفسير، والتوحيد، والفقه، والحديث، وكان أسلوب الشيخ في هذه الدروس

 العامة يسيرًا واضحًا، يعتمد على مراعاة مستوى عقول الحاضرين لتلك الدروس، كما كان يُشرِك

الطلاب معه في الشرح والتوضيح؛ حتى يسهل عليهم استيعاب المراد، كما كانتْ له دروس في مكتبه

في الإفتاء لِمَن رَغِب من الطلاب، وخاصة في بداية الدوام وقبل أن يشتد العمل؛ أي: من الساعة الثامنة وحتى التاسعة تقريبًا.

كما كانتْ للشيخ - حفظه الله - دروسٌ في الحرم المكي أثناء موسم الحج، وذلك في أعمال التوعية

الإسلامية بالحج من عام 1403 وحتى عام 1423، وكانتْ دروسه فيه تدور حول العقيدة والأخلاق والعبادات، وخاصة أعمال الحج.



وبعد عمرٍ مديد في التدريس والتربية تَمَّت إحالته إلى التقاعد بعد بلوغه السن النظامي (60) عامًا،

 وقد عَرَض عليه سماحةُ الشيخ: "عبدالعزيز بن باز" - رحمه الله - العملَ في الرئاسة العامة لإدارة

البحوث العلمية والإفتاء كعضو للإفتاء، وبوَرعِ الشيخ المعروفِ وخشيتِه الشديدة توقَّف قليلاً

في إجابة هذا الطلب، وبعد شهرٍ من المشاورة أجابه للعمل في الإفتاء عام 1411هـ؛ حيث استمر

 في الإفتاء ونشر العلم بين الناس، إلى أن طلب إعفاءه؛ نظرًا لظروفه الصحيَّة من سماحة مفتِي

المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وذلك في تاريخ عام 1431هـ، فقَبِل طلبه.

ويصف عبادتَه وخشيتَه مَن عاشره وحاضره بأنه كان - حفظه الله- شديدَ الورع، قليلَ الغفلةِ،

لا يَنِي يذكر الله في جميع وقته، حتى إنه وقت الراحة بين الحصص الدراسية في كلية الشريعة كان

 دومًا يُرَى ممسكًا مصحفه في جانب منعزلٍ، يستكمل وِرْدَه اليومي؛ حيث كان - حفظه الله-

 مُكثِرًا من تلاوة القرآن الكريم؛ إذ إنه كان يختم كل ثلاثة أيام، وفي رمضان كان يختم كل يومين.

ولحبِّه للقرآن وأهلِه؛ عَمِل نائبًا لرئيس مجلس إدارة المدارس الصالحية لتحفيظ

القرآن الكريم بحريملاء منذ تأسيسها 1402هـ وحتى عام 1431هـ.

أما عن أخلاقه، فقد كان - حفظه الله- طلق المُحَيَّا، سهل العشرة، مع طلابه وتلاميذه وقاصديه،

 رغم فارق العمر الكبير في بعض الأحيان بينه وبينهم؛ حيث كان لا يبخل على طالب علمٍ بنصيحةٍ،

 أو جواب سؤاله بصورة محببة طيبة، جعلتْ جميع مَن عاشره يَشهَد له بالفضل؛ حيث اكتسب

حبَّ قلوب الناس عن طريق تلك المعاملة السمحة اللطيفة، وكان شديد الحياء، لا يرد طالبًا أو سائلاً،

 عظيمَ الجُود، ويبذل جهدًا كبيرًا مع عدد من أبناء بلدته حريملاء في أعمالٍ ساهمتْ في تطورها وتقدمها.



يصف الشيخ "عبدالوهاب بن ناصر الطريري" ذكرى تدريسه له؛ فيقول:

"إن الذي تعلَّمتُه من شيخنا (عبدالعزيز الداود) ليس العلمَ؛ وإنما الذي تعلَّمتُه منه ثمرةَ العلم، وهذا

 يذكرني بكلمة الإمام أحمد بن حنبل عندما قيل له: إن معروفًا الكرخيَّ ليس كثير العلم، فقال الإمام أحمد

 كلمة نورانية عجيبة، قال: وهل يراد العلم إلا لحال معروف؟ وهل يتعلَّم الناس العلم إلا ليصيروا

إلى هذه الحال؟ هذا ما تعلمناه من الشيخ عبدالعزيز الداود، هذه المعاني العظيمة".

حفظ الله الشيخ "عبدالعزيز بن محمد الداود"، وأمدَّ الله في عمره، ومتَّعه بالصحة والعافية،

وجزاه خيرَ الجزاء على ما بذله في مجال التربية وتبليغ العلم الشرعي للمسلمين.

عثمان بن عفان إمام من أئمة العمل الخيري الاسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

عثمان بن عفان إمام من أئمة العمل الخيري الاسلامي

الكاتب : الهيثم زعفان

يعد عثمان ابن عفان رضي الله عنه من أكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عطاءً وخيرية، فقد ساهم بماله في بناء الدولة الإسلامية، ولعبت مساهماته أدواراً رئيسية في تجاوز المسلمين لمحن مالية عديدة.
كما عرف عنه سعيه على الأرملة والمسكين وقضاء الدين، وكان سباقاً في تنافس الصحابة لتنفيذ توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم في البذل والعطاء، والمطلع على سيرته رضي الله عنه يجد أروع الأمثلة في فعل الخيرات، ويلمس الإخلاص الحقيقي في الإنفاق، ذلك الإخلاص الذي قُبل ببشريات عديدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان ابن عفان رضي الله عنه خاصة. وسنحاول من خلال هذه المقالة تلمس بعض الجوانب الخيرية في سيرة هذا الخليفة الراشد، لنقتدي بها في حياتنا وفي أسلوب إنفاقنا الخيري، سائلين المولى عز وجل أن نكون من المُبشرين بالقبول والجنة.

ترجمته رضي الله عنه:

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ويلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وهو أمير المؤمنين أبو عبد الله وأبو عمر، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة، وروى أبو خيثمة في فضائل الصحابة من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة قلنا لعلي: حدثنا عن عثمان قال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، وروى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن عن طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان. وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حاصروه انتشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة ومنها مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم عنه تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة، وغير ذلك. وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. وتخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بعثه إلى مكة فأشيع أنهم قتلوه فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال هذه عن عثمان. وقال بن مسعود لما بويع بايعنا خيرنا ولم نأل وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه كان عثمان أوصلنا للرحم، وكذا قالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها لما بلغها قتله، قتلوه وإنه لأوصلهم للرحم وأتقاهم للرب. وقال بن المبارك في الزهد أنبأنا الزبير بن عبد الله أن جدته أخبرته وكانت خادماً لعثمان وقالت كان عثمان لا يوقظ نائماً من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر. وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم. وقال بن إسحاق قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من خلافته فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقتل وهو بن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور ( الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر) .

صور من بعض مساهماته الخيرية رضي الله عنه :

1- بئر رومة

"بئر رومة" عين مائية بيثرب -المدينة المنورة- وقد كانت رومة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء. وعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة. وقد وردت روايات عديدة حول هذا البئر، ففي رواية النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأي هذا الحال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يشتري بئر رومه فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له في الجنة" ( صحيح النسائي، للألباني 2/766 ).
وفي رواية البخاري قال صلى الله عليه وسلم: "من حفر بئر رومة فله الجنة" ( أخرجه البخاري رقم 2778 معلقاً وهو صحيح لشواهده).
كما روي أن عين رومه كانت لرجل من بني غفار، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تبيعها بعين في الجنة" فقال يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: نعم، قال: قد جعلتها للمسلمين. وفي رواية أخرى أن رومه كانت ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها عثمان للغني والفقير وابن السبيل( فتح الباري 5/408 ).

2- توسعة المسجد النبوي

بعد بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال صلى الله عليه وسلم، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صلب ماله( صحيح سنن الترمذي للألباني3/209، رقم 2921 ) بخمسة وعشرين ألف درهم أو بعشرين ألفاً ثم أضيفت للمسجد ( صحيح سنن النسائي 2/766) وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه رضي الله عنه وأرضاه.

3- تجهيز جيش العسرة

أثناء الاستعداد لغزوة تبوك حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على التبرع والبذل، فأعطى كل مسلم على قدر وسعه، كما سارعت النساء بالحلي يقدمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعين به في إعداد الجيش إلا أن التبرعات جميعها لم تكن لتغني أمام متطلبات تجهيز الجيش، فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصفوف الطويلة العريضة من الذين تهيئوا للقتال وقال: من يجهز هؤلاء، ويغفر الله له؟ وما كاد عثمان يسمع نداء الرسول صلى الله عليه وسلم هذا حتى سارع إلى مغفرة من الله ورضوان وهكذا وجدت العسرة الضاغطة "عثمانها المعطاء" ( فتح الباري 7/67 ) وقام رضي الله عنه بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال.
يقول ابن شهاب الزهري قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه ( سنن الترمذي رقم 3700) وعن عبد الرحمن بن سنرة رضي الله عنه قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: ما ضّر ابن عفان ما عمل بعد اليوم يرددها مراراً. ( سنن الترمذي رقم 3702 ).

4- عثمان رضي الله عنه وقحط المطر

عن ابن عباس قال: قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطر والارض لم تُنبت والناس في شدة شديدة فقال أبو بكر انصرفوا واصبروا فإنكم لا تُمسون حتى يُفرج الله الكريم عنكم، قال فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُراً- أو قال طعاماً- فاجتمع الناس إلى باب عثمان فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس فقال: ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط: السماء لا تمطر والارض لا تنبت والناس في شدة شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاماً فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين. فقال عثمان: حباً وكرامة، ادخلوا فاشتروا، فدخل التجار فإذا الطعام موضوع في دار عثمان فقال يا معشر التجار كم تربحونني على شرائي من الشام ؟ قالوا للعشرة اثنا عشر، قال عثمان قد زادوني قال التجار يا أبا عمر ما بقي بالمدينة تجار غيرنا فمن زادك؟ قال: زادني الله – تبارك وتعالى- بكل درهم عشرة أعندكم زيادة ؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين، قال ابن عباس فرأيت من ليلتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو برذون أبلق ( الذي فيه سواد وبياض) عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من نور وبيده قصبة من نور وهو مستعجل. فقلت: يا رسول الله قد اشتَدّ شوقي إليك وإلى كلامك فأين تُبادر؟ قال: يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة وإن الله قد قبلها منه وزوجه عروساً في الجنة وقد دعينا إلى عرسه. ( تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه، د.على محمد الصلابي).

5- عثمان رضي الله عنه وعتق رقبة كل جمعه

كان عثمان رضي الله عنه يعتق كل جمعه رقبة في سبيل الله منذ أسلم فجميع ما اعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريباً. ( تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان). فقد أُثر عنه رضي الله عنه قوله: لقد اختبأتُ عند ربي عشراً: إني لرابع أربعة في الإسلام, وما تعتَّيْتُ ولا تمنيت,ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا مرت بي جمعةٌ منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة, إلا أن لا يكون عندي فأُعتقها بعد ذلك , ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط.

6- عثمان بن عفان رضي الله عنه وإسقاط الدين

روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان له على طلحة بن عبيد الله – وكان من أجود الناس- خمسون ألفاً، فقال له طلحة يوماً:- قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال له عثمان رضي الله عنه: هو لك معونة على مروءتك. (تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان)

7- عثمان بن عفان رضي الله عنه وإطعام الطعام

سن عثمان رضي الله عنه سنة جديدة، حيث كان يضع الطعام في المسجد في رمضان ويقول: هو للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترين ( والمعتر هو: الفقير، المعترض للمعروف بدون سؤال).
كما بلغ عثمان رضي الله عنه أن أبا سمال الأسدي ومعه نفر من أهل الكوفة ينادي مناد لهم إذا قدم الميار (الميارهو جالب الميرة – والميرة: الطعام ) أن من كان من القبائل ليس لقومهم بالكوفة منزل، فمنزله على أبي سمال. فاتخذ عثمان رضي الله عنه بعض الدور كمنازل للضيافة ينزل بها الغرباء ممن ليس لهم منزل ، ومن هذه الدور منزل عبد الله بن مسعود في هذيل، وكان الأضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد. (تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان)
رضي الله عن خليفة المسلمين ورحمه رحمة واسعة، ورزقنا إنفاقه، وجعلنا الله من المقبولين.

ابن عوف - رضي الله عنه

أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::ابن عوف - رضي الله عنه:::
:::الكـاتب : إبراهيم بن صالح العجلان:::
الخطبة الأولى:

معاشر المسلمين:

تحيا القلوب بذِكْر الصالحين، وتتطلَّع النفوس لمعرفة حياتِهم، وتُصغي الآذان لسماع أخبارهم، ولاسيَّما إذا كان أولئك هم أصحابَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذين اصْطفاهم الله لصُحْبة نبيِّه، واختارهم لتبْليغ رسالتِه، نقترب من حياة الأصْحاب الأخيار؛ لعلَّ قلوبنا تلين من قسوتِها، ونفوسنا تستيقظ من غفلتها، نقف مع أخبار القوم، في زمنٍ نُمطَر فيه بوابلٍ من الغزْو الثَّقافي، والمسْخ الأخلاقي، حتَّى ضاعتْ معاني القدوة الحسنة بين شبابِنا وناشِئَتنا ما بين مشرقٍ ومغرب.

نحنُ اليوم مع رجُل من رجالات المدرسة المحمَّدية، رجلٍ أَعجب أهلَ عصْره، جَمع الفضائل كلَّها، نبض قلبُه بالإيمان، فرخص في سبيل رضا ربِّه كل غالٍ ونفيس، كان مثالاً صادقًا للرجل الذي يُعطي ولا يأخذ، ويؤْثِر ولا يستأْثِر، ويَجود ولا يستجدي، أحد السَّابقين الأوَّلين، والعشَرة المبشَّرين، هاجر الهِجْرَتين، وشهِد بدرًا والمشاهد كلَّها بين يدَي النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.

كان شريفَ النفس، عفيفَ اليد، كثيرَ المال، متينَ الحال، تجودُ يدُه بالأعطيات، وعينُه وقلبه بالعَبرات، نحنُ مع الغنيّ الشَّاكر، والتَّاجر النَّاجح، أبي محمَّد عبدالرحمن بن عوْف القرشيِّ - رضي الله عنه -.

إخوة الإيمان:

وُلد ابنُ عوفٍ بعد عام الفيل بعشر سنين، ونشأ نشأةً صافية، وعُرِف بين قومه بسداد رأيه، ورجاحة عقله.

كان لا يَأْبه بأعمال الجاهلية وعاداتِها، فكان ممَّن حرَّمَ الخمر في الجاهليَّة، وقال في ذمِّها:

رَأَيْتُ الخَمْرَ شَارِبُهَا مُعَنًّى *** بِرَجْعِ القَوْلِ أَوْ فَصْلِ الخِطَابِ

باشر الإيمانُ قلبَه منذ أن لاحت تباشير الإسلام في أيَّامه الأولى، أسلَمَ على يد الصِّدِّيق، بعد يومَيْن من إسلام الصدِّيق، فكان بذلك أحدَ الثَّمانية الَّذين لَم يَكُن على وجْه الأرض مسلمٌ غيرُهم.

كان اسمُه في الجاهليَّة: عبد الكعبة، وقيل: عبد عمرو، فسمَّاه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بـ: عبدالرحمن، وكان من مأْثور قوله بعد إسلامه:

أَجَبْتُ مُنَادِي اللَّهِ لَمَّا سَمِعْتُهُ *** يُنَادِي إِلَى الدِّينِ الحَنِيفِ المُكَرَّمِ

فَقُلْتُ لَهُ: بِالبُعْدِ لَبَّيْكَ دَاعِيًا *** إِلَيْكَ مَتَابِي بَلْ إِلَيْكَ تَيَمُّمِي

أَلا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ فِي الأَرْضِ كُلِّهِمْ *** نَبِيٌّ جَلا عَنَّا شُكُوكَ التَّرَجُّمِ

ثم كان ابن عوف بعد ذلك منَ الثُّلَّة المؤمنة الَّذين أوذوا بسبب إسلامهم، فصبروا وصابَروا، وما وهنوا لِمَا أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، وبسَبَب هذا البلاء والإيذاء الَّذي لا يطاق، هاجروا بأمْر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة، ولسانُ حالهم:

وَإِذَا الدِّيَارُ تَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا *** فَدَعِ الدِّيَارَ وَبَادِرِ التَّحْوِيلا

لَيْسَ المَقَامُ عَلَيْكَ فَرْضًا وَاجِبًا *** فِي بَلْدَةٍ تَدَعُ العَزِيزَ ذَلِيلا

عاش ابن عوف في الحبشة ثلاثةَ أشهر، ثمَّ قفَل بعد ذلك إلى مكَّة، ثمَّ هاجر مرَّة أُخرى إلى الحبشة، ثمَّ عاد مرَّةً أخرى إلى مكَّة، ثمَّ أذِن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لصحابتِه بعد ذلك للهجرة إلى المدينة، فكانَ ابنُ عوف فيمَن خرج مهاجرًا في سبيل الله، ونال بذلك وِسام الثَّناء من ربِّه في قوله - تعالى -: (لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8].

دخل ابن عوف المدينة فقيرًا معدمًا، لا دِرْهم له ولا متاع، لا يَمْلك إلاَّ ثيابَه الَّتي عليْه، فآخَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيْنه وبين سعْد بْن الرَّبيع، فقال له سعْد بن الرَّبيع، بِحفاوةٍ إيمانيَّة صادقه، وكرم عربي أصيل: "يا عبدالرحمن، أنا أكثرُ أهل المدينة مالاً، فانظُرْ شطْر مالي فخُذْه، وتَحتي امرأتانِ، فانظُر أيَّتهنَّ أعجب لك حتَّى أُطلِّقَها لك وتتزوَّجها".

فقال له الشَّريف العفيف: "بارك الله لك في أهْلك ومالك، دلُّوني على سوق المدينة".

دخل ابنُ عَوفٍ سوقَ المدينة وعمره ثلاثٌ وأربعون سَنَة، وكان صنَّاع السّوق وسَمَاسِرته من يهود بني قينقاع، فلم يثْنِ عزيمتَه، ولم يفتَّ في همَّته هذا الاحتكارُ اليهودي، بل زاحمَ في السُّوق، واشترى وباع، وربح وادَّخر، وهكذا سارتْ به الأيَّام، وهو يكدح في العمل وطلَب الحلال والعفاف.

رآه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد مدَّة، في هيْئةٍ حسنة، وعليه أثر الطِّيب، فقال: ((ما هذا يا ابنَ عوف؟))، قال: يا رسولَ الله، تزوَّجتُ امرأةً على وزْن نواةٍ من ذهب، قال: ((باركَ الله لك، أَوْلِم ولو بِشاة)).

إخوة الإيمان:

يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((ما فتحَ إنسانٌ على نفسِه بابَ مسألة، إلاَّ فتح الله عليْه باب فقْر))؛ رواه الترمذي وغيره، وصحَّحه ابن حبان.

ومفهوم الحديث - عبادَ الله -: أنَّ العبد إذا عفَّ عن المسألة، واتَّقى ربَّه في طلب الحلال، مع فِعْل الأسباب - أغلقَ اللَّه دونَه أبواب الفَقْر، وهكذا كان ابنُ عوف، بسبَب عفافِ يدِه، وشرف نفْسه، فتح الله عليْه باب الرِّزق، وساعدَه في ذلك حماستُه في التِّجارة، وذكاؤه في استِجْلاب السِّلع، وطريقة تصْريفها.

سأله أحد أصحابه: بِمَ أدركتَ من التِّجارة ما أدْركتَ؟ فقال: "لأنِّي لم أشترِ معيبًا، ولم أُرِد ربحًا كثيرًا، والله يبارك لِمَنْ يشاء".

وبارك الله لابنِ عوف في تِجارتِه، فكان لا يشتري شيئًا إلاَّ ربِح فيه، حتَّى قال عن نفْسِه مُتَعجِّبًا: "لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا، لوجدتُ تَحتَه فضَّة وذهبًا".

وهكذا أصبح الفقيرُ المُعْدم في سنواتٍ معْدودة مِن أثْرياء أهل المدينة، ومن أصحاب الأموال الضَّخْمة والأرْصدة العالية.

عباد الله:

أخبرنا ربُّنا - تعالى -أنَّ المال يفتن العبدَ ويُلهيه، وهو سلاح ذو حدَّين، إمَّا أن يُنجي أو يُردي؛(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل: 5 - 10].

لكنَّ ابنَ عوف كان له شأنٌ وأيُّ شأن مع هذا المال، نعم، لقد عرف ابن عوف كيف يجمع المال، ولكنَّه أيضًا، عرف كيف يُحسن استِخدام هذا المال، لَم يكن - رضي الله عنه - كدَّاسًا للثَّروات، جمَّاعًا للمال، في غير نفع ولا منْفعة، فسبحان مَن خَلَقَ السَّخاء والإنفاق، ثمَّ سلَّمه لابْنِ عوفَ! كان - رضي الله عنه - لا يهنأ إلاَّ بإنفاق المال، سرًّا وجهرًا، في العُسْر واليُسْر، حتَّى ملك القُلوبَ بِماله، فشاطرَه بالانتِفاع في هذا المال أهلُه وأقاربُه، وإخوانُه ومجتمعه، حتَّى قيل: كان أهلُ المدينة عيالاً على عبدالرحمن بن عوف: ثلُثٌ يُقْرِضهم مالَه، وثلُث يقضي دَينهم، ويَصِلُ ثلثًا.

* سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يدْعو النَّاس للصَّدقة، لكي يُجهِّز سريَّة، فذهب إلى بيْتِه مسرعًا ثُمَّ عاد، ونثَر بين يدَي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أربعة آلاف دينار، هي نِصْف مالِه، فدعا له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في ماله.

* قدَّم يومًا لجيوش الإسلام خمسَمائةِ فرسٍ، ومرَّة ألفًا وخمسمائة راحلة.

* باع يومًا أرضًا بأرْبعين ألف درهم، فقسمها في فقراء أقاربه، والمهاجرين وأمَّهات المؤمنين.

* في غزوة تَبُوك، حينما كان الحاجةُ للمال أكثرَ من الرجال، أنفقَ ابنُ عوف إنفاق مَن لا يخْشى الفقر.

* وتصدَّق بصدقةٍ عظيمة، حتَّى قال عمر بن الخطَّاب بعد أن رأى كثرةَ صدقتِه: "إنّي لا أرى عبدالرَّحمن إلاَّ مرتكبًا إثمًا، فما ترك لأهله شيئًا! ".

وغمزه المنافقون ولَمزوه بالرِّياء، مِن كثرة ما جاء به إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل -: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة: 79].

كان دائمًا - رضي الله عنه - ما يتفقَّد أحْوال أمَّهات المؤمنين، ينهض بحوائجهنَّ، ويسعى في أمورهنَّ، ويحج معهنَّ إذا حججْن، أرسل يومًا مالاً وفيرًا لعائشة - رضي الله عنها - فقالتْ: سقى الله ابن عوف من سلْسبيل الجنة، سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا يَحنو عليْكنَّ بعْدي إلاَّ الصَّابرون)) رواه التّرمذي، وصحَّحه ابن حبَّان.

إخوة الإيمان:

ومع هذا المال وتلك الثَّروة، كان ابن عوف - رضي الله عنه - يَحمل بين جنبيْه نفسًا صغيرة مُتواضعة، لا تعرف الكِبْر ولا التَّعالي، حتَّى قيل: لوْ رآه غريبٌ لَم يعْرفه بين عبيده وخدمِه.

لقد كان - رضي الله عنه - مثالاً حقًّا للمؤْمِن الغنيِّ الزَّاهد.

يُطْعَنُ الفارُوق - رضي الله عنه - فيجعل أمْر المسلمين بين ستَّة من الصَّحابة، والَّذين توفِّي رسولُ الله وهو عنهم راضٍ، وكان منهم عبدالرحمن بن عوف، فتنازَل - رضي الله عنه - عن المنصب وزَهَد في الخلافة، ورضي أن تُجعَل في الخمسة الباقين.

كان - رضي الله عنه - صوَّامًا قوَّامًا، شجاعًا مقدامًا، لَم يتخلَّف عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوةٍ قطّ.

وكان من القلَّة الَّذين ثبتوا بين يدَي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحُد، فَهُتِمَ فمُه، وسَقَطَتْ ثَنيَّتاه، وخرج من هذه الغزوة وفيه بضعةٌ وعشرون جرحًا، بعضها عميق تدخل فيه يد الرَّجُل.

وأمَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - على جيش فيه أبو بكر وعمر، وسيَّره إلى دومة الجنْدل، ليؤدِّب القبائل التي كانتْ تُغير على قوافل المسلمين.

عباد الله:

ومع هذه الفضائل الكبرى يبقى لابن عوف وسام لا يعْدِله وسام، وتاجٌ تمتدُّ نحوَه الأعناق، وتهفو إليه (النفوس)، إنَّه إكرام الله - تعالى -له، حينما صلَّى خلفه إمام الأنبياء، وسيِّد الأوَّلين والآخرين - صلى الله عليه وسلم - وذلك في غزوة تبوك، حينما خرج رسولنا إلى حاجته في السَّحَر، فأبطأ على الناس، فقدَّم الناسُ ابنَ عوف يصلِّي بهم، فأدْركَهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الرَّكعة الثَّانية، فهمَّ ابنُ عوفٍ أن يرجع مأمومًا، فأشار إليْه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ أتمَّ صلاتك، فأتَمَّها إمامًا، هذا الشَّرَف لَم يتقلَّدْه إلاَّ ابنُ عوف، ثُم الصدِّيق بعد ذلك في مرَض النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذي مات فيه.

ومن فضائِل ابْنِ عوفٍ: مكانته في قلْب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ودِفَاعه عنْه في كثيرٍ من المواقف، حصل بين خالدِ بن الوليد وعبدالرحمن بن عوف مشادَّةٌ كلاميَّة؛ بسبب أسرى جذيمة، فأسْمعَ كلٌّ منهما ما يؤْذي الآخر، فبلغ ذلك النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لخالد مبيِّنًا فضل عبدالرحمن بن عوف: ((دعُوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدٌ مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)).

أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 23].

بارك الله لي ولكُم في القُرآن، ونفعني وإيَّاكم بهدْي سيِّد المرسلين، أقول ما سمعتُم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحْده لا شريك له، له الحمْد في الأولى والأخرى، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله، النبيُّ المرتضَى، والرَّسول المجتبى، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحْبِه ما دامت الأرضُ والسَّماء.

أما بعدُ، فيا عباد الله:

ومِن معالِم شخصيَّة ابن عوف: أنَّه كان واسعَ العلم، معدودًا في فُقهاء الصَّحابة - رضي الله عنهم - وهو أحد النَّفَر القلائل، الَّذين كانوا يُفْتون في المدينة ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حي.

وقد حدَّثَتْنا دواوينُ السنَّة وكتب التَّاريخ أنَّ ابن عوف قد فصل في عدَّة حوادث أُعضلتْ على الصَّحابة، واحتارتْ فهومُهم فيها، فحينما احتار الفاروق في أمْر المجوس، جاءه العلْم والخبَر من الخبير عبدالرحمن بن عوف، فقال: أشهد أنِّي سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((سنُّوا فيهم سُنَّة أهل الكتاب))، فأخذ عمرُ الجزْية من مَجوس هجر، ولمَّا خرج عمرُ إلى الشَّام، جاءه الخبر وهو في الطَّريق أنَّ الطاعون قد حلَّ بالنَّاس، فأوقف الفاروق المسير، واستشار النَّاس في ذلك، فمنهم مَن رأى الذَّهاب والتوكُّل على الله، ومنهم مَن رأى الرُّجوع، فجاء ابن عوف وفصل في القضيَّة، بأنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها، فلا تخرجوا فرارًا منه))، فرجع عمر بعد ذلك قافلاً إلى المدينة.

وحينما رأى عمر أيضًا جُرأةَ النَّاس على شُرْب الخمر، استشار الصَّحابة في زيادة الحدّ؛ لكي يرتدع الفسَقةُ عنها، فأشار عليْه عبدالرحمن بن عوف بثمانين جلدةً؛ لأنَّ أخفَّ الحدود ثمانون، فأخذ عمر برأيه، وعمل به الخلفاءُ بعده.

كان ابنُ عوف - رضي الله عنه - مُرْهَفَ الإحساس، كثير المحاسبة للنفس، تدمع عينُه إذا تذكَّر حال أمسِه ويومه، ويبكي كثيرًا إذا تذكَّر الحال التي كان عليها نبيُّه وحبيبه - صلى الله عليه وسلم -.

اجتمع يومًا بعضُ أصحابه عنده على طعامٍ له، وما كاد الطَّعام يُوضع حتَّى بكى ابنُ عوف، فسألوه: ما يبكيك يا أبا محمَّد؟ فقال: "لقد مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وما شَبِع هو وأهلُ بيتِه من خبز الشَّعير".

وفي آخِر حياته أوْصى بكثيرٍ من ماله، فأوْصى بخمسين ألفَ دينار صدقةً في سبيل الله، وأوْصى بألف فرس لجيوش الإسلام، وأعتق خلقًا كثيرًا من مَماليكِه، ولم ينسَ إخوانه أهْلَ بدْر، فأوْصى لهم من ماله، وكانوا مائة، فأُعْطيَ كلُّ واحدٍ منهم أربعمائة دينار.

ثمَّ بعد ذلك جاءَه أمر الله، الذي لا يخطئ أحدًا من البشر، فمرض - رضي الله عنه - ولازمته الأوجاع، فلزم بيته شهرًا، وكان في أيَّامه تلك كثيرَ الصَّوم والاستغفار، جيءَ له بإفطاره يومًا، وكان صائمًا، فلمَّا وقعتْ عينه على الطَّعام جال في خاطره شريطُ الذِّكْريات، فتذكَّر إخوانه المهاجرين الأوَّلين، والحال الَّتي ماتوا عليها، فَفَقَدَ شهية الطَّعام، وسَكَبتْ عينه دمعاتٍ حارَّات، وقال: "استُشْهِد مصعب بن عمير وهو خيرٌ منِّي، فكفِّن في بُرْدة، إن غَطَّتْ رأسَه بدتْ رِجْلاه، وإن غطَّتْ رجلَيْه بدا رأسُه، واستشهد حَمزةُ - وهو خير منِّي - فلم يُوجدْ له ما يُكفَّنُ فيه إلاَّ بردة، ثمَّ بُسط لنا من الدُّنيا ما بُسط، وأُعْطينا منها ما أُعْطينا، وإنِّي لأخشى أن تكونَ قد عجِّلت لنا حسناتُنا" ثمَّ أمر بالطَّعام فرفع.

وفي أيَّامه تلك عرضتْ عليه أمُّ المؤمنين عائشةُ - رضي الله عنها - أن يُدْفَن في حجرتها إلى جوار الصدِّيق والفاروق، فاعتذر - رضي الله عنه - عن هذا التَّشريف العظيم؛ لأنَّه تذكَّر ميثاقه وعهْده مع أخيه عثمان بن مظعون، عندما توافَقَا وتعاهَدَا أيَّام حياة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أيهما مات بعدَ الآخر أن يُدفن إلى جوار صاحبه، وما هي إلاَّ أيَّامٌ قلائل، حتَّى فاضتْ رُوحه الزكيَّة، ولقي ربَّه مؤمنًا صادقًا زاهدًا، بعد حياة مليئة بالعلم والتُّقى، والبذْل والإنفاق، وتأثَّر أهل المدينة برَحيلِه، وبكى عليه القريبُ والبعيدُ، والكبيرُ والصغيرُ، والجار والصديق.

وقف عليٌّ - رضي الله عنه - على جنازته قبل دفنه فقال: "اذهب يا ابن عوف، فقد أدركْتَ صفْوَها، وسبقت رنْقَها".

والرنْق: الكدر.

وفي البقيع ثُوِي جثمان ذاك الجواد الكريم، مع إخوانه الصَّحْب الكرام، رحل ابن عوف لكن اسمه ونفقاته ستبْقى محفورة في ذاكرة الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وستبقى الأمَّة تترضَّى عنْه.

شكيب أرسلان


( 1286 - 1366 هـ = 1869 - 1946 م)
** سيرة الشاعر:
* هو: شكيب بن حمود بن حسن يونس بن فخر الدين بن حيدر بن سليمان بن فخر الدين بن يحي بن مذحج بن محمد بن جمال الدين أحمد بن بهاء الدين خليل بن صلاح الدين مفرج بن سيف الدين يحي بن نور الدين صالح بن سيف الدين مفرج بن زين الدين صالح أبو الجيش بن قوام الدين علي عرف الدولة بن ناهض الدين أبي العشائر بن عضد الدولة علي بن شجاع الدولة عمر بن أبي المحامد عيسى بن عماد الدين موسى ابن أبي الفضل مطوع بن عز الدولة تميم ابن المنذر بن النعمان بن عامر بن هالي بن مسعود بن أرسلان بن مالك بن بركات بن المنذر ( التنوخي ) بن مسعود ( قحطان ) بن المنذر بن النعمان أبي قابوس بن المنذر بن المنذر اللخمي بن ماء السماء
* ولد في بلدة الشويفات (جبل لبنان) وتوفي في بيروت.
* عرف بلقب: أمير البيان، وحامل الصناعتين (الشعر والنثر).
* عاش في لبنان، وزار معظم الأقطار العربية وفي مقدمتها مصر، وأكثر بلدان أوربا، وروسيا، وعاش في سويسرا عدة أعوام (1918 - 1920) بعد أن خسرت الدولة العثمانية الحرب.
* تلقى دروسه الأولى على أيدي معلمين في الشويفات وعين عنوب، ودخل مدرسة الأمريكان في العمروسية، ثم درس بمدرسة الحكمة في بيروت (1879 - 1886).
* وتلقى اللغة العربية وتمكن منها على يد عبدالله البستاني، فنظم الشعر وبرع فيه، ثم التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت (1886) وحضر دروس مجلة الأحكام العدلية على الإمام محمد عبده، وأتقن اللغات: التركية والفرنسية والألمانية.
كانت له خبرة ودراية بالشؤون السياسية والاجتماعية. وقد تولى (1887) مديرية الشويفات خلفًا لأبيه، وفي (1902) عين قائمقامًا للشوف، واستقال من المتصرفية عام 1910.
* انتخب نائبًا عن حوران في البرلمان العثماني (المبعوثان) وذلك عام 1913 - وبقى في الآستانة إلى انتهاء الحرب، وإن قام إبانها بمهمات رسمية إلى لبنان، وفلسطين، وألمانيا.
أسس مدرسة الفنون في المدينة المنورة (1913) بإيعاز من الحكومة العثمانية، وساهم في تأسيس النادي الشرقي في برلين (1920) وانتخب رئيسًا له، كما انتخب عضو شرف في المجمع العلمي العربي بدمشق في العام نفسه، وأنشأ مجلة شهرية (1930) صدرت في جنيف بعنوان «الأمة العربية» استمرت حتى بداية الحرب العالمية الثانية.
له : تاريخ سياسي قومي حافل، إذ انتخب سكرتيرًا عامًا للمؤتمر السوري الفلسطيني المنعقد في جنيف (1921) المطالب بالاستقلال وإلغاء الانتداب، وكان من أوائل دعاة الحلف العربي، وقد اتخذ من سويسرا مركزًا لنشاطه أكثر من عشرين عامًا (1925 - 1946) لمتابعة القضية السورية، والقضايا العربية عامة لدى عصبة الأمم.
* عقد - في جنيف - مؤتمرًا إسلاميًا (1935) ضمّ ممثلي المسلمين في دول أوربا.
* زار وطنه لبنان (1937) بعد سماح من سلطة الانتداب الفرنسي، وعاد إليه بشكل نهائي (1946) وتوفي بعد عودته بشهرين.
* اعتذر عن عدم قبول رياسة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1938 لوجود الاحتلال الفرنسي.

** الإنتاج الشعري:
- له ديوان: «الباكورة» - المطبعة الأدبية - بيروت 1887.
- وديوان الأمير شكيب أرسلان، وقف على ترتيبه وطبعه السيد رشيد رضا - مطبعة المنار - القاهرة 1935. (205 صفحات، تضمن الديوان الأول: الباكورة)
- والمدائح السنيّة في شمائل الذات الحميدية (السلطان العثماني عبدالحميد) جـ1 - المطبعة اللبنانية، بعبدا، و نشرت قصائده في مجلات: المقتطف - الهلال - الطليعة - الأديب - الأبحاث - المكشوف - المشرق - العروبة.
** كما صدرت عنه أعداد خاصة: مجلة العروبة - مارس 1947 - ومجلة الأنباء (بيروت) 1989.

** الأعمال الأخرى:

- ألف كتابين عن أهم أدباء عصره وعلمائه:
* ( شوقي أو صداقة أربعين سنة - مطبعة عيسى البابي الحلبي - القاهرة 1936 )
*( السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة - مطبعة ابن زيدون - دمشق 1937)
*اهتم بتحقيق كتب التراث العربي (الأدب والتاريخ خاصة) مع التعقيب عليها، ومنها:
* (الدرة اليتيمة لابن المقفع )
* ( المختار من رسائل أبي إسحاق الصابي )
* ( أخبار العصر في انقضاء بني نصر )
- أربعة كتب سلطانية صادرة عن أبي الحسن علي بن أبي النصر الأحمر والد أبي عبدالله آخر ملوك غرناطة،
* وترجم إلى العربية:
( رواية: آخر بني سراج - تأليف شاتوبريان )
* ( كتاب: أناتول فرانس في مباذله - تأليف جان بروسون)

**الحكم على شعره:
يتسق شعره وواقع حياته العملية النشطة وطموحه السياسي غير المحدود، إذ جعل هذا الشعر وسيلة لتقوية الأواصر، فمدح السلطان، وتبادل القصائد الإخوانية مع البارودي وشوقي وخليل مردم وعبدالله فكري وحفني ناصف، وقال في سعد زغلول ومحمد عبده.. ورشيد رضا، وغيرهم، وهذا المنحى جعل من شعره سجلاً لأحداث عصره، وبيانًا لعلاقاته واتجاهاته الفكرية والسياسية، أما شعره المعبر عن وجدانه وعالمه الداخلي فقليل.

** مصادر الدراسة:

1 - سامي الدهان: شكيب أرسلان - حياته وآثاره - القاهرة 1960.
2 - مارون عبود: رواد النهضة الحديثة - دار العلم للملايين - بيروت 1952.
3 - محمد علي الطاهر: ذكرى الأمير شكيب أرسلان (المراثي وحفلات التأبين وأقوال الجرائد) مطبعة عيسى البابي الحلبي - القاهرة 1947.
4 - نجيب البعيني: من آثار أمير البيان شكيب أرسلان في الشعر والنثر - الدار الجامعية - بيروت 1996.
: أمير البيان شكيب أرسلان ومعاصروه - الدار الجامعية - بيروت 1992.
5 - الدوريات: جبرائيل جبور: الأمير شكيب أرسلان بمناسبة مرور سبع سنوات على وفاته - مجلة الأبحاث 7/3/1954.


** قصائده وأبياته:

سلطان الغرام

أرى في غزال الدوٍّ منه شمائلاً *-*-*-*-*- فأهفو إليه كلما مرَّ سانحُهْ
وتخطر قضبانُ العذيب فتنثني *-*-*-*-*- معاطفُه في خاطري وجوانحه
أكاد لمرأى كلِّ غصنِ أراكةٍ *-*-*-*-*- أعانقه من أجله وأصافحه
وأعشق نورَ البدر ليلة تِمِّهِ *-*-*-*-*- لأنْ قد بدتْ منه عليه ملامحه
يقول عذولي شفّ مَسْكَتُك الهوى *-*-*-*-*- فأنت لعَمْري ذاهبُ الفكر سائحه
فقلت جميع الرشد في سُبْل حبّه *-*-*-*-*- إذا لاح لي من ذلك الوجهِ لائحه
وقالوا أضعتَ العمر في حب أهيفٍ *-*-*-*-*- ومن عَلِقَ الغزلان ضاعت مصالحه
فقلت لهم يا حبذا ما أضعتُه *-*-*-*-*- بمن حبُّهُ كنزٌ تنوء مفاتحه
فِدَا كلِّ ظَبْيٍ بين سَلْعٍ وحاجِرٍ *-*-*-*-*- لِـمُهْجَةِ ظبيٍ في الفؤاد مَسارحه
ومهما يعذّبْني فعذبٌ مذاقُه *-*-*-*-*- ومهما يؤرّقْني فإني مُسامحه
وما أسعدَ الليلَ الذي أنا ساهرٌ *-*-*-*-*- وما أقدسَ الدمعَ الذي أنا سافحه!
وقالوا قطعت الأربعين فما الهوى؟ *-*-*-*-*- وقد صاح في فَوْدَيْكَ للشيبِ صائحه
ولم يعلموا أن الـمِهارَ وإنْ غلتْ *-*-*-*-*- لَتَعْجَز عما طال في الجَرْيِ قارِحُه
بلى أنا سلطان الغرام وهذه *-*-*-*-*- صحائفه في راحتي وصفائحه
إذا في كتاب الحب طالعَ مُغْرَمٌ *-*-*-*-*- وشرط المعنَّى أن تغيب جوارحه
خَلِيٌّ إذا رام الصلاةَ تداخلتْ *-*-*-*-*- تحيّتُه مَعْ ذكره وفواتحه


هوى عفيف

فيهم جآذرُ لا تُرى في غيرهم *-*-*-*-*- كلا ولا بسوى ذراهم تُعْرَف
تلك الجآذرُ لا قلاعَ المنحنى *-*-*-*-*- تدري ولا جرعاءَ رامةَ تألف
عجبًا لها ترعى أجلَّ حواضرٍ *-*-*-*-*- ومسارحُ الغزلان قاعٌ صفصف
تُسْتَلْطَفُ الغزلانُ في فَلَواتها*-*-*-*-*- لكنها بين الحدائق ألطف
من كلِّ أهْيَفَ لو رأتْ بانُ النقا *-*-*-*-*- أعطافَهُ لغدتْ لها تَتَقَصَّف
تلقاه في وسْط النديّ كأنه *-*-*-*-*- تمثالُ حسنٍ قد حواهُ المتحف
خجلانُ يرجف من خفارة طبعهِ *-*-*-*-*- والأُسْدُ منه لدى الكريهة ترجف
ظَبْيٌ ولكنْ في المعامع ضيغمٌ *-*-*-*-*- حَمَلٌ وفي الحَمْلات ذئبٌ أخطف
متأوّدٌ بين الصفوف بعِطفهِ *-*-*-*-*- لكن إذا حمس الوغى لا يعطف
ولخصره فعل القنا معْ وَهْنِهِ *-*-*-*-*- وكذا يمنّ على الذين اسْتُضْعِفوا
ولقد أحار إذا بدا بِنِجَاده *-*-*-*-*- أَقَوامُه أم سيفه هو أرهف
ولَربَّ أغْيَدَ أستبين بجِيده *-*-*-*-*- بَشَرًا كلون الثلج أو هو أنظف
وجهٌ أغرُّ وقامةٌ فتّانةٌ *-*-*-*-*- ومحاجرٌ دُعْجٌ وجَفْنٌ أَوْطَفُ
وعوارضٌ منها أسيم بجنّةٍ *-*-*-*-*- نظري وللتفّاح منها أقطف
ومُقَبَّلٌ ما زلت أرشف بردَه *-*-*-*-*- وأقول: أين الشهدُ ممّا أرشف؟
تقع الصفاتُ على المحاسن كلها *-*-*-*-*- إلا الرضابَ فذوقُه لا يُوصف
أقسمت لو نَظَرَ السقيمُ لوجهه *-*-*-*-*- نال الشِّفا وهو السقيم المدْنَف
ما نلت منه جلسةً إلا غدت *-*-*-*-*- معْه بأقرب موعدٍ تستأنف
خلساتُ وصْلٍ لم تَشُبْها ريبةٌ *-*-*-*-*- كلا ولا منها الشهامة تأنف
أُرخي العنانَ للذَّتي حتَّى إذا *-*-*-*-*- ما قاربت أمدَ النكارة أصدف
أهوي إليه بجملتي فأضمّه *-*-*-*-*- وأشمّه وأقول يا ربِّ العَفُو


من قصيدة: الأندلسية

لكَ اللهُ إن شئتَ الصَّبوحَ فبكِّرِ *-*-*-*-*- بكأسٍ دِهاقٍ من حُمَيّا التذكُّرِ
وغنِّ على ذكرى الليالي التي خلت *-*-*-*-*- قصائدَ إن تُنْشَدْ على الميْتِ يُنشَر
فقد تَعْذُبُ الذكرى ولو لفجيعةٍ *-*-*-*-*- ويشفي أُوَارَ الصدر فَرْطُ التحسُّر
ولولا المراثي والمآقي وراءها *-*-*-*-*- لأفنى الورى حَرُّ الأسى المتسعّر
تقضّتْ لباناتُ الرجال من الجوى *-*-*-*-*- بتذكار ماضٍ أو إثارة مُضْمَر
لعمرك لا يُرجى لنشأة مقبلٍ *-*-*-*-*- ومستقبٍل من لم يفكِّرْ بُمدبر
وما هذه الدنيا سوى متقدِّمٍ *-*-*-*-*- يُكوَّرُ تجديدًا على متأخِّر
أَدِرْها تردَّ الرشدَ في عقل ذاهبٍ *-*-*-*-*- وتذهبْ بعقل الراشد المتبَصِّر
وتُحيي لنا عهدًا يَصُوب عِهادُه *-*-*-*-*- منازلَ قلبٍ من هوى الذكر مُقفر
وكائنةٍ لم يعرفِ الدهرُ أختَها *-*-*-*-*- ولا حدّثت عن مثلها كُتْبُ مخبِر
يكاد الذي يقرا غريبَ حديثها *-*-*-*-*- يظنُّ خيالاً أو أحاديثَ مُفْتَر


يقولون: كانت أمّةٌ عربيةٌ

بأندلسٍ سادت بِهَا جَمَّ أعْصُر *-*-*-*-*- وقد عمرت أقطارُ أندلسٍ بهم
فكم بلدٍ فخمٍ ومصرٍ ممصَّر *-*-*-*-*- وكم أربُعٍ خُضرٍ وحرْثٍ مطبّقٍ
وفاكهةٍ رَغْدٍ وزهرٍ منوَّر! *-*-*-*-*- وكم قائدٍ قَرْمٍ وجندٍ مدرّبٍ
وكم سائسٍ فحلٍ وأمرٍ مدبَّر! *-*-*-*-*- وكم بطلٍ إن ثار نَقْعٌ رأيتَه
يبيع بأسواق المنايا ويشتري! *-*-*-*-*- وما شئتَ من علمٍ ورأيٍ وحكمةٍ
ودرسٍ وتحقيقٍ وقولٍ محرَّر *-*-*-*-*- إلى شممٍ جَمٍّ ومجدٍ مؤثّلٍ
وفي عزّةٍ قَعْسا ووَفْرٍ مُوفَّر *-*-*-*-*- نعم، كان فيها من نزارٍ ويَعْرُبٍ
جموعٌ تُحيل الأرضَ في يوم محشر *-*-*-*-*- فراحت كأن لم تَغْنَ بالأمس، وانقضى
لهم كل رِكْزٍ غير ذكرٍ معطَّر *-*-*-*-*- كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيسٌ ولم يسمر هناك ويسهر *-*-*-*-*- كأن لم تكن في أرض أندلسٍ لنا
جحافلُ إن تحملْ على الدهر يُذعَر *-*-*-*-*- فماذا الذي أخنى عليها، وما الذي
رماها بهذا الخسف بعد التصدُّر؟ *-*-*-*-*- إذا أعمل المرء البصيرةَ لم يجد
لها علّةً غيرَ الخلافِ المتَبِّر *-*-*-*-*- خلافان: هذا بين قيسٍ ويعربٍ
مقيمٌ، وهذا بين عُرْبٍ وبربر *-*-*-*-*- ولا شرَّ يحكي شرَّ حربٍ إذا التقت
صناديدُ قيسٍ مع غطاريفِ حِمْيَر *-*-*-*-*- لعمرك لولا الخُلْف لم يك مشرقٌ
ولا مغربٌ يعصي عليهم ويجتري *-*-*-*-*- لقد عصفت في شقّة الغرب ريحُهم
فسادت، ولكن لم تكن ريحَ صَرْصَرِ *-*-*-*-*- فقد أثَّلوا في أرضها مدنيّةً
ترى الخصم في عليائها ليس يمتري *-*-*-*-*- وسَوَّوْا جميع العالمين بعدلهم
ومن يتمسَّكْ بالسوية يعمر *-*-*-*-*- ولا عارضوا في دينه غيرَ مسلمٍ
ولا عاملوا أهل الكتاب بمنكر *-*-*-*-*- ولا نصبوا ديوان تفتيشهم على
عقائدِ أقوامٍ يجوس ويفتري *-*-*-*-*- ولا أحرقوا بالنار من قيل إنه
على صلةٍ معْ دينه بالتستّر *-*-*-*-*- بذلك هاتيك الممالك أصبحت
مثالاً قويمًا للعُلا والتحضُّر *-*-*-*-*- وقد صار نهر الرون ثغر بلادهم
وكم صبغوه في الجهاد بأحمر! *-*-*-*-*- وشكُّوا لِواهم في ذُرا «قَرْقَشَنَّةٍ»
وسلّوا على «تربولةٍ» كلَّ أبتر *-*-*-*-*- ودانت لهم صِيد الجلالقة الألى
بَلا منهمُ الرومانُ كلَّ غضنفر *-*-*-*-*- ولم يقفِ البشْكَنْسُ في وجه زحفهم
ولا أوطؤوا الجرمانَ ثغرةَ مُعور *-*-*-*-*- وإن يك لاقى الغافقيُّ حِمامَه
ومحّصَ في يوم البلاط المقدَّر *-*-*-*-*- فقد لبثت من بعد ذاك جيوشهم
تَعَرَّضُ دهرًا للفرنج وتنبري *-*-*-*-*- يقول الألى قد شاهدوا غزواتهم
هم العُرْبُ فوق الخيل، أم جِنّ عبقر *-*-*-*-*- وصقرُ قريشٍ حين جاء مشردًا
فأنشبَ فيهم أي ظُفْرٍ مُظَفَّر *-*-*-*-*- وشاد بهاتيك القواصي إمارةً
لها أجفل المنصورُ والدُ جعفر *-*-*-*-*- وخلّف أملاكًا سموا وخلائفًا

أُسودَ عرينٍ منهمُ كلُّ مُخدِر

من قصيدة: أنتِ أجدر بالهناء

أمؤثرةَ البقاء على الفناءِ *-*-*-*-*- لعمري أنت أجدر بالهناءِ
غرقنا في البكاء ولو علمنا *-*-*-*-*- لأجلَى الغيبُ عن ضَحِك القضاء
وصبَّرَنا الرثاء وما فقيدٌ *-*-*-*-*- أحقُّ من المخلَّف بالرثاء
أيبكي من ثوى بجوار عبدٍ *-*-*-*-*- ويُبكَى مَنْ نحا ربَّ السماء
لقد فاز الذّي ولّى حثيثًا *-*-*-*-*- فليس المنزلان على السواء
مضيتِ لما غَدَا خيرًا وأبقى *-*-*-*-*- وذاك لجازعٍ خيرُ العزاء
فإن نحزنْ فلا لغرور دنيا *-*-*-*-*- ولكن للتّفَرُّقِ والتنائي
فقد عزَّ الفراقُ على البرايا *-*-*-*-*- فكيف وذا الفراقُ بلا لقاء
سلامٌ من صميمِ فؤادِ صَبٍّ *-*-*-*-*- على الوجه المجلَّل بالبهاء
نزفتُ الدمعَ في مَنعاك حزنًا *-*-*-*-*- ولو أنصفتُ لم تسلم دمائي
وكان بكايَ لما كان دمعٌ *-*-*-*-*- فها أنا بعدَه أبكي بكائي
كأن الفضل للآجال نجْزٌ *-*-*-*-*- يموت به الفتى من غير داء
إذا فكَّرْتُ في سبب المنايا *-*-*-*-*- خشيتُ على الحياة من الحياء
تَخِذْتِ الطّهرَ والتقوى شعارًا *-*-*-*-*- وسِرتِ من المحامد في رداء
فلو مَلَكَتْ رُبَا لبنانَ قولاً *-*-*-*-*- نطقْنَ بما عليكِ من الثناء
ملَكْتِ نواصِيَ الآداب طُرّاً *-*-*-*-*- فَمَتَّ إليك كلٌّ بالولاء
حكمْتِ على هواكِ بكلِّ أمْرٍ *-*-*-*-*- كَحُكْمِ السيّداتِ على الإماء

نبذة مختصرة عن سيرة الشيخ الألباني -رحمه الله-


مه الله-العلامة الشيخ

العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أحد أبرز العلماء المسلمين في العصر الحديث، ويعتبر الشيخ الألباني من علماء الحديث البارزين المتفردين في علم الجرح والتعديل، والشيخ الألباني حجة في مصطلح الحديث وقال عنه العلماء المحدثون إنه أعاد عصر ابن حجر العسقلاني والحافظ بن كثير وغيرهم من علماء الجرح والتعديل.مولده ونشأته

* ولد الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني عام 1333 ه الموافق 1914 م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا - حينئذ - عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، فكان والده مرجعاً للناس يعلمهم و يرشدهم.

* هاجر صاحب الترجمة بصحبة والده إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو (ملك ألبانيا) ببلاده نحو الحضارة الغربية العلمانية.

* أتم العلامة الألباني دراسته الإبتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق.

* نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، و التجويد، و النحو و الصرف، و فقه المذهب الحنفي، و قد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي و بعض كتب اللغة و البلاغة، هذا في الوقت الذي حرص فيه على حضور دروس و ندوات العلامه بهجة البيطار.

* أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهره فيها، و أخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنه وقتاً جيداً للمطالعة و الدراسة، و هيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية و الاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية.

تعلمه الحديث

توجهه إلى علم الحديث و اهتمامه به :

على الرغم من توجيه والد الألباني المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي و تحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ الألباني بالتوجه نحو علم الحديث و علومه، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا (رحمه الله) و كان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي (رحمه الله) مع التعليق عليه.

كان ذلك العمل فاتحة خير كبير على الشيخ الألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث و علومه شغله الشاغل، فأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف و التصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره، و كان أول مؤلفاته الفقهية المبنية على معرفة الدليل و الفقه المقارن كتاب "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" و هو مطبوع مراراً، و من أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية أيضاً كتاب "الروض النضير في ترتيب و تخريج معجم الطبراني الصغير" و لا يزال مخطوطاً.

كان لإشتغال الشيخ الألباني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أثره البالغ في التوجه السلفي للشيخ، و قد زاد تشبثه و ثباته على هذا المنهج مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيميه و تلميذه ابن القيم و غيرهما من أعلام المدرسة السلفية.

حمل الشيخ الألباني راية الدعوة إلى التوحيد و السنة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق و جرت بينه و بينهم مناقشات حول مسائل التوحيد و الإتباع و التعصب المذهبي و البدع، فلقي الشيخ لذلك المعارضة الشديدة من كثير من متعصبي المذاهب و مشايخ الصوفية و الخرافيين و المبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة و الغوغاء و يشيعون عنه بأنه "وهابي ضال" و يحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم و الدين في دمشق، و الذين حضوه على الاستمرار قدماً في دعوته و منهم، العلامة بهجت البيطار، الشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، الشيخ توفيق البزرة، و غيرهم من أهل الفضل و الصلاح (رحمهم الله).

نشاط الشيخ الألباني الدعوي

نشط الشيخ في دعوته من خلال:

أ) دروسه العلمية التي كان يعقدها مرتين كل أسبوع حيث يحضرها طلبة العلم و بعض أساتذة الجامعات و من الكتب التي كان يدرسها في حلقات علمية:

- فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.

- الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني شرح صديق حسن خان.

- أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.

- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير شرح احمد شاكر.

- منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد.

- فقه السنه لسيد سابق.

ب) رحلاته الشهريه المنتظمة التي بدأت بأسبوع واحد من كل شهر ثم زادت مدتها حيث كان يقوم فيها بزيارة المحافظات السورية المختلفه، بالإضافة إلى بعض المناطق في المملكة الأردنية قبل استقراره فيها مؤخراً، هذا الأمر دفع بعض المناوئين لدعوة الألباني إلى الوشاية به عند الحاكم مما أدى إلى سجنه.

صبره على الأذى ... و هجرته

في أوائل 1960م كان الشيخ يقع تحت مرصد الحكومة السوريه، مع العلم أنه كان بعيداً عن السياسة، و قد سبب ذلك نوعاً من الإعاقة له. فقد تعرض للإعتقال مرتين، الأولى كانت قبل 67 حيث اعتقل لمدة شهر في قلعة دمشق وهي نفس القلعة التي اعتقل فيها شيخ الاسلام (ابن تيمية)، وعندما قامت حرب 67 رأت الحكومة أن تفرج عن جميع المعتقلين السياسيين.

لكن بعدما اشتدت الحرب عاد الشيخ إلى المعتقل مرة ثانية، و لكن هذه المرة ليس في سجن القلعة، بل في سجن الحسكة شمال شرق دمشق، و قد قضى فيه الشيخ ثمانية أشهر، و خلال هذه الفترة حقق مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري و اجتمع مع شخصيات كبيرة في المعتقل.

أعماله وانجازاته

لقد كان للشيخ جهود علمية و خدمات عديدة منها:

1) كان شيخنا -رحمه الله- يحضر ندوات العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار -رحمه الله- مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق، منهم عز الدين التنوحي - رحمه الله- إذ كانوا يقرؤن "الحماسة" لأبي تمام.

2) اختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955 م.

3) اختير عضواً في لجنة الحديث، التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر و سوريا، للإشراف على نشر كتب السنة و تحقيقها.

4) طلبت إليه الجامعة السلفية في بنارس "الهند" أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك لصعوبة اصطحاب الأهل و الأولاد بسبب الحرب بين الهند و باكستان آنذاك.

5) طلب إليه معالي وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ عام 1388 ه ، أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة، وقد حالت الظروف دون تحقيق ذلك.

6) اختير عضواً للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395 ه إلى 1398 ه.

7) لبى دعوة من اتحاد الطلبة المسلمين في أسبانيا، و ألقى محاضرة مهمة طبعت فيما بعد بعنوان "الحديث حجة بنفسه في العقائد و الأحكام" .

8) زار قطر و ألقى فيها محاضرة بعنوان "منزلة السنة في الإسلام".

9) انتدب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رئيس إدارة البحوث العلمية و الإفتاء للدعوة في مصر و المغرب و بريطانيا للدعوة إلى التوحيد و الاعتصام بالكتاب و السنة و المنهج الإسلامي الحق.

10) دعي إلى عدة مؤتمرات، حضر بعضها و اعتذر عن كثير بسبب أنشغالاته العلمية الكثيرة.

11) زار الكويت و الإمارات و ألقى فيهما محاضرات عديدة، وزار أيضا عدداً من دول أوروبا، و التقى فيها بالجاليات الإسلامية و الطلبة المسلمين، و ألقى دروساً علمية مفيدة.

12) للشيخ مؤلفات عظيمة و تحقيقات قيمة، ربت على المئة، و ترجم كثير منها إلى لغات مختلفة، و طبع أكثرها طبعات متعددة و من أبرزها، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة و شيء من فقهها و فوائدها، سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و أثرها السيئ في الأمة، وصفة صلاة النبي من التكبير إلى التسليم كأنك تراها.

13) و لقد كانت قررت لجنة الإختيار لجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية من منح الجائزة عام 1419ه / 1999م ، و موضوعها "الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقاً و تخريجاً و دراسة" لفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني السوري الجنسية، تقديراً لجهوده القيمة في خدمة الحديث النبوي تخريجاً و تحقيقاً ودراسة و ذلك في كتبه التي تربو على المئة.

ثناء العلماء عليه

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

(ما رأيت تحت أديم السماء عالما بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني)

وسئل سماحته عن حديث رسول الله - صلى الله عليه و سلم-: "ان الله يبعث لهذه الأمه على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" فسئل من مجدد هذا القرن، فقال -رحمه الله-: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني والله أعلم.

وقال الفقيه العلامة الإمام محمد صالح العثيمين:

فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به وهو قليل، أنه حريص جداً على العمل بالسنة، و محاربة البدعة، سواء كان في العقيدة أم في العمل، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك، و أنه ذو علم جم في الحديث، رواية و دراية، و أن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيراً من الناس، من حيث العلم و من حيث المنهاج و الاتجاه إلى علم الحديث، و هذه ثمرة كبيرة للمسلمين و لله الحمد، أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية فناهيك به.

العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي

قول الشيخ عبد العزيز الهده : "ان العلامه الشنقيطي يجل الشيخ الألباني إجلالاً غريباً، حتى إذا رآه ماراً وهو في درسه في الحرم المدني يقطع درسه قائماً ومسلماً عليه إجلالاً له".

وقال الشيخ مقبل الوادعي:

والذي أعتقده وأدين الله به أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله من المجددين الذين يصدق عليهم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) [إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها]

آخر وصية للعلامة المحدث

أوصي زوجتي و أولادي و أصدقائي وكل محب لي إذا بلغه وفاتي أن يدعو لي بالمغفرة و الرحمة -أولاً- وألا يبكون علي نياحة أو بصوت مرتفع.

وثانياً: أن يعجلوا بدفني، و لا يخبروا من أقاربي و إخواني إلا بقدر ما يحصل بهم واجب تجهيزي، وأن يتولى غسلي (عزت خضر أبو عبد الله) جاري و صديقي المخلص، ومن يختاره -هو- لإعانته على ذلك.

وثالثاً: أختار الدفن في أقرب مكان، لكي لا يضطر من يحمل جنازتي إلى وضعها في السيارة، و بالتالي يركب المشيعون سياراتهم، وأن يكون القبر في مقبره قديمة يغلب على الظن أنها سوف لا تنبش...

و على من كان في البلد الذي أموت فيه ألا يخبروا من كان خارجها من أولادي - فضلاً عن غيرهم- إلا بعد تشييعي، حتى لا تتغلب العواطف، و تعمل عملها، فيكون ذلك سبباً لتأخير جنازتي.

سائلاً المولى أن ألقاه و قد غفر لي ذنوبي ما قدمت و ما أخرت..

وأوصي بمكتبتي -كلها- سواء ما كان منها مطبوعاً، أو تصويراً، أو مخطوطاً -بخطي أو بخط غيري- لمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، لأن لي فيها ذكريات حسنة في الدعوة للكتاب و السنة، و على منهج السلف الصالح -يوم كنت مدرساً فيها-.

راجياً من الله تعالى أن ينفع بها روادها، كما نفع بصاحبها -يومئذ- طلابها، وأن ينفعني بهم و بإخلاصهم و دعواتهم.

(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحاً ترضاه و أصلح لي في ذريتي إني تبت إليك و إني من المسلمين).

27 جمادى الأول 1410 هـ

وفاته

توفي العلامة الألباني قبيل يوم السبت في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة 1420ه، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م، و دفن بعد صلاة العشاء.

و قد عجل بدفن الشيخ لأمرين أثنين:

الأول: تنفيذ وصيته كما أمر.

الثاني: الأيام التي مر بها موت الشيخ رحمه الله و التي تلت هذه الأيام كانت شديدة الحرارة، فخشي أنه لو تأخر بدفنه أن يقع بعض الأضرار أو المفاسد على الناس الذين يأتون لتشييع جنازته رحمه الله فلذلك أوثر أن يكون دفنه سريعاً.

بالرغم من عدم إعلام أحد عن وفاة الشيخ إلا المقربين منهم حتى يعينوا على تجهيزه ودفنه، بالإضافه إلى قصر الفترة ما بين وفاة الشيخ ودفنه، إلا أن الآف المصلين قد حضروا صلاة جنازته حيث تداعى الناس بأن يعلم كل منهم أخاه.

نبذة عن الشيخ الألباني نقلاً عن الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)نبذة عن الشيخ الألباني من الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)
محمد ناصر الدين الألباني
المولد 1333 هـ - 1914م
أشقودرة بألبانيا
العقيدة اهل السنة
الأفكار الحديث

محمد ناصر الدين الألباني (1914 - 1999) أبو عبد الرحمن، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني، الأرنؤوطي. باحث في شؤون الحديث ويعد من الباحثين ذوي الشهرة في العصر الحديث. وتحظى بعض كتبهِ بشهرة.

حياته

ولد محمد ناصر الدين الألباني عام 1333هـ، في أشقودرة، (Shkodër)، العاصمة القديمة لألبانيا، والجدير بالذكر أن والده درس الشريعة في إسطنبول وعاد إلى بلده وأصبح أحد كبار علماء المذهب الحنفي هناك، لكنه اختلف مع توجهات الملك أحمد زوغو الغربية بعد منعه النساء من ارتداء النقاب، فهاجر هو وأسرته إلى دمشق ومعه ابنه محمد.

أتم الألباني دراسته الابتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق.

نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، والتجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، وقد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة.
أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهرة فيها، وأخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنة وقتاً جيداً للمطالعة والدراسة، وهيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية والاطلاع على العلوم الشرعية من مصادره الأصلية.

دراسته للحديث

على الرغم من توجيه والده المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي وتحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ لتوجه نحو البحث عن الدليل واتباع السنة واشتغل بعلم الحديث، فتعلم الحديث النبوي في نحو العشرين من عمره متأثرًا بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها محمد رشيد رضا. وكان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي مع التعليق عليه.

كان ذلك العمل بداية للألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث وعلومه شغله، فأصبح معروفًا بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف والتصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره، وكان من أول مؤلفاته كتاب "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" وهو مطبوع مرارًا، ومن أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية أيضًا كتاب "الروض النضير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير" ولا يزال مخطوطًا.

وبعد فترة بدأ في إعطاء درسين أسبوعيا في العقيدة والفقه والأصول وعلم الحديث، وكان يحضر دروسه طلبة وأساتذة الجامعة. كما بدأ ينظم رحلات شهرية للدعوة في مختلف مدن سوريا والأردن. وأجازه محمد راغب الطباخ لتدريس أحد كتب علم الحديث.

واختارته الجامعة الإسلامية في المدينة لتدريس علوم الحديث، لثلاث سنوات (1381 - 1383 هـ)، وبعدها عاد إلى دمشق لاستكمال دراسته للحديث وعمله في المكتبة الظاهرية، حيث ترك محلّه لأحد أخوته.

زار الألباني الكثير من الدول للتدريس وإلقاء المحاضرات، منها السعودية وقطر والكويت، ومصر، والإمارات، واسبانيا، وإنجلترا، وألمانيا. وتخصص الألباني في مجال الحديث النبوي وعلومه وتتلمذ على يديه كثير من الطلبة، ومنهم من غدا من باحثي الدراسات الإسلامية بعد ذلك.

انتقل الألباني من دمشق إلى عمان بالأردن وأقام هناك حتى وفاته.

من مشايخه

ان الألباني حين هاجر والده قد شارف على التاسعة من عمره، فأدخله والده بعض مدارسها وهي مدرسـة (جمعية الإسعاف الخيري)، حتى أتم المرحلة الابتدائية بتفوق. ولما لم ترق لوالده المدارس النظامية من الناحية الدينية أخـرج ابنه الصغير منها، ولم يدعه يكمل دراسته، ووضع له برنامجًا علميًا مركزًا، قام خلاله بتعليمه:

القرآن
التجويد
النحــو
الصرف
فقه المذهب الحنفي

وقد تلقى الألباني على والده القرآن حتى ختمه عليه برواية حفص عن عاصم تجويدًا، ودرسه بعض كتب الصـرف العربية، ودرسه أيضًا في الفقه، ومن الكتب التي درسها له كتاب ((مختصر القدوري)) في فقه الأحناف.

وممن درس عليهم الألباني في صغره أيضًا: صديق والده محمد سعيد البرهاني. حيث درس عليه كتاب (مراقي الفلاح) في الفقه الحنفي وكتاب (شذور الذهب) في النحو، وبعض كتب البلاغة المعاصرة.
وكان يحضر دروس محمد بهجة البيطار –عالم الشام- مع بعض أساتذة المجمع بدمشق.

الإمام ناصر الدين الألباني
أعماله وانجازاته

كان للألباني أعمال وخدمات عديدة منها:

1) كان يحضر ندوات محمد بهجت البيطار مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق، منهم عز الدين التنوحي—إذ كانوا يقرؤن "الحماسة" لأبي تمام.

2) اختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955 م.

3) اختير عضوًا في لجنة الحديث، التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا، للإشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها.

4) طلبت إليه الجامعة السلفية في بنارس "الهند" أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك لصعوبة اصطحاب الأهل والأولاد بسبب الحرب بين الهند وباكستان آنذاك.

5) طلب إليه معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف في المملكة العربية السعودية عام 1388 ه، أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة، وقد حالت الظروف دون تحقيق ذلك.

6) اختير عضوًا للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395 ه إلى 1398 ه.

7) لبى دعوة من اتحاد الطلبة المسلمين في إسبانيا، وألقى محاضرة مهمة طبعت فيما بعد بعنوان "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام".

8) زار قطر وألقى فيها محاضرة بعنوان "منزلة السنة في الإسلام".

9) انتدب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء للدعوة في مصر والمغرب وبريطانيا للدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالكتاب والسنة والمنهج الإسلامي الحق.

10) دعي إلى عدة مؤتمرات، حضر بعضها واعتذر عن كثير بسبب أنشغالاته العلمية الكثيرة.

11) زار الكويت والإمارات وألقى فيهما محاضرات عديدة، وزار أيضا عددًا من دول أوروبا، والتقى فيها بالجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين، وألقى دروسًا علمية مفيدة.

12) للألباني مؤلفات وتحقيقات، ربت على المئة، وترجم كثير منها إلى لغات مختلفة، وطبع أكثرها طبعات متعددة ومن أبرزها، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، وصفة صلاة النبي من التكبير إلى التسليم كأنك تراها.

13) كانت قررت لجنة الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية من منح الجائزة عام 1419ه / 1999م، وموضوعها "الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقاً وتخريجاً ودراسة" لمحمد ناصر الدين الألباني السوري الجنسية، تقديرًا لجهوده القيمة في خدمة الحديث النبوي تخريجًا وتحقيقًا ودراسة وذلك في كتبه التي تربو على المئة.
اعتقاله

في أوائل 1960م كان الألباني مراقبا من قبل الحكومة في سوريا، مع العلم أنه كان بعيدًا عن السياسة، وقد سبب ذلك نوعًا من الإعاقة له. فقد تعرض للاعتقال مرتين، الأولى كانت قبل عام 1967م، حيث اعتقل لمدة شهر في قلعة دمشق وهي نفس القلعة التي اعتقل فيها ابن تيمية[1]، [2] وعندما قامت حرب 1967م، رأت الحكومة أن تفرج عن جميع المعتقلين السياسيين، فأفرج عنه.

لكن بعدما اشتدت الحرب أعيد الألباني إلى المعتقل مرة ثانية، ولكن هذه المرة ليس في سجن القلعة، بل في سجن الحسكة شمال شرق دمشق، وقد قضى فيه ثمانية أشهر، وخلال هذه الفترة حقق مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري واجتمع مع شخصيات كثيرة في المعتقل.. إلى أن استقبله الأردن.

من مؤلفاته

سلسلة الأحاديث الصحيحة
سلسلة الأحاديث الضعيفة
صحيح وضعيف الترغيب والترهيب
تبويب وترتيب أحاديث الجامع الصغير وزيادته على أبواب الفقه
صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته
التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان
إرواء الغليل في تخرج أحاديث منار السبيل
صحيح الأدب المفرد
ضعيف الأدب المفرد
تمام المنة في التعليق على فقه السنة
الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب
التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام.
فضل الصلاة على النبي.
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
فتنة التكفير.
تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد
شرح العقيدة الطحاوية
تحقيق مختصر العلو للعلي الغفار لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
جلباب المرأة المسلمة
الرد المفحم، على من خالف العلماء وتشدد وتعصب، وألزم المرأة بستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقتنع بقولهم: إنه سنة ومستحب
تحريم آلات الطرب
أحكام الجنائز

وله أكثر من 300 مؤلف بين تأليف وتخريج وتحقيق وتعليق.

وصيته الأخيرة

أوصي زوجتي وأولادي وأصدقائي وكل محب لي إذا بلغه وفاتي أن يدعو لي بالمغفرة والرحمة -أولاً- وألا يبكوا علي نياحة أو بصوت مرتفع.

وثانيًا: أن يعجلوا بدفني، ولا يخبروا من أقاربي وإخواني إلا بقدر ما يحصل بهم واجب تجهيزي، وأن يتولى غسلي (عزت خضر أبو عبد الله) جاري وصديقي المخلص، ومن يختاره -هو- لإعانته على ذلك.

وثالثًا: اختار الدفن في أقرب مكان، لكي لا يضطر من يحمل جنازتي إلى وضعها في السيارة، وبالتالي يركب المشيعون سياراتهم، وأن يكون القبر في مقبره قديمة يغلب على الظن أنها سوف لا تنبش...

وعلى من كان في البلد الذي أموت فيه ألا يخبروا من كان خارجها من أولادي - فضلاً عن غيرهم- إلا بعد تشييعي، حتى لا تتغلب العواطف، وتعمل عملها، فيكون ذلك سببًا لتأخير جنازتي.

سائلاً المولى أن ألقاه وقد غفر لي ذنوبي ما قدمت وما أخرت..

وأوصي بمكتبتي -كلها- سواء ما كان منها مطبوعًا، أو تصويرًا، أو مخطوطًا -بخطي أو بخط غيري- لمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، لأن لي فيها ذكريات حسنة في الدعوة للكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح -يوم كنت مدرسًا فيها-. راجيًا من الله تعالى أن ينفع بها روادها، كما نفع بصاحبها -يومئذ- طلابها، وأن ينفعني بهم وبإخلاصهم ودعواتهم. (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين). 27 جمادى الأول 1410 هـ[3]

وفاته

توفي الألباني قبيل يوم السبت في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة 1420هـ، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م، في مدينة عمان عاصمة الأردن في حي ماركا الجنوبية, ودفن بعد صلاة العشاء. وقد عجل بدفن الألباني لأمرين اثنين:

الأول: تنفيذ وصيته كما أمر.

الثاني: الأيام التي مر بها موت الألباني والتي تلت هذه الأيام كانت شديدة الحرارة، فخشي أنه لو تأخر بدفنه أن يقع بعض الأضرار أو المفاسد على الناس الذين يأتون لتشييع جنازته فلذلك أوثر أن يكون دفنه سريعًا.

بالرغم من عدم إعلام أحد عن وفاة الألباني إلا المقربين منهم حتى يعينوا على تجهيزه ودفنه، بالإضافة إلى قصر الفترة ما بين وفاته ودفنه، إلا أن الآف المصلين قد حضروا صلاة جنازته حيث تداعى الناس بأن يعلم كل منهم أخاه.

قالوا عن الألباني

محمد بن صالح العثيمين: "فضيلة محدث الشام الشيخ الفاضل : محمد بن ناصر الدين الألباني، فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به - وهو قليل - أنه حريص جدا على العمل بالسنة، ومحاربة البدعة سواء كانت في العقيدة أم في العمل. أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك، وأنه ذو علم جم في الحديث رواية ودراية، وأن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيرا من الناس من حيث العلم ومن حيث المنهاج والاتجاه إلى علم الحديث، وهو ثمرة كبيرة للمسلمين، ولله الحمد.

أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية فناهيك به على تساهل منه أحياناً في ترقية بعض الأحاديث إلى درجة لا تصل إليها من التحسين أو التصحيح وعدم ملاحظة ما يكون شاذ المتن مخالفاً لأحاديث كالجبال صحة ومطابقة لقواعد الشريعة. وعلى كل حال فالرجل طويل الباع واسع الاطلاع قوي الإقناع وكل يؤخذ من قوله ويترك سوى الله ورسوله. ونسأل الله تعالى أن يكثر من أمثاله في الأمة وأن يجعلنا وإياه من الهداة المهتدين والقادة المصلحين وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا إنه جواد كريم" [4]

(الألباني رجل من أهل السنة مدافع عنها، إمام في الحديث، لانعلم أن أحدا يباريه في عصرنا).
ربيع المدخلي : (ظُلِمَ هذا الرجلُ وما عرف حقه العربُ، رجلٌ ينقله الله من قلب أوروبا ويضعه في المكتبة الظاهرية أحسن مكتبة في الشرق ويعكف فيها ستين سنة ويقدِّم هذه الجهود العظيمة). وقال أيضا: (عالم بارع في الحديث وعلومه والعلل وفي الفقه، فقيه النفس على طريقة السلف ولا يتكلم فيه إلاّ أهل الأهواء).
عبد العزيز بن باز: (ما رأيت تحت أديم السماء عالما بالحديث في العصر الحديث مثل محمد ناصر الدين الألباني).[5]

مقبل بن هادي الوادعي : (إننا لا نزال نزداد علما بسبب كتب الشيخ). وقال أيضا: (لا يقدح في الشيخ ناصر الدين وفي علمه إلا مبتدع من ذوي الأهواء، فهم الذين يبغضون أهل السنة وينفرون عنهم).
عبد العزيز آل الشيخ : (الشيخ ناصر الدين الألباني من خواص إخواننا الثقات المعروفين بالعلم والفضل والعناية بالحديث الشريف تصحيحا وتضعيفا).
حافظ بن عبد الرحمن مدني- مدير جامعة لاهور : (إن الشيخ قد ترك للأجيال ذخيرة لا يستغنى عنها).
المفسر محمد الأمين الشنقيطي

قول الشيخ عبد العزيز الهده : "ان العلامه الشنقيطي يجل الشيخ الألباني إجلالاً غريباً، حتى إذا رآه ماراً وهو في درسه في الحرم المدني يقطع درسه قائماً ومسلماً عليه إجلالاً له".

مفتي الديار محمد بن إبراهيم آل الشيخ " ناصر الدين الألباني ـ وهو صاحب سنة ونصرة للحق ومصادمة لأهل الباطل، ولكن له بعض المسائل الشاذة"[6]

كتب ودراسات عن حياته ومنهجه

قام بعض تلاميذ الألباني بكتابة كتب في ترجمته وسيرته وقصة حياته بعض هذه الكتب أُلِّف في حياته وبعد ذلك كان منهجه مجالاً لدراسات عديدة [7]:

حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، تأليف:محمد بن إبراهيم الشيباني
مع شيخنا ناصر السنة والدين (محمد ناصر الدين الألباني) مجدد القرن، ومحدِّث العصر، في شهور حياته الأخير، وضمن ذلك: ملخص سيرته، ونص وصيته، ومسرد مؤلفاته بقلم: علي الحلبي
ثبت مؤلفات الألباني.تأليف: عبد الله بن محمد الشمراني.الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام
ترجمة موجزة لفضيلة الشيخ الألباني تأليف:محمد عيد العباسي
جهود الإمام الألباني، ناصر السنة والدين، في بيان عقيدة السلف الصالحين، في الإيمان بالله رب العالمين تأليف : أحمد الجبوري
جهود الشيخ الألباني في الحديث رواية ودراية تأليف :عبد الرحمن بن محمد بن صالح العيزري ،رسالة ماجستير من جامعة صنعاء،مكتبة الرشد
المنهج السلفي عند الشيخ الألباني ،تأليف : عمرو عبد المنعم سليم، مكتبة الضياءطنطا - مصر
جهود الإمام الألباني في محاربة الرافضة وتفنيد أباطيلهم،جمع وإعداد أبي طلحة عمر بن إبراهيم، الدار الأثرية / عمان
آراء الإمام الألباني التربوية، تأليف : إياد بن محمد الشامي، تقديم وتعليق : الشيخ مشهور بن حسن، وأصل الكتاب رسالة ماجستير عن الجامعة الإسلامية بغزة
جهود الإمام الألباني في توحيد العبادة،تأليف : وليد سيف النصر ،طبع دار منار التوحيد / المدينة النبوية
جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة ،تأليف : شادي بن محمد بن سالم آل نعمان توزيع: دار ابن عباس / مصر
نظم الفرائد مما في سلسلتي الالباني من فوائد تأليف: عبد اللطيف ابي ربيع
الإمام الألباني مواقف ودروس وعبر تأليف:عبد العزيز بن محمد السدحان ،دار التوحيد بالرياض 

زياد علي

زياد علي محمد