الخميس، 5 سبتمبر 2019

الصحابي الذي تحققت رؤياه

الصحابي الذي تحققت رؤياه


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:



فلا نعلم أحدا من الصحابة اشتهر دون بقيتهم بأنه كلما رأى رؤيا تحققت. وإذا كنت تسأل عن صاحب الرؤيا المشهورة في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهوعمرو بن مرة الجهنيرضي الله عنه،وقصته أنه كان قد خرج مع قومه بني غطفان يوما حاجا إلى مكة في الجاهلية، فرأى في منامه وهو بمكة نورا ساطعا من الكعبة أضاء كل ما حولها حتى أضاء جبل يثرب،وأضاء قصور الحيرة والمدائن، وسمع صوتا وسط النور يقول انقشعت الظلماء، وسط الضياء، وبعث خاتم الأنبياء، وظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام.فاستيقظ فزعا ثم نادى على قومه وحكى لهم رؤياه ثم قال والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث.



وبعد أن عاد إلى بلده، سمع أن رجلا من قريش اسمهمحمديدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، فأسرع إلى مكة، وقابل الرسول- صلى الله عليه وسلم -: وأخبره بالرؤيا التي رآها في منامه، فقال له رسول الله:يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله وحده ورفض الأصنام، فقال: أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن رغم ذلك كثير من الأقوام.



وقد أخرج هذا الخبرالطبرانيوابنعساكروغيرهما.

للشيخ محمد بن صالح الشاوي

اسمه ونسبه:

هو محمد بن صالح بن عبد الله بن محمد بن سليمان الشاوي البقمي الأزدي.

 مولده:

ولد في البكيرية ليلة الأحد: 23/9/1350هـ، الموافق: 31/1/1932م.د



 نشأته وأخلاقه:

نشأ بين أبوين محافظين ومتدينين، فقد كان والده فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله الشاوي

عالمًا من علماء البكيرية، وكان من الموسرين ولله الحمد والمنة، وكانت والدته

رقية بنت ناصر الفريح امرأة صالحة فاضلة، ذات دين وخلق وصلاة وصيام.

وقد عُرف بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، فهو مثال للخلق الطيب والسلوك الحسن والاستقامة،

 كما اشتهر بالورع والعفة والحكمة، كما كان حازمًا في أمور الدين والحُكْم، وقويًّا في الحق،

 لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت علاقته مع جميع الناس علاقة طيبة، فأحب الناس وأحبوه،

 وعاشر زملائه معاشرة طيبة، وكان مع أساتذته كذلك كما كان مع الناس.



طلبه للعلم:

بعد أن حفظ القرآن منذ نعومة أظفاره، بدأ بمسيرة طلب العلم؛ حيث اهتم به

والده وبدأ بإحضاره إلى مجالس العلماء ليتعلم ويستفيد منهم.

وكان أول ذلك عندما بلغ التاسعة من عمره، حيث كان يجلس مع طلبة العلم الذين يدرسون

عند والده فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله الشاوي رحمه الله في كتب ابن القيم، وكتب التفسير،

وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والسيرة النبوية، ولهذا يعتبر والده هو شيخه الأول الذي تعلم عليه بعض العلوم الشرعية.

ولما بلغ الحادية عشرة من عمره، رغب إليه والده أن ينضم إلى الحلقة في المسجد الجامع ليدرس

على الشيخ محمد بن عبدالله بن سبيل إمام الحرم المكي، والشيخ عبدالعزيز بن سبيل،

 والشيخ العلامة محمد المقبل وغيره من علماء ذلك الزمان.

وفي السنة الثالثة عشرة من عمره سافر إلى الرياض وانضم مع طلبة العلم في مسجد

الشيخ محمد بن إبراهيم أل الشيخ وأخيه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، وغيرهم من العلماء آن ذاك.

ولما قدم ابن العم عبدالله ابن العم الشيخ محمد بن عثمان الشاوي رحمه الله من الطائف؛

 أقنعه بالالتحاق بدار التوحيد في الطائف، فالتحق ودرس بها، وبعد أن أخذ شهادة المتوسطة

 من دار التوحيد عاد إلى الرياض، وأكمل الثانوية في المعهد العلمي بالرياض.

وفي عام 1372هـ الْتحق بكلية الشريعة والتي كانت تسمى آنذاك (دار العلوم الشرعية)،

 واستمر فيها حتى تخرجه من الكلية عام (1376هـ)، وكان من ضمن أول دفعة تخرجت من الكلية.



مؤلفاته:

لم يشغل الشيخ نفسه كثيرًا في التأليف؛ لأنه كان مشغولًا في أول حياته بالوظائف الحكومية والخطابة

 وغيرها من الأعمال، وبعد التقاعد انشغل كثيرًا في مجال الأعمال الحرة والتجارة والاهتمام

بالعبادة وغيرها، ومع ذلك لم يهمل الشيخ بعض البحوث والكتابات المفيدة والتي جمعناها

في المؤلفات التالية: قبسات من الحرم المكي، وخطبة المنبر، ومختارات وحكم من عيون

 الشعر والأدب، ورسائل ومقالات الشاوي، والحاوي لتراجم علماء الشاوي، ونفحات قرآنية.



حياته الوظيفية:

بعد تخرجه من كلية الشريعة عام 1376هـ تم تعيينه قاضيًا في المنطقة الشرقية في

 بلدة النعيرية بتاريخ: 15/2/1377هـ، وقام بتأسيس المحكمة الشرعية فيها،

وعُيِّن رئيسًا لها، واستمر عمله في مجال القضاء حتى تاريخ: 16/8/1379هـ.

وفي أثناء وجوده في النعيرية قاضيًا تولى إمامة جامع النعيرية، وتولى الخطابة يوم الجمعة وفي الأعياد والمناسبات.

ومن المهام التي تولاها أثناء عمله قاضيًا في النعيرية تأسيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي

 عن المنكر فيها، ثم عُيِّنَ رئيسًا لها، وتولى أعمال الحسبة فيها لفترة وجيزة حتى تم تعيين رئيس مستقلٍّ لها.

وبعد عامين تقريبًا من عمله في مجال القضاء طلب منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم الانتقال إلى الرياض

لتأسيس وافتتاح كتابة العدل ورئاسة العمل فيها، والقيام بعمل اللازم لها؛

حيث لم يكن هناك كتابة عدل رسمية بهذا الاسم قبل ذلك في منطقة الرياض والقصيم.

وبعد أن الانتهاء من عمليه تأسيس وافتتاح كتابة العدل عُيِّن رئيسًا لها؛ فكان أول رئيس لكتابة العدل بالرياض،

 وقد رتب فضيلته ما يلزم لها من الأنظمة والقوانين والموظفين وباشر العمل فيها بتاريخ: 18/8/1379هـ.

وخلال فترة عمله رئيسًا لكتابة العدل كلِّف بالعمل عضوًا قضائيًا احتياطيًّا بهيئة المنازعات التجارية

في الفترة المسائية في حالة تغيب أحد أعضاء الهيئة، وذلك بتاريخ: 28/5/1389هـ،

 ثم صار بعد ذلك عضوًا رسميًّا بعد أن طلب الشيخ محمد بن جبير رحمه الله أحد الأعضاء الإعفاء للتفرغ إلى عمله الرسمي.

 ومن الأعمال التي تولاها قيامه بعقود الأنكحة بين الناس، أي: أنه عمل مأذونًا للأنكحة،

 وقد تم تعيينه في هذا العمل بتاريخ: 5/4/1392هـ، بجانب عمله في كتابة العدل بالرياض.

ومن الأعمال التي تولاها تعيينه عضوًا مؤسسًا في مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر،

 ثم انتخب أيضًا من قبل زملائه وعيِّن عضوًا إداريًا بتاريخ: 1/8/1398هـ، كل ذلك بجانب عمله في كتابة العدل.

ومن الأعمال أيضًا تعيينه مستشارًا لمعالي وزير العدل آنذاك الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ بتاريخ: 15/3/1398هـ.

وبعد فترة وجيزة من عمله مستشارًا طلب الإعفاء والتقاعد المبكر فتحقق له ما يريد وذلك بتاريخ: 9/2/1399هـ؛

 لأنه يريد إراحة نفسه من الأعمال الرسمية، والتفرغ لكتابة البحوث والعبادة ونحو ذلك.

سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 7 )

 سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 7 )

(15 - 40) سنة


الزَّعْفَرانِي (000 - 478) = شاباً

• أحمد بن مرزوق بن عبدالله بن عبدالرزاق الزعفراني.

 • قال ابن رجب[1]: ((المحدث أبو المعالي، سمع الكثير، وطلب بنفسه، وكتب بخطه)).

 • وقال أبو علي البرداني: ((... كان همه جمع الحديث وطلبه حدث باليسير.. ودفن بباب حرب، وكان شاباً)).



عقيل بن أبي الوفاء (581 - 610) = 29 سنة

• عقيل بن علي بن عقيل بن محمد. ولد أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، صاحب ((الفنون)).

 • قال والده: ((مات ولدي عقيل، وكان قد تفقه وناظر وجمع أدباً حسناً...)).

 • وقال ابن رجب [2]: ((كان في غاية الحُسن، وكان شاباً فهماً ذا خط حسن..

 • وكان فقيهاً، فاضلاً يفهم المعاني جيداً، ويقول الشعر[3]: وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر المواكب)).



ابن برهان (479 - 518) = 39 سنة

• أحمد بن علي بن محمد بن برهان أبو الفتح.

 • قال السبكي [4]: ((كان حاذق الذهن، عجيب الفطرة، لا يكاد يسمع شيئاً إلا حفظه وتعلق بذهنه.

 • ولم يزل مواظباً على العلم حتى ضُرب المثل باسمه)).اهـ.



 • ولي تدريس النظامية.

• انتهت إليه الرحلة، وتزاحمت الطلاب على بابه، حتى انتهى حاله إلى أن صار جميع نهاره وقطعة

من ليله مستوعباً في الاشتغال، يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة، ويتأخر بعدها.

• حكي أن جماعة سألوه درساً في ((الإحياء)) [5]، فلم يجد لهم وقتاً إلا بعد منتصف الليل.

• تفقه على الشاشي، والغزالي، وإلكيا الهراسي.

 • صنف عدداً من الكتب في الأصول، وهي: ((البسيط)) و ((الوسيط)) و ((الوجيز)).



[1] ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (1/48 - 49). وانظر:((شذرات الذهب)) (3/358).

[2] ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (1/163).

[3] ذكر له في ((المنهج الأحمد)) (2/230 - 231) خمسة عشر بيتاً.

(فائدة): لأبي الوفاء ابن آخر، توفي عن أربعة عشر عاماً، يُذكر بالذكاء والفقه.

انظر:((الذيل على طبقات الحنابلة)) (1/165).

[4] ((طبقات الشافعية الكبرى)) (6/30).

(برهان) بفتح الموحدة وسكون الراء المهملة. قيده ابن خلكان وغيره. وذكر ابن خلكان أنه توفي سنة (520هـ).

 فقال ابن قاضي شُهبة:((كذا قال. والمعروف أنه توفي سنة ثمان عشرة)).

وانظر:((طبقات الشافعية)) (1/279) لابن قاضي شُهبة؛ و((وفيات الأعيان)) (1/99)،

 و((طبقات الشافعية)) (ص201) لابن هداية الله؛ و((الشذرات)) (4/61).

[5] لشيخه الغزالي.

الدكتور محمد محمد السقا عيد

الدكتور محمد محمد السقا عيد

♦ من مواليد دمياط عام 1963م.

♦ تخرج في كلية طب الزقازيق عام 1987م.

♦ حصل على ماجستير في طب وجراحة العيون عام 1995م.

♦ عضو الجمعية الرمدية المصرية.

♦ يعمل حاليًا استشاري طب وجراحة العيون بمستشفيات وزارة الصحة المصرية بمحافظة دمياط بجمهورية مصر العربية.

♦ عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة بجمهورية مصر العربية.

♦ عضو جمعية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجمهورية مصر العربية.

♦ باحث في الطب الإسلامى.

♦ تتركز كتاباته عن المفاهيم الطبية والعلمية لمعطيات الكتاب الكريم والسنة النبوية المباركة.



له كتابات عدة في هذا المجال في صحف ومجلات عربية مختلفة مثل:

♦ جريدة العالم الإسلامي السعودية.

♦ مجلة "المسجد" السعودية.

♦ مجلة "التوحيد" المصرية.

♦ مجلة "الوعي الإسلامي" الكويتية.

♦ مجلة "منار الإسلام" الظبيانية.

♦ مجلة "الهداية" البحرينية.

♦ مجلة المجتمع "الكويتية".



من مؤلفاته:

أ: الموسوعات

♦ الموسوعة العلمية الحديثة في الطب البديل.

♦ موسوعة شفاء العليل في أسرار الطب البديل.

♦ موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

♦ موسوعة الطريق إلى الرشاقة والجمال.



ب: الكتب

♦ العلاج بالعسل.

♦ العلاج بالألوان صيحة جديدة في عالم الطب.

♦ الأمراض الجنسية والتناسلية.. أسبابها وعلاجها.

♦ البصمة آية تؤكد قدرة الخالق.

♦ معالم في تربية الأطفال.

♦ كيف تقوي الذاكرة وتحفظها من النسيان؟

♦ عودة إلى الطب الأخضر.

♦ ابنك وصحته النفسية.

♦ علاج السرطان بالطب البديل.

♦ عجائب الألوان في عالم الإنسان.



ج: الكتيبات

♦ حديث الدموع.

♦ الشاي مشروب الصحة السحري.

♦ البرتقال: رمز السعادة ومكمن الفوائد.

 ♦ البصل.... صيدلية النباتات.

 ♦ الثوم "ترياق الفقراء".

 ♦ الجزر... فوائد طبية وغذائية متعددة.

 ♦ الحلبة شفاء ودواء.

 ♦ الرمان.. فاكهة أهل الجنة.

 ♦ الزنجبيل كنز من كنوز الصيدلة.

 ♦ القرنبيط.. والارتقاء بالصحة العامة.

 ♦ المشمش وفوائده الصحية والجمالية.

 ♦ الجنسنج... إكسير الحياة والشباب الدائم.

 ♦ الزيتون.. وقدراته العلاجية والشفائية.



له تحت الطبع:

♦ موسوعة الاعجاز العلمي في خلق الإنسان.

 ♦ كلام في العيون.

 ♦ ذاكرة الإنسان... توضيح وبيان.

 ♦ الغذاء بين الصحة والمرض.



اللقاءات التليفزيونية:

له العديد من اللقاءات التليفزيونية على القنوات الفضائية كقناة الجزيرة وقناة الحكمة

 وقناة الصحة والجمال وقناة مكة الفضائية وقناة الرحمة الفضائية.. إلخ منها:

1- لقاء عن العلاج بالألوان على قناة الجزيرة (برنامج هذا الصباح).

2- لقاء عن الإعجاز العلمي في القرآن على قناة الحكمة الفضائية.

3- عدة لقاءات على قناة الصحة والجمال منها:

♦ سلامة عينك 1 في برنامج (خد بالك)

♦ سلامة عينك 2 في برنامج (خد بالك)

♦ أسرار البكاء والدموع في برنامج (خد بالك)

♦ الإعجاز العلمي في الصلاة الجزء الأول في برنامج دواء من السماء.

♦ الإعجاز العلمي في الصلاة الجزء الثاني في برنامج دواء من السماء.

♦ العلاج بالألوان في برنامج دواء من السماء.

 4- عدة حلقات(5 حلقات) على قناة الصحة والجمال.

♦ برنامج دواء من السماء بعنوان (العين بينات علمية ودلائل إعجازية)

 [ يوم  3ويوم 10 ويوم 17 ويوم 24 ويوم 31 شهر 9 عام 2009].

5- عدد 7 حلقات عن العيون على قناة مكة الفضائية.

6- حلقتين على "قناة الرحمة الفضائية" الأولى بعنوان أسرار الدموع واعجاز الخلق والثانية بعنوان أسرار العين واعجاز الخلق.



المؤتمرات الدولية:

♦ مؤتمر الجزائر الثاني للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بولاية الشلف - الإعجاز الطبي والدوائي - فبراير 2009م.

 ♦ مؤتمر الجزائر الدولي الثالث للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بولاية سيدى بلعباس - ديسمبر – محور علوم الأرض 2009م.

♦ عضو مشارك ومؤسس في مركز الجزائر الدولي للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

 ♦ المؤتمر السنوي الخامس للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجامعة المنصورة-مصر

 بالاشتراك مع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة - أبريل 2010م.

 ♦ مؤتمر المغرب الدولي الثالث للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بكلية العلوم بتطوان بالمملكة المغربية17-19 سبتمبر 2010م.

 ♦ مؤتمر المنوفية الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بسرس الليان-مصر بالاشتراك

 مع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة-يوليو 2011.

 ♦ المؤتمر السنوي السادس للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجامعة المنصورة -

مصر بالاشتراك مع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة – 13مارس 2012م.

♦ مؤتمر الاعجاز العلمي في القرآن والسنة بإسطنبول – تركيا – أكتوبر 2012م.



الجوائز:

♦ حاصل على الطبيب المثالي على مستوى جمهورية مصر العربية لعام 2005م.

♦ فاز في المسابقة العالمية التي نظمتها لجنة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم،

بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بالاشتراك مع وقف الفنجري عام 2005م.

♦ كرمته نقابة أطباء دمياط في يوم الطبيب بإعطائه درع النقابة نظرا لتميزه وإسهاماته في مجال الإعجاز العلمي

إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله

بسم الله الرحمن الرحيم

إبراهيم بنُ محمَّد بن طلحة:
كان يسمى أسد قريش، وأسد الحجاز. أمه خولة بنت منظور بن زَبَّان. وكان إبراهيم أخا حسن بن حسن بن عليّ لأمه.
وَلَدَ إبراهيمُ بن محمد: عمرانَ، وأمه زينب بنت عمرو بن أبي سلمة المخزوميّ؛ ويعقوبَ، وصالحًا، وسليمانَ، ويونسَ، وداودَ، واليَسَعَ، وشعيبًا، وهارونَ، وأمَّ كلثوم، وأمَّ أبان، وأمهم أم يعقوب بنت إسماعيل بن طلحة، وأمها لُبانة بنت العباس بن عبد المطلب؛ وعيسى، وإسماعيلَ، وموسى، ويوسفَ، ونوحًا، وإسحاقَ لأمهات أولاد؛ وإسماعيلَ الأكبر، وأمَّ أبيها ــ تزوجها عمر بن عبد العزيز بن مروان فولدت له ــ وأمَّ كلثوم، وأمهم أم عثمان بنت عبد الرحمن بن عبد الله المخزوميّ، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق.
كان إبراهيم أعرجًا، شريفًا، صارمًا، وكانت له عارضة، ونفس شريفة، وإقدام بالكلام بالحق عند الأمراء والخلفاء. قال عبد الرحمن بن أبي الزِّناد: حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة، وخرج إبراهيم بن محمد تلك السنة، فوافاه بمكّة فجلس لهشام على الحجر، فطاف هشام بالبيت، فلمَّا مرَّ بإبراهيم صاح به إبراهيم أنشُدك الله في ظلامتي، قال: وما ظلامتك؟ قال: داري مقبوضة، قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فأين كنت عن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فأين كنت عن سليمان؟ قال: ظلمني والله، قال: فأين كنت عن عمر بن عبد العزيز؟ قال: رحمه الله ردَّها عليَّ، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، وهي اليوم في يدي وكلائك ظلمًا، قال: أما والله لو كان فيك ضرب لأوجعتك، قال: فيَّ والله ضرب للسوط والسيف، فمضى هشام وتركه، ثم دعا الأبرش الكلبي، وكان خاصًا به، فقال: يا أبرش كيف ترى هذا اللسان؟ هذا لسان قريش لا لسان كلب، إن قريشًا لا تزال فيهم بقيَّة، ما كان فيهم مثل هذا. قال عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمد بن عَمَّار بن ياسر: جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزوميّ وهو عامله على المدينة: "أن تَحُطَّ فرض آل صُهَيْب بن سنان إلى فَرْضِ الموالي"، ففزعوا إلى إبراهيم بن محمد، وهو عَريف بني تَيْم ورأسها، فقال: سأجهد في ذلك ولا أترك، فتشكَّروا له، وجزوه خيرًا، قال: وكان إبراهيم بن هشام يركب كل سبت إلى قُباء، فجلس إبراهيم بن محمد على باب دار طلحة بن عبد الله بن عوف بالبَلاط، وأقبل إبراهيم بن هشام، فنهض إليه إبراهيم بن محمد، فأخذ بمعرفة دابته، فقال: أصلح الله الأمير، حلفاء ولد صُهَيْب وصهيب من الإسلام بالمكان الذي هو به، قال: فما أصنع؟ جاء كتاب أمير المؤمنين فيهم، والله لو جاءك لم تجد بدًّا من إنفاذه، قال: والله إن أردت أن تحسن فعلت وما يرد أمير المؤمنين قولك، وإِنك لوالد فافعل في ذلك ما يعرف، فقال: ما لك عندي إلاَّ ما قلت لك، فقال إبراهيم بن محمد: واحدة أقولها لك، والله لا يأخذ رجل من بني تَيْم درهمًا حتى يأخذ آل صهيب، قال: فأجابه والله إبراهيم بن هشام إلى ما أراد، وانصرف إبراهيم بن محمد، فأقبل إبراهيم بن هشام على أبي عُبيدة بن محمد بن عمَّار وهو معه، فقال: لا يزال في قريش عِزّ ما بقي هذا، فإذا مات هذا ذَلَّت قريش. قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: أُمر لأهل المدينة بالعطاء في خلافة هشام بن عبد الملك، فلم يَتِمّ من الفيء، فأمر هشام أن يتم من صدقات اليمامة، فحُمل إليهم، وبلغ ذلك إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال: والله لا نأخذ عطاءنا من صدقات الناس وأوساخهم حتى نأخذه من الفيء، وَقَدِمَت الإبلُ تحمل ذلك المال، فخرج إبراهيم وأهل المدينة، فجعلوا يَرُدُّون الإبل، ويضربون وجوهها بأكِمَّتهم، والله لاَ يَدْخلها وفيها درهم من الصدقة، فرُدت الإبل، وبلغ هشام بن عبد الملك، فأمر أن تُصرف عنهم الصدقة، وأن يُحمل إليهم تمام عطائهم من الفيء.
كان قليل الحديث، وقد روى عن أبي هُريرة، وابن عمر، وابن عباس.
قال ابن أبي ذِئْب: حضرت إبراهيم بن محمد بن طلحة، ومات بمِنى أول ليلة جَمْع، فدُفن أسفل العقبة وهو محرم، فرأيت وجهه ورأسه مكشوفًا، فسألت، فقالوا: هو أمر بذلك، فمر به عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وأنا أنظر، فخمَّر وجهه ورأسه، كما فعل بأبيه ومرَّ به المُطَّلب بن عبد الله بن حنْطب، فكشف عن وجهه ورأسه، كما فُعِل بعبد الله بن الوليد المخزوميّ، فدُفن على ذلك.

مع الفاروق / د. سعود الفنيسان

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد قائد الغر المحجلين، ثم السلام على أولئك الأبطال الميامين الذين جاهدوا في الله حق جهاده ولم تأخذهم في الله لومة تلائم ، وبعد :

الحديث عن الرعيل الأول وسيرهم سيما المبرزون فيهم قربة إلى الله تعالى ؛ فنجلي بعض المعالم لجوانبهم؛ لتكون لنا مشاعل نور وهدى في حياتنا ، وغرس تلك الخصال في هذا الجيل .

نقدم بين أيديكم باكورة سلسلة ( مع الرعيل الأول)حيث يتقدمها: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي اله عنه وأرضاه – فنبرز بعض مزاياه. وإن كان الحديث فيه وعنه لا يمل، بيد أني أعرج على الجوانب الأكثر نصاعة وشروقا. ففي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال -: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا لعمر ، فذكرت غيرته فوليت مدبراً" فبكى عمر -رضي الله عنه وأرضاه- وقال أعليك أغار يارسول الله ؟ وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله –عليه الصلاة والسلام - يقول:" بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك ، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا فما أولته يارسول الله؟ قال الدين .

و موافقة عمر القرآن لعل الشيء الكثير لا يخفى عليكم، حيث يغني إعادته هنا.

عمر بن الخطاب: هو ذلك الرجل الذي مصر لأمصار وجند الأجناد وكسر كسرى وقصر قيصر، ونصر الله به الإسلام وأهله أذل الشرك وجنده ، وأنك حينما تقارن بين رأي أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وبين رأي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تجد البون شاسعاً، والفرق واضحاً، فأبو بكر يميل إلى اللين من غير ضعف في حدود الله، وإلى السهولة والرفق، أما عمر فينحو نحو الشدة والصرامة والقوة، وبين ذلك حكم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بينهما فقد جاء في الحديث أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام -سأل أبا بكر متى توتر؟ فقال أول الليل قبل أن أنام، وسأل عمر متى توتر؟ فقال آخر الليل. فقال عليه الصلاة والسلام لعمر أخذت بالعزم، وقال لأبي بكر أخذت بالحزم، فكان عمر تغلبه شدته في العزم على قيام الليل، أما أبو بكر فيخشى أن لا يقوم الليل فيفوته الوتر ولذلك يأتي به في أوله .

ولو قارنت بين آراء أبي بكر واجتهاداته مع آراء عمر واجتهاداته لعرفت كلا الشيخين، فكأن هذا يغرف من بحر وكأن هذا يقد من صخر -رضي الله عنهما وأرضاهما-. أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :"إن الله باهى بأهل عرفة وباهى بعمر خاصة " وأخرج الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنه- وأبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام :"بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها أبو بكر فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعته ضعف- والله يغفر له- ثم جاء عمر بن الخطاب فاستقى فاستحالت في يده غربا فلم أرَ عبقريا من الناس يفري فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن ".

ومعنى الضرب :هي الدلو العظيمة الكبيرة . قال النووي في تهذيبه تعليقا على هذا الحديث : قال العلماء: هذا إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر، وكثر الفتوح، وظهور الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه- وكان كثيرا ما يتجول في أنحاء المدينة ويجمع نوى التمر ووبر الإبل وصوف الغنم ويلقيها على الناس في منازلهم لينتفعوا بها .

وفي ذات مرة جاء أعرابي فوجده نائما تحت ظل شجرة وليس عنده أحد؛ فقال الإعرابي: عدلت فأمنت الناس ياعمر . ( فذهب كلامه مثلا) وقد سمع رضي الله عنه غير مرة يقول مخاطبا نفسه :عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ يابن الخطاب والله لتتقين الله أو ليعذبنك عذابا لايعذبه أحداً غيرك ).

ولقد أيده الله بكرامات عدة أجراها على يده منها: أنه كان في الجمع يخطب على المنبر فقطع الخطبة وقال بأعلى صوته "ياساريةُ الجبلَ الجبلَ ) ثلاث مرات. وسارية هذا أحد قواده في جيشه، وهو في أرض إيران، فسمع ساريةُ كلامه فامتثل أمره وانتصر، فلما جاء الجيش بعد شهر قال سارية: والله ياأمير المؤمنين بينا نحن في صباح يوم كذا هزمنا فلما اعتدلت الشمس ودنت إلى الزوال سمعت صوتا يدوي من الجبل (ياساريةُ الجبلَ الجبلَ ) ثلاث مرات فامتثلت أمره وتحصنت به فماهي إلا ساعة فهزمنا الجيش وانتصرنا، وهذا الغنائم بين يديك يا أمير المؤمنين - ونحمد الله عل ذلك ونشكره -.

كان رضي الله عنه مهتما بأمر المؤمنين ليلا ونهاراً، حتى أنه قال رضي الله عنه: "والله إني لأعقد ألوية الجيش وأنا في الصلاة ) وقد أخرج أنس بن مالك في الموطأ قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول أبيات منها :-

تطاول هذا الليل واسود جوانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه

فو الله لو لا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه

فعند الصباح سألها عمر بن الخطاب عن زوجها قيل: هو في الجيش الذي عزوته في شهر كذا، فدخل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على ابنته حفصة فقال: أي بنية! كم تصبر المرأة عن زوجها؟ -فخفضت رأسها حياءً- فقال أي بنية إن الله لا يستحيي من الحق! فكم تصبر المرأة؟ قالت: شهرين فثلاثة أما بعد الرابع فلا تصبر! فأمر رضي لله عنه بأن لا يمكث الجيش أكثر من أربعة أشهر .

لقد كان الفاروق -رضي الله عنه- مثال الخليفة الراشد الغيور على شعبه، البار بالضعفاء والمساكين، ولم ينظر إلى الكبراء والأغنياء.

فلقد كان يجوع ليشبع الناس، ويسهر ليستريح الناس، ويلبس الثياب البالية ليكتسي شعبه .

وثمة روائع سطرها عمر في الرحمة وإدراك حجم المسؤولية التي تقلدها ، فقد أخبر أسلم -خادم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- قال: خرجت مع عمر ذات ليلة وبعدنا عن المدينة ؛ونحن نتفقد أهل المنازل، فبصرنا بنار من بعيد فقال: عمر إني أرى هاهنا ركبانا قصر بهم الليل والبرد! انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صبيان، وقدر منصوبة على نار وليس فيها إلا الماء! وصبيانها يتضاغون من الجوع. فسلم عمر. ثم سأل المرأة: ما بالكم؟! قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغنون؟ قالت: الجوع. قال: وأي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به؛ حتى يناموا- والله بيننا وبين عمر- (أي تشكيه إلى الله وهي لا تعرفه ) فقال: أي يرحمك الله! وما يدري عمر بكم! قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا. قال أسلم: فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وكبة من سمن، وقال: أحمله عليَّ، قلت: يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك ، قال: مغضبا أأنت تحمل وزري يوم القيامة لاأم لك ! فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إليها ونهرول فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئا، وجعل يقول ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ النار تحت القدر-وكانت لحيته كثيفة عظيمة فرأيت الدخان يخرج من خلالها- حتى طبخ، وجعل يقول

:أطعميهم وأنا أسطح لهم ( أبرد لهم ) فلم يبرح مكانه حتى شبعوا وناموا، وجعلت المرأة تقول: جزاك الله خيراً لأنت أولى من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيرا ، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتيني هناك إن شاء الله .

هل يعمل مثل هذا ملك من ملوك الدنيا أو قائد من قوادها أو وزير من وزرائها؟ بل هل يعمل هذا رجل عسس بالليل؟ هل يعمل هذا متطوع يريد الخير؟! لا أظن ذلك أبدا.

مزية أخرى من مزايا عمر -رضي الله عنه- أنه ذات يوم قدمت قافلة إلى المدينة وفيها النساء والصبيان، فقال الخليفة عمر لعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- :هل لك أن تذهب نحرسهم هذه الليلة؟ قال لا أحب إليَّ من ذلك! فباتا يحرسانهم، ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء صبي، فتوجه نحوه فقال لأمه: أحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه فسمعه مرة أخرى فعاد إليها وقال: ويحك إني أراك أم سوء؛ مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة! قالت المرأة: -وهي لا تعرف أمير المؤمنين- ياعبد الله ابرمتنني منذ الليلة أريغه عن الفطام فيأبى [ أي يريد أن أفطمه قسرا ] قبل أن يبلغ سن الفطام، قال عمر: ولم ذلك؟ قالت:لأن أمير المؤمنين لا يفرض إلا للفطيم. قال: وكم له؟ قالت؟ كذا وكذا شهرا. فصلى رضي الله عنه الفجر وما يتبين الناس صوته من شدة البكاء فلما سلم من الصلاة قال: يابؤساً لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين . ثم أمر منادٍ أن ينادي أن لا تجعلوا صبيانكم على الفطام فإنا نفرض لمن ولد على الفطرة، وكتب بذلك إلى عماله في الآفاق .

أيم الله لو فتشنا كتب التاريخ وقرأنا سير الأبطال وفاتحي الفتوح وممصري الأمصار لما وجدنا فاتحا أقوى وأرحم وأشفق على شعبه من عمر الفاروق .

وإننا حينما ننظر إليه مرة أخرى في موقفه عندما ذهب خارج المدينة يتفقد أحوال المسلمين الذين يحاربون في القادسية، فإذا بأعرابي على جمله يقبل مبشرا بالفتح إلى أمير المؤمنين ، فيلاقيه عمر بلهف وشغف ومحبه يريد الاستفسار، وعمر قد أمسك بحقب بعيره يهرول خلفه والأعرابي، يقول: دعني أبشر أمير المؤمنين ، وهو لايعرفه، لأن الأمير في العادة في غير الإسلام أنه يقبع في قصره، وأنه لا يصل إليه إلا من أحب .

وأروع من هذا لما خرج عمر على عادته يتفقد أحوال المدينة فإذا هو ببيت شعر ينبعث منه أنين امرأة، وعلى الباب شيخ قد طعن في السن، فسلم عليه عمر وقال: من الرجل؟ فقال: رجل من البادية جاء ليهيب من فضل أمير المؤمنين، قال عمر: ما هذا الصوت والأنين الذي اسمع داخل البيت؟ فقال: دع ما لا يع************، فألح علية حتى قال: إنها امرأة تمخض ]أى كانت قرب الولادة[ وليس عندها من يولدها ، فعاد عمر -رضي الله عنه- من ساعته مسرعا، ودخل على زوجته أم كلثوم -ابنة على بن أبى طالب رضى الله عنها- وقال: هل لك فى خير ساقه الله إليك؟ قالت نعم. فأخذت ما يحتاج إليه الوليد الجديد من ثياب، وما تحتاج إليه المرأة من سمن وغيره، وحمل الخليفة الفاروق القدر على رأسه، وذهب هو وزوجته على الرجل، ودخلت أم كلثوم على المرأة وما هي إلا لحظات حتى ولدت المرأة. فقالت زوجة عمر: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بمولود جديد، فما كان الرجل إلا أن تباعد وارتعدت مفاصله، ولكن عمر طمأنه وقال: مكانك! كل ويحك إنك طول الليل لم تذق طعاما ولا نوما، وقال عمر للرجل: إذا كان الغد فإننا نفرض لك ما يصلحك ونفرض لابنك في الذرية .

والله إن لا أعلم في كل ما قرأت أو سمعت من كتب التاريخ وسير الأبطال والقواد أروع ولا أنبل ولا أسمى ولا أرفع من هذه الحادثة ولا أعجب من ذلك ؛لأن فاعلها قد تخرج من مدرسة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وعمر بن الخطاب ليس هناك علم وليس له فيه باع طويل ولا طريق يهدي إلى الحق إلا وله فيه يد طولى .

ولقد كان رضي الله عنه يحاسب ولاته وقضاته على الأمصار بما دق وجل، فلما بلغه أن عامله سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قد احتجب عن الرعية في قصره بالكوفة، فأمر محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- أن يخرج إليه ويشتري حزمة حطب ويحرق عليه قصره ، ففعل محمد بن مسلمة، فلما أحس سعد بلهب النار ناحية قصره، قال محمد بن مسلمة: والله يا سعد لأنا من أصدق أصدقائك وأحبابك، ولكن أمير المؤمنين أمرني بأمر فلابد من تنفيذه، وقدم سعد إلى المدينة فحاسبه عمر -رضي الله عنه- وقد ولى على حمص (سعيد بن عامر ) حاكما من قبله، فلما جاء أحد الوفود إلى المدينة سألهم عن سعيد وكيف حالته معهم، فقال لي يأمير المؤمنين، إنا نعيب عليه أربع خصال، قال ها توها، قالوا: الأولى لا يخرج إلينا الأضحى، والثانية لا نراه بالليل، والثالثة يحتجب عنا يوما في الشهر، والرابعة يصيبه إغماء بين حين وحين. فاستقدمه عمر -رضي الله عنه- فقال سعيد: يا أمير المؤمنين لقد صدقوا؛ فإنه ليس عندي خادم يقضي حوائجي وزوجتي مريضة فأجلس أمرضها حتى الضحى فأخرج إليهم ، أما الثانية: فإني جعلت النهار لهم والليل لعبادة الله ، وأما الثالثة: فإنه ليس لي إلا ثوب واحد فأغسله كل شهر فأجلس في بيتي حتى يجف فأخرج إليهم، وأما الإغماء بين الحين والحين فكلما تذكرت مصرع الشهيد خبيب بن عدي أصابتني صرعة ، فهذا ما شكوني من أجله .فشكر له عمر صنيعه .

وفي آخر سنة ثلاثة وعشرين لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح ، وحثى حثوة من تراب واستلقى عليها ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم قد كبر سني وضعفت قوتي وانتشر رعيتي فأقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط . فلم ينسلخ شهر ذي الحجة من هذه السنة حتى قتل شهيدا -رضي الله عنه وأرضاه- وقد قتله أو لؤلؤة- لعنه الله – غلام المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- وكان عمر -رضي الله عنه- يكره أن يكثر العلوج [أي العبيد في المدينة] ولكن المغيرة قد كتب إلى عمر -رضي الله عنه- يخبره بأن غلامه لديه صنائع كثيرة يستفيد منها الناس: فهو نجار، وحداد، ونقاش، فأذن له عمر، فجاءه هذا الغلام ذات يوم يشكو إليه شده المغيرة يطلبه أن يخفف عنه ما وضعه عليه من الدين فرأى أنه يشتغل بعدة صنعات وليس عليه، فما فرض عليه ثقل، فقال له عمر: ألست تصنع رحى وتحطن بالريح؟ فقال: والله لأصنعنَّ لك رحى يتحدث بها الناس، فقال عمر -رضي الله عنه- لقد توعدني هذا العبد! ولقد رأى خبره ذلك في رؤيا مفزعة. قال: رأيت كأن ديكا ينقرني فأولته بدنو أجلي، فكان كما قال رضي الله عنه وأرضاه . فصنع أبو لؤلؤة سكينا ذات جانبين رسمها، فلما خرج عمر -رضي الله عنه- يوقف الناس لصلاة الفجر، دخل أبو لؤلؤة في الصف الأول، فلما قامت الصلاة وكان عمر يلتفت إلى المؤمنين ويقول ،استووا يرحمكم الله انقض إليه هذا العلج وطعنه عدة طعنات سقط على إثرها وقتل عدد من المصلين، قيل: اثنا عشر وقيل تسعة وقيل ستة ، فقام إليه بعض المصلين وألقى عليه غطاء غمه فيه، فلما عرف أنه مسك قتل نفسه -عليه لعنت الله- ومن كان في آخر الصفوف لا يعلمون شيئا عن الحادثة ، إلا أنهم فقدوا صوت عمر وأخذوا يقولون: سبحان الله، فأمسك عمر بيد عبد الرحمن بن عوف وقدمه في الصلاة، وصلى بهم صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا حملوه إلى بيته وسقوه شيئا من خمر فلم يعرفوا عنه شيئا، فسقوه قدحا من لبن فخرج من جوفه فعلموا أنه قد مات، وقبل ذلك بلحظات قال عمر لابن عباس: انظر لي من القاتل؟ فنظر فقال: أبو لؤلؤة. قال: العلج! قال: نعم. قال عمر -رضي الله عنه- الحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد رجل يدعي الإسلام .

فستأذن أن يدفن في حجرة عائشة مع النبي -عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر الصديق ، فقالت عائشة: لقد كنت أحتسبه لنفسي والآن سؤثر به عمر على نفسي -رضي الله عنهما وأرضاهما- وبهذا انتقل إلى الملأ الأعلى والتقى بحبيبه الرسول-عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر، بعد أن حكم في الإسلام ما يقرب من عشر سنين وبضعة أشهر، فغفر الله له ورحمه وأنزل قبره الرحمة والغفران .

سيرته رضي الله عنه طويلة عريضة لا تمل فوالله ما أردت هذا الطول، ولكن لكلما كتبت جملة من أخباره تذكرت أخرى من قضاياه وسمعت أخرى من حكمه وقرأت ثانية في سيرته ،وأود أن لا ينقطع الحديث عنه وعن أخباره وقضاياه .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفرة والملحدين الله،ولي علينا خيارنا وابعد عنا شرارنا ،اللهمَّ ولِّ علينا من يجعل الرسول خير أسوة وعمر وأمثال عمر خير قدوة ، اللهم اجعلنا من يتبع الرسول وأصحابه في كل مادق وجل وما خفي وما ظهر، اللهم أنزل عذابك وبلائك على الظالمين الجبابرة ، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ياقوي ياعزيز.

مناقب الإمام مالك رحمه الله

الخطبة الأولى



أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102].

الحديث عن العظماء من العلماء ليس أمرًا سهلاً، فمهما اجتهدت لتستوعب حياة أحدهم فسيعجز قلمك، ويقصر علمك، بل قد يغيب عنك الأهم دلالة والأبلغ تأثيرًا. سيرة العظماء من العلماء الأوائل هي القدوة المثلى، وإبرازها تحفيز لفتياننا وفتياتنا للإفادة منها، ولئلا يلتفتوا لقدوات هزيلة هابطة لا وزن لها في الحياة ولا قيمة لها في التاريخ.

حديثنا عن العلماء ليس تعصبًا لأحد منهم، فكل إنسان يُؤخذ منه ويُردّ إلا المعصوم .

عظيمنا إمامٌ نشأ في طيبة الطيبة، ونهل من معينها، وارتفع ذكره، وملأ الأرض علمه، جلس للتدريس في جنبات هذا المسجد النبوي الشريف حتى إذا قيل: عالم المدينة أو إمام دار الهجرة لا ينصرف إلا إليه.

ولد الإمام مالك بن أنس في مدينة رسول الله ، نشأ محبًا للعلم مغترفًا منه، على الرغم من فقره وقلة حاله. أمُّ الإمام مالك أحسنت توجيه ابنها، أتت له وقالت: "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه"[1]، هذه المرأة عرفت دورها في الحياة، ورسالتها في التربية وإعداد الجيل، وأن الأدب قرين العلم، ولا قيمة للعلم بلا أدب، والأدب في ابتداء العلم وأثناء العلم، فصنعت هذه المرأة رجلاً صنع أمة.

ليست مهمة الأم تغذيةَ الجسد والعمل على وقايته من الأمراض فحسب، بل رسالتها أجل وأكبر وأعظم، رسالتها تقوية الإيمان، وبناء الشخصية، وتنمية العقل، وحفز الهمم نحو المعالي، ولن تبلغ ذلك حتى تذوي كل الهموم الدنيوية أمام هم التربية الأكبر. لقد صبغت هذه الكلمة حياة مالك حقيقة لا قولاً، وواقعًا لا خيالاً، فغدا مدرسة في الأدب ينهل طلابه من هيئته وسمته، وتقتبس الأمة من سيرته.

قال مالك لفتى من قريش: "يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم"[2]، وقال ابن وهب: "الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه"[3]، وقد تعلموا منه علمًا كثيرًا. وقال يحيى بن يحيى التميمي: "أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة أتعلم هيئته وشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين"[4].

إن الأسلوب الحديث في التعليم يبدو أحيانًا نصوصًا مجردة من مضامينها الأدبية، ومدلولاتها الخلقية، ففقد التعليم بذلك بهاءه وجماله، وأثره واتساعه، وإذا فُصل بين العلم والأدب فمهما كان المخزون العلمي والثراء المعرفي فإنك واجد ضعفًا شديدًا في أثر العلم على الأخلاق والسلوك، وتزكية الأعمال وصلاح القلوب، ولا خير في علم امرئ لم يُكسبه أدبًا ويُهذبه خُلقًا.

الجفوة بين العلم والأدب تفرز أعراضًا مرضية، منها التهجم على العلماء، والتطاول على الفضلاء، وسوء الأخلاق، وشذوذ السلوك، وعقوق الوالدين، والتقليد الأعمى في الهيئة واللباس، مع اعتداء على المعلمين والمربين بالأقوال والأفعال.

كان لطيبة الطيبة أثر ملموس في بناء شخصية الإمام مالك، فقد كانت تعج بالعلماء والتابعين، تحتضنهم الجامعة الكبرى، والمدرسة الأولى، مسجد رسول الله ، على رأس كل حلقة من حلقات العلم في هذا المسجد النبوي يجلس عالم، والذين يرومون تربية صالحة لأبنائهم عليهم توفير محاضن آمنة دينًا صالحة خلقًا، لينشأ الفتى نقي السيرة سليم السريرة. ومن نافلة القول أن البيئة السيئة تهدم ولا تبني، ماذا يبقى بعد أن يُلقن الابن صباحًا القيم الإسلامية، ثم يأوي مساءً إلى جلساء السوء يفسدون ما أصلحه الوالدان؟! وماذا يبقى بعد أن يُلقن الولد الأدب لسنوات ثم يحمله والداه إلى أجواء ملوثة في دول لا تدين بالإسلام وهو ما زال غضًا طريًا، لتُنخَر عقيدته، ويضعف إيمانه وتزلزل قيمه وأخلاقه؟!.

جلس الإمام مالك للفُتيا ولم يجلس حتى شهد له سبعون شيخًا من أهل العلم أنه موضع لذلك، وفرق بين من يزكي نفسه ويصدِّرها ومن يصدره أهل العلم والفضل، يقول الإمام مالك: "وليس كل من أحبّ أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلستُ حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك"[5].

يقول الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي فما وافق السنة فخذوا به"[6]. يضع الإمام مالك رحمه الله منهجًا وسطًا بين من يتعصب للأئمة ويقلد تقليدًا أعمى، ويرفض الأدلة الصحيحة، وبين من يرفض أقوال الأئمة الأعلام ويقول: هم رجال ونحن رجال، وشتان ما بين رجال ورجال، شتان ما بين رجال خلد الله ذكرهم على مر القرون وهم أموات، ورجال لا وزن لهم ولا ذكر وهم أحياء، أولئك تحيا القلوب بذكرهم، وهؤلاء تموت القلوب بمجالستهم. إذا ذكر الأئمة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، فهؤلاء معهم أقزام، أولئك الأئمة لم يكونوا مجرد خزانة للنصوص، بل كانوا قممًا في الأدب والعلم، كانوا علماء في التقوى، علماء في العبادة، علماء في الزهد والورع والخشية والخوف إلى غير ذلك.

من الخطأ ـ عباد الله ـ احتقار أعمال الآخرين، ومن الجهل ظن بعضنا أن ما يقوم به من خير أفضل من غيره، أو يظن من أوتي شيئًا من العلم أن من سواه ليس على شيء أو ليس بشيء، أو يظن من أنكر منكرًا أو أمر بمعروف أنه أفضل من غيره، فهذه القدرات والمواهب والإمكانات أرزاق من الله وليست من البشر، وهذا هو الفهم العظيم الذي يرسمه الإمام مالك للأمة بكل فئاتها، أن خدمة الدين تنتظم الجميع في أي تخصص وميدان، دون أن يحرج أحد على أحد، فكل مسير لما خلق له.

كتب إلى الإمام مالك أحد عُبّاد عصره يحضه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك رحمه الله: "إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، وآخر فتح له في العلم، ونشرُ العلم من أفضل الأعمال، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر"[7] انتهى كلامه.

فأصحاب الصدقات والعباد والزهاد على خير، والباذلون في سبيل الله أوقاتهم والمنفقون أموالهم على خير، والوعاظ والدعاة والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر على خير، والذين يخدمون الدين بتخصصاتهم العلمية وشهاداتهم العالمية كلهم على خير إن أخلصوا النية لله رب العالمين لا شريك له، وفي الأمة أفراد يملكون قدرات عظيمة ومواهب فذة لو سخروها واستثمروها لنفع مجتمعهم وخدمة أمتهم لكان لهم ولها شأن آخر.

كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها"، فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: "إني أخاف أن يكون لي من السائل يوم وأي يوم"[8]. سأله رجل من أهل المغرب عن مسألة كلفه بها أهل المغرب أن يسأل الإمام مالكًا، فكان جواب الإمام مالك: "لا أدري، ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا، وما سمعنا أحدًا من أشياخنا تكلم فيها، ولكن تعود"، وفي اليوم التالي عاد الرجل فقال له الإمام مالك: "سألتني وما أدري ما هي"، فقال الرجل: يا أبا عبد الله، تركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك فقال الإمام مالك: "لا أحسن"[9].

وسأله أحدهم عن مسألة وطلب وقتًا للنظر فيها، فقال السائل هذه مسألة خفيفة، فرد الإمام مالك: "ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً[10] [المزمل:5]؟!"، وقال بعضهم: لكأنما مالك ـ والله ـ إذا سُئل عن مسألة واقف بين الجنة والنار.

هؤلاء العلماء الذين ملؤوا الدنيا بعلمهم وعملهم، يقول أحدهم أحيانًا: "لا أدري"، وإنك لتعجب أشد العجب من أقوام ليس لهم حظ يذكر من العلم الشرعي يؤهلهم للفتيا، ثم يتقحمون حمى الشريعة فيخوضون تحليلاً وتحريمًا، وقد تُطرح مسألة شرعية في منتدى أو مجلس فلا ينقضي المجلس حتى يُفتي الجميع على اختلاف فئاتهم وتخصصاتهم، هذا يقول: في ظني، وذلك: في اعتقادي، وآخر يجزم بالتحليل والتحريم، فسبحانك ربي هل غدا التحليل والتحريم والتوقيع عن رب العالمين مرتعًا للجهل والظنون والأوهام؟! لو خرج إلى الناس مهندس فأخذ يمارس الطب ويصف الدواء للمرضى, ماذا تقولون عنه؟! وبم تصفونه؟! وما مصيره؟! فكيف بمن يتقحم حمى الشريعة ويسوِّد صفحات الكتب والصحف بالتحليل والتحريم، وهو ليس من أهل الشريعة، فضلاً عن أن يكون من أهل الفتيا، خاصة في نوازل الأمة التي لو نزلت على عُمر لجمع لها أهل بدر؟!

لقد غدت الفتوى في عصرنا الحاضر مجالاً فسيحًا يتسابق فيه من يريد الشهرة أو من يلتمس رضى الناس بسخط الله.

إخوة الإسلام، مسائل العقيدة توقيفية لا يدخلها الاجتهاد، والمسائل التي فيها نص من الشارع لا يدخلها الاجتهاد، فلا اجتهاد مع نص، والمسائل المجمع عليها لا اجتهاد فيها، لأنه لا تجوز مخالفة الإجماع.

إن على الأمة أن تِكل النظر في مسائل العلم إلى أهله من العلماء العاملين، ويعطوا القوس باريها، وأن لا يدخلوا فيما لا يُحسنون في أي مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا قطع في حكم الله، يقول مالك رحمه الله: "من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب"[11].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



[1] ذكره ابن عبد البر في التمهيد (3/4) بنحوه.

[2] أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/330).

[3] انظر: السير (8/113).

[4] انظر: الديباج المذهب (ص350).

[5] انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (1/21).

[6] أخرجه ابن حزم في الإحكام (6/294). بنحوه.

[7] انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/185). والذي أرسل إليه هو عبد الله بن عبد العزيز العمري.

[8] انظر: الديباج المذهب (1/23).

[9] أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (ص18)، والخطيب في الفقيه و المتفقه (2/174)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/838) بنحوه.

[10] انظر: بدائع الفوائد (3/793) وإعلام الموقعين (4/218).

[11] انظر: الديباج المذهب (1/23).


الخطبة الثانية


الحمد لله عز وجل هو بارئ الخلق وواهب الرزق ومبدع الحياة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالعدل وهو خير العادلين، وأنصف في الحكم وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أصحابه الكرام وأتباعه الهداة الأعلام.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.

عباد الله، قد ينقدح في بعض الأذهان أن هؤلاء الأئمة العلماء لا يجيدون إلا مسائل الخلاف، ومناقشة الأقوال العلمية، وتخلو مجالسهم من أحاديث الوعظ والرقائق التي تلامس شغاف القَلوب وتذكر الجنة والنار، ولإبراز شمول حلقهم لشتى فنون العلم نشنف الآذان بموعظة بليغة يذكِّر فيها الإمام مالك رحمه الله أخًا له في الله فيقول: "ذكر نفسك غمرات الموت وكُربه، وما هو نازل به منك، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله ثم الحساب ثم الخلود بعد الحساب إلى الجنة أو إلى النار، وأعد له ما يسهل عنك به عنت أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله وما صاروا إليه من أهوال العذاب وشدة نقمة الله وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم لا يبصرون ولا يتكلمون، يدعون بالثبور، وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله تعالى عنهم بوجهه، وانقطاع رجائهم في إجابته إياهم حيث: قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون: 108]".

مرض الإمام مالك اثنين وعشرين يومًا، وبلغ من عمره حين وفاته سبعًا وثمانين سنة، وقيل: بلغ تسعين سنة، وعن ابن نافع: توفي مالك وهو ابن سبع وثمانين سنة، وأقام مُفتياً بالمدينة بين أظهرهم ستين سنة، رحم الله مالكًا فقد كان يقول: "أدركت ناسًا بالمدينة لم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوبًا، وأدركت ناسًا بالمدينة كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم".

ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الآل والصحب الكرام، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا أرحم الراحمين.

زياد علي

زياد علي محمد