الخميس، 5 سبتمبر 2019

أبو مسلم الخراساني

بو مسلم الخراساني

اسمه عبد الرحمن بن مسلم ، ويقال : عبد الرحمن بن عثمان بن يسار الخراساني ، الأمير ، صاحب الدعوة وهازم جيوش الدولة الأموية ، والقائم بإنشاء الدولة العباسية .

كان من أكبر الملوك في الإسلام . كان ذا شأن عجيب ونبأ غريب من رجل يذهب على حمار بإكاف من الشام حتى يدخل خراسان ، ثم يملكخراسان بعد تسعة أعوام ، ويعود بكتائب أمثال الجبال ، ويقلب دولة ، ويقيم دولة أخرى ! .

ذكره القاضي شمس الدين بن خلكان فقال : كان قصيرا ، أسمر ، جميلا ، حلوا ، نقي البشرة ، أحور العين ، عريض الجبهة ، حسن اللحية ، طويل الشعر ، طويل الظهر ، خافض الصوت ، فصيحا بالعربية وبالفارسية ، حلو المنطق ، وكان راوية للشعر ، عارفا بالأمور ، لم ير ضاحكا ، ولا مازحا إلا في وقته ، وكان لا يكاد يقطب في شيء من أحواله .

تأتيه الفتوحات العظام ، فلا يظهر عليه أثر السرور ، وتنزل به الفادحة الشديدة ، فلا يرى مكتئبا . وكان إذا غضب لم يستفزه الغضب . . . إلى أن قال : وكان لا يأتي النساء في العام إلا مرة - يشير إلى شرف نفسه ، وتشاغلها بأعباء الملك .

قيل : مولده في سنة مائة وأول ظهوره كان بمرو ، في شهر رمضان ، يومالجمعة من سنة تسع وعشرين ومائة ، ومتوليخراسان إذ ذاك الأمير نصر بن سيار الليثي ، نائب مروان بن محمد ، الحمار ، خاتمة خلفاء بني مروان ، إلى أن قال : فكان ظهوره يومئذ في خمسين رجلا . وآل أمره إلى أن هرب منه نصر بن سيار قاصدا العراق فنزل به الموت بناحية ساوة ، وصفا إقليم خراسان لأبي مسلم ، صاحب الدعوة ، في ثمانية وعشرين شهرا .

قال : وكان أبوه من أهل رستاق فريذين من قرية تسمى : سنجرد ، وكانت هي وغيرها ملكا له . وكان يجلب في بعض الأوقات ، مواشي إلىالكوفة . ثم إنه قاطع على رستاق فريذين . يعني ضمنه فغرم . فنفذ إليه عامل البلد من يحضره ، فهرب بجاريته وهي حبلى ، فولدت له هذا . فطلع ذكيا ، واختلف إلى الكتاب ، وحصل ، ثم اتصل بعيسى بن معقل ، جد الأمير أبي دلف العجلي ، وبأخيه إدريس بن معقل ، فحبسهما أميرالعراق على خراج انكسر ، فكان أبو مسلم يختلف إليهما إلى السجن ، ويتعهدهما .

وذلك بالكوفة ، في اعتقال الأمير خالد بن عبد الله القسري ، فقدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، والد المنصور والسفاح ، فدخلوا على الأخوين يسلمون عليهما ، فرأوا عندهما أبا مسلم ، فأعجبهم عقله وأدبه وكلامه ، ومال هو إليهم . ثم إنه عرف أمرهم ودعوتهم - يعني إلى بني العباس - ثم هرب الأخوان : عيسى وإدريس من السجن ، فلزم هو النقباء ، وسار صحبتهم إلى مكة ، فأحضروا إلى إبراهيم بن الإمام - وقد مات الإمام محمد - عشرين ألف دينار ، ومائتي ألف درهم ، وأهدوا له أبا مسلم ، فأعجب به . وقال إبراهيم لهم : هذا عضلة من العضل .

فأقام أبو مسلم يخدم الإمام إبراهيم ، ورجع النقباء إلى خراسان .

 فقال : إني قد جربت هذا الأصبهاني ، وعرفت ظاهره وباطنه ، فوجدته حجر الأرض . ثم قلده الأمر ، وندبه إلى المضي إلى خراسان. فكان من أمره ما كان .

قال المأمون : أجل ملوك الأرض ثلاثة ، الذين قاموا بنقل الدول ، وهم : الإسكندر ، وأزدشير ، وأبو مسلم .

قال أبو القاسم بن عساكر : ذكر أبو الحسن محمد بن أحمد بن القواس في " تاريخه " : قدم أبو مسلم هو وحفص بن سلمة الخلال على إبراهيم بن محمد الإمام ، فأمرهما بالمصير إلى خراسان . وكان إبراهيم بالحميمة من أرض البلقاء ، إذ ذاك سمع أبو مسلم من عكرمة .

هكذا قال الحافظ أبو القاسم . وهذا غلط . لم يدركه .

قال : وسمع ثابتا البناني ، وأبا الزبير المكي ، ومحمد بن علي الإمام ، وابنه ، وإسماعيل السدي وعبد الرحمن بن حرملة .

روى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ ، وابن شبرمة الفقيه ، وعبد الله بن منيب ، وعبد الله بن المبارك وغيرهم .

قلت : ولا أدرك ابن المبارك الرواية عنه ، بل رآه .

قال أبو أحمد علي بن محمد بن حبيب المروزي : حدثنا أبو يوسف محمد بن عبدك ، حدثنا مصعب بن بشر ، سمعت أبي يقول : قام رجل إلى أبي مسلم وهو يخطب ، فقال : ما هذا السواد عليك ؟ فقال : حدثني أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكةيوم الفتح ، وعليه عمامة سوداء وهذه ثياب الهيبة ، وثياب الدولة . يا غلام ، اضرب عنقه ! .

وقال جماعة : حدثنا أبو حاتم أحمد بن حسن بن هارون الرازي ، أنبأنا محمد بن محمد بن أبي خراسان ، حدثني أحمد بن محمد المروزي ، حدثناعبد الله بن مصعب ، حدثنا أبو حامد الداودي ، قال : دخل رجل وعلى رأس أبي مسلم عمامة سوداء . فقال : ما هذا ؟ قال : اسكت ، حدثني أبو الزبير عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح ، وعلى رأسه عمامة سوداء يا غلام ، اضرب عنقه ! .

ورويت القصة بإسناد ثالث مظلم .

قلت : كان أبو مسلم سفاكا للدماء ، يزيد على الحجاح في ذلك . وهو أول من سن للدولة لبس السواد .

قال محمد بن جرير في " تاريخه " : ذكر علي بن محمد - يعني المدائني - أن حمزة بن طلحة السلمي حدثه عن أبيه قال : كان بكير بن ماهانكاتبا لبعض عمال السند ، فقدم ، فاجتمعوا بالكوفة في دار ، فغمز بهم فأخذوا ، فحبس بكير ، وخلي عن الآخرين . وكان في الحبس أبو عاصم ،وعيسى العجلي ، ومعه أبو مسلم الخراساني فحدثه ، فدعاهم بكير ، فأجابوه إلى رأيه . فقال لعيسى العجلي : ما هذا الغلام ؟ قال : مملوك . قال : تبيعه ؟ قال : هو لك . قال : أحب أن تأخذ ثمنه . فأعطاه أربعمائة درهم .

ثم أخرجوا من السجن . وبعث به إلى إبراهيم بن محمد ، فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج ، فسمع منه ، وحفظ ، ثم اختلف إلى خراسان .

[ ص: 52 ] وقال غيره : توجه سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، ولاهز ، وقحطبة بن شبيب ، من بلاد خراسان للحج في سنة أربع وعشرين ومائة . فدخلوا الكوفة ، فأتوا عاصم بن يونس العجلي ، وهو في الحبس فبدأهم بالدعاء إلى ولد العباس ، ومعه عيسى بن معقل العجلي وأخوه ، حبسهما عيسى بن عمر أمير العراق فيمن حبس من عمال خالد القسري . هكذا في هذه الرواية . قال : ومعهما أبو مسلم يخدمهما ، فرأوا فيه العلامات . فقالوا : من أين هذا الفتى ؟ قال : غلام معنا من السراجين . وقد كان أبو مسلم إذا سمع عيسى وإدريس يتكلمان في هذا الرأي بكى . فلما رأوا ذلك ، دعوه إلى ما هم عليه - يعني من نصرة آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجاب .

قال أبو الحسن بن رزقويه : أنبأنا مظفر بن يحيى ، حدثنا أحمد بن محمد المرثدي ، حدثنا أبو إسحاق الطلحي ، حدثني أبو مسلم محمد بن المطلب بن فهم ، من ولد أبي مسلم صاحب الدعوة ، قال : كان اسم أبي مسلم : إبراهيم بن عثمان بن يسار ، من ولد بزرجمهر . وكان يكنى أبا إسحاق ، ولد بأصبهان ، ونشأ بالكوفة ، وكان أبوه أوصى إلى عيسى السراج ، فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين . فقال له إبراهيم بن محمد بن عليلما عزم على توجيهه إلى خراسان : غير اسمك . فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك ، على ما وجدته في الكتب . فقال : قد سميت نفسي : عبد الرحمن بن مسلم . ثم تكنى أبا مسلم . ومضى لشأنه ، وله ذؤابة فمضى على حمار . فقال له : خذ نفقة . قال : ثم مات عيسى السراج ، ومضىأبو مسلم لشأنه ، وله تسع عشرة سنة . وزوجه إبراهيم الإمام بابنة أبي النجم عمران الطائي ، وكانت بخراسان ، فبنى بها .

ابن دريد : حدثنا أبو حاتم ، عن أبي عبيدة ، قال : حدثني رجل من خراسان ، عن أبيه قال : كنت أطلب العلم ، فلا آتي موضعا إلا وجدت أبا مسلم قد سبقني إليه ، فألفته ، فدعاني إلى منزله ودعا بما حضر ، ثم لاعبته بالشطرنج وهو يلهو بهذين البيتين :
ذروني ، ذروني ما قررت فإنني متى ما أهج حربا تضيق بكم أرضي     وأبعث في سود الحديد إليكم
كتائب سود طالما انتظرت نهضي



قال رؤبة بن العجاج : كان أبو مسلم عالما بالشعر .

وقال أبو أحمد الجلودي : حدثنا محمد بن زكويه قال : روي لنا أن أبا مسلم صاحب الدولة قال : ارتديت الصبر ، وآثرت الكتمان ، وحالفت الأحزان والأشجان ، وسامحت المقادير والأحكام حتى أدركت بغيتي ، ثم أنشد :

قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا     ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا
من رقدة لم ينمها قبلهم أحد     طفقت أسعى عليهم في ديارهم
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا     ومن رعى غنما في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعيها الأسد



ورويت هذه عن الحسن بن عقيل التبعي عن أبيه .

قال محمد بن عبد الوهاب الفراء : سمعت علي بن عثام يقول : قال إبراهيم الصائغ : لما رأيت العرب وصنيعها خفت ألا يكون لله فيهم حاجة ، فلما سلط الله عليهم أبا مسلم ، رجوت أن تكون لله فيهم حاجة .

قلت : كان أبو مسلم بلاء عظيما على عرب خراسان ، فإنه أبادهم بحد السيف .

قال أحمد بن سيار في " تاريخ مرو " : حدثنا الحسن بن رشيد العنبري ، سمعت يزيد النحوي ، يقول : أتاني إبراهيم بن إسماعيل الصائغ ، فقال لي : ما ترى ما يعمل هذا الطاغية ، إن الناس معه في سعة ، غيرنا أهل العلم . قلت : لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت ، إن أمرت ونهيت يقيل أو يقتل ، ولكني أخاف أن يبسط علينا العذاب ، وأنا شيخ كبير ، لا صبر لي على السياط . فقال الصائغ : لكني لا أنتهي عنه ، فذهب فدخل عليه ، فأمره ونهاه ، فقتله .

وذكر بعضهم أن أبا مسلم كان يجتمع - قبل أن يدعو - بإبراهيم الصائغ ، ويعده بإقامة الحق ، فلما ظهر وبسط يده ، دخل عليه فوعظه .

قال محمد بن سلام الجمحي : دخل أبو مسلم على أبي العباس السفاح ، فسلم عليه ، وعنده أخوه أبو جعفر ، فقال له : يا أبا مسلم ، هذا أبو جعفر. فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا موضع لا يؤدى فيه إلا حقك .

وكانت بخراسان فتن عظيمة ، وحروب متواترة ، فسار الكرماني في جيش ، في سنة تسع وعشرين ومائة ، فالتقاه سلم بن أحوز المازني ،متولي مرو الروذ ، فانهزم أولا الكرماني . ثم كر عليهم بالليل فاقتتلوا ، ثم إنهم تهادنوا ، ثم سار نصر بن سيار ، فحاصر الكرماني ستة أشهر ، وجرت أمور يطول شرحها أوجبت ظهور أبي مسلم ، لخلو الوقت له ، فقتل الكرماني ، ولحق جموعه شيبان بن مسلمة السدوسي الخارجيالمتغلب على سرخس ، وطوس ، فحاربهم نصر بن سيار نحوا من سنة ونصف . ثم اصطلح نصر وجديع بن الكرماني ، على أن يحاربوا أبا مسلم. فإذا فرغوا من حربه ، وظهروا عليه ، نظروا في أمرهم . فدس أبو مسلم إلى ابن الكرماني يخدعه ويقول : إني معك . فوافقه ابن الكرماني ،وانضم إليه ، فحاربا نصرا ، وعظم الخطب .

ثم إن نصر بن سيار كتب إلى أبي مسلم : أنا أبايعك ، وأنا أحق بك من ابن الكرماني ، فقوي أمر أبي مسلم ، وكثرت جيوشه . ثم عجز عنه نصر ، وتقهقر [ ص: 55 ] إلى نيسابور ، واستولى أبو مسلم على أسبابه وأهله ، ثم جهز أبو مسلم جيشا إلى سرخس ، فقاتلهم شيبان فقتل ، وقتلت أبطاله . ثم التقى جيش أبي مسلم وجيش نصر - وسعادة أبي مسلم في إقبال - فانهزم أصحاب نصر وتأخر هو إلى قومس ، ثم ظفر أبو مسلمبسلم بن أحوز الأمير ، فقتله واستولى على مدائن خراسان في أواخر سنة ثلاثين ، وظفر بعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الهاشمي فقتله .

ثم جهز أبو مسلم قحطبة بن شبيب ، فالتقى هو ونباتة بن حنظلة الكلابي على جرجان . فقتل الكلابي ، وتمزق جيشه . وتقهقر نصر بن سيار إلى وراء . وكتب إلى متولي العراق ، يزيد بن عمر بن هبيرة ، وإلى الخليفة مروان يستصرخ به ولات حين مناص ، وكثرت البثوق على مروان ، منخوارج المغرب ، ومن القائمين باليمن ، وبمكة ، وبالجزيرة ، وولت دولته . فجهز ابن هبيرة جيشا عظيما ، فنزل بعضهم همدان ، وبعضهم بماه ،فالتقاهم قحطبة بن شبيب بنواحي أصبهان ، في رجب سنة إحدى وثلاثين . فانكسر جيش ابن هبيرة . ثم نازل قحطبة نهاوند يحاصرها وتقهقر نصر بن سيار إلى الري .

ذكر ابن جرير أن جيش ابن هبيرة كانوا مائة ألف ، عليهم عامر بن ضبارة .

وكان قحطبة في عشرين ألفا . فنصب قحطبة رمحا ، عليه مصحف ، ونادوا : يا أهل الشام ، ندعوكم إلى ما في هذا المصحف فشتموهم ، فحملقحطبة ، فلم يطل القتال حتى انهزم جند مروان ، ومات نصر بن سيار بالري ، وقيل بساوة وأمر أولاده أن يلحقوا بالشام ، وكان ينشد لما أبطأ عنه المدد: 

أرى خلل الرماد وميض نار     خليق أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى     وإن الفعل يقدمه الكلام
وإن لم يطفها عقلاء قوم     يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب : ليت شعري     أيقظان أمية ، أم نيام ؟
!



وكتب ابن هبيرة إلى مروان الخليفة يخبره بقتل ابن ضبارة . فوجه لنجدته حوثرة بن سهيل الباهلي في عشرة آلاف من القيسية ، فتجمعت عساكرمروان بنهاوند ، وعليهم مالك بن أدهم ، فحاصرهم قحطبة أربعة أشهر ، وضايقهم حتى أكلوا دوابهم من الجوع ، ثم خرجوا بالأمان في شوال ، وقتل قحطبة وجوه أمراء نصر بن سيار وأولاده ، وأقبل يريد العراق ، فبرز له ابن هبيرة ونزل بقرب حلوان ، فكان في ثلاثة وخمسين ألف فارس ، وتقارب الجمعان .

ففي هذه السنة ، سنة إحدى وثلاثين تحول أبو مسلم من مرو ، فنزل بنيسابور ، ودان له الإقليم جميعه ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين . فبلغ ابن هبيرة ، أن قحطبة توجه نحو الموصل ، فقال لأصحابه : ما بالهم تنكبونا ؟ قيل : يريدون الكوفة . فرحل ابن هبيرة راجعا نحو الكوفة . وكذلك فعلقحطبة ، ثم جاز قحطبة الفرات في سبعمائة فارس . وتتام إلى ابن هبيرة نحو ذلك ، واقتتلوا فطعن قحطبة بن شبيب ثم وقع في الماء فهلك ، ولم يدر به قومه ، ولكن انهزم أيضا أصحاب ابن هبيرة ، وغرق بعضهم ، وراحت أثقالهم .

قال بيهس بن حبيب : أجمع الناس بعد أن عدينا ، فنادى مناد : من أراد الشام فهلم! فذهب معه عنق من الناس ، ونادى آخر : من أراد الجزيرة . . ونادى آخر : من أراد الكوفة . . . وتفرق الجيش إلى هذه النواحي ، فقلت : من أراد واسط فهلم ، فأصبحنا بقناطر المسيب مع الأمير ابن هبيرة. فدخلناها  يوم عاشوراء ، وأصبح المسودة قد فقدوا أميرهم قحطبة ، ثم أخرجوه من الماء ودفنوه ، وأمروا مكانه ولده الحسن بن قحطبة ، فسار بهم إلى الكوفة ، فدخلوها يوم عاشوراء أيضا ، فهرب متوليها زياد بن صالح إلى واسط .

وترتب في إمرة الكوفة للمسودة ، أبو سلمة الخلال . ثم سار ابن قحطبة ، وحازم بن خزيمة ، فنازلوا واسط ، وعملوا على أنفسهم خندقا ، فعبأابن هبيرة جيوشه ، والتقاهم ، فانكسر جمعه ، ونجوا إلى واسط .

وقتل في المصاف يزيد أخو الحسن بن قحطبة ، وحكيم بن المسيب الجدلي . وفي المحرم قتل أبو مسلم جماعة ، منهم ابن الكرماني ، وجلس على تخت الملك ، بايعوه ، وخطب ، ودعا للسفاح .

وفي ثالث يوم من ربيع الأول ، بويع السفاح بالخلافة ، بالكوفة ، في دار مولاه الوليد بن سعد وسار الخليفة مروان في مائة ألف فارس ، حتى نزل الزابين دون الموصل ، يقصد العراق . فجهز السفاح له عمه عبد الله بن علي ، فكانت الوقعة على كشاف ، في جمادى الآخرة ، فانكسرمروان وتقهقر ، وعدى الفرات ، وقطع وراءه الجسر ، وقصد الشام ليتقوى ، ويلتقي ثانيا .

فجد في طلبه عبد الله بن علي حتى طرده عن دمشق ، ونازلها ، وأخذها بعد أيام ، وبذل السيف ، وقتل بها في ثلاث ساعات نحوا من خمسين ألفا ، غالبهم من جند بني أمية .

وانقضت أيامهم ، وهرب مروان إلى مصر في عسكر قليل ، فجدوا في طلبه ، إلى أن بيتوه بقرية بوصير ، فقاتل حتى قتل ، وطيف برأسه في البلدان ، وهرب ابناه إلى بلاد النوبة .

 قال محمد بن جرير في " تاريخه " : كان بدو أمر بني العباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قيل ، أعلم العباس أن الخلافة تئول إلى ولده ، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك .

قلت : لم يصح هذا الخبر ، ولكن آل العباس ، كان الناس يحبونهم ، ويحبون آل علي ، ويودون أن الأمر يئول إليهم ، حبا لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبغضا في آل مروان بن الحكم فبقوا يعملون على ذلك زمانا حتى تهيأت لهم الأسباب ، وأقبلت دولتهم وظهرت من خراسان .

وعن رشدين بن كريب : أن أبا هاشم بن محمد ابن الحنفية ، خرج إلى الشام ، فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، والد السفاح ، فقال : يا ابن عم! إن عندي علما أريد أن ألقيه إليك ، فلا تطلعن عليه أحدا : إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس ، هو فيكم; قال : قد علمته ، فلا يسمعنه منك أحد .

قلت : فرحنا بمصير الأمر إليهم ، ولكن والله ساءنا ما جرى لما جرى من سيول الدماء ، والسبي ، والنهب ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء ، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم ، وأنى لها العدل ؟ بل أتت دولة أعجمية ، خراسانية ، جبارة ، ما أشبه الليلة بالبارحة .

روى أبو الحسن المدائني عن جماعة : أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله ، قال : لنا ثلاثة أوقات : موت يزيد بن معاوية ، ورأس المائة ، وفتقبإفريقيا . فعند ذلك يدعو لنا دعاة ، ثم يقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب .

فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ، ونقضت البربر ، بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد ، ولا يسمي أحدا . ثم إنه وجه أبا مسلم ، وكتب إلى النقباء ، فقبلوا كتبه ، ثم وقع في يد مروان بن  محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم ، جواب كتاب ، يأمر أبا مسلم بقتل كل من تكلم بالعربية بخراسان .

فقبض مروان على إبراهيم ، وقد كان مروان وصف له صفة السفاح التي كان يجدها في الكتب ، فلما جيء بإبراهيم ، قال : ليست هذه الصفة ، ورد أعوانه في طلب المنعوت له ، وإذا بالسفاح وإخوته وأعمامه قد هربوا إلى العراق ، واختفوا بها عند شيعتهم .

فيقال : إن إبراهيم كان نعى إليهم نفسه ، وأمرهم بالهرب ، فهربوا من الحميمة ، فلما قدموا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال وكتم أمرهم .

فبلغ الخبر أبا الجهم ، فاجتمع بكبار الشيعة ، فدخلوا على آل العباس ، فقالوا : أيكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية ، قالوا : هذا . فسلموا عليه بالخلافة ، ثم خرج أبو الجهم ، وموسى بن كعب ، والأعيان ، فهيئوا أمرهم ، وخرج السفاح على برذون ، فصلى بالناس الجمعة . وذلك مستوفى في ترجمة السفاح ، وفي " تاريخي الكبير " وفي ترجمة عم السفاح عبد الله .

وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة سار أبو جعفر المنصور إلى خراسان إلى أبي مسلم ، ليأخذ رأيه في قتل أبي سلمة ، حفص بن سليمان الخلال ،وزيرهم . وذلك أنه لما نزل به السفاح وأقاربه ، حدثته نفسه بأن يبايع علويا ، ويدع هؤلاء وشرع يعمي أمرهم ، على قواد شيعتهم ، فبادر كبارهم ، وبايعوا لسفاح وأخرجوه ، فخطب الناس فما وسعه - أعني أبا سلمة - إلا المبايعة ، فاتهموه .

فعن أبي جعفر قال : انتدبني أخي السفاح للذهاب إلى أبي مسلم ، فسرت على وجل ، فقدمت الري ثم شرفت عنها فرسخين ، فلما صار بيني وبينمرو فرسخين ، تلقاني أبو مسلم في الجنود . فلما دنا مني ترجل ماشيا ، فقبل [ ص: 60 ] يدي ، ثم نزلت ، فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء ثم سألني فأخبرته ، فقال : فعلها أبو سلمة ؟ أنا أكفيكموه . فدعا مرار بن أنس الضبي ، فقال : انطلق إلى الكوفة ، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته . قال : فقتله بعد العشاء . وكان يقال له : وزير آل محمد .

ولما رأى أبو جعفر عظمة أبي مسلم ، وسفكه للدماء ، رجع من عنده وقال للسفاح : لست بخليفة إن أبقيت أبا مسلم . قال : وكيف ؟ قال : ما يصنع إلا ما يريد . قال : فاسكت واكتمها .

وأما ابن هبيرة ، فدام ابن قحطبة يحاصره بواسط أحد عشر شهرا ، فلما تيقنوا هلاك مروان ، سلموها بالأمان ، ثم قتلوا ابن هبيرة ، وغدروا به ، وبعدة من أمرائه .

وفي عام ثلاثة وثلاثين خرج على أبي مسلم شريك المهري ببخارى ، ونقم على أبي مسلم كثرة قتله ، وقال : ما على هذا اتبعنا آل محمد ، فاتبعه ثلاثون ألفا . فسار عسكر أبي مسلم ، فالتقوا ، فقتل شريك .
وفي سنة خمس وثلاثين ، خرج زياد بن صالح الخزاعي ، من كبار قواد أبي مسلم عليه ، وعسكر بما وراء النهر . وكان قد جاءه عهد بولايةخراسان من السفاح ، وأن يغتال أبا مسلم ، إن قدر عليه .

فظفر أبو مسلم برسول السفاح ، فقتله ، ثم تفلل عن زياد جموعه ، ولحقوا بأبي مسلم ، فلجأ زياد إلى دهقان فقتله غيلة وجاء برأسه إلى أبي مسلم .

وفي سنة ست ، بعث أبو مسلم إلى السفاح يستأذنه في القدوم ، فأذن له ، واستناب على خراسان خالد بن إبراهيم ، فقدم في هيئة عظيمة ، فاستأذن في الحج ، فقال : لولا أن أخي حج لوليتك الموسم .

وكان أبو جعفر يقول للسفاح : يا أمير المؤمنين ، أطعني واقتل أبا مسلم  فوالله إن في رأسه لغدرة ، فقال : يا أخي ، قد عرفت بلاءه ، وما كان منه ، وأبو جعفر يراجعه .

ثم حج أبو جعفر ، وأبو مسلم . فلما قفلا تلقاهما موت السفاح بالجدري ، فولي الخلافة أبو جعفر .

وخرج عليه عمه عبد الله بن علي بالشام ، ودعا إلى نفسه ، وأقام شهودا بأنه ولي عهد السفاح ، وأنه على ذلك سار لحرب مروان وهزمه ، واستأصله .

فخلا المنصور بأبي مسلم وقال : إنما هو أنا وأنت ، فسر إلى عبد الله عمي ، فسار بجيوشه من الأنبار ، وسار لحربه عبد الله ، وقد خشي أن يخامر عليه الخراسانية ، فقتل منهم بضعة عشر ألفا صبرا . ثم نزل نصيبين ، وأقبل أبو مسلم ، فكاتب عبد الله : إني لم أومر بقتالك ، وإن أمير المؤمنين ولاني الشام وأنا أريدها . وذلك من مكر أبي مسلم ليفسد نيات الشاميين .

فقال جند الشاميين لعبد الله : كيف نقيم معك ، وهذا يأتي بلادنا فيقتل ويسبي ؟ ولكن نمنعه عن بلادنا .

فقال لهم : إنه ما يريد الشام ، ولئن أقمتم ، ليقصدنكم ، قال : فكان بين الطائفتين القتال مدة خمسة أشهر ، وكان أهل الشام أكثر فرسانا ، وأكمل عدة ، فكان على ميمنة عبد الله الأمير بكار بن مسلم العقيلي ، وعلى الميسرة الأمير حبيب بن سويد الأسدي .

وكان على ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة ، وعلى ميسرته حازم بن خزيمة ، وطال الحرب ، ويستظهر الشاميون غير مرة . وكاد جيش أبي مسلم أن ينهزم ، وأبو مسلم يثبتهم ويرتجز :

من كان ينوي أهله فلا رجع فر من الموت وفي الموت وقع



ثم إنه أردف ميمنته ، وحملوا على ميسرة عبد الله فمزقوها ، فقال عبد الله لابن سراقة الأزدي : ما ترى ؟ قال : أرى أن تصبر وتقاتل فإن الفرار قبيح بمثلك . وقد عبته على مروان ، قال : إني أذهب إلى العراق قال : فأنا معكم فانهزموا ، وتركوا الذخائر والخزائن والمعسكر ، فاحتوى أبو مسلم على الكل ، وكتب بالنصر إلى المنصور .

واختفى عبد الله ، وأرسل المنصور مولاه ليحصي ما حواه أبو مسلم ، فغضب من ذلك أبو مسلم ، وهم بقتل ذلك المولى . وقال : إنما للخليفة من هذا الخمس .

ومضى عبد الله وأخوه عبد الصمد بن علي إلى الكوفة ، فدخلا على عيسى بن موسى ولي العهد ، فاستأمن لعبد الصمد ، فأمنه المنصور . وأماعبد الله ، فقصد أخاه سليمان بن علي بالبصرة ، وأقام عنده مختفيا .

ولما علم المنصور أن أبا مسلم قد تغير كتب إليه يلاطفه : وإني قد وليتك مصر والشام ، فانزل بالشام واستنب عنك بمصر ، فلما جاءه الكتاب ، أظهر الغضب وقال : يوليني هذا وخراسان كلها لي ؟! وشرع في المضي إلى خراسان .

ويقال : إنه شتم المنصور ، وأجمع على الخلاف ، وسار وخرج المنصور إلى المدائن ، وكاتب أبا مسلم ليقدم عليه ، فكتب إليه أبو مسلم ، وهو قاصد طريق حلوان : إنه لم يبق لك عدو إلا أمكنك الله منه . وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان : إن أخوف ما يكون الوزراء ، إذا سكنت الدهماء . فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت ، فإن أرضاك ذلك ، فأنا كأحسن عبيدك ، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي والسلام .

فرد عليه الجواب يطمئنه ويمنيه مع جرير بن يزيد بن جرير البجلي ، وكان داهية وقته ، فخدعه ورده .

 وأما علي بن محمد المدائني ، فنقل عن جماعة قالوا : كتب أبو مسلم : أما بعد ، فإني اتخذت رجلا إماما ، ودليلا على ما افترضه الله ، وكان في محلة العلم نازلا ، فاستجهلني بالقرآن ، فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه ، وكان كالذي دلي بغرور ، وأمرني أن أجرد السيف ، وأرفع الرحمة ، ففعلت توطئة لسلطانكم ، ثم استنقذني الله بالتوبة . فإن يعف عني فقدما عرف به ، ونسب إليه ، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي ثم سار نحو خراسان مراغما .

فأمر المنصور من حضره من بني هاشم يكتبون إلى أبي مسلم ، يعظمون شأنه ، وأن يتم على الطاعة ، ويحسنون له القدوم على المنصور .

ثم قال المنصور للرسول أبي حميد المروروذي : كلم أبا مسلم بألين ما تقدر عليه ومنه وعرفه أني مضمر له كل خير ، فإن أيست منه ، فقل له : قال : والله لو خضت البحر ، لخضته وراءك ، ولو اقتحمت النار ، لاقتحمتها حتى أقتلك .

فقدم على أبي مسلم بحلوان ، قال : فاستشار أبو مسلم خواصه . فقالوا : احذره .

فلما طلب الرسول الجواب قال : ارجع إلى صاحبك ، فلست آتيه ، وقد عزمت على خلافه . فقال : لا تفعل .

فلما آيسه من المجيء ، كلمه بما أمره به المنصور ، فوجم لها طويلا ، ثم قال : قم . وكسره ذلك القول وأرعبه .

وكان المنصور قد كتب إلى أبي داود خليفة أبي مسلم على خراسان ، فاستماله وقال : إمرة خراسان لك . فكتب أبو داود إلى أبي مسلم يلومه ،  ويقول : إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله ، وأهل بيت النبوة ، فلا تخالفن إمامك .

فوافاه كتابه وهو على تلك الحال ، فزاده هما ورعبا . ثم إنه أرسل من يثق به من أمرائه إلى المنصور ، فلما قدم ، تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب ، وقال له المنصور : اصرفه عن وجهه ، ولك إمرة بلاده ، فرجع وقال : لم أر مكروها ، ورأيتهم معظمين لحقك ، فارجع ، واعتذر .

فأجمع رأيه على الرجوع ، فقال رسوله أبو إسحاق :

ما للرجال مع القضاء محالة     ذهب القضاء بحيلة الأقوام



خار الله لك ، احفظ عني واحدة : إذا دخلت على المنصور فاقتله ، ثم بايع من شئت فإن الناس لا يخالفونك .

ثم إن المنصور سير أمراء لتلقي أبي مسلم ، ولا يظهرون أنه بعثهم ليطمئنه ، ويذكرون حسن نية المنصور له ، فلما سمع ذلك ، انخدع المغرور وفرح .

فلما وصل إلى المدائن ، أمر المنصور أكابر دولته فتلقوه ، فلما دخل عليه ، سلم عليه قائما ، فقال : انصرف يا أبا مسلم فاسترح ، وادخل الحمام ثم اغد . فانصرف ، وكان من نية المنصور أن يقتله تلك الليلة ، فمنعه وزيره أبو أيوب المورياني .

قال أبو أيوب : فدخلت بعد خروجه ، فقال لي المنصور : أقدر على هذا ، في مثل هذه الحال ، قائما على رجليه ، ولا أدري ما يحدث في ليلتي ، ثم كلمني في الفتك به . فلما غدوت عليه ، قال لي : يا ابن اللخناء لا مرحبا بك . أنت منعتني منه أمس ؟ والله ما نمت البارحة ، ادع لي عثمان بن نهيك فدعوته ، فقال : يا عثمان كيف بلاء أمير المؤمنين عندك ؟ قال : إنما أنا عبدك ، ولو أمرتني أن أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري ، لفعلت . قال : كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم . قال : فوجم لها ساعة لا يتكلم . فقلت : ما لك ساكتا ؟ فقال قولة ضعيفة : أقتله .

فقال : انطلق ، فجئ بأربعة من وجوه الحرس ، شجعان ، فأحضر أربعة ، منهم شبيب بن واج ، فكلمهم فقالوا : نقتله ، فقال : كونوا خلف الرواق ، فإذا صفقت ، فاخرجوا ، فاقتلوه .

ثم طلب أبا مسلم فأتاه .

قال أبو أيوب : وخرجت لأنظر ما يقول الناس ، فتلقاني أبو مسلم داخلا ، فتبسم ، وسلمت عليه فدخل ، فرجعت فإذا هو مقتول . ثم دخل أبو الجهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ألا أرد الناس ؟ قال : بلى .

فأمر بمتاع يحول إلى رواق آخر ، وفرش . وقال أبو الجهم للناس : انصرفوا ، فإن الأمير أبا مسلم يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين ، ورأوا الفرش والمتاع ينقل ، فظنوه صادقا ، فانصرفوا .

وأمر المنصور للأمراء بجوائزهم .

قال أبو أيوب : فقال لي المنصور : دخل علي أبو مسلم فعاتبته ، ثم شتمته ، وضربه عثمان بن نهيك فلم يصنع شيئا ، وخرج شبيب بن واج ،فضربوه ، فسقط ، فقال وهم يضربونه : العفو ، قلت : يا ابن اللخناء ، العفو والسيوف تعتورك ؟ وقلت : اذبحوه . فذبحوه .

وقيل : ألقى جسده في دجلة .

ويقال : لما دخل وهم خلوة ، قال له المنصور : أخبرني عن سيفين أصبتهما في متاع عبد الله بن علي ، فقال : هذا أحدهما ، قال : أرنيه . فانتضاه ، فناوله ،  فهزه أبو جعفر ، ثم وضعه تحت مفرشه وأقبل عليه يعاتبه .

وقال : أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس أخي ، تنهاه عن الموات . أردت أن تعلمنا الدين ؟ قال : ظننت أخذه لا يحل . قال : فأخبرني عن تقدمك علي في طريق الحج . قال : كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس . قال : فجارية عبد الله ، أردت أن تتخذها ؟ قال : لا . ولكن خفت عليها أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها . قال : فمراغمتك وخروجك إلى خراسان ؟ قال : خفت أن يكون قد دخلك مني شيء ، فقلت أذهب إليها ، وإليك أبعث بعذري . والآن فقد ذهب ما في نفسك علي . قال : تالله ما رأيت كاليوم قط . وضرب بيده ، فخرجوا عليه .

وقيل : إنه قال له : ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك ؟ والكاتب إلي تخطب أمينة بنت علي عمتي ؟ وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس ؟

وأيضا فما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير ، مع أثره في دعوتنا ، وهو أحد نقبائنا ؟ .

قال : عصاني ، وأراد الخلاف علي ، فقتلته . قال : وأنت قد خالفت علي - قتلني الله إن لم أقتلك . وضربه بعمود ، ثم وثبوا عليه ، وذلك لخمس بقين من شعبان .

ويقال : إن المنصور لما سبه ، انكب على يده يقبلها ويعتذر .

وقيل : أول ما ضربه ابن نهيك لم يصنع أكثر من قطع حمائل سيفه ، فصاح : يا أمير المؤمنين ، استبقني لعدوك ، قال : لا أبقاني الله إذا ، وأي عدو أعدى لي منك .

ثم هم المنصور بقتل الأمير أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم ، وبقتل نصر بن مالك الخزاعي ، فكلمه فيهما أبو الجهم ، وقال : يا أمير المؤمنين ،  إنما جنده جندك ، أمرتهم بطاعته ، فأطاعوه .

ثم إنه أعطاهما مالا جزيلا . وفرق عساكر أبي مسلم . وكتب بعهد للأمير أبي داود خالد بن إبراهيم على خراسان .

وقد كان بعض الزنادقة ، والطغام من التناسخية ، اعتقدوا أن الباري - سبحانه وتعالى - حل في أبي مسلم الخراساني المقتول ، عندما رأوا من تجبره ، واستيلائه على الممالك ، وسفكه للدماء . فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها .

قال خليفة بن خياط قدم أبو مسلم على أبي جعفر بالمدائن ، فسمعت يحيى بن المسيب يقول : قتله وهو في سرادقاته - يعني الدهليز - ثم بعث إلىعيسى بن موسى ولي العهد ، فأعلمه ، وأعطاه الرأس والمال فخرج به ، فألقاه إليهم ، ونثر الذهب ، فتشاغلوا بأخذه .

وقال خليفة في مكان آخر : فلما حل أبو مسلم بحلوان ، ترددت الرسل بينه وبين أبي جعفر ، فمن ذلك كتب إليه أبو جعفر : أما بعد ، فإنه يرين على القلوب ويطبع عليها المعاصي ، فقع أيها الطائر ، وأفق أيها السكران ، وانتبه أيها الحالم ، فإنك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة ، وفي برزخ دنيا قد غرت قبلك سوالف القرون ، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا وإن الله لا يعجزه من هرب ، ولا يفوته من طلب ، فلا تغتر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي . فكأنهم قد صاولوك إن أنت خلعت الطاعة ، وفارقت الجماعة ، فبدا لك ما لم تكن تحتسب . فمهلا مهلا ، احذر البغي أبا مسلم ، فإن من بغى واعتدى تخلى الله عنه ، ونصر عليه من يصرعه لليدين وللفم .

فأجابه أبو مسلم بكتاب فيه غلظ يقول فيه : يا عبد الله بن محمد : إني كنت فيكم متأولا فأخطأت .

فأجابه : أيها المجرم ، تنقم على أخي وإنه لإمام هدى ، أوضح لك السبيل! فلو به اقتديت ما كنت عن الحق حائدا ، ولكنه لم يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا ، ولأغواهما موافقا ، تقتل قتل الفراعنة ، وتبطش بطش الجبارين ، ثم إن من خيرتي - أيها الفاسق - أني قد وليت خراسانموسى بن كعب . فأمرته بالمقام بنيسابور ، فهو من دونك بمن معه من قوادي وشيعتي ، وأنا موجه للقائك أقرانك ، فاجمع كيدك وأمرك غير موفق ولا مسدد ، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل .

فشاور البائس أبا إسحاق المروزي ، فقال له : ما الرأي ، هذا موسى بن كعب لنا دون خراسان ، وهذه سيوف أبي جعفر من خلفنا وقد أنكرت من كنت أثق به من أمرائي ؟ .

فقال : أيها الأمير هذا رجل يضطغن عليك أمورا متقدمة ، فلو كنت إذ ذاك هذا رأيك ، وواليت رجلا من آل علي ، كان أقرب . ولو أنك قبلت توليته إياك خراسان والشام والصائفة مدت بك الأيام ، وكنت في فسحة من أمرك ، فوجهت إلى المدينة ، فاختلست علويا ، فنصبته إماما ، فاستملت أهلخراسان ، وأهل العراق ، ورميت أبا جعفر بنظيره ، لكنت على طريق تدبير . أتطمع أن تحارب أبا جعفر وأنت بحلوان ، وعساكره بالمدائن ، وهو خليفة مجمع عليه ؟ ليس ما ظننت . لكن بقي لك أن تكتب إلى قوادك ، وتفعل كذا وكذا .

فقال : هذا رأي ، إن وافقنا عليه قوادنا . قال : فما دعاك إلى خلع أبي جعفر وأنت على غير ثقة من قوادك ؟ أنا أستودعك الله من قتيل ، أرى أن توجه بي [ ص: 69 ] إليه حتى أسأله لك الأمان ، فإما صفح ، وإما قتل على عز ، قبل أن ترى المذلة والصغار من عسكرك ، إما قتلوك ، وإما أسلموك .

قال : فسفرت بينه وبين المنصور السفراء ، وطلبوا له أمانا ، فأتى المدائن . فأمر أبو جعفر ، فتلقوه وأذن له ، فدخل على فرسه ، ورحب به ، وعانقه ، وقال : انصرف إلى منزلك ، وضع ثيابك ، وادخل الحمام ، وجعل ينتظر به الفرص ، فأقام أياما يأتي أبا جعفر ، فيرى كل يوم من الإكرام ما لم يره قبل .

ثم أقبل على التجني عليه ، فأتى أبو مسلم الأمير عيسى بن موسى ، فقال : اركب معي إلى أمير المؤمنين ، فإني قد أردت عتابه ، قال : تقدم وأنا أجيء قال : إني أخافه ، قال : أنت في ذمتي ، قال : فأقبل ، فلما صار في الرواق الداخل ، قيل له : أمير المؤمنين يتوضأ ، فلو جلست ، وأبطأ عليه عيسى ، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك في عدة ، وقال : إذا عاينته وعلا صوتي ، فدونكموه .



قال نفطويه : حدثنا أبو العباس المنصوري قال : لما قتل أبو جعفر أبا مسلم قال : رحمك الله أبا مسلم ، بايعتنا وبايعناك ، وعاهدتنا وعاهدناك ، ووفيت لنا ووفينا لك . وإنا بايعنا على ألا يخرج علينا أحد إلا قتلناه ، فخرجت علينا فقتلناك . وقيل : قال لأولئك : إذا سمعتم تصفيقي فاضربوه ، فضربه شبيب بن واج ، ثم ضربه القواد ، فدخل عيسى وكان قد كلم المنصور فيه . فلما رآه قتيلا ، استرجع .

وقيل : لما قتله ودخل جعفر بن حنظلة ، فقال : ما تقول في أمر أبي مسلم ؟ قال : إن كنت أخذت من شعره فاقتله ، فقال : وفقك الله . ها هو في البساط قتيلا ، فقال : يا أمير المؤمنين : عد هذا اليوم أول خلافتك ، وأنشد المنصور :

فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر



وقرأت في كتاب : أن المنصور لم يزل يخدع أبا مسلم ويتحيل عليه حتى وقع في براثنه بعهود وأيمان .

وكان أبو مسلم ينظر في الملاحم . ويجد أنه مميت دولة ، ومحيي دولة ، ثم يقتل ببلد الروم . وكان المنصور يومئذ برومية المدائن ، وهي معدودة من مدائن كسرى بينها وبين بغداد سبعة فراسخ ، قيل : بناها الإسكندر لما أقام بالمدائن . فلم يخطر ببال أبي مسلم أن بها مصرعه ، وذهب وهمه إلى الروم .

وقيل : إن المنصور كان يقول : فعلت وفعلت ، فقال أبو مسلم : ما يقال لي هذا بعد بيعتي واجتهادي ، قال : يا ابن الخبيثة ، إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا ، ولو كان مكانك أمة سوداء ، لعملت عملك ، وتفعل كذا ، وتخطب عمتي ، وتدعي أنك عباسي ، لقد ارتقيت مرتقى صعبا .

فأخذ يفرك يده ويقبلها ، ويخضع ، وأبو جعفر يتنمر .

وعن مسرور الخادم قال : لما رد أبو مسلم ، أمره أبو جعفر أن يركب في خواص أصحابه ، فركب في أربعة آلاف غلام جرد مرد ، عليهم أقبية الديباج والسيوف بمناطق الذهب ، فأمر المنصور عمومته أن يستقبلوه ، وكان [ ص: 71 ] قد بقي من عمومته : صالح ، وسليمان ، وداود ،فلما أن أصحر ، سايره صالح بجنبه ، فنظر إلى كتائب الغلمان ، ورأى شيئا لم يعهد مثله ، فأنشأ صالح يقول :

سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت     وما حل في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أقوى منك عزا ومفخرا     وأقيد للجيش اللهام العرمرم



فبكى أبو مسلم ولم يحر جوابا .

قال أبو حسان الزيادي ، ويعقوب الفسوي ، وغيرهما : قتل في شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة .

قلت : وعمره سبعة وثلاثون عاما .

ولما قتل ، خرج بخراسان سنباذ للطلب بثأر أبي مسلم ، وكان سنباذ مجوسيا ، فغلب على نيسابور والري ، وظفر بخزائن أبي مسلم ، واستفحل أمره ، فجهز المنصور لحربه جمهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس ، وكان المصاف بين الري وهمذان ، فانهزم سنباذ ، وقتل من عسكره نحو من ستين ألفا ، وعامتهم كانوا من أهل الجبال ، فسبيت ذراريهم ، ثم قتل سنباذ بأرض طبرستان .

أنبأتنا فاطمة بنت علي ، أنبأنا فرقد بن عبد الله الكناني سنة ثمان وستمائة أنبأنا أبو طاهر السلفي ، أنبأنا أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن سليم المعلم ، أنبأنا أبو علي الحسين بن عبد الله بن محمد بن المرزبان بن منجويه ، أنبأنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ . حدثنيأبو نصر غلام ابن الأنباري ، سمعت ابن الأنباري ، سمعت محمد بن يحيى النحوي ، سمعت مسرورا الخادم يقول : لما استرد المنصور أبا مسلممن حلوان ، أمره أن ينصرف في خواص غلمانه ، فانصرف في أربعة آلاف غلام جرد مرد ،  عليهم أقبية الديباج والسيوف ، ومناطق الذهب ، فأمر المنصور عمومته أن يستقبلوه . وكان قد بقي من عمومته يومئذ : صالح ، وسليمان وداود ، فلما أن أصحروا ، سايره صالح بجنبه ، فنظر إلى كتائب الغلمان فرأى شيئا لم يعهد مثله فأنشأ يقول :

سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت     وما حل في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أقوى منك عزا ومفخرا     وأقيد للجيش اللهام العرمرم



فبكى أبو مسلم ولم يحر جوابا ، ولم ينطق حتى دخل على المنصور . فأجلسه بين يديه ، وجعل يعاتبه ويقول : تذكر يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا وكتبت إلي بكذا وكذا ثم أنشأ يقول :

زعمت أن الدين لا يقتضى     فاقتض بالدين أبا مجرم
واشرب بكأس كنت تسقي بها     أمر في الحلق من العلقم



ثم أمر أهل خراسان فقطعوه إربا إربا .

وبه إلى منجويه : حدثنا أبو أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب الأنماطي ، حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، حدثنا حسين بن فهم ، حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا محمد بن عمارة ، سمعت أبا مسلم صاحب الدولة يقرأ : ( فلا تسرف في القتل ) بالتاء .

قال ابن منجويه : حكى لي الثقة عن أبي أحمد ، أنبأنا الإمام أن عبد الله بن  منده كتب عنه هذا ، وحسين بن فهم هو ابن بنت أبي مسلم .

وبه : حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الواحد الطبري إملاء من أصله ، حدثنا أبو الحسين محمد بن موسى الحافظ ، حدثنا أحمد بن يحيى بن زكير ،حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن نجيح ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن منيب الخراساني ، حدثنا أبي عن أبي مسلم صاحب الدولة ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أراد هوان قريش أهانه الله - عز وجل .

وبه أخبرناه أحمد بن موسى الحافظ ، حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثني محمد بن جعفر الرقي بحران ، حدثني جعفر بن موسى بدمشق ، حدثني عبد الرحمن بن خالد بهذا . لم يقل : ابن منيب عن أبيه وهو أشبه . . آخر سيرة أبي مسلم - والله سبحانه أعلم . 

صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بنت عبد المطلب ، الهاشمية . وهي شقيقة حمزة ، وأم حواري النبي صلى الله عليه وسلم : الزبير . وأمها من بني زهرة .

تزوجها الحارث ، أخو أبي سفيان بن حرب ؛ فتوفي عنها .

وتزوجها العوام . أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد ، فولدت له : الزبير ، [ والسائب ] وعبد الكعبة .

والصحيح : أنه ما أسلم من عمات النبي صلى الله عليه وسلم سواها .

ولقد وجدت على مصرع أخيها حمزة ، وصبرت ، واحتسبت .

وهي من المهاجرات الأول وما أعلم هل أسلمت مع حمزة أخيها ، أو مع الزبير ولدها ؟ .

وقد كانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت . قالت : وكان حسان معنا في الذرية ، فمر بالحصن يهودي ، فجعل يطيف بالحصن والمسلمون في نحور عدوهم . . . .

ثم ساقت الحديث ، وأنها نزلت ، وقتلت اليهودي بعمود .

فروى هشام ، عن أبيه ، عنها ، قالت : أنا أول امرأة قتلت رجلا : كان حسان معنا ، فمر بنا يهودي ، فجعل يطيف بالحصن ؛ فقلت لحسان : إن هذا لا آمنه أن يدل على عورتنا ؛ فقم فاقتله .

قال : يغفر الله لك ! لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، فاحتجزت ،  وأخذت عمودا ، ونزلت ، فضربته ، حتى قتلته .

توفيت صفية في سنة عشرين ودفنت بالبقيع . ولها بضع وسبعون سنة .

وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لما نزلت : وأنذر عشيرتك الأقربين قام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يافاطمة بنت محمد ، يا صفية بنت عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب ، لا أملك لكم من الله شيئا ؛ سلوني من مالي ما شئتم .

ذكر أولاد - صفية رضي الله عنها - :

ولدت صفية : الزبير ، والسائب ، وعبد الكعبة ، بني العوام . وهي القائلة تندب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عين جودي بدمعة وسهود واندبي خير هالك مفقود     واندبي المصطفى بحزن شديد
خالط القلب فهو كالمعمود     كدت أقضي الحياة لما أتاه
قدر خط في كتاب مجيد     فلقد كان بالعباد رؤوفا
ولهم رحمة ، وخير رشيد     رضي الله عنه حيا ، وميتا

رجال حول الرسول = أبو هريرة - ذاكرة عصر الوحي

أبو هريرة - ذاكرة عصر الوحي

صحيح أن ذكاء المرء محسوب عليه..
وأصحاب المواهب الخارقة كثيرا ما يدفعون الثمن في نفس الوقت الذي كان ينبغي أن يتلقوا فيه الجزاء والشكران..!!
والصحابي الجليل أبو هريرة واحد من هؤلاء..
فقد كان ذا موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها..
كان رضي الله عنه يجيد فنّ الاصغاء، وكانت ذاكرته تجيد فن الحفظ والاختزان..
يسمع فيعي، فيحفظ، ثم لا يكاد ينسى مما وعى كلمة ولا حرفا مهما تطاول العمر، وتعاقبت الأيام..!!
من أجل هذا هيأته موهبته ليكون أكثر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا لأحاديثه، وبالتالي أكثرهم رواية لها.

فلما جاء عصر الوضّاعين الذين تخصصوا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتخذوا أبا هريرة غرضا مستغلين أسوأ استغلال سمعته العريضة في الرواية عن رسول الله عليه السلام موضع الارتياب والتساؤول. لولا تلك الجهود البارة والخارقة التي بذلها أبرار كبار نذور حياتهم وكرّسوها لخدمة الحديث النبوي ونفي كل زيف ودخيل عنه.
هنالك نجا أبو هريرة رضي الله عنه من أخطبوط الأكاذيب والتلفيقات التي أراد المفسدون أن يتسللوا بها الى الاسلام عن طريقه، وأن يحمّلوه وزرها وأذاها..!!

**

والآن.. عندما نسمع واعظا، أو محاضرا، أو خطيب جمعة يقول تلك العبارة المأثورة: " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..".
أقول: عندما تسمع هذا الاسم على هذه الصورة، أ، عندما تلقاه كثيرا، وكثيرا جدّا في كتب الحديث، والسيرة والفقه والدين بصفة عامة، فاعلم أنك تلقى شخصية من أكثر شخصيات الصحابة اغراء بالصحبة والاصغاء..

ذلك أن ثروته من الأحاديث الرائعة، والتوجيهات الحكيمة التي حفظها عن النبي عليه السلام، قلّ أن يوجد لها نظير..
وانه رضي الله عنه بما يملك من هذه الموهبة، وهذه الثروة، لمن أكثر الأصحاب مقدرة على نقلك الى تلك الأيام التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والى التحليق بك، اذا كنت وثيق الايمان مرهف النفس، في تاك الآفاق التي شهدت روائع محمد وأصحابه، تعطي الحياة معناها، وتهدي اليها رشدها ونهاها.
واذا كانت هذه السطور قد حرّكت أشواقك لأن تتعرّف لأبي هريرة وتسمع من أنبائه نبأ، فدونك الآن وما تريد..
انه واحد من الذين تنعكس عليهم ثروة الاسلام بكل ما أحدثته من تغيرات هائلة.
فمن أجير الى سيّد..
ومن تائه في الزحام، الى علم وامام..!!
ومن ساجد أمام حجارة مركومة، الى مؤمن بالله الواحد القهار..
وهاهو ذا يتحدّث ويقول:
" نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا.. وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني..!!
كنت أخدمهم اذا نزلوا، وأحدو لهم اذا ركبوا..
وهأنذا وقد زوّجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة اماما"..!
قدم على النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع وهو بخيبر، فأسلم راغبا مشتاقا..
ومنذ رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعه لم يكد يفارقه قط الا في ساعات النوم..
وهكذا كانت السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم الى أن ذهب النبي الى الرفيق الأعلى.
نقول: كانت تلك السنوات الأربع عمرا وحدها.. كانت طويلة عريضة، ممتلئة بكل صالح من القول، والعمل، والاصغاء.
**

أدرك أبو هريرة بفطرته السديدة الدور الكبير الذي يستطيع أن يخدم به دين الله.
ان أبطال الحرب في الصحابة كثيرون..
والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون.
ولكن البيئة والجماعة تفتقد الكتابة والكتّاب.
ففي تلك العصور، وكانت الجماعة الانسانية كلها، لا العرب وحدهم، لا يهتمون بالكتابة، ولم تكن الكتابة من علامات التقدم في مجتمع ما..
بل انّ أوروبا نفسها كانت كذلك منذ عهد غير بعيد.
وكان أكثر ملوكها وعلى رأسهم شارلمان أميّين لا يقرءون ولا يكتبون، مع أنهم في نفس الوقت كانوا على حظ كبير من الذكاء والمقدرة..

**

نعود الى حديثنا لنرى أبا هريرة يدرك بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام الى من يحفظن تراثه وتعاليمه، كان هناك يومئذ من الصحابة كتّاب يكتبون ولكنهم قليلون، ثم ان بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكّنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول من حديث.
لم يكن أبا هريرة كاتبا، ولكنه كان حافظا، وكان يملك هذا الفراغ، أو هذا الفراغ المنشود، فليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها!!
وهو اذا رأى نفسه وقد أسلم متأخرا، عزم على أن يعوّض ما فاته، وذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته..
ثم انه يعرف من نفسه هذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه، وهي ذاكرته الرحبة القوية، والتي زادت مضاء ورحابة وقوة، بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها..
فلماذا اذن لا يكون واحدا من الذين يأخذون على عاتقهم حفظ هذا التراث ونقله لللأجيال..؟؟
أجل.. هذا دوره الذي تهيئه للقيام به مواهبه، وعليه أن يقوم به في غير توان..

**
ولم يكن أبو هريرة ممن يكتبون، ولكنه كان كما ذكرنا سريع الحفظ قوي الذاكرة..
ولم تكن له أرض يزرعها، ولا تجارة تشغله، ومن ثمّ لم يكن يفارق الرسول في سفر ولا في حضر..
وهكذا راح يكرّس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته..
فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى، راح أبو هريرة يحدث، مما جعل بعض أصحابه يعجبون: أنّى له كل هذه الحاديث، ومتى سمعها ووعاها..
ولقد ألقى أبوهريرة رضي الله عنه الضوء على هذه الظاهرة، وكانه يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال:
" انكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم..
وتقولون: ان المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث..؟؟
ألا ان أصحابي من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم..
واني كنت أميرا مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر اذا غابوا، وأحفظ اذا نسوا..
وان النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني..! فبسطت ثزبي فحدثني ثم ضممته اليّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه..
وأيم والله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، وهي:

(ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) ..".

هكذا يفسر أبو هريرة سر تفرّده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهو أولا كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره..
وهو ثانيا كان يحمل ذاكرة قوية، باركها الرسول فزادت قوة..
وهو ثالثا لا يحدّث رغبة في أن يحدّث، بل لأن افشاء هذه الأحاديث مسؤولية دينه وحياته، والا كان كاتما للخير والحق، وكان مفرطا ينتظره جزاء المفرّطين..
من أجل هذا راح يحدّث ويحدّث، لا يصدّه عن الحديث صادّ، ولا يعتاقه عائق.. حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين:
" لتتركنّ الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دوس"..
أي أرض قومه وأهله..
على أن هذا النهي من أمير المؤمنين لا يشكل اتهاما لأبي هريرة، بل هو دعم لنظرية كان عمر يتبنّاها ويؤكدها، تلك هي: أن على المسلمين في تلك الفترة بالذات ألا يقرؤوا، وألا يحفظوا شيئا سوى القرآن حتى يقرّ وثبت في الأفئدة والعقول..
فالقرآن كتاب الله، ودستور الاسلام، وقاموس الدين، وكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما في تلك التي أعقبت وفاته عليه الصلاة والسلام، والتي يجمع القرآن خلالها قد تسبب بلبلة لا داعي لها ولا جدوى منها..
من أجل هذا كان عمر يقول:
" اشتغلوا بالقرآن، فان القرآن كلام الله"..
ويقول:
" أقلوا الرواية عن رسول الله الا فيما يعمل به"..
وحين أرسل أبو موسى الأشعري الى العراق قال له:
" انك تأتي قوما لهم في مساجدهم دويّ القرآن كدويّ النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالحديث، وأنا شريكك في ذلك"..
كان القرآن قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرب اليه ما ليس منه..
اما الأحاديث فليس يضمن عمر أن تحرّف أو تزوّر، أو تخذ سبيل للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنيل من الاسلام..
وكان أبو هريرة يقدّر وجهة نظر عمر، ولكنه أيضا كان واثقا من نفسه ومن أمانته، وكان لا يريد أن يكتم من الحديث والعلم ما يعتقد أن كتمانه اثم وبوار.
وهكذا.. لم يكن يجد فرصة لافراغ ما في صدره من حديث سنعه ووعاه الا حدّث وقال..

**

على أن هناك سببا هامّا، كان له دور في اثارة المتاعب حول أبي هريرة لكثرة تحدثه وحديثه.
ذلك أنه كان هناك يومئذ محدّث آخر يحدّث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويكثر ويسرف، ولم يكن المسلمون الأصحاب يطمئنون كثيرا لأحاديثه ذلكم هو كعب الأحبار الذي كان يهوديا وأسلم.

**

أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلو مقدرة أبي هريرة على الحفظ، فدعاه اليه وأجلسه معه، وطلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين أجلس كاتبه وراء حجاب، وأمره أن يكتب كل ما يقول أبو هريرة..
وبعد مرور عام، دعاه مروان بن الحكم مرة أخرى، أخذ يستقرئه نفس الأحاديث التي كان كاتبه قد سطرها، فما نسي أبو هريرة كلمة منها!!
وكان يقول عن نفسه:
" ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عنه مني، الا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فانه كان يكتب، ولا أكتب"..
وقال عنه الامام الشافعي أيضا:
" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره".
وقال البخاري رضي الله عنه:
" روي عن أبو هريرة مدرسة كبيرة يكتب لها البقاء والخلود..
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من العابدين الأوّابين، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله.. فيقوم هو ثلثه، وتقوم زوجته ثلثه، وتقوم ابنته ثلثله. وهكذا لا تمر من الليل ساعة الا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة!!
وفي سبيل أن يتفرّغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع ما لم يعاني مثله أحد..
وانه ليحدثنا: كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشدّ على بطمه حجرا ويعتصر كبده بيديه، ويسقط في المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا وما هو بمصروع..!
ولما أسلم لم يكن يئوده ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة لم يكن رقأ له بسببها جفن..
كانت هذه المشكلة أمه: فانها يومئذ رفضت أن تسلم..
ليس ذلك وحسب، بل كلنت تؤذي ابنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره بسوء..
وذات يوم أسمعت أبا هريرة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره، فانفضّ عنها باكيا محزونا، وذهب الى مسجد الرسول..

ولنصغ اليه وهو يروي لنا بقيّة النبأ:
".. فجئت الى رسول الله وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، كنت أدعو أم أبي هريرة الى الاسلام فتأبى علي، واني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبا هريرةالى الاسلام..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبي هريرة..
فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله، فلما أتيت الباب اذا هو مجاف، أي مغلق، وسمعت خضخضة ماء، ونادتني يا أبا هريرة مكانك..
ثم لبست درعها، وعجلت عن خمارها وخرجت وهي تقول: أشهد أن لا اله الا الله، وأِهد أن محمدا عبده ورسوله..
فجئت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح، كما بكيت من الحزن، وقلت: أبشر يا رسول الله، فقد أجاب الله دعوتك..
قد هدى أم أبي هريرة الى الاسلام..
ثم قلت يا رسول الله: ادع الله أن يحبّبني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات..
فقال: اللهم حبّب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة"..

**

وعاش أبو هريرة عابدا، ومجاهدا.. لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة.
وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه امارة البحرين.
وعمر كما نعلم شديد المحاسبة لولاته.
اذا ولّى أحدهم وهو يملك ثوبين، فيجب أن يترك الولاية وهو لا يملك من دنياه سوى ثوبيه.. ويكون من الأفضل أن يتركها وله ثوب واحد..!!!
أما اذا خرج من الولاية وقد ظهرت عليه أعراض الثراء، فآنئذ لا يفلت من حساب عمر، مهما يكن مصدر ثرائه حلالا مشروعا!

دنيا أخرى.. ملاءها همر روعة واعجازا..!!
وحين وليّ أبو هريرة البحرين ادّخر مالا، من مصادره الحلال، وعلم عمر فدعاه الى المدينة..

ولندع أبو هريرة يروي لنا ما حدث بينهما من حوار سريع:
" قال لي عمر:
يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله..؟؟
قلت:
ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه،.. لكني عدو من عاداهما..
ولا أنا من يسرق مال الله..!
قال:
فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف..؟؟
قلت:
خيل لي تناسلت، وعطايا تلاحقت..
قال عمر: فادفعها الى بيت مال المسلمين"..!!
ودفع أبو هريرة المال الى عمر ثم رفع يديه الى السماء وقال:
اللهم اغفر لأمير المؤمنين"..

وبعد حين دعا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من حديد، فأباها واعتذر عنها..
قال له عمر: ولماذا؟
قال أبو هريرة:
حتى لا يشتم عرضي، ويؤخذ مالي، ويضرب ظهري..
ثم قال:
وأخاف أن أقضي بغير علم
وأقول بغير حلم..

**

وذات يوم اشتد شوقه الى لقاء الله..
وبينما كان عوّاده يدعون له بالشفاء من مرضه، كان هو يلحّ على الله قائلا:
" اللهم اني أحب لقاءك، فأحب لقائي"..
وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة.
ولبن ساكني البقيع الأبرار ب\تبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا..
وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته، كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم.
ولعل واحدا من المسلمين الجدد كان يميل على صاحبه ويسأله:
لماذا كنّى شيخنا الراحل بأبي هريرة..؟؟

فيجيبه صاحبه وهو الخبير بالأمر:
لقد كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، ولما أسلك سمّاه الرسول عبد الرحمن.. ولقد كان عطوفا على الحيوان، واكنت له هرة، يطعمها، ويحملها، وينظفها، ويؤويها.. وكانت تلازمه كظله..
وهكذا دعي: أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه..

مناهج المفسرين (المحاضرة الرابعة ) د. ناصر المنيع

مناهج المفسرين  (المحاضرة الرابعة ) د. ناصر المنيع



بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين  وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

نجتمع معكم أيها الأحبة ، أيها الأخوة وأيتها الأخوات في المحاضرة الرابعة من محاضرات مناهج المفسرين ، وسنتناول في هذه المحاضرة بإذن الله تعالى كتاب تفسير ابن كثير المُسمى ( تفسير القرآن العظيم) وهو أحد الكتب النافعة ، وأحد الكتب المهمة من كتب التفسير ، لاغنى لطالب العلم عنه ، أياً كان تخصصه ، فتفسير ابن كثير لقي قبولاً كبيراً في أوساط المسلمين ، عامة وعلماء ، طلبة علم وأئمة مساجد ، قُرأ في المساجد ، وقُرأ في الحلقات ،وقرأ على العلماء ، حتى قُرأ على الرجل على  دابته ، وفي سيارته ، ولقي رواجاً حتى في حال حياة مؤلفه ـ كماسنعلم بعد قليل ـ ، وهذا من بركة العلم أن مصنفات العالم تسير على الركاب وتسير في الآفاق في حال حياته ، هذا من بشارات الخير له بإذن الله تعالى  .. إذاً (تفسير القرآن العظيم ) لابن كثير ، أو ما يسمى (بتفسير ابن كثير ) اختصاراً ، هو كتابنااليوم ، وقد تعودنا جميعاً أن نلتقى مع هذا الإمام ونعيش شئ من حياته،  ونطلع عن كثب على المحطات الفاصلة في حياته، فمن هو (ابن كثير) الذي ملأ سمع المسلمين ؟ وملأ أيضاً أحاديثهم الشيقة عن التفسير ،فما يقرأ قارئ التفسير إلا ويكون ابن كثير رحمه الله حاضراً ..

الترجمة :

  أولاً نذكر الاسم :وفائدة ذكر الاسم مرت معنا سابقاً فيأهمية التفريق بين العلماء ولذلك بعض طلابالعلم أحياناً يخطئون أو يسمعون  بين قارئ يسمى ( ابن كثير ) ومفسر ( ابن كثير) فعبدالله ابن كثير هذا متقدم أحد القراء السبعة ، أما ابن كثير فهو (مفسر) فإذا ورد في الكتب :قرأ ابن كثير فإنه لا يقصد به الإمام المفسر وإنما يقصد به أحد القراء السبعة :وهو ابن كثير المكي أو عبدالله بن كثير المكي .

أما عالمنا اليوم وإمامنا اليوم فهو :الإمام الحافظ المحدث المؤرخ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر ابن كثير بن ضوء ، البصروي الأصل ، الدمشقي الشافعي ..

ولد رحمه الله واسكنه فسيح جناته في قرية مجدل من أعمال "بصرى" ، وبصرى الحديث عنها شيق لأنه ورد فيهاحديث شريف عن النبي صلى الله عليه وسلم كعلامة من علامات الساعة الصغرى حينما قال أن تكون هناك نار في المدينة تضئ لها أعناق الأبل في بصرى ـ أي بصرى الشام ـ وقد حدث هذا بعد سنة 600 للهجرة وأرخ ذلك ،

ولد رحمه الله على رأس المئة الثامنة ، يعني سنة 700 هـ ، لذلك القرون تختلف ، فإذا قلت القرن الأول فهو ـ ان صح التعبير ـ (من صفر إلى 100)

 والقرن الثاني (من 100 إلى قبيل مئتين 199) فيُتنبه لهذا .

فإذا قيل القرن الثالث المقصود به ( 200 إلىما قبل  300 )

وقد ولد رحمه الله سنة 700هـ ، أو بعدها بقليل ، وقد نشأ في بيت علم ودين وفقه ، وقد تولى رعايته أخوه عبدالوهاب ، وبذل جهد كبير في تعليمه ، ودرس عليه الفقه ، ولقي عناية من بقية أفراد اسرته ، وقد أثنى ابن كثير على شقيقه هذا عبدالوهاب لما ترجم له ، فقال في البداية والنهاية :" وقد كان لنا شقيقاً ، وبنا رفيقاً شفوقاً " وقد تأخرت وفاة هذا الأخ إلى سنة 750، يقول ابن كثير "تأخرت سنة وفاة أخي إلى سنة خمسين " ويبدو أن الفارق السني كان كثيراً بين ابن كثير المفسر وبين شقيقه عبدالوهاب الأخ ، فكان له بمثابة الأب ، "فتأخرت وفاته إلى سنة خمسين ـ يعني  وسبعمائة ـ فتتلمذ ابن كثير صاحبنا على يديه ، وهذا من توفيق الله تعالى ان الابن الأكبر ـ وه ذه رسالة أوجهها من خلل هذه الترجمة إلى المربين والدعاة وإلى الأباء وإلى الأمهات وهو : الحرص على الابن الأول قدر الإمكان  ، وهذه نتيجة خبرة طويلة  ، انه بإذن الله إذا كان الابن الكبير صالحاً متميزاً متفوقاً فإن الابناء الاخرين واخوته الصغار سيلحقونه بإذن الله ويكون لهم قدوة أكثر من الأب ، فكان مثل هذا الأخ مثالا للأخ الصالح والقدوة الصالحة في بيت علم ودين وفقه ،

عقيدته :

أما الحديث عن عقيدة ابن كثير فهو حديث عن السلف ، وإن تأخرت وفاته ـ حديث عن العقيدة الصحيحة ، السليمة ، رحمه الله تعالى كان محباً لهذه العقيدة ،برغم كونه عاش بيئة الأشاعرة ، وأُسئ له بصحبته لأئمة السنة في زمانه ، وكان مظهراً لهذه العقيدة ، متأثراً برموزها آنذاك أمثال الإمام المزي ـ وهو صهره ـ ،وأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى ، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ، واجتهد في تحصيل العلوم على مختلف أنواعها وتخصصاتها ، وارتحل في طلب العلم ولازم الحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال وتحفة الأشراف الإمام المحدث العظيم ، ولازمه وانتفع به وتزوج بابنته ، وقرأ على ابن تيمية كثيراً، وجمع، وصنّف ،وألّف ودّرس وأفتى ، له اطلاع عظيم على الحديث والتفسير على وجه الخصوص ، وله مشاركة نافعة في علم الفقه والعربية ، وكان ايضاً له جهود في كتابة التاريخ من خلال كتاب حافل يحبه الناس ويقتنونه ويقرأون فيه وهو كتاب " البداية والنهاية "

من صفاته :

رحمه الله أنه كان عالماً فذا من أفذاذ عصره برزت مكانته في المجالات العلمية السابقة : الحديث ، التفسير ، والتاريخ ، مشاركة في بقية الفنون ، وكذلك علم الرجال .

وقد أثنى عليه ـوهذا من النادر ـيا اخوان ، أن يثنى على الطالب شيخه ، فإذا وجدت وأن تريد أن تتكلم عن عالم وجدت ثناء من شيخه عليه ، فأولى أن يذكر قبل غيره ، لأن ثناء الشيخ قد أثنى عليه وهو في سن صغيره ، فمات هذا الشيخ واستمر هذا العالم في طلب العلموالاستزاده فيه فمابالك به بعد ذلك ؟

 ولذلك من أقوى الثناء ـ وهذا خارج الموضوع ولكن مهم إيراده هنا ـ من أقوى الثناء على ابن عباس هو ثناء ابن مسعود عليه .



. فابن مسعود قال عن ابن عباس " نعم ترجمان القرآن  ابن عباس " ابن مسعود قال هذا الكلام ابن مسعود ، لو أننا قلنا أن هذه الكلمة من ابن مسعود  في اليوم الذي توفي فيه ـ أي ابن مسعود ـ فإن ابن عباس عاش بعد ذلك اليوم أكثر من 30 سنة فماذا حصل بعد ذلكمن العلوم ؟

وكذلك الحال هنا اثنى على ابن كثير معاصروه ، وقبل ذلك أثنى عليه مشايخه ..

من ذلك أن الذهبي وهو في عداد شيوخه ، لأن الذهبيتوفي 748 هـ ، وابن كثير كما سنعلم  773هـ ـ أو 774 على خلاف...

لاحظ ما يقوله  الشيخ عن تلميذه : يقول الذهبي " الإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع ،  فقيه متفنن ، ومفسر نقاد ، وله تصانيف مفيدة ، يدري الفقه ـ يدري بمعنى يعلم وليست مجرد العلم القليل لكن تستخدم للدراية والعلم بالشيء ـ يدري الفقه ويفهم العربية والأصول ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحواله ، سمع مني ،-ـ يقوله الذهبي-ـ وله حفظ ومعرفة " فإذا كان الثناء من الشيخ على التلميذ لاشك أنه من أعظم الوصف وأهم مايورد عند سياق التراجم .

قال عنه ابن حجر " اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله ، وكان كثير الاستحضار" ـ  هذه مهمة يا اخوان ويا اخوات لطالب العلم وهي ملكة الله عزوجل يزرعها في الإنسان نعم ، لكن قد يستطيع الإنسان أن يطور مهارته في الاستحضار ، يستحضر : أي يورد المعلومة وهذه ظهرت جليا في طريقته في تفسير القرآن بالقرآن ، فكان يستحضر الآيات استحضار عجيب ، كثير يحفظون القرآن لكن استحضار الآية قد يكون ليس بالأمر الهين ، حسن المفاكهة ـ أي منبسط مع غيره سارت تصانيفه في حياته ـ وهذا ما ذكرناه من بركة العلم ـفإنمن البشائر على بركة العلم و صلاح الرجل أن تسير مصنفاته في حياته و يتناقلها الناس ويسمعونها  وانتفع الناس بها ـ أي مؤلفاته ـ بعد وفاته .



وقال عنه تلميذه أبو المحاسن الحسيني  :" صاهر شيخنا الحافظ المزي فأكثر عنه وأفتى ودرس وناظر وبرع في الفقه والتفسير والنحو ، وأمعن النظر في الرجال والعلل "  لاحظ كلام الحسيني هنافقد ذكرشيء لم ننتبه له وهو : أنه ايضاً أتقن النحو وإن كان شيء غير بارز في كتابه لكنه لم يرد أن يبرز هذا الجانب ويطغى على كتابه .

تلاميذه :

تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء :

أمثال : 1/ برهان الدين الدمياطي ، 2/وابن السويدي البدر بن محمد بن ابراهيم ، 3\ركن الدين أبو يحي زكريا ابن يوسف ، وقد اجتمع من فضل الله عليه ـ على هذا العالم ـ أنه اجتمع من مشايخه ثلاثة هم أقطاب الدجى في ذلك الوقت، وهم منارات العلم في تاريخ الأمة جميع :وهم  الإمام الذهبي ، الإمام المزي ، شيخ الإسلام ابن تيمية .فأي نِتاج لهؤلاء سيكون ؟

3/ أيضاً من تلامذته المشهورين أبو زرعه العراقي ، وهو ابن العراقي الحافظ ، وهو حافظ ايضاً ..

مؤلفاته:

من مؤلفاتابن كثير مؤلفَه في التفسير هذا الذي كما قلنا لقي قبولاً ورواجاً ومحبة للعلماء وطلاب العلم وعامة الناس أيضاً له كتاب في فضائل القرآن ..

مؤلفاته في الحديث : أكثر وأطول وأوسع ، منها "جامع المسانيد والسُنن الهادي لأقوم سنن " وهي من أعظم مؤلفاته ، مؤلف كبير جداً .

"اختصار علوم الحديث" الذي شرحه الشيخ أحمد شاكر في "الباعث الحثيث" ، وعلوم الحديث هي مقدمة ابن صلاح ، وله عدد كبير الأجزاء الحديثية ،

من مؤلفاته في الفقهالأحكام الكبرى وأجزاء فقهية ايضاً

من مؤلفاته في التاريخ" البداية والنهاية " وهو كتاب مشهور نسجه على السنوات ، وأرخ من بدء الخليقة إلى قبيل عصره ، سنة بسنة ، ويوجد فيها التراجم ، هو كتاب تاريخ لكنه ايضاً من كتب التراجم  فهو يقول " وفيها توفي " يعني في هذه السنة توفي فلان وفلان  ويسوق لك عدد المتوفين ويذكر شيء من حياتهم وتراجمهم .

ايضاً له "طبقات الشافعية " لأنه شافعي المذهب ، فترجم له ، وله "مناقب الشافعي" كتاب في مناقب الشافعي ..

وفاته :توفي في 26 من شهر شعبان سنة 774هـ  ، كانت حياته حافلة ، حياة علمية عظيمة انتجت هذه الثمار اليانعة المباركة .

2/ التعريف بالكتاب :

اسم الكتاب  لم يفصح ابن كثير في مقدمه تفسيره عن عنوانه ، ولكن المشهور أن اسمه (تفسير القرآن العظيم ) وقد وقع هذا الاسم على طُرة إحدى النسخ الخطية ، وفي بعض النسخ كتب (تفسير ابن كثير) ونسبته إليه أمر مقطوع به لاشك في ذلك ، وقد نسبه إليه بعض معاصريه ، أمثال الإمام الزيلعي المحدث الحنفي المشهور ، وأيضاً ابن كثير ، وابن أبي العز شارح الطحاوية ، والسيوطي و الشوكاني  وغيره .





ثناء العلماء على التفسير :

قد قلت لكم سابقاً أن ثناء العلماء على التفسير ليس المقصود  منه مجرد الثناء على الكتاب ، لكن نقتبس من الثناء شيئاً من المنهج ، ولعلكم تلاحظون ذلك مع هذه الأقوال :

قال السيوطي" له التفسير الذي لم يؤلف على نمطٍ مثله " هذا ثناء عاطر من إمام اطّلع على كتب في التفسير أُلفت قبل ابن كثير ، وألفت بعد ابن كثير ومع ذلك يقول: " لم يؤلف على نمط مثله ".

وقال الشوكانيصاحب فتح القدير " له تصانيف منها التفسير المشهور وهو في مجلدات وقد جمع فأوعى ، ونقل المذاهب والأخبار والآثار "

إذاً يُعنى بماذا ؟ هذا من بيان المنهج ، يعنى بالمذاهب والآثار والأخبار في كتابه ، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه ، وهذا يدل على أن عبارته سهله ، ، عبارة موجزة، مفيدة غنية بالمعلومات ، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها ، وهذه شهادة عظيمة ايضاً من مؤلف متأخر عن ابن كثير .

وقال الشيخ العلامة  أحمد بن شاكر رحمه الله فإن تفسير ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا ، وأجودها وأدقها ، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري ، ولسنا نوازن بينهما وبين أي تفسير آخر مما بين أيدينا فما رأينا مثلهما ولا يقاربهما "

وهذا كلام نفيس من هذا العالم الجليل أحمد شاكر رحمه الله تعالىكونه أولاً : حينما اثنى على ابن كثير لم ينس فضل الإمام الطبري ، وهذه النقطة الأولى ، النقطة الثانية : وهي منهجية نستفيد منها وهو أنه ليس شرطاً أن نقيم موازنة بين الكتب فإن بعض الباحثين يستغرق جزءاً كبيراًحتى يقول " أن تفسير ابن كثير أفضل من تفسير الطبري ، أوتفسير  الطبري أفضل من ابن كثير ، فهذه الموازنة إن لم ينتج معها بحث في المنهجية فإنها ـ إن صح التعبير ـ قد تكون من فضول الكلام ، لسنا في حاجة أن نصل بعد ذلك لأيها أفضل ، فكلٌ في مجاله ، كلٌ أبدع في أمور ، ويُحمد للطبري مثلاً السبق في هذا ، والمنهجية التي قلده فيها غيره ، وأيضاً يُحمد له الأسانيد الطوال وحفظ تفاسير السلف وأمور أخرى كثيرة .

لذلك نجد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أثنى على ابن كثير لكن لم ينس المعلم الأول والشيخ الأول الذي استفاد منه كل من أتى بعده ، وهو الإمام الطبري ..

نعود لما قاله أحمد شاكر " لسنا نوازن بينهما" وهذا كلام صحيحلسنا في مجال موازنة إذ لاتنفع الموازنة إلا في بيان المنهجية .لكن نبه إلى أن غيرهما لا يدنو من مقامهما أي غيرهما من كتب التفسير لاتدنو من مقام هذين التفسيرين: تفسير الطبري ، وتفسير ابن كثير .

مدة التأليف :

لم يحدد الحافظ ابن كثير رحمه الله متى بدأ كتابة التفسير ،ولا متى انتهى منه ، ولكن هناك دلائل تدل على أنه انتهى منه قبل وفاته بمدة ، ويدل على أنه بادر بالتأليف في سنوات عمره الأولى ،  والدليل على ذلك : أنه صرّح في آخر سورة الأنبياء عن وفاة شيخه المُزي ، والمزي توفي سنة 742هـ فهنا دليل على أنه هناك 30 سنة بين بين وفاة المزي وصهره ـ وكان قد قطع مشوار طويل في التفسير .

أنه في نهاية سورة الأنبياء أثنى على شيخه وصهره المزي  ودعا له بطولة العمر ـ ومعلوم أن المزي توفي سنة 742 هـ ـ فيعني في تلك السنة كان قد انهى تلك السورة ـ سورة الأنبياء ـ وكان المزي حي ، فلا شك أن الأمام ابن كثير أنهى تفسيره ـ ان صح التعبير ـ مبكراً أي  في سنوات حياته الأولى ، و ايضاً الدليل الآخر : أن الإمام الزيلعي صاحب تخريج أحاديث الهداية و الكشاف للزمخشري كان ينقل من التفسير ، والزيلعي توفي رحمه الله تعالى سنة 762 هـ أي قبل وفاة ابن كثير مما يقارب ب 12 سنة تقريباً ، وهذا درس آخر نستفيده من ترجمه هذا الإمام العلم خارج إطار منظومة التفسير : وهوأن الإنسان إذا كان عنده شيء من المشاريع الخيرية أو مشاريع التأليف فليبادر بالتأليف مبكراً ويستغل بقية عمره في تنقيحها وتصليحها وإعدادها ، ولذلك كانت من المآخذ على بعض الكتب أنه ألفها في نهاية حياته فلم يتسن له تنقيحها وإصلاحها .



مصادر تفسير ابن كثير:

مصادره في التفسير: اعتمد على الطبري ، ومن المزايا أنه لم يكتفى بالطبري بل اطلع على مصادر اخرى كانت إلى وقت قريب في حكم المفقود مثل تفسير ابن أبي حاتم ، وتفسير ابن المنذر ، وتفسير عبدُ ابن حُميد ، وتفسير ابن مردويه ، ومن نافلة القول أن بعض الرسائل العلمية التي سجلت في بعض الجامعات الإسلامية جمعت تفاسير هؤلاء من خلال تفسير ابن كثير ، فهذه منقبة كبيرة ، يعني جمع تفسير ابن مردوية من كتاب ابن كثير ، وجمع تفسير عبد ابن حميد من خلال كتاب ابن كثير ، فهو لم يكتفي بالطبري ، بل نقل عن ابن أبي حاتم ، ونقل عن عبد ابن حميد ، ونقل عن ابن مردويه ، وابن المنذر ، وهؤلاء من أعلام التفسير بالمأثور ، نقلوا بأسانيدهم أقوال كثيرة في التفسير .

مصادره في الحديث :من مصادره الكتب الستة ، ومسند الإمام أحمد ، وقف هنا وضع خطاً تحت مسند الإمام أحمد ، الإمام ابن كثير يعد حافظاً من حفاظ المسند ، حفظه كتابة ، وحفظه في صدره ، وهو يورد أحاديث كثيرة وإن كانت في البخاري ومسلم ، لكنه يحب أن يسوقها بإسناد الإمام أحمد ثم يقول " و رواه البخاري ومسلم " لكنه يسوق إسناد الإمام أحمد ، ولذلك صحح أجزاء من مسند الإمام أحمد بناءً على ماورد في تفسير ابن كثير .

مصادره في الفقه :كتاب الأم للشافعي ، كتاب الاستذكار لابن عبدالبر المالكي ، كما أكثر النقل عن الإمام النووي في المجموع وغيره .

مصادره في التاريخ :كان كالطبري أبا للتاريخ والمؤرخين ويكفى كتابه الحافل الذي قدمنا للحديث عنه ، ومن مصادره أسد الغابة ، والطبقات الكبرى لابن سعد  وهو كتاب متقدم في التاريخ .

مصادره في اللغة :اعتمد كثيراً على الصحاح للجوهري ، والغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام .

هذا الكتاب لقي قبولاً في أوساط طلبة العلم في هذه البلاد ، وفي جميع أقطار العالم الإسلامي ، وتلقته الأمة بالقبول دراسة وتعليماً وتصحيحاً ، اشتغل العلماء عليه اختصاراً ، واشتغل عليه الباحثون ايضاً دراسة لنيل الدرجات العلمية ، كتاب سهل ميسر محبب إلى النفوس ، للين العبارة وسهولتها ومباشرتها لمبدأ البيان والكشف عن معاني القرآن ، يعني أنك لا تتوه وأنت تقرأ في هذا الكتاب الحافل إلى الهداية إلى التفسير بل تجده مباشرة وتجد معه الحديث والآيات الأخرى التي تساعدك على الفهم .

من أشهر المختصرات :مختصر الشيخ أحمد شاكر ، ومختصر الشيخ محمد نسيب الرفاعي وهو من أفضلها ، والمحاضر لا يميل إلى قراءة الملخص مهما كان التلخيص ، فالأولى أن يعود طالب العلم إلى الكتاب الأصل ويقرأ منه  .

لأنه مثال :تلخيص الإمام الصابوني أخطأ وحذف بعض العبارات والجمل والرائعة ، وهذا لانقول أنه بقصد أو بإساءه ، لا ، لكن لو وضعت أمامك المختصر للصابوني وتفسير ابن كثير وقرأت بعض الفقرات تجد أنه حذف بإجتهاد منه ، بعض الجمل ، لكنها كانت في غاية الروعة ، وغاية الأهمية في بيان القرآن الكريم ، وهذا ينبئك على أن طالب العلم عليه ألا يعود للمختصر بل يعود للأصل ،

وقلنا أنه يعد خطأ علمياً ومنهجياً في البحث أن تعيد بعض المعلومات للمختصر مع وجود الكتاب الأصل .

أما رسائل الدكتوراه والماجسيتر فهي كثيرة لا مجال للحديث عنها ، لكن دَرَسَه الدكتور اللاحم دراسة وافية ، ودرسها الدكتور الفالح ايضاً دراسة وافية وهناك الكثير من المؤلفات ، كما دُرست استدراكاته على الامام الطبري ، وكونه يستدرك على الطبري ليس الهدف من البحث في الإستدراكات هو كونه من العلماء ، بل هناك أدب بين العلماء ، وهناك  إبراز أهمية الاستدراكات في البحث عن الحقيقة والصواب وليس تصيد للأخطاء  كما يقع بين بعض الكتبه وبعض العلماء في العصر الحاضر ، هدفهم من الاستدراك تصيد الأخطاء ، لا هدفهم من الاستدراك  كان البحث عن الراجح والبحث عن الحق وعباراتهم في ذلك مشرقة مؤدبة لا تسيء إلى من قبلهم .

      يعتبر تفسير ابن كثير علامة فارقة فيما يسمى بالتفسير المأثور لأنك تجد فيه آيات كثيرة فَسّرت آيات أخرى ، وتجد فيه حديثاً كثير ، وأقوالاً عن الصحابة والتابعين ، فهو بناء على التقسيم عند عُرف من كتب في أصول التفسير أنه من التفسير بالمأثور ، أماتفسير القرآن بالقرآنعند ابن كثير فهو علامة فارقة ومنهج بديع مهما تكلمنا في وصفه  لن نعطيه حقه ، بل هو مدرسة في هذا الفن ، ابن كثير استطاع أن يستحضر آيات عظيمة تشرح آيات أخرى ، استطاع أن يطبق تفسير القرآن بالقرآن بأهدى سبيل وبأحسن طريقة ، وبطرق مختلفة نعرض لشيئ منها لأن المقام لايتسع لها هنا ، وقد نبه رحمه الله "أن تفسير الآية بالآية أولى " وهذا نص بن كثير . وابن كثير قد نقل مايسمى " بمقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير " نقلها تامة في مقدمة تفسيره ، وتعلمون أن ابن تيمية قال في ذلك الكتاب أن أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن ..

لا نريد الدخول في إشكالية هل تفسير القرآن بالقرآن هو من التفسير بالرأي ، أو تفسير بالمأثور ؟

فقد سبق وأبان المحاضر في بداية المحاضرة إلىأن التفسير القرآن بالقرآن هو في الحقيقة يعتبر بإعتبار قائلة   فإن كان قائلة الذي فسر القرآن بالقرآن أو الآية بالآية هو النبي صلى الله عليه وسلم  فهو حديث مرفوع ، وإن كان قائله صحابي فهو قول صحابي له حكم قول الصحابي ، وإن كان القائل تابعي فهو قول تابعي وهكذا ..

من مناهجه في هذا الجانب في تفسير القرآن بالقرآن :

أولاً : أنه كان ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مافسره من القرآن ، في هذه الحالة يكون المفسر النبي وابن كثير يكون ناقل عنه ، فإن شئت جعلته من الحديث لأنه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ،وإن شئت جعلته من تفسير القرآن بالقرآن لأنه فعلاً آية فسرت آية . من أمثلة ذلك : أنه عند قوله " وعنده مفاتح الغيب لايعملها إلا هو " بين صلى الله عليه وسلم أن هذه المفاتيح هي ماورد في آية سورة لقمان قوله تبارك وتعالى : " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافي الأرحام ، وماتدري نفس ماذا تكسب غداً وماتدري نفس بأي أرض تموت ..."

هذا المنهج العظيم وهو الاستشهاد بالأحاديث النبوية التي فسرت القرآن بالقرآن .

أيضاً نقل عن الصحابة تفسيرهم للقرآن بالقرآن ، ومن ذلك مارواه عن ابن مسعود ، وابن عباس في قوله تعالى " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنيتين  .." نقل عن ابن مسعود انه قال : هذه الآية كقوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ..." فهنا المفسر هو ابن مسعود ، والناقل هو ابن كثير في كتابه ، وكذا تجد فيه كثير من النقل عن ابن عباس ، أما التابعين فنقل عنهم في هذا الجانب ـ تفسير القرآن بالقرآن ـ ومن ذلك حينما نقل عن الإمام مجاهد في قوله تعالى " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ..) قال كقوله تعالى ( ولو ردوا لعادوا نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) فإذا كان التفسير من قبله فهو يذكره ، لكن هو في هذه الجزئية ينقل تفسير القرآن بالقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين .

أما منهجه هو في تفسير القرآن بالقرآن  : ومايقوم به هو في تفسير القرآن بالقرآن أنه يجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية في مكان واحد ، وإنك تعجب وأنت تتصفح في هذا الكتاب أنه يستحيل أن تمر بك صفحة أو صفحتين من التفسير  لا تجدفيها تفسير القرآن بالقرآن ، يعني هي ظاهرة واضحة في هذا الكتاب ، فهو يجمع الآيات التي تدل على المعنى الواحد في مكان واحد ، وليس شرطا أن تكون تفسير بل قد تكون تأييد ، وقد تكون تقوية ، وقد تكون تشبهها في بعض المعاني والدلالات ، وقد يورد آية واحدة ويكتفى بها ، وقد يورد أكثر من ذلك في سياق واحد ..

أحيان ايضاً يقتصر على موضع الشاهد ، وأحيان يطيل ويذكر الآية التامة ، ,أحيان يفسر الآية التي ساقها للتفسير حتى يبين الآية المراد تفسيرها .



منهج ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن  بالتفصيل :

1/ بيان المجمل بالمبين : فإنه يورد الآيات حين تمر عليه الآيات المجملة فإنه يفسرها بالآيات المبينة مثل قوله :" أحلت لكم بيهمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم أن الله يحكم مايريد " ذكر بعد ذلك أقوال المفسرين ثم قال وهي المراد بها في قوله تبارك وتعالى " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ..."

فهو جعل الآية الأولى مجملة وفسرها بالآية المبينة .

2/ حمل المطلق على المقيد :فقد فسر الدم الوارد في قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم .." بقوله تعالى أن هذا الدم يحدد بالدم المسفوح كما قال تعالى : "....أو دماً مسفوحاً "

3/ يستدل بالقراءات الشاذة للدلالة على الآية القرآنية :لأن القراءة الشاذة هي قراءة لكنها ليست قرآنا ، فمثلاً عند قوله تعالى : أو يكون لك بيت من زخرف .." قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هو الذهب ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود :" أو يكون لك بيت من ذهب " : وهذا لاشك انه جمع في المثال بين تفسير الصحابة وبين القراءة الشاذة في بيان المعنى ..

و لو جلست محاضرات في بيان منهجه في تفسير القرآن بالقرآن لطال بنا المقام وربما لم نستوعب هذه الجزئية فيه لكنه في هذا الجانب يعتبر أشهر مفسرين على الإطلاق في تفسير القرآن بالقرآن ، وأشهر المفسرين في إيراد الآيات ذات المدلول الواحد أوذات المعنى الواحد في مكان الواحد ، ولو أراد محصي أن يحصي فهرس الآيات ومواطنها في تفسير ابن كثير لخرج الفهرس في مجلدين تقريباً ..فلو أردت قول ان هذه الآية استدل بها كم مرة ، وفي كم موطن  لخرج عدد كبير معك في هذا الفهرس ...





التفسير بالسنة :

وهو علامة فارقة في هذا الكتاب الحافل ، وما أعظم هذا العالم الذي سخر علمه بالسنة ، وعلمه بالحديثفي بيان كتاب الله فجمع بين الحسنيين ، العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وتسخيره في بيان القرآن الكريم .

وسُجلت ايضا في رسالة علمية في جامعة الملك سعود ، منهج ابن كثير في التفسير بالسنة ، فالله أكبر كم أحسن هؤلاء المفسرون منذ الامام الطبري على الباحثين وعلى طلاب العلم وكانوا سبب لحصولهم على هذه الدرجات فكم من الأجور تساق لهم لأنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعهم لا ينقص ذلك من اجورهم شيء فبركة العلم والصدقة الجارية في التأليف واضحة وكبيرة .

كان ابن كثير بحكم علمه الواسع بالسنة ، إمام في التفسير والحديث ، وسخر معلوماته في الحديث لبيان القرآن الكريم ، فهو يعلم رحمه الله ان السنة مصدر ثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، وكذلك هي المصدر الأول في بيان القرآن الكريم ، وهذا على القول الصحيح أن التفسير بالسنة يقدم ويُجعل أول المصادر ..إذا اختلفت قواعد الترجيح مثلا (لدينا تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسر القرآن بالسنة ) فإن الذي يقدم هو  التفسير بالسنة ، إلا إن كان مفسر القرآن بالقرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم . ولماذا ؟ لأن التفسير النبوي هو تفسير صريح من النبي صلى الله عليه وسلم الموكل إليه بيان هذا بالقرآن ـ والتفسير النبوي يختلف عن التفسير بالسنة ولا مجال للتفريق بينهما الآن ـ  لكن تفسير القرآن بالقرآن قد يكون المفسر النبي وقد يكون غيره كما ذكرنا ، عموماً كان يُعنى يذكر الاحاديث ، وحين يذكر الأحاديث ينسبها لأصحابها فيقول مثلاً رواه أحمد ، و فلان ، و فلان ، وأحيانا كثيرة يسوق الإسناد ، وسبق وقلنا أن بعض أسانيد الإمام أحمد صححت من خلال  تفسير ابن كثير عندما أوردها في كتابه ، كان يعني بالتخريج ويعنى أحياناً بالتصحيح والتضعيف ، وبيان حال الرجال ـ وقد سجلت رسالة علمية "ماجستير" في الرجال الذين تكلم عليهم ابن كثير في التفسير . ويهتم بإبراز اللفظ ، وهذه نقطة مهمة لأن ألفاظ المؤلفين تختلف ، وهو ينص هذا لفظ أحمد ، هذا لفظ الترمذي ، وهكذا ،مثال :

قوله تعالى ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئاً ..) قال : قال الإمام أحمد : أنبئنا عبدالرزاق ، اخبرنا معمر عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله  عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال : يارسول الله عليّ رقبة مؤمنة فإن كنت ترى أن هذه مؤمنة أعتقتها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتشهدين أن لاإله إلا الله قال: قالت نعم ، قال أتشهدين أني رسول الله ،؟ قالت نعم ، قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، قال : اعتقها ) يعني أنها مؤمنة ، فقال ابن كثير : وهذا اسناد صحيح ـ صحح إسناد الإمام أحمد هنا ـ  وقال" وجهالة الصحابي لا تضر " أي جهالة الرجل من الأنصار، فمادام أنه صحابي حصل له العدالة ، وهذا حديث من الأحاديث العظيمة التي تبين لك مقام الصحابة الكرام ، وإن كانوا لم يُعرفوا ولم تعرف اسمائهم لكنهم كانوا على الإيمان الراسخ وعلى الفطرة السوية .

ايضاً كان يعنى بالأحاديث :ولكن هذا لايعنى أنه كتابه خلا من الاحاديث الضعيفة ، هناك مجموعة من الاحاديث الضعيفة في تفسيره ، لكن يجب التفريق يا اخوان بين التفسير والأحكام ، يتساهل المحدثون ممن ألفوا في التفسير  في سياق بعض الأحاديث الضعيفة : لأنهم أما أنهم على رأي الإمام أحمد : أن الحديث الضعيف أحب إلي من رأي الرجال ، أو أن الضعف الذي أوردوه من الأحاديث هو ما كان يسميه الإمام الترمذي بالحسن ، يعني أن ضعفه يسير ينجبر بأمور سواء بمتابعات وشواهد ، أو ينجبر بأصول الإسلام أو ينجبر بقول صحابي أو مجموعة من أقوال التابعين ، فلهذا السبب تذكر الأحاديث الضعيفة في تفسيره ، قد يكون فيها بيان لمعنى ، فليس شرطا أن يكون فيها حكم يؤثر على الإنسان (حلال حرام مباح مكروه ) قد يكون فيها إفادة بيان معنى ، لهذا العلماء كما ذكرنا اعتمدوا على القراءة الشاذة مع أنها ليست قرآن فلم يأت أحد ويقول :يجب أن تبعدوها لأن هذه ليست قرآن ، ولأنها مخالفة لرسم المصحف ..لم يقولوا ذلك  بل استدلوا بها في إفادتها لبيان معنى ..

أهتم بجزء من الأحاديث المتعلقة بأسباب النزول :فأوردها ونبه عليها وساقها برواياتها المختلفة ، وأهمية سبب النزول الكل منا يدركه بلا شك في بيان المعنى ، أيضاً يسوق الخلاف فيه وأحيان يرجح بينه ، ومن ذلك قوله تعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ...) أورد الأقوال في سبب نزول هذه الآية : فقال السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريح ، ونقل عن ابن عباس أنها نزلت في ذم المنافقين الذين تكلموا في أبي وأصحابه ( أصحاب بئر الرجيع ) فساق كل هذا في أسباب النزول  ، ثم بين أن القول بالعموم هو الأصل لأنه كما تعلمون في القاعدة التفسيرية (العبرة بعموم اللفظ  لا بخصوص السبب)  قال وقيل بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم ، وهو قول قتادة وغير واحد وهو الصحيح ، فذكر سبب النزول و قال: أن هذا عام في كل من تكون صفته هذه ، يعني من يظهر الأعمال الطيبة ويظهر الوجه والحسن وإذا تولى عنك وانصرف أفسد وأهلك الحرث والنسل .

أقوال الصحابة والتابعين :

كثيرة في تفسير ابن كثير ، وقلنا من مزايا ذكره لأقوال الصحابة والتابعين في تفسيره  أنك تجد فيه أقوالا لأئمة التابعين والصحابة ليست موجوده في تفسير الطبري ، والسبب ما ذكرناه سابقاً أنه أعتمد على مصادر أخرى في التفسير بالمأثور ، لاتقل من ناحية الكمية عن تفسير الطبري مثل تفسير ابن ابي حاتم ، وتفسير ابن المنذر وغيرهم.

فاعتمد على أقوال الصحابة ونقل عنهم وخاصة ابن مسعود وابن عباس، وأهتم كثيراً بأقوال الحبر والبحر وهو ابن عباس رضي الله عنه ، وساق أسانيد كثيرة إليه وخاصة إسناد علي بن أبي طلحة إليه ( صاحب الصحيفة) وكذلك نقل عن ابن مسعود من طريق السدي عن مرة الهمداني، ونقل عن روايتة المشهورة رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، وأحياناً يرفعها إلى أبي بن كعب ..

من ذلك لو نقلنا مثال على طوله ، ونكتفى به ، عند قوله تعالى ( أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها ) قال ابن عباس : أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض ، وفي رواية( ننقصها من أطرافها)القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية ، وقال مجاهد وعكرمه : خرابها يعني النقصان ، وقال الضحاك في رواية والحسن ( نقصانها : نقصان الأنفس بالموت ، يعني والثمرات وخراب الأرض ، وقال الشعبي بنحو ذلك ، وقيل هو موت العلماء ، فابن كثير ساق هذا كله ومع ذلك  لم يرُجح ؟ فلماذا لم يرجح ابن كثير هنا  ؟ في هذا المثال مع انه ساق أقوال ظاهرها الاختلاف ..

ج: لأنها من قبيل اختلاف التنوع ، الذي يُقبل ، وتحتمله الآية ...

الحقيقة أن جميع ماذكر يمثل منهج سوي بالتفسير بالمأثور: تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنة ، وتفسيره بأقوال الصحابة والتابعين .

طغت في تفسيره ولكنه طغيان مفيد ، ظهرت في تفسيره فأحسن في إظهارها وأبدع في إيرادها رحمه الله ..

أسئلة للطلاب :

س/ من هي الشخصية التي أثرت على ابن كثير في مقتبل حياته ؟

ج/ أخوه (عبد الوهاب )الفقيه الذي استفاد منه رحمه الله .

س/من هو شيخ ابن كثير الذي ترجم له في كتابه وأثنى عليه ؟ وعلى ماذا يدل ؟

ج/الإمام الذهبي ، ويدل على نجابته منذ نعومة اظفاره ، وفي سن الشباب ، ويدل على نبوغه المبكر ، ويدل على العلم الذي أصبح فيه ، فابن كثير لم يتوقف بعد هذا المديح  بل استمر ، فإذا كان هو ممدوح وهو ابن 30 سنة مثلاً فما بالك به وبعلمه  وهو ابن 60 سنة ..

والعلماء ليسوا مثل المتعالمين في هذا العصر الذي إذا حفظ آيتين أوحديثين فأصبح يفتي وأصبح هو العالم الأول والأوحد والذي لم يأت أحد بمثل ما أتى به ، فيتوقف عن القراءة والإطلاع والطلب هذا منهج لم يكن عليه العلماء ، بل كما قال الإمام أحمد "من المحبرة إلى المقبرة "

المنهج اللغوي عند ابن كثير :

 استفاد ابن كثير من اللغة ، ولكنه لم يجعلها تصرف القارئ عن هذا التفسير،  فلو أراد شخص أن يطلع على كتاب الدر المصون أو كتاب البحر المحيط لابي حيان لأرهقته المسائل الطويلة  ولربما غاب عنه معنى الآيات لطول هذه المسائل والتشعب فيها ، لكن ابن كثير رحمه الله استفاد من اللغة فيما يفيد في بيان الآية وفيما يقربها وأخذ منها فيما يفيد هذا الجانب فقط ولهذا اقبل على ابن كثير الناس كلهم  عامة وعلماء

و ابن كثير كغيره من العلماء يدرك أهمية اللغة في التفسير ولهذا ساق هذا الاعتراف  في مقدمة تفسيره ، كان يحتكم إليها ويستشهد بالشعر ويسوقه وينسبه إلى قائله ، وكان يستشهد ايضاً بالنثر وينسبه إلى قائله .

من ذلك عند قوله تعالى :(  يسومونكم) قال : ُيولونكم  ، ثم أورد بيت عمر بن كلثوم .

إذا مالملك سام الناس خسفاً ** أبينا أن نقر الخسف فينا ..

فأراد أنها بمعنى يولونكم أو يتولونكم ولهذا ساق قول عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي ..

أما الاستشهاد بما روى من كلام العرب فهو كثير :

فمثلاً عند قوله ( عن الصراط لناكبون) قال: أي لعادلون ،جائرون ،منحرفون تقول العرب: نكب فلان عن الطريق إذا زاغ عنها .

استشهد بأقوال المفسرين في معنى قوله تبارك وتعالى ( والأرض وما طحاها) لما ساق أقوال المفسرين ، وهذه ناحية أخرى مهمة وهوأنه يقدم أقوال المفسرين على أقوال أهل اللغة، فساق المعنى في ذلك ، وأورد قول مجاهد وقتادة  ثم قال : وعليه الأكثر من المفسرين وهو المعروف في لغة العرب ،  قال الجوهري "صاحب الصحاح " : وطحوته مثل دحوته أي: بسطته .

ايضاً ينقل في بيان معاني المفردات اللغوية ، وطريقته في نقل بيان المفردات اللغوية  طريقة بديعة وموفقة لحد كبير سلك فيها مناهج ، فهو مثلاً يدمج الكلام على معاني الألفاظ والمفردات في المعنى الإجمالي للآية ، وهذا فن ، وهذا الأغلب في كتابه ، وهذا ماحول كتابه في بعض المواطن إلى أن نقول : أن تفسير ابن كثير من  أنواع التفسير الإجمالي ، لأنك لاتجد معنى الكلمة مباشرة ، بل تجدها في مجمل الكلام هذا في الغالب الأعم ، أحياناً يبين معنى كل لفظة ومفردة على حدة ، يقول : ومعنى كذا ثم يورده ، أحياناً يجمع بين الأمرين ، فيورد أولاً المعنى العام ثم يذكر بعده المفردة مفصلة عن قائلها سواء من السلف أو أهل اللغة ، يعتمد في الغالب على بيان المفردات (حتى المفردات الغريبة) على السلف  لأنه يرى _ وهو الحق _ أن السلف وخاصة  الصحابة وكبار التابعين هم أهل لغة قبل أن يكونوا صحابة وتابعين ، بمعنى أنهم عندهم زيادة علم ، فهم أصلاً أهل لغة بالإضافة إلى صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا مواطن النزول ، ورووا الأحاديث ، ولذلك الذي يفرق بين السلف وأهل اللغة : فيقول هذا قول السلف ، وهذا قول أهل اللغة ، نقول له : أن السلف أصلاً هم أهل اللغة وإذا اختلف السلف مع المتأخرين من علماء اللغة فالقول قطعاً قول السلف ، ليس للأسباب الأخرى التي نملكها ونعتقد بها ( كفضل الصحابة ، والملازمة ) بل بالإضافة لذلك لأنهم هم أهل اللغة وبيان وفصاحة .

ايضاً يهتم بالجوانب اللغة الأخرى ، النواحي البلاغية ، والأقوال النحوية ، لكن كما قدمنا فيما يفيد في التفسير وفي بيان المفردة القرآنية ، أو في بيان الآية بشكل مجمل .

تنبيه : بعض النسخ القديمة للكتاب فيها أخطاء نحوية ، لكنها ليست من قِبَل  ابن كثير بل من قبل النساخ .وأفضل طبعات الكتاب عند المحاضر أنها طبعة (عالم الكتب ) أو ما يسمى طبعة ( أولاد الشيخ ) هذه أفضل الطبعات ، في خمسة عشر مجلداً ، طبعة محققة على عدد كبير من النسخ ، ومُخرّجة ، وإن كانت في 15 مجلداً ، والبعض يتكاسل عن اقتناءها لكننا نحن نسوق ماهي أفضل طبعة الكتاب .

أهتم ايضاً كما قلنا بالجانب النحوي والبلاغي لكن بما يفيد في بيان الآية  ، كان يهتم فيما يبين معاني الاستفهام وأغراضها ، يهتم بذكر المناسبات بين الآيات ويطيل في هذا الجانب ، ولذلك هو يشبه كتاب الرازي في اهتمامه بالمناسبات ، اهتم ب( القسم) وإبرازه  وإظهار جواب القسم ، وتقديره إن كان محذوفاً ،

لأن هذه أمور مهمة في التفسير ومهمة في بيان الآيات الكريمة ..



أما في منهجه في الترجيح والتعليل وبيان الخلاف :

فهو منهج عظيم سلكه في كتابه ، وأهتم به اهتمام كبير ، وكان كمل قلنا في جانب الحديث يُرجح يُصحح يُعلل يذكر ضعف الراوي وضعف الحديث ويسوق الأسانيد والروايات المختلفة لتقوية هذا الحديث أو هذا القول ، هذا بالنسبة للحديث والروايات أما بالنسبةللخلاف الفقهي فهو له مشاركة وعلم فهو يسوق الأقوال وينبه على خطأ الدليل إن وجد، ويناقش الأقوال ويرد عليها، هذا بالنسبة للأحكام الفقهيةأما بالنسبة لأقوال المفسرين فإنه تظهر ملكتة التفسيرية ، ويظهر نَفَسه التفسيري ،  فهو يناقش الأقوال وإذا بدا أنها متعارضة تعارضاً لايمكن الجمع بينهما فعند قوله تعالى ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) قال ابن جرير: هذه الآية مردودة على قوله( كتاب أنزل إليك فلايكن في صدرك حرج..) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله فيه نظر ، فإنه قد طال الفصل ، ولا دليل على ذلك وإنما لما أخبر عما صاروا إليه من الخسار في الدار الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدار الدنيا بإرسال الكتب وإنزال الكتب كقوله ( وماكنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) ..

وقد ساق المحاضر هذا المثال ليس من أجل تقرير أن ابن كثير  يرجح ويعلل ويستدل لما يختاره  فقط ، لكن ساقه مع هذا السبب ولسبب آخر وهو : بيان أدب ابن كثير مع الطبري ، فعندما قال ابن كثير :" وهذا الذي قال ـ يقصد الطبري ـ قال: فيه نظر" لاحظ هنا قد تأدب مع الطبري ، فلم يقل قوله خطأ ، أو هذا رجل لا يحسن التفسير ، أو ليته ترك التفسير ) كل هذه العبارات التي نسمعها الآن بين بعض من يرد بعضهم على بعض ، لا تجدها بين هؤلاء  العلماء الكبار ،.

فعندما قال: " فيه نظر" يعني يحتمل قولي الصواب ، ويحتمل قوله الصواب ، لكن  أنا بدا لي هنا أمر سأورده احترام للعلم ، وبحثاً عن الحقيقة ..



ايضاً كان يبرز المذهب العقدي للمفسر ولا يجعل حرصه على اختصار كتابه و تقريبه للناس من بيان مذهب بعض العلماء وبعض المفسرين العقدي ، فمثلاً عند قوله تبارك وتعالى ( ختم الله على قلوبهم ) وتعلمون رأي المعتزلة في ذلك وأنهم دائماً مثل هذه الآيات يصرفونها ويجعلونها على أنها إعراض من الإنسان عن السماع فكأنه مختوم عليه ، ولا يريد أن يثبت أن الله خلق هذا الفعل وقدّره ، بل يرون أنه ليس هذا التفسير ،وهو تفسير يخالف ، فمثلاً لما حكى هذا القول ، قال ابن كثير: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا ، وتأول الآية من خمسة أوجه ، ـ يقصد الزمخشري ـ وكلها ضعيفة جداً ، وما جرأه على ذلك إلا إعتزاله ، الإعتزال :انه لايرى أن الله يخلق الأفعال بل العبد يخلق فعله .

 فالآية السابقة صريحة يفهمها العربي البسيط فقوله ( ختم الله ) من الذي صنع الختم ؟ هو الله ، لكنهم هم يقولون لا ، كأن التقدير : أن الإنسان لا يريد أن يسمع فكأنه خُتم على قلبه .واستدلوا بأقوال من العربية لكن الآية ترد ذلك ، وآيات كثيرة غيرها ..

وكما قال أحد العلماء : الآيات الدالة على خلق أفعال العباد في القرآن كثيرة جدا ً وكم حاول  المعتزلة أن يرقعوها ـ أي يرقعوا أقوالهم ـ وقد اتسع  الخرق على الراقع .

نعود لقول ابن كثير فقال : وماجرأة على ذلك إلا اعتزاله ، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده ـ  لكنه حسن عندنا ، وصواب عندنا ليس قبيح  ـ  تعالى الله عنه في اعتقاده ، ولو فهم قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يُؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) وما اشبه ذلك من الآيات ـ لاحظ قد استخدم القرآن بالقرآن في الرد على المبتدعة وهذا قد يكون منهج ـ على أنه انما قد ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم بالبطال وتركهم الحق ، وهذا عدل منه حسن وليس قبيح  ...إلى آخر ماقال."

المهم هنا أنه بيّن مذهب  الزمخشري في التفسير واعتقاده  ..

أسئلة للطلاب :

س/ أذكر ثلاثة سمات مختصرة في طريقة ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن ؟

يقيد المطلق ، بيان المجمل ، يسوق أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وأقوال التابعين في تفسيرهم للقرآن بالقرآن هذا من منهجه ، وهذا نادر ، لأن الذين يفسرون القرآن بالقرآن في الكتب الأخرى يسوقون هذا التفسير (تفسير القرآن بالقرآن ) دون نسبتها لأحد  ، لكن الكثير ينسبونها لقائلها.

س/ أذكر ثلاث سمات من سمات الإمام ابن كثير في إيراده الحديث المُفسِر ؟

·      أحياناً يسوق الإسناد وخاصة إسناد الإمام أحمد ، و أحياناً يسوق أسانيد لكتب مفقودة كعبد بن حميد ،و ابن مردويه .

 وهو لا يسوق الإسناد من عصره ، بل يسوقه من المؤلف ، فإن كان نقل عن الإمام أحمد  يسوق إسناد الإمام أحمد ، وإن كان نقل عن عبد بن حميد فهو يسوق اسناد عبد بن حميد وليس إسناد ابن كثير نفسه بل إسناد المؤلف الذي نقل منه .

·      يعتني بالتخريج ، و ايضاً يُخرّج بعد إيراد الإسناد ، فقد يسوق إسناد الإمام أحمد ثم يُخرج بعد ذلك من البخاري ومسلم ، لأن قيمة تخريج البخاري ومسلم أكبر لأنهما أصح .

·      يُعنى بجانب لفظ الحديث ، (لمن هذا اللفظ) ونسبته .. وبذلك حفظ لنا كثير من الأحاديث والروايات التي قد تكون مفقودة أو تعتبر من باب الاستئناس .



منهج ابن كثير في التعامل مع الدخيل (الإسرائيليات والموضوعات ) :



أولاً : منهجة في الإسرائيليات :

هذه نقطة مهمة وأتمنى من الله تعالى أن يوفقنا للسداد في بيانها ، ابن كثير هو أكثر المفسرين توفيقاً في التعامل مع الإسرائيليات ، وسبق وقلنا أن ليس من الصواب حذفها جميعاً (أي حذف الإسرائيليات) بالكامل من كتب التفسير ، وليس من الصواب ايضاً ابقائها كلها وروايتها والتوسع فيها ، فما هي المنهجية التي سلكها ابن كثير والتي لاقت استحسان الناس ؟ 1ـ ابن كثير أولاً : نبه بقاعدة عامة في مقدمة تفسيره من الحذر من الإسرائيليات وأنها ليست على قسم واحد بل على أقسام ثلاث ، فقال لما أورد حديث (بلغوا عني ولو آية ) قال: ولكن هذه الأحاديث الاسرائيلية ُتذكر للاستشهاد لا للاعتضاد ، ثم ذكر أنها على ثلاثة أقسام (وهي الأقسام معروفة في الإسرائيليات)  :

1ـ التي توافق شرعنا، وهي صحيحة ،

2ـ التي تخالف شرعنا ، وهي باطلة .

3ـ التي لا توافقه ولا تخالف العقل ، فهذه المسكوت عنها والتي قيل عنها( حدثوا عن بني اسرائيل ولاحرج)

فقال : والثالث ماهو مسكوت عنه ـ يعني ليس من قبيل القسم الصحيح وليست من القسم الباطل ـ فلا نؤمن به ولا نكذبه ، وتجوز حكايته ـ بناء على الحديث ـ لما تقدم وغالب ذلك مما لافائدة فيه تعود إلى أمر ديني " ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيراً ـ أي يختلفون في سياق القصة نفسها ـ وبناء على اختلافهم يختلف المفسرون الذين نقلوا عنهم .

و هذا المنهج إلتزم به ابن كثير ، ولذلك نبه عليه ايضاً في "البداية والنهاية" قال : ولسنا نذكر في الاسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله ، مما لا يخالف كتاب الله و سنة رسوله ، وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب ، مما فيه بسط لمختصر عندنا ، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا  فنذكره على سبيل التحلي به ، لا على سبيل الاحتياج إليه

والاعتماد عليه " هذا كلام نفيس ، وهو كلام أشد وضوحاً في كتاب "البداية والنهاية " وليس في مقدمة التفسير ، وفي هذا الكلام بيان لك لماذا يسوق المفسرين وبعضهم من أهل الحديث الإسرائيليات : إما لتعيين مبهم ، أو إفادة في  زيادة في المعنى وتوضيحه ، وذكر تفاصيل لم تذكر عندنا ، والإنسان بطبعة يعشق التفاصيل ويبحث عنها .

وقد التزم ابن كثير بهذا المنهج  الذي ذكره ، ولم يكتفي بهذا ،  بل إن ابن كثير في كل موطن يذكر فيه اسرائيليات فيها اساءة لعصمة الأنبياء ، أو فيها مخالفة للعقل ، فإنه يقف معها موقف الناقد، إذا النقد عند ابن كثير للإسرائيليات:

 1ـ  نقد عام جاء في المقدمة ، 2ـ ونقد خاص عند كل موضع .

ولهذا قال" وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني اسرائيل  ، فما وافق منها الحق مما بين أيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح ..." وهذا الكلام يصنف على أنه نقد عام وبيان للإسرائيليات ، وإن لم يذكره في المقدمة بل ذكره في أحد المواطن..

مثلاً في قصة "هاروت وماروت " قال ابن كثير : ( وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين ... ثم قال: وقصها خلق من  المفسرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل. ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل اﻹسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم .. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا اطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله والله أعلم بحقيقة الحال...) فلم يرض تلك التفاصيل التي فيها إساءة للأنبياء .

 ايضاً لما ذكر أقوال في إبليس ، واسمه ، ومن أي قبيله ، تفاصيل لا فائدة فيها قال : " وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الاسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بين أيدينا ، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تخلو من تبديل و نقصان ...)



ايضاً تكلم على قصة عوج بن عنق ، وتكلم على الإساءة إلى داوود عليه السلام في القصة ، ونبه على ضعفها و وهائها كلاماً طيباً موفقاً ..

2/ منهجه في الأحاديث الموضوعة :

ابن كثير هو ابن السنة ، وحامي عرينها بلا شك ، فهو من أشد الناس حرصاً على صيانة تفسيره من أن يُورد فيه حديث موضوع مكذوب ، أو حتى حديث واهٍ ، فمثلاً عند قوله ( و أن تصبهم حسنة ..) نقل إسناد عن البزار حديث طويل ثم نقل مقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية حوله فقال : (هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة ) ويعنى بأهل المعرفة بالحديث .

فسياق الحديث الموضوع في كتاب التفسير لا يجوز إلا مع بيان حاله ، وهنا ابن كثير بيّن حاله ، ولذلك أنبه على فعل قد يشابه أفعال المستشرقين وهو : أنه  لا يجوز للباحث أن يذهب لتفسير ابن كثير ، وتنقل حديث البزار السابق ثم لا تسوق تعقيب ابن كثير عليه  ،بحكم انه موجود في تفسير ابن كثير ، هذا قد يفعله من ليس عنده خوف من الله ، ولا أمانة علمية مثله مثل المستشرقين ، صحيح الحديث وارد ، لكن ورد بعده حكم من ابن كثير نقله من شيخه شيخ الإسلام بأن الحديث موضوع .

·      ايضاً عند قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكره ) روى حديث عن ابن جرير مطولاً و قال : وهو حديث موضوع لا محاله ، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ، والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ، - ويقصد الطبري لأنه  روى هذا الحديث  بالإسناد عن حذيفة مطولاً – وقد صرح شيخنا العلامة أبو الحجاج المزي _رحمه الله _ بأنه  موضوع مكذوب) طبعاً ابن كثير هنا أعتذر للإمام للطبري ، فنلاحظ كيف كان الأدب مع من سبقك عندما قال (والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ) وقد قدمنا سابقاً إلى أن الإمام الطبري كان يسوق بالإسناد ، وأن سياق الإسناد في عصره كان كافياً لإبراز التهمة على رجال الإسناد، وإبراز الضعيف منهم  ،ولذلك  من أسند لك فقد برئ ، أومن أسند لك  فقد حمّلك مؤونة الكشف . هذا هو الكتاب الحافل لابن كثير ونختم بسؤالين عنه..

أسئلة للطلاب :

س/ نقد ابن كثير رحمه الله للإسرائيليات جاء على طريقتين ماهما مع التوضيح ؟

ج/ نقد عام: ورد في بعض المواطن في تفسيره وفي مقدمة تفسيره وفي كتبه الأخرى  ،

نقد خاص : أي النقد في ذلك الموطن الذي وردت فيه القصة ، إما أن يشير لها إشارة عابرة ، أو يورد جزء منها ثم ينقدها .

س/ هل يمكن أن نقول أن ابن كثير أحسن في صيانة تفسيره من الأحاديث الموضوعة؟

ج/ نعم ، نقول هذا بثقة ، يوجد أحاديث ضعيفة في تفسيره ، و لكن لمبررات سقناها .

س/ ماهي مبررات وجود الأحاديث الضعيفة وليست الموضوعة في تفسير ابن كثير وهو من هو في علم الحديث ؟

الإجابة على هذا السؤال في الملتقى .

اشكر الجميع على  تفاعلهم وصبرهم .. وأشكر لكم تجشمكم واستماعكم للعبد الضعيف المقصر ..

نبذة عن الخلفاء الراشدين {عثمان ابن عفان رضي الله عنه}

3- عثمان بن عفان:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي القرشي، أبو عبد الله وأبو عمرو، أمه أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، من كبار رجال الإسلام الذين اعتز بهم عند ظهوره، ولد بمكة وأسلم بعد البعثة بقليل، كان غنياً، شريفاً في الجاهلية، ومن أعظم أعماله تجهيزه جيش العسرة في السنة التاسعة للهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد غزا فيه (تبوك)، هو أحد العشر المبشرين بالجنة، تولى الخلافة بعد اغتيال عمر بن الخطاب فهو ثالث الخلفاء الراشدين، وفي اختياره للخلافة قصة تعرف بقصة الشورى نعرضها باختصار كما رواها الطبري وابن الأثير، وهي أنه لما طعن عمر بن الخطاب دعا ستة أشخاص من الصحابة، وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ليختاروا من بينهم خليفة، وعلم العباس بالأمر فقال لابن أخيه علي لا تدخل معهم، فقال: إني أكره الخلاف، قال: إذن ترى ما تكره، وذهب المدعوون إلى لقاء عمر إلا طلحة بن عبيد الله فقد كان في سفر، فلما اجتمعوا عند عمر قال لهم: تشاوروا فيما بينكم واختاروا للخلافة واحداً منكم، ودعا المقداد بن الأسود وقال له: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم، وأحضر معهم عبد الله بن عمر ليكون مشاوراً وليس له شيء من الأمر، وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى السادس اختياره فاضرب رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة فرضوا رجلاً وأبى اثنان فاضرب رأسيهما بالسيف، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروه ، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمرفليكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فخرجوا من عند عمر، وتلقى العباس علياً فقال له علي: عدلت عنا -أي خرجت منا الخلافة- فقال العباس وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال عمر: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد بن أبي وقاص لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ما دام الرجحان للثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن، فقال له عمه العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخراً بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله في من هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن بن عوف لهما: كلاكما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، فليصل عليه صهيب، فقد استخلفه عمر بعد طعنه ليصلي بالناس حتى يجتمعوا على إمام، فصلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة وكانوا خمسة ومعهم عبد الله بن عمر وطلحة بن عبيد الله غائب، فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام، فقال عبد الرحمن بن عوف أيكم يخرج نفسه منها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: أنا أخلع نفسي منه، فقال عثمان أنا أول من رضي وقال القوم قد رضينا، فقال أعطوني مواثيقكم على أن ترضوا من أختار لكم، وعلي ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله، وخلا بعلي بن أبي طالب وقال له: أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر فمن كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟ قال: عثمان، وخلا بعثمان وسأله ما سأل علياً، فقال: علي، ثم خلا بكل من الزبير وسعد بن أبي وقاص فكلمهما بمثل ما كلم به علياً وعثمان، فقالا: عثمان ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، ولا يخلو برجل إلا أشار عليه بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل بها الأجل -وهي ثلاثة أيام كان عمر حددها لهم، دعا عبد الرحمن أهل الشورى ودعا الناس إلى المسجد، ونادى علياً فقال له: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ونادى عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال عثمان: نعم، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه، فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، فقال عبد الرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، وازدحم الناس يبايعون عثمان وتلكأ علي، فقال عبد الرحمن: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بمن عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً، فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: (خدعة وأيما خدعة)، ويقول الطبري: إن سبب قول علي خدعة: أن عمرو بن العاص كان قد لقي علياً في ليالي الشورى، فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، قال: ثم لقي عثمان فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة فأقبل، فلذلك قال علي لما سأله عبد الرحمن هل يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، آخذاً بنصيحة عمرو بن العاص وأجاب عثمان على نفس السؤال بقوله: نعم دون تردد آخذاً بنصيحة عمرو بن العاص، ونرى أن عمراً نصح علياً بغير ما نصح به عثمان، وقد أخذ كل منهما بنصيحته، وكان خدعة من عمرو رددها علي بعد مبايعة عثمان، وشعر بها بعد أن وقع في حبالتها، كان عهد عثمان عهد فتوحات ففي عهده فتحت أرمينية وأذربيجان وإفريقية وبدأ غزو الروم براً وبحراً، وفتحت جزيرة قبرص، وفي سنة 27 هـ أرسل حملة بحرية لغزو سواحل الأندلس، وهو أول من فكر في فتح القسطنطينية واقتحام أوروبا عن طريق إسبانيا للوصول إليها، وكان أمره بغزو سواحل إسبانيا لهذه الغاية، يرجع إليه الفضل في إزالة الخلاف في قراءة القرآن بجمعه صحفه التي كانت محفوظة عند حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ونسخها في مصحف واحد بمعرفة زيد بن ثابت وآخرين من الصحابة الحافظين للقرآن، وأمر بإحراق ما سواه، اتهموه بتولية أصحابه وأقربائه مناصب الدولة، من ذلك توليته عبد الله بن عامر بن كريز ابن عمته على البصرة بدلاً من أبي موسى الأشعري، وتوليته الوليد بن عقبة أخاه لأمه على الكوفة بعد عزله سعد بن أبي وقاص، وعزله عمرو بن العاص عن مصر وتولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مكانه، وكان عبد الله أخاه من الرضاع، وقد أخذ عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وعظم على أهل مصر عزله، وأخذ يحرضهم على ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة، فاستنفروا نحوا من ستمائة رجل وتوجهوا إلى المدينة وسألوه أن يعزل ابن أبي سرح وتولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا إذا هم براكب فأخذوه وفتشوه فوجدوا معه كتاباً إلى ابن أبي سرح على لسان عثمان يأمره بقتل محمد بن أبي بكر وجماعته، فرجعوا إلى المدينة وداروا بالكتاب على الصحابة فلام الناس عثمان، ولما عرض الكتاب على عثمان أنكره وأقسم أن لا علم له به وثبت أنه مزور، وأن مروان بن الحكم كاتب عثمان وحامل ختمه، زوره على لسانه، فهاج المصريون وحاصروا عثمان في داره وطلبوا إليه أن يتخلى عن الخلافة فلما أبى دخلوا عليه وقتلوه ونهبوا داره وعدلوا إلى بيت المال فأخذوا ما فيه، وكان عثمان وهو محصور قد أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان يستنجده فأرسل حبيب بن مسلمة الفهري على رأس جيش، وفي رواية أنه أمره أن يبطئ السير إلى المدينة وقبل أن يصل إليها بلغه مقتل عثمان فقفل راجعاً إلى دمشق.
وبمقتل عثمان انعطفت مسيرة التاريخ الإسلامي إلى عهد بدأت فيه الفتن ونشبت فيه الثورات، وانقضى عهد الطبقة الأولى في الإسلام وهي عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وست سنوات من عهد عثمان رضي الله عنه، ففي هذا العهد كان المسلمون على التوحيد الصحيح المخلص مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة، وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة ولا نزع يد من طاعة ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى الذي كان من قتل عثمان وما انتهك منه، قتل عثمان في شهر ذي الحجة في يوم الجمعة، بعد حصار دام شهرين، وكان عمره 82 عاماً.

عكـــــاشــــــة بــــــــن محــــــصن

عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي، حليف لبني أمية، يكنى أبا محصن حليف بني عبد شمس[1]. و(عكاشة) بتخفيف الكاف وتشديدها، و(حرثان) بضم الحاء المهملة وسكون الراء وبالثاء المثلثة وبعد الألف نون[2]. وقال ابن سعد: سمعت بعضهم يشدد الكاف في عكاشة، وبعضهم يخففها[3]. أخو أم قيس بنت محصن[4].
وأبو محصن من السابقين الأولين، دعا له رسول الله بالجنة في حديث:"سبقك بها عكاشة"، وهو أيضًا بدري أحدي[5]. كان من فضلاء الصحابة، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله[6].






أثر الرسول في تربية عكاشة بن محصن :

قال ابن إسحاق: قال رسول الله فيما بلغني: "منا خير فارس في العرب". قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: "عكاشة بن محصن". فقال ضرار بن الأزور: ذاك رجل منا يا رسول الله. قال:"ليس منكم ولكنه منا"[7].
وقد دعا النبي له، وقوله عنه:"سبقك بها عكاشة".






أهم ملامح شخصية عكاشة بن محصن :

شجاعة وإقدام عكاشة بن محصن :

من مواقفه في حروب المرتدين أنه لما ولى طليحة هاربًا، تبعه عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم وكان طليحة قد أعطى الله عهدًا: أن لا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة بن محصن: يا طليحة! فعطف عليه فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت فقتله أيضًا طليحة، ثم لحق المسلمون أصحاب طليحة، فقتلوا وأسروا[8].






حرص عكاشة بن محصن على الجهاد :

من خلال عدم تخلفه عن أيٍّ من المشاهد؛ شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله.






مسارعة عكاشة بن محصن إلى الخيرات وتحينه الفرص :

كما في الحديث الصحيح، وفي آخره: "سبقك بها عكاشة".




القيادة عند عكاشة بن محصن :

حيث أمّره الرسول على أكثر من سرية، وولاّه بعض ولاياته؛ كسرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر[9]، وسرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب أرض عذرة وبلي[10].
عن كثير بن الصلت قال: مات رسول الله وعماله على بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي على حضرموت، وعكاشة بن محصن على السكاسك والسكون، والمهاجر على كندة، وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفي رسول الله، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن[11].






ذكاء وفطنة عكاشة بن محصن :

ويتضح ذلك من هذا الموقف: سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مهاجر رسول الله، بعثه في اثني عشر رجلاً من المهاجرين، كل اثنين يتعقبان بعيرًا إلى بطن نخلة وهو بستان بن عامر الذي قرب مكة، وأمره أن يرصد بها عير قريش، فوردت عليه[12]، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمّنوا وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم.
وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم.
فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله المدينة[13].







بعض مواقف عكاشة بن محصن مع الرسول :

في البخاري حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إلى الأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ". ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلاَدُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ فَقَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ"[14].
وفي النسائي: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مَوْلَى أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ قَالَتْ: تُوُفِّيَ ابْنِي فَجَزِعْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لِلَّذِي يَغْسِلُهُ: لاَ تَغْسِلِ ابْنِي بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَتَقْتُلَهُ. فَانْطَلَقَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهَا: فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ:"مَا قَالَتْ طَالَ عُمْرُهَا"، فَلاَ نَعْلَمُ امْرَأَةً عَمِرَتْ مَا عَمِرَتْ[15].
وانكسر في يده سيف فأعطاه رسول الله عرجونًا أو عودًا، فعاد في يده سيفًا يومئذ شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله حتى قتل في الردة وهو عنده، وكان ذلك السيف يسمى العون[16].




بعض مواقف عكاشة بن محصن مع الصحابة :

ما كان منه في حروب الردة، وحسن بلائه في قتال المرتدين، حتى قُتل شهيدًا.






وفاة عكاشة بن محصن :

قال ابن حجر:"اتفق أهل المغازي على أن ثابت بن أقرم قتل في عهد أبي بكر الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي، وقال عمر لطليحة بعد أن أسلم: كيف أحبك وقد قتلت الصالحيْنِ عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم؟ فقال طليحة: أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما"[17].


وعن أم قيس بنت محصن قالت: توفي رسول الله وعكاشة ابن أربع وأربعين سنة، وقتل بعد ذلك بسنة ببزاخة في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة، وكان عكاشة من أجمل الرجال[18].








[1] ابن عبد البر: الاستيعاب 3/1080.

[2] ابن الأثير: أسد الغابة 1/780.

[3] ابن عبد البر: الاستيعاب 3/1080.

[4] ابن حبان: الثقات 3/321.

[5] الذهبي: تاريخ الإسلام 1/374.

[6] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/92.

[7] ابن كثير: البداية والنهاية 3/290، 291.

[8] محمد بن عبد الوهاب: مختصر سيرة الرسول 1/268.

[9] ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/84.

[10] المصدر السابق 2/164.

[11] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/300.

[12] ابن سعد: الطبقات الكبرى 2/10.

[13] ابن هشام: السيرة النبوية 3/148.

[14] البخاري: كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، حديث رقم (5270).

[15] النسائي: كتاب الجنائز، باب غسل الميت بالحميم، حديث رقم (1859).

[16] ابن الأثير: أسد الغابة 1/780.

[17] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 1/383.

[18] ابن عبد البر: الاستيعاب 3/1080.

زياد علي

زياد علي محمد