مناهج المفسرين (المحاضرة الرابعة ) د. ناصر المنيع
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
نجتمع معكم أيها الأحبة ، أيها الأخوة وأيتها الأخوات في المحاضرة الرابعة من محاضرات مناهج المفسرين ، وسنتناول في هذه المحاضرة بإذن الله تعالى كتاب تفسير ابن كثير المُسمى ( تفسير القرآن العظيم) وهو أحد الكتب النافعة ، وأحد الكتب المهمة من كتب التفسير ، لاغنى لطالب العلم عنه ، أياً كان تخصصه ، فتفسير ابن كثير لقي قبولاً كبيراً في أوساط المسلمين ، عامة وعلماء ، طلبة علم وأئمة مساجد ، قُرأ في المساجد ، وقُرأ في الحلقات ،وقرأ على العلماء ، حتى قُرأ على الرجل على دابته ، وفي سيارته ، ولقي رواجاً حتى في حال حياة مؤلفه ـ كماسنعلم بعد قليل ـ ، وهذا من بركة العلم أن مصنفات العالم تسير على الركاب وتسير في الآفاق في حال حياته ، هذا من بشارات الخير له بإذن الله تعالى .. إذاً (تفسير القرآن العظيم ) لابن كثير ، أو ما يسمى (بتفسير ابن كثير ) اختصاراً ، هو كتابنااليوم ، وقد تعودنا جميعاً أن نلتقى مع هذا الإمام ونعيش شئ من حياته، ونطلع عن كثب على المحطات الفاصلة في حياته، فمن هو (ابن كثير) الذي ملأ سمع المسلمين ؟ وملأ أيضاً أحاديثهم الشيقة عن التفسير ،فما يقرأ قارئ التفسير إلا ويكون ابن كثير رحمه الله حاضراً ..
الترجمة :
أولاً نذكر الاسم :وفائدة ذكر الاسم مرت معنا سابقاً فيأهمية التفريق بين العلماء ولذلك بعض طلابالعلم أحياناً يخطئون أو يسمعون بين قارئ يسمى ( ابن كثير ) ومفسر ( ابن كثير) فعبدالله ابن كثير هذا متقدم أحد القراء السبعة ، أما ابن كثير فهو (مفسر) فإذا ورد في الكتب :قرأ ابن كثير فإنه لا يقصد به الإمام المفسر وإنما يقصد به أحد القراء السبعة :وهو ابن كثير المكي أو عبدالله بن كثير المكي .
أما عالمنا اليوم وإمامنا اليوم فهو :الإمام الحافظ المحدث المؤرخ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر ابن كثير بن ضوء ، البصروي الأصل ، الدمشقي الشافعي ..
ولد رحمه الله واسكنه فسيح جناته في قرية مجدل من أعمال "بصرى" ، وبصرى الحديث عنها شيق لأنه ورد فيهاحديث شريف عن النبي صلى الله عليه وسلم كعلامة من علامات الساعة الصغرى حينما قال أن تكون هناك نار في المدينة تضئ لها أعناق الأبل في بصرى ـ أي بصرى الشام ـ وقد حدث هذا بعد سنة 600 للهجرة وأرخ ذلك ،
ولد رحمه الله على رأس المئة الثامنة ، يعني سنة 700 هـ ، لذلك القرون تختلف ، فإذا قلت القرن الأول فهو ـ ان صح التعبير ـ (من صفر إلى 100)
والقرن الثاني (من 100 إلى قبيل مئتين 199) فيُتنبه لهذا .
فإذا قيل القرن الثالث المقصود به ( 200 إلىما قبل 300 )
وقد ولد رحمه الله سنة 700هـ ، أو بعدها بقليل ، وقد نشأ في بيت علم ودين وفقه ، وقد تولى رعايته أخوه عبدالوهاب ، وبذل جهد كبير في تعليمه ، ودرس عليه الفقه ، ولقي عناية من بقية أفراد اسرته ، وقد أثنى ابن كثير على شقيقه هذا عبدالوهاب لما ترجم له ، فقال في البداية والنهاية :" وقد كان لنا شقيقاً ، وبنا رفيقاً شفوقاً " وقد تأخرت وفاة هذا الأخ إلى سنة 750، يقول ابن كثير "تأخرت سنة وفاة أخي إلى سنة خمسين " ويبدو أن الفارق السني كان كثيراً بين ابن كثير المفسر وبين شقيقه عبدالوهاب الأخ ، فكان له بمثابة الأب ، "فتأخرت وفاته إلى سنة خمسين ـ يعني وسبعمائة ـ فتتلمذ ابن كثير صاحبنا على يديه ، وهذا من توفيق الله تعالى ان الابن الأكبر ـ وه ذه رسالة أوجهها من خلل هذه الترجمة إلى المربين والدعاة وإلى الأباء وإلى الأمهات وهو : الحرص على الابن الأول قدر الإمكان ، وهذه نتيجة خبرة طويلة ، انه بإذن الله إذا كان الابن الكبير صالحاً متميزاً متفوقاً فإن الابناء الاخرين واخوته الصغار سيلحقونه بإذن الله ويكون لهم قدوة أكثر من الأب ، فكان مثل هذا الأخ مثالا للأخ الصالح والقدوة الصالحة في بيت علم ودين وفقه ،
عقيدته :
أما الحديث عن عقيدة ابن كثير فهو حديث عن السلف ، وإن تأخرت وفاته ـ حديث عن العقيدة الصحيحة ، السليمة ، رحمه الله تعالى كان محباً لهذه العقيدة ،برغم كونه عاش بيئة الأشاعرة ، وأُسئ له بصحبته لأئمة السنة في زمانه ، وكان مظهراً لهذه العقيدة ، متأثراً برموزها آنذاك أمثال الإمام المزي ـ وهو صهره ـ ،وأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى ، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ، واجتهد في تحصيل العلوم على مختلف أنواعها وتخصصاتها ، وارتحل في طلب العلم ولازم الحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال وتحفة الأشراف الإمام المحدث العظيم ، ولازمه وانتفع به وتزوج بابنته ، وقرأ على ابن تيمية كثيراً، وجمع، وصنّف ،وألّف ودّرس وأفتى ، له اطلاع عظيم على الحديث والتفسير على وجه الخصوص ، وله مشاركة نافعة في علم الفقه والعربية ، وكان ايضاً له جهود في كتابة التاريخ من خلال كتاب حافل يحبه الناس ويقتنونه ويقرأون فيه وهو كتاب " البداية والنهاية "
من صفاته :
رحمه الله أنه كان عالماً فذا من أفذاذ عصره برزت مكانته في المجالات العلمية السابقة : الحديث ، التفسير ، والتاريخ ، مشاركة في بقية الفنون ، وكذلك علم الرجال .
وقد أثنى عليه ـوهذا من النادر ـيا اخوان ، أن يثنى على الطالب شيخه ، فإذا وجدت وأن تريد أن تتكلم عن عالم وجدت ثناء من شيخه عليه ، فأولى أن يذكر قبل غيره ، لأن ثناء الشيخ قد أثنى عليه وهو في سن صغيره ، فمات هذا الشيخ واستمر هذا العالم في طلب العلموالاستزاده فيه فمابالك به بعد ذلك ؟
ولذلك من أقوى الثناء ـ وهذا خارج الموضوع ولكن مهم إيراده هنا ـ من أقوى الثناء على ابن عباس هو ثناء ابن مسعود عليه .
. فابن مسعود قال عن ابن عباس " نعم ترجمان القرآن ابن عباس " ابن مسعود قال هذا الكلام ابن مسعود ، لو أننا قلنا أن هذه الكلمة من ابن مسعود في اليوم الذي توفي فيه ـ أي ابن مسعود ـ فإن ابن عباس عاش بعد ذلك اليوم أكثر من 30 سنة فماذا حصل بعد ذلكمن العلوم ؟
وكذلك الحال هنا اثنى على ابن كثير معاصروه ، وقبل ذلك أثنى عليه مشايخه ..
من ذلك أن الذهبي وهو في عداد شيوخه ، لأن الذهبيتوفي 748 هـ ، وابن كثير كما سنعلم 773هـ ـ أو 774 على خلاف...
لاحظ ما يقوله الشيخ عن تلميذه : يقول الذهبي " الإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع ، فقيه متفنن ، ومفسر نقاد ، وله تصانيف مفيدة ، يدري الفقه ـ يدري بمعنى يعلم وليست مجرد العلم القليل لكن تستخدم للدراية والعلم بالشيء ـ يدري الفقه ويفهم العربية والأصول ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحواله ، سمع مني ،-ـ يقوله الذهبي-ـ وله حفظ ومعرفة " فإذا كان الثناء من الشيخ على التلميذ لاشك أنه من أعظم الوصف وأهم مايورد عند سياق التراجم .
قال عنه ابن حجر " اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله ، وكان كثير الاستحضار" ـ هذه مهمة يا اخوان ويا اخوات لطالب العلم وهي ملكة الله عزوجل يزرعها في الإنسان نعم ، لكن قد يستطيع الإنسان أن يطور مهارته في الاستحضار ، يستحضر : أي يورد المعلومة وهذه ظهرت جليا في طريقته في تفسير القرآن بالقرآن ، فكان يستحضر الآيات استحضار عجيب ، كثير يحفظون القرآن لكن استحضار الآية قد يكون ليس بالأمر الهين ، حسن المفاكهة ـ أي منبسط مع غيره سارت تصانيفه في حياته ـ وهذا ما ذكرناه من بركة العلم ـفإنمن البشائر على بركة العلم و صلاح الرجل أن تسير مصنفاته في حياته و يتناقلها الناس ويسمعونها وانتفع الناس بها ـ أي مؤلفاته ـ بعد وفاته .
وقال عنه تلميذه أبو المحاسن الحسيني :" صاهر شيخنا الحافظ المزي فأكثر عنه وأفتى ودرس وناظر وبرع في الفقه والتفسير والنحو ، وأمعن النظر في الرجال والعلل " لاحظ كلام الحسيني هنافقد ذكرشيء لم ننتبه له وهو : أنه ايضاً أتقن النحو وإن كان شيء غير بارز في كتابه لكنه لم يرد أن يبرز هذا الجانب ويطغى على كتابه .
تلاميذه :
تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء :
أمثال : 1/ برهان الدين الدمياطي ، 2/وابن السويدي البدر بن محمد بن ابراهيم ، 3\ركن الدين أبو يحي زكريا ابن يوسف ، وقد اجتمع من فضل الله عليه ـ على هذا العالم ـ أنه اجتمع من مشايخه ثلاثة هم أقطاب الدجى في ذلك الوقت، وهم منارات العلم في تاريخ الأمة جميع :وهم الإمام الذهبي ، الإمام المزي ، شيخ الإسلام ابن تيمية .فأي نِتاج لهؤلاء سيكون ؟
3/ أيضاً من تلامذته المشهورين أبو زرعه العراقي ، وهو ابن العراقي الحافظ ، وهو حافظ ايضاً ..
مؤلفاته:
من مؤلفاتابن كثير مؤلفَه في التفسير هذا الذي كما قلنا لقي قبولاً ورواجاً ومحبة للعلماء وطلاب العلم وعامة الناس أيضاً له كتاب في فضائل القرآن ..
مؤلفاته في الحديث : أكثر وأطول وأوسع ، منها "جامع المسانيد والسُنن الهادي لأقوم سنن " وهي من أعظم مؤلفاته ، مؤلف كبير جداً .
"اختصار علوم الحديث" الذي شرحه الشيخ أحمد شاكر في "الباعث الحثيث" ، وعلوم الحديث هي مقدمة ابن صلاح ، وله عدد كبير الأجزاء الحديثية ،
من مؤلفاته في الفقهالأحكام الكبرى وأجزاء فقهية ايضاً
من مؤلفاته في التاريخ" البداية والنهاية " وهو كتاب مشهور نسجه على السنوات ، وأرخ من بدء الخليقة إلى قبيل عصره ، سنة بسنة ، ويوجد فيها التراجم ، هو كتاب تاريخ لكنه ايضاً من كتب التراجم فهو يقول " وفيها توفي " يعني في هذه السنة توفي فلان وفلان ويسوق لك عدد المتوفين ويذكر شيء من حياتهم وتراجمهم .
ايضاً له "طبقات الشافعية " لأنه شافعي المذهب ، فترجم له ، وله "مناقب الشافعي" كتاب في مناقب الشافعي ..
وفاته :توفي في 26 من شهر شعبان سنة 774هـ ، كانت حياته حافلة ، حياة علمية عظيمة انتجت هذه الثمار اليانعة المباركة .
2/ التعريف بالكتاب :
اسم الكتاب لم يفصح ابن كثير في مقدمه تفسيره عن عنوانه ، ولكن المشهور أن اسمه (تفسير القرآن العظيم ) وقد وقع هذا الاسم على طُرة إحدى النسخ الخطية ، وفي بعض النسخ كتب (تفسير ابن كثير) ونسبته إليه أمر مقطوع به لاشك في ذلك ، وقد نسبه إليه بعض معاصريه ، أمثال الإمام الزيلعي المحدث الحنفي المشهور ، وأيضاً ابن كثير ، وابن أبي العز شارح الطحاوية ، والسيوطي و الشوكاني وغيره .
ثناء العلماء على التفسير :
قد قلت لكم سابقاً أن ثناء العلماء على التفسير ليس المقصود منه مجرد الثناء على الكتاب ، لكن نقتبس من الثناء شيئاً من المنهج ، ولعلكم تلاحظون ذلك مع هذه الأقوال :
قال السيوطي" له التفسير الذي لم يؤلف على نمطٍ مثله " هذا ثناء عاطر من إمام اطّلع على كتب في التفسير أُلفت قبل ابن كثير ، وألفت بعد ابن كثير ومع ذلك يقول: " لم يؤلف على نمط مثله ".
وقال الشوكانيصاحب فتح القدير " له تصانيف منها التفسير المشهور وهو في مجلدات وقد جمع فأوعى ، ونقل المذاهب والأخبار والآثار "
إذاً يُعنى بماذا ؟ هذا من بيان المنهج ، يعنى بالمذاهب والآثار والأخبار في كتابه ، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه ، وهذا يدل على أن عبارته سهله ، ، عبارة موجزة، مفيدة غنية بالمعلومات ، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها ، وهذه شهادة عظيمة ايضاً من مؤلف متأخر عن ابن كثير .
وقال الشيخ العلامة أحمد بن شاكر رحمه الله فإن تفسير ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا ، وأجودها وأدقها ، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري ، ولسنا نوازن بينهما وبين أي تفسير آخر مما بين أيدينا فما رأينا مثلهما ولا يقاربهما "
وهذا كلام نفيس من هذا العالم الجليل أحمد شاكر رحمه الله تعالىكونه أولاً : حينما اثنى على ابن كثير لم ينس فضل الإمام الطبري ، وهذه النقطة الأولى ، النقطة الثانية : وهي منهجية نستفيد منها وهو أنه ليس شرطاً أن نقيم موازنة بين الكتب فإن بعض الباحثين يستغرق جزءاً كبيراًحتى يقول " أن تفسير ابن كثير أفضل من تفسير الطبري ، أوتفسير الطبري أفضل من ابن كثير ، فهذه الموازنة إن لم ينتج معها بحث في المنهجية فإنها ـ إن صح التعبير ـ قد تكون من فضول الكلام ، لسنا في حاجة أن نصل بعد ذلك لأيها أفضل ، فكلٌ في مجاله ، كلٌ أبدع في أمور ، ويُحمد للطبري مثلاً السبق في هذا ، والمنهجية التي قلده فيها غيره ، وأيضاً يُحمد له الأسانيد الطوال وحفظ تفاسير السلف وأمور أخرى كثيرة .
لذلك نجد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أثنى على ابن كثير لكن لم ينس المعلم الأول والشيخ الأول الذي استفاد منه كل من أتى بعده ، وهو الإمام الطبري ..
نعود لما قاله أحمد شاكر " لسنا نوازن بينهما" وهذا كلام صحيحلسنا في مجال موازنة إذ لاتنفع الموازنة إلا في بيان المنهجية .لكن نبه إلى أن غيرهما لا يدنو من مقامهما أي غيرهما من كتب التفسير لاتدنو من مقام هذين التفسيرين: تفسير الطبري ، وتفسير ابن كثير .
مدة التأليف :
لم يحدد الحافظ ابن كثير رحمه الله متى بدأ كتابة التفسير ،ولا متى انتهى منه ، ولكن هناك دلائل تدل على أنه انتهى منه قبل وفاته بمدة ، ويدل على أنه بادر بالتأليف في سنوات عمره الأولى ، والدليل على ذلك : أنه صرّح في آخر سورة الأنبياء عن وفاة شيخه المُزي ، والمزي توفي سنة 742هـ فهنا دليل على أنه هناك 30 سنة بين بين وفاة المزي وصهره ـ وكان قد قطع مشوار طويل في التفسير .
أنه في نهاية سورة الأنبياء أثنى على شيخه وصهره المزي ودعا له بطولة العمر ـ ومعلوم أن المزي توفي سنة 742 هـ ـ فيعني في تلك السنة كان قد انهى تلك السورة ـ سورة الأنبياء ـ وكان المزي حي ، فلا شك أن الأمام ابن كثير أنهى تفسيره ـ ان صح التعبير ـ مبكراً أي في سنوات حياته الأولى ، و ايضاً الدليل الآخر : أن الإمام الزيلعي صاحب تخريج أحاديث الهداية و الكشاف للزمخشري كان ينقل من التفسير ، والزيلعي توفي رحمه الله تعالى سنة 762 هـ أي قبل وفاة ابن كثير مما يقارب ب 12 سنة تقريباً ، وهذا درس آخر نستفيده من ترجمه هذا الإمام العلم خارج إطار منظومة التفسير : وهوأن الإنسان إذا كان عنده شيء من المشاريع الخيرية أو مشاريع التأليف فليبادر بالتأليف مبكراً ويستغل بقية عمره في تنقيحها وتصليحها وإعدادها ، ولذلك كانت من المآخذ على بعض الكتب أنه ألفها في نهاية حياته فلم يتسن له تنقيحها وإصلاحها .
مصادر تفسير ابن كثير:
مصادره في التفسير: اعتمد على الطبري ، ومن المزايا أنه لم يكتفى بالطبري بل اطلع على مصادر اخرى كانت إلى وقت قريب في حكم المفقود مثل تفسير ابن أبي حاتم ، وتفسير ابن المنذر ، وتفسير عبدُ ابن حُميد ، وتفسير ابن مردويه ، ومن نافلة القول أن بعض الرسائل العلمية التي سجلت في بعض الجامعات الإسلامية جمعت تفاسير هؤلاء من خلال تفسير ابن كثير ، فهذه منقبة كبيرة ، يعني جمع تفسير ابن مردوية من كتاب ابن كثير ، وجمع تفسير عبد ابن حميد من خلال كتاب ابن كثير ، فهو لم يكتفي بالطبري ، بل نقل عن ابن أبي حاتم ، ونقل عن عبد ابن حميد ، ونقل عن ابن مردويه ، وابن المنذر ، وهؤلاء من أعلام التفسير بالمأثور ، نقلوا بأسانيدهم أقوال كثيرة في التفسير .
مصادره في الحديث :من مصادره الكتب الستة ، ومسند الإمام أحمد ، وقف هنا وضع خطاً تحت مسند الإمام أحمد ، الإمام ابن كثير يعد حافظاً من حفاظ المسند ، حفظه كتابة ، وحفظه في صدره ، وهو يورد أحاديث كثيرة وإن كانت في البخاري ومسلم ، لكنه يحب أن يسوقها بإسناد الإمام أحمد ثم يقول " و رواه البخاري ومسلم " لكنه يسوق إسناد الإمام أحمد ، ولذلك صحح أجزاء من مسند الإمام أحمد بناءً على ماورد في تفسير ابن كثير .
مصادره في الفقه :كتاب الأم للشافعي ، كتاب الاستذكار لابن عبدالبر المالكي ، كما أكثر النقل عن الإمام النووي في المجموع وغيره .
مصادره في التاريخ :كان كالطبري أبا للتاريخ والمؤرخين ويكفى كتابه الحافل الذي قدمنا للحديث عنه ، ومن مصادره أسد الغابة ، والطبقات الكبرى لابن سعد وهو كتاب متقدم في التاريخ .
مصادره في اللغة :اعتمد كثيراً على الصحاح للجوهري ، والغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام .
هذا الكتاب لقي قبولاً في أوساط طلبة العلم في هذه البلاد ، وفي جميع أقطار العالم الإسلامي ، وتلقته الأمة بالقبول دراسة وتعليماً وتصحيحاً ، اشتغل العلماء عليه اختصاراً ، واشتغل عليه الباحثون ايضاً دراسة لنيل الدرجات العلمية ، كتاب سهل ميسر محبب إلى النفوس ، للين العبارة وسهولتها ومباشرتها لمبدأ البيان والكشف عن معاني القرآن ، يعني أنك لا تتوه وأنت تقرأ في هذا الكتاب الحافل إلى الهداية إلى التفسير بل تجده مباشرة وتجد معه الحديث والآيات الأخرى التي تساعدك على الفهم .
من أشهر المختصرات :مختصر الشيخ أحمد شاكر ، ومختصر الشيخ محمد نسيب الرفاعي وهو من أفضلها ، والمحاضر لا يميل إلى قراءة الملخص مهما كان التلخيص ، فالأولى أن يعود طالب العلم إلى الكتاب الأصل ويقرأ منه .
لأنه مثال :تلخيص الإمام الصابوني أخطأ وحذف بعض العبارات والجمل والرائعة ، وهذا لانقول أنه بقصد أو بإساءه ، لا ، لكن لو وضعت أمامك المختصر للصابوني وتفسير ابن كثير وقرأت بعض الفقرات تجد أنه حذف بإجتهاد منه ، بعض الجمل ، لكنها كانت في غاية الروعة ، وغاية الأهمية في بيان القرآن الكريم ، وهذا ينبئك على أن طالب العلم عليه ألا يعود للمختصر بل يعود للأصل ،
وقلنا أنه يعد خطأ علمياً ومنهجياً في البحث أن تعيد بعض المعلومات للمختصر مع وجود الكتاب الأصل .
أما رسائل الدكتوراه والماجسيتر فهي كثيرة لا مجال للحديث عنها ، لكن دَرَسَه الدكتور اللاحم دراسة وافية ، ودرسها الدكتور الفالح ايضاً دراسة وافية وهناك الكثير من المؤلفات ، كما دُرست استدراكاته على الامام الطبري ، وكونه يستدرك على الطبري ليس الهدف من البحث في الإستدراكات هو كونه من العلماء ، بل هناك أدب بين العلماء ، وهناك إبراز أهمية الاستدراكات في البحث عن الحقيقة والصواب وليس تصيد للأخطاء كما يقع بين بعض الكتبه وبعض العلماء في العصر الحاضر ، هدفهم من الاستدراك تصيد الأخطاء ، لا هدفهم من الاستدراك كان البحث عن الراجح والبحث عن الحق وعباراتهم في ذلك مشرقة مؤدبة لا تسيء إلى من قبلهم .
يعتبر تفسير ابن كثير علامة فارقة فيما يسمى بالتفسير المأثور لأنك تجد فيه آيات كثيرة فَسّرت آيات أخرى ، وتجد فيه حديثاً كثير ، وأقوالاً عن الصحابة والتابعين ، فهو بناء على التقسيم عند عُرف من كتب في أصول التفسير أنه من التفسير بالمأثور ، أماتفسير القرآن بالقرآنعند ابن كثير فهو علامة فارقة ومنهج بديع مهما تكلمنا في وصفه لن نعطيه حقه ، بل هو مدرسة في هذا الفن ، ابن كثير استطاع أن يستحضر آيات عظيمة تشرح آيات أخرى ، استطاع أن يطبق تفسير القرآن بالقرآن بأهدى سبيل وبأحسن طريقة ، وبطرق مختلفة نعرض لشيئ منها لأن المقام لايتسع لها هنا ، وقد نبه رحمه الله "أن تفسير الآية بالآية أولى " وهذا نص بن كثير . وابن كثير قد نقل مايسمى " بمقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير " نقلها تامة في مقدمة تفسيره ، وتعلمون أن ابن تيمية قال في ذلك الكتاب أن أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن ..
لا نريد الدخول في إشكالية هل تفسير القرآن بالقرآن هو من التفسير بالرأي ، أو تفسير بالمأثور ؟
فقد سبق وأبان المحاضر في بداية المحاضرة إلىأن التفسير القرآن بالقرآن هو في الحقيقة يعتبر بإعتبار قائلة فإن كان قائلة الذي فسر القرآن بالقرآن أو الآية بالآية هو النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث مرفوع ، وإن كان قائله صحابي فهو قول صحابي له حكم قول الصحابي ، وإن كان القائل تابعي فهو قول تابعي وهكذا ..
من مناهجه في هذا الجانب في تفسير القرآن بالقرآن :
أولاً : أنه كان ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مافسره من القرآن ، في هذه الحالة يكون المفسر النبي وابن كثير يكون ناقل عنه ، فإن شئت جعلته من الحديث لأنه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ،وإن شئت جعلته من تفسير القرآن بالقرآن لأنه فعلاً آية فسرت آية . من أمثلة ذلك : أنه عند قوله " وعنده مفاتح الغيب لايعملها إلا هو " بين صلى الله عليه وسلم أن هذه المفاتيح هي ماورد في آية سورة لقمان قوله تبارك وتعالى : " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافي الأرحام ، وماتدري نفس ماذا تكسب غداً وماتدري نفس بأي أرض تموت ..."
هذا المنهج العظيم وهو الاستشهاد بالأحاديث النبوية التي فسرت القرآن بالقرآن .
أيضاً نقل عن الصحابة تفسيرهم للقرآن بالقرآن ، ومن ذلك مارواه عن ابن مسعود ، وابن عباس في قوله تعالى " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنيتين .." نقل عن ابن مسعود انه قال : هذه الآية كقوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ..." فهنا المفسر هو ابن مسعود ، والناقل هو ابن كثير في كتابه ، وكذا تجد فيه كثير من النقل عن ابن عباس ، أما التابعين فنقل عنهم في هذا الجانب ـ تفسير القرآن بالقرآن ـ ومن ذلك حينما نقل عن الإمام مجاهد في قوله تعالى " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ..) قال كقوله تعالى ( ولو ردوا لعادوا نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) فإذا كان التفسير من قبله فهو يذكره ، لكن هو في هذه الجزئية ينقل تفسير القرآن بالقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين .
أما منهجه هو في تفسير القرآن بالقرآن : ومايقوم به هو في تفسير القرآن بالقرآن أنه يجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية في مكان واحد ، وإنك تعجب وأنت تتصفح في هذا الكتاب أنه يستحيل أن تمر بك صفحة أو صفحتين من التفسير لا تجدفيها تفسير القرآن بالقرآن ، يعني هي ظاهرة واضحة في هذا الكتاب ، فهو يجمع الآيات التي تدل على المعنى الواحد في مكان واحد ، وليس شرطا أن تكون تفسير بل قد تكون تأييد ، وقد تكون تقوية ، وقد تكون تشبهها في بعض المعاني والدلالات ، وقد يورد آية واحدة ويكتفى بها ، وقد يورد أكثر من ذلك في سياق واحد ..
أحيان ايضاً يقتصر على موضع الشاهد ، وأحيان يطيل ويذكر الآية التامة ، ,أحيان يفسر الآية التي ساقها للتفسير حتى يبين الآية المراد تفسيرها .
منهج ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن بالتفصيل :
1/ بيان المجمل بالمبين : فإنه يورد الآيات حين تمر عليه الآيات المجملة فإنه يفسرها بالآيات المبينة مثل قوله :" أحلت لكم بيهمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم أن الله يحكم مايريد " ذكر بعد ذلك أقوال المفسرين ثم قال وهي المراد بها في قوله تبارك وتعالى " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ..."
فهو جعل الآية الأولى مجملة وفسرها بالآية المبينة .
2/ حمل المطلق على المقيد :فقد فسر الدم الوارد في قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم .." بقوله تعالى أن هذا الدم يحدد بالدم المسفوح كما قال تعالى : "....أو دماً مسفوحاً "
3/ يستدل بالقراءات الشاذة للدلالة على الآية القرآنية :لأن القراءة الشاذة هي قراءة لكنها ليست قرآنا ، فمثلاً عند قوله تعالى : أو يكون لك بيت من زخرف .." قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هو الذهب ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود :" أو يكون لك بيت من ذهب " : وهذا لاشك انه جمع في المثال بين تفسير الصحابة وبين القراءة الشاذة في بيان المعنى ..
و لو جلست محاضرات في بيان منهجه في تفسير القرآن بالقرآن لطال بنا المقام وربما لم نستوعب هذه الجزئية فيه لكنه في هذا الجانب يعتبر أشهر مفسرين على الإطلاق في تفسير القرآن بالقرآن ، وأشهر المفسرين في إيراد الآيات ذات المدلول الواحد أوذات المعنى الواحد في مكان الواحد ، ولو أراد محصي أن يحصي فهرس الآيات ومواطنها في تفسير ابن كثير لخرج الفهرس في مجلدين تقريباً ..فلو أردت قول ان هذه الآية استدل بها كم مرة ، وفي كم موطن لخرج عدد كبير معك في هذا الفهرس ...
التفسير بالسنة :
وهو علامة فارقة في هذا الكتاب الحافل ، وما أعظم هذا العالم الذي سخر علمه بالسنة ، وعلمه بالحديثفي بيان كتاب الله فجمع بين الحسنيين ، العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وتسخيره في بيان القرآن الكريم .
وسُجلت ايضا في رسالة علمية في جامعة الملك سعود ، منهج ابن كثير في التفسير بالسنة ، فالله أكبر كم أحسن هؤلاء المفسرون منذ الامام الطبري على الباحثين وعلى طلاب العلم وكانوا سبب لحصولهم على هذه الدرجات فكم من الأجور تساق لهم لأنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعهم لا ينقص ذلك من اجورهم شيء فبركة العلم والصدقة الجارية في التأليف واضحة وكبيرة .
كان ابن كثير بحكم علمه الواسع بالسنة ، إمام في التفسير والحديث ، وسخر معلوماته في الحديث لبيان القرآن الكريم ، فهو يعلم رحمه الله ان السنة مصدر ثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، وكذلك هي المصدر الأول في بيان القرآن الكريم ، وهذا على القول الصحيح أن التفسير بالسنة يقدم ويُجعل أول المصادر ..إذا اختلفت قواعد الترجيح مثلا (لدينا تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسر القرآن بالسنة ) فإن الذي يقدم هو التفسير بالسنة ، إلا إن كان مفسر القرآن بالقرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم . ولماذا ؟ لأن التفسير النبوي هو تفسير صريح من النبي صلى الله عليه وسلم الموكل إليه بيان هذا بالقرآن ـ والتفسير النبوي يختلف عن التفسير بالسنة ولا مجال للتفريق بينهما الآن ـ لكن تفسير القرآن بالقرآن قد يكون المفسر النبي وقد يكون غيره كما ذكرنا ، عموماً كان يُعنى يذكر الاحاديث ، وحين يذكر الأحاديث ينسبها لأصحابها فيقول مثلاً رواه أحمد ، و فلان ، و فلان ، وأحيانا كثيرة يسوق الإسناد ، وسبق وقلنا أن بعض أسانيد الإمام أحمد صححت من خلال تفسير ابن كثير عندما أوردها في كتابه ، كان يعني بالتخريج ويعنى أحياناً بالتصحيح والتضعيف ، وبيان حال الرجال ـ وقد سجلت رسالة علمية "ماجستير" في الرجال الذين تكلم عليهم ابن كثير في التفسير . ويهتم بإبراز اللفظ ، وهذه نقطة مهمة لأن ألفاظ المؤلفين تختلف ، وهو ينص هذا لفظ أحمد ، هذا لفظ الترمذي ، وهكذا ،مثال :
قوله تعالى ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئاً ..) قال : قال الإمام أحمد : أنبئنا عبدالرزاق ، اخبرنا معمر عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال : يارسول الله عليّ رقبة مؤمنة فإن كنت ترى أن هذه مؤمنة أعتقتها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتشهدين أن لاإله إلا الله قال: قالت نعم ، قال أتشهدين أني رسول الله ،؟ قالت نعم ، قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، قال : اعتقها ) يعني أنها مؤمنة ، فقال ابن كثير : وهذا اسناد صحيح ـ صحح إسناد الإمام أحمد هنا ـ وقال" وجهالة الصحابي لا تضر " أي جهالة الرجل من الأنصار، فمادام أنه صحابي حصل له العدالة ، وهذا حديث من الأحاديث العظيمة التي تبين لك مقام الصحابة الكرام ، وإن كانوا لم يُعرفوا ولم تعرف اسمائهم لكنهم كانوا على الإيمان الراسخ وعلى الفطرة السوية .
ايضاً كان يعنى بالأحاديث :ولكن هذا لايعنى أنه كتابه خلا من الاحاديث الضعيفة ، هناك مجموعة من الاحاديث الضعيفة في تفسيره ، لكن يجب التفريق يا اخوان بين التفسير والأحكام ، يتساهل المحدثون ممن ألفوا في التفسير في سياق بعض الأحاديث الضعيفة : لأنهم أما أنهم على رأي الإمام أحمد : أن الحديث الضعيف أحب إلي من رأي الرجال ، أو أن الضعف الذي أوردوه من الأحاديث هو ما كان يسميه الإمام الترمذي بالحسن ، يعني أن ضعفه يسير ينجبر بأمور سواء بمتابعات وشواهد ، أو ينجبر بأصول الإسلام أو ينجبر بقول صحابي أو مجموعة من أقوال التابعين ، فلهذا السبب تذكر الأحاديث الضعيفة في تفسيره ، قد يكون فيها بيان لمعنى ، فليس شرطا أن يكون فيها حكم يؤثر على الإنسان (حلال حرام مباح مكروه ) قد يكون فيها إفادة بيان معنى ، لهذا العلماء كما ذكرنا اعتمدوا على القراءة الشاذة مع أنها ليست قرآن فلم يأت أحد ويقول :يجب أن تبعدوها لأن هذه ليست قرآن ، ولأنها مخالفة لرسم المصحف ..لم يقولوا ذلك بل استدلوا بها في إفادتها لبيان معنى ..
أهتم بجزء من الأحاديث المتعلقة بأسباب النزول :فأوردها ونبه عليها وساقها برواياتها المختلفة ، وأهمية سبب النزول الكل منا يدركه بلا شك في بيان المعنى ، أيضاً يسوق الخلاف فيه وأحيان يرجح بينه ، ومن ذلك قوله تعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ...) أورد الأقوال في سبب نزول هذه الآية : فقال السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريح ، ونقل عن ابن عباس أنها نزلت في ذم المنافقين الذين تكلموا في أبي وأصحابه ( أصحاب بئر الرجيع ) فساق كل هذا في أسباب النزول ، ثم بين أن القول بالعموم هو الأصل لأنه كما تعلمون في القاعدة التفسيرية (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) قال وقيل بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم ، وهو قول قتادة وغير واحد وهو الصحيح ، فذكر سبب النزول و قال: أن هذا عام في كل من تكون صفته هذه ، يعني من يظهر الأعمال الطيبة ويظهر الوجه والحسن وإذا تولى عنك وانصرف أفسد وأهلك الحرث والنسل .
أقوال الصحابة والتابعين :
كثيرة في تفسير ابن كثير ، وقلنا من مزايا ذكره لأقوال الصحابة والتابعين في تفسيره أنك تجد فيه أقوالا لأئمة التابعين والصحابة ليست موجوده في تفسير الطبري ، والسبب ما ذكرناه سابقاً أنه أعتمد على مصادر أخرى في التفسير بالمأثور ، لاتقل من ناحية الكمية عن تفسير الطبري مثل تفسير ابن ابي حاتم ، وتفسير ابن المنذر وغيرهم.
فاعتمد على أقوال الصحابة ونقل عنهم وخاصة ابن مسعود وابن عباس، وأهتم كثيراً بأقوال الحبر والبحر وهو ابن عباس رضي الله عنه ، وساق أسانيد كثيرة إليه وخاصة إسناد علي بن أبي طلحة إليه ( صاحب الصحيفة) وكذلك نقل عن ابن مسعود من طريق السدي عن مرة الهمداني، ونقل عن روايتة المشهورة رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، وأحياناً يرفعها إلى أبي بن كعب ..
من ذلك لو نقلنا مثال على طوله ، ونكتفى به ، عند قوله تعالى ( أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها ) قال ابن عباس : أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض ، وفي رواية( ننقصها من أطرافها)القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية ، وقال مجاهد وعكرمه : خرابها يعني النقصان ، وقال الضحاك في رواية والحسن ( نقصانها : نقصان الأنفس بالموت ، يعني والثمرات وخراب الأرض ، وقال الشعبي بنحو ذلك ، وقيل هو موت العلماء ، فابن كثير ساق هذا كله ومع ذلك لم يرُجح ؟ فلماذا لم يرجح ابن كثير هنا ؟ في هذا المثال مع انه ساق أقوال ظاهرها الاختلاف ..
ج: لأنها من قبيل اختلاف التنوع ، الذي يُقبل ، وتحتمله الآية ...
الحقيقة أن جميع ماذكر يمثل منهج سوي بالتفسير بالمأثور: تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنة ، وتفسيره بأقوال الصحابة والتابعين .
طغت في تفسيره ولكنه طغيان مفيد ، ظهرت في تفسيره فأحسن في إظهارها وأبدع في إيرادها رحمه الله ..
أسئلة للطلاب :
س/ من هي الشخصية التي أثرت على ابن كثير في مقتبل حياته ؟
ج/ أخوه (عبد الوهاب )الفقيه الذي استفاد منه رحمه الله .
س/من هو شيخ ابن كثير الذي ترجم له في كتابه وأثنى عليه ؟ وعلى ماذا يدل ؟
ج/الإمام الذهبي ، ويدل على نجابته منذ نعومة اظفاره ، وفي سن الشباب ، ويدل على نبوغه المبكر ، ويدل على العلم الذي أصبح فيه ، فابن كثير لم يتوقف بعد هذا المديح بل استمر ، فإذا كان هو ممدوح وهو ابن 30 سنة مثلاً فما بالك به وبعلمه وهو ابن 60 سنة ..
والعلماء ليسوا مثل المتعالمين في هذا العصر الذي إذا حفظ آيتين أوحديثين فأصبح يفتي وأصبح هو العالم الأول والأوحد والذي لم يأت أحد بمثل ما أتى به ، فيتوقف عن القراءة والإطلاع والطلب هذا منهج لم يكن عليه العلماء ، بل كما قال الإمام أحمد "من المحبرة إلى المقبرة "
المنهج اللغوي عند ابن كثير :
استفاد ابن كثير من اللغة ، ولكنه لم يجعلها تصرف القارئ عن هذا التفسير، فلو أراد شخص أن يطلع على كتاب الدر المصون أو كتاب البحر المحيط لابي حيان لأرهقته المسائل الطويلة ولربما غاب عنه معنى الآيات لطول هذه المسائل والتشعب فيها ، لكن ابن كثير رحمه الله استفاد من اللغة فيما يفيد في بيان الآية وفيما يقربها وأخذ منها فيما يفيد هذا الجانب فقط ولهذا اقبل على ابن كثير الناس كلهم عامة وعلماء
و ابن كثير كغيره من العلماء يدرك أهمية اللغة في التفسير ولهذا ساق هذا الاعتراف في مقدمة تفسيره ، كان يحتكم إليها ويستشهد بالشعر ويسوقه وينسبه إلى قائله ، وكان يستشهد ايضاً بالنثر وينسبه إلى قائله .
من ذلك عند قوله تعالى :( يسومونكم) قال : ُيولونكم ، ثم أورد بيت عمر بن كلثوم .
إذا مالملك سام الناس خسفاً ** أبينا أن نقر الخسف فينا ..
فأراد أنها بمعنى يولونكم أو يتولونكم ولهذا ساق قول عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي ..
أما الاستشهاد بما روى من كلام العرب فهو كثير :
فمثلاً عند قوله ( عن الصراط لناكبون) قال: أي لعادلون ،جائرون ،منحرفون تقول العرب: نكب فلان عن الطريق إذا زاغ عنها .
استشهد بأقوال المفسرين في معنى قوله تبارك وتعالى ( والأرض وما طحاها) لما ساق أقوال المفسرين ، وهذه ناحية أخرى مهمة وهوأنه يقدم أقوال المفسرين على أقوال أهل اللغة، فساق المعنى في ذلك ، وأورد قول مجاهد وقتادة ثم قال : وعليه الأكثر من المفسرين وهو المعروف في لغة العرب ، قال الجوهري "صاحب الصحاح " : وطحوته مثل دحوته أي: بسطته .
ايضاً ينقل في بيان معاني المفردات اللغوية ، وطريقته في نقل بيان المفردات اللغوية طريقة بديعة وموفقة لحد كبير سلك فيها مناهج ، فهو مثلاً يدمج الكلام على معاني الألفاظ والمفردات في المعنى الإجمالي للآية ، وهذا فن ، وهذا الأغلب في كتابه ، وهذا ماحول كتابه في بعض المواطن إلى أن نقول : أن تفسير ابن كثير من أنواع التفسير الإجمالي ، لأنك لاتجد معنى الكلمة مباشرة ، بل تجدها في مجمل الكلام هذا في الغالب الأعم ، أحياناً يبين معنى كل لفظة ومفردة على حدة ، يقول : ومعنى كذا ثم يورده ، أحياناً يجمع بين الأمرين ، فيورد أولاً المعنى العام ثم يذكر بعده المفردة مفصلة عن قائلها سواء من السلف أو أهل اللغة ، يعتمد في الغالب على بيان المفردات (حتى المفردات الغريبة) على السلف لأنه يرى _ وهو الحق _ أن السلف وخاصة الصحابة وكبار التابعين هم أهل لغة قبل أن يكونوا صحابة وتابعين ، بمعنى أنهم عندهم زيادة علم ، فهم أصلاً أهل لغة بالإضافة إلى صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا مواطن النزول ، ورووا الأحاديث ، ولذلك الذي يفرق بين السلف وأهل اللغة : فيقول هذا قول السلف ، وهذا قول أهل اللغة ، نقول له : أن السلف أصلاً هم أهل اللغة وإذا اختلف السلف مع المتأخرين من علماء اللغة فالقول قطعاً قول السلف ، ليس للأسباب الأخرى التي نملكها ونعتقد بها ( كفضل الصحابة ، والملازمة ) بل بالإضافة لذلك لأنهم هم أهل اللغة وبيان وفصاحة .
ايضاً يهتم بالجوانب اللغة الأخرى ، النواحي البلاغية ، والأقوال النحوية ، لكن كما قدمنا فيما يفيد في التفسير وفي بيان المفردة القرآنية ، أو في بيان الآية بشكل مجمل .
تنبيه : بعض النسخ القديمة للكتاب فيها أخطاء نحوية ، لكنها ليست من قِبَل ابن كثير بل من قبل النساخ .وأفضل طبعات الكتاب عند المحاضر أنها طبعة (عالم الكتب ) أو ما يسمى طبعة ( أولاد الشيخ ) هذه أفضل الطبعات ، في خمسة عشر مجلداً ، طبعة محققة على عدد كبير من النسخ ، ومُخرّجة ، وإن كانت في 15 مجلداً ، والبعض يتكاسل عن اقتناءها لكننا نحن نسوق ماهي أفضل طبعة الكتاب .
أهتم ايضاً كما قلنا بالجانب النحوي والبلاغي لكن بما يفيد في بيان الآية ، كان يهتم فيما يبين معاني الاستفهام وأغراضها ، يهتم بذكر المناسبات بين الآيات ويطيل في هذا الجانب ، ولذلك هو يشبه كتاب الرازي في اهتمامه بالمناسبات ، اهتم ب( القسم) وإبرازه وإظهار جواب القسم ، وتقديره إن كان محذوفاً ،
لأن هذه أمور مهمة في التفسير ومهمة في بيان الآيات الكريمة ..
أما في منهجه في الترجيح والتعليل وبيان الخلاف :
فهو منهج عظيم سلكه في كتابه ، وأهتم به اهتمام كبير ، وكان كمل قلنا في جانب الحديث يُرجح يُصحح يُعلل يذكر ضعف الراوي وضعف الحديث ويسوق الأسانيد والروايات المختلفة لتقوية هذا الحديث أو هذا القول ، هذا بالنسبة للحديث والروايات أما بالنسبةللخلاف الفقهي فهو له مشاركة وعلم فهو يسوق الأقوال وينبه على خطأ الدليل إن وجد، ويناقش الأقوال ويرد عليها، هذا بالنسبة للأحكام الفقهيةأما بالنسبة لأقوال المفسرين فإنه تظهر ملكتة التفسيرية ، ويظهر نَفَسه التفسيري ، فهو يناقش الأقوال وإذا بدا أنها متعارضة تعارضاً لايمكن الجمع بينهما فعند قوله تعالى ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) قال ابن جرير: هذه الآية مردودة على قوله( كتاب أنزل إليك فلايكن في صدرك حرج..) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله فيه نظر ، فإنه قد طال الفصل ، ولا دليل على ذلك وإنما لما أخبر عما صاروا إليه من الخسار في الدار الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدار الدنيا بإرسال الكتب وإنزال الكتب كقوله ( وماكنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) ..
وقد ساق المحاضر هذا المثال ليس من أجل تقرير أن ابن كثير يرجح ويعلل ويستدل لما يختاره فقط ، لكن ساقه مع هذا السبب ولسبب آخر وهو : بيان أدب ابن كثير مع الطبري ، فعندما قال ابن كثير :" وهذا الذي قال ـ يقصد الطبري ـ قال: فيه نظر" لاحظ هنا قد تأدب مع الطبري ، فلم يقل قوله خطأ ، أو هذا رجل لا يحسن التفسير ، أو ليته ترك التفسير ) كل هذه العبارات التي نسمعها الآن بين بعض من يرد بعضهم على بعض ، لا تجدها بين هؤلاء العلماء الكبار ،.
فعندما قال: " فيه نظر" يعني يحتمل قولي الصواب ، ويحتمل قوله الصواب ، لكن أنا بدا لي هنا أمر سأورده احترام للعلم ، وبحثاً عن الحقيقة ..
ايضاً كان يبرز المذهب العقدي للمفسر ولا يجعل حرصه على اختصار كتابه و تقريبه للناس من بيان مذهب بعض العلماء وبعض المفسرين العقدي ، فمثلاً عند قوله تبارك وتعالى ( ختم الله على قلوبهم ) وتعلمون رأي المعتزلة في ذلك وأنهم دائماً مثل هذه الآيات يصرفونها ويجعلونها على أنها إعراض من الإنسان عن السماع فكأنه مختوم عليه ، ولا يريد أن يثبت أن الله خلق هذا الفعل وقدّره ، بل يرون أنه ليس هذا التفسير ،وهو تفسير يخالف ، فمثلاً لما حكى هذا القول ، قال ابن كثير: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا ، وتأول الآية من خمسة أوجه ، ـ يقصد الزمخشري ـ وكلها ضعيفة جداً ، وما جرأه على ذلك إلا إعتزاله ، الإعتزال :انه لايرى أن الله يخلق الأفعال بل العبد يخلق فعله .
فالآية السابقة صريحة يفهمها العربي البسيط فقوله ( ختم الله ) من الذي صنع الختم ؟ هو الله ، لكنهم هم يقولون لا ، كأن التقدير : أن الإنسان لا يريد أن يسمع فكأنه خُتم على قلبه .واستدلوا بأقوال من العربية لكن الآية ترد ذلك ، وآيات كثيرة غيرها ..
وكما قال أحد العلماء : الآيات الدالة على خلق أفعال العباد في القرآن كثيرة جدا ً وكم حاول المعتزلة أن يرقعوها ـ أي يرقعوا أقوالهم ـ وقد اتسع الخرق على الراقع .
نعود لقول ابن كثير فقال : وماجرأة على ذلك إلا اعتزاله ، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده ـ لكنه حسن عندنا ، وصواب عندنا ليس قبيح ـ تعالى الله عنه في اعتقاده ، ولو فهم قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يُؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) وما اشبه ذلك من الآيات ـ لاحظ قد استخدم القرآن بالقرآن في الرد على المبتدعة وهذا قد يكون منهج ـ على أنه انما قد ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم بالبطال وتركهم الحق ، وهذا عدل منه حسن وليس قبيح ...إلى آخر ماقال."
المهم هنا أنه بيّن مذهب الزمخشري في التفسير واعتقاده ..
أسئلة للطلاب :
س/ أذكر ثلاثة سمات مختصرة في طريقة ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن ؟
يقيد المطلق ، بيان المجمل ، يسوق أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وأقوال التابعين في تفسيرهم للقرآن بالقرآن هذا من منهجه ، وهذا نادر ، لأن الذين يفسرون القرآن بالقرآن في الكتب الأخرى يسوقون هذا التفسير (تفسير القرآن بالقرآن ) دون نسبتها لأحد ، لكن الكثير ينسبونها لقائلها.
س/ أذكر ثلاث سمات من سمات الإمام ابن كثير في إيراده الحديث المُفسِر ؟
· أحياناً يسوق الإسناد وخاصة إسناد الإمام أحمد ، و أحياناً يسوق أسانيد لكتب مفقودة كعبد بن حميد ،و ابن مردويه .
وهو لا يسوق الإسناد من عصره ، بل يسوقه من المؤلف ، فإن كان نقل عن الإمام أحمد يسوق إسناد الإمام أحمد ، وإن كان نقل عن عبد بن حميد فهو يسوق اسناد عبد بن حميد وليس إسناد ابن كثير نفسه بل إسناد المؤلف الذي نقل منه .
· يعتني بالتخريج ، و ايضاً يُخرّج بعد إيراد الإسناد ، فقد يسوق إسناد الإمام أحمد ثم يُخرج بعد ذلك من البخاري ومسلم ، لأن قيمة تخريج البخاري ومسلم أكبر لأنهما أصح .
· يُعنى بجانب لفظ الحديث ، (لمن هذا اللفظ) ونسبته .. وبذلك حفظ لنا كثير من الأحاديث والروايات التي قد تكون مفقودة أو تعتبر من باب الاستئناس .
منهج ابن كثير في التعامل مع الدخيل (الإسرائيليات والموضوعات ) :
أولاً : منهجة في الإسرائيليات :
هذه نقطة مهمة وأتمنى من الله تعالى أن يوفقنا للسداد في بيانها ، ابن كثير هو أكثر المفسرين توفيقاً في التعامل مع الإسرائيليات ، وسبق وقلنا أن ليس من الصواب حذفها جميعاً (أي حذف الإسرائيليات) بالكامل من كتب التفسير ، وليس من الصواب ايضاً ابقائها كلها وروايتها والتوسع فيها ، فما هي المنهجية التي سلكها ابن كثير والتي لاقت استحسان الناس ؟ 1ـ ابن كثير أولاً : نبه بقاعدة عامة في مقدمة تفسيره من الحذر من الإسرائيليات وأنها ليست على قسم واحد بل على أقسام ثلاث ، فقال لما أورد حديث (بلغوا عني ولو آية ) قال: ولكن هذه الأحاديث الاسرائيلية ُتذكر للاستشهاد لا للاعتضاد ، ثم ذكر أنها على ثلاثة أقسام (وهي الأقسام معروفة في الإسرائيليات) :
1ـ التي توافق شرعنا، وهي صحيحة ،
2ـ التي تخالف شرعنا ، وهي باطلة .
3ـ التي لا توافقه ولا تخالف العقل ، فهذه المسكوت عنها والتي قيل عنها( حدثوا عن بني اسرائيل ولاحرج)
فقال : والثالث ماهو مسكوت عنه ـ يعني ليس من قبيل القسم الصحيح وليست من القسم الباطل ـ فلا نؤمن به ولا نكذبه ، وتجوز حكايته ـ بناء على الحديث ـ لما تقدم وغالب ذلك مما لافائدة فيه تعود إلى أمر ديني " ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيراً ـ أي يختلفون في سياق القصة نفسها ـ وبناء على اختلافهم يختلف المفسرون الذين نقلوا عنهم .
و هذا المنهج إلتزم به ابن كثير ، ولذلك نبه عليه ايضاً في "البداية والنهاية" قال : ولسنا نذكر في الاسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله ، مما لا يخالف كتاب الله و سنة رسوله ، وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب ، مما فيه بسط لمختصر عندنا ، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به ، لا على سبيل الاحتياج إليه
والاعتماد عليه " هذا كلام نفيس ، وهو كلام أشد وضوحاً في كتاب "البداية والنهاية " وليس في مقدمة التفسير ، وفي هذا الكلام بيان لك لماذا يسوق المفسرين وبعضهم من أهل الحديث الإسرائيليات : إما لتعيين مبهم ، أو إفادة في زيادة في المعنى وتوضيحه ، وذكر تفاصيل لم تذكر عندنا ، والإنسان بطبعة يعشق التفاصيل ويبحث عنها .
وقد التزم ابن كثير بهذا المنهج الذي ذكره ، ولم يكتفي بهذا ، بل إن ابن كثير في كل موطن يذكر فيه اسرائيليات فيها اساءة لعصمة الأنبياء ، أو فيها مخالفة للعقل ، فإنه يقف معها موقف الناقد، إذا النقد عند ابن كثير للإسرائيليات:
1ـ نقد عام جاء في المقدمة ، 2ـ ونقد خاص عند كل موضع .
ولهذا قال" وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني اسرائيل ، فما وافق منها الحق مما بين أيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح ..." وهذا الكلام يصنف على أنه نقد عام وبيان للإسرائيليات ، وإن لم يذكره في المقدمة بل ذكره في أحد المواطن..
مثلاً في قصة "هاروت وماروت " قال ابن كثير : ( وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين ... ثم قال: وقصها خلق من المفسرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل. ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل اﻹسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم .. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا اطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله والله أعلم بحقيقة الحال...) فلم يرض تلك التفاصيل التي فيها إساءة للأنبياء .
ايضاً لما ذكر أقوال في إبليس ، واسمه ، ومن أي قبيله ، تفاصيل لا فائدة فيها قال : " وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الاسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بين أيدينا ، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تخلو من تبديل و نقصان ...)
ايضاً تكلم على قصة عوج بن عنق ، وتكلم على الإساءة إلى داوود عليه السلام في القصة ، ونبه على ضعفها و وهائها كلاماً طيباً موفقاً ..
2/ منهجه في الأحاديث الموضوعة :
ابن كثير هو ابن السنة ، وحامي عرينها بلا شك ، فهو من أشد الناس حرصاً على صيانة تفسيره من أن يُورد فيه حديث موضوع مكذوب ، أو حتى حديث واهٍ ، فمثلاً عند قوله ( و أن تصبهم حسنة ..) نقل إسناد عن البزار حديث طويل ثم نقل مقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية حوله فقال : (هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة ) ويعنى بأهل المعرفة بالحديث .
فسياق الحديث الموضوع في كتاب التفسير لا يجوز إلا مع بيان حاله ، وهنا ابن كثير بيّن حاله ، ولذلك أنبه على فعل قد يشابه أفعال المستشرقين وهو : أنه لا يجوز للباحث أن يذهب لتفسير ابن كثير ، وتنقل حديث البزار السابق ثم لا تسوق تعقيب ابن كثير عليه ،بحكم انه موجود في تفسير ابن كثير ، هذا قد يفعله من ليس عنده خوف من الله ، ولا أمانة علمية مثله مثل المستشرقين ، صحيح الحديث وارد ، لكن ورد بعده حكم من ابن كثير نقله من شيخه شيخ الإسلام بأن الحديث موضوع .
· ايضاً عند قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكره ) روى حديث عن ابن جرير مطولاً و قال : وهو حديث موضوع لا محاله ، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ، والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ، - ويقصد الطبري لأنه روى هذا الحديث بالإسناد عن حذيفة مطولاً – وقد صرح شيخنا العلامة أبو الحجاج المزي _رحمه الله _ بأنه موضوع مكذوب) طبعاً ابن كثير هنا أعتذر للإمام للطبري ، فنلاحظ كيف كان الأدب مع من سبقك عندما قال (والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ) وقد قدمنا سابقاً إلى أن الإمام الطبري كان يسوق بالإسناد ، وأن سياق الإسناد في عصره كان كافياً لإبراز التهمة على رجال الإسناد، وإبراز الضعيف منهم ،ولذلك من أسند لك فقد برئ ، أومن أسند لك فقد حمّلك مؤونة الكشف . هذا هو الكتاب الحافل لابن كثير ونختم بسؤالين عنه..
أسئلة للطلاب :
س/ نقد ابن كثير رحمه الله للإسرائيليات جاء على طريقتين ماهما مع التوضيح ؟
ج/ نقد عام: ورد في بعض المواطن في تفسيره وفي مقدمة تفسيره وفي كتبه الأخرى ،
نقد خاص : أي النقد في ذلك الموطن الذي وردت فيه القصة ، إما أن يشير لها إشارة عابرة ، أو يورد جزء منها ثم ينقدها .
س/ هل يمكن أن نقول أن ابن كثير أحسن في صيانة تفسيره من الأحاديث الموضوعة؟
ج/ نعم ، نقول هذا بثقة ، يوجد أحاديث ضعيفة في تفسيره ، و لكن لمبررات سقناها .
س/ ماهي مبررات وجود الأحاديث الضعيفة وليست الموضوعة في تفسير ابن كثير وهو من هو في علم الحديث ؟
الإجابة على هذا السؤال في الملتقى .
اشكر الجميع على تفاعلهم وصبرهم .. وأشكر لكم تجشمكم واستماعكم للعبد الضعيف المقصر ..
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
نجتمع معكم أيها الأحبة ، أيها الأخوة وأيتها الأخوات في المحاضرة الرابعة من محاضرات مناهج المفسرين ، وسنتناول في هذه المحاضرة بإذن الله تعالى كتاب تفسير ابن كثير المُسمى ( تفسير القرآن العظيم) وهو أحد الكتب النافعة ، وأحد الكتب المهمة من كتب التفسير ، لاغنى لطالب العلم عنه ، أياً كان تخصصه ، فتفسير ابن كثير لقي قبولاً كبيراً في أوساط المسلمين ، عامة وعلماء ، طلبة علم وأئمة مساجد ، قُرأ في المساجد ، وقُرأ في الحلقات ،وقرأ على العلماء ، حتى قُرأ على الرجل على دابته ، وفي سيارته ، ولقي رواجاً حتى في حال حياة مؤلفه ـ كماسنعلم بعد قليل ـ ، وهذا من بركة العلم أن مصنفات العالم تسير على الركاب وتسير في الآفاق في حال حياته ، هذا من بشارات الخير له بإذن الله تعالى .. إذاً (تفسير القرآن العظيم ) لابن كثير ، أو ما يسمى (بتفسير ابن كثير ) اختصاراً ، هو كتابنااليوم ، وقد تعودنا جميعاً أن نلتقى مع هذا الإمام ونعيش شئ من حياته، ونطلع عن كثب على المحطات الفاصلة في حياته، فمن هو (ابن كثير) الذي ملأ سمع المسلمين ؟ وملأ أيضاً أحاديثهم الشيقة عن التفسير ،فما يقرأ قارئ التفسير إلا ويكون ابن كثير رحمه الله حاضراً ..
الترجمة :
أولاً نذكر الاسم :وفائدة ذكر الاسم مرت معنا سابقاً فيأهمية التفريق بين العلماء ولذلك بعض طلابالعلم أحياناً يخطئون أو يسمعون بين قارئ يسمى ( ابن كثير ) ومفسر ( ابن كثير) فعبدالله ابن كثير هذا متقدم أحد القراء السبعة ، أما ابن كثير فهو (مفسر) فإذا ورد في الكتب :قرأ ابن كثير فإنه لا يقصد به الإمام المفسر وإنما يقصد به أحد القراء السبعة :وهو ابن كثير المكي أو عبدالله بن كثير المكي .
أما عالمنا اليوم وإمامنا اليوم فهو :الإمام الحافظ المحدث المؤرخ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر ابن كثير بن ضوء ، البصروي الأصل ، الدمشقي الشافعي ..
ولد رحمه الله واسكنه فسيح جناته في قرية مجدل من أعمال "بصرى" ، وبصرى الحديث عنها شيق لأنه ورد فيهاحديث شريف عن النبي صلى الله عليه وسلم كعلامة من علامات الساعة الصغرى حينما قال أن تكون هناك نار في المدينة تضئ لها أعناق الأبل في بصرى ـ أي بصرى الشام ـ وقد حدث هذا بعد سنة 600 للهجرة وأرخ ذلك ،
ولد رحمه الله على رأس المئة الثامنة ، يعني سنة 700 هـ ، لذلك القرون تختلف ، فإذا قلت القرن الأول فهو ـ ان صح التعبير ـ (من صفر إلى 100)
والقرن الثاني (من 100 إلى قبيل مئتين 199) فيُتنبه لهذا .
فإذا قيل القرن الثالث المقصود به ( 200 إلىما قبل 300 )
وقد ولد رحمه الله سنة 700هـ ، أو بعدها بقليل ، وقد نشأ في بيت علم ودين وفقه ، وقد تولى رعايته أخوه عبدالوهاب ، وبذل جهد كبير في تعليمه ، ودرس عليه الفقه ، ولقي عناية من بقية أفراد اسرته ، وقد أثنى ابن كثير على شقيقه هذا عبدالوهاب لما ترجم له ، فقال في البداية والنهاية :" وقد كان لنا شقيقاً ، وبنا رفيقاً شفوقاً " وقد تأخرت وفاة هذا الأخ إلى سنة 750، يقول ابن كثير "تأخرت سنة وفاة أخي إلى سنة خمسين " ويبدو أن الفارق السني كان كثيراً بين ابن كثير المفسر وبين شقيقه عبدالوهاب الأخ ، فكان له بمثابة الأب ، "فتأخرت وفاته إلى سنة خمسين ـ يعني وسبعمائة ـ فتتلمذ ابن كثير صاحبنا على يديه ، وهذا من توفيق الله تعالى ان الابن الأكبر ـ وه ذه رسالة أوجهها من خلل هذه الترجمة إلى المربين والدعاة وإلى الأباء وإلى الأمهات وهو : الحرص على الابن الأول قدر الإمكان ، وهذه نتيجة خبرة طويلة ، انه بإذن الله إذا كان الابن الكبير صالحاً متميزاً متفوقاً فإن الابناء الاخرين واخوته الصغار سيلحقونه بإذن الله ويكون لهم قدوة أكثر من الأب ، فكان مثل هذا الأخ مثالا للأخ الصالح والقدوة الصالحة في بيت علم ودين وفقه ،
عقيدته :
أما الحديث عن عقيدة ابن كثير فهو حديث عن السلف ، وإن تأخرت وفاته ـ حديث عن العقيدة الصحيحة ، السليمة ، رحمه الله تعالى كان محباً لهذه العقيدة ،برغم كونه عاش بيئة الأشاعرة ، وأُسئ له بصحبته لأئمة السنة في زمانه ، وكان مظهراً لهذه العقيدة ، متأثراً برموزها آنذاك أمثال الإمام المزي ـ وهو صهره ـ ،وأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى ، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ، واجتهد في تحصيل العلوم على مختلف أنواعها وتخصصاتها ، وارتحل في طلب العلم ولازم الحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال وتحفة الأشراف الإمام المحدث العظيم ، ولازمه وانتفع به وتزوج بابنته ، وقرأ على ابن تيمية كثيراً، وجمع، وصنّف ،وألّف ودّرس وأفتى ، له اطلاع عظيم على الحديث والتفسير على وجه الخصوص ، وله مشاركة نافعة في علم الفقه والعربية ، وكان ايضاً له جهود في كتابة التاريخ من خلال كتاب حافل يحبه الناس ويقتنونه ويقرأون فيه وهو كتاب " البداية والنهاية "
من صفاته :
رحمه الله أنه كان عالماً فذا من أفذاذ عصره برزت مكانته في المجالات العلمية السابقة : الحديث ، التفسير ، والتاريخ ، مشاركة في بقية الفنون ، وكذلك علم الرجال .
وقد أثنى عليه ـوهذا من النادر ـيا اخوان ، أن يثنى على الطالب شيخه ، فإذا وجدت وأن تريد أن تتكلم عن عالم وجدت ثناء من شيخه عليه ، فأولى أن يذكر قبل غيره ، لأن ثناء الشيخ قد أثنى عليه وهو في سن صغيره ، فمات هذا الشيخ واستمر هذا العالم في طلب العلموالاستزاده فيه فمابالك به بعد ذلك ؟
ولذلك من أقوى الثناء ـ وهذا خارج الموضوع ولكن مهم إيراده هنا ـ من أقوى الثناء على ابن عباس هو ثناء ابن مسعود عليه .
. فابن مسعود قال عن ابن عباس " نعم ترجمان القرآن ابن عباس " ابن مسعود قال هذا الكلام ابن مسعود ، لو أننا قلنا أن هذه الكلمة من ابن مسعود في اليوم الذي توفي فيه ـ أي ابن مسعود ـ فإن ابن عباس عاش بعد ذلك اليوم أكثر من 30 سنة فماذا حصل بعد ذلكمن العلوم ؟
وكذلك الحال هنا اثنى على ابن كثير معاصروه ، وقبل ذلك أثنى عليه مشايخه ..
من ذلك أن الذهبي وهو في عداد شيوخه ، لأن الذهبيتوفي 748 هـ ، وابن كثير كما سنعلم 773هـ ـ أو 774 على خلاف...
لاحظ ما يقوله الشيخ عن تلميذه : يقول الذهبي " الإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع ، فقيه متفنن ، ومفسر نقاد ، وله تصانيف مفيدة ، يدري الفقه ـ يدري بمعنى يعلم وليست مجرد العلم القليل لكن تستخدم للدراية والعلم بالشيء ـ يدري الفقه ويفهم العربية والأصول ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحواله ، سمع مني ،-ـ يقوله الذهبي-ـ وله حفظ ومعرفة " فإذا كان الثناء من الشيخ على التلميذ لاشك أنه من أعظم الوصف وأهم مايورد عند سياق التراجم .
قال عنه ابن حجر " اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله ، وكان كثير الاستحضار" ـ هذه مهمة يا اخوان ويا اخوات لطالب العلم وهي ملكة الله عزوجل يزرعها في الإنسان نعم ، لكن قد يستطيع الإنسان أن يطور مهارته في الاستحضار ، يستحضر : أي يورد المعلومة وهذه ظهرت جليا في طريقته في تفسير القرآن بالقرآن ، فكان يستحضر الآيات استحضار عجيب ، كثير يحفظون القرآن لكن استحضار الآية قد يكون ليس بالأمر الهين ، حسن المفاكهة ـ أي منبسط مع غيره سارت تصانيفه في حياته ـ وهذا ما ذكرناه من بركة العلم ـفإنمن البشائر على بركة العلم و صلاح الرجل أن تسير مصنفاته في حياته و يتناقلها الناس ويسمعونها وانتفع الناس بها ـ أي مؤلفاته ـ بعد وفاته .
وقال عنه تلميذه أبو المحاسن الحسيني :" صاهر شيخنا الحافظ المزي فأكثر عنه وأفتى ودرس وناظر وبرع في الفقه والتفسير والنحو ، وأمعن النظر في الرجال والعلل " لاحظ كلام الحسيني هنافقد ذكرشيء لم ننتبه له وهو : أنه ايضاً أتقن النحو وإن كان شيء غير بارز في كتابه لكنه لم يرد أن يبرز هذا الجانب ويطغى على كتابه .
تلاميذه :
تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء :
أمثال : 1/ برهان الدين الدمياطي ، 2/وابن السويدي البدر بن محمد بن ابراهيم ، 3\ركن الدين أبو يحي زكريا ابن يوسف ، وقد اجتمع من فضل الله عليه ـ على هذا العالم ـ أنه اجتمع من مشايخه ثلاثة هم أقطاب الدجى في ذلك الوقت، وهم منارات العلم في تاريخ الأمة جميع :وهم الإمام الذهبي ، الإمام المزي ، شيخ الإسلام ابن تيمية .فأي نِتاج لهؤلاء سيكون ؟
3/ أيضاً من تلامذته المشهورين أبو زرعه العراقي ، وهو ابن العراقي الحافظ ، وهو حافظ ايضاً ..
مؤلفاته:
من مؤلفاتابن كثير مؤلفَه في التفسير هذا الذي كما قلنا لقي قبولاً ورواجاً ومحبة للعلماء وطلاب العلم وعامة الناس أيضاً له كتاب في فضائل القرآن ..
مؤلفاته في الحديث : أكثر وأطول وأوسع ، منها "جامع المسانيد والسُنن الهادي لأقوم سنن " وهي من أعظم مؤلفاته ، مؤلف كبير جداً .
"اختصار علوم الحديث" الذي شرحه الشيخ أحمد شاكر في "الباعث الحثيث" ، وعلوم الحديث هي مقدمة ابن صلاح ، وله عدد كبير الأجزاء الحديثية ،
من مؤلفاته في الفقهالأحكام الكبرى وأجزاء فقهية ايضاً
من مؤلفاته في التاريخ" البداية والنهاية " وهو كتاب مشهور نسجه على السنوات ، وأرخ من بدء الخليقة إلى قبيل عصره ، سنة بسنة ، ويوجد فيها التراجم ، هو كتاب تاريخ لكنه ايضاً من كتب التراجم فهو يقول " وفيها توفي " يعني في هذه السنة توفي فلان وفلان ويسوق لك عدد المتوفين ويذكر شيء من حياتهم وتراجمهم .
ايضاً له "طبقات الشافعية " لأنه شافعي المذهب ، فترجم له ، وله "مناقب الشافعي" كتاب في مناقب الشافعي ..
وفاته :توفي في 26 من شهر شعبان سنة 774هـ ، كانت حياته حافلة ، حياة علمية عظيمة انتجت هذه الثمار اليانعة المباركة .
2/ التعريف بالكتاب :
اسم الكتاب لم يفصح ابن كثير في مقدمه تفسيره عن عنوانه ، ولكن المشهور أن اسمه (تفسير القرآن العظيم ) وقد وقع هذا الاسم على طُرة إحدى النسخ الخطية ، وفي بعض النسخ كتب (تفسير ابن كثير) ونسبته إليه أمر مقطوع به لاشك في ذلك ، وقد نسبه إليه بعض معاصريه ، أمثال الإمام الزيلعي المحدث الحنفي المشهور ، وأيضاً ابن كثير ، وابن أبي العز شارح الطحاوية ، والسيوطي و الشوكاني وغيره .
ثناء العلماء على التفسير :
قد قلت لكم سابقاً أن ثناء العلماء على التفسير ليس المقصود منه مجرد الثناء على الكتاب ، لكن نقتبس من الثناء شيئاً من المنهج ، ولعلكم تلاحظون ذلك مع هذه الأقوال :
قال السيوطي" له التفسير الذي لم يؤلف على نمطٍ مثله " هذا ثناء عاطر من إمام اطّلع على كتب في التفسير أُلفت قبل ابن كثير ، وألفت بعد ابن كثير ومع ذلك يقول: " لم يؤلف على نمط مثله ".
وقال الشوكانيصاحب فتح القدير " له تصانيف منها التفسير المشهور وهو في مجلدات وقد جمع فأوعى ، ونقل المذاهب والأخبار والآثار "
إذاً يُعنى بماذا ؟ هذا من بيان المنهج ، يعنى بالمذاهب والآثار والأخبار في كتابه ، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه ، وهذا يدل على أن عبارته سهله ، ، عبارة موجزة، مفيدة غنية بالمعلومات ، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها ، وهذه شهادة عظيمة ايضاً من مؤلف متأخر عن ابن كثير .
وقال الشيخ العلامة أحمد بن شاكر رحمه الله فإن تفسير ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا ، وأجودها وأدقها ، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري ، ولسنا نوازن بينهما وبين أي تفسير آخر مما بين أيدينا فما رأينا مثلهما ولا يقاربهما "
وهذا كلام نفيس من هذا العالم الجليل أحمد شاكر رحمه الله تعالىكونه أولاً : حينما اثنى على ابن كثير لم ينس فضل الإمام الطبري ، وهذه النقطة الأولى ، النقطة الثانية : وهي منهجية نستفيد منها وهو أنه ليس شرطاً أن نقيم موازنة بين الكتب فإن بعض الباحثين يستغرق جزءاً كبيراًحتى يقول " أن تفسير ابن كثير أفضل من تفسير الطبري ، أوتفسير الطبري أفضل من ابن كثير ، فهذه الموازنة إن لم ينتج معها بحث في المنهجية فإنها ـ إن صح التعبير ـ قد تكون من فضول الكلام ، لسنا في حاجة أن نصل بعد ذلك لأيها أفضل ، فكلٌ في مجاله ، كلٌ أبدع في أمور ، ويُحمد للطبري مثلاً السبق في هذا ، والمنهجية التي قلده فيها غيره ، وأيضاً يُحمد له الأسانيد الطوال وحفظ تفاسير السلف وأمور أخرى كثيرة .
لذلك نجد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أثنى على ابن كثير لكن لم ينس المعلم الأول والشيخ الأول الذي استفاد منه كل من أتى بعده ، وهو الإمام الطبري ..
نعود لما قاله أحمد شاكر " لسنا نوازن بينهما" وهذا كلام صحيحلسنا في مجال موازنة إذ لاتنفع الموازنة إلا في بيان المنهجية .لكن نبه إلى أن غيرهما لا يدنو من مقامهما أي غيرهما من كتب التفسير لاتدنو من مقام هذين التفسيرين: تفسير الطبري ، وتفسير ابن كثير .
مدة التأليف :
لم يحدد الحافظ ابن كثير رحمه الله متى بدأ كتابة التفسير ،ولا متى انتهى منه ، ولكن هناك دلائل تدل على أنه انتهى منه قبل وفاته بمدة ، ويدل على أنه بادر بالتأليف في سنوات عمره الأولى ، والدليل على ذلك : أنه صرّح في آخر سورة الأنبياء عن وفاة شيخه المُزي ، والمزي توفي سنة 742هـ فهنا دليل على أنه هناك 30 سنة بين بين وفاة المزي وصهره ـ وكان قد قطع مشوار طويل في التفسير .
أنه في نهاية سورة الأنبياء أثنى على شيخه وصهره المزي ودعا له بطولة العمر ـ ومعلوم أن المزي توفي سنة 742 هـ ـ فيعني في تلك السنة كان قد انهى تلك السورة ـ سورة الأنبياء ـ وكان المزي حي ، فلا شك أن الأمام ابن كثير أنهى تفسيره ـ ان صح التعبير ـ مبكراً أي في سنوات حياته الأولى ، و ايضاً الدليل الآخر : أن الإمام الزيلعي صاحب تخريج أحاديث الهداية و الكشاف للزمخشري كان ينقل من التفسير ، والزيلعي توفي رحمه الله تعالى سنة 762 هـ أي قبل وفاة ابن كثير مما يقارب ب 12 سنة تقريباً ، وهذا درس آخر نستفيده من ترجمه هذا الإمام العلم خارج إطار منظومة التفسير : وهوأن الإنسان إذا كان عنده شيء من المشاريع الخيرية أو مشاريع التأليف فليبادر بالتأليف مبكراً ويستغل بقية عمره في تنقيحها وتصليحها وإعدادها ، ولذلك كانت من المآخذ على بعض الكتب أنه ألفها في نهاية حياته فلم يتسن له تنقيحها وإصلاحها .
مصادر تفسير ابن كثير:
مصادره في التفسير: اعتمد على الطبري ، ومن المزايا أنه لم يكتفى بالطبري بل اطلع على مصادر اخرى كانت إلى وقت قريب في حكم المفقود مثل تفسير ابن أبي حاتم ، وتفسير ابن المنذر ، وتفسير عبدُ ابن حُميد ، وتفسير ابن مردويه ، ومن نافلة القول أن بعض الرسائل العلمية التي سجلت في بعض الجامعات الإسلامية جمعت تفاسير هؤلاء من خلال تفسير ابن كثير ، فهذه منقبة كبيرة ، يعني جمع تفسير ابن مردوية من كتاب ابن كثير ، وجمع تفسير عبد ابن حميد من خلال كتاب ابن كثير ، فهو لم يكتفي بالطبري ، بل نقل عن ابن أبي حاتم ، ونقل عن عبد ابن حميد ، ونقل عن ابن مردويه ، وابن المنذر ، وهؤلاء من أعلام التفسير بالمأثور ، نقلوا بأسانيدهم أقوال كثيرة في التفسير .
مصادره في الحديث :من مصادره الكتب الستة ، ومسند الإمام أحمد ، وقف هنا وضع خطاً تحت مسند الإمام أحمد ، الإمام ابن كثير يعد حافظاً من حفاظ المسند ، حفظه كتابة ، وحفظه في صدره ، وهو يورد أحاديث كثيرة وإن كانت في البخاري ومسلم ، لكنه يحب أن يسوقها بإسناد الإمام أحمد ثم يقول " و رواه البخاري ومسلم " لكنه يسوق إسناد الإمام أحمد ، ولذلك صحح أجزاء من مسند الإمام أحمد بناءً على ماورد في تفسير ابن كثير .
مصادره في الفقه :كتاب الأم للشافعي ، كتاب الاستذكار لابن عبدالبر المالكي ، كما أكثر النقل عن الإمام النووي في المجموع وغيره .
مصادره في التاريخ :كان كالطبري أبا للتاريخ والمؤرخين ويكفى كتابه الحافل الذي قدمنا للحديث عنه ، ومن مصادره أسد الغابة ، والطبقات الكبرى لابن سعد وهو كتاب متقدم في التاريخ .
مصادره في اللغة :اعتمد كثيراً على الصحاح للجوهري ، والغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام .
هذا الكتاب لقي قبولاً في أوساط طلبة العلم في هذه البلاد ، وفي جميع أقطار العالم الإسلامي ، وتلقته الأمة بالقبول دراسة وتعليماً وتصحيحاً ، اشتغل العلماء عليه اختصاراً ، واشتغل عليه الباحثون ايضاً دراسة لنيل الدرجات العلمية ، كتاب سهل ميسر محبب إلى النفوس ، للين العبارة وسهولتها ومباشرتها لمبدأ البيان والكشف عن معاني القرآن ، يعني أنك لا تتوه وأنت تقرأ في هذا الكتاب الحافل إلى الهداية إلى التفسير بل تجده مباشرة وتجد معه الحديث والآيات الأخرى التي تساعدك على الفهم .
من أشهر المختصرات :مختصر الشيخ أحمد شاكر ، ومختصر الشيخ محمد نسيب الرفاعي وهو من أفضلها ، والمحاضر لا يميل إلى قراءة الملخص مهما كان التلخيص ، فالأولى أن يعود طالب العلم إلى الكتاب الأصل ويقرأ منه .
لأنه مثال :تلخيص الإمام الصابوني أخطأ وحذف بعض العبارات والجمل والرائعة ، وهذا لانقول أنه بقصد أو بإساءه ، لا ، لكن لو وضعت أمامك المختصر للصابوني وتفسير ابن كثير وقرأت بعض الفقرات تجد أنه حذف بإجتهاد منه ، بعض الجمل ، لكنها كانت في غاية الروعة ، وغاية الأهمية في بيان القرآن الكريم ، وهذا ينبئك على أن طالب العلم عليه ألا يعود للمختصر بل يعود للأصل ،
وقلنا أنه يعد خطأ علمياً ومنهجياً في البحث أن تعيد بعض المعلومات للمختصر مع وجود الكتاب الأصل .
أما رسائل الدكتوراه والماجسيتر فهي كثيرة لا مجال للحديث عنها ، لكن دَرَسَه الدكتور اللاحم دراسة وافية ، ودرسها الدكتور الفالح ايضاً دراسة وافية وهناك الكثير من المؤلفات ، كما دُرست استدراكاته على الامام الطبري ، وكونه يستدرك على الطبري ليس الهدف من البحث في الإستدراكات هو كونه من العلماء ، بل هناك أدب بين العلماء ، وهناك إبراز أهمية الاستدراكات في البحث عن الحقيقة والصواب وليس تصيد للأخطاء كما يقع بين بعض الكتبه وبعض العلماء في العصر الحاضر ، هدفهم من الاستدراك تصيد الأخطاء ، لا هدفهم من الاستدراك كان البحث عن الراجح والبحث عن الحق وعباراتهم في ذلك مشرقة مؤدبة لا تسيء إلى من قبلهم .
يعتبر تفسير ابن كثير علامة فارقة فيما يسمى بالتفسير المأثور لأنك تجد فيه آيات كثيرة فَسّرت آيات أخرى ، وتجد فيه حديثاً كثير ، وأقوالاً عن الصحابة والتابعين ، فهو بناء على التقسيم عند عُرف من كتب في أصول التفسير أنه من التفسير بالمأثور ، أماتفسير القرآن بالقرآنعند ابن كثير فهو علامة فارقة ومنهج بديع مهما تكلمنا في وصفه لن نعطيه حقه ، بل هو مدرسة في هذا الفن ، ابن كثير استطاع أن يستحضر آيات عظيمة تشرح آيات أخرى ، استطاع أن يطبق تفسير القرآن بالقرآن بأهدى سبيل وبأحسن طريقة ، وبطرق مختلفة نعرض لشيئ منها لأن المقام لايتسع لها هنا ، وقد نبه رحمه الله "أن تفسير الآية بالآية أولى " وهذا نص بن كثير . وابن كثير قد نقل مايسمى " بمقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير " نقلها تامة في مقدمة تفسيره ، وتعلمون أن ابن تيمية قال في ذلك الكتاب أن أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن ..
لا نريد الدخول في إشكالية هل تفسير القرآن بالقرآن هو من التفسير بالرأي ، أو تفسير بالمأثور ؟
فقد سبق وأبان المحاضر في بداية المحاضرة إلىأن التفسير القرآن بالقرآن هو في الحقيقة يعتبر بإعتبار قائلة فإن كان قائلة الذي فسر القرآن بالقرآن أو الآية بالآية هو النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث مرفوع ، وإن كان قائله صحابي فهو قول صحابي له حكم قول الصحابي ، وإن كان القائل تابعي فهو قول تابعي وهكذا ..
من مناهجه في هذا الجانب في تفسير القرآن بالقرآن :
أولاً : أنه كان ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مافسره من القرآن ، في هذه الحالة يكون المفسر النبي وابن كثير يكون ناقل عنه ، فإن شئت جعلته من الحديث لأنه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ،وإن شئت جعلته من تفسير القرآن بالقرآن لأنه فعلاً آية فسرت آية . من أمثلة ذلك : أنه عند قوله " وعنده مفاتح الغيب لايعملها إلا هو " بين صلى الله عليه وسلم أن هذه المفاتيح هي ماورد في آية سورة لقمان قوله تبارك وتعالى : " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافي الأرحام ، وماتدري نفس ماذا تكسب غداً وماتدري نفس بأي أرض تموت ..."
هذا المنهج العظيم وهو الاستشهاد بالأحاديث النبوية التي فسرت القرآن بالقرآن .
أيضاً نقل عن الصحابة تفسيرهم للقرآن بالقرآن ، ومن ذلك مارواه عن ابن مسعود ، وابن عباس في قوله تعالى " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنيتين .." نقل عن ابن مسعود انه قال : هذه الآية كقوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ..." فهنا المفسر هو ابن مسعود ، والناقل هو ابن كثير في كتابه ، وكذا تجد فيه كثير من النقل عن ابن عباس ، أما التابعين فنقل عنهم في هذا الجانب ـ تفسير القرآن بالقرآن ـ ومن ذلك حينما نقل عن الإمام مجاهد في قوله تعالى " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ..) قال كقوله تعالى ( ولو ردوا لعادوا نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) فإذا كان التفسير من قبله فهو يذكره ، لكن هو في هذه الجزئية ينقل تفسير القرآن بالقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين .
أما منهجه هو في تفسير القرآن بالقرآن : ومايقوم به هو في تفسير القرآن بالقرآن أنه يجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية في مكان واحد ، وإنك تعجب وأنت تتصفح في هذا الكتاب أنه يستحيل أن تمر بك صفحة أو صفحتين من التفسير لا تجدفيها تفسير القرآن بالقرآن ، يعني هي ظاهرة واضحة في هذا الكتاب ، فهو يجمع الآيات التي تدل على المعنى الواحد في مكان واحد ، وليس شرطا أن تكون تفسير بل قد تكون تأييد ، وقد تكون تقوية ، وقد تكون تشبهها في بعض المعاني والدلالات ، وقد يورد آية واحدة ويكتفى بها ، وقد يورد أكثر من ذلك في سياق واحد ..
أحيان ايضاً يقتصر على موضع الشاهد ، وأحيان يطيل ويذكر الآية التامة ، ,أحيان يفسر الآية التي ساقها للتفسير حتى يبين الآية المراد تفسيرها .
منهج ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن بالتفصيل :
1/ بيان المجمل بالمبين : فإنه يورد الآيات حين تمر عليه الآيات المجملة فإنه يفسرها بالآيات المبينة مثل قوله :" أحلت لكم بيهمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم أن الله يحكم مايريد " ذكر بعد ذلك أقوال المفسرين ثم قال وهي المراد بها في قوله تبارك وتعالى " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ..."
فهو جعل الآية الأولى مجملة وفسرها بالآية المبينة .
2/ حمل المطلق على المقيد :فقد فسر الدم الوارد في قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم .." بقوله تعالى أن هذا الدم يحدد بالدم المسفوح كما قال تعالى : "....أو دماً مسفوحاً "
3/ يستدل بالقراءات الشاذة للدلالة على الآية القرآنية :لأن القراءة الشاذة هي قراءة لكنها ليست قرآنا ، فمثلاً عند قوله تعالى : أو يكون لك بيت من زخرف .." قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هو الذهب ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود :" أو يكون لك بيت من ذهب " : وهذا لاشك انه جمع في المثال بين تفسير الصحابة وبين القراءة الشاذة في بيان المعنى ..
و لو جلست محاضرات في بيان منهجه في تفسير القرآن بالقرآن لطال بنا المقام وربما لم نستوعب هذه الجزئية فيه لكنه في هذا الجانب يعتبر أشهر مفسرين على الإطلاق في تفسير القرآن بالقرآن ، وأشهر المفسرين في إيراد الآيات ذات المدلول الواحد أوذات المعنى الواحد في مكان الواحد ، ولو أراد محصي أن يحصي فهرس الآيات ومواطنها في تفسير ابن كثير لخرج الفهرس في مجلدين تقريباً ..فلو أردت قول ان هذه الآية استدل بها كم مرة ، وفي كم موطن لخرج عدد كبير معك في هذا الفهرس ...
التفسير بالسنة :
وهو علامة فارقة في هذا الكتاب الحافل ، وما أعظم هذا العالم الذي سخر علمه بالسنة ، وعلمه بالحديثفي بيان كتاب الله فجمع بين الحسنيين ، العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وتسخيره في بيان القرآن الكريم .
وسُجلت ايضا في رسالة علمية في جامعة الملك سعود ، منهج ابن كثير في التفسير بالسنة ، فالله أكبر كم أحسن هؤلاء المفسرون منذ الامام الطبري على الباحثين وعلى طلاب العلم وكانوا سبب لحصولهم على هذه الدرجات فكم من الأجور تساق لهم لأنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعهم لا ينقص ذلك من اجورهم شيء فبركة العلم والصدقة الجارية في التأليف واضحة وكبيرة .
كان ابن كثير بحكم علمه الواسع بالسنة ، إمام في التفسير والحديث ، وسخر معلوماته في الحديث لبيان القرآن الكريم ، فهو يعلم رحمه الله ان السنة مصدر ثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، وكذلك هي المصدر الأول في بيان القرآن الكريم ، وهذا على القول الصحيح أن التفسير بالسنة يقدم ويُجعل أول المصادر ..إذا اختلفت قواعد الترجيح مثلا (لدينا تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسر القرآن بالسنة ) فإن الذي يقدم هو التفسير بالسنة ، إلا إن كان مفسر القرآن بالقرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم . ولماذا ؟ لأن التفسير النبوي هو تفسير صريح من النبي صلى الله عليه وسلم الموكل إليه بيان هذا بالقرآن ـ والتفسير النبوي يختلف عن التفسير بالسنة ولا مجال للتفريق بينهما الآن ـ لكن تفسير القرآن بالقرآن قد يكون المفسر النبي وقد يكون غيره كما ذكرنا ، عموماً كان يُعنى يذكر الاحاديث ، وحين يذكر الأحاديث ينسبها لأصحابها فيقول مثلاً رواه أحمد ، و فلان ، و فلان ، وأحيانا كثيرة يسوق الإسناد ، وسبق وقلنا أن بعض أسانيد الإمام أحمد صححت من خلال تفسير ابن كثير عندما أوردها في كتابه ، كان يعني بالتخريج ويعنى أحياناً بالتصحيح والتضعيف ، وبيان حال الرجال ـ وقد سجلت رسالة علمية "ماجستير" في الرجال الذين تكلم عليهم ابن كثير في التفسير . ويهتم بإبراز اللفظ ، وهذه نقطة مهمة لأن ألفاظ المؤلفين تختلف ، وهو ينص هذا لفظ أحمد ، هذا لفظ الترمذي ، وهكذا ،مثال :
قوله تعالى ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئاً ..) قال : قال الإمام أحمد : أنبئنا عبدالرزاق ، اخبرنا معمر عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال : يارسول الله عليّ رقبة مؤمنة فإن كنت ترى أن هذه مؤمنة أعتقتها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتشهدين أن لاإله إلا الله قال: قالت نعم ، قال أتشهدين أني رسول الله ،؟ قالت نعم ، قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، قال : اعتقها ) يعني أنها مؤمنة ، فقال ابن كثير : وهذا اسناد صحيح ـ صحح إسناد الإمام أحمد هنا ـ وقال" وجهالة الصحابي لا تضر " أي جهالة الرجل من الأنصار، فمادام أنه صحابي حصل له العدالة ، وهذا حديث من الأحاديث العظيمة التي تبين لك مقام الصحابة الكرام ، وإن كانوا لم يُعرفوا ولم تعرف اسمائهم لكنهم كانوا على الإيمان الراسخ وعلى الفطرة السوية .
ايضاً كان يعنى بالأحاديث :ولكن هذا لايعنى أنه كتابه خلا من الاحاديث الضعيفة ، هناك مجموعة من الاحاديث الضعيفة في تفسيره ، لكن يجب التفريق يا اخوان بين التفسير والأحكام ، يتساهل المحدثون ممن ألفوا في التفسير في سياق بعض الأحاديث الضعيفة : لأنهم أما أنهم على رأي الإمام أحمد : أن الحديث الضعيف أحب إلي من رأي الرجال ، أو أن الضعف الذي أوردوه من الأحاديث هو ما كان يسميه الإمام الترمذي بالحسن ، يعني أن ضعفه يسير ينجبر بأمور سواء بمتابعات وشواهد ، أو ينجبر بأصول الإسلام أو ينجبر بقول صحابي أو مجموعة من أقوال التابعين ، فلهذا السبب تذكر الأحاديث الضعيفة في تفسيره ، قد يكون فيها بيان لمعنى ، فليس شرطا أن يكون فيها حكم يؤثر على الإنسان (حلال حرام مباح مكروه ) قد يكون فيها إفادة بيان معنى ، لهذا العلماء كما ذكرنا اعتمدوا على القراءة الشاذة مع أنها ليست قرآن فلم يأت أحد ويقول :يجب أن تبعدوها لأن هذه ليست قرآن ، ولأنها مخالفة لرسم المصحف ..لم يقولوا ذلك بل استدلوا بها في إفادتها لبيان معنى ..
أهتم بجزء من الأحاديث المتعلقة بأسباب النزول :فأوردها ونبه عليها وساقها برواياتها المختلفة ، وأهمية سبب النزول الكل منا يدركه بلا شك في بيان المعنى ، أيضاً يسوق الخلاف فيه وأحيان يرجح بينه ، ومن ذلك قوله تعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ...) أورد الأقوال في سبب نزول هذه الآية : فقال السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريح ، ونقل عن ابن عباس أنها نزلت في ذم المنافقين الذين تكلموا في أبي وأصحابه ( أصحاب بئر الرجيع ) فساق كل هذا في أسباب النزول ، ثم بين أن القول بالعموم هو الأصل لأنه كما تعلمون في القاعدة التفسيرية (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) قال وقيل بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم ، وهو قول قتادة وغير واحد وهو الصحيح ، فذكر سبب النزول و قال: أن هذا عام في كل من تكون صفته هذه ، يعني من يظهر الأعمال الطيبة ويظهر الوجه والحسن وإذا تولى عنك وانصرف أفسد وأهلك الحرث والنسل .
أقوال الصحابة والتابعين :
كثيرة في تفسير ابن كثير ، وقلنا من مزايا ذكره لأقوال الصحابة والتابعين في تفسيره أنك تجد فيه أقوالا لأئمة التابعين والصحابة ليست موجوده في تفسير الطبري ، والسبب ما ذكرناه سابقاً أنه أعتمد على مصادر أخرى في التفسير بالمأثور ، لاتقل من ناحية الكمية عن تفسير الطبري مثل تفسير ابن ابي حاتم ، وتفسير ابن المنذر وغيرهم.
فاعتمد على أقوال الصحابة ونقل عنهم وخاصة ابن مسعود وابن عباس، وأهتم كثيراً بأقوال الحبر والبحر وهو ابن عباس رضي الله عنه ، وساق أسانيد كثيرة إليه وخاصة إسناد علي بن أبي طلحة إليه ( صاحب الصحيفة) وكذلك نقل عن ابن مسعود من طريق السدي عن مرة الهمداني، ونقل عن روايتة المشهورة رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، وأحياناً يرفعها إلى أبي بن كعب ..
من ذلك لو نقلنا مثال على طوله ، ونكتفى به ، عند قوله تعالى ( أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها ) قال ابن عباس : أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض ، وفي رواية( ننقصها من أطرافها)القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية ، وقال مجاهد وعكرمه : خرابها يعني النقصان ، وقال الضحاك في رواية والحسن ( نقصانها : نقصان الأنفس بالموت ، يعني والثمرات وخراب الأرض ، وقال الشعبي بنحو ذلك ، وقيل هو موت العلماء ، فابن كثير ساق هذا كله ومع ذلك لم يرُجح ؟ فلماذا لم يرجح ابن كثير هنا ؟ في هذا المثال مع انه ساق أقوال ظاهرها الاختلاف ..
ج: لأنها من قبيل اختلاف التنوع ، الذي يُقبل ، وتحتمله الآية ...
الحقيقة أن جميع ماذكر يمثل منهج سوي بالتفسير بالمأثور: تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنة ، وتفسيره بأقوال الصحابة والتابعين .
طغت في تفسيره ولكنه طغيان مفيد ، ظهرت في تفسيره فأحسن في إظهارها وأبدع في إيرادها رحمه الله ..
أسئلة للطلاب :
س/ من هي الشخصية التي أثرت على ابن كثير في مقتبل حياته ؟
ج/ أخوه (عبد الوهاب )الفقيه الذي استفاد منه رحمه الله .
س/من هو شيخ ابن كثير الذي ترجم له في كتابه وأثنى عليه ؟ وعلى ماذا يدل ؟
ج/الإمام الذهبي ، ويدل على نجابته منذ نعومة اظفاره ، وفي سن الشباب ، ويدل على نبوغه المبكر ، ويدل على العلم الذي أصبح فيه ، فابن كثير لم يتوقف بعد هذا المديح بل استمر ، فإذا كان هو ممدوح وهو ابن 30 سنة مثلاً فما بالك به وبعلمه وهو ابن 60 سنة ..
والعلماء ليسوا مثل المتعالمين في هذا العصر الذي إذا حفظ آيتين أوحديثين فأصبح يفتي وأصبح هو العالم الأول والأوحد والذي لم يأت أحد بمثل ما أتى به ، فيتوقف عن القراءة والإطلاع والطلب هذا منهج لم يكن عليه العلماء ، بل كما قال الإمام أحمد "من المحبرة إلى المقبرة "
المنهج اللغوي عند ابن كثير :
استفاد ابن كثير من اللغة ، ولكنه لم يجعلها تصرف القارئ عن هذا التفسير، فلو أراد شخص أن يطلع على كتاب الدر المصون أو كتاب البحر المحيط لابي حيان لأرهقته المسائل الطويلة ولربما غاب عنه معنى الآيات لطول هذه المسائل والتشعب فيها ، لكن ابن كثير رحمه الله استفاد من اللغة فيما يفيد في بيان الآية وفيما يقربها وأخذ منها فيما يفيد هذا الجانب فقط ولهذا اقبل على ابن كثير الناس كلهم عامة وعلماء
و ابن كثير كغيره من العلماء يدرك أهمية اللغة في التفسير ولهذا ساق هذا الاعتراف في مقدمة تفسيره ، كان يحتكم إليها ويستشهد بالشعر ويسوقه وينسبه إلى قائله ، وكان يستشهد ايضاً بالنثر وينسبه إلى قائله .
من ذلك عند قوله تعالى :( يسومونكم) قال : ُيولونكم ، ثم أورد بيت عمر بن كلثوم .
إذا مالملك سام الناس خسفاً ** أبينا أن نقر الخسف فينا ..
فأراد أنها بمعنى يولونكم أو يتولونكم ولهذا ساق قول عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي ..
أما الاستشهاد بما روى من كلام العرب فهو كثير :
فمثلاً عند قوله ( عن الصراط لناكبون) قال: أي لعادلون ،جائرون ،منحرفون تقول العرب: نكب فلان عن الطريق إذا زاغ عنها .
استشهد بأقوال المفسرين في معنى قوله تبارك وتعالى ( والأرض وما طحاها) لما ساق أقوال المفسرين ، وهذه ناحية أخرى مهمة وهوأنه يقدم أقوال المفسرين على أقوال أهل اللغة، فساق المعنى في ذلك ، وأورد قول مجاهد وقتادة ثم قال : وعليه الأكثر من المفسرين وهو المعروف في لغة العرب ، قال الجوهري "صاحب الصحاح " : وطحوته مثل دحوته أي: بسطته .
ايضاً ينقل في بيان معاني المفردات اللغوية ، وطريقته في نقل بيان المفردات اللغوية طريقة بديعة وموفقة لحد كبير سلك فيها مناهج ، فهو مثلاً يدمج الكلام على معاني الألفاظ والمفردات في المعنى الإجمالي للآية ، وهذا فن ، وهذا الأغلب في كتابه ، وهذا ماحول كتابه في بعض المواطن إلى أن نقول : أن تفسير ابن كثير من أنواع التفسير الإجمالي ، لأنك لاتجد معنى الكلمة مباشرة ، بل تجدها في مجمل الكلام هذا في الغالب الأعم ، أحياناً يبين معنى كل لفظة ومفردة على حدة ، يقول : ومعنى كذا ثم يورده ، أحياناً يجمع بين الأمرين ، فيورد أولاً المعنى العام ثم يذكر بعده المفردة مفصلة عن قائلها سواء من السلف أو أهل اللغة ، يعتمد في الغالب على بيان المفردات (حتى المفردات الغريبة) على السلف لأنه يرى _ وهو الحق _ أن السلف وخاصة الصحابة وكبار التابعين هم أهل لغة قبل أن يكونوا صحابة وتابعين ، بمعنى أنهم عندهم زيادة علم ، فهم أصلاً أهل لغة بالإضافة إلى صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا مواطن النزول ، ورووا الأحاديث ، ولذلك الذي يفرق بين السلف وأهل اللغة : فيقول هذا قول السلف ، وهذا قول أهل اللغة ، نقول له : أن السلف أصلاً هم أهل اللغة وإذا اختلف السلف مع المتأخرين من علماء اللغة فالقول قطعاً قول السلف ، ليس للأسباب الأخرى التي نملكها ونعتقد بها ( كفضل الصحابة ، والملازمة ) بل بالإضافة لذلك لأنهم هم أهل اللغة وبيان وفصاحة .
ايضاً يهتم بالجوانب اللغة الأخرى ، النواحي البلاغية ، والأقوال النحوية ، لكن كما قدمنا فيما يفيد في التفسير وفي بيان المفردة القرآنية ، أو في بيان الآية بشكل مجمل .
تنبيه : بعض النسخ القديمة للكتاب فيها أخطاء نحوية ، لكنها ليست من قِبَل ابن كثير بل من قبل النساخ .وأفضل طبعات الكتاب عند المحاضر أنها طبعة (عالم الكتب ) أو ما يسمى طبعة ( أولاد الشيخ ) هذه أفضل الطبعات ، في خمسة عشر مجلداً ، طبعة محققة على عدد كبير من النسخ ، ومُخرّجة ، وإن كانت في 15 مجلداً ، والبعض يتكاسل عن اقتناءها لكننا نحن نسوق ماهي أفضل طبعة الكتاب .
أهتم ايضاً كما قلنا بالجانب النحوي والبلاغي لكن بما يفيد في بيان الآية ، كان يهتم فيما يبين معاني الاستفهام وأغراضها ، يهتم بذكر المناسبات بين الآيات ويطيل في هذا الجانب ، ولذلك هو يشبه كتاب الرازي في اهتمامه بالمناسبات ، اهتم ب( القسم) وإبرازه وإظهار جواب القسم ، وتقديره إن كان محذوفاً ،
لأن هذه أمور مهمة في التفسير ومهمة في بيان الآيات الكريمة ..
أما في منهجه في الترجيح والتعليل وبيان الخلاف :
فهو منهج عظيم سلكه في كتابه ، وأهتم به اهتمام كبير ، وكان كمل قلنا في جانب الحديث يُرجح يُصحح يُعلل يذكر ضعف الراوي وضعف الحديث ويسوق الأسانيد والروايات المختلفة لتقوية هذا الحديث أو هذا القول ، هذا بالنسبة للحديث والروايات أما بالنسبةللخلاف الفقهي فهو له مشاركة وعلم فهو يسوق الأقوال وينبه على خطأ الدليل إن وجد، ويناقش الأقوال ويرد عليها، هذا بالنسبة للأحكام الفقهيةأما بالنسبة لأقوال المفسرين فإنه تظهر ملكتة التفسيرية ، ويظهر نَفَسه التفسيري ، فهو يناقش الأقوال وإذا بدا أنها متعارضة تعارضاً لايمكن الجمع بينهما فعند قوله تعالى ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) قال ابن جرير: هذه الآية مردودة على قوله( كتاب أنزل إليك فلايكن في صدرك حرج..) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله فيه نظر ، فإنه قد طال الفصل ، ولا دليل على ذلك وإنما لما أخبر عما صاروا إليه من الخسار في الدار الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدار الدنيا بإرسال الكتب وإنزال الكتب كقوله ( وماكنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) ..
وقد ساق المحاضر هذا المثال ليس من أجل تقرير أن ابن كثير يرجح ويعلل ويستدل لما يختاره فقط ، لكن ساقه مع هذا السبب ولسبب آخر وهو : بيان أدب ابن كثير مع الطبري ، فعندما قال ابن كثير :" وهذا الذي قال ـ يقصد الطبري ـ قال: فيه نظر" لاحظ هنا قد تأدب مع الطبري ، فلم يقل قوله خطأ ، أو هذا رجل لا يحسن التفسير ، أو ليته ترك التفسير ) كل هذه العبارات التي نسمعها الآن بين بعض من يرد بعضهم على بعض ، لا تجدها بين هؤلاء العلماء الكبار ،.
فعندما قال: " فيه نظر" يعني يحتمل قولي الصواب ، ويحتمل قوله الصواب ، لكن أنا بدا لي هنا أمر سأورده احترام للعلم ، وبحثاً عن الحقيقة ..
ايضاً كان يبرز المذهب العقدي للمفسر ولا يجعل حرصه على اختصار كتابه و تقريبه للناس من بيان مذهب بعض العلماء وبعض المفسرين العقدي ، فمثلاً عند قوله تبارك وتعالى ( ختم الله على قلوبهم ) وتعلمون رأي المعتزلة في ذلك وأنهم دائماً مثل هذه الآيات يصرفونها ويجعلونها على أنها إعراض من الإنسان عن السماع فكأنه مختوم عليه ، ولا يريد أن يثبت أن الله خلق هذا الفعل وقدّره ، بل يرون أنه ليس هذا التفسير ،وهو تفسير يخالف ، فمثلاً لما حكى هذا القول ، قال ابن كثير: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا ، وتأول الآية من خمسة أوجه ، ـ يقصد الزمخشري ـ وكلها ضعيفة جداً ، وما جرأه على ذلك إلا إعتزاله ، الإعتزال :انه لايرى أن الله يخلق الأفعال بل العبد يخلق فعله .
فالآية السابقة صريحة يفهمها العربي البسيط فقوله ( ختم الله ) من الذي صنع الختم ؟ هو الله ، لكنهم هم يقولون لا ، كأن التقدير : أن الإنسان لا يريد أن يسمع فكأنه خُتم على قلبه .واستدلوا بأقوال من العربية لكن الآية ترد ذلك ، وآيات كثيرة غيرها ..
وكما قال أحد العلماء : الآيات الدالة على خلق أفعال العباد في القرآن كثيرة جدا ً وكم حاول المعتزلة أن يرقعوها ـ أي يرقعوا أقوالهم ـ وقد اتسع الخرق على الراقع .
نعود لقول ابن كثير فقال : وماجرأة على ذلك إلا اعتزاله ، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده ـ لكنه حسن عندنا ، وصواب عندنا ليس قبيح ـ تعالى الله عنه في اعتقاده ، ولو فهم قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يُؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) وما اشبه ذلك من الآيات ـ لاحظ قد استخدم القرآن بالقرآن في الرد على المبتدعة وهذا قد يكون منهج ـ على أنه انما قد ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم بالبطال وتركهم الحق ، وهذا عدل منه حسن وليس قبيح ...إلى آخر ماقال."
المهم هنا أنه بيّن مذهب الزمخشري في التفسير واعتقاده ..
أسئلة للطلاب :
س/ أذكر ثلاثة سمات مختصرة في طريقة ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن ؟
يقيد المطلق ، بيان المجمل ، يسوق أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وأقوال التابعين في تفسيرهم للقرآن بالقرآن هذا من منهجه ، وهذا نادر ، لأن الذين يفسرون القرآن بالقرآن في الكتب الأخرى يسوقون هذا التفسير (تفسير القرآن بالقرآن ) دون نسبتها لأحد ، لكن الكثير ينسبونها لقائلها.
س/ أذكر ثلاث سمات من سمات الإمام ابن كثير في إيراده الحديث المُفسِر ؟
· أحياناً يسوق الإسناد وخاصة إسناد الإمام أحمد ، و أحياناً يسوق أسانيد لكتب مفقودة كعبد بن حميد ،و ابن مردويه .
وهو لا يسوق الإسناد من عصره ، بل يسوقه من المؤلف ، فإن كان نقل عن الإمام أحمد يسوق إسناد الإمام أحمد ، وإن كان نقل عن عبد بن حميد فهو يسوق اسناد عبد بن حميد وليس إسناد ابن كثير نفسه بل إسناد المؤلف الذي نقل منه .
· يعتني بالتخريج ، و ايضاً يُخرّج بعد إيراد الإسناد ، فقد يسوق إسناد الإمام أحمد ثم يُخرج بعد ذلك من البخاري ومسلم ، لأن قيمة تخريج البخاري ومسلم أكبر لأنهما أصح .
· يُعنى بجانب لفظ الحديث ، (لمن هذا اللفظ) ونسبته .. وبذلك حفظ لنا كثير من الأحاديث والروايات التي قد تكون مفقودة أو تعتبر من باب الاستئناس .
منهج ابن كثير في التعامل مع الدخيل (الإسرائيليات والموضوعات ) :
أولاً : منهجة في الإسرائيليات :
هذه نقطة مهمة وأتمنى من الله تعالى أن يوفقنا للسداد في بيانها ، ابن كثير هو أكثر المفسرين توفيقاً في التعامل مع الإسرائيليات ، وسبق وقلنا أن ليس من الصواب حذفها جميعاً (أي حذف الإسرائيليات) بالكامل من كتب التفسير ، وليس من الصواب ايضاً ابقائها كلها وروايتها والتوسع فيها ، فما هي المنهجية التي سلكها ابن كثير والتي لاقت استحسان الناس ؟ 1ـ ابن كثير أولاً : نبه بقاعدة عامة في مقدمة تفسيره من الحذر من الإسرائيليات وأنها ليست على قسم واحد بل على أقسام ثلاث ، فقال لما أورد حديث (بلغوا عني ولو آية ) قال: ولكن هذه الأحاديث الاسرائيلية ُتذكر للاستشهاد لا للاعتضاد ، ثم ذكر أنها على ثلاثة أقسام (وهي الأقسام معروفة في الإسرائيليات) :
1ـ التي توافق شرعنا، وهي صحيحة ،
2ـ التي تخالف شرعنا ، وهي باطلة .
3ـ التي لا توافقه ولا تخالف العقل ، فهذه المسكوت عنها والتي قيل عنها( حدثوا عن بني اسرائيل ولاحرج)
فقال : والثالث ماهو مسكوت عنه ـ يعني ليس من قبيل القسم الصحيح وليست من القسم الباطل ـ فلا نؤمن به ولا نكذبه ، وتجوز حكايته ـ بناء على الحديث ـ لما تقدم وغالب ذلك مما لافائدة فيه تعود إلى أمر ديني " ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيراً ـ أي يختلفون في سياق القصة نفسها ـ وبناء على اختلافهم يختلف المفسرون الذين نقلوا عنهم .
و هذا المنهج إلتزم به ابن كثير ، ولذلك نبه عليه ايضاً في "البداية والنهاية" قال : ولسنا نذكر في الاسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله ، مما لا يخالف كتاب الله و سنة رسوله ، وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب ، مما فيه بسط لمختصر عندنا ، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به ، لا على سبيل الاحتياج إليه
والاعتماد عليه " هذا كلام نفيس ، وهو كلام أشد وضوحاً في كتاب "البداية والنهاية " وليس في مقدمة التفسير ، وفي هذا الكلام بيان لك لماذا يسوق المفسرين وبعضهم من أهل الحديث الإسرائيليات : إما لتعيين مبهم ، أو إفادة في زيادة في المعنى وتوضيحه ، وذكر تفاصيل لم تذكر عندنا ، والإنسان بطبعة يعشق التفاصيل ويبحث عنها .
وقد التزم ابن كثير بهذا المنهج الذي ذكره ، ولم يكتفي بهذا ، بل إن ابن كثير في كل موطن يذكر فيه اسرائيليات فيها اساءة لعصمة الأنبياء ، أو فيها مخالفة للعقل ، فإنه يقف معها موقف الناقد، إذا النقد عند ابن كثير للإسرائيليات:
1ـ نقد عام جاء في المقدمة ، 2ـ ونقد خاص عند كل موضع .
ولهذا قال" وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني اسرائيل ، فما وافق منها الحق مما بين أيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح ..." وهذا الكلام يصنف على أنه نقد عام وبيان للإسرائيليات ، وإن لم يذكره في المقدمة بل ذكره في أحد المواطن..
مثلاً في قصة "هاروت وماروت " قال ابن كثير : ( وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين ... ثم قال: وقصها خلق من المفسرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل. ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل اﻹسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم .. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا اطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله والله أعلم بحقيقة الحال...) فلم يرض تلك التفاصيل التي فيها إساءة للأنبياء .
ايضاً لما ذكر أقوال في إبليس ، واسمه ، ومن أي قبيله ، تفاصيل لا فائدة فيها قال : " وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الاسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بين أيدينا ، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تخلو من تبديل و نقصان ...)
ايضاً تكلم على قصة عوج بن عنق ، وتكلم على الإساءة إلى داوود عليه السلام في القصة ، ونبه على ضعفها و وهائها كلاماً طيباً موفقاً ..
2/ منهجه في الأحاديث الموضوعة :
ابن كثير هو ابن السنة ، وحامي عرينها بلا شك ، فهو من أشد الناس حرصاً على صيانة تفسيره من أن يُورد فيه حديث موضوع مكذوب ، أو حتى حديث واهٍ ، فمثلاً عند قوله ( و أن تصبهم حسنة ..) نقل إسناد عن البزار حديث طويل ثم نقل مقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية حوله فقال : (هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة ) ويعنى بأهل المعرفة بالحديث .
فسياق الحديث الموضوع في كتاب التفسير لا يجوز إلا مع بيان حاله ، وهنا ابن كثير بيّن حاله ، ولذلك أنبه على فعل قد يشابه أفعال المستشرقين وهو : أنه لا يجوز للباحث أن يذهب لتفسير ابن كثير ، وتنقل حديث البزار السابق ثم لا تسوق تعقيب ابن كثير عليه ،بحكم انه موجود في تفسير ابن كثير ، هذا قد يفعله من ليس عنده خوف من الله ، ولا أمانة علمية مثله مثل المستشرقين ، صحيح الحديث وارد ، لكن ورد بعده حكم من ابن كثير نقله من شيخه شيخ الإسلام بأن الحديث موضوع .
· ايضاً عند قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكره ) روى حديث عن ابن جرير مطولاً و قال : وهو حديث موضوع لا محاله ، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ، والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ، - ويقصد الطبري لأنه روى هذا الحديث بالإسناد عن حذيفة مطولاً – وقد صرح شيخنا العلامة أبو الحجاج المزي _رحمه الله _ بأنه موضوع مكذوب) طبعاً ابن كثير هنا أعتذر للإمام للطبري ، فنلاحظ كيف كان الأدب مع من سبقك عندما قال (والعجب كل العجب كيف راج ذلك عليه مع إمامته وجلالة قدره ) وقد قدمنا سابقاً إلى أن الإمام الطبري كان يسوق بالإسناد ، وأن سياق الإسناد في عصره كان كافياً لإبراز التهمة على رجال الإسناد، وإبراز الضعيف منهم ،ولذلك من أسند لك فقد برئ ، أومن أسند لك فقد حمّلك مؤونة الكشف . هذا هو الكتاب الحافل لابن كثير ونختم بسؤالين عنه..
أسئلة للطلاب :
س/ نقد ابن كثير رحمه الله للإسرائيليات جاء على طريقتين ماهما مع التوضيح ؟
ج/ نقد عام: ورد في بعض المواطن في تفسيره وفي مقدمة تفسيره وفي كتبه الأخرى ،
نقد خاص : أي النقد في ذلك الموطن الذي وردت فيه القصة ، إما أن يشير لها إشارة عابرة ، أو يورد جزء منها ثم ينقدها .
س/ هل يمكن أن نقول أن ابن كثير أحسن في صيانة تفسيره من الأحاديث الموضوعة؟
ج/ نعم ، نقول هذا بثقة ، يوجد أحاديث ضعيفة في تفسيره ، و لكن لمبررات سقناها .
س/ ماهي مبررات وجود الأحاديث الضعيفة وليست الموضوعة في تفسير ابن كثير وهو من هو في علم الحديث ؟
الإجابة على هذا السؤال في الملتقى .
اشكر الجميع على تفاعلهم وصبرهم .. وأشكر لكم تجشمكم واستماعكم للعبد الضعيف المقصر ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق