الجمعة، 6 سبتمبر 2019

ميني فان

الميني فان (سيارة الستة أو السبعة أو الثمانية ركاب إلخ) سيارات تشبه من حيث الشكل عربات النقل في هيئتها المربعة إلا أنها لنقل الركاب. تكون أطول من سيارات الصالون وتصمم للحصول على غرفة داخلية كبيرة.


الخميس، 5 سبتمبر 2019

محمـود شاكـر المقاتل التراثي الشجاع

كما يكون الخير فى حياة العظماء يكون الخير فى موتهم أيضا ؛ ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة.‏

وكما أن العظماء فى التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضاً ، وتلك حكمة الله فى البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لا بد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .‏

إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى فى العصر الحديث .‏
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر فى تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسؤولية المواصلة على الطريق، والسير على الدرب والأمل فى الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها فى علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد.

من هو محمود شاكر
الشيخ العلم الأستاذ محمود محمد شاكر رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. أمضى حياته فى رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .. رحل عنا ـ بعد عطاء فياض ـ مودعا سجن الدنيا وانتقل الى جوار ربه، تاركاً نموذجاً طيباً، وقدوة حسنة، وفكراً إسلامياً مستنيراً .‏

ولد الشيخ محمود محمد شاكر فى الإسكندرية، وكان أبوه جندياً من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة وكيلا للجامع الأزهر .‏

التحق الشيخ محمود شاكر بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكراً وهو لا يزال فى السنوات الأولى بكليةا لآداب حتى أعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين، التى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى ، فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة، وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله .‏

وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية فى مجلة الرسالة تحت عنوان : نمط صعب وذلك فى مواجهة صريحة معلنة مع الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك فى أصول اللغة العربية ‏.

محمود شاكر بقلم محمود شاكر
وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى فى حيرة زائغة، وضلالة مضيئة ، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك ، وأن أخسر دنياى وآخرتى ، محققا إثما يقذف بى فى عذاب الله بما جنيت ، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب . فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا فى غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب .

ويواصل شيخنا الحديث عن نفسه قائلا : لم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ، وبقوض كل قائم فى نفسى ، وفى طريقى ، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا ، وبعيدة جدا ، وشاقة ومثيرة جدا ..

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله ، أو ما وقع تحت يدى منه على الأصح ، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر ، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله ، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها الى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها ، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين ،وشئت بعد ذلك من أبواب العلم .‏

وسافر شيخنا الى السعودية فتره من الزمن وأنشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير .
ومع بداية الستينيات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض الذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين ، واللاتينيين ثم راح يشكك فى الشعر العربى ، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين والتغريبيون.‏

معركته مع طـه حسـين
إن الذين حركتهم وفاة هذا الرجل لبيان رسالته إلى العامة قليل من الكتاب ولكن عملهم كان جليل الشأن لأنهم من النخبة ، والنخبة دائما عددهم قليل، لكن أثرهم كبير وخطير، فهم مثل الحبة التى ينبت بها سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة..‏

ولقد كان هذاالرجل حبة مباركة ملأ صوته الدنيا وهو لا يزال شابا لم يبلغ العشرين وكان إذ ذاك فى سن الاستعداد العلمى حيث كان طالبا فى السنة الثانية من كلية الآداب .. فتى فى أول شبابه الجسمى ، ولكن عقله كان قد اكتمل بالمعرفة والنضوج إلى الحد الذى نازل فيه أستاذه الدكتور طه حسين ومهما تكن النيه التى توافرت لدى هذا الأستاذ وهو مصدر كتابه الشعر الجاهلى فإن موضوع الكتاب كان خطيرا للغاية .‏

لقد كان يدعى أن الشعر الجاهلى لا أساس له وهو غير حقيقى لأنه منتحل فى عصر الإسلام .وهو بهذا ينفى عن الأمة العربية كتاب حياتها ، فالشعر ديوان العرب . وبالتالى فهو ينفى النموذج الذى تحداه القرآن الكريم وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه ، بالإضافة الى التداعيات الأخري لهذا الكلام .‏ والكتاب يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء ، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام .‏

ولقد لقى هذا الكتاب تأييداً واسعا باسم الحرية التى يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب والفنانين، ولكنه وجد معارضة أوسع؛ لأن الحرية يجب أن تكون للبناء وليس للهدم، وأن تكون حركتها داخل إطار يوجهها إلى الخير وليس إلى الشر.‏

ولقد وقف الأزهر الشريف عند هذا الكتاب وقفة تريد الإصلاح وترفض الإفساد. وهيئة مثل الأزهر الشريف حين تقف هذه الوقفة إنما تستعين بأعلامها وعلمائها الكبار الذين لهم فى العلم قدم ثابته ورسوخ عتيد .‏

لكن أن يقف شاب فى السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه فى قضية كهذه فإن هذا يشد الانتباه جدا، لقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدا قويا واضحا، ورد عليه ما قال، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. عاد من باريس بعد أن حاز أرقى الشهادات وجاء ليردد ما سمعه وتلقاه فى الخارج عن تراثنا العربى والإسلامى ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين وضاعت حقائق كثيرة فى رخامة صوته وحسن إلقاء ما يقول فى أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلى عليهم هذه الحيل قليلون، ولكن كان منهم هذا الشاب الفتى فى كلية الأداب، ولأنه كان من أهل الحقيقة فقد وجد أن وجوده فى الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه..

فإذا كان هذا هو حال أستاذه الذى جاء إلى الجامعة ليتلقى عنه فالبقاء فيها عبث وأى عبث، وهجر الجامعة ليتعلم من كتب التراث التى تملأ جدران بيوت قومه وهى كثيرة وكانت حصيلته وفيرة .‏

ومع لويس عوض أيضاً
إذا كانت هذه هى معركتة الأولى نازل فيها رجلا قوى الشكيمة واسع الحيلة، فإنه مع جهود الآخرين اضطره إلى التراجع عما قال، وغير فى كتابه الشعر الجاهلى ما كان موضع المؤاخذة لكنه أبقى فيه سموماً أخرى أزرت بالكتاب من أن يقتنيه الناس وجعلت المطابع تعزف عن طبعه ونشره.‏

لكن آثار التغريب لا تزال قائمة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وما هم بالمثقفين فترى بين الحين والحين كلاما يكتب عن حرية الكاتب ونرى الحديث عن كتاب الشعر مدسوسا في هذا الكلام وسياسة التغريب لا تكف عن المحاولات الجاهلى حتى إننا رأينا منذ عامين تقريبا مجلة تصدرها الدولة وتنفق عليها من أموالها ، ولكن يرأس تحريرها أحد هؤلاء الذى يسمون أنفسم بالمثقفين الداعين إلى حرية الكلمة الخارجة على النظام ..رأينا هذه المجلة تنشر النص الأول لكتاب الشعر الجاهلى الذى رجع عنه مؤلفها وأدخل فيه تعديلات .‏

سياسة التغريب هذه هى التى دعت المحقق العظيم محمود شاكر إلى الدخول فى معركة أخرى ضد الدكتور لويس عوض حينما زعم أن فكر أبى العلا المعرى وفلسفته ليست أصيلة عنده ، وإنما هى مأخوذة عن فكر أجنبى . ومعنى هذا أن العبقرية العربية ليست عبقرية خلاقة وإنما هى عبقرية تابعة وناقلة ، وكثيرة هى الادعاءات ضد العربية والإسلام التى جاءت فى كتابات الدكتور لويس عوض .‏
وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية ، وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شيء يحتاج إلى الذين يدفعونه .‏

ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات لويس عوض وأجهضها تماما، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى فى كتاب، وقال إنه لولا شدة الأستاذ محمود شاكر فى مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيراً.‏

ومن هنا فإن الدكتور لويس عوض يعيب وسيلة محمود شاكر ولا يعيب علمه ولا تحقيقه. ‏وهذا اعتراف حمدناه فى حينه للدكتور لويس عوض ونحمده له بعد سنوات من وفاته لكننا نحمد أكثر وأكثر صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر فى مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها فى كتابه أباطيل وأسمار الذي كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .‏

جرأة فى الحـق
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلماً وعدواناً ، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .‏

وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلاً لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وكرمته الدولة بجائزتها التقديرية ، ثم انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية .
وفى العام نفسه استحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية .

وفى منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدة أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما ـ مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ـ مقلدان للغرب وليسا مبتكرين، بل يقدمان نفس الرؤى التى كان أولئكم ينادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون فى طريق الخطأ .
وقال عنهم: "إنهم ام يقدموا شيئاً مفيداً لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون فى طريق صحيح لكان لهم شأن آخر .. صحيح أنهم مجتهدون ولهم جهود دائمة دائبة ، ولكنها ضئيلة ، وباهتة فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله".

ولعل جرأة شيخنا فى الحق وفى الصدع به كانت سببا فى تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله التى وسعت كل شيء؟.

تحقيق التـراث
وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض ولا من على شاكلتهما، إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام ، هذا التحقيق الذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر قام عليه شيوخ أعلام من أبرزهم الشيخ محمود شاكر ، ولقد كانت فطنته أنه اتبع الأولين وأحيا طرائقهم .‏

وإن قضية جمع القرآن فى عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه هى أولى الدرجات فى علم تحقيق التراث الإسلامى . ومع أنها أولى الدرجات فإنها كانت وافية تماما للتأكد من صحة النص وصحة نسبه إلى الذي نزل عليه القرآن .‏

وجمع الحديث وتحقيقه جاء من كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله إلى غير ذلك مما يعرفه الناس عن مكانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن

إن المدرسة الإسلامية جاءت فى تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق فى تحقيق تراث الأمم. ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل فى تحقيق التراث الإسلامى .‏

إن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة فى مراجعة ما جمعوا من حديث للتأكد من صحة نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسموا الأحاديث الصحيحة إلى درجات كثيرة فى صحتها ، فمنها المتواتر ، ومنها الآحاد ، ومنها الصحيح لنفسه ، ومنها الصحيح لغيره ، ومنها الحسن ، وغير ذلك مما يمكن الرجوع إليه فى هذا العلم العظيم الذى يجب أن يسود حياتنا الثقافية وأن نجد لقواعده أثرا فى تحقيقاتنا للتراث الإسلامى ، وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر فى تحقيقه للتراث وفى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية .
ومن هنا تأتى أهمية الرجل ولفت الأنظار إليه فى حياته وما كان من أثر وفاته فى تنبيه العقول إلى تراث الأمة وتحقيق علمائها له بأنفسهم بعد أن يتعلموا هذا الفن الجليل ويستكملوا أسبابه من علم بلغة القرآن وفى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى وما تركه لنا الأجداد من مخطوطات بعضها بين أيدينا وبعضها سرقه الاستعمار الاستشراقى من خزانات كتبنا . وإن محمود شاكر له آثار جليلة فى تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .‏

ونظرا لمجهودات الشيخ شاكر الكبيرة انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية فى دمشق ، وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعـضــوا بـمـجمع الخالــديـن .
كماحصل عى جائزة الدولة المصريةالتقديرية فى الآداب .‏
حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام عن كتابه المتنبى الذى يقع فى مجلدين من القطع الكبير ، وقد أنجز هذا الكتاب، ثم أعاد تحقيقه وتنقيحه وتزويده بوثائق جديدة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هـــذه الـجــائــــزة

إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته .. فيا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل .

ملخص سيرة الخليفة هارون الرشيد.

من عظماء أمتنا الذين طأطأ الروم رؤوسهم له ، وأحنوا هاماتهم رهبة منه ، ذلكم هو الخليفة المجاهد هارون الرشيد، ذلك الرجل الذي حاول أعداء تاريخنا و أذنابهم أن يصوروه بصورة شارب الخمر الماجن، صاحب الجواري الحسان والليالي الحمراء، العسوف الظلوم ، مع أنه كان من أعظم خلفاء الدولة العباسية جهادا وغزوا واهتماما بالعلم والعلماء ، و بالرغم من هذا كله أشاعوا عنه الأكاذيب وأنه لاهم له سوى الجواري والخمر والسكر، ونسجوا في ذلك القصص الخرافية والحكايات الواهية .
قال ابن خلكان عنه في كتابه وفيات الأعيان: "كان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي" .

نسبه ومولده
هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، كان مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خرا سان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي ، عرف بالشجاعة والقوة ، وقاد الحملات في عهد أبيه ، ولم يتجاوز العشرين.

توليه الخلافة
ولي الخلافة بعهد معقود له بعد الهادي من أبيهما المهدي في ليلة السبت السادس عشر من ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعد الهادي ، وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر.

عبـادتـه:
ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: [وحكى بعض أصحابه أنه كان يصلي في كل يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن يعرض له علة، وكان يتصدق في كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان إذا حج أحج معه مئة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج في كل سنة ثلاثمئة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة].
وقد أحصى المسعودي سنوات حجه بالناس فكانت: 170، 173، 174، 175، 176، 177، 178، 179، 181، 186، 188هـ .
وقال الذهبي في التاريخ: [سنة تسع وسبعين ومئة وفيها اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من بيوته إلى عرفات].
وقال أبو الفدا في المختصر: [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة وفيها حج الرشيد وأحرم من بغداد].
و قال الغزالي في فضائح الباطنية: وقد حُكي عن إبراهيم بن عبد الله الخراساني أنه قال: حججت مع أبي سنة حج الرشيد فإذا نحن بالرشيد وهو واقف حاسرٌ حافٍ على الحصباء، وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول يا رب أنت أنت وأنا أنا، أنا العوّاد إلى الذنب وأنت العوّاد إلى المغفرة، اغفر لي.

غزارة دمعه عند الموعظة
قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.
وروى أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها قال بجميع ملكي قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
وقال ابن الجوزي قال الرشيد لشيبان عظني قال لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال من يقول لك أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.

حبه للسنة و توقيره للعلماء
كان الرشيد يحب العلماء ويعظم حرمات الدين ويبغض الجدال والكلام، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله.
- ولما بلغه موت عبد الله ابن المبارك حزن عليه وجلس للعزاء فعزاه الأكابر.
- قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل " فبكى حتى انتحب .
- وعن خرزاذ العابد قال حدث أبو معاوية الرشيد بحديث احتج آدم وموسى فقال رجل شريف فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في الحديث فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن.
- وأخرج ابن عساكر عن ابن علية قال أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك. قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا.
- وكان العلماء يبادلونه التقدير، روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره، قال فكبر ذلك علينا فلما مات هارون وظهرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس على القول بخلق القرآن قلنا الشيخ كان أعلم بما تكلم .

بين هارون ونقفور
في سنة سبع وثمانين ومائة جاء للرشيد كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم وصورة الكتاب [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها، وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك] فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى ما تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه فضلاً أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نزل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة.

- وأسند الصولى عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيرا وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.

وقد مات الرشـيد أثناء غـزوه الروم، قال السـيوطي في تاريـخ الخـلفاء: مات الرشـيد في الغـزو بطوس من خراسان .
ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة هجرية وله خمس وأربعون سنة 

أسدُ الله وسيِّد الشُّهداء حمزة بن عبدالمطلب رضيَ الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله {يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ

وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

في زمن الإخفاقات المتكرِّرة، والهزائم المتتابعة، والإحباط المتوالي، واليأس الذي يلفُ قلوب كثير من أهل الإسلام، وكل ذلك سببه الوهن الذي أصاب المسلمين؛ حتى جعلهم يقدِّمون مصالحهم على مصالح أمَّتهم،

ويهتمُّون بذواتهم أكثر من اهتمامهم بالدين.

نعم! الوهنُ سبب ذلك: حبُ الدنيا وكراهية الموت، وضعفُ اليقين بالآخِرة، وعدم التفريق بين النَّصر والهزيمة، وعدم المبالاة بالغزو والمسخ والتَّزوير الذي يُمارس على تعاليم الإسلام وشرائعه.

في هذه الأجواء المعتمة، والأحوال المتردِّية؛ نحتاج إلى مطالعة تاريخ الصَّدر الأوَّل، والنَّظر في سِيَر الصحابة المجاهدين، والشهداء والمهاجرين، الذين بذلوا النفس والنفيس لإعلاء كلمة الدين، ونشر الإسلام في أرجاء

المعمورة.

وهذه سِيرَة بطلٍ من أبطال الإسلام، وأسدٍ من أُسْدِ الله تعالى، كان قويًّا في إسلامه، بطلاً في جهاده، عظيمًا في استشهاده، لقَّبه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أسدُ الله، وسمَّاه: سيِّد الشُّهداء، رضع هو والنبيُّ - صلَّى الله

عليه وسلَّم - من ثديٍ واحدٍ؛ فكان أخاه من الرضاعة[1].

إنه ابن عبدالمطلب، حمزةُ، عمُّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

كان من خبر إسلامه: "أنَّ أبا جهل مرَّ برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فآذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدِينه، والتَّضعيف له؛ فلم يكلِّمه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومولاةٌ لعبدالله بن جُدْعان في مسكنٍ

لها فوق الصَّفا تسمع ذلك.

ثم انصرف عنه؛ فعَمِد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزةُ أن أقبل متوشِّحًا قوسَه، راجعًا من قَنَصٍ له - وكان صاحب قَنَصٍ - وكان إذا رجع من قَنَصه بدأ بالطَّواف بالكعبة، وكان أعزَّ فتًى في قريش،

وأشدَّه شكيمةً، فلما مرَّ بالموالاة قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيتَ ما لقيَ ابنُ أخيك آنفًا من أبي الحكم، وجده هاهنا جالسًا، فآذاه وسبَّه وبَلَغ منه، ولم يكلِّمه محمدٌ.

فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامته؛ فخرج يسعى مُغذًّا لأبي جهل، فلما رآه جالسًا في القوم أقبل نحوه؛ حتى إذا قام على رأسه رفع القوسَ فضربه بها، فشجَّه شجَّةً منكرةً، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دِينه،

أقول ما يقول؛ فرُدَّ عليَّ ذلك إن استطعتَ.

فقامت رجالٌ من بني مخزومَ إلى حمزة لينصروا أبا جهلٍ؛ فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فوالله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًّا قبيحًا.

وتمَّ حمزةُ على إسلامه، فلمَّا أسلم؛ عرفت قريش أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة - رضيَ الله عنه - سيمنعه؛ فكفُّوا بعض الشيء"؛ أخرجه البَيْهِقِيُّ والحاكم[2].

ولمَّا كانت الهجرة؛ هاجر إلى المدينة، وشهد بَدْرًا، وأبلى فيها بلاءً عظيمًا مشهورًا، بارز أبطال قريش فصرعهم، وأتى على صفوفهم فهدَّها، حتى قال أحد أسرى المشركين: "من الرَّجل المُعلَّم بريشة نعامة؟". قالوا:

"حمزة - رضيَ الله عنه". قال: "ذاك فعل بنا الأفاعيل"[3].

ثمَّ في شوَّال من السنة الثَّالثة حضر أُحدًا وقاتل قتالاً عظيمًا؛ قال سعد بن أبي وقَّاصٍ - رضيَ الله عنه -: "كان حمزة يقاتل يوم أُحدٍ بين يَدَي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – بسيفَيْن، ويقول: أنا أسدُ الله"[4]. كان يُسيِّر

فرسه بركبتيه، وفي يمينه سيفٌ، وفي يساره سيفٌ يقاتل بهما".

الله أكبر، ما هذه الجرأة! وكيف كانت تلك المهارة؟!

كانت شَهادَته - رضيَ الله عنه - في أُحُدٍ، يروي قصَّتها قاتِلُه؛ فقد أخرج البخاريُّ في "صحيحه" من حديث جعفر بن عمرو، أن وحشيًّا قال: "إن حمزة قتل طُعَيْمَة بن عَدِيٍّ بن الخِيار ببدرٍ؛ فقال لي مولاي جُبَيْر بن مُطْعِم: إن

قتلتَ حمزة بعمِّي؛ فأنت حرٌّ. قال: فلما أن خرج الناس عام عَيْنَين - وعَيْنَين جبلٌ بحيال أحدٍ، بينه وبينه وادٍ - خرجتُ مع النَّاس إلى القتال، فلما اصطفُّوا للقتال، خرج سِباعٌ فقال: هل من مبارزٍ؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد

المطلب؛ فقال: يا سِباعُ، يا ابنَ أمِّ أنمارٍ مقطِّعة البظور، أتحادُّ الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟! قال: ثم شدَّ عليه، فكان كأمس الذَّاهب! قال: وكَمَنْتُ لحمزة تحت صخرةٍ، فلما دنا مني رميتُه بحربتي، فأضعها في ثُنَّته،

حتى خرجت من بين وِرْكَيْه، فكان ذلك العهد به"[5]، وفي روايةٍ: "فجعل حمزة يهدُّ النَّاس بسيفه"[6]، وفي أخرى: "فرأيتُ رجلاً إذا حمل لا يرجع حتى يهزمنا؛ فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: حمزة. قلتُ: هذا حاجتي"[7]، ثم ذكر

بقيَّة الحديث.

قُتل حمزة - رضيَ الله عنه - ومَثَّلَ به المشركون؛ انتقامًا من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد تأثَّر لذلك كثيرًا، فوقف على حمزة، فرآه قد شُقَّ بطنُه، وقد مُثِّلَ به، فكره أن ينظر إليه، ثم وقف بين ظهراني القتلى فقال:

((أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم؛ فإنه ليس من جريحٍ يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يَدْمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المِسْك، قدِّموا أكثرهم قرآنًا فاجعلوه في اللَّحْد))[8].

وروى أبو هُرَيْرَة - رضيَ الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقف على حمزة حيث استُشْهِدَ، فنظر إلى منظرٍ لم ينظر إلى شيءٍ قطُّ كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه وقد مُثِّل به فقال: ((رحمة الله عليكَ، فإنَّك

كنتَ - ما علمتُ - وَصُولاً للرِّحِم، فعولاً للخيرات، ولولا حزنُ مَنْ بعدكَ عليكَ؛ لسرَّني أن أترككَ حتى يحشركَ الله من أرواحٍ شتَّى، أما والله عليَّ ذلك لأمثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانكَ))؛ فنزل جبريل - عليه السَّلام - بخواتيم النَّحل:

{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]؛ فكفَّر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد، وصبر[9].

وعن ابن عباس - رضيَ الله عنهما - قال: لما قُتل حمزة أقبلت صفيَّة أخته، فلقيتْ عليًّا والزُّبير، فأرياها أنهما لا يدريان، فجاءت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((فإني أخاف على عقلها)). فوضع يده على صدرها،

ودعا لها، فاسترجعتْ وبكتْ. ثم جاء فقام عليه وقد مُثِّلَ به؛ فقال: ((لولا جَزَعُ النِّساء لتركته حتى يُحْشَر من حواصل الطَّير وبطون السِّباع)).

وفي رواية الزُّبير: أن صفيَّة - رضيَ الله عنها - جاءت بثَوْبين لتكفين حمزة، وكان إلى جنب حمزة قتيلٌ منَ الأنصار؛ فكرهوا أن يتخيَّروا لحمزة؛ فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسهموا بينهما، فأيهما طار له أجودُ

الثَّوْبَيْن؛ فهو له)). فأسهموا بينهما؛ فكفِّن حمزة في ثوبٍ، والأنصاريُّ في ثوبٍ[10]؛ ولكنَّ ثوب حمزة كان قصيرًا، فجعلوا يجرُّونه على وجهه فتنكشفُ قدماه، ويجرُّونه على قدميه فينكشفُ وجهه، فقال رسول الله - صلَّى

الله عليه وسلَّم -: ((اجعلوه على وجهه، واجعلوا على قدميه من هذا الشَّجر)).

ورفع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ((ما يبكيكم؟)). قيل: يا رسول الله، لا نجد لعمِّك اليوم ثوبًا واحدًا يَسُعُه! فقال: ((إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف؛ فيصيبون فيها

مطعمًا وملبسًا ومركبًا))[11]؛ أي: من كثرة الخيرات وانفتاح الدنيا.

كان حمزةُ - رضيَ الله عنه - من شهداء أُحد؛ بل هو سيِّد الشُّهداء كما قال النبيُّ - عليه الصَّلاة والسلام -: ((سيِّد الشهداء حمزة، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ، فأمره ونهاه؛ فقتله))؛ أخرجه الحاكم وصحَّحه[12].

وشهد عليه الصَّلاة والسَّلام لشهداء أُحُدٍ بالجنَّة؛ فقال: ((لمَّا أصيب إخوانكم بأُحُدٍ؛ جعل الله أرواحهم في أجواف طير خُضْرٍ، تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ، معلقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا

طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلِهم قالوا: مَنْ يُبْلِغُ إخواننا عنَّا؛ أننا أحياءٌ في الجنة نرزق؛ لئلاَّ ينكلوا عند الحرب، ولا يزهدوا في الجهاد. قال الله: أنا أبلغهم عنكم؛ فأُنزلت: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} [آل

عمران: 169]))؛ أخرجه أبو داود[13].

وحَرَّم الله أجسادهم على الأرض أن تُبلِيها؛ فبعد أربعين عامًا من وقعة أُحد، أراد معاوية - رضيَ الله عنه - أن يجري عينه التي بأُحد؛ فكتبوا إليه: إنَّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء؛ فكتب إليهم: انبشوهم. قال

جابر: فرأيتُهم يُحملَون على أعناق الرجال؛ كأنَّهم قومٌ نيامٌ، وأصابت المَسْحَاةُ طرف رجل حمزة بن عبدالمطلب؛ فانبعث دمًا[14].

كان عُمْر حمزة لمَّا استُشهد سبعًا وخمسين سنة[15]، فرضيَ الله عنه وأرضاه، ورضيَ عنِ الصحابة أجمعين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

سعد بن أبي وقاص

واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .  الأمير أبو إسحاق القرشي الزهري المكي . أحد العشرة ، وأحد السابقين الأولين ، وأحد من شهد بدرا والحديبية ، وأحد الستة أهل الشورى .

روى جملة صالحة من الحديث ، وله في " الصحيحين " خمسة عشر حديثا ، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث ، ومسلم بثمانية عشر حديثا .

حدث عنه ابن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ، والسائب بن يزيد ، وبنوه : عامر ، وعمر ، ومحمد ومصعب ، وإبراهيم ، وعائشة ، وقيس بن أبي حازم ، وسعيد بن المسيب ، وأبو عثمان النهدي ، وعمرو بن ميمون ، والأحنف بن قيس ، وعلقمة بن قيس ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومجاهد ، وشريح بن عبيد الحمصي ، وأيمن المكي ، وبشر بن سعيد ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو صالح ذكوان ، وعروة بن الزبير ، وخلق سواهم .

أخبرنا محمد بن عبد السلام بن المطهر التميمي ، أنبأنا عبد المعز بن محمد ، في كتابه ، أنبأنا تميم بن أبي سعيد ، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان ، أنبأنا أبو يعلى الموصلي ، حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة ، عن أبي عون : سمعت جابر بن سمرة قال : قال عمر لسعد : قد  شكوك في كل شيء حتى في الصلاة . قال : أما أنا ، فإني أمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ذاك الظن بك ، أو كذاك الظن بك .

أبو عون الثقفي . هو محمد بن عبيد الله ، متفق عليه .

وبه إلى أبي يعلى ، حدثنا زهير ، حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدثني والدي ، عن أبيه قال : مررت بعثمان في المسجد ، فسلمت عليه ، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام . فأتيت عمر ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هل حدث في الإسلام شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قلت : إني مررت بعثمان آنفا ، فسلمت ، فلم يرد علي . فأرسل عمر إلى عثمان ، فأتاه ، فقال : ما يمنعك أن تكون رددت على أخيك السلام ؟ قال : ما فعلت . قلت : بلى ، حتى حلف وحلفت ، ثم إنه ذكر فقال : بلى ، فأستغفر الله وأتوب إليه ، إنك مررت بي آنفا ، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا والله ما ذكرتها قط إلا يغشى بصري وقلبي غشاوة . فقالسعد : فأنا أنبئك بها . إن رسول الله ، ذكر لنا أول دعوة ، ثم جاءه أعرابي فشغله ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتبعته ، فلما [ أشفقت أن يسبقني إلى منزله ، ضربت بقدمي الأرض ، فالتفت إلي ، فالتفت ، فقال : " أبو إسحاق ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : فمه ؟ قلت لا والله ، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي . فقال : نعم ، دعوة ذي النون : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنها لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " .

أخرجه الترمذي من طريق الفريابي ، عن يونس .

ابن وهب : حدثني أسامة بن زيد الليثي ، حدثني ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور قال : خرجت مع أبي ، وسعد ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث عام أذرح . فوقع الوجع بالشام ، فأقمنا بسرغ خمسين ليلة ، ودخل علينا رمضان ، فصام المسور وعبد الرحمن ، وأفطر سعد وأبى أن يصوم ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، أنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهدت بدرا ، وأنت تفطر وهما صائمان ؟ قال : أنا أفقه منهما .

ابن جريج : حدثني زكريا بن عمرو أن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية ، فأقام عنده شهرا يقصر الصلاة ، وجاء شهر رمضان ، فأفطره . منقطع .

شعبة وغيره : عن حبيب بن أبي ثابت سمعت عبد الرحمن بن المسور قال : كنا في قرية من قرى الشام يقال لها عمان ، ويصلي سعد ركعتين ، فسألناه ، فقال : إنا نحن أعلم .

ابن عيينة ، عن عمرو قال : شهد سعد وابن عمر الحكمين .

ابن عيينة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن سعد : قلت : يا رسول الله ، من أنا ؟ قال : سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة ، من قال غير هذا ، فعليه لعنة الله .

قال ابن سعد : وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .

قال ابن منده : أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة . وكان قصيرا ، دحداحا ، شثن الأصابع ، غليظا ، ذا هامة . توفي بالعقيق في قصره ، على سبعة أميال من المدينة . وحمل إليها سنة خمس وخمسين .

الواقدي : عن بكير بن مسمار عن عائشة بنت سعد قالت : كان أبي رجلا قصيرا ، دحداحا ، غليظا ، ذا هامة ، شثن الأصابع ، أشعر ، يخضب بالسواد .

وعن إسماعيل بن محمد بن سعد قال : كان سعد جعد الشعر ، أشعر الجسد ، آدم ، أفطس ، طويلا .

يعقوب بن محمد الزهري : أنبأنا إسحاق بن جعفر ، وعبد العزيز بن عمران ، عن عبد الله بن جعفر بن المسور ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمير بن أبي وقاص عن بدر ، استصغره ، فبكى عمير ، فأجازه ، فعقدت عليه حمالة سيفه ، ولقد شهدت بدرا وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي .

جماعة : عن هاشم بن هاشم ، عن سعيد بن المسيب ، سمعت سعدا  يقول : ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت ، ولقد مكثت سبع ليال وإني لثلث الإسلام .

وقال يوسف بن الماجشون : سمعت عائشة بنت سعد تقول : مكث أبي يوما إلى الليل وإنه لثلث الإسلام .

إسماعيل بن أبي خالد : عن قيس قال : قال سعد بن مالك : ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبويه لأحد قبلي . ولقد رأيته ليقول لي : " يا سعد ، ارم فداك أبي وأمي " . وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم . ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعةما لنا طعام إلا ورق السمر ، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام ، لقد خبت إذا وضل سعيي .

متفق عليه ، رواه جماعة عن إسماعيل .

وروى المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن : أول من رمى بسهم في  سبيل الله سعد ، وإنه من أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم.

حاتم بن إسماعيل : عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع له أبويه . قال : كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين . فقال رسول الله : " ارم فداك أبي وأمي " . فنزعت بسهم ليس فيه نصل ، فأصبت جبهته ، فوقع وانكشفت عورته ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه .

عبد الله بن مصعب : حدثنا موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : قتل سعد يوم أحد بسهم رمي به ، فقتل ، فرد عليهم فرموا به ، فأخذه سعد ، فرمى به الثانية ، فقتل ، فرد عليهم ، فرمى به الثالثة ، فقتل ، فعجب الناس مما فعل . إسناده منقطع .

ابن إسحاق : حدثني صالح بن كيسان ، عن بعض آل سعد ، عن سعد : أنه رمى يوم أحد ، قال : فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يناولني النبل ويقول : " ارم فداك أبي وأمي " . حتى إنه ليناولني السهم ما له من نصل ، فأرمي به .

قال ابن المسيب : كان جيد الرمي ، سمعته يقول : جمع لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبويه يوم أحد .

أخرجه البخاري . وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من بضعة عشر وجها . وساق حديث ابن أبي خالد عن قيس من سبعة عشر طريقا بألفاظها ، وبمثل هذا كبر تاريخه . وساق حديث عبد الله بن شداد عن علي : ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع أبويه لأحد غير سعد ، من ستة عشر وجها . رواه مسعر وشعبة وسفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عنه .

ابن عيينة : عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب قال : قال علي : ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع أبويه لأحد غير سعد .

تفرد به ابن عيينة ، وقد رواه شعبة وزائدة ، وغيرهما عن يحيى بن سعيد ، عن سعد ، وهو أصحابن زنجويه : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن أيوب ، عن عائشة بنت سعد ، سمعتها تقول : أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله يوم أحد بالأبوين .

الأعمش : عن إبراهيم ، قال : عبد الله بن مسعود : لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال . رواه بعضهم عن الأعمش فقال : عنإبراهيم ، عن علقمة .

يونس بن بكير : عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ، عن الزهري قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ ، وهو من جانب الجحفة . فانكفأ المشركون على المسلمين ، فحماهم سعد يومئذ بسهامه ، فكان هذا أول قتال في الإسلام ، فقال سعد :
ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي     فما يعتد رام في عدو
بسهم يا رسول الله قبلي

وفي البخاري لمروان بن معاوية : أخبرني هاشم بن هاشم ، سمعت سعيد بن المسيب ، سمعت سعدا يقول : نثل لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنانته يوم أحد وقال : " ارم ، فداك أبي وأمي " . [ ص: 102 ] أنبأنا به أحمد بن سلامة ، عن ابن كليب ، أنبأنا ابن بيان ، أنبأنا ابن مخلد ، أخبرنا إسماعيل الصفار ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا مروان فذكره .

القعنبي وخالد بن مخلد قالا : حدثنا سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن عائشة قالت : أرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فقال : " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة " . قالت : فسمعنا صوت السلاح ، فقال رسول الله : من هذا ؟ قال سعد بن أبي وقاص : أنا يا رسول الله جئت أحرسك ، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سمعت غطيطه .

أبو بكر الحنفي عبد الكبير : حدثنا بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد أن أباه سعدا ، كان في غنم له ، فجاء ابنه عمر ، فلما رآه قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فلما انتهى إليه ، قال : يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك ، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة ، فضرب صدر عمر، وقال : اسكت ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله - عز وجل - يحب العبد التقي الغني الخفي " .

روح والأنصاري ، واللفظ له : أنبأنا ابن عون ، عن محمد بن محمد بن الأسود ، عن عامر بن سعد قال : قال سعد : لقد رأيت رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ضحك يوم الخندق ، حتى بدت نواجذه . كان رجل معه ترس ، وكان سعد راميا ، فجعل يقول كذا يحوي بالترس ، ويغطي جبهته . فنزع له سعد بسهم ، فلما رفع رأسه ، رماه فلم يخط هذه منه - يعني جبهته - فانقلب وأشال برجله ، فضحك رسول الله من فعله حتى بدت نواجذه .

يحيى القطان وجماعة : عن صدقة بن المثنى ، حدثني جدي رياح بن الحارث ، أن المغيرة كان في المسجد الأكبر ، وعنده أهل الكوفة ، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة ، فسب ، وسب ، فقال سعيد بن زيد : من يسب هذا يا مغيرة ؟ قال : يسب علي بن أبي طالب ، قال : يا مغير بن شعيب ، يا مغير بن شعيب ، ألا تسمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسبون عندك ، ولا تنكر ولا تغير ؟ فأنا أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما سمعت أذناي ، ووعاه قلبي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني لم أكن أروي عنه كذبا ، إنه قال : " أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعلي في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن في الجنة ، وسعد بن مالك في الجنة . وتاسع المؤمنين في الجنة " ، ولو شئت أن أسميه لسميته ، فضج أهل المسجد يناشدونه : يا صاحب رسول الله ، من التاسع ؟ قال : ناشدتموني بالله والله عظيم ، أنا هو ، والعاشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والله لمشهد شهده رجل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من عمل أحدكم ، ولو عمر ما عمر نوح .

 أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من طريق صدقة .

شعبة : عن الحر : سمعت رجلا يقال له عبد الرحمن بن الأخنس قال : خطب المغيرة بن شعبة فنال من علي ، فقام سعيد بن زيد فقال : ما تريد إلى هذا . أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقال : " عشرة في الجنة : رسول الله في الجنة ، وأبو بكر في الجنة " . . . الحديث .

الحر هو ابن الصياح .

عبد الواحد بن زياد : عن الحسن بن عبيد الله ، حدثنا الحر ، بنحوه .

ابن أبي فديك : حدثنا موسى بن يعقوب . عن عمر بن سعيد بن سريج أن عبد الرحمن بن حميد حدثه ، عن أبيه حميد بن عبد الرحمن ، حدثنيسعيد بن زيد في نفر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " عشرة في الجنة : أبو بكر في الجنة ، وسمى فيهم أبا عبيدة " .ابن عيينة : عن سعير بن الخمس عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر : قال رسول الله : عشرة من قريش في الجنة ، أبو بكر ، ثم سمى العشرة .

أخبرنا ابن أبي عمر وجماعة ، إذنا ، قالوا : أنبأنا حنبل ، أنبأنا هبة الله ، أنبأنا ابن المذهب ، حدثنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة ، عن حصين ، عن هلال بن يساف ، عن عبد الله بن ظالم قال : خطب المغيرة فنال من علي ، فخرجسعيد بن زيد فقال : ألا تعجب من هذا يسب عليا ، أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا كنا على حراء أو أحد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اثبت حراء أو أحد فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد " . فسمى النبي وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا ، وطلحة ،والزبير ، وسعدا ، وعبد الرحمن ، وسمى سعيد نفسه ، رضوان الله عليهم . وله طرق .

ومنها : عاصم بن علي : حدثنا محمد بن طلحة ، عن أبيه ، عن هلال بن يساف ، عن سعيد نفسه ، وقال : اسكن حراء .

أخبرنا ابن أبي الخير ، أنبأنا عبد الغني الحافظ ، في كتابه إلينا ، أنبأنا المبارك بن المبارك السمسار ، أنبأنا النعالي ، أنبأنا أبو القاسم بن المنذر ، أنبأنا إسماعيل الصفار ، حدثنا الدقيقي ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن أبي بكر بن حزم قال : جاءت أروى بنت أويس إلى محمد بن عمرو بن حزم فقالت : إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بنى ضفيرة في حقي ، فأته ، فكلمه ، فوالله لإن لم يفعل ، لأصيحن به في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها : لا تؤذي صاحب رسول الله ; ما كان ليظلمك ، ما كان ليأخذ لك حقا . فخرجت .

فجاءت عمارة بن عمرو وعبد الله بن سلمة ، فقالت لهما : ائتيا سعيد بن زيد ، فإنه قد ظلمني ، وبنى ضفيرة في حقي ، فوالله لإن لم ينزع ، لأصيحن به في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق ، فقال لهما : ما أتى بكما ؟ قالا : جاء بنا أروى، زعمت أنك بنيت ضفيرة في حقها ، وحلفت بالله لإن لم تنزع لتصيحن بك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأحببنا أن نأتيك ، ونذكرك بذلك . فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من أخذ شبرا من الأرض بغير حق ، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " لتأتين ، فلتأخذ ما كان لها من حق ، اللهم إن كانت كذبت علي ، فلا تمتها حتى تعمي بصرها ، وتجعل منيتها فيها . ارجعوا فأخبروها بذلك ، فجاءت ، فهدمت الضفيرة ، وبنت بيتا ، فلم تمكث إلا قليلا حتى  عميت ، وكانت تقوم من الليل ، ومعها جارية تقودها ، فقامت ليلة ، ولم توقظ الجارية ، فسقطت في البئر ، فماتت .

هذا يؤخر إلى ترجمة سعيد بن زيد .

أحمد في " مسنده " حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن سعد قال : رأيت رجلين عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويساره يوم أحد ، عليهما ثياب بيض ، يقاتلان عنه كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد .

الثوري : عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود قال : اشتركت أنا ، وسعد ، وعمار ، يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة ، فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء .

شريك : عن أبي إسحاق قال : أشد الصحابة أربعة : عمر ، وعلي ، والزبير ، وسعد .

أبو يعلى في " مسنده " حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الله بن قيس الرقاشي ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة " . فطلع سعد بن أبي وقاص .

رشدين بن سعد عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة " . فدخل سعد بن أبي وقاص . [ ص: 109 ] ابن وهب : أخبرني حيوة ، أخبرنا عقيل ، عن ابن شهاب ، حدثني من لا أتهم ، عن أنس قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " . فاطلعسعد .

الثوري ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن سعد ولا تطرد الذين يدعون ربهم قال : نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم .

مسلمة بن علقمة : حدثنا داود بن أبي هند ، عن أبي عثمان أن سعدا قال : نزلت هذه الآية في وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما قال : كنت برا بأمي ، فلما أسلمت ، قالت : يا سعد ، ما هذا الدين الذي قد أحدثت ؟ لتدعن دينك هذا ، أو لا آكل ، ولا أشرب ، حتى أموت ، فتعير بي ، فيقال : يا قاتل أمه ، قلت : لا تفعلي يا أمه ، إني لا أدع ديني هذا لشيء ، فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة ، وأصبحتوقد جهدت ، فلما رأيت ذلك ، قلت : يا أمه ، تعلمين والله لو كان لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني . إن شئت فكلي أو لا تأكلي . فلما رأت ذلك أكلت .

رواه أبو يعلى في " مسنده . "

مجالد : عن الشعبي ، عن جابر قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل سعد بن مالك فقال رسول الله : " هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله " .

قلت : لأن أم النبي - صلى الله عليه وسلم - زهرية ، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، ابنة عم أبي وقاص .

يحيى القطان عن الجعد بن أوس ، حدثتني عائشة بنت سعد قالت : قال سعد : اشتكيت بمكة ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، فمسح وجهي وصدري وبطني ، وقال : " اللهم اشف سعدا " فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده - صلى الله عليه وسلم - على كبدي حتى الساعة .

أخرجه البخاري والنسائي .

أحمد في " مسنده " : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معان بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا ، ورققنا . فبكى سعد بن أبي وقاص ، فأكثر البكاء . فقال : يا ليتني مت . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا سعد ، أتتمنى الموت عندي ؟ " فردد ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : " يا سعد ، إن كنت خلقت للجنة ، فما طال عمرك أو حسن من عملك ، فهو خير لك " .

محمد بن الوليد البسري ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل ، عن قيس أخبرني سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اللهم استجب لسعد إذا دعاك " .

رواه جعفر بن عون ، عن إسماعيل ، عن قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله .

[عبد الرحمن بن مغراء : عن سعيد بن المرزبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومأحد : " اللهم استجب لسعد " ثلاث مرات .

ابن وهب : حدثني أبو صخر ، عن يزيد بن قسيط ، عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ، حدثني أبي : أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد : ألا تأتي ندعو الله تعالى ، فخلوا في ناحية ، فدعا سعد ، فقال : يا رب ، إذا لقينا العدو غدا ، فلقني رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده ، أقاتله ، ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه ، حتى أقتله وآخذ سلبه . فأمن عبد الله ، ثم قال : اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده ، فأقاتله ، ويقاتلني ، ثم يأخذني ، فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدا قلت لي : يا عبد الله ، فيم جدع أنفك وأذناك ؟ فأقول : فيك وفي رسولك ، فتقول : صدقت .

قال سعد : كانت دعوته خيرا من دعوتي ، فلقد رأيته آخر النهار ، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط .

أبو عوانة وجماعة ، حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ، فقالوا : إنه لا يحسن أن يصلي . فقال سعد : أما أنا ، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ، صلاتي العشي لا أخرم منها ، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين . فقالعمر : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق . فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة ، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة ، إلا قالوا خيرا ، حتى أتوا مسجدا لبني عبس ، فقال رجل يقال له أبو سعدة : أما إذ نشدتمونا بالله ، فإنه كان لا يعدل في القضية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يسير بالسرية ، فقال سعد : اللهم إن كان كاذبا ، فأعم بصره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن . قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك . فإذا سئل كيف أنت ؟ يقول : كبير مفتون ، أصابتني دعوة سعد . متفق عليه



محمد بن جحادة : حدثنا الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد أن سعدا خطبهم بالكوفة فقال : يا أهل الكوفة ، أي أمير كنت لكم ؟ فقام رجل فقال : اللهم ، إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية ، ولا تقسم بالسوية ، ولا تغزو في السرية ، فقال سعد : اللهم إن كان كاذبا ، فأعم بصره ، وعجل فقره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن . ] قال : فما مات حتى عمي ، فكان يلتمس الجدرات ، وافتقر حتى سأل ، وأدرك فتنة المختار فقتل فيها .

عمرو بن مرزوق : حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب قال : خرجت جارية لسعد عليها قميص جديد ، فكشفتها الريح ، فشد عمر عليها بالدرة ، وجاء سعد ليمنعه ، فتناوله بالدرة ، فذهب سعد يدعو على عمر ، فناوله الدرة وقال : اقتص . فعفا عن عمر .

أسد بن موسى : حدثنا يحيى بن زكريا ، حدثنا إسماعيل ، عن قيس قال : كان لابن مسعود على سعد مال : فقال له ابن مسعود : أد المال . قال : ويحك مالي ، ولك ؟ قال : أد المال الذي قبلك . فقال سعد : والله إني لأراك لاق مني شرا ، هل أنت إلا ابن مسعود وعبد بني هذيل . قال : أجل والله ، وإنك لابن حمنة . فقال لهما هاشم بن عتبة : إنكما صاحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليكما الناس . فطرح سعد عودا كان في يده ، ثم رفع يده ، فقال : اللهم رب السماوات . فقال له عبد الله : قل قولا ولا تلعن ، فسكت ، ثم قال سعد : أما والله لولا اتقاء الله ، لدعوت عليك دعوة لا تخطئك رواه ابن المديني ، عن سفيان ، عن إسماعيل وكان قد أقرضه شيئا من بيت المال .

ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد ، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية ونصر الله دينه . ونزل سعد بالمدائن ، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده ، واستأصل الله الأكاسرة .

فروى زياد البكائي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : قال ابن عم لنا يوم القادسية :
ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم     فأبنا وقد آمت نساء كثيرة
ونسوة سعد ليس فيهن أيم

فلما بلغ سعدا قال : اللهم اقطع عني لسانه ويده . فجاءت نشابة أصابت فاه ، فخرس ، ثم قطعت يده في القتال . وكان في جسد سعد قروح ، فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال .

وروى نحوه سيف بن عمر ، عن عبد الملك .

هشيم : عن أبي مسلم ، عن مصعب بن سعد ، أن رجلا نال من علي ،  فنهاه سعد ، فلم ينته ، فدعا عليه . فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات .

ولهذه الواقعة طرق جمة رواها ابن أبي الدنيا في " مجابي الدعوة " وروى نحوها الزبير بن بكار ، عن إبراهيم بن حمزة ، عن أبي أسامة ، عنابن عون ، عن محمد بن محمد الزهري ، عن عامر بن سعد . وحدث بها أبو كريب عن أبي أسامة . ورواها ابن حميد ، عن ابن المبارك ، عنابن عون ، عن محمد بن محمد بن الأسود .

وقرأتها على عمر بن القواس ، عن الكندي ، أنبأنا أبو بكر القاضي ، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي ، حضورا ، أنبأنا ابن ماسي أنبأنا أبو مسلم ، حدثناالأنصاري ، حدثنا ابن عون ، وحدث بها ابن علية ، عن محمد بن محمد .

ورواها ابن جدعان : عن ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير ، فجعل سعد ينهاه ويقول : لا تقع في إخواني ، فأبى ، فقام سعد ، وصلى ركعتين ودعا ، فجاء بختي يشق الناس ، فأخذه بالبلاط ، فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه ، فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون : هنيئا لك يا أبا إسحاق ، استجيبت دعوتك .

قلت : في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم .

جرير الضبي : عن مغيرة ، عن أمه قالت : زرنا آل سعد ، فرأينا جارية كأن طولها شبر . قلت : من هذه ؟ قالوا : ما تعرفينها ؟ هذه بنت سعد ، غمست يدها في طهوره ، فقال : قطع الله قرنك ، فما شبت بعد .

وروى عبد الرزاق : عن أبيه ، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، أن امرأة كانت تطلع على سعد ، فينهاها ، فلم تنته ، فاطلعت يوما وهو يتوضأ ، فقال : شاه وجهك ، فعاد وجهها في قفاها .

مينا : متروك .

حاتم بن إسماعيل : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده قال : دعا سعد بن أبي وقاص فقال : يا رب ، بني صغار ، فأخر عني الموت حتى يبلغوا ، فأخر عنه الموت عشرين سنة .

قال خليفة بن خياط : وفي سنة خمس عشرة وقعة القادسية ، وعلى المسلمين سعد ، وفي سنة إحدى وعشرين شكا أهل الكوفة سعدا أميرهم إلىعمر ، فعزله . [ ص: 118 ]

وقال الليث بن سعد : كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة ، افتتحها سعد بن أبي وقاص .

قلت : قتل المجوس يوم جلولاء قتلا ذريعا ، فيقال : بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم .

وعن أبي وائل قال : سميت جلولاء فتح الفتوح .

قال الزهري : لما استخلف عثمان ، عزل عن الكوفة المغيرة ، وأمر عليها سعدا .

وروى حصين ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر أنه لما أصيب ، جعل الأمر شورى في الستة وقال : من استخلفوه فهو الخليفة بعدي ، وإن أصابت سعدا ، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي ، فإنني لم أنزعه ، يعني عن الكوفة ، من ضعف ولا خيانة .

ابن علية : حدثنا أيوب ، عن محمد قال : نبئت أن سعدا قال : ما أزعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة ، جاهدت وأنا أعرف بالجهاد ، ولا أبخع نفسي إن كان رجلا خيرا مني ، لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان ، فيقول : هذا مؤمن وهذا كافر .

وتابعه معمر ، عن أيوب .

أخبرنا أبو الغنائم القيسي ، وجماعة ، كتابة ، قالوا : أنبأنا حنبل ، أنبأنا هبة الله ، أنبأنا ابن المذهب ، أنبأنا القطيعي ، حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك بن عمرو ، حدثنا كثير بن زيد ، عن المطلب ، عن عمر بن سعد ، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال : أي بني ، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله ، حتى أعطى سيفا ، إن ضربت به مسلما ، نبا عنه ، وإن ضربت كافرا قتله ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يحب الغني الخفي التقي " .

الزبير : حدثنا محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه قال : قام علي على منبر الكوفة ، فقال حين اختلف الحكمان : لقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة ، فعصيتموني . فقام إليه فتى آدم ، فقال : إنك والله ما نهيتنا ، بل أمرتنا وذمرتنا فلما كان منها ما تكره ، برأت نفسك ، ونحلتنا ذنبك . فقال علي - رضي الله عنه - : ما أنت وهذا الكلام قبحك الله ! والله لقد كانت الجماعة ، فكنت فيها خاملا ، فلما ظهرت الفتنة ، نجمت فيها نجوم[ ص: 120 ] قرن الماعز . ثم التفت إلى الناس فقال : لله منزل نزله سعد بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، والله لإن كان ذنبا ، إنه لصغير مغفور ، ولإن كان حسنا ، إنه لعظيم مشكور .

أبو نعيم : حدثنا أبو أحمد الحاكم ، حدثنا ابن خزيمة ، حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا محمد بن جحادة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي حازم ، عن حسين بن خارجة الأشجعي قال : لما قتل عثمان ، أشكلت علي الفتنة ، فقلت : اللهم أرني من الحق أمرا أتمسك به ، فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط ، فهبطت الحائط ، فإذا بنفر ، فقالوا : نحن الملائكة ، قلت : فأين الشهداء ؟ قالوا : اصعد الدرجات ، فصعدت درجة ثم أخرى ، فإذا محمد وإبراهيم - صلى الله عليهما - وإذا محمد يقول لإبراهيم : استغفر لأمتي ، قال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم أهراقوا دماءهم ، وقتلوا إمامهم ، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد ؟

قال : قلت : لقد رأيت رؤيا ، فأتيت سعدا ، فقصصتها عليه ، فما أكثر فرحا ، وقال : قد خاب من لم يكن إبراهيم - عليه السلام - خليله ، قلت : مع أي الطائفتين أنت ؟ قال : ما أنا مع واحد منهما ، قلت : فما تأمرني ؟ قال : هل لك من غنم ؟ قلت : لا ، قال : فاشتر غنما ، فكن فيها حتى تنجلي .

أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو محمد بن قدامة ، أنبأنا هبة الله ابن الحسن ، أنبأنا عبد الله بن علي الدقاق ، أخبرناعلي بن محمد ، أنبأنا محمد بن عمرو ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه ، فأتاني رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، يعودني ، فقلت : " يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وليس يرثني إلا ابنة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا ، قلت : فالشطر ، قال : لا ، قلت : فالثلث ، قال : والثلث كثير ، إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ، لعلك تؤخر على جميع أصحابك ، وإنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله ، إلا أجرت فيها ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ، قلت : يا رسول الله إني أرهب أن أموت بأرض هاجرت منها ، قال : لعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " ، يرثي له أنه مات بمكة .

متفق عليه من طرق عن الزهري .

وعن علي بن زيد : عن الحسن قال : لما كان الهيج في الناس ، جعل رجل يسأل عن أفاضل الصحابة ، فكان لا يسأل أحدا إلا دله على سعد بن مالك .

وروى عمر بن الحكم : عن عوانة قال : دخل سعد على معاوية ، فلم يسلم عليه بالإمرة ، فقال معاوية : لو شئت أن تقول غيرها لقلت ، قال : فنحن المؤمنون ولم نؤمرك ، فإنك معجب بما أنت فيه ، والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم .

قلت : اعتزل سعد الفتنة ، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ، ولقد كان أهلا للإمامة ، كبير الشأن ، رضي الله عنه .

روى نعيم بن حماد ، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين أن سعد بن أبي وقاص طاف على تسع جوار في ليلة ، ثم استيقظت العاشرة لما أيقظها ، فنام هو ، فاستحيت أن توقظه .

حماد بن سلمة : عن سماك ، عن مصعب بن سعد أنه قال : كان رأس أبي في حجري ، وهو يقضي ، فبكيت ، فرفع رأسه إلي ، فقال : أي بني ما يبكيك ؟ قلت : لمكانك وما أرى بك . قال : لا تبك ; فإن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة .

قلت : صدق والله ، فهنيئا له .

الليث ، عن عقيل ، عن الزهري أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر ، دعا بخلق جبة صوف ، فقال : كفنوني فيها ; فإني لقيت المشركين فيها يومبدر ، وإنما خبأتها لهذا اليوم .

ابن سعد : أنبأنا محمد بن عمر ، حدثنا فروة بن زبيد عن عائشة بنت سعد قالت : أرسل أبي إلى مروان بزكاته خمسة آلاف ، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفا .

قال الزبير بن بكار : كان سعد قد اعتزل في آخر عمره ، في قصر بناه بطرف حمراء الأسد .

وعن أم سلمة أنها قالت : لما مات سعد ، وجيء بسريره ، فأدخل عليها ، جعلت تبكي وتقول : بقية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

النعمان بن راشد : عن الزهري ، عن عامر بن سعد قال : كان سعد آخر المهاجرين وفاة .

قال المدائني ، وأبو عبيدة ، وجماعة : توفي سنة خمس وخمسين [

وروى نوح بن يزيد عن إبراهيم بن سعد أن سعدا مات وهو ابن اثنتين وثمانين سنة ، في سنة ست وخمسين ، وقيل : سنة سبع .

وقال أبو نعيم الملائي : سنة ثمان وخمسين وتبعه قعنب بن المحرز . والأول هو الصحيح .

وقع له في " مسند بقي بن مخلد " مائتان وسبعون حديثا . فمن ذاك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثا

نوح عليه الصلاة والسلام (2-2)

:::نوح عليه الصلاة والسلام (2-2) :::
:::الكـاتب : يوسف بن إبراهيم الزين:::
(يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

عبادة الله وتوحيده أول الواجبات وهو ما دعا إليه جميع المرسلين عليهم والصلاة والسلام (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]

وكانت بداية ظهور الشرك في قوم نوح - صلى الله عليه وسلم - كما سبق فدعا قومه إلى عبادة الله وحده كما قال - تعالى -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [هود: 25] وتوحيد الله - تعالى -والعبودية له لابد فيها من أمرين:

الأول: نفي جميع ما يعبد من دون الله - تعالى -، والثاني: إثبات العبودية لله وحده، وهما ركنا كلمة التوحيد، فأما الأول: وهو نفي جميع ما يعبد من دون الله فقد عانى منه الرسل عليهم الصلاة والسلام أعظم المعاناة، ذلك أن النفوس إذا ألفت العبودية والخضوع لغير الله سواء كان صنماً أو ملكاً أو مالاً أو جاهاً أو نظاماً أو شهوةً، صعُب عليها تركه وأنفت من عبودية أحد سواه وكان هذا أحد أسباب دعوة المرسلين من نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال المشركون منكرين على نبينا - صلى الله عليه وسلم -: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [صـ: 5]

وأما الثاني: فهو إثبات الألوهية لله وحده - تعالى - وتقدس، وأنه لا معبود بحق سواه - سبحانه - وبحمده، وهذه الألوهية لا تقتصر على جانب التعبد المحض من صلاة ودعاء ونحو ذلك من العبادات، بل لا بد أن يصبغ العبد حياته كلها بالعبودية والتأله لله - عز وجل - في عباداته ومعاملاته وكذا الأنظمة والحكومات لا بد أن تكون كذلك قال - تعالى -: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [البقرة: 138]، وهذا الذي دعا إليه جميع المرسلين عليهم الصلاة والسلام كما سبق، ومن ذلك: أن شعيباً - عليه السلام - دعا قومه إلى عبادة الله وحده والوفاء بالكيل والوزن، ودعا لوط - عليه السلام - قومه إلى عبادة الله وحده وعدم إتيان الذكور، فلا يجوز أن تكون هذه القضايا بمعزل عن الدين والعبودية لله رب العالمين، بل لا بد أن تخضع لهذا الدين، لا كما يقول العلمانيون، ومن تأثر بهم والذين يفصلون الدين عن الدولة والحياة ويرون أنه لا علاقة بين السياسة والدين، أو بين الأخلاق والدين، أو بين الاقتصاد والدين قال - تعالى -: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [البقرة: 138]، وتفتقر تلك الألوهية إلى أمرين مهمين لا بد من وجودهما وهما: المحبة، والذل والخضوع، فإذا جمع العبد بينهما في عبادته صار عابداً لله على الحقيقة. قال ابن القيم - رحمه الله -: " العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل، والتعبد التذلل والخضوع فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له، لم تكن عابداً، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابداً له، حتى تكون محباً خاضعاً..أ.هـ" [1].

فانظر يا رعاك الله في عبادتك هل احتوت على ذلك فإن العبد إذا كان محباً خاضعاً ذليلاً لمولاه وخالقه ورازقه وجد من لذة العبادة والشوق إليها والحب لها ما لم يجده غيره كما قال - صلى الله عليه وسلم - (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما... الحديث) [2]

2- يؤخذ من هذه الآية فقه الأولويات والعناية بالقضايا الكبار، وألا ينشغل الدعاة إلى الله عن هذه القضايا بما هو دونها، بل أن تكون هذه القضايا هي المحرك الأساس للدعوة، وأن يستفاد من كل وسيلة لدعوة الناس لهذه القضية (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ).

والحديث حول العبودية وما يتعلق بها حديث ذو شجون وما كتب قليل جداً لكن حسبي أن أذكِّر بما هو مهم ومحتاج إليه حسبما تسمح به طبيعة الزاوية، أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والقبول وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

::أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه :::
:::الكـاتب : يحيى بن موسى الزهراني :::

1- عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضَبة بن الحارث بن فِهْر -ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه في فهر- بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي.

2- شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ)) [رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني واللفظ لأحمد].

3- مكانته...أمين الأمة:

قدم أهل نجران على النبي- صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه أن يرسل إليهم واحداً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لأبعثن -يعني عليكم- أميناً حق أمين))، فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الإمارة أو يطمعون فيها، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أميناً حق أمين))، وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الإمارة لهذا آنذاك، بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - حرصاً منه - رضي الله عنه - أن يكون أميناً حق أمين، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجاوز جميع الصحابة وقال: ((قم يا أبا عبيدة)).

كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه: ((لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله)).

4- لقبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين هذه الأمة:

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) [متفق عليه].

قَالَ الْحَافِظُ - رحمه الله -: "صِفَةُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ وَالْقَضَاءَ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ" [تحفة الأحوذي].

5- الأمانة أساس الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قَالَ: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7179].

6- من أعظم الأمانة، أمانة الدين، فالدين أمانة في عنقك تسأل عنه يوم القيامة، هل أنت أمين في دينك، في تعاملك، في أخلاقك، في أسرتك، في كل حياتك، حياتك كلها أمانة، ولا يعتقد أحد أن الأمانة محصورة في الودائع فقط، فهذا مفهوم قاصر، بل الأمانة تشمل جميع مناحي حياتك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ))؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) [رواه البخاري].

عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)) [رواه مسلم].

عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة)) [رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2570].

عَنِ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)) [رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة1/196].

هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله - عز وجل - وصفاته.

7- كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالاً، أحنى منعطف نحو الصدر أثرم الثنيتين، ووصف بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.

أتدرون لماذا كان أثرماً، دعونا نستمع لهذه القصة التي رواها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -:

يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: " لما كان يوم أحد، ورمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني، فقال: (أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم) وكانت هذه الثرمة جعلت من ثغره أحسن ثغر.

8- قصة الحوت:

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً - قَالَ - فَقُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِي دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ: لاَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ فِى وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا))؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ فَأَكَلَهُ " [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

9- كان من السابقين إلى الإسلام، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وكان ممن جمع القرآن.

10- كان من أحب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: فَسَكَتَتْ" [رواه الترمذي وغيره وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني].

11- أما غزواته، فقد شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع المعارك، بدءاً بغزوة بدر، حيث قيل أنه قتل أباه، فنزل فيه قول الله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة22].

12- فتح الله على يديه الفتوح، وكان بطلاً مغواراً - رضي الله عنه - وأرضاه.

13- عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَرْغَ حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيداً، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللَّهُ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ قُلْتُ: " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِيناً، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا بَالُ عُلْيَا قُرَيْشٍ يَعْنُونَ بَنِي فِهْرٍ؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي - عز وجل -: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ؟ قُلْت: " سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَي الْعُلَمَاءِ نَبْذَةً))، وفي رواية: ((رتوة)) يعني يسبقهم بمد البصر" [رواه أحمد].

14- معركة اليرموك:

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد، وصل الخطاب إلى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالداً بالأمر، فسأله خالد: (يرحمك الله أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟)، فأجاب أبو عبيدة: (إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة)، وأصبح أبو عبيدة أمير الأمراء بالشام.

15- تواضعه:

ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء، فجمعهم وخطب فيهم قائلاً: (يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه!!).

وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه، فقالوا له: (من؟) قال: " أبو عبيدة بن الجراح "، وأتى أبو عبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره، فلم يجد فيها من الأثاث شيئاً، إلا سيفه وترسه ورحله، فسأله عمر وهو يبتسم: (ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟)، فأجاب أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل).

16- طاعون عمواس:

حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس"، وكان أبو عبيدة أمير الجند هناك، فخشي عليه عمر من الطاعون، فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلا: (إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجهاً إلي، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجهاً إلي، فإن لي حاجة إليك، وفَهِمَ أبو عبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه – متأدباً معتذراً عن عدم الحضور إليه وقال: (لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك، وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب إلى عمر بكى، فسأله من حوله: (هل مات أبو عبيدة؟) فقال: (كأن قد)، والمعنى: أنه إذا لم يكن قد مات بعد، وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة، إذ لا خلاص من الطاعون.

وكان أبو عبيـدة - رضي الله عنه - في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا، ومات أبو عبيـدة - رضي الله عنه - سنة 18 ثماني عشرة للهجرة، في طاعون عمواس، وقيل أن قبره في غور الأردن.

زياد علي

زياد علي محمد