الخميس، 5 سبتمبر 2019

أسدُ الله وسيِّد الشُّهداء حمزة بن عبدالمطلب رضيَ الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله {يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ

وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

في زمن الإخفاقات المتكرِّرة، والهزائم المتتابعة، والإحباط المتوالي، واليأس الذي يلفُ قلوب كثير من أهل الإسلام، وكل ذلك سببه الوهن الذي أصاب المسلمين؛ حتى جعلهم يقدِّمون مصالحهم على مصالح أمَّتهم،

ويهتمُّون بذواتهم أكثر من اهتمامهم بالدين.

نعم! الوهنُ سبب ذلك: حبُ الدنيا وكراهية الموت، وضعفُ اليقين بالآخِرة، وعدم التفريق بين النَّصر والهزيمة، وعدم المبالاة بالغزو والمسخ والتَّزوير الذي يُمارس على تعاليم الإسلام وشرائعه.

في هذه الأجواء المعتمة، والأحوال المتردِّية؛ نحتاج إلى مطالعة تاريخ الصَّدر الأوَّل، والنَّظر في سِيَر الصحابة المجاهدين، والشهداء والمهاجرين، الذين بذلوا النفس والنفيس لإعلاء كلمة الدين، ونشر الإسلام في أرجاء

المعمورة.

وهذه سِيرَة بطلٍ من أبطال الإسلام، وأسدٍ من أُسْدِ الله تعالى، كان قويًّا في إسلامه، بطلاً في جهاده، عظيمًا في استشهاده، لقَّبه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أسدُ الله، وسمَّاه: سيِّد الشُّهداء، رضع هو والنبيُّ - صلَّى الله

عليه وسلَّم - من ثديٍ واحدٍ؛ فكان أخاه من الرضاعة[1].

إنه ابن عبدالمطلب، حمزةُ، عمُّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

كان من خبر إسلامه: "أنَّ أبا جهل مرَّ برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فآذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدِينه، والتَّضعيف له؛ فلم يكلِّمه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومولاةٌ لعبدالله بن جُدْعان في مسكنٍ

لها فوق الصَّفا تسمع ذلك.

ثم انصرف عنه؛ فعَمِد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزةُ أن أقبل متوشِّحًا قوسَه، راجعًا من قَنَصٍ له - وكان صاحب قَنَصٍ - وكان إذا رجع من قَنَصه بدأ بالطَّواف بالكعبة، وكان أعزَّ فتًى في قريش،

وأشدَّه شكيمةً، فلما مرَّ بالموالاة قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيتَ ما لقيَ ابنُ أخيك آنفًا من أبي الحكم، وجده هاهنا جالسًا، فآذاه وسبَّه وبَلَغ منه، ولم يكلِّمه محمدٌ.

فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامته؛ فخرج يسعى مُغذًّا لأبي جهل، فلما رآه جالسًا في القوم أقبل نحوه؛ حتى إذا قام على رأسه رفع القوسَ فضربه بها، فشجَّه شجَّةً منكرةً، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دِينه،

أقول ما يقول؛ فرُدَّ عليَّ ذلك إن استطعتَ.

فقامت رجالٌ من بني مخزومَ إلى حمزة لينصروا أبا جهلٍ؛ فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فوالله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًّا قبيحًا.

وتمَّ حمزةُ على إسلامه، فلمَّا أسلم؛ عرفت قريش أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة - رضيَ الله عنه - سيمنعه؛ فكفُّوا بعض الشيء"؛ أخرجه البَيْهِقِيُّ والحاكم[2].

ولمَّا كانت الهجرة؛ هاجر إلى المدينة، وشهد بَدْرًا، وأبلى فيها بلاءً عظيمًا مشهورًا، بارز أبطال قريش فصرعهم، وأتى على صفوفهم فهدَّها، حتى قال أحد أسرى المشركين: "من الرَّجل المُعلَّم بريشة نعامة؟". قالوا:

"حمزة - رضيَ الله عنه". قال: "ذاك فعل بنا الأفاعيل"[3].

ثمَّ في شوَّال من السنة الثَّالثة حضر أُحدًا وقاتل قتالاً عظيمًا؛ قال سعد بن أبي وقَّاصٍ - رضيَ الله عنه -: "كان حمزة يقاتل يوم أُحدٍ بين يَدَي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – بسيفَيْن، ويقول: أنا أسدُ الله"[4]. كان يُسيِّر

فرسه بركبتيه، وفي يمينه سيفٌ، وفي يساره سيفٌ يقاتل بهما".

الله أكبر، ما هذه الجرأة! وكيف كانت تلك المهارة؟!

كانت شَهادَته - رضيَ الله عنه - في أُحُدٍ، يروي قصَّتها قاتِلُه؛ فقد أخرج البخاريُّ في "صحيحه" من حديث جعفر بن عمرو، أن وحشيًّا قال: "إن حمزة قتل طُعَيْمَة بن عَدِيٍّ بن الخِيار ببدرٍ؛ فقال لي مولاي جُبَيْر بن مُطْعِم: إن

قتلتَ حمزة بعمِّي؛ فأنت حرٌّ. قال: فلما أن خرج الناس عام عَيْنَين - وعَيْنَين جبلٌ بحيال أحدٍ، بينه وبينه وادٍ - خرجتُ مع النَّاس إلى القتال، فلما اصطفُّوا للقتال، خرج سِباعٌ فقال: هل من مبارزٍ؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد

المطلب؛ فقال: يا سِباعُ، يا ابنَ أمِّ أنمارٍ مقطِّعة البظور، أتحادُّ الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟! قال: ثم شدَّ عليه، فكان كأمس الذَّاهب! قال: وكَمَنْتُ لحمزة تحت صخرةٍ، فلما دنا مني رميتُه بحربتي، فأضعها في ثُنَّته،

حتى خرجت من بين وِرْكَيْه، فكان ذلك العهد به"[5]، وفي روايةٍ: "فجعل حمزة يهدُّ النَّاس بسيفه"[6]، وفي أخرى: "فرأيتُ رجلاً إذا حمل لا يرجع حتى يهزمنا؛ فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: حمزة. قلتُ: هذا حاجتي"[7]، ثم ذكر

بقيَّة الحديث.

قُتل حمزة - رضيَ الله عنه - ومَثَّلَ به المشركون؛ انتقامًا من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد تأثَّر لذلك كثيرًا، فوقف على حمزة، فرآه قد شُقَّ بطنُه، وقد مُثِّلَ به، فكره أن ينظر إليه، ثم وقف بين ظهراني القتلى فقال:

((أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم؛ فإنه ليس من جريحٍ يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يَدْمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المِسْك، قدِّموا أكثرهم قرآنًا فاجعلوه في اللَّحْد))[8].

وروى أبو هُرَيْرَة - رضيَ الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقف على حمزة حيث استُشْهِدَ، فنظر إلى منظرٍ لم ينظر إلى شيءٍ قطُّ كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه وقد مُثِّل به فقال: ((رحمة الله عليكَ، فإنَّك

كنتَ - ما علمتُ - وَصُولاً للرِّحِم، فعولاً للخيرات، ولولا حزنُ مَنْ بعدكَ عليكَ؛ لسرَّني أن أترككَ حتى يحشركَ الله من أرواحٍ شتَّى، أما والله عليَّ ذلك لأمثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانكَ))؛ فنزل جبريل - عليه السَّلام - بخواتيم النَّحل:

{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]؛ فكفَّر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد، وصبر[9].

وعن ابن عباس - رضيَ الله عنهما - قال: لما قُتل حمزة أقبلت صفيَّة أخته، فلقيتْ عليًّا والزُّبير، فأرياها أنهما لا يدريان، فجاءت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((فإني أخاف على عقلها)). فوضع يده على صدرها،

ودعا لها، فاسترجعتْ وبكتْ. ثم جاء فقام عليه وقد مُثِّلَ به؛ فقال: ((لولا جَزَعُ النِّساء لتركته حتى يُحْشَر من حواصل الطَّير وبطون السِّباع)).

وفي رواية الزُّبير: أن صفيَّة - رضيَ الله عنها - جاءت بثَوْبين لتكفين حمزة، وكان إلى جنب حمزة قتيلٌ منَ الأنصار؛ فكرهوا أن يتخيَّروا لحمزة؛ فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسهموا بينهما، فأيهما طار له أجودُ

الثَّوْبَيْن؛ فهو له)). فأسهموا بينهما؛ فكفِّن حمزة في ثوبٍ، والأنصاريُّ في ثوبٍ[10]؛ ولكنَّ ثوب حمزة كان قصيرًا، فجعلوا يجرُّونه على وجهه فتنكشفُ قدماه، ويجرُّونه على قدميه فينكشفُ وجهه، فقال رسول الله - صلَّى

الله عليه وسلَّم -: ((اجعلوه على وجهه، واجعلوا على قدميه من هذا الشَّجر)).

ورفع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ((ما يبكيكم؟)). قيل: يا رسول الله، لا نجد لعمِّك اليوم ثوبًا واحدًا يَسُعُه! فقال: ((إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف؛ فيصيبون فيها

مطعمًا وملبسًا ومركبًا))[11]؛ أي: من كثرة الخيرات وانفتاح الدنيا.

كان حمزةُ - رضيَ الله عنه - من شهداء أُحد؛ بل هو سيِّد الشُّهداء كما قال النبيُّ - عليه الصَّلاة والسلام -: ((سيِّد الشهداء حمزة، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ، فأمره ونهاه؛ فقتله))؛ أخرجه الحاكم وصحَّحه[12].

وشهد عليه الصَّلاة والسَّلام لشهداء أُحُدٍ بالجنَّة؛ فقال: ((لمَّا أصيب إخوانكم بأُحُدٍ؛ جعل الله أرواحهم في أجواف طير خُضْرٍ، تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ، معلقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا

طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلِهم قالوا: مَنْ يُبْلِغُ إخواننا عنَّا؛ أننا أحياءٌ في الجنة نرزق؛ لئلاَّ ينكلوا عند الحرب، ولا يزهدوا في الجهاد. قال الله: أنا أبلغهم عنكم؛ فأُنزلت: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} [آل

عمران: 169]))؛ أخرجه أبو داود[13].

وحَرَّم الله أجسادهم على الأرض أن تُبلِيها؛ فبعد أربعين عامًا من وقعة أُحد، أراد معاوية - رضيَ الله عنه - أن يجري عينه التي بأُحد؛ فكتبوا إليه: إنَّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء؛ فكتب إليهم: انبشوهم. قال

جابر: فرأيتُهم يُحملَون على أعناق الرجال؛ كأنَّهم قومٌ نيامٌ، وأصابت المَسْحَاةُ طرف رجل حمزة بن عبدالمطلب؛ فانبعث دمًا[14].

كان عُمْر حمزة لمَّا استُشهد سبعًا وخمسين سنة[15]، فرضيَ الله عنه وأرضاه، ورضيَ عنِ الصحابة أجمعين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد