السبت، 7 سبتمبر 2019

سلسة الرحيـق المختــوم مــن تراجـم أئمـة العلـوم 〖➇〗علماء التواريخ :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا

ومـن سيئـات أعمـالنـا مـن يهـده الله فـلا مضل له ومن يضلل فلا هـادي لـه

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسولـه .. وبعـد
أخواني ، أخواتي أعضاء و رواد
سير الأنبياء وأعلام الأمة

يسرني ان اقدم لكم هذه النسخة المنفتحة من كتاب: أبجد العلوم

من المجلد الثالث:

الرحيق المختوم من تراجم أئمة العلوم:

وطبعا له ابواب كثيرة ,واليوم مع الجزء الثامن ..

علماء التواريخ

وسأوفيكم بالاسماء وفي الجدول التالي

سلسلة { فقيهات عالمات } الحلقة 1 ~ مقدمة ~

مقدمة

زينة مشتركة بين الرجل والمرأة..       

إذا تزين بها الرجل زادته نورًا وعلوًا وإشرافًا..

وإذا تزينت بها المرأة زادتها جمالاً وإشراقًا وإكرامًا..

زينة استأثرت بجميع الألوان الزاهية المحببة إلى العين، واحتفظت بجميع الروائح الزكية المحببة إلى النفس.. وأبت إلا أن يكون لها العلياء بين أقرانها من أنواع الزينات البهية..

هذه الزينة لو مرت في طريق لنظر إليها الناس معجبين مكبرين..

ولو جلست في مكان لجلس الناس ينظرون إليها، وينتظرون همسها وحركتها..

وكلما كانت هذه الزينة مملوءة بالنضارة والحيوية، كان إقبال الناس عليها أكثر، وإعجابهم بها أكبر..!!

زينة مشتركة بين الرجل والمرأة!

لكنها عند المرأة أزين وأبهى وأجمل.. لأنها أندر!!

هذه الزينة هي زينة العلم!

العلم الذي يرفع من شأن المهمل الخامل..

ويزيد من رفعة الحسيب النابه..

العلم الذي يقول الله تعالى في أصحابه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾([1]).

العلم الذي يقول فيه رسول الله r: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»... و «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير».

قال ذلك عندما ذُكر له عليه الصلاة والسلام رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم([2]).

والأحاديث في فضل العلم كثيرة...

ولعل أوضح ما يُمَيِّزُ مَنْ فَقِهَ أحكام الدين، هو قوله r: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»([3]).

يقول الإمام النووي في عبارة موجزة دقيقة عن هذا الحديث: فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين، والحث عليه، وسببه أنه قائد إلى تقوى الله تعالى ([4]).

ولعلنا نقف وقفة تأمل أمام الجملة الأخيرة من كلام الإمام النووي، إذ العلم ليس غاية في ذاته، بل هو أمانة، ووسيلة نصل بها إلى غاية نبيلة، هي إرضاء الله تعالى، ونشر دينه العظيم، وتطبيقه في واقع المجتمع.

إنه العلم الذي يؤدي إلى فائدة عملية... يعود نفعها على الشخص نفسه، أو عليه وعلى مجتمعه..

إنه العلم الذي يؤدي إلى تقوى الله تعالى وإلى خشيته.. «فمن لم يخش الله تعالى فليس بعالم» كما يقول الربيع بن أنس.. وهو مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾([5]).

فالخشية من لوازم العلم الحق.. لا تنفك عنه ألبتة.

وقد حكى الإمام ابن الجوزي في «صيد الخاطر» حال بعض من لم يعرف الغاية من العلم الشرعي، وأنهم يقفون عند صورة العلم دون فهم حقيقته، كالقارئ الذي ينشغل بالروايات ويعكف على الشواذ من القراءات، ولا يتلمح عظمة المتكلم ولا زجر القرآن ووعيده.

والمحدث الذي يجمع الطرق ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول.

والفقيه الذي يحفظ فروع المسائل ويحاج خصمه ويفتي، ولكنه لا يلتزم بالأحكام الشرعية... فإذا أضيف إليه المنصب وإيثار الغلبة في الجدل... زادت قسوة قلبه ([6]).

لقد أردت من الإشارة إلى هذا أن يحسن المرء نيته وهو يتعلم أو يعلم، وأن يبتغي الإخلاص في القول والعمل، والإصابة فيهما، ورجاء قبولهما..

*     *     *

وقد جمعت لك في هذا الكتاب – يا أخت الإسلام – ترجمات نساء زينهن الله بالعلم، وجملهن بالفقه في دينه العظيم... فكن أقمارًا زَيَّنَ صفحة الزمان... ونجومًا تلألأن في كبد السماء، ومنارات مشعة يهتدى بهن، وحصونًا منيعة من العلم يلجأ إليهن.

وإذا خلت صفحات هذا الكتاب من ترجمة الصحابيات الجليلات رضي الله عنهن، لأن هناك من أفرد كتبًا عنهن، فلن نعدم بينهن من ملأ الله قلوبهن نورًا وعقولهن حكمة وعلمًا، وذاع صيت بعضهن في أقطار العالم الإسلامي كلها..

مثل خديجة القيروانية، ابنة الإمام سحنون حامل لواء مذهب مالك بالمغرب.. كان أبوها يحبها حبًا شديدًا، لدينها وعلمها وعقلها، وكان يستشيرها في مهمات أموره.. ولما عرض عليه القضاء لم يقبله إلا بعد أخذ رأيها!!

إمام كهذا.. طبقت شهرته الآفاق.. لا يهنأ بالإقدام على أمر إلا بعد استشارة ابنته..!!

أية ابنة هي هذه؟!

وأي عقل، وأي حلم، وأية حكمة هذا الذي تتصف به؟!

وكان أخوها محمد مثل أبيه يستشيرها في أعماله.. وهو الذي لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه، ورثي بثلاثمائة مرثية بعد موته!

وأخرى مثل ست الوزراء التنوخية.. كان يرحل إليها من الآفاق في القرن السابع الهجري وأوائل الثامن منه.. للأخذ منها.. وقد كانت آخر من حدث بالمسند، بالسماع عاليًا!

وعمرة النجارية.. تلميذة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأعلم الناس بحديثها،ـ وأثبت حديثها هو ما روته عمرة عنها..

كان الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يسألها.. ويطلب جمع الحديث قبل دروس العلم وذهاب أهله، ويعين من بين أهله عمرة هذه!

أما فاطمة، ابنة المهدي لدين الله.. فقد كان زوجها الفقيه العالم يرجع إليها إذا أشكلت عليه مسألة.. وإذا ضايقه تلاميذه في بحث دخل عليها، فتعطيه الجواب الصحيح.. فيخرج بذلك إليهن، فيقولون له: ليس هذا منك، بل هو من خلف الحجاب!!

وأما فاطمة البغدادية، فقد وصفها فقهاء الحنابلة بأوصاف عجيبة، وجمعوا لها أرفع وأروع كلمات الثناء والإعجاب، حتى اضطررت إلى حذف بعض هذه الأوصاف لتكون أقرب إلى المعقول مما قيل فيها..!

ويبدو أنها لم تكن مثل باقي الفقيهات العالمات.. بل تميزت عنهن بأنها كانت تتقن الفقه إتقانًا بالغًا، وتغوص في أعماق المسائل الدقيقة. وما كانت تهنأ بجواب، أو قل ما كان أحد يقدر على «مجابهتها» سوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان يتعجب منها ومن فهمها، ويبالغ في الثناء عليها.

ومع كل هذا العلم والفقه كانت صوامة، قوامة، قوالة بالحق، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر.. انتفع بها نساء دمشق والقاهرة كثيرًا.. حتى قال فيها الحافظ ابن حجر العسقلاني: قلَّ من أنجب من النساء مثلها!!

فمن منا لا يحب أن تكون له أم، أو أخت، أو بنت مثل هذه العالمة الجليلة؟!

ومن منا لا يفتخر بالعالمات الفقيهات ممن ينشرن دين الله وهن مسلحات بالعلم والمعرفة، ويركزن دين الله في قلوب أولادهن وبناتهن بالتربية الحسنة والقدوة الصالحة؟!

*     *     *

... هذا بالإضافة إلى أنه وردت ترجمات فقيهات ضمن كتابي السابق «قارئات حافظات»، وهن اللواتي جمعن بين علوم القرآن الكريم وفقه الشريعة الإسلامية.. فزدن نورًا على نور!

ولم أورد ترجماتهن هنا.. منعًا للتكرار، وهن:

- خديجة بنت يوسف البغدادية. فقد كانت نجيبة، عالمة، فاضلة. وكانت تعظ النساء.

- ست الوزراء بنت محمد الشماح. وقد حفظت شيئًا كثيرًا من فقه أبي حنيفة.

- ستيتة بنت الحسين المحاملي. وقد كانت عالمة فاضلة، من أحفظ الناس للفقه.. وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة!

- عائشة بنت يوسف الباعونية. الشيخة الأريبة العالمة، لم يؤلف من النساء مثلها على مدى التاريخ الإسلامي!

- فاطمة أحمد الرفاعي. وهي حافظة لكتاب الله، فقيهة. وكان لها مجلس علم تدرس فيه.

- مريم بنت علي الهورينية. حفظت القرآن في صغرها، ومختصر أبي شجاع في الفقه، وغيره.

- هجيمة بنت حيي الأوصابية. السيدة العالمة الفقيهة، أم الدرداء الصغرى. اشتهرت بالعلم والعمل والزهد.

*     *     *

كما أن هناك بحثًا طويلاً نشرته في مجلة «عالم الكتب» عام 1414هـ بعنوان «المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن» - وصدر في كتاب أيضًا – وقد حوت ترجمات هذه المؤلفات بعض الفقيهات العالمات، وهن:

- أمة اللطيف بنت الناصح بن الحنبلي. وكانت فقيهة، عالمة، من أهل دمشق. وكانت في خدمة ربيعة خاتون بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين الأيوبي. وكانت تسمع لنصائحها وإرشاداتها. وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة، فبنتها، ووقفتها على أبيها الناصح والحنابلة.. ولها مؤلفات. وقد انتهى إلى أبيها رئاسة المذهب الحنبلي بعد الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي، صاحب «المغني».

- دهماء بنت يحيى بن المرتضى. وهي أخت الإمام أحمد بن يحيى. عالمة فاضلة. شرحت كتاب أخيها أحمد «الأزهار في فقه الأئمة الأخيار».

- شهدة بنت أحمد الدينورية. وهي مسندة العراق. تلقب بفخر النساء. وكانت من العلماء.. وهي صاحبة الخط الحسن.. وما كان في زمانها من يكتب مثلها.. وقد عرفت بالكاتبة، أو ست الكتبة لجودة خطها.. وقد أوردت ترجمتها بإسهاب في كتابي «المرأة الكردية في التاريخ الإسلامي». ولها مشيخة.

- فاطمة بنت محمد السمرقندي. وهي ابنة الإمام محمد بن أحمد السمرقندي صاحب «تحفة الفقهاء»، زوجة الإمام الكاساني الملقب بــــ «ملك العلماء» صاحب «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع». وهي التي يأتي قول ابن أبي الوفاء القرشي فيها بأن زوجها ربما يهم في الفتيا، فترده إلى الصواب وتعرفه وجه الخطأ، فيرجع إلى قولها.

وكانت تفتي!

وقد زوجها أبوها من الكاساني من أجل أنه شرح كتابه «التحفة»، وسماه «البدائع..»، فجعله مهر ابنته، فقال فقهاء العصر: شرح تحفته وزوجه ابنته!!

*     *     *

وقد ذكرت مؤلفة «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» أن لها مؤلفات عديدة في الفقه والحديث.

هذا وقد ترد ترجمة بعض الفقيهات دون إلقاء أي ضوء عليها، بل لا يزيد القول فيها على سطر! وقد مرت بي ترجمة لامرأتين على ما ذكرت لم أوردهما ضمن ترجماتهن، وهما:

- زليخا بنت إسماعيل بن يوسف الشافعي. فقيهة شافعية، كانت تفتي في مسائل الحيض وغيرها ([7]).

- شمسة الموصلية. قال الصفدي: أخبرني من لفظه أثير الدين أبو حيان قال: كانت المذكورة شيخة عالمة.. ولها شعر ([8]).

*     *     *

وقد ترين إيجازًا في ترجمة سائر الفقيهات ممن وردت أخبارهن في هذا الكتاب، وقلة الحديث عن أحوالهن الاجتماعية وظروفهن الأسرية..

لكن هذا هو واقع الحال.. فلا تقدم المصادر سوى هذه «الأخبار العلمية»، ونتفًا من أحوالهن وأخبار أهلهن..

... ولا أجد في هذه المقدمة إلا أن أبدي دهشتي واستغرابي – مرة أخرى – لإغفال كتب التراجم سير الفقيهات العالمات من النساء المسلمات..

وهذا إفادة عن جولة قصيرة بين أبرز طبقات المذاهب الأربعة!

في كتاب «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» الذي وردت فيه (2115) ترجمة لم يكن بينهن سوى ترجمة (5) نساء، كلهم فقيهات.

وفي كتاب «الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب» لابن فرحون المالكي، لم أجد ترجمة امرأة واحدة. ولا في كتاب «توشيح الديباج وحلية الابتهاج» للقرافي المالكي.

وليس في «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي، البالغة عشرة مجلدات، ترجمة لعالمة أو فقيهة أو محدثة أو قارئة! وليس في «طبقات الشافعية» للإسنوي سوى إشارة إلى أخت المزني صاحب الإمام الشافعي، التي لا يعرف اسمها!

ولا يوجد حديث عن سيرة مسلمات في «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى، سوى ما ذكر في آخر الجزء الأول من «ذكر النساء المذكورات بالسؤال لإمامنا أحمد»، وهن اللواتي كن يسألن الإمام أحمد عن بعض الأمور الفقهية، وبعضهن أخذن منه. كما لا يوجد في «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب تراجم لهن، سوى ما ألحق بآخره لغير مؤلفه..

... وليس معنى هذا أن عدد العالمات قليل! بل هنَّ كثيرات.. وكثيرات جدًا..

وإنه يعرف من إشارة أوردها ابن أبي الوفاء القرشي، أن الفقه والعلم كانا منتشرين في بيوتات المسلمين، بين الرجال والنساء معًا، بل إنه صار أمرًا ملحوظًا ومعروفًا نتيجة انتشاره؛ وربما في مناطق معينة أكثر من غيرها من أقطار العالم الإسلامي، ونخص بالذكر سمرقند، أو بشكل أعم بلاد ما وراء النهر، ويقصد بهذه البلاد في خارطة العالم الحديث ما وراء نهر جيحون، الذي يسمى الآن «أموداريا»، ويؤلف الحدود ما بين الاتحاد السوفيتي (سابقًا) وأفغانستان.

وتلك الإشارة المذكورة هي ما أورده ابن أبي الوفاء القرشي في كتابه «الجواهر المضية» عندما خص بابًا صغيرًا لترجمة النساء، واعتذر من أنه لم يقع له من العلماء النساء من الحنفيات إلا القليل جدًا من ترجماتهن. ورد سببه إلى أن مبنى حال النساء على الستر والتعفف، إلا أن تكون الواحدة منهن في مقر بيتها، مستغنية بعلماء بيتها، كزوج وعم وخال وجد وأب، إلى غير ذلك من الألزام.

قال: وسيأتي في ترجمة فاطمة السمرقندية بنت محمد بن أحمد بن أبي أحمد صاحب «التحفة» وزوج أبي بكر بن مسعود صاحب «الودائع»، أن الفتوى كانت تخرج من بيتها وعليها خطها وخط أبيها وزوجها.

ثم قال: وقد بلغنا عن بلاد ما وراء النهر وغيرها من البلاد، أن في الغالب لا تخرج فتوى من بيت إلا وعليها خط صاحب البيت وابنته وامرأته أو أخته، إلى غير ذلك من الألزام. (الجواهر المضية 4/120).

ولا يستغرب مثل هذا إذا عرفنا أن في هذا العصر الذي ضيق على الفتاة المسلمة من أوجه كثيرة، هناك المئات، بل الآلاف من الفتيات المسلمات يتخرجن من الجامعات، يحملن الشهادات العالية في التخصصات الشرعية، ويلتزمن التربية والتعليم، ويبقين مدة طويلة في هذه المهنة، ولا يعرف على أحوالهن ولا ترجماتهن شيء! وقد تموت إحداهن ويصلى عليها ولا تعرف أنها عالمة فقيهة!

ومن هنا فإنني أناشد الكاتبات المسلمات أن يعتنين بترجمة وسيرة نسائنا العالمات، وأن يهتممن بذكر أحوالهن التربوية بالإضافة إلى سيرتهن العلمية.. ولا حرج من ذلك ما دام خير القرون ورد الحديث بإسهاب عن سيرهن وأحوالهن.. حتى أخص وأعمق العلاقات الأسرية في بعض الأحيان.. وبخاصة أحوال البيت النبوي الكريم.

ولعل في الإقدام على مثل هذا العمل في عصرنا الحاضر ما يعطي جانبًا مضيئًا، مقابل الهجوم المكثف للفنانات – وما يلحق بهن من المتحررات من الدين والأخلاق والعفاف – على وسائل الإعلام المختلفة، والترفيهية بشكل خاص، وتعمد إجراء المقابلات الكثيرة معهن، لإضفاء الثقافة الفنية على مجريات الحياة، التي هي أبعد ما تكون عن الحياة الإسلامية النظيفة... بينما نساؤنا العفيفات الطاهرات لا يعرف عنهن شيء، وهن القدوة الحقيقية للمجتمع الإسلامي المثالي بين غيرهن..

وإذا عرفنا أن العلماء ورثة الأنبياء..

فإن سيرة علمائنا العاملين، إنما هي امتداد لسيرة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم..

والقدوة الحسنة منهج عملي من مناهج الدعوة الإسلامية..

ومطلب عملي من مطالب التربية الصحيحة..

ولعل في هذا ذكرى للذاكرين..

وبالله التوفيق.

رجال حول الرسول = عمران بن حصين - شبيه الملائكة

عمران بن حصين - شبيه الملائكة

عام خيبر، أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..
ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير، فآلى على نفسه ألا يستخدمها الا في كل عمل طيّب، وكريم..
هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.

**

وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني وحب الله وطاعته ...
وان معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي، ويبكي، ويقول:
" يا ليتني كنت رمادا، تذروه الرياح"..!!
ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد اسلامهم ذنوب..
انما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر ادراكهم لعظمته وجلاله، وبقدر ادراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، فمهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا، ويعبدوا..
ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
" يا رسول الله، مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى اذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا، وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا..؟؟ "
فأجابهم عليه السلام:
" والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن ساعة.. وساعة.
وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!

**

وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به، ويستضيؤن بتقواه.
قال الحسن البصري، وابن سيرين:
" ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"

كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل، استغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..
أجل..
صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة، يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم..

**

ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريق علي وفريق معاوية، لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا ايّاهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضنا قضية الاسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:
" لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحبّ اليّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب"..
وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:
" الزم مسجدك..
فان دخل عليك، فالزم بيتك..
فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..

**

وحقق ايمان عمران بن حصين أعظم نجاح، حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضجر منه ولا قال: أفّ..
بل كان مثابرا على عبادته قائما، وقاعدا وراقدا..
وكان اذا هوّن عليه اخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة، ابتسم لها وقال:
" ان أحبّ الأشياء الى نفسي، أحبها الى الله"..!!
وكانت وصيته لأهله واخوانه حين أدركه الموت:
" اذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا"..

أجل لينحروا ويطعموا، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا، انما هو حف زفاف عظيم، ومجيد، تزف فيه روح عالية راضية الى جنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين 

(إمام الحرمين )الشيخ إبراهيم الأخضر القيم


 13:13 - 2014/04/21 معلومات عن العضو رد على الموضوع بإضافة نص هذه المشاركة أضف رد سريع بإقتباس لهذا الموضوع


ترجمة (إمام الحرمين )الشيخ إبراهيم الأخضر القيم


د.عبد الله بن أحمد آل علاف الغامدي


بسم الله الرحمن الرحيم


فضيلة الشيخ إبراهيم الأخضر القيم
1364 – 000 هـ*


إبراهيم بن الأخضر القيم، ولد في المدينة المنورة سنة 1364هـ، نشأ بها وتلقى تعليمه في مدارسها، حيث درس في مدرسة دار الحديث، ثم مدرسة النجاح، فالمعهد العلمي، ثم المدرسة الصناعية الثانوية وتخرج منها عام1379 هـ.

سافر إلى مصر لمدة سنتين وابتعث إلى إيطاليا عام 1388هـ ولبث بها قرابة سنة ونصف ثم تنقل للعمل في الأحساء ثم الرياض واستقر به المقام في المدينة النبوية.

وقد حفظ القرآن الكريم على الأستاذ عمر الحيدري، وقرأه على شيخ القراء في المسجد النبوي الشريف الشيخ حسن بن إبراهيم الشاعر برواية حفص، ثم قرأ عليه القراءات السبع.

وقرأ وتتلمذ على عدد من المشايخ، منهم: الشيخ عامر بن السيد عثمان، والشيخ أحمد بن عبدالعزيز الزيات، وتتلمذ كذلك على الشيخ عبد الفتاح القاضي وقرأ عليه القراءات العشر، وتتلمذ في العقيدة والفقه واللغة على الشيخ عبدالله بن محمد النعمان.

ومارس العديد من الوظائف والمهمات، حيث ابتدأ حياته العملية مدرساً في التعليم الصناعي، فمدرساً بمدرسة أبي بن كعب لتحفيظ القرآن الكريم في المدينة المنورة، ثم إماماً في المسجد الحرام عام 1401هـ .

بعد ذلك عين برتبة أستاذ مساعد في كلية القرآن الكريم وكلية الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ودرّس في المعهد العلمي للدعوة الإسلامية التابع لجامعة الإمام.

ومنذ سنة 1406هـ ولمدة تسع سنوات، شارك بالإمامة في المسجد النبوي الشريف، وقد تتلمذ عليه في القراءات الكثير من الطلبة داخل المملكة وخارجها.

له نشاط كبير في مجال تحفيظ القرآن الكريم والخدمات الإجتماعية، وهو عضو في عدد من اللجان الجمعيات، ومنها:
جمعية تحفيظ القرآن الكريم، الجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية، لجنة التحكيم المحلية والدولية لمسابقة القرآن الكريم التي تقيمها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.
كما أن له نشاطاً إعلامياً وأدبياً؛ إذ شارك في عدد من حلقات الإذاعية والتلفزيونية، وألقى العديد من المحاضرات في منتديات علمية مختلفة، وكذلك له تسجيلات قرآنية بمجمع الملك فهد مصحف برواية حفص عن عاصم وآخر برواية ورش عن نافع، وله إهتمام خاص بالوقف والإبتداء، وله تسجيلات وأشرطة صوتية في معظم مكتبات العالم الإسلامي، وصدر له كتاب (مهارات محكمي مسابقة القرآن الكريم ) نفع الله به وبعلمه الإسلام والمسلمين.

الملك الأشرف خليل بن قلاوون .

هو السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي الألفي رحمهما الله ، أحد أبرز سلاطين الأسرة القلاوونية المملوكية البحرية التي حكمت دولة المماليك العظمى أكثر من مئة قرن من الزمان .
ولد سنة 666هـ في مصر ، و نشأ في كنف والده الأمير ثم السلطان قلاوون ، حيث أجواء الحرب و الجهاد و القتال .
توليه السلطنة
عينه والده السلطان قلاوون ولياً لعهده، بعد وفاة أخيه الأكبر علاء الدين علي سنة 687هـ/ 1288م ، و قد ناب عن والده أكثر من مرة في غيابه، وخاصة عندما حاصر قلاوون مدينة طرابلس عام 688هـ.
ثم تولى السلطان الأشرف خليل السلطنة في السابع و العشرين من ذي القعدة سنة 689هـ/ 1290م، ، بعد وفاة أبيه قلاوون خلفاً لوالده ، و ذكر المؤرخون أنه في هذه السنة تصدق بصدقات كثيرة .
فجدد له الأمراء والجند البيعة، وأخذ في ترتيب أمور مصر، فأبقى الأمير بدر الدين بيدرا المنصوري نائباً للسلطنة في مصر ، و خلع فيها بالوزارة على الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الدمشقي، وكان الأمير حسام الدين لاجين نائبه في دمشق ومن بعده علم الدين سنجر الشجاعي ثم عز الدين أيبك الحموي شمس الدين ابن السلعوس ، كما أطلق الأمير زين الدين كتبغا ـ السلطان فيما بعد ـ و رد عليه أقطاعه ..
وقد سعى الأشرف خليل منذ توليه السلطة إلى فرض هيمنته الكاملة على شؤون الحكم والحد من تسلط أمراء المماليك، وتركت مساعيه هذه بصمات قوية على عهده القصير، فلم تكد قدم الأشرف خليل ترسخ في الملك حتى راح كبار الأمراء، الذين كان لهم باع طويل في عهد أبيه، يتآمرون عليه، فصادر أكثرهم وأقصاهم عن أعمالهم، وقتل بعضهم مثل حسام الدين طرنطاي، وسجن عدداً آخر منهم مثل شمس الدين سنقر الأشقر، وسيف الدين بن جرمك الناصري، وحسام الدين لاجين، وبدر الدين بَيْسَرى، وجمال الدين أقوش الأفرم المنصوري وغيرهم، وأطلق جماعة منهم بعد أن سجنهم.
صفاته :

كان الأشرف رحمه الله خليل ضخم الجثة حسن الهيئة، جليل المهابة، عالي الهمة، اشتهر بالشجاعة والإقدام حتى التهور، قليل التحرز والاحتياط، مولعاً بالحروب، يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : ((لو طالت أيامه لأخذ العراق و غيرها ، فإنه كان بطلاً شجاعاً ، مقداماً مهيباً عالي الهمة يملاً العين و يرجف القلب .
رأيته مرات ، و كان ضخماً على وجهه رونق الحسن و هيبة السلطنة ، و كان شديد الوطأة قوي البطش ، تخافه الملوك في أمصارها ، و الوحوش العادية في آجامها .
و كانت له لذات ، ولم أحسبه بلغ ثلاثين سنة ، و لعل الله قد عفا عنه و أوجب له الجنة لكثرة جهاده و إنكائه بالكفار )) .
و يقول ابن تغري بردي : ((كان الأشرف مفرط الشجاعة و الإقدام ، و جمهور الناس على أنه أشجع ملوك الترك (المماليك) قديماً و حديثاً بلا مدافعة)) .
و كان رحمه الله كريماً حتى التبذير ، واهتم بالعمران وبتحصين مدن بلاد الشام بعد خروج الصليبيين منها، وهدم الحصون التي كان الفرنج يلوذون بها، كما جدد قلعة حلب بعد الخراب الذي أصابها من هولاكو، ورمم قلعتي دمشق وبعلبك وزاد فيهما، وبنى المسجد الجامع في طرابلس، وعدداً من المدارس والدور في دمشق والقاهرة ، و منها المدرسة الأشرفية في القاهرة، وكان الملك الأشرف قد أنشأها سنة 687هـ/ 1288م عندما كان ولياً للعهد ثم أتم عمارتها وزخرفتها بعد أن تسلطن فنسبت إليه .

جهاده ضد الصليبيين

عزم السلطان الأشرف على تطهير الساحل المتوسطي الشامي من الصليبيين و تحرير بقية المدن التي يحتلونها إمتداداً لرحلة جهاد مقدسة طويلة قادها قبله عماد الدين زنكي و نور الدين محمود و صلاح الدين الأيوبي و الظاهر بيبرس و أبوه المنصور قلاوون .

فتح عكا و الساحل

سار الأشرف على نهج أبيه في سياسته الخارجية، فعزم منذ توليه السلطنة على حرب الصليبيين والعمل على طرد بقاياهم من بلاد الشام، وتحرير المناطق التي مابرحت في حوزتهم، وأعد للأمر عدته، ففي غرة ربيع الأول سنة 690هـ بعث السلطان بالبريد من القاهرة إلى أمراء الشام يدعوهم إلى الإستعداد لحصار عكا و تجهيز المجانيق فجمع العساكر من الشام ومصر، وانضم إليه المطوعة.
و خرج السلطان الأشرف بجيوشه من القاهرة في الثالث من ربيع الأول ، و لحق به من جند الشام و متطوعة الإسلام أممٌ عظيمة حتى وصلت الجيوش إلى عكا وضربت على أسوارها خمسة عشر منجنيقاً كبيراً و بدأ الحصار و استمر قصف عكا بنيران و أحجار المجانيق حتى أحدثت في أسوارها ثقوباً عديدة ، وتوجه قاصداً عكا وحاصرها في 3 ربيع الأول سنة 690هـ/ 5 نيسان 1291م ونصب عليها المجانيق، وعمل مهندسوه على نقب أسوارها، فلم تصمد أمامه طويلاً على مناعتها والمعونات التي وصلتها بحراً من جزيرة قبرص، و لما طال الحصار على الصليبيين و فشلت محاولات ملك قبرص في إمدادهم إختلفت كلمتهم و ذهبت ريحهم ، ولم تمض ثلاث ساعات من نهار السابع من جمادى الأولى حتى استولى جند الإسلام على المدينة و قتلوا خلقاً كثيراً من الصليبيين المقاتلين ، و غنموا ديارهم و أموالهم ، ثم أسروا بقيتهم و الهاربين منهم .
.
وسقطت أسوار المدينة في يده في 17 جمادى الأولى سنة 690هـ/ 18 أيار 1291م، و كان فتح عكا هو النصر العظيم الذي آذن بزوال الإحتلال الصليبي نهائياً إذ لم يمض بعده غير قليل حتى سلم صليبيو صور و صيدا و بيروت و عثليث و إنطرسوس ، و محا الله بسيوف الأشرف خليل و جنده الصليبيين من الشام و تطهرت منهم ديار المسلمين تماماً وولى الفرنجة الأدبار هاربين في المراكب وتساقطت الأبراج المحصنة التي كانت للأخويات الفرسانية برجاً برجاً، وكانت ضرباً من الحصون داخل المدينة، إلى أن سقط آخرها وهو برج الداوية في 28 جمادى الأولى/ 29 أيار، فانتقم الأشرف منهم لغدرهم برجاله وسمح لمن بقي بالانتقال إلى قبرص وخشية أن يفعل الصليبيون ما فعلوه بالناصر صلاح الدين الأيوبي أرسل أحد قادته إلى صور ليمنع الخارجين من عكا من الالتجاء إليها. وبعد سقوط عكا تساقطت المدن المحتلة الأخرى واحدة واحدة من دون مقاومة تذكر، فاستسلمت صيدا وصور وعتليت وجبيل وحيفا وطرطوس وبيروت، وانتقل من فيها من الصليبيين إلى قبرص، وألزم الملك الأشرف من بقي منهم في تلك المدن دفع الجزية، وأمر بهدم الحصون التي تحميها خشية معاودتهم. ولم يبق في يد الفرنجة في الشام إلا جزيرة أرواد قبالة ساحل طرطوس وعمت مظاهر الابتهاج بالنصر مدة شهر في دمشق، وخُلِّد اسم السلطان الملك الأشرف خليل الذي تم تحرير بلاد الشام ـ بالكامل ـ من الصليبيين على يديه.
تحول الأشرف بعد تحرير الشام من الفرنجة لقتال المغول في الجزيرة الفراتية والعراق، فقصد قلعة الروم على الفرات في رجب سنة 691هـ/ تموز 1292م فاحتلها بعد حصار دام ثلاثين يوماً، وأسر أميرها ورؤوس أصحابه، وغنم المسلمون منها شيئاً كثيراً، وزينت دمشق سبعة أيام احتفالاً بالنصر.
ولما شعر ملك أرمينية هيثوم الثاني بقوة موقف الملك الأشرف خليل، تخلى له بعد عام من ذلك التاريخ عن قلاع بَهَسْنا ومرعش وتل حمدون التي تتحكم بالطرق المؤدية إلى حلب، وبعد أن رتب الأمور في الشام عاد الملك الأشرف خليل إلى مصر.
و دخل السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون دمشق في أبهة النصر و مكث بها حتى اطمأن على زوال الخطر نهائياً ثم قفل راجعاً إلى القاهرة في أواخر رجب فدخلها في تاسع شعبان 690هـ في أبهة عظيمة و كان يوماً مشهودا .

فتح قلعة الروم
و استمرت رحلة جهاد ذلك السلطان المجيد ، ففي التاسع و العشرين من ربيع الأول سنة 691هـ أمر بتجهيز الجيوش لفتح قلعة الروم ، ثم خرج من القاهرة في ثامن ربيع الثاني ، ولحقت به جيوش المظفر تقي الدين صاحب حماة ، و خرج بالجيوش جميعاً قاصداً حلب و منها إلى قلعة الروم و ضرب عليها حصاراً عظيماً استخدم فيه نحو ثلاثين منجنيقاً ، حتى افتتحها عنوة في حادي عشر رجب 691هـ ، و دخل السلطان الأشرف دمشق منتصراً في الثلاثاء تاسع عشر شعبان ، سائقاً الأسرى و من بينهم ملك قلعة الروم ، و رؤوس القتلى على رؤوس الرماح ، و احتفل الناس بدخوله و دعوا له ، و في خضم ذلك النصر العظيم بعث السلطان بحملتين إلى كسروان و الخزر لتأديبهم إثر ممالئتهم الفرنج على المسلمين .

و نظم الشعراء القصائد الحسان في ذلك الفتح ، و منها قصيدة شهاب الدين محمود :

لك الراية الصفراء يقدمها النصر .:. فمن كيقبادان رآها و كيخسرو
إذاخفقت في الأفق هدّت بنورها .:. هوى الشرك واستعلىالهدى وانجلى الثغر
و فتحٌ أتى في إثر فتــح كأنما .:. سماء بدت تتـرى كواكبهـا الزهر
فما قلعة الروم التي قد فتحتها .:. و إن عظمت إلا إلى غيرها جسر
فيا أشرف الأملاك فزت بغزوة .:. تحصل منها الفتح و الذكر و الأجر
ليهنئك عند المصطفى أن دينه .:. توالى له في يمن دولتك النصر
فسر حيثما تختار فالأرض كلها .:. تطيعك و الأمصار أجمعها مصر
.

غزو بلاد سيس
في جمادى الاولى 692هـ خرج السلطان بجيوشه من مصر إلى الشام قاصداً فتح قلعة سيس ، فدخل دمشق في تاسع جمادى الآخرة ، فلما تهيأ للغزو إذا بصاحب سيس يرسل رسله يطلبون الصلح ، و اتفق الطرفان على أن يتسلم رسل السلطان من صاحب سيس ثلاث قلاع هي بهسنا و مرعش و تل حمدون ، ففرح الناس بذلك فرحاً عظيماً ، إذ كانت هذه القلاع مصدر أذىً للمسلمين في الماضي .
و قفل السلطان عائداً إلى القاهرة في أواخر رجب سنة 692هـ .

مقتل السلطان الأشرف
أدت سياسة الأشرف خليل الداخلية وتقليصه نفوذ كبار رجال دولته، وتقريبه خاصته وتوزيره ابن السلعوس إلى إثارة نقمة عدد كبير من الأمراء المماليك، فتآمروا عليه وانتهزوا فرصة قيام الملك الأشرف برحلة صيد إلى الحمامات بمديرية البحيرة، فانفردوا به وبادره الأمير بيدرا مع جماعة من أصحابه المماليك فضربوه بسيوفهم وقتلوه في الثاني من شهر المحرم سنة 693هـ/ كانون أول 1293م بعد حكم دام ثلاث سنوات، إلا أنها لم تدم لبيدرا يوماً ، إذ لقية الأمير زين الدين كتبغا في عسكره و قتله و جز رأسه و طاف برأس الخائن "بيدرا" في شوارع القاهرة ..
وانتقلت السلطنة بعد وفاته إلى أخيه الأصغر الناصر محمد لأنه لم يعقب سوى ابنتين.

سلسلة أعلام النساء ::: الحلقة (3) عائشة بنت سعد بن أبي وقاص

عائشة بنت سعد بن أبي وقاص

"ابنة من فداه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بأبويه"


بقلم : د. شادن أبوصالح

نشأت عائشة بنت أبي وقاص في كنف أحد رجال هذه الأمة العشرة الذين بشرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالجنة ، فانساب في نفسها حب الله ورسوله كما ينساب الماء في عروق النبتة الغضة حتى إذا سقاها ورواها أثمرت وأينعت وآتت أكلها بإذن ربها .

وقد أحبت كذلك –رضي الله عنها – أمهات المؤمنين ، فكانت تنتقل بينهن كما الفراشة بين الأزاهير تعبق من علمهن وفضلهن حتى غدت إحدى راويات الحديث الشهيرات ، والعابدات المعروفات بكثرة العبادة والصلاح.

وكانت شديدة الفخر بأبيها ؛ إذ كانت تقول :" أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يوم أحد بالأبوين" .

توفيت - رضي الله عنها – سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة بعد أن قاربت التسعين من عمرها ، أفنت جلها في سبيل العلم ورواية الحديث (1).

أسماء بنت أبي بكر الصديق

بسم الله الرحمن الرحيم

بنت أبي بكر الصديق، والدة عبد الله بن الزبير بن العوام، ذات النّطاقين؛ وإنما قيل لها ذلك لأنها صنعت للنّبي صَلَّى الله عليه وسلم سُفْرة حين أراد الهجرة إلى المدينة فعسُرَ عليها ما تشدُّها به فشقّت خمارها، وشدّت السِّفرة بنصفه، وانتطقت النّصف الثّاني؛ فسمّاها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ذات النّطاقين‏، وقال الزّبير في هذا الخبر: إن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال لها:‏ ‏"‏أَبَدَلَكِ اللَّهُ بِنِطَاقِكِ هَذَا نِطَاقَيْنِ فِي الْجَنَّةِ‏".‏‏ ‏ ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وكانت أسماء أسن من عائشة وهي أختُها لأبيها وكان عبد الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها، أسلمت بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وتزوّج أسماء الزّبير بن العوّام بن خويلد، فولدت له عبد الله وعروة والمنذر وعاصمًا والمهاجر وخديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزّبير، فوضعته بقُباء. وروي عن أسماء بنت أبي بكر قالت: تزوّجني الزبير وما له في الأرض مال ولا مملوك ولا شيء غير فَرَسِهِ، قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مَئُونته وأسوسه وأدقّ النوى لِنَاضِحه، وأَعْلِفه، وأسقيه الماء، وأخرز غَرْبَه، وأعجن ولم أكن أحسن أخبز فكان يخبز جارات لي من الأنصار وكُنّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله على رأسي وهي على ثلثي فرسخ، فجئت يومًا والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ومعه نفر من أصحابه فدعا لي ثمّ قال: "إِخْ إِخْ"، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزُّبَيرَ وغَيْرَتَه، وكان من أغير الناس، فعرف رسول الله أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب معه فاستحييت وعرفت غيرتك، فقال: والله لحَمْلك النوى كان أشد عليّ من ركوبك معه،حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم فكَفْتني سياسةَ الفرَس فكأنّما أعتقني. وروى عبد الكريم عن عِكْرِمَة أنّ أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوّام، وكان شديدًا عليها فأتت أباها فشكت ذلك إليه فقال: يا بنيّة اصبري فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح ثمّ مات عنها فلم تزوّج بعده جمع بينهما في الجنّة. وروي أنّ أسماء كان في عنقها ورم فجعل النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم يمسحها ويقول:"اللهمّ عافها من فحشه وأذاه". وروي أنها رضي الله عنها كانت تصدّع فتضع يدها على رأسها وتقول: بدني وما يغفر الله أكثر، وكانت تمرض المرضة فتعتق كلّ مملوك لها، وكانت تقول لبناتها ولأهلها: أنفقوا أو أنفقن وتصدّقن ولا تنتظرن الفضل، فإنّكنّ إن انتظرتنّ الفضل لم تُفضلن شيئًا، وإن تصدّقتنّ لم تجدن فقده، وروى محمّد بن المُنْكَدِر أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت أبي بكر: "لاَ تُوكِي فَيُوكي الله عليك" وكانت امرأة سخيّة النفس. وروي عن أبي وَاقِد الليثي صاحب النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، أنّه شهد اليَرْمُوك، قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر مع الزبير، قال: فسمعتها وهي تقول للزبير: يا أبا عبد الله والله إن كان الرجل من العدوّ ليمرّ يسعى فتصيب قدمه عروة أطناب خِبَائِي فيسقط على وجهه ميّتًا ما أصابه السلاح. عاشت رضي الله عنها وطال عمرها، وعَمِيت، وخبرها مع ابنها لما استشارها في قبول الأمان لما حَصَره الحجاج يدل على عقل كبير، ودين متين، وقلب صبور قوي على احتمال الشدائد. وروي أنّ المنذر بن الزّبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مرويّة وقُوهِيَّة رقاق عتاق بعدما كُفّ بَصَرهُا، قال: فلمستها بيدها ثمّ قالت: أفّ! ردّوا عليه كسوته قال فشق ذلك عليه وقال: يا أمّه إنّه لا يشفّ، قالت: إّنها إن لم تشفّ فإنّها تصف، قال: فاشترى لها ثيابًا مرويّة وقوهيّة فقبلتها وقالت: مثل هذا فاكسُني. وروت أسماء عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم عدةَ أحاديث، وهي في الصحيحين، والسنن، وروَى عنها ابناها: عبد الله، وعروة وغيرهم. وروت فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قال: أوصت: إذا أنا متّ فاغسلوني وكفّنوني وحنّطوني ولا تذرّوا على كفني حنوطًا ولا تُتبعوني بنار، وماتت أسماء بنت أبي بكر الصدّيق بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بليال، وكان قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقد اختلف في مكث أسماء بعد ابنها عبد الله، فقيل: عاشت بعده عشر ليالٍ، وقيل عشرين يومًا، وقيل بضعًا وعشرين يومًا، وماتت وقد بلغت مائة سنة‏.

زياد علي

زياد علي محمد