الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

عدي بن حاتم الطائي

عدي بن حاتم الطائي

هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي. أبو وهب وأبو طريف. أمير صحابي من الأجواد العقلاء. كان خطيبا حاضر البديهة وكان رئيس طي في الجاهلية والإسلام. قام في حروب الردة بأعمال كبيرة.. وكان سرياً شريفاً تفي قومه خطيباً حاضر الجواب فاضلاً كريماً.

حال عدي بن حاتم الطائي في الجاهلية:

قال ابن إسحاق: وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني: ما من رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرأ شريفًا وكنت نصرانيًا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي لما كان يصنع بي.

فلما سمعت برسول الله  صلى الله عليه وسلمكرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك، اعدد لي من إبلي أجمالا ذللاً سمانًا فاحتبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن؛ فإني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد.

قال: قلت: فقرب إلى أجمالي، فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام.

فسلكت الجوشية وخلفت بنتًا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام.

قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك.

قال: "ومن وافدك؟"قالت: عدي بن حاتم قال: "الفار من الله ورسوله؟" قالت: ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس.

قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلى رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك.

فقال صلى الله عليه وسلم: "قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني".

فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي: علي بن أبي طالب قالت: فأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة.

قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام فجئت فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ.

قالت: فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا.

قال: فقلت: ابنة حاتم؟ قال: فإذا هي هي فلما وقفت علي انسحلت تقول: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك؟ قال: قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرا فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت.

قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا الرأي.

قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: "من الرجل؟" فقلت: عدي بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك.

قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال: "اجلس على هذه".قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها.

قال: "بل أنت".فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: "إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا؟"

قال: قلت: بلى. قال: "أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟" قال: قلت: بلى. قال: "فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك".

قال: قلت: أجل والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. ثم قال: "لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم".قال فأسلمت.

قال: فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن؛ وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وأيم الله لتكونن الثالثة؛ ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه. هكذا أورد رحمه الله هذا السياق بلا إسناد وله شواهد من وجوه أخر.

إسلام عدي بن حاتم الطائي:

لما وقعت أخت عُدي في الأسر، فمنّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أخاها في بلاد الشام فكلمته في المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وأسلم

قال عُدي: بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بُعث فكرهته أشدّ ما كرهت شيئاً قط، فانطلقتُ حتى إذا كنت في أقصى الأرض ممّا يلي الروم، فكرهتُ مكاني ذلك مثلما كرهته أو أشدّ، فقلتُ:(لو أتيتُ هذا الرجل، فإن كان كاذباً لم يخفَ عليّ، وإن كان صادقاً اتبعته )فأقبلتُ فلمّا قدمتُ المدينة استشرفني الناس وقالو:( عُدي بن حاتم! عُدي بن حاتم(

فأتيته فقال لي:( يا عديّ بن حاتم أسلمْ تسلمْ(

فقلتُ:( إنّ لي دين! (

قال:( أنا أعلم بدينك منك(

قلتُ:( أنت أعلم بديني مني؟!(

قال:( نعم )مرّتين أو ثلاثاً

قال:( ألست ترأس قومك؟(

قلتُ:( بلى )

قال:( ألستَ رُكوسيّاً -فرقة مترددة بين النصارى والصابئين- ألستَ تأكل المرباع؟(

قلتُ:( بلى )

قال:( فإن ذلك لا يحلّ في دينَك!) فنضنضتُ لذلك

ثم قال:( يا عديّ أسلمْ تسلمْ (

قلتُ:( قد أرى ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّه ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضةً تراها ممّن حولي، وأنت ترى الناس علينا إلْباً واحد؟(

قال:( هل أتيتَ الحيرة؟(

فقلتُ:( لم آتِها وقد علمتُ مكانها(

قال:( يُوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار، أو حتى تطوف بالبيت، ولتفتحنّ علينا كنوز كسرى بن هرمز(

قلتُ:( قلتَ كسرى بن هرمز!! (

قال:( كسرى بن هرمز )مرتين أو ثلاثة( وليفيضنّ المالُ حتى يهمَّ الرجل مِنْ يقبلُ صدقتَهُ ) قال عدي:( فرأيتُ اثنتين: الظعينة -المرأة- في الهودج تأتي حاجةً لا تحتاج إلى جوار، وقد كنتُ في أول خيل أغارت على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئنّ الثالثة، إنّه قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم.(

أهم ملامح شخصية عدي بن حاتم الطائي:

جوده وكرمه أخرج أحمد، عن تميم بن طرفة، قال: سأل رجلٌ عديَّ بن أبي حاتم مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم، والله لا أعطيك. وسنده صحيح.. وقال الشعبي: أرسل الأشعث بن قيس إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدور حاتم فملأها وحملها الرجال إليه فأرسل إليه الأشعث: إنما أردناها فارغة! فأرسل إليه عدي: إنا لا نعيرها فارغة.

قال ابن عيينة: حدثت عن الشعبي، عن عدي، قال: ما دخل وقت الصلاة حتى أشتاق إليه.

بعض المواقف من حياته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ولما أسلم عدي بن حاتم سنة سبع أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم وألقى له وسادة وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه". وعن عدي بن حاتم قال: ما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا وسع لي أو تحرك لي وقد دخلت عليه يوما في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسع لي حتى جلست إلى جنبه.

بعض المواقف من حياة عدي بن حاتم الطائي مع الصحابة:

روى قيس بن أبي حازم، أن عدي بن حاتم جاء إلى عمر، فقال: أما تعرفني؟ قال: أعرفك، أقمت إذ كفروا، ووفيت اذ غدروا، وأقبلت إذ أدبرو.

أرسل خالد بن الوليد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم الأنصاري طليعةً وكان ذلك في حروب الردة، فلقيهما حبال أخو طليحة فقتلاه، فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخو سلمة، فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتاً ورجعا. وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة وثابتاً قتيلين، فجزع لذلك المسلمون، وانصرف بهم خالد نحو طيء، فقالت له طيء: نحن نكفيك قيساً، فإن بني أسد حلفاؤنا.

فقال: قاتلوا أي الطائفتين شئتم. فقال عدي بن حاتم: لو نزل هذا على الذين هم أسرتي فالأدنى لجاهدتهم عليه، والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم. فقال له خالد:إن جهاد الفريقين جهادٌ، لا تخالف رأي أصحابك وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط.

أحاديث نقلها عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

روى الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر قال فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر.

وعن محل بن خليفة الطائي قال سمعت عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة والآخر يشكو قطع السبيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له ألم أوتك مالا فليقولن بلى ثم ليقولن ألم أرسل إليك رسولا فليقولن بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة.

وأخبر حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار..

وفاة عدي بن حاتم الطائي:

قال ابن الكلبي: مات عدي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة.

سيرة الإمام النووي

إن حقاً على كل مُطَالعٍ للكتاب، أن يقف على مُفَصَّل حياة الإمام النووي، لا على مُجْمَلِهَا؛ فإنه شيخ الإسلام والمسلمين، وعُمْدةُ الفقهاءِ والمحدِّثين، الإمامُ، الزاهدُ، الوَرِعُ، العابدُ، القُدْوةُ، صاحبُ الخِصال الحميدة، والتصانيفِ المُفيدة، المُجْمَعُ على فضله وإخلاصِه، وجلالته وإمامته.

وها أنا ذا أعرض سيرةَ الإمام النووي؛ لأقف فيها على نشأته، وطلبه للعلم، وعلومه، ومواقفه، وسيرته الذاتية، وأهم مؤلفاته، وشيوخه، وتلامذته، وثناء العلماء عليه، ووفاته، وما قيل في رثائه.

وأستفتح قبلَ ذلك بذكر لمحة عن العصر الذي عاش فيه النووي، وشيء عن أسرته وبلده، والله الموفق.

1 ـ عصر الإمام النووي:

أما من الناحية السياسية، فقد عاش النووي ـ رحمه الله تعالى ـ آخرَ عصر الأيوبيين، وكلَّ عصر الملك الظاهر بيبرس من المماليك، وتمتاز هذه الفترة بنوع من الاستقرار، ولكنها كانت فترة عصيبة، فقد تظاهر فيها على غزو بلاد الشام قبلها قُوَّتا البغي والشر والكفر من الصليبيين والتَّتار، وقد تحققت فيها بلاد الشام ودمشقُ خصوصاً بالاطمئنان الحَذِرِ، والاستقرار المتحفِّز، ولكنه إذا قيس بما قبله من آخر عهود الأيوبيين، فإنه عهد ميمونٌ مبارَكٌ، لولا بعضُ الهَنَات.

وأما من الناحية العلمية، فإن هذا العصر والذي بعده ـ أي: القرنين السابع والثامن الهجريين ـ من أزهر العصور، فقد حَفَل بالكثير من العلماء المتمكنين، الذين تركوا من المؤلفات الناضجَ المفيد.

ومن أبرز هؤلاء الذين امتاز بهم القرن السابع في علوم الدين: أبو عمرو بن الصلاح إمامُ المحدّثين، والرافعيُّ كبيرُ فقهاء الشافعية في ’قزوين‘، وإسماعيلُ بن عبد الكريم المعروف بابن المعلم شيخ الحنفية في وقته، وعبد الرحمن بن محمد بن عساكر، وكان فقيهَ وقته، وعبدُ الكريم بن الحرستاني خطيبُ دمشق.

وفي علم العربية: ابن يُعَيش شارح ’المُفَصَّل‘، والشيخ ابن مالك.

وفي علوم التاريخ: ابن العديم صاحب ’تاريخ حلب‘، والقاضي ابن خَلِّكَان صاحب ’وَفَيات الأعيان‘، وياقوت الحَمَوي صاحبُ ’معجم البلدان‘، وأبو شامةَ المقدسيُّ صاحب ’الروضتين في أخبار الدولتين‘.

والكلمة الجامعة لحال هذا العصر من ناحيته العلمية أنه لم يكن عصرُ إبداع كعصور الاجتهاد، فهو بجملته عصرُ نقل متزن، وتقليدٍ واع، وجَمْعٍ في تحفُّظٍ، وتحقيق وتحريرٍ وتصحيح وتهذيب، بلْ أحياناً اجتهادٍ مُقيدٍ حُرٍّ.

والظاهرة التي لا تخفى في علماء هذا العصر أنهم ـ إلا من شذ ـ يحرصون مع علمهم على العمل، فالتقوى رداؤهم، والورع يَحدُو بهِم، وكثرة العبادة عملُهم في اليوم الليلة، وكانوا حريصين على أن تكون عباداتهم على السُنّة النبوية.

2 ـ بلده نوى:

يُنسبُ الناسُ إلى بلدٍ ما؛ ليعرَفوا به، ولكن نسبة الإمام النووي على العكس من ذلك، فقد عُرفت بلده به، بل صارت خالدةً بخلوده ما دام في الأرض إسلام، وما دام فيها فقه شافعي.

ورحم الله أبا حفص بنَ الوردي إذ يقول في ’نوى‘:

لُقِّيْتِ خَيْراً يَا نَوَى


وَحُرِسْتِ مِنْ أَلَمِ النَّوَى


فَلَقَدْ نَشَا بِكِ زَاهِدٌ


فِي العِلْم أَخْلَصَ مَا نَوَى


وَعَلى عَدَاهُ فَضْلُهُ


فَضْلَ الحُبُوبِ عَلى النَّوَى


وكانت ’نَوَى‘ في عصر الإمام النووي قاعدة الجولان من أرض حوران من أعمال دمشق، وكان ينزل بها على عادة العرب ’حزمٌ‘ الجد الأعلى للإمام النووي، فأقام بها، ونشأت ذريته فيها.

3 ـ اسم النووي ونسبته:

هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن الشيخ الزاهد الورع وليِّ الله أبي يحيى شرفِ بنِ مُرِّي بنِ حسنِ بنِ حسينِ بنِ محمدِ بن جُمعةَ بن حزامٍ الحزامي النوويّ.

وكان الإمام النووي يكره من يلقبه بمحيي الدين، ونقل عنه أنه قال: ’لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين‘؛ تواضعاً لله تعالى، أو لأن الدين حيٌّ ثابت غيرُ محتاجٍ إلى مَنْ يحييه. وأبوه كان دكانياً بنوى، وكان شيخاً مباركاً، مات سنة(685ه)؛ أي: بعد وفاة ولده النووي بتسع سنين، وصُلِّي عليه في دمشق صلاة الغائب؛ لما اشتهر عنه من علم وصلاح.

4 ـ مولد النووي ونشأته:

ولد النووي في المحرم من سنة (631ه) في ’نوى‘.

ونشأ في كنف أبيه ورعايته، وكان أبوه مستورَ الحال، مبارَكاً له في رزقه.

وكأن الله قد أعده منذ طفولته وصباه لحمل عبء الوراثة النبوية في العلم والورع والصلاح، وقال عنه بعض الصالحين: ’إنه حينَ ََوُلد كُتب من الصادقين‘.

ولما بلغ من العمر سبعَ سنين، كان نائماً ليلة السابع والعشرين من رمضان بجانب والده، فانتبه نحوَ منتصف الليل، وأيقظ أباه وقال: يا أبت! ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهلُه جميعاً، فلم يروا شيئاً. قال والده: فعرفتُ أنها ليلة القدر.

ولما بلغ عشرَ سنين، جعله أبوه في دُكَّان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن.

وفي سنة نيف وأربعين وست مئة، مر بقرية ’نوى‘ الشيخُ الصالح ياسين بن يوسف المراكشي المشهور بولايته، فرأى النوويَّ وهو ابنُ عشرِ سنين، والصبيانُ يُكْرِهونه على اللعب معهم، وهو يهربُ منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، يقول الشيخُ ياسين: فوقع في قلبي محبتُه، فأتيت الذي يقُرئه القرآن، فوصَّيتُه به، وقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلمَ أهل زمانه، وأزهدَهم، وينتفع الناس به. فقال لي: أمنِّجمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام.

ولبث في بلده إلى الثامنةَ عشرةَ من عمره قبلَ أن يرتحل إلى دمشق، والظاهرُ أنه كان منصرفاً إلى إعانة أبيه في دكانه، ومقبلاً على التزوُّد بالقليل من العلم عند بعض الشيوخ من أهل العلم الذين لم تكن تخلو منهم قَصَبَةٌ أو قرية حينئذ.

5 ـ رحلته إلى دمشق، وتحصيله العلم:

قدم النووي دمشق مع والده أبي يحيى سنة تسع وأربعين وست مئة، وكان عمره ثماني عشرة سنة.

وكانت دمشق مَحَجَّ العلماء وطلبة العلم من أقطار العالم الإسلامي. وما كان يرى أن عالماً يمكن أن يستكمل علمه ما لم يَؤُمَّ إحدى عواصم العالم الإسلامي، وقمرُ هذه العواصم حينئذ دمشقُ، ليس في علوم الشريعة والعربية فحسب، بل في مختلف العلوم والفنون.

وكان أولَ ما قصده النووي عند دخوله دمشق جامعُها الكبير، ولقي فيه أول من لقي من العلماء خطيبَ الجامع الكبير وإمامَه الشيخَ جمالَ الدين عبد الكافي بن عبد الملك بن الربعي الدمشقي، فلما عرف طلبه ومقصده، أخذه وتوجَّه به إلى حلقة مفتي الشام الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري الذي عرف بالفركاح، فقرأ عليه دروساً، ولازمه مدة.

ثم سألَ شيخه التاج موضعاً يسكنه، فدله على الشيخ الكمال إسحاق المغربي بالرواحية، فتوجه إليه، ولازمه، واشتغل عليه، ومنحه الكمالُ في هذه المدرسة بيتاً لطيفاً، فسكنه، واستقر فيه إلى آخر حياته.

وقال اليافعي: وسمعت من غير واحد أنه إنما اختار النزول بالرواحية على غيرها؛ لحلها؛ إذ هي من بناء بعض التجار، وكان قوتُه من جراية المدرسة لا غير، بل كان يتصدق منها، ثم ترك تعاطيها.

6 ـ حَجُّ النووي:

وبعد نحو سنتين من قدومه دمشقَ، صحبه أبوه إلى الحج، وفي ذلك يقول النووي عن نفسه: فلما كانت سنة إحدى وخمسين، أي: وست مئة، حججت مع والدي، وكانت وقفة جمعة، وكان رحيلنا من أول رجب، قال: فأقمت بمدينة رسول اللهصلى الله عليه وسلم نحواً من شهر ونصف.

وقال تلميذه ابن العطار: قال لي والده ـ رحمه الله ـ: لما توجهنا من نوى للرحيل، أَخَذته الحُمَّى، فلم تفارقْه إلى يوم عرفة، فلم يتأوَّهْ قطّ، فلما قضينا المناسكَ، ووصلنا إلى نوى، ونزل إلى دمشق، صبَّ الله عليه العلمَ صبّاً، ولم يزل يشتغل بالعلم، ويقتفي آثارَ شيخه المراكشي في العبادة والزهد والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ.

وقال السخاوي: إنه حج مرتين.

ولما رجع من حجة الإسلام، لاحت عليه ـ كما قال الذهبي ـ أَماراتُ النجابة والفهم، وتزود بمَدَدٍ من الله في بيته الحرام، وبركات من رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

7 ـ جِدُّه في طلب العلم:

وحين استقر النووي في المدرسة الرواحية، واطمأنت نفسه في مسجده، أقبل على طلب العلم بكل ما يعتلج بقلبه وعقله من شَغَف وجِدّ واستعداد، ومن فهم للعلم لا يسده شبع، ولقد كان ذلك منه مضربَ المثل، ومثارَ العَجَب، وقال عن نفسه رضي الله عنه: وبقيتُ سنين لم أضع جنبي على الأرض.

وحكى عنه البدْرُ بن جماعة: أنه سأله عن نومه،فقال: إذا غلبني النومُ، استندت إلى الكتب لحظةً، وأنتبه.

وذكر القطبُ اليونيني: أنه كان لا يَضيع له وقتٌ في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة، أو مطالعة، وإنه بقي على التحصيل ـ على هذا الوجه ـ ست سنين.

ويقول الذهبي: وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجرِه النومَ إلا عن غَلَبَة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس، أو الكتابة، أو المطالعة، أو التردد على الشيوخ.

هذا وقد أثمر الإمام النووي في العلم من السنة الأولى، فقد حفظ ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي في نحو أربعة أشهر ونصف، ثم حفظ ربع العبادات من ’المهذب‘ في باقي السنة. وعرض حفظه لكتاب ’التنبيه‘ على ابن رزين في سنة خمسين وست مئة.

ثم إنه كان ـ أول طلبه أيضاً ـ يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً:

درسين في ’الوسيط‘، وثالثاً في ’المهذب‘، ودرساً في ’الجمع بين الصحيحين‘، وخامساً في ’صحيح مسلم‘، ودرساً في ’اللمع‘ لابن جني في النحو، ودرساً في ’إصلاح المنطق‘ لابن السكِّيت في اللغة، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه، تارة في ’اللمع‘ لأبي إسحاق، وتارة في ’المنتخب‘ للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وهو التوحيد.

وقال النووي: كنت أعلِّق جميعَ ما يتعلَّق بها من شرحِ مشكلٍ، وإيضاحِ عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه.

8ـ شيوخه وأساتذته:

للنووي ـ رحمه الله ـ شيوخ متعددون في كل علم اشتغل به، وخصوصاً علمي الفقه والحديث؛ فإنهما غاية الغايات من علمه، وبهما كان إمام عصره.

فأما شيوخه في الفقه، فأول من أخذ عنه الفقه هو مفتي الشام تاج الدين الفزاري المعروف بالفركاح، المتوفَّى سنة (690ه)، ثم دله الفركاح على الكمال إسحاق المغربي المتوفَّى سنة (650ه)، فلازمه، وأكثر القراءة عليه، ويجعله النووي أولَ شيوخه، ويقول: وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحاق المغربي، ولازمته، فأُعجب بي؛ لِما رأى من ملازمتي للاشتغال، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني مُعيدَ الدرس بحَلْقته لأكثر الجماعة.

وأخذ الفقه عن الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن نوح المقدسي، ثم عن الشيخ أبي حفص عمر بن أسعد الإربلي، ثم عن أبي الحسن سلاَّر بن الحسن الإربلي المتوفَّى سنة (670ه).

وأما شيوخه في الحديث، فمنهم: إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي المصري الدمشقي المتوفَّى سنة (668ه)، وقال عنه النووي: صحبته نحوَ عشر سنين، ولم أر منه شيئاً يكره.

ومنهم:أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ عمر بنِ مضرَ الواسطي، سمع منه جميع ’صحيح مسلم‘.

ومنهم: الشيخ زين الدين أبو البقاء خالدُ بنُ يوسفَ بنِ سعدٍ النابلسي.

ومنهم: الرضي بن البرهان.

ومنهم: شيخ الشيوخ عبدُ العزيز بنُ محمد بن عبد المحسن الأنصاري الحموي الشافعي المتوفى سنة (662 ه).

ومنهم: زين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي.

ومنهم: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (682ه).

ومنهم: قاضي القضاة عمادُ الدين أبو الفضائل عبدُ الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني خطيب دمشق المتوفَّى سنة (662ه).

ومنهم: تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي المتوفى سنة (672ه).

ومنهم: جمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحَرّاني.

ومنهم: أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ.

ومنهم: الضياء بن تمام الحنفي، وهو أبو بكر محمد بن نصر الله بن عبد العزيز.

ومنهم: المفتي جمالُ الدين عبدُ الرحمن بنُ سالم بنِ يحيى الأنباريُّ ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ المتوفَّى سنة (661ه).

ومنهم: شمسُ الدين بنُ أبي عمر المقدسي الحنبلي.

وغير هؤلاء من هذه الطبقة.

وأما شيوخه في علم الأصول، فقد قرأ علم الأصول على جماعة، أشهرُهُم وأجلُّهم القاضي أبو الفتح عمرُ بنُ بندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي المتوفى سنة (672ه). قرأ عليه:’المنتخب‘ للفخر الرازي، وقطعة من ’المستصفى‘ للغزالي، وغيرهما من الكتب.

وأما شيوخه في النحو والعربية، فقد قرأ على الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري المتوفى سنة (664ه)

وعلى الشيخ أبي عبد الله محمدِ بنِ عبد الله بنِ مالك الحطائي الجياني المتوفى سنة (672ه)، قرأ عليه شيئاً من تصنيفه، وعلق عليه.

وقرأ على الفخر المالكي:’اللمع‘ لابن جِنِّي.

وقرأ على الشيخ أحمد بن سالم المصري كتابَ ’إصلاح المنطق‘ لابن السكِّيت بحثاً، وكذا كتاباً في التصريف.

9 ـ العلوم التي برع بها النووي وآثاره فيها:

الفقه:

لم يكن النووي فقيهاً، إلا لأنه يريد التقربَ إلى الله بعلم ينفع فيه نفسه، وينفع عباد الله. وليس مفهوم الفقه عند النووي في التعصب المذهبي، وإنما هو الفهم والقدرة على استنباط الأحكام الفرعية من النصوص الشرعية. وخذ مثلاً من نقده لبعض المتعصبين، يقول في الشيرازي شيخ شيوخ المذهب الشافعي: اعلم أن صاحب ’المهذب‘ أكثرَ من ذكر أبي ثور، لكنه لا ينصفه، فيقول: قال أبو ثور كذا، وهو خطأ، والتزم هذه العبارة في أقواله، وربما كان قول أبي ثور أقوى دليلاً من المذهب في كثير من المسائل.

وقد أخذ النووي ـ رحمه الله ـ الفقهَ الشافعي على كبار علماء عصره، وبفترة وجيزة حفظ الفقه وأتقنه، وعرف قواعده وأصوله، وفهم مخبآته وألغازه، وبرع في معرفة أدلته، ولم يمض وقت كبير حتى كان عَلَمَ عصره في حفظه للمذهب، وإتقانه لأقوال العلماء فيه، وأحقَّهم بأن يكون مُحَرِّرَ المذهبِ الشافعي.

وقد نوزع الشيخ مرة في نقلٍ عن ’الوسيط‘، فقال: ينازعونني في ’الوسيط‘، وقد طالعته أربع مئة مرةةة!

وقد بلغ من شهرته في الفقه وتحقيقه في عصره هو والرافعي من قبله إلى أن قال محمد بن علي بن عبد الواحد من علماء القرن الثامن منتقداً تقليدَ الناسِ لهذين الإمامين: ’الناسُ اليوم رافعيَّة لا شافعية، ونوويَّة لا نبويَّة‘.

وقال عنه الذهبي في ’سير النبلاء‘: ’وكان من سَعَة علمه عديمَ النظير، لا يرى الجدال، ولا تعجبه المبالغة في البحث، ويتأذى ممَّن يجادل، ويعرض عنه، وكان لا يتعانى لغط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدةٍ ووقارٍ‘.

الحديث:

برع الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في علوم الحديث تماماً كما برع في الفقه، وامتاز على غيره من محدِّثي عصره بأنه فقيه الأمَّة، وقلَّما اجتمعَ لعالم في الفقه إتقان لعلوم الحديث؛ فإنه سمع على شيوخه بالأسانيد العالية صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي وأحمد والدارمي وأبي عوانة والإسفراييني وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه والدارقطني والبيهقي، و’شرح السنة‘ للبغوي، و’معالم التنزيل‘ له، وكتاب ’الأنساب‘ للزبير بن بكار، و’الخطب النباتية‘، و’رسالة القشيري‘، و’عمل اليوم والليلة‘ لابن السني، وكتاب ’الجامع لآداب الراوي والسامع‘ للخطيب البغدادي.

ويقول تلميذه ابن العطار: نقلت ذلك جميعه من خط الشيخ ـ رحمه الله ـ.

ويقول الذهبي فيه: هو سيد هذه الطبقة، مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشوائب وقمعها من أغراضها، كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله.

ويقول تلميذه ابن العطار: كان حافظاً لحديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم، عارفاً بأنواعه كلها، من صحيحه وسقيمه، وغريب ألفاظه، وصحيح معانيه، واستنباط فقهه.

وأخذ علوم الحديث لابن الصلاح عن جماعة من أصحابه، فاختصره، وتعقبه، واستدرك عليه.

فقه الحديث:

لم يكن النووي ـ رحمه الله ـ يحبس علمه في الحديث في نطاق نوافل المحدثين؛ من الإسناد العالي، وجمع الطرق والروايات، والتفرد بذلك، وإنما كان همه في الحديث معرفة ذلك، ثم الانصراف إلى فقهه، والغوص في معانيه، والوقوف على دلالاتها وأحكامها.

العقائد:

لا نعلم للنووي شيخاً مخصوصاً في علم التوحيد، وإن كان لا بدَّ للعالم من أن يكون متمكناً ومحيطاً بما كتب العلماء في العقائد، ويظن أنه قرأ هذا العلم على أحد شيوخه.

وكتابه ’شرح صحيح مسلم‘ فيه الكثير من العقائد على أصول أهل السنة، وهو سلفي العقيدة، ويؤوِّل أحياناً على طريقة المتأخرين.

وصرح اليافعي والتاج السبكي أنه أشعريٌّ.

ويقول السخاوي: والتأويلُ كثيرٌ في كلامه.

وله رسالة في التوحيد سماها:’المقاصد‘.

اللغة وعلومها:

كان من عادة العلماء ـ قديماً وحديثاً ـ الابتداءُ في علوم الشريعة بعلوم العربية على اختلاف صنوفها: نحواً وصرفاً ولغةً وبلاغةً وأدباً وشعراً، وما أظن أحداً من علماء الدين في عصر النووي أتقن العربية إتقانه لها، فهو ـ فوق أنه نحوي وصرفي بارع ـ لغويٌ محقق كأحسن ما يكون اللغوي المحقق، واقرأ ـ إن شئت ـ مقدمة كتابه ’تحرير ألفاظ التنبيه‘، وكتابه ’تهذيب الأسماء واللغات‘.

محاولة اشتغاله بالطب:

ممكنٌ أن يكون النووي قد استجاب لترغيبِ إمامه الشافعي بتعلم الطبِّ بقوله فيه: ’لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنَبْلَ من الطب، إلا أن أهلَ الكتاب غلبونا عليه‘، لكن النوويَّ الزاهدَ التقيَّ لا يتفق مزاجُه إلا مع علم يجعله وسيلة إلى النجاة يوم القيامة؛كعلوم الدين ومسائلها.

لذلك نفرت نفسه، وشعر بظلمةٍ في قلبه حين حاول أن يتعلم الطب. وفي ذلك يقول النووي ـ رحمه الله ـ عن نفسه: ’وخطر لي الاشتغالُ بعلم الطب، فاشتريت ’القانون‘ لابن سينا، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من أين دخل عليَّ الداخلُ؟ فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعتُ في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كلَّ ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي، ورجع إليَّ حالي، وعدتُ لِما كنت عليه أولاً‘.

على أنه على خبرة بمفاهيم الطب التي كانت في عصره ومِصْرِه، والتي تداولها ودوَّنَها في كتبه عند شرح الأحاديث المتعلقة بالطب.

10 ـ المدارس التي سكنها، أو تولاَّها، أو دَرَّسَ بها:

تقدم أن النووي قصد إلى شيخه الكمال المغربي شيخ المدرسة الرواحية ليبحث له عن بيت في المدرسة يأوي إليه، فمنحه الكمال بيتاً في الرواحية، فاتخذه سكناً حتى توفاه الله.

وأما المدارس التي عمل بها:

ـ المدرسة الإقبالية: وهي داخل باب الفَرَج شمالَ الجامع الأُموي؛ أي: في زقاق السبع طوالع، وهي مدرسة كبيرة شهيرة للفقه الشافعي لم يبق لها من الأثر: إلا واجهتهُا، ودرَّس بها جماعةٌ من كبار العلماء، منهم: بدر الدين بن خلكان، ثم شمس الدين بن خلكان، وباشر النووي التدريسَ فيها نيابة عن الشمس بن خلكان المتوفَّى سنة (661ه) إلى آخر سنة (669ه)

ـ المدرسة الفلكية والركنية: وهما مدرستان متجاورتان داخل باب الفرج عفا عليهما الزمان، وقد ناب بهما أيضاً النووي ـ رحمه الله ـ.

ـ دار الحديث الأشرفية: هي أشهر دار لعلم الحديث في بلاد الشام، وقد كانت داراً لصارم الدين قايماز بن عبد الله، وله بها حَمَّام، فاشترها الملكُ الأشرفُ مظفرُ الدين موسى بن محمدٍ العادل المتوفى سنة (635ه)، وبناها دار حديث، وأخرب الحمام، وبناه مسكناً للشيخ المدرِّس بها، وجعل شيخاً عليها الشيخ تقي الدين عثمان بن الصلاح الشهرزوري المتوفى سنة (643ه)، وافتتحت في ليلة النصف من شعبان سنة (630ه)، ووقف عليها الملكُ الأشرفُ الأوقافَ، وجعل بها نَعْلَ النبيصلى الله عليه وسلم، ومكانُها اليوم معروف، وهي في أول منعطف في سوق العصرونية على اليسار غربيَّ المدرسة العصرونية، وشرقيَّ قلعة دمشق.

ومن شرط واقِفها في الشيخ الذي يتولى مَشْيَخَتَها: أنه إذا اجتمع مَنْ فيه الروايةُ، ومن فيه الدرايةُ، قدِّم مَنْ فيه الرواية، وظاهرٌ أن من اجتمعَ فيه الروايةُ والدرايةُ أولى بها ممن فيه إحداهما.

والمتعارَفُ عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيمُ وقته في العلم، وخصوصاً علم الحديث، ومن لُقِّبَ بشيخِ دارِ الحديث، فقد نال في العلم أجلَّ الألقاب، وكان ممَّنْ وليها الشيخُ ابن الصلاح الذي تولاها ثلاث عشرةَ سنةً، ثم وليها بعده الشيخُ جمالُ الدين بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي المعروفُ بابن الحرستاني إلى أن توفي سنة (662ه).

ثم وليها بعده شهابُ الدين أبو شامة عبدُ الرحمن بنُ إسماعيل المقدسيُّ إلى أن توفي سنة (665ه).

ثم وليها بعده الإمامُ النوويُّ إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ سنة (676ه) ؛أي: مدة اثنتي عشرة سنة. والظاهر أن الإمام النووي لم يطلبها، بل دفعها عنه، ولم يقبلها إلا بعد جهد.

وقال القطب اليونيني: ’ونشرَ بها علماً جماً، وأفاد الطلبة‘.

وقررر عليه فيها ’البخاري‘، و’مسلم‘ سماعاً وبحثاً، و’الرسالة القشيرية‘، و’صفة الصفوة‘، وكتاب ’الحجة على تارك المحجة‘ لنصر المقدسي.

ويقول تلميذه ابن العطار: ’وحضرت معظم ذلك، وعلقت عنه أشياء في ذلك وغيره، فرحمه الله، ورضي الله عنه‘.

وقال التاج السبكي: ’ودرس ـ أي: النووي ـ بدار الحديث الأشرفية وغيرها، ولم يتناول فَلْساً واحداً. وقال والدي: إنه ما دخلها أعلمُ ولا أحفظُ من المِزيِّ، ولا أَوْرَعُ من النوويِّ، وابنِ الصَّلاح‘.

وقال القطبُ اليونيني: ’والذي أظهره وقدَّمَهُ على أقرانه ومَنْ هو أفقهُ منه: كثرةُ زهده في الدنيا، وعِظَمُ ديانتِه وورعهِ، وليس فيمن اشتغل عليه من يلتحقُ به‘.

11ـ تلاميذه:

يقول تلميذه ابن العطار: ’وسمع منه خلقٌ كثير من العلماءِ والحفّاظِ والصُّدورِ والرؤساء، وتخَّرَج به الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق‘.

منهم: خادمُهُ العلاّمةُ علاءُ الدين أبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ داود الدمشقيُّ المعروفُ بابن العَطَّار، والذي كان يقال له: ’مختصر النووي‘.

ومنهم: الصدرُ الرئيسُ الفاضلُ أبو العباس أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مُصْعَبٍ.

ومنهم: الشمسُ محمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرحمنِ بن النقيبِ، وهو آخر من كان من أعيان أصحاب النووي.

ومنهم: البدرُ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدِ الله بنِ جماعةَ.

والشهابُ محمدُ بنُ عبد الخالق بن عثمانَ بن زهرٍ الأنصاريّ الدمشقيّ المقررر، وشهابُ الدينِ أحمدُ بنُ محمدِ بن عباسِ بن حبوان.

والفقيه المقررر أبو العباس أحمد الضرير الواسطي الملقب بالخلال.

والنجمُ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سالمِ بنِ الخباز.

والشيخ الناسك جبريلُ الكرديّ.

والقاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الزرعي.

والقاضي صدر الدين سليمان بن هلال الجعفري خطيب داريا.

وأبو الفرج عبد الرحمن بنُ محمدِ بنِ عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي.

والعلاء عليُّ بنُ أيوبَ بن منصور المقدسي، الذي نسخ ’المنهاج‘ بخطه.

وأبو زكريا محيي الدين يحيى بن الفاضل جمال الدين إسحاق بن خليل.

وعبد الرحيم بن محمد بن يوسف السمهودي.

وشهاب الدين أبو حفص عمرُ بنُ كثير والدُ المحدِّث المؤرخِ أبي الفداء بن كثير.

والقاضي ضياءُ الدين عليُّ بنُ سليم.

وشمس الدين البيطار المعبر.

وخلق سواهم كثير ممَّن مروا على دمشق، وانتفعوا بمجالس الإمام النووي، ـ رحمه الله ـ.

12 ـ مؤلَّفات الإمام النووي:

لا ينازع أحد ـ ممن له أدنى مُسْكَةٍ في العلم ـ إلى أن مَنْ له في العلم مرتبة شيخ الشيوخ، يُعَظِّمُ مؤلفات النووي ـ رحمه الله ـ في كل العلوم والفنون.

والعظيم حقاً أن النووي عاش نحواً من ستٍّ وأربعين سنة، وترك من المؤلفات ما لو قسم على سني حياته، لكان نصيبُُُكل يوم كُرَّاستين، فإذا علمنا أنه لم يبدأ في طلب العلم إلا في سن الثامنة عشرة، وأنه أخذ في التصنيف في حدود الستين والست مئة، وإلى أن مات كما يقول الذهبي ـ رحمه الله ـ ؛أي: بعد مكثه في دمشق بعشر سنوات، علمنا أيّ مضاء وقدرة وبركة في عمره.

أضف إلى ذلك انشغاله بتعليم الطلبة، وقراءة الكتب، فإنه ما كان يضيع من وقته لحظة إلا في قراءة أو تعليم أو تأليف أو عبادة.

وحكي عنه أنه كان يكتب حتى تكلَّ يده فتعجز، فيضعُ القلمَ ثم ينشد:

لَئِنْ كانَ هذا الدَّمْعُ يَجْري صَبابَةًعلى غير سُعْدَى فَهْوَ دَمْعٌ مُضَيَّعُوكل ذلك في زمن يسير، وعمر قصير.

وقال تلميذه ابن العطار: ’وانتفع الناس بسائر البلاد بتصانيفه، وأكبُّوا على تحصيل تآليفه، حتى رأيتُ مَنْ كان يشنؤها ـ يبغضها ـ في حياته مجتهداً في تحصيلها والانتفاعِ بها بعد موته، فرحمه الله، ورضي عنه‘.

وقال اليافعي: ’ولا شك أن الإمام محيي الدين النواوي مبارَكٌ له في عمره، ولقد بلغني بأنه حصلت له نظرةٌ جمالية من نظرات الحق سبحانه بعد موته، فظهرت بركتُها على كتبه، فحفظت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد‘.

وقد ألف النووي في علوم شتى: الفقه، والحديث، وشرح الحديث والمصطلح، واللغة، والتراجم، والتوحيد، وغير ذلك.

وتمتاز مؤلفاته بالوضوح، وصحة التعبير، وانسيابِه بسهولة وعدم تكلف.

يقول الذهبي: ’إن عبارته أبسطُ من كلامه‘.

وأسلوبُه أسلوبُ عصره، مع عذوبة في الألفاظ، وجزالة في التراكيب.

ولثقة الناس عامَّتِهم وخاصَّتِهم بالنووي وعلمه وحسن تأليفه، بادروا إلى اقتنائها ودراستها والعَزْوِ إليها حتى انتشرت في الآفاق، وحَرَصَ عليها العلماء من جميع المذاهب، فإن لم يتخذها المتمذهبون بغير مذهبه أساساً، فلا أقل من أن يرجعوا إليها؛ ليطلعوا على دليلمذهبه الشافعي.

وأما كتبه غيرُ الفقهية، فيستوي فيها الموافق والمخالف.

ومؤلفات النووي على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما ألفه وأتمه:

وسنعرض لكل منها ببيان موجز:

1 ـ شرح صحيح مسلم: شرحه النووي شرحاً متوسطاً مباركاً.

يقول في مقدمة شرحه: ’وأما صحيح مسلم ـ رحمه الله،ـ فقد استخرتُ الله تعالى الكريمَ الرؤوفَ الرحيم في جَمْعِ كتاب في شرحه، متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختَصرات المُخِلاّتِ، ولا من المُطَوَّلاتِ المُمِلاّتِ، ولولا ضعفُ الهِمَمِ، وقلةُ الراغبين، وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات، لبسطته، فبلغت به ما يزيد على مئةٍ من المجلدات، من غير تكرار ولا زيادات عاطلات، بل ذلك لكثرة فوائده، وعظم عوائده الخفيات والبارزات‘.

هذا، وشرحُ مسلم من آخر ما أَلَّف، فقد أَلَّفه بعد سنة (674ه)؛ أي: قبل وفاته بسنتين.

وهذا أمر عسير على غير مثل هذا الإمام المبارك.

2 ـ روضة الطالبين: من الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب الشافعي، اختصره من كتاب الإمام الرافعي ’الشرح الكبير‘، وقد أثنى على كتابه ’الروضة‘ أئمةُ المذهب.

قال الأذرعي: ’هي ـ أي: الروضة ـ عمدةُ أتباع المذهب في هذه الأمصار، بل سار ذكرها في النواحي والأقطار، فصارت كتابَ المذهب المُطَوَّل، وإليها المَفْزع في النقل، وعليها المُعَوَّل، فإليها يلجأ الطالبُ النبيه، وعليها يعتمد الحاكم في أحكامه، والمفتي في فتاويه، وما ذلك إلا لحسن النية، وإخلاص الطوِيَّة‘.

وقال العماد بنُ كثير: ’قد زاد فيها تصحيحات ودقائقَ واختياراتٍ حسان، وكان فراغُه من تأليفها في يوم الأحد 15 ربيع الأول سنة (669ه)، وقد كان بدأه يوم الخميس 25 رمضان سنة (666ه)، وهي عمدة المذهب الآن‘.

3 ـ المنهاج: وهو من أكثر كتب النووي تداوُلاً بين العلماء والطلبة، اختصره من كتاب ’المحرر‘ للرافعي، وله فيه تصحيحات واختيارات، وكان فراغه من تأليفه يوم الخميس 19 رمضان سنة (669ه)، وهو كتاب عظيم النفع، وحَفِظَهُ بعد موته خلق كثير، وقال عنه العلامة أبو عبد الله محمدُ بن مالك النَّحْوي بعد أن وقف عليه: ’لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ، لحفظته‘.

وامتدحه ثُلَّةٌ من الشعراء، منهم البرهانُ الجعبري بقوله في قصيدة مطلعها:

لله دَرُّ إِمامٍ زاهِدٍ وَرعٍ


أَبْدى لنا مِنْ فَتاوى الفِقْه مِنْهاجا


أَلفاظُهُ كعُقودِ الدُّرِّ ساطِعَةٌ


على الرياضِ تزيدُ الحُسْنَ إبِهْاجا


4 ـرياض الصالحين من كلام سيد المرسلين:

وقد جُمع من الحديث النبوي كتبٌ كثيرةٌ في الوعظ والاعتبار، ولكن واحداً منها لم يبلغ من الانتشار والثقة ما ’بلغهُ رياض الصالحين‘، فهو كتابٌ جليل القدر، كثيرُ الخير والبركة.

قال النووي في مقدمته:

’فرأيت أن أجمع مختصَراً من الأحاديث الصحيحة، مشتمِلاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلاً لآدابه الباطنة والظاهرة‘... ثم قال: ’وألتزم فيه ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً من الواضحات، مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات‘.

5 ـ الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار:

لم يَحْظَ كتابٌ في الأذكار عند العامة والخاصَّة ما حَظِيَ به كتابُ النووي، فهو كتاب نفيس جليل، ذكر فيه المؤلف عملَ اليوم والليلة، وزاد عليها أذكاراً لمناسبات شتى، مع كثير من الأحكام المتناسبة مع الذكر، وكان فراغه من تأليف ’الأذكار ‘في المحرم سنةَ (667ه)، وأجاز روايته لجميع المسلمين.

6 ـ التبيان في آداب حملة القرآن:

وهو كتاب صغير، ويُستغنى به عن الكتب الكبيرة، ألفه النوويُّ لأهل دمشق، وقد كانت لهم عناية بالقرآن الكريم.

يقول السخاوي: ’وهو كتاب نفيس لا يستغنى عنه، خصوصاً القاررر والمقررر‘.

7 ـ التحرير في ألفاظ التنبيه:

من أجود كتب اللغة التي تشرح ما في كتاب ’التنبيه‘ من ألفاظ لغوية، أو مصطلحاتٍ فقهيةٍ، شبيه بكتاب ’المصباح المنير‘ للفيومي، وقال عنه قاضي صَفَد: ’ما أكثر فوائده! وما أعمَّ نفعه! ولا يستغني طالب علم عنه‘.

8 ـ العمدة في تصحيح التنبيه:

هذا الكتاب من أقدم ما ألف النووي، وموضوعه ملاحظاتٌ رآها في ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي، وهو من قديم ما صنف، فلا يعتمد على مافيه مخالفاً الحديثَ من كتبه.

9 ـ الإيضاح في المناسك: وللنووي مناسكُ كثيرة نحو ستةِ كتبٍ، ومنها منسكٌ خاصٌّ بالنساء، إلا أن الإيضاح أشملُها لكل ما يحتاجه الحاجُّ، مع فوائدَ كثيرةٍ قَيِّمةٍ.

10 ـ إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق:

11 ـ التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير:

وكلاهما في مصطلح الحديث، اختصر الإرشاد من كتاب ’علوم الحديث‘ لابن الصلاح، ثم اختصر الإرشاد بكتاب التقريب. وقد شرحه السيوطيُّ في ’تدريب الراوي‘. وقد استدرك فيهما النوويُّ على ابن الصَّلاح، وخالفه في بعض المسائل.

12 ـ الأربعين النووية: وهو كتابنا هذا الذي نقدم له.

13 ـ بستان العارفين: كتاب رقائق، فيه من الخير وكثرة الفوائد الشيءُ الكثير، وهو صورة كاملة عن مؤلفه في الزهد والإخلاص والإعراض عن الدنيا، وسار فيه على نهج الصفوة المباركة، مع الصدق في القول والعمل.

14 ـ مناقب الشافعي:

اختصره من كتاب البيهقي في مجلد واحد.

15 ـ مختصر أسد الغابة:

نبه عليه النووي في مصنفه ’التقريب‘.

16 ـ الفتاوى المسماة بالمسائل المنثورة:

جمعها عنه تلميذه علاء الدين بن العطار، وهي قيمة، وفيها علم كثير.

17 ـ أدب المفتي والمستفتي:

وهو كتاب نفيس نسجَ فيه على مِنْوال أبي عمرو بن الصلاح.

18 ـ مسائل تخميس الغنائم:

وهذا كتاب ألفه في النزاع بينه وبين شيخه التاج الغزاوي الفركاح في مسألة تخميس الجواري في الحرب.

19 ـ مختصر التذنيب:

التذنيب للرافعي، سماه: المنتخب.

20 ـ تحفة طلاب الفضائل:

هذا كتاب ذكر فيه من التفسير والحديث والفقه واللغة وضوابط ومسائل من العربية، وغير ذلك، وهو جليل في معناه، وأفرده من ’شرح المهذب‘.

21 ـ الترخيص في الإكرام والقيام:

وهي عبارة عن رسالة لطيفة في القيام وصوره وأحكامه.

22 ـ 23 مختصر آداب الاستسقاء، ورؤوس المسائل:

وهما كتابان صغيران جيدان نافعان.

وهذه الكتب التي أكملها النووي على اليقين، وقد يكون إكمالُ بعضها على غالب الظن.

القسم الثاني: ما بدأ النووي بتأليفه، وأدركته الوفاةُ قبل إتمامه.

1 ـ المجموع شرح المهذب:

وكتاب ’المهذب‘ للإمام أبي إسحاق الشيرازي شيخ علماءِ عصره، بدأ النوويُّ بشرحه على طريقة ذِكْر الدليل مع كل مسألة، مع استيعابه للمذهب بكل صوره ومسائله بغاية التحقيق والنقاش والترجيح، ولكنه توفي قبل أن يتمَّه، ووصل فيه إلى أثناء كتاب الربا، ثم جاء بعده التقيُّ السبكي، فحاول أن يتمَّه، وأدركته منيته حين أتم منه ثلاث مجلدات.

وهذا الكتاب العظيم من حقه أن يقدَّم الكلامُ عليه على سائر كتب النووي.

وأقلُّ ما يقال في حَقِّه: إنه أعظمُ كتاب في المذهب الشافعي، ولو أنه كَمُلَ على طريقة مؤلفه، لكانَ أعظم كتابٍ في الفقه مطلقاً، إلا ما ألفه أئمةُ المذاهب.

2 ـ تهذيب الأسماء واللغات:

وهذا الكتاب من الأدلة على علم النووي باللغة والعربية، ويمتازُ هذا الكتاب بالضبط والتحقيق والتحرِّي عن الصواب، وقال عنه النووي: ’وهو كتاب جليل لا يستغني طالبُ علمٍ من العلوم كلِّها عن مثله‘.

3 ـ شرح الوسيط:

’الوسيط‘ للإمام الغزالي، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي، وشرح النووي منه قطعة جيدة.

4 ـ شرح صحيح البخاري:

ويقول النووي في مقدمته: ’أما صحيحُ البخاري، فها أنا أشرع في جمع كتاب في شرحه متوسطٍ بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخِلاَّت، ولا من المبسوطات المملات، ولولا ضعفُ الهمم وقلةُ الراغبين في المبسوط، لبلغت به ما يزيد على مئة من المجلدات، مع اجتناب التكرار والزيادات العاطلات‘.

5 ـ شرح أبي داود:

شرح قطعة منه وصل فيها إلى أثناء الوضوء، وسماها: الإيجاز.

6 ـ الإملاء على حديث: ’إنما الأعمال بالنيات‘.

7 ـ كتاب الأمالي:

قالوا: إنه مهم نفيس، صنفه قربَ موته.

8 ـ الخلاصة في أحاديث الأحكام:

وصل فيها إلى أثناء الزكاة.

9 ـ طبقات الفقهاء:

اختصر هذا الكتابَ من كتاب ابن الصلاح، وزاد عليه أسماء نَبَّه عليها في ذَيْل كتابه.

وكان من حق هذا الكتاب أن يذكَر في الكتب التي أتمَّها، ولكن تلميذَه ابنَ العطار عَدَّهُ في جملة الكتب التي لم يُتِمَّ تأليفَها، ومات النوويُّ وكتابُه هذا مُسَوَّدَةٌ، وبَيَّضَهُ الحافظُ الجمالُ المِزِّيُّ.

10 ـ التحقيق:

كتاب في الفقه، وصل فيه إلى أثناء باب: صلاة المسافر.

11 ـ تحقيق الطالب النبيه:

شرح فيه مواضع من كتاب ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي.

12 ـ جامع السُّنَّة.

13 ـ مهمات الأحكام:

وهو قريب من ’التحقيق‘ في كثرة الأحكام.

14 ـ الأصول والضوابط:

وهي أوراق لطيفة تشتمل على شيء في قواعد الفقه.

القسم الثالث: ما ألفه، ثم غَسَلَه وأتلفَه.

وقد غسل كثيراً من مؤلفاته مخافةَ عدمِ الإخلاص في تأليفها، وبعضُها كتبها مسودة، ولم يتح له الوقت لإعادة النظر فيها.

يقول تلميذه العلاء بن العطار: ’ولقد أمرني مَرَّةً ببيع كراريسَ نحو ألف كَرَّاسٍ بخطِّه، وأمرني بأن أقف على غَسْلها في الوراقة، وخوَّفني إن خالفت أمره في ذلك، فما أمكنني إلا طاعتُه، وإلى الآن في قلبي حسرة منها‘.

13 ـ عبادته وزهده وورعه:

يرى النووي ـ رحمه الله ـ أن أعظم العبادة تَعَلُّمُ العلم الذي يُعرف به الحلالُ والحرام بإخلاص.

ومع ذلك كان له اشتغالٌ في العبادة، وكان كثيرَ التلاوة للقرآن، والذكر لله تعالى، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الآخرة من حال ترعرعه، وكان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصنيف.

وحكى أبو عبد الله محمد البعليُّ الحنبليُّ، قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ النوويُّ واقفٌ إلى سارية في ظُلْمَة، وهو يُردِّد قوله تعالى: ﴿ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ﴾[يس: 24]مراراً بحزن وخشوع، حتى حصل عندي من ذلك شىءٌ اللَّهُ أعلم به.

وقال ابن كثير: كان الإمام النوويُّ يصومُ الدهرَ.

وأما ورعه ـ رحمه الله ـ فورعُ من يشهدُ يوم الحساب بعين اليقين، وعظم الإيمان، ولذا وصفه الذهبيٌّ بأنه صاحبُ ورع ثخين، ويريد: أنه ورعٌ شديدٌ قَلَّ مَنْ يستطيعُ أن يقوم به.

فمن ورعه؛ أنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسأله ابنُ العطار عن ذلك، فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحتَ الحَجْرِ شرعاً، ولا يجوز التصرُّفُ في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة لليتيم والمَحْجور عليه، والناسُ لا يفعلونها إلاّ على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟!

ومن ورعه أيضاً:أنه كان لا يتناول من جهة ما مالاً أو طعاماً، ولا يقبل من أحد، حتى ما يُفرض له.

وحكى الذهبي: أنه ترك جميع الجهات الدنيوية، فلم يكن يتناول من جهة من الجهات درهماً فرداً.

وأنه ما أخذ من الأشرفية فيما بلغني (جامكيَّة)، بل اشترى بها كتباً ووَقَفَها.

ويظهر أن هذا كان أولَ أمره، ثم امتنع عن أخذ شيء البتةَ، بل كان يقنع بالقليل مما يبعث به إليه أبوه من بلده.

والغريب فيه:أنه مع هذا الزهد والورع والاعتقاد بالقليل كان يقرِّرُ جوازَ أكل لذيذ الأطعمة، وأنه لا ينافي الزهدَ، وذلك في تعليقه على حديث صحيح مسلم: ’كان رسول اللهصلى الله عليه وسلميحب الحلواء والعسل‘.

14 ـ كرامات النووي:

إن لم يكن النووي وأمثاله أولياء الله، فمن هم الأولياء إذاً، والله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس: 62 ـ 63]؟ فلا ينكر أن تكون له الكرامات الكثيرة.

ويقول الذهبي: كان يؤثَرُ عنه كرامات وأحوال.

15 ـ أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر:

كان الإمام النووي ـ رحمه الله ـ عديمَ المثيل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لا يبالي في أمره ونهيه لومة لائم، بل لا يبالي الإهانة والعذاب والموت، ولا يكبر عنده أحد عن نصيحته، حتى العلماءُ والملوك، والأمراءُ والجبابرة، وله مواقفُ وحوادثُ تذهب بالألباب في أمره ونهيه مع الظاهر بيبرس، ومع شيخه الفركاح التاج الفزاري، ومع عدة من علماء عصره الذين كانوا يزينون للسلطان بعض الفتاوى، ولكن من أشهر مواقفه وأبرزها وقوفه في وجه الملك الظاهر بيبرس البندقداري التركي صاحب مصر والشام، المتوفَّى سنة (676ه) قبل النووي بقليل، وواقفَ الظاهِرَ غيرَ مرةٍ في دار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق، لما أرادوا صنع الأملاك عليها.

وقصة الحوطة: لما ورد السلطانُ الظاهرُ دمشقَ بعد قتال التتر ونزوحهم عنها، ولَّى وكالةَ بيت المال شخصاً من الحنفية، فقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق كان التتار قد استولوا عليها، فتملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة، فوضع السلطانُ يدَه عليها، فقام جماعةمن أهل العلم، وكان الشيخ فيهم، بل هو أعظمهم، فكلم السلطانَ في ذلك كلاماً فيه غلظة، فظن السلطان أن له مناصب يعزله عنها، فقيل: ما لَهُ منصبٌ.

ولما خرج الملك الظاهر لقتال التتار بالشام، طلب فتاوى العلماء بأنه يجوز أخذ مالٍ من الرعيَّةِ ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك، وقتل خلقاً من العلماء كثيراً بسبب إفتائهم له بعدم الجواز، فقال: هل بقي أحد؟ فقالوا: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي. فطلبه، فقال: اكتب خطك مع الفقهاء، فامتنع، وقال: لا، فقال: ما سبب امتناعك؟ فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم مَنَّ الله عليك، وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألفَ مملوك، كلُّهم عنده حياصة من ذهب، وعندك مئتا جارية، لكلِّ جاريةٍ حُقٌّ من الحلي، فإذا أنفقتَ ذلك كلَّه، وبقيت مماليكُك بالبنود الصوف بدلاً عن حياصات الذهب، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، ولم يبق في بيت المال شيء من نقدٍ أو متاعٍ أو أرضٍ، أفتيتُك بأخذ المال من الرعية، وإنما يُستعان على الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتِّباع آثارِ نبيهصلى الله عليه وسلم.

فغضب السلطان من كلامه، وقال: اخرج من بلدي، فقال: السمعُ والطاعة، وخرج إلى نوى، فقيل للملك: ما سبب عدم قتلك له؟ فقال: كلما أردت قتله، رأيت على عاتقه سَبُعَيْنِ يريدان افتراسي، فأمتنع من ذلك.

ومما كتبه لما احتيطَ على أملاك دمشق بعد إنكاره مواجهة السلطان الظاهر وعدم إفادته وقبوله: ’بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾[الذاريات: 10]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾[آل عمران: 187]، وقال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[المائدة: 2].

وقد أوجب الله على المكلَّفين نصيحةَ السلطان ـ أعز الله أنصاره ـ، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ’الدين النصيحة: للَّهِ ولكتابهِ ورسولهِ وأئمةِ المسلمينَ وعامَّتهم‘، ومن نصيحة السلطان ـ وفقه الله لطاعته، وتولاه بكرامته ـ أن ينهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقةَ على الرعيَّة، والاهتمامَ بالضَّعَفَةِ، وإزالةَ الضررِ عنهم، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الحجر: 88] ثم قال: وقد أنعم الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان ـ أعز الله أنصاره ـ ؛فقد أقامه اللَّهُ لنُصْرةِ الدين، والذبِّ عن المسلمين، وأذلَّ له الأعداءَ من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورةَ في المدة اليسيرة، وأوقع الرُّعْبَ منه في قلوب أعداء الدين وسائر المارقين، ومهَّدَ له البلادَ والعبادَ، وقَمَعَ بسببه أهلَ الزَّيْغِ والفساد، وأمدَّه بالإعانة واللطف والسعادة، فللَّهِ الحمدُ على هذه النعم المتظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل اللَّهَ الكريمَ دوامَها للمسلمين، وزيادتها في خير وعافية، آمين.

وقد أوجب اللَّهُ شكرَ نعمه والزيادة للشاكرين، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[إبراهيم: 7].

وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبيرُ عنها، وطُلب منهم إثباتٌ، لا يلزمهم، فهذه الحوطةُ لاتحلُّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَنْ في يده شيء، فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يُكَلَّفُ إثباتَه.

وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحبُّ العملَ بالشرع، ويوصي نُوّابَهُ به، فهو أَوْلى من عَمِلَ به، والمسؤول إطلاقُ الناسِ من هذه الحوطة، والإفراجُ عن جميعهم، فأطلقْهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضَعَفَةٌ، وفيهم الأيتامُ والأرامل والمساكين والضعفةُ والصالحون، وبهم نُنصر ونُغاثُ ونُرزق، وهم سكان الشام المبارك، جيرانُ الأنبياء ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ، وسكان ديارهم، فلهم حرماتٌ من جهات.

ولو رأى السلطان ما يلحقُ الناسَ من الشدائد، لا شتدَّ حزنُه عليهم، وأطلقهم في الحال، ولم يؤخِّرْهم، ولكن لا تُنْهى الأمورُ إليه على وجهها.

فبالله أغثِ المسلمين يغثْك اللَّهُ، وارفُقْ بهم يرفُقِ الله بك، وعجِّل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلفِ غلاتهم؛ فإن أكثرَهم ورثوا هذه الأملاكَ من أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيلُ كتب شراء، وقد نُهبتْ كتبُهم، وإذا رَفَقَ السلطانُ بهم، حصلَ له دعاءُ رسولِ اللهصلى الله عليه وسلم لمن رفق بأمته، ونصرَهُ على أعدائه؛ فقد قال الله تعالى: {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هاذا سحر مبين }، ويتوفرُ له من رعيته الدعوات، وتظهرُ في مملكته البركات، ويبارَكُ له في جميع ما يقصدُه من الخيرات، وفي الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ’من سنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة‘، فنسأل اللَّهَ الكريمَ أن يوفِّقَ السلطانَ للسُّنَنِ الحسنة التي يُذْكَرُ بها إلى يوم القيامة، ويحميَهُ من السنن السيئة.

فهذه نصيحتُنا الواجبةُ علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول، والسلامُ عليكم ورحمة الله.

16 ـ حِلْية النووي وبعض أخباره:

يقول الذهبي في وصفه: ’كان أسمرَ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، رَبعةً، مَهيباً، قليلَ الضَّحِكِ، عديمَ اللَّعِبِ، بل جِدٌّ صِرْفٌ، يقولُ الحقَّ وإن كانَ مرّاً، لا يخافُ في الله لومة لائم.

وكان خشنَ العيش، قانعاً بالقُوتِ، تاركاً للشهوات، صاحبَ عبادة وخوف، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلاّ أَكلة واحدة، وقوتُه منِ قِبَلِ والِده، ولا يشربُ إلا مرة في السَّحَر، ولا يشرب الماءَ المبرَّد‘.

والنوويُّ لم يتزوجْ قَطُّ، ولعل السببَ في ذلك أنه زاهدٌ في مُتَع الدنيا كلِّها، بل ليس في عقله وقلبه ذرةٌ واحدة يمكنُ أن تعبأ بغير ما صرفَ حياته كلَّها إليه، فكان إذا غلبه النومُ، استندَ إلى الجدارِ قليلاً، وهو جالسٌ، ثم يستيقظُ مذعوراً كأن شيئاً ثميناً سُرق منه.

ومن طريف ما حكى عن نفسه ـ كما روى ذلك تلميذُه العلاء بن العطا ر ـ: أنه في أول طلب العلم قرأ أنَّ من موجِبات الغسل التقاءَ الختانين، فكان يظنُّ المَعْنى أن ذلك قرقرةٌ في البطن، فكان كلما قرقرَ بطنُه، ذهب فاغتسل، حتى أصابه من ذلك عَنَتٌ ومرضٌ، وبعدَ زمنٍ عَرَفَ المراد.

17 ـ شعره، وما تمثَّلَ به:

قَلَّ من العلماء من لم يجربْ أن يقولَ الشعر، فمنهم المُقلُّ، ومنهم المُكْثِرُ، ومن قرأ سيرة النوويِّ لا يفترض فيه أن يكون شاعراً؛ لكثرة أعماله وجِدِّه وإنتاجه، ولكن بعض تلاميذه سمع منه شعراً يتمثَّل به قبل وفاته، وقيل: هي منسوبة إليه:

بشائرُ قلبي في قُدومي عليهمُ


ويا لَسُروري يومَ سيري إليهِمُ


وفي رحلتي يَصْفو مقامي وحَبَّذا


مقامٌ بهِ حَطُّ الرِّحالِ إليهمُ


ولا زادَ لي إلا يقيني بأنَّهُمْ


لهم كَرَمٌ يُغْني الوُفودَ عليهمُ


18 ـ سفره لزيارة الشافعي:

وقد سافر النووي إلى القاهرة لزيارة الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه، فلما عاين قُبَّتَهُ، وقفَ هناك، ولم يَخْطُ خطوةً بجهته، فقيل له: هلا تَقَدَّمْتَ؟ فقال: لو كان الإمام حَيّاً، ورأيتُ خيامَه، كان يلزمني الوقوفُ بمجرد رؤيتها، ثم رجع من غير أن يشعر به أحد من أهلها..

ولو أنصف النوويُّ نفسَه ـ إن أدرك الإمام ـ لكان ينبغي أن يكون من خُلَّصِ تلاميذه، وأفقههم، ولكنه الأدبُ والتواضعُ، وهكذا ينبغي احترامُ الكبارِ والعلماءِ، والأدبُ معهم أحياءً ومَيِّتين.

19 ـ ثناء العلماء عليه:

أجمع العلماءُ والفقهاء والمحدِّثون والزُّهَّاد والمتعبِّدون على حُبِّ الإمام النووي، والثناء عليه؛ لأنه جمع ذلك كلَّه، وأخلصَ لله تعالى فيه.

ودونك بعض أقوال العلماء فيه:

وصفه ابنُ العطار بقوله: ’شيخي وقدوتي الإمامُ ذو التصانيف المُفيدة والمُؤَلفات الحميدة، أوحَدُ دهره، وفريدُ عصره، الصوَّام القوَّام، الزاهدُ في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحبُ الأخلاقِ الرضيَّة، والمحاسِنِ السَّنِيَّة، العالمُ الربّانيُّ المُتَّفَق على علمِه وإمامتِه وجلالتِه، وزهدِه وورعِه وعبادته، وصيانتِه في أقوالِه وأفعالِه وحالاتِه، له الكراماتُ الطافِحَة، والمَكْرُماتُ الواضحة، المؤثر بنفسه وماله المسلمين، والعاملُ بحقوقهم وحقوقِ وُلاة أمورِهم بالنُّصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد بالخروج من خلاف العلماء، ولو كان بعيداً، والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة.

وكان محقِّقاً في علمه وفنونه، مدقِّقاً في عمله وشؤونه..‘.

وقال الذهبي في وصفه: ’الشيخُ القدوةُ الحافظُ الزاهدُ العابدُ الفقيهُ المجتهدُ الرباني، شيخُ الإسلام، حسنة الأنام، محيي الدين، صاحب التصانيفِ التي سارت بها الرُّكْبان، واشتهرت بأقاصي البلدان‘.

وقال التاج السبكي في ’طبقاته الوسطى‘: ’الشيخُ الإمام شيخُ الإسلام، أستاذُ المتأخرين، حُجَّةُ الله على اللاحقين، ما رأت عينٌ أزهدَ منه في يقظةٍ ومَنَام، ولا عاينَتْ أكثرَ اتِّباعاً منه لطرق السالفينَ من أمةِ محمدٍ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام، له التصانيفُ المفيدة، والمناقبُ الحميدة، والخصائلُ التي جمعت طارفَ كُلِّ فضلٍ وتَليدَه، والورعُ الذي خَرَّبَ به دنياه وجعل دينَه معموراً، والزهدُ الذي كان يَحْيَى به سَيِّداً وحَصُوراً‘.

20 ـ وفاته وقبره:

توفي ـ رحمه الله ـ في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مئة.

ويقول التاج السبكي: ’لما مات النوويُّ بنوى، ارتجَّتْ دمشقُ وما حولها بالبكاء، وتأسَّفَ عليه المسلمون أسفاً شديداً، وأحيوا ليالي كثيرة لسنته‘.

وهاك قصة وَفاته كما رواها تلميذُه علاءُ الدين بنُ العطار، يقول: ’كنت جالساً بين يديه قبل انتقاله بشهرين أو نحوهما، وإذا بفقير قد دخلَ عليه، وقال للشيخ: فلانٌ من بلادِ صَرْخَد يسلم عليك، وأرسل معي هذا الإبريقَ لك، فَقَبِلَهُ الشيخ، وأمرني بوضعه في بيت حوائجه، فتعجبت منه لقبوله، فشعر بتعجبي فقال: أرسل إليَّ بعض الفقراء زَرْبولاً، وهذا إبريقٌ، فهذه آلَةُ السفر.

ثم بعد أيام يسيرةٍ كنت عندَه،فقال لي: قد أذِنَ لي في السفر، فقلت: كيف أذن لك؟ قال: أنا جالس هنا ـ يعني: بيته في المدرسة الرواحية، وقدامه طاقةٌ مشرفةٌ عليها مستقبلة القِبْلة ـ إذْ مرَّ عليَّ شخَصٌ في الهواء من هنا، ومرَّ كذا ـ يشير من غرب المدرسة إلى شرقها ـ، وقال: قم سافرْ لزيارةِ بيت المَقْدِسِ، وكنتُ حملت كلام الشيخ على سفر العادة، فإذا هو السفرُ الحقيقي.

ثم قال لي: قم حتى نودعَ أصحابَنا وأحبابنا، فخرجت معه إلى القبورِ التي دُفن فيها بعضُ مشايخه، فزارهم، وقرأ شيئاً، وبكى، ثم زارَ أصحابَهُ الأحياءَ، والشيخَ يوسفَ القفاعي، والشيخَ محمداً الإخميميّ، وشيخَنا الشيخَ شمَس الدين بنَ أبي عمرَ شيخَ الحنابلة، ثم سافر صبيحةَ ذلك اليوم، فسار إلى نوى، وزار القدس والخليل، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته لها في بيت والده، فبلغني مرضُه، فذهبت من دمشق لعيادته، ففرح ـ رحمه الله ـ بذلك، ثم قال لي:ارجعْ إلى أهلك، وودعتهُ، وقد أشرفَ على العافية يومَ السبت العشرين من رجب، ثم توفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب.

فبينما أنا نائم تلك الليلة، إذا منادٍ ينادي على سُدَّةِ جامعِ دمشق في يوم الجمعة: الصلاةَ على الشيخ زكي الدين الموقع، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشيةَ الخميس، إذ جاء الخبرُ بموته ـ رحمه الله ـ فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، ولما وصل خبرُ وفاتِه إلى دمشقَ، ارْتَجَّتِ البلدُ، وزحفت دمشقُ إلى حوران، وصَلَّى عليه قاضي القضاة عزُّ الدين بنُ الصائغ، ودُفن ـ رحمه الله ـ في قريته نوى، وقبرُه فيها ظاهر يُزار.

وكان ـ رحمه الله ـ يريدُ أن يكون قبره على السُّنَّةِ، فيه علامةُ الفقرِ إلى الله، والزهدِ الذي عاشه في دنياه، ولكن الموتَ لم يُمْهِلْه حتى يوصيَ بذلك، وقومُه يريدون بناءَ قُبَّةٍ عليه، وأجمعوا أمرَهُمْ على ذلك، إذ جاء ـ رحمه الله ـ في النوم إلى أكبرِ امرأةٍ من قرابته ـ رُبَّما تكونُ عَمَّتَهُ ـ، وقال لها: قولي لأخي والجماعة لا يفعلون هذا الذي قد عَزَموا عليه من البنيان؛ فإنه كُلَّما بَنَوا شيئاً يُهْدَمُ عليهم، فانتبهتْ منزعجة، فقصَّتْ عليهم الرُّؤيا، وامتنعوا من البنيان.

وحَوَّطوا على قبره بحجارة تمنعُ الدوابَّ وغيرها.

ومما يدلُّ على صِدْقِ هذه الرؤيا أنه في أواخرِ القرنِ العاشرِ بنى الأميرُ الكبيرُ قانصوه الساعدي ـ رحمه الله ـ على قبر الشيخ قُبَّةً مِراراً، فوقعتْ مَن غيرِ هَدْم.

ولا تزال هذه العقيدةُ بينَ أهلِ نوى، وهي أنهم كُلَّما بنوا سَقْفاً على قبره،ىى يَرَونَ أنه لا بدَّ أن يُهدمَ، فهم يتخوَّفون دائماً أن يجعلوا لقبره سقفاً، وهو محوط مُسَوَّرٌ غيرُ مسقوفٍ إلى يومِنا هذا. وخرجتْ من داخلِ القبر شجرةٌ عظيمةٌ يبستْ مع الزمن، ولا تزال شاهدةً على صلاحِ النوويِّ وزهدِه.

21ـ رثاؤه وما قيل فيه:

يقول الذهبُّي: ورثاه غيرُ واحد يبلغون عشرين نفساً بأكثرَ من ستمئة بيت، منهم: شيخ الأدب أبو عبد الله محمدُ بنُ أحمد بقصيدتين، إحداهما:

عَزَّ العَزاءُ وَعَمَّ الحادِثُ الجَلَلُ


وخابَ بالموتِ في تعميركَ الأَمَلُ

واستوحَشَتْ بعدَما كُنْتَ الأنيسَ لَها

وساءَها فَقْدُكَ الأسمارُ والأُصُلُ


وكنتَ للدِّينِ نُوراً يُسْتَضاءُ بهِ


مُسَدَّداً منكَ فيهِ القَوْل والعَمَلُ


وكُنْتَ تَتْلو كِتابَ اللَّهِ مُعْتَبِراً


لا يَعْتَريكِ على تَكْرارِهِ مَلَلُ


وكُنْتَ في سُنَّةِ المُخْتار مُجْتَهِداً


وأنتَ باليُمْنِ والتَّوفيقِ مُشْتَمِلُ


وكُنْتُ زَيْناً لأَهْل العِلْمِ مُفْتَخِراً


على جَديدِ كِساهُمْ ثَوْبُكَ السَّمِلُ


وكُنْتَ أَسْبَقَهُمْ ظِلأًّ إِذا اسْتَعَرَتْ


هواجِرُ الجَهْلِ والإِضْلالُ ينتَقلُ


كَساكَ رَبُّكَ أَوْصافاً مُجَمَّلَةً


يَضيقُ عن حَصْرِها التَّفْصيلُ والجُمَلُ

أَسْلى كَمالُكَ عَنْ قَوْمٍ مَضَوْا بَدَلاً


وعَنْ كَمالِكَ لا مِثْلٌ ولا بَدَلُ


فَمِثْلُ فَقْدِكَ تَرْتاعُ العُقولُ لَهُ


وفَقْدُ مِثْلِكَ جُرْحٌ لَيْسَ يَنْدَمِلُ


زَهِدْتَ في هههذهِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِها


عَزْماً وحَزْماً ومَضْروبٌ بِكَ المَثَلُ

أَعْرَضْتَ عَنْها احْتِقاراً غَيْرَ مُحْتَفِلٍ


وأنتَ بالسَّعْيِ في أُخْراكَ مُحْتَفِلُ


عَزَفْتَ عَنْ شَهَواتٍ مالِعَزْمِ فَتًى


بِها سِواكَ إذا عَنَّتْ لَهُ قِبَلُ


أَسْهَرْتَ في العِلْم عَيْناً لَمْ تَذُقْ سِنَةً


إِلاَّ وأَنْتَ بهِ فِي الحُكْمِ مُشْتَغِلُ


يالَهْفَ حَفْلٍ عَظيمٍ كُنْتَ بَهْجتَهُ


وحَلْيَهُ فَعَراهُ بَعْدَكَ العَطَلُ


وطالِبُو العِلْمِ مِنْ دانٍ ومُغْتَربٍ


نالوا بِيُمْنِكَ مِنْهُ فَوْقَ ما أمِلُوا


حاروا لِغَيْبَةِ هاديهِمْ وضاقَ بِهِمْ


لِفَرْطِ حُزْنٍ عليكَ السَّهْلُ والجَبَلُ


تُرَى دَرَى تُرْبُه مَنْ غَيَّبوهُ بِهِ


أو نعشُه مَنْ على أَعْوادِهِ حَمَلوا


عَنَّاهُ شُغْلُهُمُ دَهْراً وعاذلُهُمْ


بِلاعِجِ الوَجْدِ قَدْ أَشْفى لَهُمْ شُغُلُ


يا مُحْيِيَ الدِّينِ كَمْ غادَرْتَ مِنْ كَبِدٍ


حَرَّى عليكَ وعَيْنٍ دَمْعُها هَطِلُ


وكَمْ مقامٍ كَحَدِّ السَّيْفِ لا جَلِدٌ


يَقْوَى على هَوْلِهِ فيهِ ولا جَدِلُ


وكَمْ تواضَعْتَ عَنْ فَضْلٍ وعَنْ شَرَفٍ


وهِمَّةٍ هامَةَ الجَوْزاءِ تَنْتَعِلُ


عالَجْتَ نَفْسَكَ والأدواءُ شامِلَةٌ


حَتَّى اسْتقَامَتْ وحَتّى زالَتِ العِلَلُ


بلغتَ بالتَّعبِ الفاني رِضا مَلِكٍ


ثَوابُهُ في جِنانِ الخُلْدِ مُتَّصِلُ


رحم الله هذا الإمامَ الكبيرَ، ورضيَ عنه، وجزاهُ خيرَ الجَزاء عَنّا وعَنِ المُسلمين في الدنيا والآخِرة، آمين.



عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أصغر وزير في الإسلام

حرص كثير من الناس على عدم إسناد المناصب المهمة في المجتمع إلا لمن تجاوزوا الكهولة إلى الشيخوخة؛ ليستفيدوا من حكمة الشيوخ، ولأن الشباب يغلب عليهم الطيش والتهور، إلا أن التاريخ لم يعدم نماذج من الشباب فاقوا الشيوخ في الحكمة وتقدير الأمور.
ومن هؤلاء الشباب الذين تولوا هذه المناصب الرفيعة عن جدارة: عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز,
ولعل الجو العمري الذي نشأ فيه عبد الملك يوحي إلينا أن الطاقة الشبابية إذا وجدت الجو المناسب صنعت الأعاجيب، أما الإهمال والازدراء والتهميش للشباب، فسيقتل فيهم الرجولة قبل أن تولد، وكيف توجد مع فرض الوصاية على العقول حتى يعامل ابن الأربعين معاملة الأطفال؟
مولد عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ونشأته :
ولد عبد الملك سنة 82هـ ومات سنة 101هـ، وهو في التاسعة عشرة من عمره، في زهرة شبابه مات صافيًا لم يعرف آثام الحياة.
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه
فتى مكتهل كان قائدًا مع أبيه, فكان نعم العون ولمّا يتجاوز السادسة عشر من عمره؛ فقد كان –رحمه الله- ابن أم ولد لعمر بن عبد العزيز، وقد أعجب به أبوه أيما إعجاب.
فضل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ومكانته :
فضل عبد الملك لا ينكر، إلا أن شهرة أبيه الواسعة ألهت الباحثين عن ذكره كما يشغل المؤرخ دائمًا بذكر الملوك وإنجازاتهم مع اختصار دور الوزراء.
روى أبو نعيم في الحلية عن بعض مشيخة أهل الشام قال: "كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك".
وقال سيار بن الحكم خادم عمر: "قال ابن لعمر بن عبد العزيز يقال له عبد الملك, وكان يفضل على أبيه: يا أبي أقم الحق ولو ساعة من نهار".
وقال عمر بن عبد العزيز: "لولا أن يكون زُيِّنَ لي من أمر عبد الملك ما يُزين في عين الوالد من ولده، لرأيت أنه أهل للخلافة". وهذا الكلام صادر من عمر، وكفى به مزكيًا، ولكن عمر يربأ بولده عن أن يكون وريثًا له في الإمارة، وإن كان لذلك أهلاً.
وروى الدورقي قال: "إن عمر قال لابنه عبد الملك يومًا: إني أخبرك خبرًا، والله ما رأيت فتى ماشيًا قط أنسك منك نسكًا، ولا أفقه فقهًا، ولا أقرأ منك، ولا أبعد من صبوة في صغر ولا كبر منك يا عبد الملك".
لأجل هذا قال ابن رجب الحنبلي في مناقب عبد الملك: "فعسى الله أن يجعل في سماع أخباره لأحد من جنسه أسوة، ولعل أحدًا كريمًا من أبناء الدنيا تأخذه بذلك حمية على نفسه ونخوة؛ ففي ذكر أمثال أخبار هذا السيد الجليل مع سنه توبيخ لمن جاوز سنه وهو بطال، ولمن كان بعيدًا عن أسباب الدنيا هو إليها ميال".
زهد عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وتقشفه :
إنما الزاهد من مَلَكَ فترك! فليس يعد زاهدًا من لم ينل من الدنيا إلا القليل، فتعبد في صومعة، ولو فتحت عليه الدنيا لم ندر ما يكون حاله، فهذا فقيرٌ الله أعلم بنيته, إنما الزاهد من ملك الدنيا ثم تركها ابتغاء ما عند الله، وجعلها مزرعة لآخرته، وهذا الفرق بين الزهد والفقر، وقد كان رسول الله زاهدًا لا فقيرًا؛ إذا أقبلت الدنيا لا يفرح، وإذا أدبرت لا يحزن.
والزهد في حال الشيخوخة محتمل، لكنه في الشبيبة نادر، وعلى هذا الدرب كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز.
فعن ميمون بن مهران قال: "دخلت على عبد الملك بن عمر فحضر طعامه، فأتى بقلية مدنية وهي عظام اللحم، ثم أتى بثريدة قد ملئت خبزًا وشحمًا، ثم أتى بزبد وتمر، فقلت: لو كلمت أمير المؤمنين يخصك منه بخاصة، فقال: إني لأرجو أن يكون أوفى حظًّا عند الله من ذلك، فقلت لنفسي: أنت لأبيك, ودخلت عليه مرة أخرى فإذا بين يديه ثلاثة أرغفة وقصعة فيها خل وزيت".
وقال ابن رجب الحنبلي في كتابه سيرة عبد الملك بن عمر: "لقد كان -رحمه الله- مع حداثة سنه مجتهدًا في العبادة، ومع قدرته على الدنيا وتمكنه منها راغبًا مؤثرًا للزهادة".
عبادة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
الشباب مظنة الاستهتار والغفلة، لذلك فإن الطاعة من الشاب أحب إلى الله تعالى من الشيخ، ومن السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "وشاب نشأ في طاعة الله"، ومن هؤلاء عبد الملك بن عمر؛ فقد قال عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز: "وفدت إلى سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت على ابنه عبد الملك وهو عزب، فكنت معه في بيت، فصلينا العشاء وآوى كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، ثم قام يصلي حتى ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه الآية: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} [الشعراء: 205، 206]، فيبكي ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل ذلك حتى قلت سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله كالمستيقظ من النوم؛ لأقطع عليه ذلك شفقة عليه، فلما سمعني سكت، فلم أسمع له حسًّا -رحمه الله- فانظر رحمك الله كيف حال هذا الشاب الوزير مع ربه بالليل؟
نصيحة عبد الملك لأمير المؤمنين :
كان دائمًا يأتي بالخبر الفصل، وينطق بالكلام الجزل في القضايا العويصة, وبشجاعة يعجز عنها الأفذاذ، فموقع الوزارة من أبيه عمر جعله دائمًا ينظر إلى صلاح آخرة الأمير، وهذه مهمة الوزير الحقيقية: النصيحة الشجاعة، وليس تبرير تصرفات الأمير كأنه سكرتير خالص له!!

فقد جمع عمر بن عبد العزيز الناس واستشارهم في رد مظالم الحجاج، فكان كلما استشار رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين ذاك أمر في غير سلطانك ولا ولايتك, فكان كلما قال له رجل ذلك أقامه، حتى خلص بابنه عبد الملك، فقال له ابنه: يا أبي ما من رجل استطاع أن يرد مظالم الحجاج فلم يردها إلا شركه فيها، فقال له عمر: لولا أنك ابني لقلت: إنك أفقه الناس؛ الحمد لله الذي جعل لي وزيرًا من أهلي عبد الملك ابني.

حلم عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
قليل من الناس لا تغيرهم المناصب، بل يغيرونها بأخلاقهم، واسمع لهذا الموقف من الشاب المكتهل، فعن إسماعيل بن أبي الحكم قال: غضب عمر بن عبد العزيز يومًا فاشتد به غضبه وعبد الملك حاضر، فلما سكن غضبه قال: يا أمير المؤمنين أنت في قدر نعمة الله عليك، وفي موضعك الذي وضعك الله به، وما ولاك من أمر عباده يبلغ بك الغضب ما أرى؟ قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه الكلام، فقال له عمر: أما تغضب يا عبد الملك؟ قال: ما تغني سعة جوفي إن لم أرد فيه الغضب حتى لا يظهر منه شيء أكرهه، وفي رواية: لا والذي أكرمك بما أكرمك به، ما ملأني الغضب قط.
وذات يوم أمر عمر غلامه بأمر، فغضب عمر، فقال عبد الملك: يا أبتاه.. ما هذا الغضب والاختلاط؟ فقال عمر: إنك لتتحلم يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: لا والله ما هو التحلم، ولكن الحلم.
قال ابن رجب: "ومراد عبد الملك أن الحلم عنده صفة لازمة، وهو مجبول عليها، ولا يحتاج أن يصطنعه ويتكلفه من غير أن يكون عنده حقيقة".
الحزم قبل أن ينتقض العزم :
روى أبو بكر الآجري: أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك خطب عمر الناس ونزل، ثم ذهب يتبوأ مقيلاً، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين, من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: اُدن مني أي بني، فدنا منه، فالتزمه وقبله بين عينيه, وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، وخرج فلم يُقِل، وأمر مناديًا: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.
وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: "جلس عمر يومًا للناس، فلما انتصف النهار ضجر وعلَّ وملَّ، فقال للناس: شأنكم حتى أنصرف إليكم، فدخل يستريح ساعة، فجاءه عبد الملك فسأل عنه قالوا: دخل يستريح، فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين ما أدخلك؟ قال: أستريح ساعة، قال: أَوَأَمِنْتَ الموت أن يأتيك ورعيتك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم؟ فقام من ساعته وخرج إلى الناس.
موعظة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه :
قلما تجد معزيًّا يذكر الأمير بقضية الموت، وينقل صاحب البلية من الانشغال بالبكاء على غيره للبكاء على نفسه؛ فعن يحيى بن إسماعيل قال: "مات ابن لعمر بن عبد العزيز، فكشف عمر الثوب عن وجهه، وجعل يستدمع، فجاء عبد الملك فقال: أشغلك يا أمير المؤمنين ما أقبل من الموت إليك؟ بل وهو في شغل عما حل لديك، فكأنك قد لحقت به وساويته تحت التراب بوجهك، فبكى عمر ثم قال: رحمك الله يا بني فوالله إنك لعظيم البركة، نافع الموعظة لمن وعظت، ولكن جزعي لما علمت أن ملك الموت دخل داري، فراعني دخوله، فكان الذي رأيت.

تورع عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز عن الحرام :
إن المال المتراكم لدى الأمراء الناتج عن سوء استخدام السلطات أو الهدايا التي تأتيهم من الرعية رغبًا ورهبًا كان لعبد الملك فيها رأي, فقال عمر يومًا لمولاه مزاحم: إن هؤلاء القوم -يعني بني عمه من الخلفاء الذين كانوا من قبله- قد أعطونا عطايا، وما كان لنا أن نتقبلها، وإن ذلك صار إليّ، وليس عليّ فيها دون الله محاسب. فقال له مزاحم: يا أمير المؤمنين هل تدري كم عيالك؟ هم كذا وكذا، فذرفت عيناه فجعل يستدمع ويقول: أكِلَُهم إلى الله ثم انطلق مزاحم من ساعته حتى استأذن على عبد الملك، فقال له عبد الملك: ما جاء بك يا مزاحم؟ هل حدث حدث؟ قال: اشتد الحدث عليك وعلى بني أبيك، قال: وما ذاك؟ قال: دعاني أمير المؤمنين، وذكر القصة..
فقال عبد الملك: فما قلت له؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين أتدري كم عيالك؟ هم كذا وكذا، قال: فما قال لك؟ قال: جعل يستدمع ويقول: أكِلُهم إلى الله, فقال عبد الملك: بئس وزير الدين أنت يا مزاحم, ثم وثب وانطلق إلى باب عمر، فاستأذن عليه، فقيل: إن أمير المؤمنين وضع رأسه للقائلة، فقال: استأذن لا أم لك, فسمع عمر الكلام فقال: دعه فدخل، فقال عمر: ما حاجتك يا بني هذه الساعة؟ قال: حديث حدثنيه مزاحم, قال: فأين وقع رأيك من ذلك؟ قال: عليّ إنفاذه ومن الساعة، فحمد عمر ربه وقال: نَعَمْ يا بني, أصلي الظهر ثم أصعد المنبر وأردها علانية على رءوس الناس، فقال عبد الملك: ومن لك بالظهر؟ ومن لك إن بقيت للظهر أن تسلم لك نيتك؟ فقال عمر: تفرق الناس ورجعوا للقائلة، قال عبد الملك: تأمر المنادي فيجمع الناس، ففعل عمر, والمراد أن عبد الملك حثه على فعل ذلك، وعلى المبادرة إليه حين عزم عليه؛ خشية أن تنفسخ نيته إن أخره، أو يموت قبل الفعل؛ فقد ينوي المرء خيرًا لكن التكاسل والتسويف يمحقان أثر هذه النية.
هوان نفسه في سبيل الله :
قال ميمون بن مهران: قال عبد الملك بن عمر لأبيه يومًا: يا أبى ما منعك أن تمضي لما تريد من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غَلتْ بي وبك القدور في ذلك.
يعني: نعذب في سبيل إقامة الحق ولو وضعنا في القدور التي يغلي فيها الزيت الحار.
وقال عمر يومًا: والله لوددت أني عدلت يومًا واحدًا وأن الله توفى نفسي.. فقال عبد الملك: أنا والله لوددت أني عدلت فواق ناقة وأن الله توفى نفسي، فقال عمر: آلله؟ فقال عبد الملك: آلله, ولو غَلتْ بي وبك القدور، فقال عمر: جزاك الله خيرًا.
وقال لأبيه ذات يوم: ماذا أنت قائل لربك غدًا إن سألك وقد تركت حقًّا لم تحيه، وباطلاً لم تمته؟
وفاة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
قال عمر ذات يوم لعبد الملك ابنه: ما كنت أحب أن أراه فيك إلا قد رأيته إلا شيئًا واحدًا قال: ما هو؟ قال: موتك (أي يبتلى بفقده، فيكون في صحيفة حسناته) قال: أراكه الله، فأصابه الطاعون في خلافة أبيه، فمات قبل أبيه وعمره تسعة عشر عامًا، ووقف عمر على قبره وقال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت برًّا بأبيك، وما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا، ولا والله ما كنت أشد سرورًا ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله إليه، فرحمك الله وغفر ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، وتجاوز عن سيئه، ورحم كل شافع يشفع لك من شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره والحمد لله رب العالمين.
رحم الله عبد الملك بن عمر، وأسكنه فسيح جناته.. آمين.

ابوالعتاهية شاعر الزهد

 ابوالعتاهية شاعر الزهد



هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، وإنما كُني بأبي العتاهية لأنَّ الخليفة المهدي قال له يومًا: "أنت إنسانٌ مُتحذلِق - أي: متظرف - متعته، فاستَوَى له من ذلك كنية غلبَتْ عليه دون اسمه، وجرَتْ مجرى اللقب.1

وكلمة "عتاهية"تدلُّ على معانٍ كثيرة؛ يقول بن منظور في "لسان العرب": "عته في العلم: أولع به وحرص عليه، والعتاهة والعتاهية مصدر "عته"؛ مثل الرفاهة والرفاهية، والعتاهية ضلال الناس من التجنُّن والدهش، والتعتُّه المبالغة في الملبَس والمأكَل، ورجل عتاهية أحمق، وتعتَّه تنظف.



وأبو العتاهية الشاعر المعروف ذكر أنَّه كان له ولدٌ يُقال له: عتاهية، وقيل: لو كان الأمر كذلك لقيل: أبو عتاهية، بغير تعريف".



وكانت ولادة الشاعر في عين التمر، وهي قريةٌ قرب الأنبار غربي الكوفة سنة 130هـ، وانتَقَل مع أبيه صغيرًا إلى الكوفة، وكانت الكوفة مدينة العلماء والمحدِّثين والعبَّاد والزهَّاد، وقد عاصَر فيها الشاعر أمثال علقمة بن قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد، والربيع بن خيثم، وأُوَيس القرني، والنخعي، والشعبي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، والكسائي، والفراء.2.



نشَأ أبو العتاهية نشأةً مُتواضِعة؛ إذ كان أبوه وأهله يصنَعون الفخَّار، وعمل أبو العتاهية أيضًا في صناعة أبيه، فكان يحمل الفخَّار في قفصٍ على ظهره، ويَدُور بها في الكوفة ليبيعها.



ومع اتِّساع الكوفة وانتِشار الرخاء، نشَأَت فيها طوائِفُ من المُجَّان يقولون الشعر، متنقِّلين على معاهد اللهو، ومُوغِلين في حمأة المفاسِد، يَفسُقون ويتهتكون ويتزندَقُون وينعتون أنفسهم بالظرف، وأنهم حلية الأرض ونقش الزمان؛ أمثال: حماد بن عجرد، ومطيع بن إياس، ويحي بن زياد، وغيرهم.



في هذه البيئة نشَأ أبو العتاهية، وكان يُخالِط هؤلاء الشُّعَراء المجَّان، ويختلف إلى حلقات العلماء ومجالس العبَّاد، ثم لم يلبَثْ أنْ تفتَّقت شاعريَّته، وأحسَّ من نفسه قدرةً على النَّظم؛ فأنشَدَ جماعة من مُتَأدِّبي فِتيان الكوفة شعرًا له، فأعجَبَهم، وأذاعُوه بين الناس، فإذا بطلاَّب الشعر والأُدَباء من أهل الكوفة يقصدونه، ويستَنشدونه ويكتُبون أشعاره على ما تكسر من الخزف في معمله.3



انتقاله إلى بغداد:

وفَد أبو العتاهية إلى بغداد في خِلافة المهديِّ (158 - 169) في نحو الثلاثين من عمره، وكانت بغداد - التي أنشَأَها أبو جعفر المنصور سنة 149هـ - قد أخَذَتْ في الازدِهار، فانتَقَل النشاط العلمي من الكوفة والبصرة إليها بعد أنْ أصبحَتْ دار الخلافة.



يقول محمد بن سلام: "قدم أبو العتاهية من الكوفة إلى بغداد وهو خامِل الذكر بها، فمدَح الخليفة المهدي بشعر، ولكنَّه لم يجد مَن يوصله إليه، فكان يطلب سببًا يشتَهِر به حتى يصل خبره إلى المهدي، فاجتازَتْ به يومًا "عتبة" -وكانت جارية لزوج المهدي - وكانت راكبةً مع بعض الجواري، فكلَّمَها واستوقَفَها فلم تُكلِّمه، وأمرت الغِلمان بتنحيته عن الطريق.



ثم ذاعَ خبرُه ببغداد، فاستقدَمَه المهدي، ومنذ ذلك الحين اتَّصَل أبو العتاهية به، وتَوالَتْ مدائحه فيه، فأكرَمَه وقدَّمَه على فحول شُعَراء عصره، ومنهم: بشَّار بن بُرد.



وفي هذه الفترة كان أبو العتاهية يقول الشعر مادحًا، وهاجيًا، ومتغزِّلاً غزلاً رقيقًا لينًا في "عتبة"، وسارَ نسيبه فيها سَيْرورة واسعة.4



أبو العتاهية الزاهد:

وفي أيَّام الرشيد تنسَّك أبو العتاهية، وزهد في الدنيا، وداخَل العلماء والصالحين، ونظَم ما استفاد من أهل العلم، فكان نظمه في الزهد والمواعظ والحكم لا مَثِيلَ له، وكأنَّه مأخوذٌ من الكتاب والسنَّة.



صار الزهد مذهبًا لأبي العتاهية، وطارَ شعرُه على الألسنة، وأقبَلَ عليه جمهورٌ من الخاصَّة والعامَّة.



ويَكفِي أنْ نشير إلى تعصُّب الرشيد لأبي العتاهية، وتقديمه شعرَه على شعر كثيرٍ من الفُحُول من مُعاصِريه، وأمَّا العامَّة فكان أبو العتاهية يُلقِي عليهم شعرَه في المحافِل، فيزدَحِمون من حوله لسماعه ويُصفِّقون له ويتجاوَبون معه؛ لإحساسهم بأنَّه يعبِّر عن إحساساتهم الدينية، وميولهم الروحيَّة.5



لقد زهد أبو العتاهية في الدنيا، وفي لذائذها وشَهواتها، وخافَ الموت وما بعدَه، وخوَّف منه، وذكَر من ذلك كثيرًا في شعره ممَّا يُعِين أهلَ العقل والدِّين والتقوى، ويَبعَثهم على الزهد في الدنيا.



وبعد هذا تأتي أشعارُه الكثيرة التي يَشكُو فيها من ظُلم الناس وحسَدِهم إيَّاه، أو التي تدلُّ على حسن اعتقاده، وسلامة دينه، ونزعته إلى الزهد والوعظ والحكمة؛ لنُؤكِّد أنَّ الرجل قد تاب حقًّا وزهد في الدنيا صدقًا.



ومن ذلك تشوُّقه إلى حياة الزهد الحقيقيَّة، التي يَراها في قوله:



ومَن يقرأ في أرجوزته المزدوجة التي أسماها "ذات الأمثال"، يُدرِك أنَّه كان يستَوحِي عقلاً واعيًا ونظرةً ثاقبةً وفكرًا، وأنَّه فكَّر وتأمَّل فوقَف على ما في الحياة من خيرٍ وشرٍّ، وأدرَكَ أنَّ على الإنسان أنْ يُنمِّي فطرةَ الخير فيه، ويُقاوِم مَنازِع الشرِّ، ومنها قوله:




مذهبه الشعري في الزهد:

يُمثِّل شعر أبي العتاهية في الزهد اتِّجاهًا مهمًّا في تطوُّر الشعر العربي في عصره، ويُعَدُّ من مظاهر التجديد فيه.



فقد أعفى أبو العتاهية نفسه من مجاراة الشعر التقليدي، وجنَح بشعره إلى الشعبيَّة في الموضوع ومضموناته، وفي اللفظ والعبارة أيضًا.



وأبو العتاهية - في رأيي - كان حريصًا كلَّ الحرص على أنْ يُحقِّق لشعره في الزهد هذه الشعبيَّة، ويبدو هذا في ردِّه على سلم الساخر، حين قال له بعد أنْ سمع بعضَ شعره في الزهد: "لقد جوَّدتها، لو لم تكن ألفاظها سوقيَّة"، فكان ردُّ أبي العتاهية: "والله ما يرغبني فيها إلاَّ الذي زهَّدك فيها".



ثم يعرب عن مذهبه في وضوحٍ أكثر حين يقول لأحد شُعَراء الزُّهد الذين يَحرِصون على المثاليَّة في التعبير، وتحرِّي لغة الخاصة: "اعلم أنَّ ما قلته رديء؛ لأنَّ الشعر ينبغي أنْ يكون مثل أشعار الفحول، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أنْ تكون ألفاظه ممَّا لا تَخفَى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيَّما الأشعار التي في الزهد، فإنَّ الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رُوَاة الشعر، ولا طُلاَّب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهَّاد، وأصحاب الحديث، والفقهاء، وأصحاب الرِّياء والعامَّة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه".



لذا كان من أهمِّ خصائص أبي العتاهية في شعره الزاهد: سهولةٌ وشعبية في الألفاظ تُقرِّب شعرَه إلى أفهام الناس وتُحبِّبه إليهم، وتنزل به من سماء الشعر إلى دنيا الناس والواقع والحياة.



ومن ذلك قولُه يبصر الخليفة ببؤس الرعية ومعاناتها:

إِ


هذا بالإضافة إلى قُرب مَعانِيه ولطفها، وبراءتها من التعمُّق أو الغموض، والقصد إليها دون واسطةٍ من صورة أو غيرها من ألوان البديع التي أُولِع بها شُعَراء عصره، إلاَّ أنْ يأتيه شيءٌ من هذا عفو الخاطر.



كلُّ ذلك إلى جانب غَزارَةٍ في المعاني أمدَّتْه بها حياتُه وسط العامَّة في الكوفة، ونشأته المُتَواضِعة بين سوقة الناس، فكان ما وَعاه طبعُه وأفادَتْه قريحته منها أكثر ممَّا اكتَسَبه من تأدُّبه، واقتَناه من عِلمِه، وهذا ما جعَل شعره عامي المذهب، سريع الولوج إلى القلوب، قوي التأثير فيها، ولعلَّ هذا ما عَناه ابن الأعرابي بقوله وقد سمع أبياتًا لأبي العتاهية في الزهد: "ما رأيتُ شاعرًا قطُّ أطبع ولا أقدر على بيتٍ منه، وما أحسب مَذهَبه إلاَّ ضربًا من السحر".

الليث بن سعد (رحمه الله تعالى

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء "بتصرف" :

الليث بن سعد (رحمه الله تعالى) :
مولده :
الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية
هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن
أبو الحارث الفهمي مولى خالد بن ثابت بن ظاعن

كان الليث رحمه الله فقيه مصر ومحدثها ومحتشمها ورئيسها ومن يفتخر بوجودة الإقليم بحيث إن متولي مصر وقاضيها وناظرها من تحت أوامره ويرجعون إلى رأية ومشورته ولقد أراده المنصور على أن ينوب له على الإقليم فاستعفى من ذلك

وُلد الإمام الليث في منطقة قلقشندة (تسمى منطقة طوخ حاليا) التابعة لمحافظة القليوبية في مصر

و ترجع اصول اجداده إلى أصبهان ببلاد الفرس و خراسان .... فهاجرت اصول الإمام إلى مصر في زمن ما .. فولد الإمام الليث بمصر و نشأ و عاش بها إلى ان مات و دفن بها
فهو مصري المولد و المنشأ و الوفاة ... أصبهاني الأصل

قال ابن بكير : سمعت الليث يقول : سمعت بمكة سنة 113هـــ من الزهري وأنا ابن عشرين سنة

وقال عيسى بن زغبة : عن الليث قال : أصلنا من أصبهان فاستوصوا بهم خيرا
ولد سنة أربع وتسعين . قاله يحيى بن بكير
وقيل سنة ثلاث وتسعين . ذكره سعيد بن أبي مريم
والأول أصح ...لأن يحيى يقول : سمعت الليث يقول ولدت في شعبان سنة أربع (أي 94هـــ) ، قال الليث : وحججت سنة 113هـــ .

الذين روى عنهم و سمع منهم :
سمع الليث بن سعد من : عطاء بن أبي رباح
وابن أبي مليكة
ونافع العمري
وسعيد بن أبي سعيد المقبري
وابن شهاب الزهري
وأبا الزبير المكي
ومشرح ابن هاعان
وأبا قبيل المعافري
ويزيد بن أبي حبيب
وجعفر بن ربيعة
وعبيد الله بن أبي جعفر
وبكير بن عبد الله بن الأشج
وعبد الرحمن بن القاسم
والحارث بن يعقوب
ودراج أبا السمح الواعظ
وعقيل بن خالد
ويونس بن يزيد
وحكيم بن عبد الله بن قيس
وعامر بن يحيى المعافري
وعمر مولى غفرة
وعمران بن أبي أنس
وعياش بن عباس
وكثير بن فرقد
وهشام بن عروة
وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين
وأيوب بن موسى
وبكر بن سوادة
وأبا كثير الجلاح
والحارث بن يزيد الحضرمي
وخالد بن يزيد
وصفوان بن سليم
وخير بن نعيم
وأبا الزناد
وقتادة
ومحمد بن يحيى بن حبان
ويزيد بن عبد الله بن الهاد
ويحيى ابن سعيد الأنصاري
وخلقا كثيرا ... إلخ ، حتى إنه يروي عن تلامذته ... وحتى إنه روى عن نافع ثم روى حديثا بينه وبينه فيه أربعة أنفس
وكذلك فعل في شيخه ابن شهاب فقد روى غير حديث بينه وبينه فيه ثلاثة رجال
الذين رووا عنه و سمعوا منه :
روى عنه خلق كثير منهم :
ابن عجلان شيخه
وابن لهيعة
وهشيم
وابن وهب
وابن المبارك
وعطاف بن خالد
وشبابة
وأشهب
وسعيد بن شرحبيل
وسعيد بن غفير
والقعنبي
وحجين بن المثنى
وسعيد بن أبي مريم
وآدم بن أبي إياس
وأحمد بن يونس
وشعيب بن الليث ولده
ويحيى بن بكير
وعبد الله بن عبد الحكم
ومنصور بن سلمة
ويونس بن محمد
وأبو النضر هاشم بن القاسم
ويحيى بن يحيى الليثي
ويحيى بن يحيى التميمي
وأبو الجهم العلاء ابن موسى
وقتيبة بن سعيد
ومحمد بن رمح
ويزيد بن موهب الرملي
وكامل بن طلحة
وعيسى بن حماد زغبة
وعبد الله بن صالح الكاتب
وعمرو بن خالد
وعبد الله بن يوسف التنيسي
ولحقه الحارث بن مسكين وسأله عن مسألة
ورآه يعقوب بن إبراهيم الدورقي ببغداد وهو صبي
ثناء العلماء عليه :
قال عبد الله بن أحمد بن شبوية : سمعت سعيد بن أبي مريم : سمعت ليث بن سعد يقول : بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط
قال الذهبي : كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث ومالك والأوزاعي والسنن ظاهرة عزيزة ...فأما في زمن أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد فظهرت البدعة وامتحن أئمة الأثر ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة ثم كثر ذلك واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول فطال الجدال واشتد النزاع وتولدت الشبة نسأل الله العافية .

قال محمد بن إبراهيم العبدي : سمعت ابن بكير يحدث عن يعقوب ابن داود وزير المهدي قال : قال أمير المؤمنين لما قدم الليث العراق : الزم هذا الشيخ فقد ثبت عندي أنه لم يبق أحد أعلم بما حمل منه



وحدثنا ابن بكير قال : قال عبد العزيز بن محمد : رأيت الليث عند ربيعة يناظرهم في المسائل وقد فرفر أهل الحلقة



أبو إسحاق بن يونس الهروي : حدثنا الدارمي : حدثنا يحيى بن بكير : حدثنا شرحبيل بن جميل ، قال : أدركت الناس أيام هشام الخليفة وكان الليث بن سعد حدث السن وكان بمصر عبيد الله بن أبي جعفر وجعفر بن ربيعة والحارث بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة وإنهم يعرفون لليث فضله وورعه وحسن إسلامه عن حداثة سنه .....
ثم قال ابن بكير : لم أر مثل الليث


وروى عبد الملك بن يحيى بن بكير عن أبيه قال : ما رأيت أحدا أكمل من الليث


وقال ابن بكير : كان الليث فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر حسن المذاكرة .... فما زال ابن البكير يذكر خصال الليث الحميدة ويعقد بيده حتى عقد عشرة و قال : لم أر مثله



أخبرنا المؤمل بن محمد والمسلم بن علان كتابة قالا : أخبرنا أبو اليمن الكندي ، أخبرنا أبو منصور الشيباني ، أخبرنا أبو بكر الحافظ ، أخبرنا ابن رزق ، أخبرنا علي بن محمد المصري : حدثنا محمد بن أحمد عياض بن أبي طيبة المفرض : حدثنا هارون بن سعيد : سمعت ابن وهب يقول :
((كل ما كان في كتب مالك وأخبرني من أرضى من أهل العلم فهو الليث بن سعد))



وبه إلى أبي بكر : حدثنا الصوري : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي : أخبرنا الحسن بن يوسف صالح بن مليح الطرائفي : سمعت الربيع بن سليمان يقول : قال ابن وهب :
((لولا مالك والليث لضل الناس))


قال أحمد الآبار : حدثنا أبو طاهر : عن ابن وهب قال :
((لولا مالك والليث لهلكت .. لقد كنت أظن ان كل ما جاء عن النبي يفعل به))



جعفر بن محمد الرسعني : حدثنا عثمان بن صالح قال :
((كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائله فكفوا وكان أهل ( حمص ) ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائل علي فكفوا عن ذلك))



و عن إسماعيل سمويه حدثنا عبد الله بن صالح : قال صحبت الليث عشرين سنة لايتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس وكان لا يأكل إلا بلحم إلا أن يمرض



قال عبد العزيز الدراوردي : لقد رأيت الليث وإن ربيعة ويحيى بن سعيد ليتزحزحون له زحزحة


قال سعيد الآدم : قال العلاء بن كثير : الليث بن سعد سيدنا وإمامنا وعالمنا


قال ابن سعد : كان الليث قد استقل بالفتوى في زمانه


الأثرم : سمعت أبا عبد الله احمد بن حنبل يقول : ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث ....وجعل ابا عبد الله يثني عليه فقال رجل لأبي عبد الله : إن إنسانا ضعفه ، فقال : ان من ضعفه لا يدري عن الليث شيئا

وقال الفضل بن زياد : قال أحمد : ليث كثير العلم صحيح الحديث


وقال أحمد بن سعد الزهري : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الليث ثقة ثبت


وقال أبو داود : سمعت أحمد يقول : ليس في المصريين أصح حديثا من الليث بن سعد وعمرو بن الحارث يقاربه


وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : أصح الناس حديثا عن سعيد المقبري ليث بن سعد .. يفصل ما روى عن أبي هريرة وما عن أبيه عن أبي هريرة هو ثبت في حديثه جدا


وقال حنبل : سئل أحمد ابن أبي ذئب : من أحب إليك عن المقبري أو ابن عجلان؟ قال : ابن عجلان اختلط عليه سماعه من سماع أبيه .. و الليث أحب الي منهم في المقبري


وقال عثمان الدارمي : سمعت يحيى بن معين يقول : الليث أحب إلي من يحيى بن أيوب "ويحيى بن ايوب ثقة" ، فقلت : فكيف حديثه عن نافع؟ فقال صالح : ثقة


وعن أحمد بن صالح وذكر الليث فقال : إمام قد أوجب الله علينا حقه لم يكن بالبلد بعد عمرو بن الحارث مثله


وقال سهيل بن أحمد الواسطى : سمعت الفلاس يقول : ليث بن سعد صدوق ... سمعت ابن مهدي يحدث عن ابن المبارك عنه قال ابن سعد : استقل الليث بالفتوى وكان ثقة كثير الحديث سريا من الرجال سخيا له ضيافة


وقال العجلي والنسائي : الليث ثقة


وقال ابن خراش : صدوق صحيح الحديث


عباس الدوري : حدثنا يحيى بن معين قال : هذه رسالة مالك إلى الليث حدثنا بها عبد الله بن صالح يقول فيها :
وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك


أحمد بن عبد الرحمن بن وهب سمعت الشافعي يقول : الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به "أي لم يشتهر أمره مثل الإمام مالك و قد ضاعت كتب الليث و بالتالي مذهبه و لولا ذلك لكانت المذاهب الان خمسة و ليس اربعة منهم مذهب الليث"


وقال أبو زرعة الرازي : سمعت يحيى بن بكير يقول : أفقه من مالك ولكن الحظوة لمالك رحمه الله


وقال حرملة سمعت الشافعي يقول : الليث أتبع للأثر من مالك


وقال علي بن المديني : الليث ثبت


قال قتيبة : كان الليث يركب في جميع الصلوات إلى الجامع ويتصدق كل يوم على ثلاث مئة مسكين


قال بكر بن مضر :
قدم علينا كتاب مروان بن محمد إلى حوثرة والى مصر :
إني قد بعثت إليكم أعرابيا بدويا فصيحا من حاله ومن حاله فأجمعوا له رجلا يسدده في القضاء ويصوبه في المنطق
فأجمع رأي الناس على الليث بن سعد .. في حال وجود معلماه يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث في الناس

قال أحمد بن صالح أعضلت الرشيد مسألة ( فجمع لها ) فقهاء الأرض حتى أشخص الليث فأخرجه منها



روى عبد الملك بن شعيب عن أبيه قال : قيل لليث : أمتع الله بك إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك !
فقال الليث : أو كل ما في صدري في كتبي لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب !
رواها الحافظ بن يونس حدثنا : أحمد بن محمد بن الحارث : حدثنا محمد بن عبد الملك : عن أبيه يحيى بن بكير : قال الليث :
كنت بالمدينة مع الحجاج وهي كثيرة السرقين فكنت ألبس خفين فإذا بلغت باب المسجد نزعت أحدهما ودخلت
فقال يحيى بن سعيد الأنصاري : لا تفعل هذا فإنك إمام منظور إليك "يريد لبس خف على خف"



قال الذهبي : قد روى الليث إسنادا عاليا في زمانه فعنده عن عطاء عن عائشة وعن ابن أبي ملكية عن ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر وعن المقبري عن أبي هريرة وهذا النمط أعلى ما يوجد في زمانه
ثم تراه ينزل في أحاديث ولا يبالي لسعة علمه فقد روى أحاديث عن الهقل بن زياد وهو أصغر منه بكثير عن الأوزاعي عن داود بن عطاء عن موسى بن عقبة عن نافع مولى ابن عمر

مواقف له :
قال يحيى بن بكير : أخبرني من سمع الليث يقول : كتبت من علم ابن شهاب علما كثيرا وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله فتركته ودخلت على نافع فسألني ..فقلت : أنا مصري ، فقال : ممن ؟ قلت : من قيس ، قال : ابن كم؟ قلت : ابن عشرين سنة ، قال : أما لحيتك فلحية ابن أربعين

*

قال أبو صالح : خرجت مع الليث إلى العراق سنة 161هـــ خرجنا في شعبان وشهدنا الأضحى ببغداد
قال : وقال لي الليث ونحن ببغداد : سل عن منزل هشيم الواسطي فــقُــل له : أخوك ليث المصري يقرئك السلام ويسألك أن تبعث إليه شيئا من كتبك
فلقيت هشيما ... فأعطانا شيئا من كتبه فكتبنا منه وسمعتها مع الليث

*

قال الحسن بن يوسف بن مليح : سمعت أبا الحسن الخادم وكان قد عمي من الكبر من مجلس يسر قال : كنت علاما لزبيدة .... وأُتي بالليث بن سعد تستفتيه فكنت واقفا على رأس سيدتي زبيدة خلف الستارة ... فسأله الرشيد ، فقال له : حلفت إن لي جنتين
فاستحلفه الليث ثلاثا إنك تخاف الله ... فحلف له الرشيد
فقال : قال الله " ولمن خاف مقام ربه جنتان " قال : فأقطعه قطائع كثيرة بمصر
قال الذهبي : إن صح هذا فهذا كان قبل خلافة هارون

*

قال الفسوي : حدثنا ابن بكير قال : قال الليث : قال لي أبو جعفر : هل تلي لي مصر ؟ قلت له : لا يا أمير المؤمنين إني أضعف عن ذلك إني رجل من الموالي
فقال ابو جعفر : ما بك ضعف معي ولكن ضعفت نيتك في العمل لي

*

محمد بن أحمد بن عياض المفرض : سمعت حرملة يقول :
كان الليث بن سعد يصل مالكا بمئة دينار في السنة فكتب مالك إليه علي دين فبعث إليه بخمس مئة دينار .. فسمعت ابن وهب يقول :
كتب مالك إلى الليث إني أريد أن أدخل بنتي على زوجها فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر . فبعث إليه بثلاثين حملا عصفرا فباع منه بخمس مئة دينار وبقي عنده فضله
قال أبو داود : قال قتيبة : كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة وقال ما وجبت علي زكاة قط . وأعطى الليث ابن لهيعة ألف دينار وأعطى مالكا ألف دينار وأعطى منصور بن عمار الواعظ ألف دينار وجارية تسوى ثلاث مئة دينار .
قال : وجاءت أمرأة إلى الليث فقالت يا أبا الحارث إن ابنا لي عليل واشتهى عسلا . فقال : يا غلام أعطها مرطا من عسل ...والمرط عشرون ومئة رطل

قال عبد الملك شعيب بن الليث بن سعد : سمعت أبي يقول : ما وجبت علي زكاة منذ بلغت
وقال أبو صالح : سألت إمرأة الليث منا من عسل فأمر لها بزق ، وقال : سألت على قدرها وأعطيناها على قدر السعة علينا

قال يعقوب بن شيبة حدثني عبد الله بن إسحاق : سمعت يحيى بن إسحاق السيلحيني قال :
جاءت إمرأة بسكرجة إلى الليث تطلب عسلا فأمر من يحمل معها زقا فجعلت تأبى وجعل الليث يأبى إلا أن يحمل معها من عسل وقال نعطيك على قدرنا

وعن الحارث بن مسكين قال : اشترى قوم من الليث ثمرة فاستغلوها فاستقالوه فأقالهم ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم بخمسين دينارا فقال له ابنه الحارث في ذلك فقال اللهم غفرا إنهم قد كانوا أملوا فيها أملا فأحببت أن أعوضهم من املهم بهذا

أحمد بن عثمان النسائي : سمعت قتيبه : سمعت شعيب بن الليث يقول :
خرجت حاجا مع أبي فقدم المدينة فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب قال فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه


محمد بن أحمد بن عياض المفرض : حدثنا إسماعيل بن عمرو الغافقي : سمعت أشهب بن عبد العزيز يقول :
كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها أما أولها فيجلس لنائبه السلطان في نوائبه وحوائجه وكان الليث يغشاه السلطان فإذا أنكر من القاضي أمرا أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين فيأتيه العزل ويجلس لأصحاب الحديث وكان يقول نجحوا أصحاب الحوانيت فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم ويجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد فيرده كبرت حاجته أو صغرت وكان يطعم الناس في الشتاء الهرائس بغسل النحل وسمن البقر وفي الصيف سويق اللوز في السكر


أحمد بن محمد بن نجدة التنوخي : سمعت محمد بن رمح يقول : حدثني سعيد الآدم قال :
مررت بالليث بن سعد فتنحنح فرجعت إليه
فقال لي : يا سعيد خذ هذا القنداق فاكتب لي فيه من يلزم المسجد ممن لا بضاعة له ولا غلة
فقلت : جزاك الله خيرا يا أبا الحارث
وأخذت منه القنداق ثم صرت إلى المنزل فلما صليت أوقدت السراج وكتبت :
بسم الله الرحمن الرحيم .. ثم قلت : فلان بن فلان .. ثم بدرتني نفسي فقلت : فلان بن فلان ...
فبينا أنا على ذلك إذا أتاني آت فقال : ها الله يا سعيد ! تأتي إلى قوم عاملوا الله سرا فتكشفهم لآدمي !؟ مات الليث وما شعيب أليس مرجعهم إلى الله الذي عاملوه؟!
فقمت ولم أكتب شيئا ، فلما أصبحت أتيت الليث فتهلل وجهه فناولته القنداق فنشره فما رأى فيه غير بسم الله الرحمن الرحيم فقال ما الخبر فأخبرته بصدق عما كان
فصاح صيحة فاجتمع عليه الناس من الحلق فسألوه ما بك؟!
فقال : ليس إلا خير
قال سعيد : ثم أقبل الي
فقال : يا سعيد تبينتها وحرمتها صدقت مات الليث أليس مرجعهم إلى الله ؟
قال مقدام بن داود رأيت سعيد الآدم وكان يقال إنه من الأبدال
قال أبو صالح : كان الليث يقرأ بالعراق من فوق عليه على أصحاب الحديث والكتاب بيدي ... فإذا فرغ رميت به اليهم فنسخوه


عن الفسوي : قال ابن بكير سمعت الليث كثيرا يقول : أنا أكبر من ابن لهيعة فالحمد لله الذي متعنا بعقلنا
ثم قال ابن بكير : حدثنى شعيب بن الليث : عن أبيه قال :
لما ودعت أبا جعفر ببيت المقدس قال أعجبني ما رأيت من شدة عقلك والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك
قال شعيب : كان أبي يقول : لا تخبروا بهذا ما دمت حيا
قال قتيبه : كان الليث أكبر من ابن لهيعة بثلاث سنين ...و من العجب أنك إذا نظرت تقول : ذا ابن وذا أب "يعني ان ابن لهيعة مع صغر سنه عن الليث كان شكله كبير في السن ... و الليث مع انه كان اكبر من ابن لهيعة بالسن كان شكله صغير بالسن ...فسبحان من جعل ظاهره مثل باطنه المؤمن الصادق"
قال : ولما احترقت كتب ابن لهيعة بعث إليه الليث من الغد بألف دينار
قال محمد بن صالح الأشج : سئل قتيبة : من أخرج لكم هذه الأحاديث من عند الليث؟ فقال : شيخ كان يقال له زيد بن الحباب
وقدم منصور بن عمار على الليث فوصله بألف دينار واحترقت دار ابن لهيعة فوصله بألف دينار ووصل مالكا بألف دينار وكساني قميص سندس فهو عندي .
رواها صالح بن أحمد الهمذاني : عن محمد بن علي ابن الحسن الصيدناني : سمعت الأشج أحمد بن عثمان النسائي : سمعت قتيبة : سمعت شعيبا يقول :
يستغل أبي في السنة ما بين عشرين ألف دينار إلى خمسة وعشرين ألفا تأتي عليه السنة وعليه دين
وبه إلى الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرملي : سمعت محمد بن رمح يقول :
كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط ..قال الذهبي : ما مضى في دخله أص
وفاته :
قال يحيى بن بكير وسعيد بن أبي مريم : مات الليث للنصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومئة

قال يحيى : يوم الجمعة وصلى عليه موسى بن عيسى

وقال سعيد : مات ليلة الجمعة

القاضي أبو بكر بن العربي

القاضي أبو بكر بن العربي [*] من أشهر علماء الإسلام في بلاد الأندلس علما وفقها وقضاء، ممن كان لهم بصمات تربوية وعلمية نحو إنشاء مجتمع إسلامي فريد، طاف بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، فجمع من العلم ما لم يجتمع لغيره من أهل زمانه، فكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها.

أبو بكر بن العربي .. نسبه ونشأته
هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري الإشبيلي [1]، ولد في إشبيلية -لما كانت كبرى عواصم الأندلس- في يوم الخميس 22 من شهر شعبان سنة 468 هـ، في بيت من أعظم بيوتها بعد بيت مليكها المعتمد بن عباد.

وكان أبوه عبد الله بن محمد بن العربي من وجوه علماء الدولة وكبار أعيانها، المتمتعين بالمكانة والوجاهة عند ولي أمرها.

في هذه البيئة الكريمة العزيزة بالعلم نشأ ابن العربي، ومنها أطل على الدنيا في السنوات الأولى من حياته. فتلقى ثقافته الأولى وأساليب تربيته، خاصة أستاذه أبو عبد الله السرقسطي.

وقد تخلق ابن العربي بصفات المروءة من الذكاء وسعة المدارك ودماثة الخلق وبكل ما يهيئ له نضوج رجولته المبكرة، حتى قال هو عن نفسه (حذقت القرآن وأنا ابن تسع سنين، ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ستة عشر سنة وقد قرأت من الأحرف -أي من القراءات- نحو من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه. وتمرنت في الغريب والشعر واللغة).

رحلات أبو بكر بن العربي في شمال إفريقية
ولما بلغ ابن العربي السابعة عشر قضى الله بسقوط دولة آل عباد في سنة 485هـ، فخرج به أبوه من إشبيلية قاصدا شمال إفريقية فنزلوا ثغر (بجاية) ولبثوا فيه مدة تتلمذ فيها ابن العربي على كبير علماء هذا البلد أبي عبد الله الكلاعي، ثم ركبوا البحر مشرقين إلى ثغر (المهدية)، وفيها أخذ عن عالمها أبي الحسن بن علي بن محمد بن ثابت الحداد الخولاني المقرئ، والإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري التميمي (453 – 536 هـ).

ابن العربي في الديار المصرية
توجه ابن العربي وأبوه قاصدين ديار مصر، فلقي فيها شيخه مسند مصر القاضي أبا الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الخلعي الموصلي الأصل المصري المولد الشافعي (405 – 492 هـ)، وممن لقيهم في مصر وأخذ عنهم أبو الحسن بن شرف، ومهدي الوراق، وأبو الحسن بن داود الفارسي.

ابن العربي ورحلته إلى بيت المقدس
وواصل أبو بكر بن العربي رحلته مع أبيه إلى بيت المقدس، وفيها لقي الإمام أبو بكر الطرطوشي الفهري (451-520هـ) من كبار علماء المالكية الأندلسيين.

ابن العربي ورحلته إلى الديار الشامية
وتقدم ابن العربي في رحلته إلى الديار الشامية، فأقام في دمشق وأخذ عن علمائها، ومنهم هبة الله الأكفاني الأنصاري الدمشقي (444-524هـ)، وأبو سعيد الرهاوي وأبو القاسم بن أبي الحسن القدسي، وأوا سعيد الزنجاني.

ابن العربي ورحلته إلى بغداد واشتغاله بطلب العلم
 ورحل أبو بكر بن العربي مع أبيه من دمشق قاصدا دار الخلافة العباسية بغداد، وفيها أخذ ابن العربي في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب.

وممن تتلمذ لهم: ابن الطيوري (411 – 500هـ)، وأبو الحسن البزاز (410 – 492هـ). وفخر الإسلام أبو بكر الشاشي الشافعي (429 – 507هـ) وكان يسمى "الجنيد" لورعه ودينه، وإليه انتهت رياسة الشافعية في بغداد. ومن الذين أخذ عنهم ابن العربي في بغداد الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجا الميورقي العبدري المتوفى سنة 524 هـ.

وفي بغداد لقي ابن العربي محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي (المتوفى سنة524 هـ) الذي ادعى بعد ذلك المهدوية والنسب العلوي وقام بالتوطئة لعبد المؤمن بن علي (490-558 هـ) وكان المؤسس الأول لدولة الموحدين. ويقول مترجمو ابن العربي: إنه صحب ابن تومرت بالمشرق، فأوصى عليه عبد المؤمن [2]، ولابد أن تكون هذه الوصاة بعد عودتهما إلى المغرب بزمن طويل، ولا شك عندنا أنه لم ينتفع بها، ولم يكن لها أثر في مجرى حياته. ولعل ذلك من نعم الله عليه، وفي آخر حياة أبو بكر بن العربي أوذي بجيئته من الأندلس إلى مراكش دار سلطنة عبد المؤمن.

ويحكي أبو بكر بن العربي عن بعض ما تعلمه في بغداد فيقول: " كان بمدينة السلام إمام من الصوفية، وأي إمام يعرف بابن عطاء، فتكلم يومًا على يوسف وأخباره، حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالحليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ, يا سيدنا، فإِذَن يوسف هَمَّ وما تَمَّ؟ , فقال: نعم؛ لأن العناية من ثَمّ. فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم، وفطنة العامي في سؤاله, والعالم في اختصاره واستيفائه. ولذا قال علماؤنا الصوفية: أن فائدة قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أن الله أعطاه العلم والحكمة أيام غلبة الشهوة؛ لتكون سببا للعصمة[3]".

أبو بكر بن العربي واتصاله بأبي حامد الغزالي
وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (450-505هـ) في بغداد. وفي صحاري الشام بعد ذلك، والظاهر أن ذلك عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة، فقد اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس، ثم حج الغزالي ورحل في سنة 488 هـ إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه إحياء علوم الدين، وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه. وبعد أن حج ابن العربي وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر.

ابن العربي وذهابه إلى الحج وعودته إلى بغداد
ذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة 489 هـ فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (418-498 هـ). ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله: (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة 489 هـ، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته).

وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية.

ابن العربي والعودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية
وفي سنة 492 هـ كان والد ابن العربي قد أثرت فيه الشيخوخة، فخرجا من بغداد متوجهين إلى الشام وفلسطين، فجدد ابن العربي العهد -في دمشق وبيت المقدس وكثير من المدن الشامية- مع من كان عرفهم وأخذ عنهم من شيوخ هذه البلاد، وتعرف بآخرين غيرهم. ثم جاء إلى الإسكندرية، وكانت فيها منية أبيه في أوائل سنة 493 هـ فدفن في الثغر الإسكندري. وفي هذه الفترة اضطهد العبيديون الفاطميون الأفضل أبا بكر الطرطوشي بسبب كثرة أتباعه. فلما توفي والد ابن العربي بالإسكندرية رحل عنه عائدا إلى وطنه في سنة 493 هـ، ويقول الحافظ ابن عساكر: إن ابن العربي ابتدأ بتأليف كتابه (عارضة الأحوذي) عندما غرب من الإسكندرية فكان أول مؤلفاته على ما نعلم.

ابن العربي ووصوله إلى إشبيلية
ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة 500 هـ. فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع.

تلاميذ ابن العربي
 وكان ممن أخذ عن القاضي أبي بكر بن العربي طائفة من كبار علماء الإسلام: منهم القاضي عياض مؤلف الشفا ومشارق الأنوار، والحافظ المؤرخ ابن بشكوال، والإمام الفقيه أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، وعالم لا يحصى.

أبو بكر بن العربي وتوليه القضاء
وقد كان أبو بكر بن العربي بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار. قال مترجموه: بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا)، وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و (المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس.

ولم يأت عام 520 هـ حتى كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة 528 هـ لتولي القضاء في إشبيلية. وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه -كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس- على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء.

محنة ابن العربي ونكبته
إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية.

بلغت محنته حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان –رضي الله عنه- لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره. ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة 536 هـ فهي إذن وقعت بعد سنة 530 هـ وقبل سنة 536 هـ، وقد قال يصفها [4]: "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم (أي بالكف عن القتال في الفتنة). الثاني الاقتداء بعثمان. والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي [5]".

فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها. وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة. وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه، حتى قال عنه ابن بشكوال في كتاب الصلة: "هو الإمام العالم الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها ... كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، ناقدا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها" [6].

مؤلفات ابن العربي
وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي. فمن مؤلفاته:
عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي: وهو من أول مؤلفاته، أنوار الفجر في تفسير القرآن، أحكام القرآن، الناسخ والمنسوخ في القرآن، كتاب المشكلين: مشكل الكتاب ومشكل السنة، كتاب النيرين في الصحيحين، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. وهو من أواخر مؤلفاته، ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك، العواصم من القواصم، شرح حديث أم زرع، المحصول في علم الأصول، الإنصاف، في مسائل الخلاف: عشرون مجلدا، شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، نواهي الدواهي، سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم)، تخليص التلخيص، ترتيب الرحلة للترغيب في الملة.

وفاة ابن العربي
توفي القاضي أبو بكر بن العربي بمغيلة قرب مدينة فاس في ربيع الأول سنة 543 هـ، ودفن في فاس خارج باب المحروق، على مسيرة يوم من فاس غربًا منها. وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن يوم الأحد 7 ربيع الأول سنة 453 هـ.

وبموته انطفأت شعلة من الذكاء متقدة، وأفل نجم طلعة متوثبة، وسكنت روح ذات طموح غالب، وخمد ذهن نافذ كان ينير للناس ظلمات حالكة، ويذهب بإشكالات معضلة. وفاضت نفس تواقة إلى تحقيق العدل، وإشاعة مبادئ الأخلاق والدين في الواقع الاجتماعي، وإلى بث الروح العلمية النافذة الفاحصة، وإلى تكوين جيل جديد على أسس تربوية جديدة. أقبل صاحب هذه الروح من المشرق ليغرسها في المغرب، وكفاه أنه ما فارق الوجود حتى بذل جهده، وحقق بعض الذي كان يتوق إليه

زياد علي

زياد علي محمد