الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

سيرة الإمام النووي

إن حقاً على كل مُطَالعٍ للكتاب، أن يقف على مُفَصَّل حياة الإمام النووي، لا على مُجْمَلِهَا؛ فإنه شيخ الإسلام والمسلمين، وعُمْدةُ الفقهاءِ والمحدِّثين، الإمامُ، الزاهدُ، الوَرِعُ، العابدُ، القُدْوةُ، صاحبُ الخِصال الحميدة، والتصانيفِ المُفيدة، المُجْمَعُ على فضله وإخلاصِه، وجلالته وإمامته.

وها أنا ذا أعرض سيرةَ الإمام النووي؛ لأقف فيها على نشأته، وطلبه للعلم، وعلومه، ومواقفه، وسيرته الذاتية، وأهم مؤلفاته، وشيوخه، وتلامذته، وثناء العلماء عليه، ووفاته، وما قيل في رثائه.

وأستفتح قبلَ ذلك بذكر لمحة عن العصر الذي عاش فيه النووي، وشيء عن أسرته وبلده، والله الموفق.

1 ـ عصر الإمام النووي:

أما من الناحية السياسية، فقد عاش النووي ـ رحمه الله تعالى ـ آخرَ عصر الأيوبيين، وكلَّ عصر الملك الظاهر بيبرس من المماليك، وتمتاز هذه الفترة بنوع من الاستقرار، ولكنها كانت فترة عصيبة، فقد تظاهر فيها على غزو بلاد الشام قبلها قُوَّتا البغي والشر والكفر من الصليبيين والتَّتار، وقد تحققت فيها بلاد الشام ودمشقُ خصوصاً بالاطمئنان الحَذِرِ، والاستقرار المتحفِّز، ولكنه إذا قيس بما قبله من آخر عهود الأيوبيين، فإنه عهد ميمونٌ مبارَكٌ، لولا بعضُ الهَنَات.

وأما من الناحية العلمية، فإن هذا العصر والذي بعده ـ أي: القرنين السابع والثامن الهجريين ـ من أزهر العصور، فقد حَفَل بالكثير من العلماء المتمكنين، الذين تركوا من المؤلفات الناضجَ المفيد.

ومن أبرز هؤلاء الذين امتاز بهم القرن السابع في علوم الدين: أبو عمرو بن الصلاح إمامُ المحدّثين، والرافعيُّ كبيرُ فقهاء الشافعية في ’قزوين‘، وإسماعيلُ بن عبد الكريم المعروف بابن المعلم شيخ الحنفية في وقته، وعبد الرحمن بن محمد بن عساكر، وكان فقيهَ وقته، وعبدُ الكريم بن الحرستاني خطيبُ دمشق.

وفي علم العربية: ابن يُعَيش شارح ’المُفَصَّل‘، والشيخ ابن مالك.

وفي علوم التاريخ: ابن العديم صاحب ’تاريخ حلب‘، والقاضي ابن خَلِّكَان صاحب ’وَفَيات الأعيان‘، وياقوت الحَمَوي صاحبُ ’معجم البلدان‘، وأبو شامةَ المقدسيُّ صاحب ’الروضتين في أخبار الدولتين‘.

والكلمة الجامعة لحال هذا العصر من ناحيته العلمية أنه لم يكن عصرُ إبداع كعصور الاجتهاد، فهو بجملته عصرُ نقل متزن، وتقليدٍ واع، وجَمْعٍ في تحفُّظٍ، وتحقيق وتحريرٍ وتصحيح وتهذيب، بلْ أحياناً اجتهادٍ مُقيدٍ حُرٍّ.

والظاهرة التي لا تخفى في علماء هذا العصر أنهم ـ إلا من شذ ـ يحرصون مع علمهم على العمل، فالتقوى رداؤهم، والورع يَحدُو بهِم، وكثرة العبادة عملُهم في اليوم الليلة، وكانوا حريصين على أن تكون عباداتهم على السُنّة النبوية.

2 ـ بلده نوى:

يُنسبُ الناسُ إلى بلدٍ ما؛ ليعرَفوا به، ولكن نسبة الإمام النووي على العكس من ذلك، فقد عُرفت بلده به، بل صارت خالدةً بخلوده ما دام في الأرض إسلام، وما دام فيها فقه شافعي.

ورحم الله أبا حفص بنَ الوردي إذ يقول في ’نوى‘:

لُقِّيْتِ خَيْراً يَا نَوَى


وَحُرِسْتِ مِنْ أَلَمِ النَّوَى


فَلَقَدْ نَشَا بِكِ زَاهِدٌ


فِي العِلْم أَخْلَصَ مَا نَوَى


وَعَلى عَدَاهُ فَضْلُهُ


فَضْلَ الحُبُوبِ عَلى النَّوَى


وكانت ’نَوَى‘ في عصر الإمام النووي قاعدة الجولان من أرض حوران من أعمال دمشق، وكان ينزل بها على عادة العرب ’حزمٌ‘ الجد الأعلى للإمام النووي، فأقام بها، ونشأت ذريته فيها.

3 ـ اسم النووي ونسبته:

هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن الشيخ الزاهد الورع وليِّ الله أبي يحيى شرفِ بنِ مُرِّي بنِ حسنِ بنِ حسينِ بنِ محمدِ بن جُمعةَ بن حزامٍ الحزامي النوويّ.

وكان الإمام النووي يكره من يلقبه بمحيي الدين، ونقل عنه أنه قال: ’لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين‘؛ تواضعاً لله تعالى، أو لأن الدين حيٌّ ثابت غيرُ محتاجٍ إلى مَنْ يحييه. وأبوه كان دكانياً بنوى، وكان شيخاً مباركاً، مات سنة(685ه)؛ أي: بعد وفاة ولده النووي بتسع سنين، وصُلِّي عليه في دمشق صلاة الغائب؛ لما اشتهر عنه من علم وصلاح.

4 ـ مولد النووي ونشأته:

ولد النووي في المحرم من سنة (631ه) في ’نوى‘.

ونشأ في كنف أبيه ورعايته، وكان أبوه مستورَ الحال، مبارَكاً له في رزقه.

وكأن الله قد أعده منذ طفولته وصباه لحمل عبء الوراثة النبوية في العلم والورع والصلاح، وقال عنه بعض الصالحين: ’إنه حينَ ََوُلد كُتب من الصادقين‘.

ولما بلغ من العمر سبعَ سنين، كان نائماً ليلة السابع والعشرين من رمضان بجانب والده، فانتبه نحوَ منتصف الليل، وأيقظ أباه وقال: يا أبت! ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهلُه جميعاً، فلم يروا شيئاً. قال والده: فعرفتُ أنها ليلة القدر.

ولما بلغ عشرَ سنين، جعله أبوه في دُكَّان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن.

وفي سنة نيف وأربعين وست مئة، مر بقرية ’نوى‘ الشيخُ الصالح ياسين بن يوسف المراكشي المشهور بولايته، فرأى النوويَّ وهو ابنُ عشرِ سنين، والصبيانُ يُكْرِهونه على اللعب معهم، وهو يهربُ منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، يقول الشيخُ ياسين: فوقع في قلبي محبتُه، فأتيت الذي يقُرئه القرآن، فوصَّيتُه به، وقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلمَ أهل زمانه، وأزهدَهم، وينتفع الناس به. فقال لي: أمنِّجمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام.

ولبث في بلده إلى الثامنةَ عشرةَ من عمره قبلَ أن يرتحل إلى دمشق، والظاهرُ أنه كان منصرفاً إلى إعانة أبيه في دكانه، ومقبلاً على التزوُّد بالقليل من العلم عند بعض الشيوخ من أهل العلم الذين لم تكن تخلو منهم قَصَبَةٌ أو قرية حينئذ.

5 ـ رحلته إلى دمشق، وتحصيله العلم:

قدم النووي دمشق مع والده أبي يحيى سنة تسع وأربعين وست مئة، وكان عمره ثماني عشرة سنة.

وكانت دمشق مَحَجَّ العلماء وطلبة العلم من أقطار العالم الإسلامي. وما كان يرى أن عالماً يمكن أن يستكمل علمه ما لم يَؤُمَّ إحدى عواصم العالم الإسلامي، وقمرُ هذه العواصم حينئذ دمشقُ، ليس في علوم الشريعة والعربية فحسب، بل في مختلف العلوم والفنون.

وكان أولَ ما قصده النووي عند دخوله دمشق جامعُها الكبير، ولقي فيه أول من لقي من العلماء خطيبَ الجامع الكبير وإمامَه الشيخَ جمالَ الدين عبد الكافي بن عبد الملك بن الربعي الدمشقي، فلما عرف طلبه ومقصده، أخذه وتوجَّه به إلى حلقة مفتي الشام الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري الذي عرف بالفركاح، فقرأ عليه دروساً، ولازمه مدة.

ثم سألَ شيخه التاج موضعاً يسكنه، فدله على الشيخ الكمال إسحاق المغربي بالرواحية، فتوجه إليه، ولازمه، واشتغل عليه، ومنحه الكمالُ في هذه المدرسة بيتاً لطيفاً، فسكنه، واستقر فيه إلى آخر حياته.

وقال اليافعي: وسمعت من غير واحد أنه إنما اختار النزول بالرواحية على غيرها؛ لحلها؛ إذ هي من بناء بعض التجار، وكان قوتُه من جراية المدرسة لا غير، بل كان يتصدق منها، ثم ترك تعاطيها.

6 ـ حَجُّ النووي:

وبعد نحو سنتين من قدومه دمشقَ، صحبه أبوه إلى الحج، وفي ذلك يقول النووي عن نفسه: فلما كانت سنة إحدى وخمسين، أي: وست مئة، حججت مع والدي، وكانت وقفة جمعة، وكان رحيلنا من أول رجب، قال: فأقمت بمدينة رسول اللهصلى الله عليه وسلم نحواً من شهر ونصف.

وقال تلميذه ابن العطار: قال لي والده ـ رحمه الله ـ: لما توجهنا من نوى للرحيل، أَخَذته الحُمَّى، فلم تفارقْه إلى يوم عرفة، فلم يتأوَّهْ قطّ، فلما قضينا المناسكَ، ووصلنا إلى نوى، ونزل إلى دمشق، صبَّ الله عليه العلمَ صبّاً، ولم يزل يشتغل بالعلم، ويقتفي آثارَ شيخه المراكشي في العبادة والزهد والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ.

وقال السخاوي: إنه حج مرتين.

ولما رجع من حجة الإسلام، لاحت عليه ـ كما قال الذهبي ـ أَماراتُ النجابة والفهم، وتزود بمَدَدٍ من الله في بيته الحرام، وبركات من رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

7 ـ جِدُّه في طلب العلم:

وحين استقر النووي في المدرسة الرواحية، واطمأنت نفسه في مسجده، أقبل على طلب العلم بكل ما يعتلج بقلبه وعقله من شَغَف وجِدّ واستعداد، ومن فهم للعلم لا يسده شبع، ولقد كان ذلك منه مضربَ المثل، ومثارَ العَجَب، وقال عن نفسه رضي الله عنه: وبقيتُ سنين لم أضع جنبي على الأرض.

وحكى عنه البدْرُ بن جماعة: أنه سأله عن نومه،فقال: إذا غلبني النومُ، استندت إلى الكتب لحظةً، وأنتبه.

وذكر القطبُ اليونيني: أنه كان لا يَضيع له وقتٌ في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة، أو مطالعة، وإنه بقي على التحصيل ـ على هذا الوجه ـ ست سنين.

ويقول الذهبي: وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجرِه النومَ إلا عن غَلَبَة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس، أو الكتابة، أو المطالعة، أو التردد على الشيوخ.

هذا وقد أثمر الإمام النووي في العلم من السنة الأولى، فقد حفظ ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي في نحو أربعة أشهر ونصف، ثم حفظ ربع العبادات من ’المهذب‘ في باقي السنة. وعرض حفظه لكتاب ’التنبيه‘ على ابن رزين في سنة خمسين وست مئة.

ثم إنه كان ـ أول طلبه أيضاً ـ يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً:

درسين في ’الوسيط‘، وثالثاً في ’المهذب‘، ودرساً في ’الجمع بين الصحيحين‘، وخامساً في ’صحيح مسلم‘، ودرساً في ’اللمع‘ لابن جني في النحو، ودرساً في ’إصلاح المنطق‘ لابن السكِّيت في اللغة، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه، تارة في ’اللمع‘ لأبي إسحاق، وتارة في ’المنتخب‘ للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وهو التوحيد.

وقال النووي: كنت أعلِّق جميعَ ما يتعلَّق بها من شرحِ مشكلٍ، وإيضاحِ عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه.

8ـ شيوخه وأساتذته:

للنووي ـ رحمه الله ـ شيوخ متعددون في كل علم اشتغل به، وخصوصاً علمي الفقه والحديث؛ فإنهما غاية الغايات من علمه، وبهما كان إمام عصره.

فأما شيوخه في الفقه، فأول من أخذ عنه الفقه هو مفتي الشام تاج الدين الفزاري المعروف بالفركاح، المتوفَّى سنة (690ه)، ثم دله الفركاح على الكمال إسحاق المغربي المتوفَّى سنة (650ه)، فلازمه، وأكثر القراءة عليه، ويجعله النووي أولَ شيوخه، ويقول: وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحاق المغربي، ولازمته، فأُعجب بي؛ لِما رأى من ملازمتي للاشتغال، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني مُعيدَ الدرس بحَلْقته لأكثر الجماعة.

وأخذ الفقه عن الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن نوح المقدسي، ثم عن الشيخ أبي حفص عمر بن أسعد الإربلي، ثم عن أبي الحسن سلاَّر بن الحسن الإربلي المتوفَّى سنة (670ه).

وأما شيوخه في الحديث، فمنهم: إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي المصري الدمشقي المتوفَّى سنة (668ه)، وقال عنه النووي: صحبته نحوَ عشر سنين، ولم أر منه شيئاً يكره.

ومنهم:أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ عمر بنِ مضرَ الواسطي، سمع منه جميع ’صحيح مسلم‘.

ومنهم: الشيخ زين الدين أبو البقاء خالدُ بنُ يوسفَ بنِ سعدٍ النابلسي.

ومنهم: الرضي بن البرهان.

ومنهم: شيخ الشيوخ عبدُ العزيز بنُ محمد بن عبد المحسن الأنصاري الحموي الشافعي المتوفى سنة (662 ه).

ومنهم: زين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي.

ومنهم: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (682ه).

ومنهم: قاضي القضاة عمادُ الدين أبو الفضائل عبدُ الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني خطيب دمشق المتوفَّى سنة (662ه).

ومنهم: تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي المتوفى سنة (672ه).

ومنهم: جمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحَرّاني.

ومنهم: أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ.

ومنهم: الضياء بن تمام الحنفي، وهو أبو بكر محمد بن نصر الله بن عبد العزيز.

ومنهم: المفتي جمالُ الدين عبدُ الرحمن بنُ سالم بنِ يحيى الأنباريُّ ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ المتوفَّى سنة (661ه).

ومنهم: شمسُ الدين بنُ أبي عمر المقدسي الحنبلي.

وغير هؤلاء من هذه الطبقة.

وأما شيوخه في علم الأصول، فقد قرأ علم الأصول على جماعة، أشهرُهُم وأجلُّهم القاضي أبو الفتح عمرُ بنُ بندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي المتوفى سنة (672ه). قرأ عليه:’المنتخب‘ للفخر الرازي، وقطعة من ’المستصفى‘ للغزالي، وغيرهما من الكتب.

وأما شيوخه في النحو والعربية، فقد قرأ على الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري المتوفى سنة (664ه)

وعلى الشيخ أبي عبد الله محمدِ بنِ عبد الله بنِ مالك الحطائي الجياني المتوفى سنة (672ه)، قرأ عليه شيئاً من تصنيفه، وعلق عليه.

وقرأ على الفخر المالكي:’اللمع‘ لابن جِنِّي.

وقرأ على الشيخ أحمد بن سالم المصري كتابَ ’إصلاح المنطق‘ لابن السكِّيت بحثاً، وكذا كتاباً في التصريف.

9 ـ العلوم التي برع بها النووي وآثاره فيها:

الفقه:

لم يكن النووي فقيهاً، إلا لأنه يريد التقربَ إلى الله بعلم ينفع فيه نفسه، وينفع عباد الله. وليس مفهوم الفقه عند النووي في التعصب المذهبي، وإنما هو الفهم والقدرة على استنباط الأحكام الفرعية من النصوص الشرعية. وخذ مثلاً من نقده لبعض المتعصبين، يقول في الشيرازي شيخ شيوخ المذهب الشافعي: اعلم أن صاحب ’المهذب‘ أكثرَ من ذكر أبي ثور، لكنه لا ينصفه، فيقول: قال أبو ثور كذا، وهو خطأ، والتزم هذه العبارة في أقواله، وربما كان قول أبي ثور أقوى دليلاً من المذهب في كثير من المسائل.

وقد أخذ النووي ـ رحمه الله ـ الفقهَ الشافعي على كبار علماء عصره، وبفترة وجيزة حفظ الفقه وأتقنه، وعرف قواعده وأصوله، وفهم مخبآته وألغازه، وبرع في معرفة أدلته، ولم يمض وقت كبير حتى كان عَلَمَ عصره في حفظه للمذهب، وإتقانه لأقوال العلماء فيه، وأحقَّهم بأن يكون مُحَرِّرَ المذهبِ الشافعي.

وقد نوزع الشيخ مرة في نقلٍ عن ’الوسيط‘، فقال: ينازعونني في ’الوسيط‘، وقد طالعته أربع مئة مرةةة!

وقد بلغ من شهرته في الفقه وتحقيقه في عصره هو والرافعي من قبله إلى أن قال محمد بن علي بن عبد الواحد من علماء القرن الثامن منتقداً تقليدَ الناسِ لهذين الإمامين: ’الناسُ اليوم رافعيَّة لا شافعية، ونوويَّة لا نبويَّة‘.

وقال عنه الذهبي في ’سير النبلاء‘: ’وكان من سَعَة علمه عديمَ النظير، لا يرى الجدال، ولا تعجبه المبالغة في البحث، ويتأذى ممَّن يجادل، ويعرض عنه، وكان لا يتعانى لغط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدةٍ ووقارٍ‘.

الحديث:

برع الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في علوم الحديث تماماً كما برع في الفقه، وامتاز على غيره من محدِّثي عصره بأنه فقيه الأمَّة، وقلَّما اجتمعَ لعالم في الفقه إتقان لعلوم الحديث؛ فإنه سمع على شيوخه بالأسانيد العالية صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي وأحمد والدارمي وأبي عوانة والإسفراييني وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه والدارقطني والبيهقي، و’شرح السنة‘ للبغوي، و’معالم التنزيل‘ له، وكتاب ’الأنساب‘ للزبير بن بكار، و’الخطب النباتية‘، و’رسالة القشيري‘، و’عمل اليوم والليلة‘ لابن السني، وكتاب ’الجامع لآداب الراوي والسامع‘ للخطيب البغدادي.

ويقول تلميذه ابن العطار: نقلت ذلك جميعه من خط الشيخ ـ رحمه الله ـ.

ويقول الذهبي فيه: هو سيد هذه الطبقة، مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشوائب وقمعها من أغراضها، كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله.

ويقول تلميذه ابن العطار: كان حافظاً لحديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم، عارفاً بأنواعه كلها، من صحيحه وسقيمه، وغريب ألفاظه، وصحيح معانيه، واستنباط فقهه.

وأخذ علوم الحديث لابن الصلاح عن جماعة من أصحابه، فاختصره، وتعقبه، واستدرك عليه.

فقه الحديث:

لم يكن النووي ـ رحمه الله ـ يحبس علمه في الحديث في نطاق نوافل المحدثين؛ من الإسناد العالي، وجمع الطرق والروايات، والتفرد بذلك، وإنما كان همه في الحديث معرفة ذلك، ثم الانصراف إلى فقهه، والغوص في معانيه، والوقوف على دلالاتها وأحكامها.

العقائد:

لا نعلم للنووي شيخاً مخصوصاً في علم التوحيد، وإن كان لا بدَّ للعالم من أن يكون متمكناً ومحيطاً بما كتب العلماء في العقائد، ويظن أنه قرأ هذا العلم على أحد شيوخه.

وكتابه ’شرح صحيح مسلم‘ فيه الكثير من العقائد على أصول أهل السنة، وهو سلفي العقيدة، ويؤوِّل أحياناً على طريقة المتأخرين.

وصرح اليافعي والتاج السبكي أنه أشعريٌّ.

ويقول السخاوي: والتأويلُ كثيرٌ في كلامه.

وله رسالة في التوحيد سماها:’المقاصد‘.

اللغة وعلومها:

كان من عادة العلماء ـ قديماً وحديثاً ـ الابتداءُ في علوم الشريعة بعلوم العربية على اختلاف صنوفها: نحواً وصرفاً ولغةً وبلاغةً وأدباً وشعراً، وما أظن أحداً من علماء الدين في عصر النووي أتقن العربية إتقانه لها، فهو ـ فوق أنه نحوي وصرفي بارع ـ لغويٌ محقق كأحسن ما يكون اللغوي المحقق، واقرأ ـ إن شئت ـ مقدمة كتابه ’تحرير ألفاظ التنبيه‘، وكتابه ’تهذيب الأسماء واللغات‘.

محاولة اشتغاله بالطب:

ممكنٌ أن يكون النووي قد استجاب لترغيبِ إمامه الشافعي بتعلم الطبِّ بقوله فيه: ’لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنَبْلَ من الطب، إلا أن أهلَ الكتاب غلبونا عليه‘، لكن النوويَّ الزاهدَ التقيَّ لا يتفق مزاجُه إلا مع علم يجعله وسيلة إلى النجاة يوم القيامة؛كعلوم الدين ومسائلها.

لذلك نفرت نفسه، وشعر بظلمةٍ في قلبه حين حاول أن يتعلم الطب. وفي ذلك يقول النووي ـ رحمه الله ـ عن نفسه: ’وخطر لي الاشتغالُ بعلم الطب، فاشتريت ’القانون‘ لابن سينا، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من أين دخل عليَّ الداخلُ؟ فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعتُ في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كلَّ ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي، ورجع إليَّ حالي، وعدتُ لِما كنت عليه أولاً‘.

على أنه على خبرة بمفاهيم الطب التي كانت في عصره ومِصْرِه، والتي تداولها ودوَّنَها في كتبه عند شرح الأحاديث المتعلقة بالطب.

10 ـ المدارس التي سكنها، أو تولاَّها، أو دَرَّسَ بها:

تقدم أن النووي قصد إلى شيخه الكمال المغربي شيخ المدرسة الرواحية ليبحث له عن بيت في المدرسة يأوي إليه، فمنحه الكمال بيتاً في الرواحية، فاتخذه سكناً حتى توفاه الله.

وأما المدارس التي عمل بها:

ـ المدرسة الإقبالية: وهي داخل باب الفَرَج شمالَ الجامع الأُموي؛ أي: في زقاق السبع طوالع، وهي مدرسة كبيرة شهيرة للفقه الشافعي لم يبق لها من الأثر: إلا واجهتهُا، ودرَّس بها جماعةٌ من كبار العلماء، منهم: بدر الدين بن خلكان، ثم شمس الدين بن خلكان، وباشر النووي التدريسَ فيها نيابة عن الشمس بن خلكان المتوفَّى سنة (661ه) إلى آخر سنة (669ه)

ـ المدرسة الفلكية والركنية: وهما مدرستان متجاورتان داخل باب الفرج عفا عليهما الزمان، وقد ناب بهما أيضاً النووي ـ رحمه الله ـ.

ـ دار الحديث الأشرفية: هي أشهر دار لعلم الحديث في بلاد الشام، وقد كانت داراً لصارم الدين قايماز بن عبد الله، وله بها حَمَّام، فاشترها الملكُ الأشرفُ مظفرُ الدين موسى بن محمدٍ العادل المتوفى سنة (635ه)، وبناها دار حديث، وأخرب الحمام، وبناه مسكناً للشيخ المدرِّس بها، وجعل شيخاً عليها الشيخ تقي الدين عثمان بن الصلاح الشهرزوري المتوفى سنة (643ه)، وافتتحت في ليلة النصف من شعبان سنة (630ه)، ووقف عليها الملكُ الأشرفُ الأوقافَ، وجعل بها نَعْلَ النبيصلى الله عليه وسلم، ومكانُها اليوم معروف، وهي في أول منعطف في سوق العصرونية على اليسار غربيَّ المدرسة العصرونية، وشرقيَّ قلعة دمشق.

ومن شرط واقِفها في الشيخ الذي يتولى مَشْيَخَتَها: أنه إذا اجتمع مَنْ فيه الروايةُ، ومن فيه الدرايةُ، قدِّم مَنْ فيه الرواية، وظاهرٌ أن من اجتمعَ فيه الروايةُ والدرايةُ أولى بها ممن فيه إحداهما.

والمتعارَفُ عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيمُ وقته في العلم، وخصوصاً علم الحديث، ومن لُقِّبَ بشيخِ دارِ الحديث، فقد نال في العلم أجلَّ الألقاب، وكان ممَّنْ وليها الشيخُ ابن الصلاح الذي تولاها ثلاث عشرةَ سنةً، ثم وليها بعده الشيخُ جمالُ الدين بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي المعروفُ بابن الحرستاني إلى أن توفي سنة (662ه).

ثم وليها بعده شهابُ الدين أبو شامة عبدُ الرحمن بنُ إسماعيل المقدسيُّ إلى أن توفي سنة (665ه).

ثم وليها بعده الإمامُ النوويُّ إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ سنة (676ه) ؛أي: مدة اثنتي عشرة سنة. والظاهر أن الإمام النووي لم يطلبها، بل دفعها عنه، ولم يقبلها إلا بعد جهد.

وقال القطب اليونيني: ’ونشرَ بها علماً جماً، وأفاد الطلبة‘.

وقررر عليه فيها ’البخاري‘، و’مسلم‘ سماعاً وبحثاً، و’الرسالة القشيرية‘، و’صفة الصفوة‘، وكتاب ’الحجة على تارك المحجة‘ لنصر المقدسي.

ويقول تلميذه ابن العطار: ’وحضرت معظم ذلك، وعلقت عنه أشياء في ذلك وغيره، فرحمه الله، ورضي الله عنه‘.

وقال التاج السبكي: ’ودرس ـ أي: النووي ـ بدار الحديث الأشرفية وغيرها، ولم يتناول فَلْساً واحداً. وقال والدي: إنه ما دخلها أعلمُ ولا أحفظُ من المِزيِّ، ولا أَوْرَعُ من النوويِّ، وابنِ الصَّلاح‘.

وقال القطبُ اليونيني: ’والذي أظهره وقدَّمَهُ على أقرانه ومَنْ هو أفقهُ منه: كثرةُ زهده في الدنيا، وعِظَمُ ديانتِه وورعهِ، وليس فيمن اشتغل عليه من يلتحقُ به‘.

11ـ تلاميذه:

يقول تلميذه ابن العطار: ’وسمع منه خلقٌ كثير من العلماءِ والحفّاظِ والصُّدورِ والرؤساء، وتخَّرَج به الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق‘.

منهم: خادمُهُ العلاّمةُ علاءُ الدين أبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ داود الدمشقيُّ المعروفُ بابن العَطَّار، والذي كان يقال له: ’مختصر النووي‘.

ومنهم: الصدرُ الرئيسُ الفاضلُ أبو العباس أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مُصْعَبٍ.

ومنهم: الشمسُ محمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرحمنِ بن النقيبِ، وهو آخر من كان من أعيان أصحاب النووي.

ومنهم: البدرُ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدِ الله بنِ جماعةَ.

والشهابُ محمدُ بنُ عبد الخالق بن عثمانَ بن زهرٍ الأنصاريّ الدمشقيّ المقررر، وشهابُ الدينِ أحمدُ بنُ محمدِ بن عباسِ بن حبوان.

والفقيه المقررر أبو العباس أحمد الضرير الواسطي الملقب بالخلال.

والنجمُ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سالمِ بنِ الخباز.

والشيخ الناسك جبريلُ الكرديّ.

والقاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الزرعي.

والقاضي صدر الدين سليمان بن هلال الجعفري خطيب داريا.

وأبو الفرج عبد الرحمن بنُ محمدِ بنِ عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي.

والعلاء عليُّ بنُ أيوبَ بن منصور المقدسي، الذي نسخ ’المنهاج‘ بخطه.

وأبو زكريا محيي الدين يحيى بن الفاضل جمال الدين إسحاق بن خليل.

وعبد الرحيم بن محمد بن يوسف السمهودي.

وشهاب الدين أبو حفص عمرُ بنُ كثير والدُ المحدِّث المؤرخِ أبي الفداء بن كثير.

والقاضي ضياءُ الدين عليُّ بنُ سليم.

وشمس الدين البيطار المعبر.

وخلق سواهم كثير ممَّن مروا على دمشق، وانتفعوا بمجالس الإمام النووي، ـ رحمه الله ـ.

12 ـ مؤلَّفات الإمام النووي:

لا ينازع أحد ـ ممن له أدنى مُسْكَةٍ في العلم ـ إلى أن مَنْ له في العلم مرتبة شيخ الشيوخ، يُعَظِّمُ مؤلفات النووي ـ رحمه الله ـ في كل العلوم والفنون.

والعظيم حقاً أن النووي عاش نحواً من ستٍّ وأربعين سنة، وترك من المؤلفات ما لو قسم على سني حياته، لكان نصيبُُُكل يوم كُرَّاستين، فإذا علمنا أنه لم يبدأ في طلب العلم إلا في سن الثامنة عشرة، وأنه أخذ في التصنيف في حدود الستين والست مئة، وإلى أن مات كما يقول الذهبي ـ رحمه الله ـ ؛أي: بعد مكثه في دمشق بعشر سنوات، علمنا أيّ مضاء وقدرة وبركة في عمره.

أضف إلى ذلك انشغاله بتعليم الطلبة، وقراءة الكتب، فإنه ما كان يضيع من وقته لحظة إلا في قراءة أو تعليم أو تأليف أو عبادة.

وحكي عنه أنه كان يكتب حتى تكلَّ يده فتعجز، فيضعُ القلمَ ثم ينشد:

لَئِنْ كانَ هذا الدَّمْعُ يَجْري صَبابَةًعلى غير سُعْدَى فَهْوَ دَمْعٌ مُضَيَّعُوكل ذلك في زمن يسير، وعمر قصير.

وقال تلميذه ابن العطار: ’وانتفع الناس بسائر البلاد بتصانيفه، وأكبُّوا على تحصيل تآليفه، حتى رأيتُ مَنْ كان يشنؤها ـ يبغضها ـ في حياته مجتهداً في تحصيلها والانتفاعِ بها بعد موته، فرحمه الله، ورضي عنه‘.

وقال اليافعي: ’ولا شك أن الإمام محيي الدين النواوي مبارَكٌ له في عمره، ولقد بلغني بأنه حصلت له نظرةٌ جمالية من نظرات الحق سبحانه بعد موته، فظهرت بركتُها على كتبه، فحفظت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد‘.

وقد ألف النووي في علوم شتى: الفقه، والحديث، وشرح الحديث والمصطلح، واللغة، والتراجم، والتوحيد، وغير ذلك.

وتمتاز مؤلفاته بالوضوح، وصحة التعبير، وانسيابِه بسهولة وعدم تكلف.

يقول الذهبي: ’إن عبارته أبسطُ من كلامه‘.

وأسلوبُه أسلوبُ عصره، مع عذوبة في الألفاظ، وجزالة في التراكيب.

ولثقة الناس عامَّتِهم وخاصَّتِهم بالنووي وعلمه وحسن تأليفه، بادروا إلى اقتنائها ودراستها والعَزْوِ إليها حتى انتشرت في الآفاق، وحَرَصَ عليها العلماء من جميع المذاهب، فإن لم يتخذها المتمذهبون بغير مذهبه أساساً، فلا أقل من أن يرجعوا إليها؛ ليطلعوا على دليلمذهبه الشافعي.

وأما كتبه غيرُ الفقهية، فيستوي فيها الموافق والمخالف.

ومؤلفات النووي على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما ألفه وأتمه:

وسنعرض لكل منها ببيان موجز:

1 ـ شرح صحيح مسلم: شرحه النووي شرحاً متوسطاً مباركاً.

يقول في مقدمة شرحه: ’وأما صحيح مسلم ـ رحمه الله،ـ فقد استخرتُ الله تعالى الكريمَ الرؤوفَ الرحيم في جَمْعِ كتاب في شرحه، متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختَصرات المُخِلاّتِ، ولا من المُطَوَّلاتِ المُمِلاّتِ، ولولا ضعفُ الهِمَمِ، وقلةُ الراغبين، وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات، لبسطته، فبلغت به ما يزيد على مئةٍ من المجلدات، من غير تكرار ولا زيادات عاطلات، بل ذلك لكثرة فوائده، وعظم عوائده الخفيات والبارزات‘.

هذا، وشرحُ مسلم من آخر ما أَلَّف، فقد أَلَّفه بعد سنة (674ه)؛ أي: قبل وفاته بسنتين.

وهذا أمر عسير على غير مثل هذا الإمام المبارك.

2 ـ روضة الطالبين: من الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب الشافعي، اختصره من كتاب الإمام الرافعي ’الشرح الكبير‘، وقد أثنى على كتابه ’الروضة‘ أئمةُ المذهب.

قال الأذرعي: ’هي ـ أي: الروضة ـ عمدةُ أتباع المذهب في هذه الأمصار، بل سار ذكرها في النواحي والأقطار، فصارت كتابَ المذهب المُطَوَّل، وإليها المَفْزع في النقل، وعليها المُعَوَّل، فإليها يلجأ الطالبُ النبيه، وعليها يعتمد الحاكم في أحكامه، والمفتي في فتاويه، وما ذلك إلا لحسن النية، وإخلاص الطوِيَّة‘.

وقال العماد بنُ كثير: ’قد زاد فيها تصحيحات ودقائقَ واختياراتٍ حسان، وكان فراغُه من تأليفها في يوم الأحد 15 ربيع الأول سنة (669ه)، وقد كان بدأه يوم الخميس 25 رمضان سنة (666ه)، وهي عمدة المذهب الآن‘.

3 ـ المنهاج: وهو من أكثر كتب النووي تداوُلاً بين العلماء والطلبة، اختصره من كتاب ’المحرر‘ للرافعي، وله فيه تصحيحات واختيارات، وكان فراغه من تأليفه يوم الخميس 19 رمضان سنة (669ه)، وهو كتاب عظيم النفع، وحَفِظَهُ بعد موته خلق كثير، وقال عنه العلامة أبو عبد الله محمدُ بن مالك النَّحْوي بعد أن وقف عليه: ’لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ، لحفظته‘.

وامتدحه ثُلَّةٌ من الشعراء، منهم البرهانُ الجعبري بقوله في قصيدة مطلعها:

لله دَرُّ إِمامٍ زاهِدٍ وَرعٍ


أَبْدى لنا مِنْ فَتاوى الفِقْه مِنْهاجا


أَلفاظُهُ كعُقودِ الدُّرِّ ساطِعَةٌ


على الرياضِ تزيدُ الحُسْنَ إبِهْاجا


4 ـرياض الصالحين من كلام سيد المرسلين:

وقد جُمع من الحديث النبوي كتبٌ كثيرةٌ في الوعظ والاعتبار، ولكن واحداً منها لم يبلغ من الانتشار والثقة ما ’بلغهُ رياض الصالحين‘، فهو كتابٌ جليل القدر، كثيرُ الخير والبركة.

قال النووي في مقدمته:

’فرأيت أن أجمع مختصَراً من الأحاديث الصحيحة، مشتمِلاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلاً لآدابه الباطنة والظاهرة‘... ثم قال: ’وألتزم فيه ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً من الواضحات، مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات‘.

5 ـ الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار:

لم يَحْظَ كتابٌ في الأذكار عند العامة والخاصَّة ما حَظِيَ به كتابُ النووي، فهو كتاب نفيس جليل، ذكر فيه المؤلف عملَ اليوم والليلة، وزاد عليها أذكاراً لمناسبات شتى، مع كثير من الأحكام المتناسبة مع الذكر، وكان فراغه من تأليف ’الأذكار ‘في المحرم سنةَ (667ه)، وأجاز روايته لجميع المسلمين.

6 ـ التبيان في آداب حملة القرآن:

وهو كتاب صغير، ويُستغنى به عن الكتب الكبيرة، ألفه النوويُّ لأهل دمشق، وقد كانت لهم عناية بالقرآن الكريم.

يقول السخاوي: ’وهو كتاب نفيس لا يستغنى عنه، خصوصاً القاررر والمقررر‘.

7 ـ التحرير في ألفاظ التنبيه:

من أجود كتب اللغة التي تشرح ما في كتاب ’التنبيه‘ من ألفاظ لغوية، أو مصطلحاتٍ فقهيةٍ، شبيه بكتاب ’المصباح المنير‘ للفيومي، وقال عنه قاضي صَفَد: ’ما أكثر فوائده! وما أعمَّ نفعه! ولا يستغني طالب علم عنه‘.

8 ـ العمدة في تصحيح التنبيه:

هذا الكتاب من أقدم ما ألف النووي، وموضوعه ملاحظاتٌ رآها في ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي، وهو من قديم ما صنف، فلا يعتمد على مافيه مخالفاً الحديثَ من كتبه.

9 ـ الإيضاح في المناسك: وللنووي مناسكُ كثيرة نحو ستةِ كتبٍ، ومنها منسكٌ خاصٌّ بالنساء، إلا أن الإيضاح أشملُها لكل ما يحتاجه الحاجُّ، مع فوائدَ كثيرةٍ قَيِّمةٍ.

10 ـ إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق:

11 ـ التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير:

وكلاهما في مصطلح الحديث، اختصر الإرشاد من كتاب ’علوم الحديث‘ لابن الصلاح، ثم اختصر الإرشاد بكتاب التقريب. وقد شرحه السيوطيُّ في ’تدريب الراوي‘. وقد استدرك فيهما النوويُّ على ابن الصَّلاح، وخالفه في بعض المسائل.

12 ـ الأربعين النووية: وهو كتابنا هذا الذي نقدم له.

13 ـ بستان العارفين: كتاب رقائق، فيه من الخير وكثرة الفوائد الشيءُ الكثير، وهو صورة كاملة عن مؤلفه في الزهد والإخلاص والإعراض عن الدنيا، وسار فيه على نهج الصفوة المباركة، مع الصدق في القول والعمل.

14 ـ مناقب الشافعي:

اختصره من كتاب البيهقي في مجلد واحد.

15 ـ مختصر أسد الغابة:

نبه عليه النووي في مصنفه ’التقريب‘.

16 ـ الفتاوى المسماة بالمسائل المنثورة:

جمعها عنه تلميذه علاء الدين بن العطار، وهي قيمة، وفيها علم كثير.

17 ـ أدب المفتي والمستفتي:

وهو كتاب نفيس نسجَ فيه على مِنْوال أبي عمرو بن الصلاح.

18 ـ مسائل تخميس الغنائم:

وهذا كتاب ألفه في النزاع بينه وبين شيخه التاج الغزاوي الفركاح في مسألة تخميس الجواري في الحرب.

19 ـ مختصر التذنيب:

التذنيب للرافعي، سماه: المنتخب.

20 ـ تحفة طلاب الفضائل:

هذا كتاب ذكر فيه من التفسير والحديث والفقه واللغة وضوابط ومسائل من العربية، وغير ذلك، وهو جليل في معناه، وأفرده من ’شرح المهذب‘.

21 ـ الترخيص في الإكرام والقيام:

وهي عبارة عن رسالة لطيفة في القيام وصوره وأحكامه.

22 ـ 23 مختصر آداب الاستسقاء، ورؤوس المسائل:

وهما كتابان صغيران جيدان نافعان.

وهذه الكتب التي أكملها النووي على اليقين، وقد يكون إكمالُ بعضها على غالب الظن.

القسم الثاني: ما بدأ النووي بتأليفه، وأدركته الوفاةُ قبل إتمامه.

1 ـ المجموع شرح المهذب:

وكتاب ’المهذب‘ للإمام أبي إسحاق الشيرازي شيخ علماءِ عصره، بدأ النوويُّ بشرحه على طريقة ذِكْر الدليل مع كل مسألة، مع استيعابه للمذهب بكل صوره ومسائله بغاية التحقيق والنقاش والترجيح، ولكنه توفي قبل أن يتمَّه، ووصل فيه إلى أثناء كتاب الربا، ثم جاء بعده التقيُّ السبكي، فحاول أن يتمَّه، وأدركته منيته حين أتم منه ثلاث مجلدات.

وهذا الكتاب العظيم من حقه أن يقدَّم الكلامُ عليه على سائر كتب النووي.

وأقلُّ ما يقال في حَقِّه: إنه أعظمُ كتاب في المذهب الشافعي، ولو أنه كَمُلَ على طريقة مؤلفه، لكانَ أعظم كتابٍ في الفقه مطلقاً، إلا ما ألفه أئمةُ المذاهب.

2 ـ تهذيب الأسماء واللغات:

وهذا الكتاب من الأدلة على علم النووي باللغة والعربية، ويمتازُ هذا الكتاب بالضبط والتحقيق والتحرِّي عن الصواب، وقال عنه النووي: ’وهو كتاب جليل لا يستغني طالبُ علمٍ من العلوم كلِّها عن مثله‘.

3 ـ شرح الوسيط:

’الوسيط‘ للإمام الغزالي، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي، وشرح النووي منه قطعة جيدة.

4 ـ شرح صحيح البخاري:

ويقول النووي في مقدمته: ’أما صحيحُ البخاري، فها أنا أشرع في جمع كتاب في شرحه متوسطٍ بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخِلاَّت، ولا من المبسوطات المملات، ولولا ضعفُ الهمم وقلةُ الراغبين في المبسوط، لبلغت به ما يزيد على مئة من المجلدات، مع اجتناب التكرار والزيادات العاطلات‘.

5 ـ شرح أبي داود:

شرح قطعة منه وصل فيها إلى أثناء الوضوء، وسماها: الإيجاز.

6 ـ الإملاء على حديث: ’إنما الأعمال بالنيات‘.

7 ـ كتاب الأمالي:

قالوا: إنه مهم نفيس، صنفه قربَ موته.

8 ـ الخلاصة في أحاديث الأحكام:

وصل فيها إلى أثناء الزكاة.

9 ـ طبقات الفقهاء:

اختصر هذا الكتابَ من كتاب ابن الصلاح، وزاد عليه أسماء نَبَّه عليها في ذَيْل كتابه.

وكان من حق هذا الكتاب أن يذكَر في الكتب التي أتمَّها، ولكن تلميذَه ابنَ العطار عَدَّهُ في جملة الكتب التي لم يُتِمَّ تأليفَها، ومات النوويُّ وكتابُه هذا مُسَوَّدَةٌ، وبَيَّضَهُ الحافظُ الجمالُ المِزِّيُّ.

10 ـ التحقيق:

كتاب في الفقه، وصل فيه إلى أثناء باب: صلاة المسافر.

11 ـ تحقيق الطالب النبيه:

شرح فيه مواضع من كتاب ’التنبيه‘ لأبي إسحاق الشيرازي.

12 ـ جامع السُّنَّة.

13 ـ مهمات الأحكام:

وهو قريب من ’التحقيق‘ في كثرة الأحكام.

14 ـ الأصول والضوابط:

وهي أوراق لطيفة تشتمل على شيء في قواعد الفقه.

القسم الثالث: ما ألفه، ثم غَسَلَه وأتلفَه.

وقد غسل كثيراً من مؤلفاته مخافةَ عدمِ الإخلاص في تأليفها، وبعضُها كتبها مسودة، ولم يتح له الوقت لإعادة النظر فيها.

يقول تلميذه العلاء بن العطار: ’ولقد أمرني مَرَّةً ببيع كراريسَ نحو ألف كَرَّاسٍ بخطِّه، وأمرني بأن أقف على غَسْلها في الوراقة، وخوَّفني إن خالفت أمره في ذلك، فما أمكنني إلا طاعتُه، وإلى الآن في قلبي حسرة منها‘.

13 ـ عبادته وزهده وورعه:

يرى النووي ـ رحمه الله ـ أن أعظم العبادة تَعَلُّمُ العلم الذي يُعرف به الحلالُ والحرام بإخلاص.

ومع ذلك كان له اشتغالٌ في العبادة، وكان كثيرَ التلاوة للقرآن، والذكر لله تعالى، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الآخرة من حال ترعرعه، وكان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصنيف.

وحكى أبو عبد الله محمد البعليُّ الحنبليُّ، قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ النوويُّ واقفٌ إلى سارية في ظُلْمَة، وهو يُردِّد قوله تعالى: ﴿ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ﴾[يس: 24]مراراً بحزن وخشوع، حتى حصل عندي من ذلك شىءٌ اللَّهُ أعلم به.

وقال ابن كثير: كان الإمام النوويُّ يصومُ الدهرَ.

وأما ورعه ـ رحمه الله ـ فورعُ من يشهدُ يوم الحساب بعين اليقين، وعظم الإيمان، ولذا وصفه الذهبيٌّ بأنه صاحبُ ورع ثخين، ويريد: أنه ورعٌ شديدٌ قَلَّ مَنْ يستطيعُ أن يقوم به.

فمن ورعه؛ أنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسأله ابنُ العطار عن ذلك، فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحتَ الحَجْرِ شرعاً، ولا يجوز التصرُّفُ في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة لليتيم والمَحْجور عليه، والناسُ لا يفعلونها إلاّ على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟!

ومن ورعه أيضاً:أنه كان لا يتناول من جهة ما مالاً أو طعاماً، ولا يقبل من أحد، حتى ما يُفرض له.

وحكى الذهبي: أنه ترك جميع الجهات الدنيوية، فلم يكن يتناول من جهة من الجهات درهماً فرداً.

وأنه ما أخذ من الأشرفية فيما بلغني (جامكيَّة)، بل اشترى بها كتباً ووَقَفَها.

ويظهر أن هذا كان أولَ أمره، ثم امتنع عن أخذ شيء البتةَ، بل كان يقنع بالقليل مما يبعث به إليه أبوه من بلده.

والغريب فيه:أنه مع هذا الزهد والورع والاعتقاد بالقليل كان يقرِّرُ جوازَ أكل لذيذ الأطعمة، وأنه لا ينافي الزهدَ، وذلك في تعليقه على حديث صحيح مسلم: ’كان رسول اللهصلى الله عليه وسلميحب الحلواء والعسل‘.

14 ـ كرامات النووي:

إن لم يكن النووي وأمثاله أولياء الله، فمن هم الأولياء إذاً، والله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس: 62 ـ 63]؟ فلا ينكر أن تكون له الكرامات الكثيرة.

ويقول الذهبي: كان يؤثَرُ عنه كرامات وأحوال.

15 ـ أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر:

كان الإمام النووي ـ رحمه الله ـ عديمَ المثيل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لا يبالي في أمره ونهيه لومة لائم، بل لا يبالي الإهانة والعذاب والموت، ولا يكبر عنده أحد عن نصيحته، حتى العلماءُ والملوك، والأمراءُ والجبابرة، وله مواقفُ وحوادثُ تذهب بالألباب في أمره ونهيه مع الظاهر بيبرس، ومع شيخه الفركاح التاج الفزاري، ومع عدة من علماء عصره الذين كانوا يزينون للسلطان بعض الفتاوى، ولكن من أشهر مواقفه وأبرزها وقوفه في وجه الملك الظاهر بيبرس البندقداري التركي صاحب مصر والشام، المتوفَّى سنة (676ه) قبل النووي بقليل، وواقفَ الظاهِرَ غيرَ مرةٍ في دار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق، لما أرادوا صنع الأملاك عليها.

وقصة الحوطة: لما ورد السلطانُ الظاهرُ دمشقَ بعد قتال التتر ونزوحهم عنها، ولَّى وكالةَ بيت المال شخصاً من الحنفية، فقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق كان التتار قد استولوا عليها، فتملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة، فوضع السلطانُ يدَه عليها، فقام جماعةمن أهل العلم، وكان الشيخ فيهم، بل هو أعظمهم، فكلم السلطانَ في ذلك كلاماً فيه غلظة، فظن السلطان أن له مناصب يعزله عنها، فقيل: ما لَهُ منصبٌ.

ولما خرج الملك الظاهر لقتال التتار بالشام، طلب فتاوى العلماء بأنه يجوز أخذ مالٍ من الرعيَّةِ ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك، وقتل خلقاً من العلماء كثيراً بسبب إفتائهم له بعدم الجواز، فقال: هل بقي أحد؟ فقالوا: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي. فطلبه، فقال: اكتب خطك مع الفقهاء، فامتنع، وقال: لا، فقال: ما سبب امتناعك؟ فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم مَنَّ الله عليك، وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألفَ مملوك، كلُّهم عنده حياصة من ذهب، وعندك مئتا جارية، لكلِّ جاريةٍ حُقٌّ من الحلي، فإذا أنفقتَ ذلك كلَّه، وبقيت مماليكُك بالبنود الصوف بدلاً عن حياصات الذهب، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، ولم يبق في بيت المال شيء من نقدٍ أو متاعٍ أو أرضٍ، أفتيتُك بأخذ المال من الرعية، وإنما يُستعان على الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتِّباع آثارِ نبيهصلى الله عليه وسلم.

فغضب السلطان من كلامه، وقال: اخرج من بلدي، فقال: السمعُ والطاعة، وخرج إلى نوى، فقيل للملك: ما سبب عدم قتلك له؟ فقال: كلما أردت قتله، رأيت على عاتقه سَبُعَيْنِ يريدان افتراسي، فأمتنع من ذلك.

ومما كتبه لما احتيطَ على أملاك دمشق بعد إنكاره مواجهة السلطان الظاهر وعدم إفادته وقبوله: ’بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾[الذاريات: 10]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾[آل عمران: 187]، وقال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[المائدة: 2].

وقد أوجب الله على المكلَّفين نصيحةَ السلطان ـ أعز الله أنصاره ـ، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ’الدين النصيحة: للَّهِ ولكتابهِ ورسولهِ وأئمةِ المسلمينَ وعامَّتهم‘، ومن نصيحة السلطان ـ وفقه الله لطاعته، وتولاه بكرامته ـ أن ينهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقةَ على الرعيَّة، والاهتمامَ بالضَّعَفَةِ، وإزالةَ الضررِ عنهم، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الحجر: 88] ثم قال: وقد أنعم الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان ـ أعز الله أنصاره ـ ؛فقد أقامه اللَّهُ لنُصْرةِ الدين، والذبِّ عن المسلمين، وأذلَّ له الأعداءَ من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورةَ في المدة اليسيرة، وأوقع الرُّعْبَ منه في قلوب أعداء الدين وسائر المارقين، ومهَّدَ له البلادَ والعبادَ، وقَمَعَ بسببه أهلَ الزَّيْغِ والفساد، وأمدَّه بالإعانة واللطف والسعادة، فللَّهِ الحمدُ على هذه النعم المتظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل اللَّهَ الكريمَ دوامَها للمسلمين، وزيادتها في خير وعافية، آمين.

وقد أوجب اللَّهُ شكرَ نعمه والزيادة للشاكرين، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[إبراهيم: 7].

وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبيرُ عنها، وطُلب منهم إثباتٌ، لا يلزمهم، فهذه الحوطةُ لاتحلُّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَنْ في يده شيء، فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يُكَلَّفُ إثباتَه.

وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحبُّ العملَ بالشرع، ويوصي نُوّابَهُ به، فهو أَوْلى من عَمِلَ به، والمسؤول إطلاقُ الناسِ من هذه الحوطة، والإفراجُ عن جميعهم، فأطلقْهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضَعَفَةٌ، وفيهم الأيتامُ والأرامل والمساكين والضعفةُ والصالحون، وبهم نُنصر ونُغاثُ ونُرزق، وهم سكان الشام المبارك، جيرانُ الأنبياء ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ، وسكان ديارهم، فلهم حرماتٌ من جهات.

ولو رأى السلطان ما يلحقُ الناسَ من الشدائد، لا شتدَّ حزنُه عليهم، وأطلقهم في الحال، ولم يؤخِّرْهم، ولكن لا تُنْهى الأمورُ إليه على وجهها.

فبالله أغثِ المسلمين يغثْك اللَّهُ، وارفُقْ بهم يرفُقِ الله بك، وعجِّل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلفِ غلاتهم؛ فإن أكثرَهم ورثوا هذه الأملاكَ من أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيلُ كتب شراء، وقد نُهبتْ كتبُهم، وإذا رَفَقَ السلطانُ بهم، حصلَ له دعاءُ رسولِ اللهصلى الله عليه وسلم لمن رفق بأمته، ونصرَهُ على أعدائه؛ فقد قال الله تعالى: {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هاذا سحر مبين }، ويتوفرُ له من رعيته الدعوات، وتظهرُ في مملكته البركات، ويبارَكُ له في جميع ما يقصدُه من الخيرات، وفي الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ’من سنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة‘، فنسأل اللَّهَ الكريمَ أن يوفِّقَ السلطانَ للسُّنَنِ الحسنة التي يُذْكَرُ بها إلى يوم القيامة، ويحميَهُ من السنن السيئة.

فهذه نصيحتُنا الواجبةُ علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول، والسلامُ عليكم ورحمة الله.

16 ـ حِلْية النووي وبعض أخباره:

يقول الذهبي في وصفه: ’كان أسمرَ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، رَبعةً، مَهيباً، قليلَ الضَّحِكِ، عديمَ اللَّعِبِ، بل جِدٌّ صِرْفٌ، يقولُ الحقَّ وإن كانَ مرّاً، لا يخافُ في الله لومة لائم.

وكان خشنَ العيش، قانعاً بالقُوتِ، تاركاً للشهوات، صاحبَ عبادة وخوف، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلاّ أَكلة واحدة، وقوتُه منِ قِبَلِ والِده، ولا يشربُ إلا مرة في السَّحَر، ولا يشرب الماءَ المبرَّد‘.

والنوويُّ لم يتزوجْ قَطُّ، ولعل السببَ في ذلك أنه زاهدٌ في مُتَع الدنيا كلِّها، بل ليس في عقله وقلبه ذرةٌ واحدة يمكنُ أن تعبأ بغير ما صرفَ حياته كلَّها إليه، فكان إذا غلبه النومُ، استندَ إلى الجدارِ قليلاً، وهو جالسٌ، ثم يستيقظُ مذعوراً كأن شيئاً ثميناً سُرق منه.

ومن طريف ما حكى عن نفسه ـ كما روى ذلك تلميذُه العلاء بن العطا ر ـ: أنه في أول طلب العلم قرأ أنَّ من موجِبات الغسل التقاءَ الختانين، فكان يظنُّ المَعْنى أن ذلك قرقرةٌ في البطن، فكان كلما قرقرَ بطنُه، ذهب فاغتسل، حتى أصابه من ذلك عَنَتٌ ومرضٌ، وبعدَ زمنٍ عَرَفَ المراد.

17 ـ شعره، وما تمثَّلَ به:

قَلَّ من العلماء من لم يجربْ أن يقولَ الشعر، فمنهم المُقلُّ، ومنهم المُكْثِرُ، ومن قرأ سيرة النوويِّ لا يفترض فيه أن يكون شاعراً؛ لكثرة أعماله وجِدِّه وإنتاجه، ولكن بعض تلاميذه سمع منه شعراً يتمثَّل به قبل وفاته، وقيل: هي منسوبة إليه:

بشائرُ قلبي في قُدومي عليهمُ


ويا لَسُروري يومَ سيري إليهِمُ


وفي رحلتي يَصْفو مقامي وحَبَّذا


مقامٌ بهِ حَطُّ الرِّحالِ إليهمُ


ولا زادَ لي إلا يقيني بأنَّهُمْ


لهم كَرَمٌ يُغْني الوُفودَ عليهمُ


18 ـ سفره لزيارة الشافعي:

وقد سافر النووي إلى القاهرة لزيارة الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه، فلما عاين قُبَّتَهُ، وقفَ هناك، ولم يَخْطُ خطوةً بجهته، فقيل له: هلا تَقَدَّمْتَ؟ فقال: لو كان الإمام حَيّاً، ورأيتُ خيامَه، كان يلزمني الوقوفُ بمجرد رؤيتها، ثم رجع من غير أن يشعر به أحد من أهلها..

ولو أنصف النوويُّ نفسَه ـ إن أدرك الإمام ـ لكان ينبغي أن يكون من خُلَّصِ تلاميذه، وأفقههم، ولكنه الأدبُ والتواضعُ، وهكذا ينبغي احترامُ الكبارِ والعلماءِ، والأدبُ معهم أحياءً ومَيِّتين.

19 ـ ثناء العلماء عليه:

أجمع العلماءُ والفقهاء والمحدِّثون والزُّهَّاد والمتعبِّدون على حُبِّ الإمام النووي، والثناء عليه؛ لأنه جمع ذلك كلَّه، وأخلصَ لله تعالى فيه.

ودونك بعض أقوال العلماء فيه:

وصفه ابنُ العطار بقوله: ’شيخي وقدوتي الإمامُ ذو التصانيف المُفيدة والمُؤَلفات الحميدة، أوحَدُ دهره، وفريدُ عصره، الصوَّام القوَّام، الزاهدُ في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحبُ الأخلاقِ الرضيَّة، والمحاسِنِ السَّنِيَّة، العالمُ الربّانيُّ المُتَّفَق على علمِه وإمامتِه وجلالتِه، وزهدِه وورعِه وعبادته، وصيانتِه في أقوالِه وأفعالِه وحالاتِه، له الكراماتُ الطافِحَة، والمَكْرُماتُ الواضحة، المؤثر بنفسه وماله المسلمين، والعاملُ بحقوقهم وحقوقِ وُلاة أمورِهم بالنُّصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد بالخروج من خلاف العلماء، ولو كان بعيداً، والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة.

وكان محقِّقاً في علمه وفنونه، مدقِّقاً في عمله وشؤونه..‘.

وقال الذهبي في وصفه: ’الشيخُ القدوةُ الحافظُ الزاهدُ العابدُ الفقيهُ المجتهدُ الرباني، شيخُ الإسلام، حسنة الأنام، محيي الدين، صاحب التصانيفِ التي سارت بها الرُّكْبان، واشتهرت بأقاصي البلدان‘.

وقال التاج السبكي في ’طبقاته الوسطى‘: ’الشيخُ الإمام شيخُ الإسلام، أستاذُ المتأخرين، حُجَّةُ الله على اللاحقين، ما رأت عينٌ أزهدَ منه في يقظةٍ ومَنَام، ولا عاينَتْ أكثرَ اتِّباعاً منه لطرق السالفينَ من أمةِ محمدٍ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام، له التصانيفُ المفيدة، والمناقبُ الحميدة، والخصائلُ التي جمعت طارفَ كُلِّ فضلٍ وتَليدَه، والورعُ الذي خَرَّبَ به دنياه وجعل دينَه معموراً، والزهدُ الذي كان يَحْيَى به سَيِّداً وحَصُوراً‘.

20 ـ وفاته وقبره:

توفي ـ رحمه الله ـ في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مئة.

ويقول التاج السبكي: ’لما مات النوويُّ بنوى، ارتجَّتْ دمشقُ وما حولها بالبكاء، وتأسَّفَ عليه المسلمون أسفاً شديداً، وأحيوا ليالي كثيرة لسنته‘.

وهاك قصة وَفاته كما رواها تلميذُه علاءُ الدين بنُ العطار، يقول: ’كنت جالساً بين يديه قبل انتقاله بشهرين أو نحوهما، وإذا بفقير قد دخلَ عليه، وقال للشيخ: فلانٌ من بلادِ صَرْخَد يسلم عليك، وأرسل معي هذا الإبريقَ لك، فَقَبِلَهُ الشيخ، وأمرني بوضعه في بيت حوائجه، فتعجبت منه لقبوله، فشعر بتعجبي فقال: أرسل إليَّ بعض الفقراء زَرْبولاً، وهذا إبريقٌ، فهذه آلَةُ السفر.

ثم بعد أيام يسيرةٍ كنت عندَه،فقال لي: قد أذِنَ لي في السفر، فقلت: كيف أذن لك؟ قال: أنا جالس هنا ـ يعني: بيته في المدرسة الرواحية، وقدامه طاقةٌ مشرفةٌ عليها مستقبلة القِبْلة ـ إذْ مرَّ عليَّ شخَصٌ في الهواء من هنا، ومرَّ كذا ـ يشير من غرب المدرسة إلى شرقها ـ، وقال: قم سافرْ لزيارةِ بيت المَقْدِسِ، وكنتُ حملت كلام الشيخ على سفر العادة، فإذا هو السفرُ الحقيقي.

ثم قال لي: قم حتى نودعَ أصحابَنا وأحبابنا، فخرجت معه إلى القبورِ التي دُفن فيها بعضُ مشايخه، فزارهم، وقرأ شيئاً، وبكى، ثم زارَ أصحابَهُ الأحياءَ، والشيخَ يوسفَ القفاعي، والشيخَ محمداً الإخميميّ، وشيخَنا الشيخَ شمَس الدين بنَ أبي عمرَ شيخَ الحنابلة، ثم سافر صبيحةَ ذلك اليوم، فسار إلى نوى، وزار القدس والخليل، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته لها في بيت والده، فبلغني مرضُه، فذهبت من دمشق لعيادته، ففرح ـ رحمه الله ـ بذلك، ثم قال لي:ارجعْ إلى أهلك، وودعتهُ، وقد أشرفَ على العافية يومَ السبت العشرين من رجب، ثم توفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب.

فبينما أنا نائم تلك الليلة، إذا منادٍ ينادي على سُدَّةِ جامعِ دمشق في يوم الجمعة: الصلاةَ على الشيخ زكي الدين الموقع، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشيةَ الخميس، إذ جاء الخبرُ بموته ـ رحمه الله ـ فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، ولما وصل خبرُ وفاتِه إلى دمشقَ، ارْتَجَّتِ البلدُ، وزحفت دمشقُ إلى حوران، وصَلَّى عليه قاضي القضاة عزُّ الدين بنُ الصائغ، ودُفن ـ رحمه الله ـ في قريته نوى، وقبرُه فيها ظاهر يُزار.

وكان ـ رحمه الله ـ يريدُ أن يكون قبره على السُّنَّةِ، فيه علامةُ الفقرِ إلى الله، والزهدِ الذي عاشه في دنياه، ولكن الموتَ لم يُمْهِلْه حتى يوصيَ بذلك، وقومُه يريدون بناءَ قُبَّةٍ عليه، وأجمعوا أمرَهُمْ على ذلك، إذ جاء ـ رحمه الله ـ في النوم إلى أكبرِ امرأةٍ من قرابته ـ رُبَّما تكونُ عَمَّتَهُ ـ، وقال لها: قولي لأخي والجماعة لا يفعلون هذا الذي قد عَزَموا عليه من البنيان؛ فإنه كُلَّما بَنَوا شيئاً يُهْدَمُ عليهم، فانتبهتْ منزعجة، فقصَّتْ عليهم الرُّؤيا، وامتنعوا من البنيان.

وحَوَّطوا على قبره بحجارة تمنعُ الدوابَّ وغيرها.

ومما يدلُّ على صِدْقِ هذه الرؤيا أنه في أواخرِ القرنِ العاشرِ بنى الأميرُ الكبيرُ قانصوه الساعدي ـ رحمه الله ـ على قبر الشيخ قُبَّةً مِراراً، فوقعتْ مَن غيرِ هَدْم.

ولا تزال هذه العقيدةُ بينَ أهلِ نوى، وهي أنهم كُلَّما بنوا سَقْفاً على قبره،ىى يَرَونَ أنه لا بدَّ أن يُهدمَ، فهم يتخوَّفون دائماً أن يجعلوا لقبره سقفاً، وهو محوط مُسَوَّرٌ غيرُ مسقوفٍ إلى يومِنا هذا. وخرجتْ من داخلِ القبر شجرةٌ عظيمةٌ يبستْ مع الزمن، ولا تزال شاهدةً على صلاحِ النوويِّ وزهدِه.

21ـ رثاؤه وما قيل فيه:

يقول الذهبُّي: ورثاه غيرُ واحد يبلغون عشرين نفساً بأكثرَ من ستمئة بيت، منهم: شيخ الأدب أبو عبد الله محمدُ بنُ أحمد بقصيدتين، إحداهما:

عَزَّ العَزاءُ وَعَمَّ الحادِثُ الجَلَلُ


وخابَ بالموتِ في تعميركَ الأَمَلُ

واستوحَشَتْ بعدَما كُنْتَ الأنيسَ لَها

وساءَها فَقْدُكَ الأسمارُ والأُصُلُ


وكنتَ للدِّينِ نُوراً يُسْتَضاءُ بهِ


مُسَدَّداً منكَ فيهِ القَوْل والعَمَلُ


وكُنْتَ تَتْلو كِتابَ اللَّهِ مُعْتَبِراً


لا يَعْتَريكِ على تَكْرارِهِ مَلَلُ


وكُنْتَ في سُنَّةِ المُخْتار مُجْتَهِداً


وأنتَ باليُمْنِ والتَّوفيقِ مُشْتَمِلُ


وكُنْتُ زَيْناً لأَهْل العِلْمِ مُفْتَخِراً


على جَديدِ كِساهُمْ ثَوْبُكَ السَّمِلُ


وكُنْتَ أَسْبَقَهُمْ ظِلأًّ إِذا اسْتَعَرَتْ


هواجِرُ الجَهْلِ والإِضْلالُ ينتَقلُ


كَساكَ رَبُّكَ أَوْصافاً مُجَمَّلَةً


يَضيقُ عن حَصْرِها التَّفْصيلُ والجُمَلُ

أَسْلى كَمالُكَ عَنْ قَوْمٍ مَضَوْا بَدَلاً


وعَنْ كَمالِكَ لا مِثْلٌ ولا بَدَلُ


فَمِثْلُ فَقْدِكَ تَرْتاعُ العُقولُ لَهُ


وفَقْدُ مِثْلِكَ جُرْحٌ لَيْسَ يَنْدَمِلُ


زَهِدْتَ في هههذهِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِها


عَزْماً وحَزْماً ومَضْروبٌ بِكَ المَثَلُ

أَعْرَضْتَ عَنْها احْتِقاراً غَيْرَ مُحْتَفِلٍ


وأنتَ بالسَّعْيِ في أُخْراكَ مُحْتَفِلُ


عَزَفْتَ عَنْ شَهَواتٍ مالِعَزْمِ فَتًى


بِها سِواكَ إذا عَنَّتْ لَهُ قِبَلُ


أَسْهَرْتَ في العِلْم عَيْناً لَمْ تَذُقْ سِنَةً


إِلاَّ وأَنْتَ بهِ فِي الحُكْمِ مُشْتَغِلُ


يالَهْفَ حَفْلٍ عَظيمٍ كُنْتَ بَهْجتَهُ


وحَلْيَهُ فَعَراهُ بَعْدَكَ العَطَلُ


وطالِبُو العِلْمِ مِنْ دانٍ ومُغْتَربٍ


نالوا بِيُمْنِكَ مِنْهُ فَوْقَ ما أمِلُوا


حاروا لِغَيْبَةِ هاديهِمْ وضاقَ بِهِمْ


لِفَرْطِ حُزْنٍ عليكَ السَّهْلُ والجَبَلُ


تُرَى دَرَى تُرْبُه مَنْ غَيَّبوهُ بِهِ


أو نعشُه مَنْ على أَعْوادِهِ حَمَلوا


عَنَّاهُ شُغْلُهُمُ دَهْراً وعاذلُهُمْ


بِلاعِجِ الوَجْدِ قَدْ أَشْفى لَهُمْ شُغُلُ


يا مُحْيِيَ الدِّينِ كَمْ غادَرْتَ مِنْ كَبِدٍ


حَرَّى عليكَ وعَيْنٍ دَمْعُها هَطِلُ


وكَمْ مقامٍ كَحَدِّ السَّيْفِ لا جَلِدٌ


يَقْوَى على هَوْلِهِ فيهِ ولا جَدِلُ


وكَمْ تواضَعْتَ عَنْ فَضْلٍ وعَنْ شَرَفٍ


وهِمَّةٍ هامَةَ الجَوْزاءِ تَنْتَعِلُ


عالَجْتَ نَفْسَكَ والأدواءُ شامِلَةٌ


حَتَّى اسْتقَامَتْ وحَتّى زالَتِ العِلَلُ


بلغتَ بالتَّعبِ الفاني رِضا مَلِكٍ


ثَوابُهُ في جِنانِ الخُلْدِ مُتَّصِلُ


رحم الله هذا الإمامَ الكبيرَ، ورضيَ عنه، وجزاهُ خيرَ الجَزاء عَنّا وعَنِ المُسلمين في الدنيا والآخِرة، آمين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد