الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

قصص الأنبياء == ذكر مُوسَى وهرون فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ 3

بالترهيب (1) تَارَةً وَالتَّرْغِيبِ أُخْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ " يخبر تَعَالَى أَنه ابتلى آل فِرْعَوْن و [هم] (2) قَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ، بِالسِّنِينَ وَهِيَ أَعْوَامُ الْجَدْبِ الَّتِي لَا يُسْتَغَلُّ فِيهَا زَرْعٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بضرع.
وَقَوله: " وَنقص من الثمرات " وَهِيَ قِلَّةُ الثِّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ " لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " أَي فَلم ينتفعوا وَلم يرتدعوا، بَلْ تَمَرَّدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
" فَإِذَا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة " وَالْخصب وَنَحْوه " قَالُوا لنا هَذِه " أَيْ هَذَا الَّذِي نَسْتَحِقُّهُ، وَهَذَا الَّذِي يَلِيقُ بِنَا " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَه " أَيْ يَقُولُونَ هَذَا بِشُؤْمِهِمْ أَصَابَنَا هَذَا، وَلَا يَقُولُونَ فِي الاول إِنَّه ببركتهم وَحسن مجاورتهم [لَهُم (3) ] وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ مُنْكِرَةٌ مُسْتَكْبِرَةٌ نَافِرَةٌ عَنِ الْحَقِّ، إِذَا جَاءَ الشَّرُّ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَلَا إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله " أَيِ [اللَّهُ (3) ] يَجْزِيهِمْ عَلَى هَذَا أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.
" وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ".
" وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَك بمؤمنين " أَيْ مَهْمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ - وَهِيَ الخوارق للعادات - فلسنا نؤمن بك
__________
(1) ا: فبالترهيب (2) من ا.
(3) لَيست فِي ا.
(*)

وَلَا نَتَّبِعُكَ وَلَا نُطِيعُكَ، وَلَوْ جِئْتَنَا بِكُلِّ آيَةٍ.
وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَاب الاليم ".
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قوما مجرمين " أَمَّا الطُّوفَانُ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَثْرَةُ الامطار المغرقة الْمُتْلِفَةِ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ [وَالضَّحَّاكُ (1) ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ: هُوَ كَثْرَةُ الْمَوْتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّوفَانُ الْمَاءُ وَالطَّاعُونُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمْرٌ طَافَ بِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أَنَّهُ قَالَ (1) ] : " الطُّوفَانُ الْمَوْتُ " وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا الْجَرَادُ فَمَعْرُوفٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: " أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ".
وَتَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّقَذُّرِ لَهُ، كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ، وَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزْونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الاحاديث والْآثَار فِي التَّفْسِير.
__________
(1) لَيست فِي ا.
(*)

وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ اسْتَاقَ خَضْرَاءَهُمْ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ زرعا وَلَا ثِمَارًا وَلَا سَبَدًا وَلَا لَبَدًا (1) .
وَأَمَّا الْقُمَّلُ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ (2) الْحِنْطَةِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ الْجَرَادُ الصِّغَارُ الَّذِي لَا أَجْنِحَةَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ: هُوَ دَوَابُّ سُودٌ صِغَارٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقمل (3) [هِيَ (4) ] الْبَرَاغِيثُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: أَنَّهَا الْحَمْنَانُ وَهُوَ صِغَارُ الْقِرْدَانِ فَوْقَ القمامة (5) فَدخل مَعَهم الْبيُوت والفرش، قلم يَقِرَّ لَهُمْ قَرَارٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مَعَهُ الْغَمْضُ وَلَا الْعَيْشُ.
وَفَسَّرَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ بِهَذَا الْقُمَّلِ الْمَعْرُوفِ.
وَقَرَأَهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ.
وَأَمَّا الضَّفَادِعُ فَمَعْرُوفَةٌ، لَبَّسَتْهُمْ حَتَّى كَانَتْ تَسْقُطُ فِي أطعمتهم وأوانيهم.
حَتَّى إِن أحدهم إِذا فتح فَاه (6) لطعام أَو شراب سَقَطت فِيهِ ضِفْدِعَةٌ مِنْ تِلْكَ الضَّفَادِعِ.
وَأَمَّا الدَّمُ فَكَانَ قَدْ مُزِجَ مَاؤُهُمْ كُلُّهُ [بِهِ (7) ] فَلَا يَسْتَقُونَ مِنَ النِّيلِ شَيْئًا إِلَّا وَجَدُوهُ دَمًا عَبِيطًا (8) ، وَلَا مِنْ نَهْرٍ وَلَا بِئْرٍ وَلَا شئ إِلَّا كَانَ دَمًا فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ.
هَذَا كُلُّهُ وَلَمْ يَنَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَلِكَ شئ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ عَنْ (9)
__________
(1) السبد: الْقَلِيل.
واللبد: الْكثير.
(2) ا: فِي.
(3) لَيست فِي ا.
(4) من ا.
(5) ط: القمقامة، وَهِي صغَار القردان.
(6) ط: فَمه.
(7) لَيست فِي ا (8) الدَّم العبيط: الطرى.
(9) ط: من فعل مُوسَى.
(*)

فِعْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنَالُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ.
* * * قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَق: فَرَجَعَ عَدُوُّ اللَّهِ فِرْعَوْنُ حِينَ آمَنَتِ السَّحَرَةُ مَغْلُوبًا مغلولا، ثُمَّ أَبَى إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّمَادِيَ فِي الشَّرِّ، فَتَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ، فَأَخَذَهُ بِالسِّنِينَ: فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الطُّوفَانَ [ثُمَّ الْجَرَادَ، ثُمَّ الْقُمَّلَ، ثُمَّ الضَّفَادِعَ، ثُمَّ الدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، فَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ (1) ]- وَهُوَ الْمَاءُ - فَفَاضَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ رَكَدَ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَحْرُثُوا وَلَا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، حَتَّى جُهِدُوا جوعا.
فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك " قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل ".
فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَكَشْفَهُ عَنْهُمْ.
فَلَمَّا لَمَّ يفوا لَهُ بشئ [مِمَّا قَالُوا (1) ] أرسل اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ، فَأَكَلَ الشَّجَرَ فِيمَا بَلَغَنِي، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَأْكُلُ مَسَامِيرَ الْأَبْوَابِ مِنَ الْحَدِيدِ حَتَّى تَقَعَ دُورُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يفوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ، فَذَكَرَ لِي أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أُمِرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى كَثِيبٍ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ فَمَشَى إِلَى كَثِيبٍ أَهْيَلَ عَظِيمٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا، فَانْثَالَ عَلَيْهِمْ قُمَّلًا، حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْبُيُوتِ وَالْأَطْعِمَةِ، ومنعهم النّوم والقرار
__________
(1) سقط من ا (*)

فَلَمَّا جَهَدَهُمْ قَالُوا [لَهُ (1) ] مِثْلَ مَا قَالُوا لَهُ، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَلَمْ (2) يَفُوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ، فَمَلَأَتِ
الْبيُوت والاطعمة والآنية، فَلَا يَكْشِفْ أَحَدٌ ثَوْبًا وَلَا طَعَامًا، إِلَّا وَجَدَ فِيهِ الضَّفَادِعَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا جَهَدَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا ربه فكشف عَنْهُم، فَلم يفوا بشئ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصَارَتْ مِيَاهُ آلِ فِرْعَوْنَ دَمًا، لَا يَسْتَقُونَ مِنْ بِئْرٍ وَلَا نَهْرٍ، وَلَا يَغْتَرِفُونَ مِنْ إِنَاءٍ، إِلَّا عَادَ دَمًا عَبِيطًا.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْمُرَادُ بِالدَّمِ الرُّعَافُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ، فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ".
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ، وَالِاسْتِكْبَارِ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، وتصديق رَسُوله، مَعَ مَا أيده بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَلِيغَةِ الْقَاهِرَةِ، الَّتِي أَرَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا عِيَانًا، وَجَعَلَهَا عَلَيْهِمْ دَلِيلًا وَبُرْهَانًا.
وَكُلَّمَا شَاهَدُوا آيَةً وَعَايَنُوهَا، وَجَهْدهمْ وأضنكهم، حلفوا وعاهدوا
__________
(1) سَقَطت من ا.
(2) ط: فَلَمَّا لم يفوا لَهُ بشئ مِمَّا قَالُوا أرسل الله عَلَيْهِم.
(*)

مُوسَى لَئِنْ كَشَفَ (1) عَنْهُمْ هَذِهِ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَيُرْسِلُنَّ مَعَهُ مَنْ هُوَ مِنْ حِزْبِهِ، فَكُلَّمَا رُفِعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْآيَةُ عَادُوا إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ،
وَأَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرَى هِيَ أَشَدُّ مِمَّا كَانَتْ قبلهَا وَأقوى، فَيَقُولُونَ ويكذبون (2) ، وَيَعِدُونَ وَلَا يَفُونَ: " لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمنن لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل " فَيُكْشَفُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْوَبِيلُ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى جَهْلِهِمُ الْعَرِيضِ الطَّوِيلِ.
هَذَا، وَالْعَظِيمُ الْحَلِيمُ الْقَدِيرُ، يُنْظِرُهُمْ وَلَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَخِّرُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ بِالْوَعِيدِ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَخَذَهُمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِعْذَارِ (3) إِلَيْهِمْ، أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا وَسَلَفًا لِمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلًا لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، فِي سُورَةِ حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا، وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ، قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي؟ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا ألْقى عَلَيْهِ
__________
(1) ا: كشفت.
(2) ط: فيكذبون.
(3) ط: والانذار.
(*)

أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ".
يَذْكُرُ تَعَالَى إِرْسَالَهُ عَبْدَهُ الْكَلِيمَ [الْكَرِيمَ (1) ] إِلَى فِرْعَوْنَ الْخَسِيسِ اللَّئِيمِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَيَّدَ رَسُولَهُ بآيَات بَيِّنَات واضحات، تسْتَحقّ أَن تقَابل بالتعظيم والتصديق، وَأَن يرتدعوا عماهم فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَرْجِعُوا إِلَى الْحَقِّ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَإِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ وَبِهَا يَسْتَهْزِئُونَ، وَعَن سَبِيل الله يصدون وَعَن الْحق يَنْصَرِفُونَ (2) .
فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ تَتْرَى يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وكل آيَة أكبر من الَّتِي تتلوها، لَان التوكيد أَبْلَغُ مِمَّا قَبْلَهُ.
" وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إننا لَمُهْتَدُونَ " لم يكن لفظ السَّاحر فِي زمنهم نَقْصًا وَلَا عَيْبًا، لِأَنَّ عُلَمَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُمُ السَّحَرَةُ، وَلِهَذَا خَاطَبُوهُ بِهِ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَضَرَاعَتِهِمْ لَدَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ ينكثون ".
[ثمَّ (1) ] خبر تَعَالَى عَنْ تَبَجُّحِ فِرْعَوْنَ بِمُلْكِهِ، وَعَظْمَةِ بَلَدِهِ وحسنها، وتخرق الانهار فِيهَا، وَهِي الخلجانات الَّتِي يكسرونها أَيَّام (3) زِيَادَةِ النِّيلِ ثُمَّ تَبَجَّحَ بِنَفْسِهِ وَحِلْيَتِهِ، وَأَخَذَ يَتَنَقَّصُ رَسُولَ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَزْدَرِيهِ بِكَوْنِهِ " لَا يكَاد يبين " يَعْنِي كَلَامَهُ، بِسَبَبِ مَا كَانَ فِي لِسَانِهِ مِنْ [بَقِيَّةِ تِلْكَ (1) ] اللُّثْغَةِ، الَّتِي هِيَ شَرَفٌ لَهُ وَكَمَالٌ وَجَمَالٌ، وَلَمْ تَكُنْ مَانِعَةً لَهُ أَنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْحَى إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَ بعد ذَلِك التَّوْرَاة عَلَيْهِ.
__________
(1) لَيست فِي ا.
(2) ا: يصدون.
(3) ط: أَمَام.
(*)

وَتَنَقَّصَهُ فِرْعَوْنُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِكَوْنِهِ لَا أَسَاوِرَ فِي يَدَيْهِ، وَلَا زِينَةَ عَلَيْهِ! وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ، لَا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ، فَكَيْفَ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ هُمْ أَكْمَلُ (1) عَقْلًا، وَأَتَمُّ مَعْرِفَةٌ، وَأَعْلَى هِمَّةً وَأَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْلَمُ
بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْأُخْرَى؟ وَقَوْلُهُ: " أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين " لَا يحْتَاج الامر إِلَى ذَلِك، فَإِن كَانَ الْمُرَادُ (2) أَنْ تُعَظِّمَهُ الْمَلَائِكَةُ فَالْمَلَائِكَةُ يُعَظِّمُونَ وَيَتَوَاضَعُونَ لِمَنْ هُوَ دُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَثِيرٍ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ " فيكف يَكُونُ تَوَاضُعُهُمْ وَتَعْظِيمُهُمْ لِمُوسَى الْكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالتَّكْرِيمُ! وَإِنْ كَانَ (3) الْمُرَادُ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِالرِّسَالَةِ فَقَدْ أُيِّدَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ بِمَا يَدُلُّ قَطْعًا لِذَوِي الْأَلْبَابِ، وَلِمَنْ قَصَدَ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَيَعْمَى عَمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ والحجج والواضحات مَنْ نَظَرَ إِلَى الْقُشُورِ، وَتَرَكَ لُبَّ اللُّبَابِ، وَطَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ رَبُّ الْأَرْبَابِ، وَخَتَمِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ، كَمَا هُوَ حَالُ فِرْعَوْنَ الْقِبْطِيِّ الْعَمِيِّ الْكَذَّابِ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فاستخف قومه فأطاعوه " أَيْ اسْتَخَفَّ عُقُولَهُمْ وَدَرَّجَهُمْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِلَى أَنْ صَدَّقُوهُ فِي دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةِ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ " إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسفونا " أَي أغضبونا " انتقمنا مِنْهُم " أَيْ بِالْغَرَقِ وَالْإِهَانَةِ وَسَلْبِ الْعِزِّ، وَالتَّبَدُّلِ بِالذُّلِّ وبالعذاب بعد النِّعْمَة،
__________
(1) ا: أتم.
(2) ا: إِن كَانَ إِنَّمَا المُرَاد.
(3) وَإِن كَانَ إِنَّمَا.
(*)

وَالْهَوَانِ بَعْدَ الرَّفَاهِيَةِ، وَالنَّارِ بَعْدَ طِيبِ الْعَيْشِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ [مِنْ ذَلِكَ (1) ] .
" فجعلناهم سلفا " أَيْ لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ فِي الصِّفَاتِ " وَمَثَلًا " أَيْ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ وَخَافَ مِنْ وَبِيلِ مَصْرَعِهِمْ، مِمَّنْ بَلَغَهُ جَلِيَّةُ خَبَرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ،
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى، وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي فَأوقد لي ياهامان عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وظنو أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين " (2) .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَادَّعَى مِلْكُهُمُ الْبَاطِلَ وَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ وَأَطَاعُوهُ فِيهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ الْقَدِيرِ الْعَزِيزِ، الَّذِي لَا يُغَالَبُ وَلَا يُمَانَعُ عَلَيْهِمْ، فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ، وَأَغْرَقَهُ هُوَ وَجُنُودَهُ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم ديار، بل كل قَدْ غَرِقَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ لَعْنَةً بَيْنَ الْعَالَمِينَ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ

قصة طالوت وجالوت

ى قصة بنى اسرائيل مع نبيهم حيث طالبوا بملكا يحاريبوا معه كى يستعيدوا قوتهم وامجادهم على أرض الله عز وجل ، ولكنهم جبناء حتى يفعلوا ذلك ويقاتلوا فى سبيل الله ....

ورد ذكر القصة في سورة البقرة الآيات 246-251.
قال تعالى :
(( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) ))

القصة:
ذهب بنو إسرائيل لنبيهم يوما.. سألوه: ألسنا مظلومين؟
قال: بلى..
قالوا: ألسنا مشردين؟
قال: بلى..
قالوا: ابعث لنا ملكا يجمعنا تحت رايته كي نقاتل في سبيل الله ونستعيد أرضنا ومجدنا.
قال نبيهم وكان أعلم بهم: هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال؟
قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله، وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا؟
قال نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم.
قالوا: كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة التي يخرج منها الملوك -أبناء يهوذا- كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه؟
قال نبيهم: إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه.
قالوا: ما هي آية ملكه؟
قال لهم نبيهم: يسرجع لكم التابوت تجمله الملائكة.

ووقعت هذه المعجزة.. وعادت إليهم التوراة يوما.. ثم تجهز جيش طالوت، وسار الجيش طويلا حتى أحس الجنود بالعطش.. قال الملك طالوت لجنوده: سنصادف نهرا في الطريق، فمن شرب منه فليخرج من الجيش، ومن لم يذقه وإنما بل ريقه فقط فليبق معي في الجيش..

وجاء النهر فشرب معظم الجنود، وخرجوا من الجيش، وكان طالوت قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود ومن يعصاه، وليعرف أيهم قوي الإرادة ويتحمل العطش، وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة. لم يبق إلا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لكن جميعهم من الشجعان.

كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا، وكان جيش العدو كبيرا وقويا.. فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف من جالوت وجيشه وقالوا: كيف نهزم هذا الجيش الجبار..؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

قال المؤمنون من جيش طالوت: النصر ليس بالعدة والعتاد، إنما النصر من عند الله.. (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ).. فثبّتوهم.

وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه، وهو يطلب أحدا يبارزه.. وخاف منه جنود طالوت جميعا.. وهنا برز من جيش طالوت راعي غنم صغير هو داود.. كان داود مؤمنا بالله، وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل.

وكان الملك، قد قال: من يقتل جالوت يصير قائدا على الجيش ويتزوج ابنتي.. ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء.. كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله.. وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت..

وتقدم داود بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه (وهو نبلة يستخدمها الرعاة).. تقدم جالوت المدجج بالسلاح والدروع.. وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه، ووضع داود حجرا قويا في مقلاعه وطوح به في الهواء وأطلق الحجر. فأصاب جالوت فقتله. وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت.

بعد فترة أصبح داود -عليه السلم- ملكا لبني إسرائيل، فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى. وتأتي بعض الروايات لتخبرنا بأن طالوت بعد أن اشتهر نجم داوود أكلت الغيرة قلبه، وحاول قتله، وتستمر الروايات في نسج مثل هذه الأمور. لكننا لا نود الخوض فيها فليس لدينا دليل قوي عليها.

أبو عبد الله محمد المختار السوسي تـ1383هـ/1963م

أبو عبد الله محمد المختار السوسي تـ1383هـ/1963م



هو الإمام الفقيه الشيخ الأديب الأستاذ العامل المؤرخ الوطني الغيور المقاوم الصبور أبو عبد الله محمد المختار بن علي بن أحمد السوسي الإلغي الدرقاوي المعروف برضى الله، وقيل: بوزير التاج.

  ولد في إلغ وهي قرية بناحية تازروالت في أقصى جنوب القطر السوسي بجنوب المغرب، وذلك في شهر صفر الخير سنة ثمانية عشر وثلاثمائة وألف (1318هـ).

  نشأ مترجمنا وترعرع في أسرة علمية عريقة؛ والده رئيس الزاوية الدرقاوية الشيخ علي بن أحمد الإلغي(ت1328هـ)، ووالدته رقية بنت العلامة محمد بن العربي الأدوزي (ت1342هـ)، والأسرتان السعيدية الإلغية والأدوزية عريقتان في العلم والصلاح توالى فيهما الرجال الصالحون والعلماء والحفاظ.

  أخذ في بداية طلبه للعلم على والدته الكتابة والقراءة، وحفظ عليها شيئا من القرآن الكريم، ثم أتمّ حفظه على بعض مريدي والده بالزاوية الدرقاوية، ثم انتقل إلى مدرسة إيغشَّان، ومدرسة بونعمان، ومدرسة تانكرت.

  ودفعه ظمؤُه المتزايد لتحصيل العلم إلى الرحيل عن بلدته؛ متوجهاً إلى مراكش مع بعض أقربائه سنة (1338هـ)، فانكب على التحصيل بجامع ابن يوسف، ثم بعد ذلك انتقل إلى فاس سنة (1343هـ)، وانتسب لجامع القرويين، واندمج في البيئة الفاسية المتفتحة على العالم في ظل حركة ثقافية ووطنية حيث يقول عن هذه المرحلة: «في فاس استبدلت فكرا بفكر فتكون لي مبدأ عصري على آخر طراز، قد ارتكز على الدين والعلم، والسنة القويمة...وكنت أصاحب كل المفكرين إذ ذاك، وكانوا نخبة في العفة والعلم والدين، ينظرون إلى بعيد»، ثم شدّ الرحال إلى مدينة الرباط التي أقام بها سنة (1347هـ).

  أخذ عن العديد من الشيوخ فاق عددهم سبعة وعشرون شيخا، منهم أبو شعيب الدكالي(ت1356هـ)، والشاعر الطاهر بن محمد الإفراني(ت1377هـ)، ومحمد المدني بن الحسني(ت1378هـ)، وعبد الرحمن البوزاكارني(ت1380هـ)، ومحمد بن العربي العلوي (ت1384هـ)، إلى غير ذلك.

  لقد تبوأ الإمام السوسي مكانة علمية مرموقة، وذلك في شتى الفنون في الأدب، والتاريخ، والحديث، والفقه، والتفسير، والفرائض، والحساب، والأصول، فتصدى للتدريس بمدرسة الرميلة فأقبل عليه التلاميذ من كل صوب وحدب للأخذ عنه، إضافة إلى دروس عامة كان يلقيها في المساجد.

  تقلّد الإمام السوسي عدة وظائف؛ فهو أول من عُين وزيرا للأوقاف العمومية وذلك خلال عام (1375هـ)، ثم لما أسّس مجلس التاج عُين وزيرا عضوا فيه عام (1376هـ)، وبقي متقلدا مهام تلك الوظيفة إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ، كما أنه اشتغل عضوا في لجنة مدونة الفقه الإسلامي.

  لم يكتف السوسي بالتدريس فحسب، بل ترك وراءه آثاراً علمية جمّةً ناهزت المائة بين مطول، ومختصر، ورسالة، وقد طبع الكثير منها نذكر منها على سبيل المثال: «سوس العالمة»، و«المعسول»، و«التريا والمداوي»، و«أصفى الموارد في تهذيب نظم الرحلة الحجازية»، و«الإلغيات»، و«إيليغ قديما وحديثا»، و«معتقل الصحراء»، و«المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية»، إلى غير ذلك.

  وحلاّه العلامة عبد الله الجراري (ت1403هـ)، بقوله: «محمد المختار السوسي يُعَدُّ في علية المثقفين والمنتجين، ومن رجال البحث والاطلاع قلّ في أنداده من يضارعه في المثابرة والصبر على القراءة في تثبت وإمعان».

  وبعد حياة حافلة بالعلم والعطاء، توفي هذا الإمام الجليل يوم 28 جمادى الثانية عام 1383هـ، الموافق لـ 15 نونبر 1963م.

  من مصادر ترجمته: ترجم لنفسه في كتابيه: الإلغيات: (2/213)، مقدمة كتاب إيليغ قديما وحديثا، الأعلام للزركلي: (7/92)، الأدب العربي في المغرب الأقصى للقباج: (2/390)، دليل مؤرخ المغرب الأقصى لابن سودة: (ص/34)، التأليف ونهضته بالمغرب لعبد الله الجراري: (1/239)، أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين لعبد الله الجراري: (2/197)، دليل مؤلفات ومخطوطات العلامة محمد المختار السوسي لعبد الوافي المختار السوسي.

عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي ( رحمه الله )


 16:52 - 2014/06/03 معلومات عن العضو رد على الموضوع بإضافة نص هذه المشاركة أضف رد سريع بإقتباس لهذا الموضوع





ترجمة مختصرة عن الإمام الشيخ عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي ( رحمه الله)





اسمه :
هو الإمام الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الرحمان بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ، ثم الدمشقي الحنبلي أبو الفرج ، المعروف بابن رجب .


ولادته :
ولد عام 736ه وقد أرخ الحافظ ابن حجر رحمه الله ولادته في سنة ست وسبعمئة ، ولعله سبق قلم من الناسخ ، والله أعلم


ثناء العلماء عليه :

- 1قال أبو المحاسن الدمشقي : ( الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدثين واعظ المسلمين) .
-2قال الحافظ ابن حجر : ( الشيخ المحدث الحافظ ... أكثر من المسموع وأكثر الاشتغال حتى مهر .)
-3قال السيوطي : (( هو الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ) ) .
-4قال ابن العماد الحنبلي : ( الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي ) .وقال أيضاً : ( وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة ، اجتمعت الفرق عليه ، ومالت القلوب بالمحبة إليه ) . وقال أيضاً : ( وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس ، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين .)

-5قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر : (رافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيراً، ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانيه)
6-قال ابن حجي : (أتقن الفن وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق وكان لا يخالط أحداً ولا يتردد إلى أحد، مات في رمضان رحمه الله، تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق).


ٰ إخلاصه :
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة :
قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام [البعلي المشهور صاحب الاختيارات والقواعد ] أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة !
فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟!
قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس ، أو ما هذا معناه .


عبادته :
قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر: كان صاحب عبادة وتهجد .


تنبيه :
قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر: نقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره التيميون فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكان قد ترك الإفتاء بأخرة.
قال أبو المهند : ليست هذه نقمة بل هي نعمة أن يوفق المرء لكتب شيخ الإسلام أبي العباس وتلميذه القيم ابن القيم .


شيوخه وتلامذته :
من شيوخه :
ابن القيم .
وابن عبد الهادي .
وابن العطار .

ومن تلاميذه :
الزركشي .
وابن اللحام.


مصنفاته :
له مصنفات كثيرة ذكر منها الدكتور : ماهر الفحل 23 مؤلفاً فنذكر منها :
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم .
تفسير سورة الإخلاص .
تفسير سورة النصر .
فتح الباري شرح صحيح البخاري وصل فيه إلى كتاب الجنائز .
اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى .
الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم :)بعثت بين يدي الساعة ) .
شرح علل الترمذي .
القواعد الفقهية . قال ابن حجر في الدرر الكامنة : أجاد فيه .
أهوال القبور .
فضل علم السلف على علم الخلف .
التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار
الذيل على طبقات الحنابلة .
مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز .
الفرق بين النصيحة والتعيير .
لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف.


وفاته :
وتوفي في عام 795ه قال ابن ناصر الدين الدمشقي : ولقد حدثني من حفر لحد ابن رجب أنَّ الشيخ زين الدين بن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال لي: احفر لي ها هنا لحداً ، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها قال فحفرت له ، فلما فرغ نزل في القبر واضطجع فيه فأعجبه قال : هذا جيد ثم خرج ، وقال : فو الله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتاً محمولاً في نعشه فوضعته في ذلك اللحد .

رحم الله الشيخ الإمام المجاهد العلامة ابن رجب الحنبلي رحمتا واسعه واسكنه فسيح جناته ونفعنا بعلمه إنه على كل شيء قدير



د.أحمد مختار عمر


(1933 – 2003م)


ولد الدكتور أحمد مختار عمر بالقاهرة في 17 من مارس سنة 1933م، كان أبوه من رجال التربية والتعليم، تملؤه محبة العربية والحرص عليها والدعوة إلى التماس الصواب فيها والبعد عن الخطأ فيما يُكتب ويُقال ويُسمع وهكذا كان ابنه أحمد مختار.
حصل على الليسانس الممتازة من كلية دار العلوم مع مرتبة الشرف الثانية 1958م. ثم ماجستير علم اللغة من كلية دار العلوم بتقدير ممتاز 1963م، فدكتوراه علم اللغة من جامعة كمبردج ببريطانيا 1967م.

التدرج الوظيفي:
- معيد فمدرس بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، (1960 – 1968م).
- محاضر فأستاذ مساعد بكلية التربية بطرابلس، (1968 – 1973م).
- أستاذ مساعد بكلية الآداب – جامعة الكويت، (1973 – 1977م).
- أستاذ بكلية الآداب – جامعة الكويت، (1977 – 1984م).
- أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، (1984حتى 31 من يوليو 1998م).
- وكيل كلية دار العلوم للدراسات العليا والبحوث، (1995–1998م).

الخبرة العلمية وعضوية اللجان والهيئات:
تولى عمادة كلية الآداب – جامعة الكويت فصلين دراسيين. تولى رئاسة قسم اللغة العربية بجامعة الكويت لمدة خمس سنوات.كان عضو هيئة التحرير لمجلة كلية الآداب – جامعة الكويت،وعضو لجنة الجوائز التشجيعية بالمجلس الأعلى للثقافة، ومقرر لجنة المعجم العربي الحديث – الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وعضو لجنة إحياء التراث الإسلامي– المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية– القاهرة، وعضو هيئة التحرير للمجلة العربية للدراسات الإنسانية – جامعة الكويت، ومقرر لجنة الجوائز التقديرية بجامعة الكويت،ورئيس تحرير مجلة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة،ورئيس قسم الدراسات والبحوث بمركز البحوث والدراسات الإسلامية – جامعة القاهرة، وعضو الجمعية الألسنية العربية(المغرب)، وعضو بمجمع اللغة العربية بليبيا، ومستشارًا لعدد من الأعمال والمؤسسات المحلية والعربية مثل: لجنة مدخل قاموس القرآن الكريم – مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، لجنة المعجم العربي الأساسي– المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، هيئة معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، الهيئة الاستشارية لمعهد المخطوطات العربية، قسم المعاجم بمؤسسة سطور.كما كان عضو لجان التحكيم لعدد من الجوائز والمسابقات، وعضو لجان منح الماجستير والدكتوراه ولجان الترقية في العديد من الجامعات،وعضو اللجنة العلمية الدائمة لفحص الإنتاج العلمي لشغل وظائف الأساتذة والأساتذة المساعدين بالجامعات المصرية، وعضو هيئة التحرير لمجلة الدراسات القرآنية– جامعة لندن، وعضو لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.
اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية سنة 1999م، في المكان الذي خلا بوفاة الأستاذ محمود محمد شاكر.
أهم المؤتمرات والندوات والاجتماعات:
ندوة اللسانيات واللغة العربية(الجامعة التونسية 1987م) – ندوة مشكلات اللغة العربية (الكويت 1980م) – الدورة الأولى لصناعة المعجم العربي (الرباط 1981م) – الدورة التدريبية لمدرسي اللغة العربية لغير الناطقين بها (الكويت 1981م) – الدورة العالمية للسانيات (دمشق 1981م) – المؤتمر العلمي الثاني للدراسات الإسلامية (تركيا 1982م) – ندوة المعجم العربي الأساسي (تونس 1984م) – مهرجان القاهرة للإبداع العربي (1984م) – ندوة ذكرى طه حسين (جامعة المنيا 1986م) – ندوة الجمعية المعجمية العربية (تونس 1986م) – الملتقى الدولي الثالث في اللسانيات (تونس 1986م) – الندوة الدولية الأولى لجمعية اللسانيات (المغرب 1987م) – المؤتمر الثاني لتاريخ النحو العربي بهولندا 1987م – الدورة العالمية لعلم اللغة (جامعة ستانفورد) الولايات المتحدة صيف 1987م – ندوة الموسم الثقافي للمعهد الهولندي للآثار (القاهرة 1988م) – مؤتمر الكتابة العلمية باللغة العربية (بنغازي 10- 13 من مارس 1990م) – ندوة البارودي بالقاهرة (ديسمبر 1992م) – مؤتمر اللسانيات العربية (بوخارست سبتمبر 1994م) – ندوة اللسانيات اللغوية والأدبية المقارنة (جامعة القاهرة 1995م) – ندوة أبي القاسم الشابي (فاس 1995م) – ندوة مجلة العقيق عن "عالمية اللغة العربية" (مايو 1996م) – الندوة النقدية المصاحبة لحفل توزيع جوائز البابطين (أبو ظبي- أكتوبر 1996م) – ندوة جمعية المعجمية العربية بتونس عن "أسس المعجم النظرية" (مايو 1997م) – مؤتمر جامعة القاهرة للعلاقات العلمية الثقافية (القاهرة 20- 21 من أكتوبر 1997م) – مؤتمر التدريس الفعال لمهارات اللغة العربية في المستوى الجامعي (جامعات الإمارات العربية المتحدة – العين 14- 16 من مارس 1998م) – ندوة الأخطل الصغير (بيروت – أكتوبر 1998م) – مؤتمر الدراسات القرآنية (مركز الدراسات الإسلامية – لندن 1999م) – ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة المنورة من 3 - 6 من رجب 1421هـ = 30 من سبتمبر- 3 من أكتوبر 2000م).

المؤلفات والبحوث العلمية المنشورة:
أ‌-المؤلفات:
1- مدخل إلى علم اللغة- مطبعة كلية التجارة بالقاهرة 1968م.
2- تاريخ اللغة العربية في مصر – الهيئة العامة للتأليف والنشر- القاهرة 1970م.
3- النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي – الجامعة الليبية 1971م.
4- البحث اللغوي عند العرب (6طبعات) عالم الكتب بالقاهرة 1971– 1988م.
5- البحث اللغوي عند الهنود – دار الثقافة بيروت 1972م.
6- أسس علم اللغة – ترجمة عن الإنجليزية – عالم الكتب بالقاهرة 1973، 1983م.
7- من قضايا اللغة والنحو – عالم الكتب بالقاهرة 1974م.
8- ديوان الأدب للفارابي – تحقيق ودراسة – مجمع اللغة العربية بالقاهرة في خمسة أجزاء 1974- 1979م.
9- المُنَجَّد في اللغة لكُراع – تحقيق بالاشتراك – عالم الكتب بالقاهرة 1976 – 1988م.
10- دراسة الصوت اللغوي، ثلاث طبعات – عالم الكتب بالقاهرة 1976- 1991م.
11- العربية الصحيحة - عالم الكتب بالقاهرة 1981، 1997م.
12- اللغة واللون، دار البحوث العلمية بالكويت 1982م، وعالم الكتب بالقاهرة 1988م.
13-علم الدلالة – دار العروبة بالكويت 1982، وعالم الكتب بالقاهرة 1988م.
14- معجم القراءات القرآنية (بالاشتراك) ثمانية أجزاء – جامعة الكويت – طبعة أولى 1982م - 1985م، وطبعة ثانية 1988م، وطبعة ثالثة –عالم الكتب بالقاهرة 1997م.
15- النحو الأساسي (بالاشتراك) ذات السلاسل بالكويت 1984 – ودار الفكر بالقاهرة 1988م، 1996م.
16- المعجم العربي الأساسي (تأليف بالاشتراك) المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1989م.
17- أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين– عالم الكتب بالقاهرة 1991م.
18- مدخل قاموس القرآن الكريم – تحرير بالكامل ومشاركة في التأليف – مؤسسة الكويت للتقدم العلمي 1992م.
19- الموضح في التجويد لعبد الوهاب القرطبي (مراجعة التحقيق) 1992م.
20- تاريخ اللغة العربية في مصر والمغرب الأدنى – عالم الكتب بالقاهرة 1992م.
21- لغة القرآن – مؤسسة الكويت للتقدم العلمي – الكويت 1993م.
22- معاجم الأبنية في اللغة العربية – عالم الكتب بالقاهرة 1995م.
23- معجم الشعراء العرب المعاصرين – تحرير كامل ومشاركة في التأليف – مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين 1995م.
24- اللغة واختلاف الجنسين – عالم الكتب بالقاهرة 1996م.
25- التدريبات اللغوية والقواعد النحوية – تأليف بالاشتراك – ذات السلاسل بالكويت 1996م.
26- أسماء الله الحسنى: دراسة في البنية والدلالة – عالم الكتب بالقاهرة 1997م.
27- تاج العروس للزبيدي – الجزء الثلاثون (مراجعة التحقيق) الكويت 1998م.
28- صناعة المعجم الحديث – عالم الكتب بالقاهرة 1998م.
29- النموذج التجريبي لمعجم البابطين للشعراء العرب في العصر الحديث – تحرير ومشاركة في التأليف 1998م.
30- المكنز الكبير للمجالات والمترادفات والمتضادات – شركة سطور 2000م.
31- دراسات لغوية في القرآن الكريم وقراءاته – عالم الكتب بالقاهرة 2001م.
ب‌-البحوث العلمية:
صيغ أخرى للمبالغة – مجلة الأزهر 1383هـ. مفاعل ومفاعيل – مجلة الأزهر 1383هـ. من غرائب المصطلحات النحوية – مجلة الأزهر 1390هـ. من التراث اللغوي: المنجد في اللغة لكراع - مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1968م. الانتصار لسيبويه من المبرد لابن ولاد – مجلة كلية المعلمين الليبية 1970م. معاجم الأبنية في اللغة العربية – اللسان العربي 1971م. هل أثَّر الهنود في المعجم العربي؟ مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1972م. أبو العلاء المعري والنحو – مجلة كلية المعلمين – الجامعة الليبية 1972م. المقصور والممدود لابن ولاد – ضمن دراسات في الأدب واللغة – الكويت 1977م. مدرسة براغ اللغوية – مجلة كلية الآداب – جامعة الكويت 1997م. نظرية الحقول الدلالية واستخداماتها المعجمية جامعة الكويت 1977م. صور من الإدغام الوارد في القرآن الكريم وقراءاته – ضمن الأدب واللغة – جامعة الكويت 1981م. ألفاظ الألوان في اللغة العربية – المجلة العربية للعلوم الإنسانية الكويت 1981م. نقد التحقيق لكتاب إعراب القرآن للنحاس – ضمن دراسات عربية وإسلامية 1982م. جهود ابن سينا في اللغة والأصوات – مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي – العدد الخامس- مكة المكرمة 1982م. التنبيه والإيضاح لابن بري – مجلة معهد المخطوطات بالكويت 1982م. الشوراد في اللغة للصاغاني– مجلة معهد المخطوطات بالكويت 1984م. اللغة العربية بين الموضوع والأداة – مهرجان القاهرة للإبداع العربي 1984 نشرت في مجلة فصول 1985م. القراءات القرآنية: رؤية لغوية معاصرة– دراسات عربية وإسلامية– القاهرة 1985م. الدلالات الاجتماعية والنفسية لألفاظ الألوان – الملتقى الدولي الثالث في اللسانيات – سلسلة اللسانيات – العدد 6- تونس 1986م. إحصائيات الكمبيوتر لجذور اللغة العربية – الكتاب التذكاري لقسم اللغة العربية – جامعة الكويت. Grammatical Studies in Early Muslim Egyptمحاضرة ألقيت بمؤتمر تاريخ النحو العربي بهولندا 1987م. أحمد فارس الشدياق واضع المنهجية الحديثة للمعجم العربي – مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزء 55، نوفمبر 1984م (صدر عام 1988م). الوظيفية في تدريس النحو العربي – بحث أعد لندوة تطوير اللغة العربية- المركز القومي للبحوث التربوية بالقاهرة يوليو 1988م. الاتصال اللغوي عن طريق الجلد – مجلة العربي – أغسطس 1988م. إعراب القرآن للنحاس– مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي– مكة – العدد الأول. المنتخب لكراع – مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي – مكة – العدد الثالث. المصطلح الألسني وضبط المنهجية – مجلة عالم الفكر- ديسمبر 1989م. أفعل التفضيل بين قواعد النحو وواقع الاستعمال – الكتاب التذكاري لقسم اللغة العربية بالكويت.Early Arabic Lexicons of Homophonic Words بحث ألقي في المؤتمر الدولي العلمي لتاريخ ومبنى المعاجم والقواميس العربي 1993، ونشر في مجلة المستعرب – بودابست – المجر – سبتمبر 1993م. انتقاء. المعجم والدلالة: نظرة في طرق شرح المعنى – بحث أعد لندوة "أسس المعجم النظرية"- تونس – مايو 1997م. The Establishment of Arabic in Egyptبحث ألقي في مؤتمر المستشرقين الدولي الخامس والثلاثين لدراسات آسيا وشمالي أفريقيا – بوادبست – من 7- 12 من يوليو 1997م. الفاصلة القرآنية بين ملاءمة اللفظ ومراعاة المعنى – مجلة الدراسات القرآنية – جامعة لندن – العدد الأول 1999م. الترادف وأشباه الترادف في القرآن الكريم- بحث ألقي في مؤتمر الدراسات القرآنية – مركز الدراسات الإسلامية – جامعة لندن – أكتوبر 1999م. الانحراف اللغوي في الإعلام المصري المسموع: مظاهره وسبل تقويمه – مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة مارس 2000م.

الجوائز والأوسمة:
- جائزة التحقيق العلمي من المكتب الدائم لتنسيق التعريب بالرباط (1972م).
- جائزة مجمع اللغة العربية بالقاهرة في تحقيق النصوص (1979م).
- جائزة ووسام صدام في الدراسات اللغوية (1989م).
- أدرج اسمه ضمن أعلام الموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة – الهيئة العامة للاستعلامات – بالقاهرة.

قال عنه الدكتور محمد حسن عبد العزيز في حفل تأبينه بكلية دار العلوم:
"وفي تقديري أن تفرد أحمد مختار وتسنُّمَه مكانته العالية في علم اللغة بعامة وفي صناعة المعاجم بخاصة ليس راجعًا إلى أنه ألَّف ثلاثة وثلاثين كتابًا ومعجمًا، وثلاثة وخمسين بحثًا، وشهد أربعة وثلاثين مؤتمرًا ... إلى آخر ما قام به من أعمال بل هو راجع إلى أن أعماله هذه كلها تكشف عن مشروع علمي خطط له بذكاء، وقدر لكل عمل فيه وقته ودوره، وقد نجح أحمد مختار في إنجاز مشروعه نجاحًا كبيرًا؛ وآية هذا الرجل هو أنه نجح فيما لم ينجح فيه لغوي عربي في العصر الحديث حيث ألف مجموعة كبيرة من المعاجم العربية الحديثة، منها: المكنز الكبير، والمعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، ومعجم اللغة العربية المعاصرة ... إلخ، وهي أعمال جماعية لا يقوم بها إلا رائد أوتي قوة وعزمًا .. بقيادة العمل وبالتخطيط له تقبع عبقرية أحمد مختار وتفرده بين اللغويين المحدثين"

العالم الرباني سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد r وعلى آله وأصحاب أجمعين.

أما بعد:

فلقد رفع الله مكانة العلماء وأعلى منزلتهم واصطفاهم ليكونوا ورقة أنبيائه كما قال r «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» رواه الترمذي.

وإن سير النبلاء من العلماء في الإسلام لها أثر في نفوس عامة المسلمين وفي طلبة العلم منهم, وأثر سيرتهم يسري في النفوس مما يحدو إلى اقتفاء أثر المصطفى r، لذا سار السلف على تراجم أهل العلم للنهل من علومهم، والانتفاع من سجاياهم.

وإن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله, مفتي المملكة في زمانه من أفذاذ علماء الإسلام، منحه الله الرسوخ في العلم والعمل به، مع الحلم والتقوى والصبر، ودماثة الأخلاق وحسن التعليم والنصح للأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإفتاء المسلمين وقضاء حوائجهم، والاهتمام بطلبة العلم والحرص عليهم، وعفة اللسان من أعراض الآخرين، والورع والخشية من الله.



وإن النفوس لتتشوق للاطلاع على سيرة ذلك الإمام العظيم، الذي تخرج من تحت كنفه علماء أصبحوا أعلامًا في الأمة أمثال؛ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.

ولقد كان الوالد رحمه الله ملازمًا لدروس سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله أكثر من ربع قرن من الزمان من عام 1357هـ إلى وفاة سماحته عام 1389هـ ويقيد ما يسمعه من سماحته من شروحات وفوائد وتقريرات، وقد أخرج شروحات سماحته للمتون؛ كشرح متن كشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة كما جمع فتاواه ورسائله في أربعة عشر مجلدًا مع الفهارس وقد ضمنها ترجمة مفصلة لسماحة الشيخ، جعلها في مقدمة فتاواه، وقد جَانَبَ في ترجمته الإفراط في ذكر سجاياه وخلاله، خشية الوقوع في محذورِ الغلوِّ في الصالحين، فكانت معتدلةً وافيةً، فيها قواعد ومناهج يستفيد منها المسلم في حياته، وحرصًا على استفادة طلبة العلم من فوائد تلك الترجمة وطريقة تعليمه الفريدة، رأيت أهمية إفرادها في كتيب منفرد لتعم الفائدة منها.

أسأل الله عز وجل أن ينفع بها، وأن يغفر للمسلمين وعلمائهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



أفردها ابنه عبد المحسن بن محمد بن قاسم

إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف

حياة الشيخ محمد بن إبراهيم([1])

* نسبه ومولده:

هو العلامة الجليل الشيخ محمد يبن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن إمام الدعوة محي السنة مميت البدعة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد ابن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع ابن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبَي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم ثم إلى نزار بن معد بن عدنان.

ولد في مدينة الرياض في (حي دخنة) في 17 من محرم عام 1311هـ، بدأ رحمه الله من صغره في ألأخذ بأسباب العلم والمعرفة؛ فتلقى القرآن الكريم وهو ما بين الثامنة والعاشرة من عمره نظرًا، على معلمه عبد الرحمن بن مفيريج.

وفي السادسة عشرة من عمره أصيب بالرمد في عينيه، فكُفَّ بصره, وكانت مدة مرضه سنة. وعلى اثر ذلك حفظ القرآن على عبد الرحمن بن مفيريج عن ظهر قلب، وقد درس فن التجويد فيما بعد.

ثم أخذ في طلب العلم بمختلف فنونه؛ فأخذ علم «الفرائض» عن والده الشيخ إبراهيم رحمه الله،       ثم عن الشيخ عبد الله بن راشد، ومما قرأ عليه في ذلك ألفية الفرائض.

وتلقى علم (العقائد) عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى، ومنها في العقائد: كتاب التوحيد، وأصول الإيمان، وفضائل الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والدلائل (حكم موالاة أهل الشرك) للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والعقيدة الواسطية والعقيدة الحموية وكلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وأخذ «الفقه» عن الشيخ حمد بن فارس أولاً، ثم عن الشيخين سعد بن حمد بن عتيق، ومحمد بن محمود المتوفَّى عام 1333هـ ومن كتبه (زاد المستقنع).

وأخذ علم «العربية» عن الشيخ حمد بن فارس المذكور آنفًا، ومما قرأ عليه في هذا الفن الآجرومية، والملحة، والقطر، واللفية.

وفي «الحديث وعلومه» قرأ بلوغ المرام وثلث المنتقى على عمه الشيخ عبد الله، ثم أعاد بلوغ المرام على الشيخ سعد بن عتيق، وعليه قرأ أيضًا ألفية العراقي في مصطلح الحديث.

هذا ومن المستفيض أن الشيخ رحمه الله كان كثير الدأب على المطالعة في مختلف الكتب وتدريسها، فكان هذا مصدرًا ثانيًا غنيًا لتنمية حصيلته العلمية وتوسيع أفقه، أعانه على ذلك ما عرف عنه من حدة الذكاء ورجاحة العقل.

* اشتغاله بالتدريس:

لمس فيه مشايخه الألمعية النادرة المبكرة والنجابة الظاهرة، فأدركوا أنه الخليفة لهم الذي يمكن أن يُطمأَن إليه في مجالس العلم، فأوصى عمه الشيخ عبد الله، الملك عبد العزيز رحمه الله بابن أخيه خيرًا وذكر له ما يتمتع به من المزايا الفذة التي لا تكاد تتوافر إلا في قليل من الرجال الذين وهبهم الله ذكاء وفطنة وجلدًا وإخلاصًا.

وحين توفي الشيخ عبد الله عام 1339هـ أخذ ابن أخيه مجلسه, فبدأ التدريس إلى جانب مشايخه الذين ما زالوا على قيد الحياة, ولما توفي شيخه سعد بن حمد بن عتيق عام 1349هـ وتوفي قبله الشيخ حمد بن فارس عام 1345هـ , توسع في مجالس التدريس واستقل بأكثرها، إلى جانب أعمامه رحمهم الله, وغيرهم من أفاضل العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس على فترات متعاقبة في بعض العلوم.

ولكن ينبغي أن نؤكد أن الشيخ محمد رحمه الله له النصيب الأوفر في كثرة المجالس وكثرة القاصدين له من طلبة العلم وغزارة العلم وعموم النفع؛ فقد كان يعمر أكثر نهاره بالتدريس, حيث كان يجلس ثلاث جلسات منتظمة: فالأولى بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، والثانية بعد ارتفاع الشمس مدة تتراوح ما بين ساعتين وأربع ساعات، والثالثة بعد صلاة العصر، وهناك جلسة رابعة ولكنها ليست مستمرة وهي بعد صلاة الظهر.

وكل هذه الجلسات كانت تتم في جامع الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروف الآن في (حي دخنة شمال الميدان) ما عدا جلسة الضحى، فقد كانت في أول الأمر في هذا الجامع ثم نقلها إلى بيته.

وكان رحمه الله ينقطع بعد المغرب لمطالعة دروس الغد في الكتب التي كانت تدرس بعد الفجر، ومنها (الروض المربع)، و (سبل السلام)، و (شرح ابن عقيل) على ألفية ابن مالك، وما يعين عليها من المراجع.

وفيما يلي عرض للكتب التي كان رحمه الله يقوم بتدريسها:

1- بعد صلاة الفجر ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل، وزاد المستقنع مع شرحه الروض المربع، وبلوغ المرام، والآجرومية، والملحة، وقطر الندى، وعمدة الأحكام، وأصول الأحكام، والحموية، والتدمرية، ونخبة الفكر.

الثلاثة الأُوَل مستمرة وكان يقوم بتدريسها على ترتيبها المذكور أما باقي الكتب فبالتعاقب على فترتا مختلفة طيلة أيام تدريسه.

2- بعد شروق الشمس يدرس في العقائد كتاب التوحيد، كشف الشبهات، ثلاثة الأصول، العقيدة الواسطية باستمرار، مسائل التوحيد، مسائل الجاهلية، لمعة الاعتقاد، أصول الإيمان على فترات، وفي الحديث: الأربعين النووية، عمدة الأحكام باستمرار، وفي الفقه آداب المشي إلى الصلاة، وقد يدرس غيرها لكنه نادر.

وبعد الانتهاء من هذه المختصرات تقرأ المطولات ومنها: فتح المجيد شرح الطحاوية، شرح الأربعين النووية، صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الربع، مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير بدون استثناء، وكل ما جد من كتب السلف والمحققين من العلماء، ولكنها على فترات يتراوح ما يقرأ منها في اليوم ما بين خمسة وعشرة غالبًا.

3- بعد صلاة الظهر ويدرس فيه: زاد المستنقع بشرحه الروض المربع، بلوغ المرام.

4- بعد صلاة العصر ويدرس فيه كتاب التوحيد وشرحه، وقد يقرأ في مسند الإمام أحمد، أو مسند بن أبي شيبة، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أو محوها.

وقد استمر يزوال التدريس بنشاط لا يفتر وهمة لا تكل إحدى وأربعين عامًا من عام 1339هـ إلى 1380هـ.

* طريقته في التدريس:

كان رحمه الله يعطي مجالس العلم حقها من الاحترام والتقدير، ويحرص على إيصال الفائدة إلى قرارة قلوب الطلاب، معنيًا بتثبيتها، حتى إنه ليكاد يغني بشرحه عن المطالعة.

وكان رحمه الله إذا هم بالجلوس للتدريس توضأ إن لم يكن على وضوء بعد صلاة، واستقبل القبلة إذا كانت الجلسة في المسجد، ويبدأ شرحه باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه, ويمكن تلخيص السمات الظاهرة لطريقته في التدريس في النقاط التالية:

1- يطلب من بعض الطلاب أن يبدأ بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله والترحم على المؤلف، ثم يتلو حفظًا موضوع الدرس إذا كان الكتاب متنًا, ويحرص جدًا على أن يحفظ جميع الطلاب المنتظمين المتون ولا يرضى بنصف حفظ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أطول منه إلا بعد حفظ الأول وفهمه، ولذا كان الطالب المجد منهم يتخرج في سبع سنوات.

2- قبل أن يبدأ بالشرح يقرأ هو ما قرأ الطلاب.

3- يشرع في شرح عبارات المتن بدقة ووضوح.

4- يعرض بعض المسائل ويتكلم عليها.

5- إذا عرض لمسألة خلاف ذكر رأي المؤلف أولاً وأدلته، ثم ذكر رأي المخالفين كلاًّ على حدة، مع دليله.

وكان في ذلك كله يحترم كل ذي رأي من العلماء ولا يذكره بما يسوء، وكان يرجح ما يراه معتمدًا في ذلك على الدليل وأقوال المحققين, ولم يكن يعرض من الخلاف إلا ما كان ذا جدوى.

وقد يصحح أحد القولين بدون سرد الأدلة لقصر الوقت أو نظرًا لحال الطالب.

6- كان يلتزم بالموضوع ولا يستطرد إلى مسائل خارجة عنه.

7- كان إذا فرغ من الدرس تلقى أسئلة الطلاب وأجاب، وقد يثير هو بعض الإشكالات ليقدح أذهان الطلاب.



8- يختبر الطلاب فيما شرح لهم في بعض الأحيان بإلقاء الأسئلة عليهم، ويعربون متن ألألفية وشواهدها.

9- فيما يتعلق بالعقائد لم يكن يحرص على ذكر آراء أهل البدع والإشراك، فإذا وجد ضرورة لذلك، أو كان المؤلف ذكرها فإنه يتكلم عنها بتوسع، ويشتد في الرد عليهم دون إفراط.

10- وبالنسبة لقراءة المطولات، لم يكن يشرحها عبارة عبارة، وإنما كان يقف عند المهم منها، أو ما يسأل عنه أحد الحاضرين.

11- يلزم اللغة العربية في جميع مجالسة العامة.

12- يلتزم الهدوء أثناء شرحه للمتون، أو تعليقه على المطولات؛ فلا تراه يلتفت أو يشير بيد أو يعبث بشيء.

13- لم يكن يسمح بإثارة الأسئلة التافهة، أو الدخول في مناقشات عقيمة.

* أخلاقه:

لم يصل رحمه الله على ما وصل إليه من مكانة في قلوب الناس بمجرد المصادفة، ولكنْ مردُّ ذلك إلى توفيق الله عز وجل أولاً، ثم إلى ما كان يتحلى به من أخلاق فذَّةٍ التزم بها، وحافظ عليها طوال أيامه.

ولا بأس من الإشارة إلى بعض ما نعرفه عنه من الأخلاق الحميدة فمن ذلك:

1- الحافظة النادرة التي كانت أقوى سبب في تحصيل ثروة علمية واسعة بنيت على محفوظاته التي علقت بذاكرته أثناء تعلمه ومطالعاته أثناء تدريسه، فكانت الأساس القوي لمقدرته على استنباط الأحكام، ومعرفة الأدلة التي تبنى عليها, وقد مرَّ بنا أنه حفظ بلوغ المرام وزاد المستنقع وغيرهما مما مرَّ ذكره في فَصْلَيْ «شيوخه واشتغاله بالتدريس».

ونزيد هنا أنه كان يحفظ كثيرًا من القصائد المطولة، وكان يصف وهو في أُخريات أيامه مشاهداته قبل أن يكف بصره وأنت على علم أنه فقد بصره في السادسة عشرة من عمره، وكان يحفز المتن للقراءة الثالثة وربما الثانية، وكانت المعاملة الطويلة التي تبلغ ثلائمائة صفحة تقرأ عليه ثم يملي ما يرى مستحضرًا كل ما مر فيها من الجزئيات، ولم يكن غريبًا منه أن يدل القارئين على مواضع الأبحاث في كتبها، ذاكرًا رقم الصفحة أحيانًا، ومثل ذلك لا يكون إلا لمن آتاه الله ذاكرة واعية.

2- وقد رزق من الذكاء ما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيره، وكان يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات؛ فيكشف ما وراءها من الدوافع ببصيرته الفذة، ولم يكن ينطل عليه كيد أو احتيال, وحياته كلها أمثلة من هذا النوع لسنا في حاجة إلى الدخول في ضرب الأمثال لها؛ فأكثر العارفين به يدركون ذلك.

ولكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أنه رحمه الله كان يدرك تقدير الوقت بالساعة، لا يكاد يخطئ الحقيقة في بضع دقائق، مع العلم بأنه لم يستعمل الساعة في حياته.

3- وكان يطيل التأمل والتعمق ويبعد النظر فيما يعرض عليه من القضايا التي تَجدُّ تباعًا، ولم يكن يتعجل الأمر حتى يمعن في الدرس والتأمل والنظر في عواقب الأمور، فكان يصل بعد ذلك إلى الاستنتاج الدقيق الذي لا يكاد يختلف ولا يخالفه فيه ذو إنصاف، والأمثلة في هذا المقام كثيرة لكن أسوق منها مثالين:

أحدهما: أنه سئل عن افتتاح حمام فني([2]) فكتب ما نصه:

(لا أرى فتح مثل هذا الحمام في هذا البلد، لأن الضرر سيكون أكبر من النفع، ومثل هذه الأشياء تكون عادة وسيلة لفساد لم يخطر على بالٍ الذي أسسها، ومعها حرصت الآن على مراعاة الآداب الشرعية والأخلاقية، فإنك لن تستطيع ذلك في المستقبل بعد فتح هذا الباب).

ثانيهما: أنه سئل عن إنشاء صندوق لسائقي السيارات فقال في الجواب ما نصه:

(إن اقتراح الذين اقترحوا جعل الصندوق مشروعًا خيريًا، يحتاج إلى تقييد، لأنه وإن كان طرق الخير مفتوحة أمام الراغبين، إلا أنه ينبغي معرفة ما وراء ذلك، لئلا تكون وسيلة إلى استباحة أشياء لا تجوز تحت اسم الشيء المسموح).

4- ومن أخلاقه البارزة: الإخلاص في العمل، فلم يكن يومًا طالب شهرة، ولا باحثًا عن سمعة، بل كان عمله كله لله يبتغى ما عنده، يجتهد في تحري الحق، ويجتهد في الدفاع عن الحق، لا يأخذه في ذلك ضعف، ولا يعتريه طمع، ولم يعرف عنه أنه تحدث عن أعماله على جلالتها وكثرتها.

5- طهارة قلبه، فكان لا يحمل ضغينة على من أساء إليه، ولا ينتقم من أحد ناله بأذى، بل كان ديدنه الصفح والتجاوز، بل المحافظة عليهم، والدفاع عنهم أن ينالهم أحد بما يعرف أنه باطل.

6- وكان رحمه الله على حظ وافر من الشجاعة وقوة الشكيمة، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يتردد في إعلان الحق أيَّا كان المخاطب به، ودافعه في ذلك مخافة الله وحرصه على أن يخلص ذمته مما علق بها، فمكانته ومسؤوليته تحتم عليه نبذ التخاذل، وكان يكره المتملقين، وله في ذلك مواقف حفظها التاريخ.

7- ومن السمات البارزة التي كانت تميزه ما آتاه الله من هيبة في نفوس الناس، وهو أمر لا يرجع إلى مخافة منه، ولكن إلى محبته وإجلاله ومعرفتهم عنه صرامته في الحق، يحسب مُحَدِّثُه الحساب الدقيق، حتى لا يزٍلَّ في كلمة أو يخطيء في فكرةٍ، ومع ذلك فقد كان أنيسًا عند مخالطته، ألوفًا لمعاشريه، لا يتصف بشيء من الغلظة، أو الغضاضة، وكان يحسن الفرق بين مجالس الجد والعمل، ومجالس الراحة حيث يكون في سفر أو نزهة.

8- وكان يتنزه عن الغيبة والحديث عن الآخرين بما يكرهون، وعرف بذلك منذ حداثة سنة حتى فارق الدنيا، ولم يكن يسمح لأحد أن يتحدث في مجالسه بمثالب الآخرين، أو تنقصهم، بل كان يقف دون ذلك ويزجر من حاوله.

9- ومما لا يعرفه الكثيرون عنه، ما يتصف به رحمه الله من العفة والتورع عن أخذ ما ليس له، أو ما يرى فيه شبهة، فكان حريصًا على أن لا يدخل نفسه في مداخل مشتبهة، ولم يعرف أنه اشتغل بالبيع أو الشراء، لا بالاستقلال ولا بالمشاركة، بل كان مقتصرًا على ما يتقاضاه مقابل عمله، بل إنه كان يشغل عدة أعمال كما هو معروف، لا يتقاضى إلا ما كان يأخذه قبل إحداث هذه الأعمال، ولم يكن يأخذ انتدابًا مقابل انتقاله إلى مدينة الطائف صيفًا، ولم أعرف عنه أنه طلب من المسئولين شيئًا يخصه.

10- ومما لا ينكر من أخلاقه الظاهرة للعيان، كراهيته الشديدة للمديح والثناء عليه، فما كان يرضى من أحد أن يثني عليه، أو يبالغ في مدحه، سواء كان ذلك مشافهة أو كتابة.

ومن الأمثلة التي تذكر في هذا المقام: ما كتب به إلى أحد الناس ونصه: «ملحوظة: كثيرًا ما تكتب في خطاباتك ألقابًا لا يسوغ ذكرها؛ كقولك شيخ الإسلام ومفتى الأنام، وهذا شيءٌ لا نرضاه».

وكتب في مناسبة أخرى ما نصه: «وما ذكرتم في خطابكم من الثناء، نود ألا نسمعه, فنحن نستغفر الله ونتوب إليه من تقصيرنا وضعفنا، نسأله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه».

وكتب لآخر ما نصه: «نفيدكم أنه جاء في خطابكم بعض العبارات، مثل قولكم: عالم الوجود، تلك العبارة التي لا يصدر مثلها إلا عن جاهل».

11- وكان رحمه الله معروفًا بالبذل والسخاء في الحدود التي لا تصل إلى المبالغة المكروهة شرعًا، والمؤدية إلى الإسراف، وإضاعة الوقت، وبالأخص ما يتعلق بإكرام العلماء والقضاء وطلاب العلم وذوي رحمه, وكان لا يترك مناسبة مهمة إلا أقام لها الوليمة الكبيرة ودعاهم.

12- خشيته لله: كان رحمه الله من أكثر الناس استحضارًا لعظمة الله، كثيرًا ما تسمعه يلهج بذكر الله والاستغفار، وتغرورق عيناه بالدموع حينما يكون في موقف مناجاة الله، أو يسمع بعض ما يحرك القلوب، ولقد كان ذلك يتجلى كثيرًا فيما يحييه من الليل بالصلاة التي كان يواظب عليها في إقامته وسفره، وقد لا يعرف هذا كثير من الناس الذين لا يتصلوا به، وقد صحبته زمنًا طويلاً وهو يقوم ما يقرب من ساعة ونصف آخر الليل، لا يترك ذلك.

ولا غرو, فقد كان رحمه الله يتحرى في جميع تصرفاته وأخلاقه الظاهرة والباطنة التأسي بالنبي r، وصحابته، وسلف هذه الأمة رضوان الله عليهم.

* الأعمال التي قام بها:

عرفنا في مناسبات كثيرة مما مضى في هذه الترجمة أنه رحمه الله باشر العمل منذ وفاة عمه عبد الله رحمه الله، وقد كان العمل الرئيسي الذي شمل أكثر أيام حياته هو (التدريس) وقد تحدثنا عنه في فصل خاصٍ لما له من الأهمية.



على أنه صاحَبَ التدريس مهمةٌ أخرى بدأت دون تنظيم رسمي وهي (الفتوى) فقد كان يشارك فيها حتى توفى الشيخ سعد بن عتيق، ثم استقبل بها حتى تحولت بآخرة إلى عمل منظم في دار الإفتاء، حيث أنشئت في عام 1374هـ.

وظل رحمه الله يقوم بالفتوى من خلال هذه الدار، حتى وافته المنية، إلى جانب ما كان يكتبه في هذا الميدان في بيته، من فتاوى، وردود على بعض الكاتبين في قضايا يرى بثاقب بصيرته أن السكوت عليها مسؤولية أمام إلى جانب هذين الأمرين، هناك أمر ثالث لا يقل خطرًا عنهما وهو (القضاء) فقد كان رحمه الله يقوم بتمييز الأحكام التي تحتاج إلى نظره، وينظر فيما أحيل إليه من القضايا بأمر من ولاة الأمور.

ولما حول القضاء نظرًا لاتساعه إلى رئاسة، أسندت إليه رئاسته في المنطقتين الوسطى والشرقية في عام 1376هـ، ثم ضمت إليه المنطقة الغربية بعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن رحمه الله في عام 1378هـ، وقد نصت المادة الحادية عشرة من نظام هيئة التمييز أن له رحمه الله حق النظر والبت فيما يختلف فيه القاضي وهيئة التمييز.

وإلى جانب ذلك كله ورغم ما كان يحمله من أعباء فقد تولى (رئاسة المعاهد العلمية والكليات) منذ إنشائها عام 1370هـ, ووُكل إليه الإشراف على (مدارس البنات) منذ افتتاحها في عام 1379هـ.

وكلف برئاسة (الجامعة الإسلامية) في المدينة المنورة عام 1381هـ. وتولى رئاسة (مجلس القضاء) الذي شكل في عام 1388هـ وعقد في حياته مرتين, وولي رئاسة (رابطة العالم الإسلامي) منذ إنشائها في عام 1379هـ وإمامة جامع حي الدخنة وخطابة المسجد الكبير المعروف الآن (في ساحة العدل الرياض).

وشكل هيئة تضم كبار العلماء لتكون مرجعًا لبحث ما يحصل من المشاكل العلمية العويصة، وتقرير ما يلزم حيالها، وللمذاكرة فيما بينهم، والتصدي لنشر الدعوة الإسلامية والذود عنها، ومحاربة التيارات الجارفة والمبادئ الهدامة.

وبعبارة عامة: فقد كان له رحمه الله الإشراف التام على جميع الشؤون الإسلامية داخل المملكة وخارجها مما يتصل بالمملكة العربية السعودية وتعنى بتوجيهه.

ومثل هذا لا يقوم به العالم العادي، ولكن من آتاه الله القوة والجلد، وإن ذلك ليدل على ثقة الناس، وبخاصة أولياء الأمور في حصافة عقله، وسعة علمه، ومقدرته الفذة، وحاجتهم إليه في كل ما يعرض لهم من المشكلات.

* تلاميذه:

لا أظن أن من يعرفه رحمه الله يخفى عليه أمر الذين أخذوا عنه العلم واستفادوا منه الفائدة الكبرى, ولا أظن ذلك يخفى على من عرف المدة الطويلة التي قضاها يشتغل بالتدريس، فقد مر به أفواج بعد أفواج، ينهلون من علمه، ويستنيرون بثاقب نظره، وقد انتشروا في أنحاء المملكة العربية السعودية بين عالم وقاض ومدرس وواعظ وخطيب مسجد ومتفرغ من الأعمال، ولا أظن أن الحصر قادر على أن يأتي على جميع أسمائهم لذلك فإني أكتفي بعرض أسماء طائفة منهم وهم:

- الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد

رئيس المجلس الأعلى للقضاء حاليًا

- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

صاحب المؤلفات المشهورة

- الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد

رئيس محكمة هيئة التمييز حاليًا

- الشيخ سعود بن رشود

قاضي الرياض سابقًا

- الشيخ صالح بن غصون

عضو هيئة التمييز حاليًا

- الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم

شقيق المترجم الفرضي المشهور

- الشيخ عبد الملك بن إبراهيم

شقيق رئيس هيئات الأمر بالمعروف في المنطقة الغربية سابقًا

- الشيخ عبد العزيز بن الشيخ محمد

نجل سماحته رئيس هيئات الأمر بالمعروف حاليًا

- الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد

نجل سماحته وزير العدل حاليًا

- الشيخ عبد الرحمن بن فارس

قاض بمحكمة الرياض حاليًا

- الشيخ محمد بن مهيزع

قاض بمحكمة الرياض سابقًا

- الشيخ عبد الرحمن بن هويمل

قاض بمحكمة الرياض سابقًا

- الشيخ عبد العزيز بن زاحم

قاض بمحكمة الرياض

- الشيخ عبد الرحمن بن سحمان

قاض بمحكمة الدلم

- الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد



- الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود آل سعود



- الشيخ عبد الله بن عقيل

عضو المجلس الأعلى للقضاء

- الشيخ عبد الله بن غديان

عضو الهيئة الدائمة للإفتاء

- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين

مدرس بكلية الشريعة

- الشيخ فهد بن حمين

مدرسة بكلية أصول الدين

- الشيخ حمود بن عقلاء

مدرس بكلية الشريعة

- الشيخ عبد الرحمن بن فريان



- الشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض



* آثاره:

لم تكن في حياته رحمه الله فرصة يتفرغ فيها للتأليف، فقد كان انشغاله بما علمت من الأعمال التي وصفناها قبل لا تدع فرصة للراحة؛ إذ كان عمله يستمر أحيانًا إلى الساعة الخامسة ليلاً (بالتوقيت الغروبي)، فضلاً عن أن تدع له فرصة يفرغ فيها ذهنه، ويرجع إلى المراجع فيكتب وينشر، كما نراه لكثير من أهل العصر، ولأنه رحمه الله لم يكن بالشخص الذي يكتب كل ما عَنَّ له بل كان كما وصفناه، طويل التأمل، شديد المحاسبة لنفسه، ومسئوليته تحتم عليه أن لا يكتب إلا بعد تحر طويل؛ لأن كلمة منه تعد حجة يتعلق بها العامة والخاصة، ومع ذلك فإن حياته لم تخل من كثير من الرسائل والفتاوى التي كتبها في مناسبات مختلفة.

على أن أَجلَّ أثر من آثاره هذا الأثر الكبير الذي نقدمه هذا اليوم، والمتمثل في فتاواه التي بلغت (عشرة أجزاء)([3]) لو لم يكن له أثر سواها لكفى به فخرًا لم يصل إليه غيره من أهل عصره, ومما ينبغي التنويه عنه من آثاره أنه اختار ألف حديث في أبواب مختلفة.



* مرضه الأخير ووفاته:

في عام 1389هـ نزل به رحمه الله مرض سافر من أجله إلى لندن للعلاج، فأقام بها أيامًا، ثم عاد دون أن يُكتب له الشفاء، فلزم البيت وأخذ المرض يشتد يومًا بعد يوم، ولم يثمر ما بذل له من عناية طبية حتى دخل في غيبوبه تامة انتهت به إلى الوفاة في 14/9/1389هـ.

وكان طيلة مرضه يكثر من ذكر الله والاستغفار حتى أخذته الغيبوبة, وقد صُلِّيَ عليه في المسجد الجامع الكبير مع صلاة الظهر، وأَمَّ الناس فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وحضر الصلاة جمع جم ضاق بهم المسجد على سعته، وصلى كثير منهم خارج المسجد، وانسدت الطرق بالسيارات والمشاة، ولم يكن بين وفاته والصلاة عليه إلا ساعتان، وتبعه المصلون إلى مقبرة العود حيث ووري هناك.

تغمد الله شيخنا برحمته، وسدد خطا خلفائه، ونفع بعلومه، وجعل عملنا خالصًا لوجهه، إنه سميع قريب مجيب.

العلامة الشيخ أبو زيد عبد الرحمن النتيفي الجعفري المغربي(ت 1385هـ

هو الإمام المحدث الحافظ، العلامة الحجة، والشيخ القدوة، الشيخ الفقيه الحاج عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم النتيفي، أبو زيد الجعفري، يرتفع نسبه الشريف إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولد الشيخ سنة 1303ه‍ بقرية المقاديد بقبيلة هنتيفة (أو انتيفة وهي من قبائل الأطلس المطلة على سهل تادلا)، ولما أتمّ عامه الرابع أدخله والده الكُتاب، فحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل مع عائلته واستقروا في مدينة سطات التي تابع فيها حفظ القرآن بالروايات، فأتم بها قراءة الكسائي وحمزة، ثم طلب العلوم اللغوية والشرعية، فتتلمذ سنة 1319ه‍ على الفقيه الشيخ سيدي بوشعيب البهلولي الذي أولاه عناية كبرى لما رآه فيه من شدة النباهة والإقبال على طلب العلم، ثم سافر إلى فاس فأخذ عن عدة مشايخ؛ منهم العلامة الشيخ الفاطمي الشرايبي، والعلامة محمد التهامي كنون، والعلامة محمد بن جعفر الكتاني وخلق، وفي عام 1325ه‍ قصد مدينة مراكش فعرج على الدار البيضاء وألقى بها بعض الدروس ليتم بعدها رحلته إلى مراكش مع شيخه البهلولي الذي كان مقربا من السلطان المولى عبد الحفيظ، ثم قفل راجعا إلى فاس عبر الدار البيضاء ووجدها تئن تحت وطأة الاحتلال الفرنسي وشهد أثناء ذلك موقعة تدارت الشهيرة. زار الشيخ بعد ذلك العديد من القبائل والمدن يعلم الناس العقيدة الصحيحة ويحارب ما انتشر من البدع والخرافات وما يدعو له المتعصبة الذين كانوا مطية للاحتلال الفرنسي والإسباني، فعلا شأن الشيخ بين الناس لا يقطعون أمرا إلا بعد الرجوع إليه، وانتشرت أخباره بالأطلس الصغير فكثر الوافدون عليه قصد طلب العلم على يديه والجلوس في حلق دروسه، فأنشأ مدرسة بمدينة خنيفرة حتى تسع لجميع طلابه؛ ومن أبرزهم: الفقيه عباس التادلي، والعلامة المؤرخ محمد العبدي الكانوني، والقاضي أبو العباس أحمد بن قاسم المنصوري، وشقيق مترجمنا القاضي الأديب محمد، وولده الفقيه الحسن بن عبد الرحمن النتيفي الذي ألف ترجمة في أبيه.

كان منهجه في دروسه الكتاب والسنة والعقيدة الصحيحة، وكان يخللها بأحاديث الفضائل وسير السلف الصالح والصلحاء حتى لا يصيب الطلبة الملل والفتور، ثم غادر خنيفرة بعد احتلالها إلى فاس ودرّس بالقرووين ثم بالجامع السليماني بأبي الجعد. وفي عام 1341ه‍ استقر بمدينة الدار البيضاء وأنشأ بها مدرسة سمّاها السنة، واشتغل بالإمامة والتدريس والوعظ والخطابة والفتوى والمناظرة واهتم كثيرا بالتأليف سواء في بيان بعض المسائل المتعلقة بأحوال البلاد في تلك الفترة العصيبة، أو في الرد على بعض العلماء أو في ما تعلق بالفتاوى والنوازل؛ ومن مؤلفاته العديدة:

1. رد طعن الطاعنين في سحر اليهود لسيد المرسلين: في الرد على من طعن في الحديث الصحيح في المسألة، و عارض سحر النبي صلى الله عليه و سلم بالكلية، 2.المستغنم في بقاء الجنة و فناء جهنم، 3.المستغنم في رفع الجناح على المستخدم:  أفتى فيه بجواز الجمع بين الظهر و العصر للعمال الذين لا يتمكنون من أداء صلاة العصر في وقتها بسبب مشاكل العمل، 4.الإعلام في الرد على من حقر بعض شعائر الإسلام: رد فيه على مقال نشر بجريدة العلم هاجم فيه كاتبه سنة الأضحية، 5.الحكم المشهور في طهارة العطور وطهورية الماء المخلوط بالملح المسمى بالكافور، 6.الاستفاضة في أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يرى بعد وفاته يقظة: و قد رد فيه على السيوطي، 7.الفائدة المسموعة في لزوم الواحدة في الثلاث المجموعة: في مسألة الطلاق الثلاث في الكلمة الواحدة، 8.اللمعة في أن كل مكان تصح فيه الجمعة: أفتى فيه بجواز الصلاة بجنبات المسجد، والحوانيت المجاورة له، إذا امتلأت رحابه، وهو رد منه على ما أفتى به بعض فقهاء الرباط وفاس بالبطلان،  9.فهرسته التي تشتمل على أسانيده و مروياته، و إجازة العلماء له، 10. أوثق العرى في الأحكام المتعلقة بالشورى، وغيرها من الكتب.

وقد أجازه كثير من علماء وقته؛ منهم العلامة أحمد بن الخياط، وأبو محمد الفاسي، والشيخ أبو شعيب الدكالي وزير العدل آنذاك، والقاضي مولاي علي الدمناتي.

توفي الشيخ رحمة الله تعالى عليه ليلة الثلاثاء 23 ذي القعدة عام 1385ه‍ الموافق ل15 مارس 1966م بعد مرض عضال، وكان الشيخ قد أوصى قبل وفاته بعدم تأبينه، وألا يُبنى على قبره وأن يُكتب على الشاهد: هذا قبر الراجي عفو ربه ومولاه، والتارك دنياه كما أسبلها عليه لا زاده من ذلك المرحوم بكرم الله عبد الرحمن بن محمد النتيفي.

حلّاه ممن عاصره من العلماء بأوصاف تدل على علو مكانته العلمية؛ فقال في حقه الشيخ أحمد ابن الخياط: الفقيه الأجلّ المدرس المحقق النفاعة المبارك الأمثل، وقال عنه الشيخ أبو شعيب الدكالي: الألمعي الذكي الحافظ اللودعي، وقال عنه السيد محمد بن أحمد قاضي مكناس: هذا يعمر المراتب كلها، وقال عنه القاضي الدمناتي: الفقيه العلامة النّجيب الذي بزغ بين أقرانه.

زياد علي

زياد علي محمد